Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
وأخرج رجلا من الكرك يعرف بأبى بكر البازدار ومعه رجلان ليبشّروا بقدومه، فوصلوا إلى الأمير أيدغمش فى يوم الاثنين خامس عشرينه «١» ، وبلّغوه سلام السلطان وعرّفوه أنّه كان قد ركب الهجن وسار على البريّة صحبة العرب، وأنه يصابح أو يماسى، فخلع عليهم وبعث بهم إلى الأمراء، فأعطاهم كلّ أمير من الأمراء المقدّمين خمسة آلاف درهم، وأعطاهم بقيّة الأمراء على قدر حالهم، وخرج العامّة إلى لقائه.
فلمّا كان يوم الأربعاء سابع عشرين شهر رمضان قدم قاصد السلطان إلى الأمير أيدغمش بأنّ السلطان يأتى ليلا من باب القرافة، وأمر أن يفتح له باب السرّ حتى يعبر منه، ففتحه وجلس أيدغمش وألطنبغا الماردانىّ حتى مضى جانب من ليلة الخميس ثامن عشرينه أقبل السلطان فى الليل فى نحو العشرة رجال من أهل الكرك، وقد تلثّم وعليه ثياب مفرّجة فتلقوه وسلّموا عليه، فلم يقف معهم، وأخذ جماعته ودخل بهم، ورجع الأمراء وهم يعجبون من أمره، وأصبحوا وقد دقّت البشائر بالقلعة وزيّنت القاهرة ومصر، واستدعى السلطان أيدغمش فى بكرة يوم الجمعة، فدخل عليه وقبّل له الأرض فاستدناه وطيّب خاطره، وقال له: أنا ما كنت أتطلع إلى الملك وكنت قانعا بذلك المكان، فلمّا سيّرتم فى طلبى ما أمكننى إلا أن أحضر كما رسمتم، فقام أيدغمش وقبّل الأرض ثانيا، ثم كتب عن السلطان إلى الأمراء الشاميّين يعرّفهم بقدومه إلى مصر وأنه فى انتظارهم، وكتب علامته بين الأسطر: «المملوك أحمد بن محمد» . وكتب إليهم أيدغمش كتابا، وخرج مملوكه بذلك على البريد فلقيهم على الورّادة»
فلم يعجبهم هيئة عبور السلطان إلى مصر، وكتبوا
стр. 3187
إلى أيدغمش أن يخرج إليهم هو والأمراء إلى سرياقوس ليتفقوا على ما يفعلوه.
فلمّا كان يوم عيد الفطر منع السلطان الأمراء من طلوع القلعة، ورسم لكلّ أمير أن يعمل سماطه فى داره، ولم ينزل السلطان لصلاة العيد، وأمر الطواشى عنبر السّحرتى مقدّم المماليك ونائبه الطواشى الإسماعيلى أن يجلسا على باب القلعة ويمنعا من يدخل عليه، وخلا بنفسه مع الكركيين. وكان الحاج علىّ «إخوان «١» سلّار» إذا أتى بطعام للسلطان على عادته خرج إليه يوسف وأبو بكر البازدار وأطعماه ششنى الطعام وتسلّما السّماط منه وعبرا به إلى السلطان، ويقف الحاجّ على «إخوان سلّار» بمن معه حتى يخرج إليهم الماعون.
وحكى الرئيس جمال الدين بن المغربى رئيس الأطباء أنّ السلطان استدعاه وقد عرض له وجع فى رأسه فوجده جالسا وبجانبه شابّ من أهل الكرك جالس، وبقية الكركيّين قيام فوصف له ما يلائمه وتردّد إليه يومين وهو على هذه الهيئة. انتهى.
ثم فى يوم الأحد تاسع شوّال قدم الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخرى والأمير طشتمر الساقى حمّص أخضر وجميع أمراء الشام وقضاتها والوزراء ونوّاب القلاع فى عالم كبير حتى سدّوا الأفق ونزل كثير منهم تحت القلعة فى الخيم، وكان خرج إلى لقائهم الأمير أيدغمش والحاجّ آل ملك والجاولى وألطنبغا الماردانى وغيرهم، وأخذ
стр. 3188
الفخرى يتحدّث مع أيدغمش فيما عمله «١» السلطان من قدومه فى زىّ العربان واختصاصه بالكركيّين، وإقامة أبى بكر البازدار حاجبه، وأنكر عليه ذلك غاية الإنكار، وطلب من الأمراء موافقته على خلعه وردّه إلى مكانه، فلم يمكّنه طشتمر حمص أخضر من ذلك، وساعده الأمراء أيضا، وما زالوا به حتى أعرض عمّا همّ به، ووافق الأمراء على طاعته. فلما كان يوم الاثنين عاشره لبس السلطان شعار السلطنة وجلس على تخت الملك، وحضر الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد وقضاة مصر الأربعة وقضاة دمشق الأربعة، وجميع الأمراء والمقدمين وبايعه الخليفة بالسلطنة وقبّلوا الأرض بين يديه على العادة. ثم قام السلطان على قدميه فتقدّم الأمراء وباسوا يده واحدا بعد واحد على قدر مراتبهم، وجاء الخليفة بعدهم وقضاة القضاة ما عدا القاضى حسام الدين الغورىّ الحنفىّ، فإنه لمّا طلع مع القضاة وجلسوا بجامع القلعة حتّى يؤذن لهم على العادة جمع عليه [طبّاخ المطبخ «٢» السلطانىّ] بعض صبيان المطبخ جمعا من الأوباش لحقد كان فى نفسه منه عند ما تحاكم هو وزوجته عنده قبل ذلك، فأهانه القاضى المذكور، فلمّا وجد الطباخ الفرصة هجم عليه بأوباشه ومدّ يده إلى الغورىّ من بين القضاة وأقاموه وحرقوا عمامته فى حلقه وقطعوا ثيابه وهم يصيحون: يا قوصونىّ! ثم ضربوه بالنعال ضربا مبرّحا، وقالوا له: يا كافر يا فاسق! فارتجّت القلعة، وأقبل علم «٣» دار حتى خلّصه منهم وهو يستغيث يا مسلمين! كيف يجرى هذا على قاض من قضاة المسلمين؟ فأخذ المماليك جماعة من تلك الأوباش وجروهم إلى الأمير أيدغمش فضربهم وبعث طائفة من
стр. 3189
الأوجاقية، ساروا بالغورى إلى منزله ولم يحضر الموكب وثارت العامّة على بيته بالمدرسة الصالحية «١» ونهبوه، فكان يوما شنيعا.
ثم فى يوم الخميس ثالث عشره عمل السلطان موكبا آخر وخلع على سائر الأمراء قاطبة، وأنعم على الأمير طشتمر حمّص أخضر بعشرة آلاف دينار وعلى الأمير قطلوبغا الفخرى بما «٢» حضر معه من البلاد الشامية وهو أربعة آلاف دينار ومائة ألف درهم فضّة، ونزل فى موكب عظيم بمن حضر صحبته من أمراء البلاد الشامية وهم الأمير سنجر الجمقدار «٣» وتمر الساقى وطرنطاى البچمقدار «٤» وآقبغا عبد الواحد وتمر الموسوى وابن قراسنقر وأسنبغا بن البوبكرى وبكنمر العلائى وأصلم نائب صفد. ثم طلب السلطان الوزير نجم الدين، ورسم له أن يكون يوسف البازدار ورفيقه مقدمى البازداريّة، ومقدمى الدولة، وخلع السلطان عليهما كلفتاه زركش وأقبية طردوحش بحوائص ذهب، فحكما مصر فى الدولة وتكبّرا على الناس وسارا بحمق زائد.
ثم فى يوم السبت خامس عشره خلع على الأمير طشتمر الساقى حمّص أخضر باستقراره فى نيابة السلطنة بالديار المصريّة فتوّجه بخلعته وباشر النيابة، وجلس والحجاب قيام بين يديه والأمراء فى خدمته. وفى يوم الاثنين سابع عشره أخرج
стр. 3190
السلطان عبد المؤمن بن عبد الوهاب السّلامى والى قوص من السجن، ورسم بتسميره فسمّر على باب البيمارستان «١» المنصورىّ بمسامير جافية شنيعة، وطيف به مدّة ستة أيام وهو يحادث الناس فى الليل بأخباره، ومما حدّثهم به أنه هو الذي كان وثب على النشو ناظر الخاصّ وضربه بالسيف، حسب ما ذكرناه فى ترجمة الملك الناصر محمد بن قلاوون من أمر النشو، وأنّه لما سقطت عمامته عن رأسه ظنّها رأسه.
وكان إذا قيل له: اصبر يا عبد المؤمن، فيقول: أسأل الله الصبر، وينشد كثيرا قوله
يبكى علينا ولا نبكى على أحد ... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل
وكان السبب لقتله ومثلته هذه أنه قتل الملك المنصور أبا بكر بن الناصر محمد بقوص بأمر قوصون، ثم شنق بعد ذلك فى يوم السبت ثانى عشرين شوّال على قنطرة «٢» السدّ وأكلته الكلاب. ثم قبض السلطان على أحد وعشرين أميرا وأخرجهم إلى الإسكندريّة صحبة الأمير طشتمر طلليه «٣» .
ثم فى يوم الخميس سابع عشرينه خلع على الأمير الحاجّ آل ملك بنيابة حماة عوضا عن طقزدمر الحموىّ وعلى بيبرس الأحمدى واستقرّ فى نيابة صفد عوضا عن أصلم الناصرى وعلى آق سنقر، واستقر نائب غزّة على عادته. وفى مستهلّ ذى القعدة خلع على الأمير قطلوبغا الفخرى بنيابة دمشق وعلى الأمير أيدغمش أمير آخور بنيابة حلب. ثم فى يوم الثلاثاء ثانيه استقرّ قمارى أمير شكار أمير آخور عوضا عن أيدغمش؛ واستقرّ أحمد شادّ الشّربخاناه أمير شكار، واستقرّ آقبغا عبد الواحد فى نيابة حمص. ثم أنعم السلطان على الأمير زين الدين قراجا بن دلغادر بإنعامات
стр. 3191
كثيرة وكتب له بالإمرة على التّركمان ونيابة أبلستين. وفى يوم الأحد سابع ذى القعدة خرج الأمير أيدغمش متوجّها إلى نيابة حلب. وفى يوم الاثنين خامس عشره خرج الأمير قطلوبغا الفخرى متوجّها إلى نيابة دمشق ومعه من تأخّر من عساكر الشام، وخرج الأمير نائب السلطنة بالقاهرة لوداعه وجميع الأمراء ومدّ له سماطا عظيما.
ولما توجّه الفخرى وأيدغمش وغيرهما من الديار المصرية وبقى الأمير طشتمر الساقى حمص أخضر نائب السلطنة بالقاهرة قبض عليه السلطان بعد خروج الفخرى بخمسة أيام، وذلك فى يوم السبت العشرين من ذى القعدة.
وسبب القبض على طشتمر أنه بقى يعارض السلطان بحيث إنه كان يردّ مراسيمه ويتعاظم على الأمراء والأجناد تعاظما زائدا، وكان إذا شفع عنده أحد من الأمراء فى شفاعة لا يقبلها، وكان لا يقف لأمير إذا دخل عليه، وإذا أتته قصّة عليها علامة السلطان بإقطاع أو غيره أخذ ذلك منه وطرد من هى باسمه، وأخرق «١» به، وقرّر مع السلطان أنه لا يمضى من المراسيم إلّا ما يختاره، ورسم للحاجب بألّا يقدّم أحد قصّة للسلطان إلّا أن يكون حاضرا، فلم يتجاسر أحد أن يقدّم قصّة للسلطان فى غيبته. وأخذ إقطاع الأمير بيبرس الأحمدى وتقدمته لولده، فكرهته الناس، وصارت أرباب الدولة وأصحاب الأشغال كلّها فى بابه، وتقرّبوا إليه بالهدايا والتّحف، وانفرد بتدبير الملك، وحطّ على الكركيّين ومنعهم من الدخول على السلطان، فلم يتهيّأ له ذلك. وكان ناصر الدين المعروف بفار السّقوف قد توصّل إلى الكركيين حتى استقرّ إمام السلطان يصلّى به الخمس وناظر المشهد النّفيسىّ عوضا عن تقىّ الدّين على بن القسطلانيّ خطيب جامع عمرو وجامع القلعة، وخلع عليه
стр. 3192
السلطان بغير علم طشتمر النائب، فبعث إليه طشتمر عدّة نقباء ونزع الخلعة من عليه وسلّمه إلى المقدّم إبراهيم بن صابر، وأمر بضربه وإلزامه بحمل مائة ألف درهم، فضربه ابن صابر ضربا مبرّحا واستخرج منه أربعين ألف درهم. ثم أفرج عنه بشفاعة أيدغمش والفخرى فيه بعد ما أشهد عليه أنه لا يطلع القلعة. ثم أخذ قصير معين «١» من مباشرى قوصون وأحاط بما فيه من القنود والأعسال والسكّر وغير ذلك، فعظم ما فعله على السلطان وعلى الأمراء، فإنه خرج عن الحدّ، إلى أن قرر السلطان مع مقدّم المماليك عنبر السّحرتى والأمير آق سنقر السّلّارى فى القبض على طشتمر وعلى قطلوبغا الفخرى، وأن ستدعى مماليك بشتك وقوصون وينزلهم بالأطباق من القلعة ويعطيهم إقطاعات بالحلقة ليصيروا من جملة مماليك السلطان خوفا من حركة طشتمر النائب.
ثم رتّب السلطان عنده مماليك بداخل القصر للقبض على طشتمر أيضا. وكان مما جدّد طشتمر فى نيابته أن منع الأمراء أن تدخل مماليكها إلى القصر، وبسط من باب القصر بساطا إلى داخله كما كان فى الأيام الناصريّة فصار الأمير لا يدخل إلى القصر إلّا بمفرده، فكان ما دبّره عليه. ثم دخل هو أيضا بمفرده ومعه ولداه إلى القصر، وجلس على السّماط على العادة، فعند ما رفع السماط قبض كشلى «٢» السلاح دار أحد المماليك السلطانية وكان معروفا بالقوّة على كتفيه من خلف ظهره قبضا عنيفا.
ثم بدر إليه جماعة من المماليك وأخذوا سيفه وقيّدوه وقيدوا ولديه، ونزل أمير مسعود الحاجب فى عدّة من المماليك السلطانية فأوقع الحوطة على بيته «٣» وأخذ
стр. 3193
مماليكه فسجنهم. ثم خرج فى الحال ساعة القبض على طشتمر الأمير ألطنبغا الماردانى والأمير أرنبغا أمير سلاح ومعهما من أمراء الطبلخاناه والعشرات نحو خمسة عشر أميرا ومعهم أيضا من المماليك السلطانية وغيرهم ألف فارس، وتوجّهوا ليقبضوا على الأمير قطلوبغا الفخرى، وكتب للأمير آق سنقر الناصرى نائب غزّة بالركوب معهم بعسكره وجميع من عنده ومن هو فى معاملته، وكان الفخرى قد ركب من الصالحية «١» ، فبلغه مسك طشتمر ومسير العسكر إليه من هجّان بعث به إليه بعض ثقاته، فساق إلى قطّبا «٢» وأكل بها شيئا، ثم رحل مسرعا حتى دخل العريش «٣» فإذا آق سنقر بعسكره فى انتظاره على الزعقة «٤» ، وكان ذلك وقت الغروب فوقف كلّ منهما تجاه صاحبه. حتى أظلم الليل سار الفخرى بمن معه وهم ستون فارسا على البريّة، فلمّا أصبح آق سنقر علم أن الفخرى فاته، ومال أصحابه على أثقال الفخرى فنهبوها وعادوا إلى غزّة. واستمرّ الفخرى سائرا ليلته، ومن الغد حتّى انتصف النهار وهو سائق فلم يتأخّر معه إلا سبعة فرسان، ومبلغ أربعة آلاف وخمسمائة دينار، وقد وصل يبنى «٥» وعليها الأمير أيدغمش وهو نازل فترامى عليه، وعرّفه بما جرى وأنه قطع خمسة عشر بريدا فى مسير يوم واحد، فطيّب أيدغمش خاطره وأنزله فى خيمة وقام له بما يليق به، فلمّا جنّه الليل أمر به فقيّد وهو نائم وكتب بذلك إلى السلطان مع بكا الخضرى، وكان السلطان لمّا بلغه هروب الفخرى تنكّر على الأمراء
стр. 3194
واتّهمهم بالمخامرة عليه، وهمّ فى يوم الاثنين أن يمسكهم، فتأخّر عن الخدمة الجاولى فى يوم الاثنين المذكور، وهو تاسع عشرين ذى القعدة وتأخّر معه جماعة كبيرة. فلمّا كان وقت الظهر بعث لكل أمير طائر إوزّ مشوىّ وسأل عنهم؛ ثم بعث إليهم آخر النهار أن يطلعوا من الغد. فجاء بكا الخضرى عشيّة يوم الثلاثاء مستهلّ ذى الحجّة، ومعه البشارة بالقبض على سيف الدين قطلوبغا الفخرى، فسرّ السلطان بذلك، وكتب بحمله إلى الكرك. فلمّا طلع الأمراء إلى الخدمة فى يوم الثلاثاء ترضّاهم السلطان وبشّرهم بمسك الفخرى، ثم أخبرهم أنه عزم على التوجّه إلى الكرك، وتجهّز وأخذ الأموال صحبته، وأخرج الأمير طشتمر حمّص أخضر مقيّدا فى محارة «١» فى ليلة الأربعاء ومعه جماعة من المماليك السلطانيّة موكّلون به.
ثم تقدّم السلطان إلى الخليفة بعد ما ولّاه نظر المشهد النّفيسىّ عوضا عن ابن القسطلانيّ أن يسافر معه إلى الكرك، ورسم لجمال الكفاة ناظر الجيش والخاصّ، وللقاضى علاء الدين علىّ بن فضل الله كاتب السّر أن يتوجّها معه إلى الكرك. ثم ركب السلطان ومعه الأمراء من قلعة الجبل فى يوم الأربعاء ثانيه بعد ما أمّر ثمانية من المماليك السلطانية وخلع عليهم على باب الخزانة، وخلع على الأمير شمس الدين آق سنقر السّلّارى وقرّره نائب الغيبة، وخلع على شمس الدين محمد بن عدلان باستقراره قاضى العسكر، وخلع على زين الدين عمر بن كمال الدين عبد الرحمن ابن أبى بكر البسطامىّ واستقرّ به قاضى قضاة الحنفيّة بالديار المصرية عوضا عن حسام الدين الغورى. فلمّا سار السلطان حتى قرب قبّة النصر «٢» خارج القاهرة وقف حتى قبل الأمراء يده على مراتبهم ورجعوا عنه، فنزل فى الحال عن فرسه، ولبس
стр. 3195
ثياب العربان وهى كامليّة مفرّجة وعمامة بلثامين، وسائر الكركيّين فى طريقه، وترك الأمراء الذين معه وهم قمارى وملكتمر الحجازى وأبو بكر وعمر ابنا أرغون النائب مع المماليك السلطانية والطّلب، وتوجّه على البريّة إلى الكرك [وليس «١» معه إلّا الكركيون ومملوكان] وهم فى أثره فقاسوا مشقّة عظيمة من العطش وغيره حتى وصلوا ظاهر الكرك وقد سبقهم السلطان إليها، وقدمها فى يوم الثلاثاء ثامن ذى الحجّة، وكتب للأمراء بالديار المصرية يعرّفهم بذلك ويسلّم عليهم، فقدم كتابه القاهرة فى يوم الخميس سابع عشر ذى الحجّة.
ولمّا دخل الملك الناصر أحمد إلى الكرك لم يمكنّ أحدا من العسكر أن يدخل المدينة سوى كاتب السرّ وجمال الكفاة ناظر الجيش والخاصّ فقط. ورسم أن يسير الأمير المقدّم عنبر السّحرتى بالمماليك السلطانية إلى قرية «٢» الخليل ﵇، وأن يسير قمارى وعمر ابن النائب أرغون والخليفة إلى القدس الشريف «٣» . ثم رسم
стр. 3196
السلطان لمقدّم المماليك عنبر السّحرتى أن ينتقل بالمماليك السلطانية من الخليل إلى غزّة لغلاء الأسعار بالخليل، وفى أثناء ذلك وصل أمير علىّ بن أيدغمش بالفخرى مقيّدا إلى غزة وبها العساكر، فبعث السلطان إليه من تسلّم منه الفخرى وأعاد ابن أيدغمش إلى أبيه ولم يجتمع به، فسجن السلطان قطلوبغا الفخرى وطشتمر حمص أخضر بقلعة الكرك بعد ما نكّل بالفخرى وأهين من العامّة إهانة «١» زائدة.
ثم كتب السلطان لآق سنقر السّلّارى نائب الغيبة «٢» بإرسال حريم الفخرى إلى الكرك، وكانوا قد ساروا من القاهرة بعد مسير الفخرى بيوم، فجهزهنّ إليه، فأخذ أهل الكرك جميع ما معهنّ حتى ثيابهنّ، وبالغوا فى الفحش بهنّ والإساءة. ثم كتب السلطان لآق سنقر السلارى نائب الغيبة بالديار المصرية أن يوقع الحوطة على موجود طشتمر حمص أخضر وقطلوبغا الفخرى، ويحمل ذلك إليه بالكرك. وكان شأن الملك الناصر أحمد أنه إذا رسم بشىء جاء كاتب كركىّ لكاتب السرّ وعرّفه عن السلطان بما يريد، فيكتب كاتب السرّ ذلك ويناوله للكاتب الكركى حتى يأخذ عليه علامة السلطان، ويبعثه حيث يرسم به، هذا ما كان من أمر الملك الناصر.
أما العسكر المتوجّه من القاهرة إلى غزة فإن ابن أيدغمش لمّا قدم عليهم بمدينة غزة ومعه الفخرى أراد الأمير علاء الدين ألطنبغا الماردانىّ أن يؤخّره عنده بغزة حتّى يراجع فيه السلطان فلم يوافقه ابن أيدغمش، وتوجّه به إلى الكرك، فرحل ألطنبغا الماردانى وبقيّة العساكر عند ذلك إلى جهة الديار المصريّة فقدموها يوم السبت سادس عشرين ذى الحجّة وانعكف السلطان على اللهو واحتجب عن الناس
стр. 3197
إلّا الكركيّين. ثم بلغه تغيّر خواطر الأمراء فأخذ فى تحصين قلعة الكرك ومدينتها وأشحنها بالغلال والأقوات والأسلحة.
وأمّا أمر الديار المصرية فإنه شقّ عليهم غيبة السلطان منها، واضطربت أحوال القاهرة وصارت غوغاء، وصار عند أكابر الأمراء تشويش كثير لمّا بلغهم من مصاب حريم الأمير قطلوبغا الفخرى. وبقى الأمير آق سنقر السّلّارى فى تخوّف عظيم فإنه بلغه بأن جماعة من المماليك الذين قبض «١» على أستاذهم قد باطنوا بعض الأمراء على الركوب عليه، فترك آق سنقر الركوب فى أيام المواكب أياما حتى اجتمع الأمراء عنده وحلفوا له. ثم اتّفق رأى الأمراء على أن كتبوا للسلطان الملك الناصر أحمد كتابا فى خامس محرم سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة بأنّ الأمور واقفة لغيبة السلطان، وقد نافق غالب عربان الصعيد وغيره وطمع أرباب الفساد، وخيفت السّبل وفسدت الأحوال، وسألوا حضوره إلى الديار المصرية وأرسلوا الكتاب على يد الأمير طقتمر «٢» الصلاحىّ فتوجّه طقتمر إليه، ثم عاد إلى الديار المصرية بجوابه فى حادى عشره: بأننى قاعد فى موضع أشتهى، وأىّ وقت أردت حضرت إليكم؛ وذكر طقتمر أنّ السلطان لم يمكّنه الاجتماع به، وأنه بعث من أخذ منه الكتاب، ثم أرسل إليه الجواب.
وقدم الخبر بأنه قتل الأمير طشتمر الساقى حمّص أخضر، والأمير قطلوبغا الفحرى، وكان قصد قتلهما بالجوع، فأقاما يومين بلياليهما لا يطعمان طعاما، فكسبرا قيدهما- وكان السلطان قد ركب للصيد- وخلعا باب السجن ليلا وخرجا إلى
стр. 3198
الحارس فأخذا سيفه وهو نائم فأحسّ بهما، وقام يصيح حتى لحقه أصحابه فأخذوهما وبعثوا إلى السلطان بخبرهما، فقدم فى زىّ العربان ووقف على الخندق وأحضرهما وقد كثرت بهما الجراحات، فأمر يوسف ورفيقه بضرب أعناقهما، وأخذ يسبّهما فردّا عليه السبّ ردّا قبيحا، وضربت رقابهما، فلمّا بلغ الأمراء ذلك اشتدّ قلقهم.
ثم قدم كتاب السلطان للأمراء يطيّب خواطرهم ويعرّفهم أن مصر والشام والكرك له، وأنه حيثما شاء أقام، ورسم أن تجهّز له الأغنام من بلاد الصعيد، فتنكرت قلوب الأمراء «١» ، ونفرت خواطرهم وتكلّموا فيما بينهم فى خلعه، حتى اتّفق الأمراء على خلعه من السلطنة، وإقامة أخيه إسماعيل ابن الملك الناصر محمد، فخلع فى يوم الأربعاء حادى عشرين المحرّم من سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، فكانت مدة ولايته ثلاثة أشهر وثلاثة عشر يوما، منها مدّة إقامته بمدينة الكرك، ومراسيمه نافذة بمصر أحد وخمسين يوما. وإقامته بمصر شهران «٢» إلا أياما.
وكان لمّا خرج من الديار المصرية متوجّها إلى الكرك جمع الأغنام التى كانت لأبيه وأغنام قوصون، وعدّتها أربعة آلاف رأس وأربعمائة رأس من البقر التى كان استحسنها أبوه، وأخذ الطيور التى كانت بالأحواش على اختلاف أنواعها، وحملها على رءوس الحمّالين إلى الكرك، وساق الأغنام والأبقار إليها، ومعهم عدّة سقّايين، وعرض الخيول والهجن، وأخذ ما اختاره منها ومن البخاتى وحمر الوحش والزراريف والسّباع، وسيّرها إلى الكرك. ثم فتح الذخيرة وأخذ منها جميع ما فيها من الذهب والفضة وهو ستمائة ألف دينار وصندوق فيه الجواهر التى جمعها أبوه
стр. 3199
فى مدة سلطنته. وتتبّع جوارى أبيه حتى عرف المتموّلات منهنّ، فصار يبعث إلى الواحدة منهنّ يعرّفها أنه يدخل عليها الليلة فإذا تجمّلت بحليها وجواهرها أرسل من يحضرها إليه، فإذا خرجت من موضعها ندب من يأخذ جميع ما عندها، ثم يأخذ جميع ما عليها، حتى سلب أكثرهنّ. ثم عرض الرّكبخاناه، وأخذ ما فيها من السروج واللّجم والسلاسل الذهب والفضة. وأخذ الطائر الذهب الذي كان على القبّة، وأخذ الغاشية الذهب وطلعات السناجق؛ وما ترك بالقلعة مالا إلّا أخذه، واستمرّ بالكرك.
فلمّا تسلطن أخوه الملك الصالح إسماعيل حسب ما يأتى ذكره أرسل إلى الكرك يطلب من أخيه الناصر أحمد هذا شعائر الملك، وما كان أخذه من الخزائن وغيرها، فلم يلتفت الناصر إلى كلامه، فندب السلطان الملك الصالح تجريدة لحصاره بالكرك، واستمرّ يبعث إليه تجريدة بعد أخرى سبع تجاريد، حتى إنّه لم يبق بمصر والشام أمير إلا تجرّد إلى الكرك مرّة ومرّتين إلى أن ظفروا به حسب ما يأتى ذكر ذلك كلّه مفصّلا فى ترجمة الملك الصالح إسماعيل. ولمّا ظفروا بالملك الناصر أحمد قيدوه وحبسوه بالكرك بعد أن حاصروه بها مدّة سنتين وشهر وثلاثة أيام، ختى قبض عليه، اتلف فيها أموالا كثيرة فى النفقات على المقاتلة، وأخذ أمره يتلاشى وهلك من عنده بالجوع. وضرب الذهب وخلط به الفضّة والنحاس ونفق ذلك فى الناس، فكان الدينار الذي ضربه يساوى خمسة دراهم.
وكان القبض على الملك الناصر من الكرك فى يوم الاثنين الظهر ثانى عشرين صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وكتب بذلك إلى السلطان، فأرسل السلطان الملك الصالح الأمير منجك اليوسفىّ الناصرىّ السلاح دار الى الكرك فقتله وحزّ رأسه وتوجه بها إلى القاهرة
стр. 3200
وكان الملك الناصر أحمد هذا قد أخرجه أبوه الملك الناصر محمد بن قلاوون من الديار المصرية إلى الكرك وهو صغير، لعلّه لم يبلغ العشر سنين، فربّى بالكرك وأحبّ أهلها وصارت له وطنا، وكان نائب الكرك إذ ذاك ملكتمر السّرجوانىّ زوج أمّه.
ثم أرسل إليه أبوه أخويه: إبراهيم وأبا بكر المنصور فأقاموا الجميع بالكرك إلى أن طلبهم والدهم، وأعاد الناصر هذا إلى الكرك ثم طلبه ثانيا وزوّجه ببنت الأمير طايربغا من أقارب الملك الناصر، ثم أعاده إلى الكرك.
وكان الناصر هذا احسن إخوته وجها وشكلا، وكان صاحب لحية كبيرة وشعر غزير، وكان ضخما شجاعا صاحب بأس وقوّة مفرطة، وعنده شهامة مع ظلم وجبروت، وهو أسوأ أولاد الملك الناصر سيرة مع خفّة وطيش.
*** السنة التى حكم فى أوّلها المنصور أبو بكر إلى حادى عشرين صفر على أنه حكم من السنة الماضية تسعة ايام. ثم حكم فيها من صفر إلى يوم الخميس أوّل شعبان الملك الأشرف كچك. ثم حكم فيما بقى منها الملك الناصر أحمد هذا، والثلاثة أولا الناصر محمد بن قلاوون حسب ما تقدّم ذكره، والسنة المذكورة سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة.
فيها وقعت حادثة غريبة وهى»
أن رجلا بوارديا «٢» يقال له محمد بن خلف بخطّ السّيوفيّين «٣» من القاهرة قبض عليه فى يوم السبت سادس عشر رمضان، واحضر
стр. 3201
إلى محتسب القاهرة فوجد بمخزنه من فراخ الحمام والزرازير المملوحة عدّة أربعة وثلاثين ألف ومائة وستة وتسعين، من ذلك أفراخ حمام ألف ومائة وستة وتسعون، فرخا. وزرازير عدّة ثلاثة وثلاثين ألف زرزور، وجميعها قد نتنت وتغيّرت أحوالها، فأدّب وشهّر.
وفيها توفّى الأمير علاء الدين ألطنبغا الصالحىّ الناصرىّ نائب الشام مقتولا بسجن الإسكندرية. كان أصله من صغار مماليك المنصور قلاوون، وربّى عند الملك الناصر محمد بن قلاوون، وتوجه معه إلى الكرك، فلما عاد الملك الناصر إلى ملكه أنعم عليه بإمره عشرة وجعله جاشنكيره، ثم ولّاه حاجبا. ثم نقله من الحجوبيّة إلى نيابة حلب بعد موت أرغون النائب، فسار فيها سيرة مشكورة وغزا بلاد سيس، حتّى أخذها بالأمان؛ وقال فى ذلك العلّامة زين الدين عمر بن الوردى قصيدة طنّانة أوّلها:
جهادك مقبول وعامك قابل ... ألا فى سبيل المجد ما أنت فاعل
وعمّر الأمير ألطنبغا المذكور فى نيابته بحلب جامعا «١» فى شرقيّها، ولم يكن إذ ذاك داخل سور حلب جامع تقام فيه الخطبة سوى الجامع الكبير الأموىّ، وأقام بحلب حتى وقع بينه وبين تنكز نائب الشام، فشكاه تنكز إلى الملك الناصر فعزله عن نيابة حلب، وولّاه نيابة غزّة إلى أن غضب السلطان على تنكز ولّاه عوضه نيابة الشام الى أن مات الملك الناصر وتسلطن أولاده انضمّ ألطنبغا هذا إلى قوصون، فكان
стр. 3202
ذلك سببا لهلاكه؛ وقد تقدم ذكر ذلك كلّه مفصلا. وكان أميرا جليلا شجاعا مشكور السيرة ومات وقد جاوز الخمسين سنة من العمر.
وفيها توفّى ملك التتار أزبك خان بن طغرلجا بن منكوتمر بن طغان بن باطو «١» ابن دوشى خان بن چنكز خان. ومات أزبك خان بعد أن ملك نحوا من ثلاثين سنة، وكان أسلم وحسن إسلامه وحرّض رعيته على الإسلام فأسلم بعضهم، ولم يلبس أزبك خان بعد أن أسلم السّراقوجات «٢» ، وكان يلبس حياصة من فولاذ ويقول: لبس الذهب حرام على الرجال، وكان يميل إلى دين وخبر، ويتردّد إلى الفقراء، وكان عنده عدل فى رعيته، وتزوّج الملك الناصر محمد بابنته. وكان أزبك شجاعا كريما مليح الصورة ذا هيبة وحرمة. ومملكته متسعة، وهى من بحر قسطنطينيّة «٣» إلى نهر أرتش «٤» مسيرة ثمانمائة فرسخ، لكن أكثر ذلك قرى ومراع.
وولى الملك بعده جانى «٥» بك خان.
وتوفّى الأمير سيف الدين بشتك بن عبد الله الناصرى مقتولا بسجن الإسكندرية فى شهر ربيع الآخر. وكان إقطاعه يعمل بمائتى ألف دينار فى كلّ سنة، وأنعم عليه أستاذه الملك الناصر محمد فى يوم واحد بألف ألف درهم. وكان راتبه لسماطه فى كلّ يوم خمسين رأسا من الغنم وفرسا، لابدّ من ذلك. وكان كثير التّيه لا يحدّث
стр. 3203
مباشريه إلا بترجمان. وهو صاحب القصر بين «١» القصرين والحمام «٢» بالقرب من سويقة «٣» العزّى والجامع «٤» عند قنطرة طقزدمر «٥» خارج القاهرة. قال الشيخ صلاح الدين الصفدى: «وكان بشتك أهيف القامة، حلو الوجه. قربه السلطان وادناه، وكان يسمّيه فى غيبته بالأمير، وكان إقطاعه سبعة عشرة [إمرة «٦» ] طبلخاناه أكبر من إقطاع قوصون، وما يعلم قوصون بذلك» .
وتوفّى الأمير سيف الدين طاجار بن عبد الله الناصرى الدّوادار قتيلا بثغر الإسكندرية. وكان من خواصّ الملك الناصر محمد بن قلاوون ومن أكابر مماليكه، ورقّاه حتى ولّاه الدّواداريّة، وكان ممّن انضم إلى الملك المنصور أبى بكر فقبض عليه عند خلعه وقتل.
وفيها توفّى الأمير سيف الدين جركتمر بن عبد الله الناصرىّ قتيلا.
وتوفّى الأمير قوصون بن عبد الله الناصرىّ الساقى قتيلا بثغر الإسكندرية فى شوّال، وقد مرّ من ذكره ما فيه كفاية عن تكراره ثانيا.
وتوفّى الملك الأفضل علاء الدين على ابن الملك المؤيّد عماد الدين إسماعيل [ابن «٧» الملك الأفضل على] ابن الملك المظفّر محمود ابن الملك المنصور محمد ابن الملك المظفّر تقىّ الدين عمر بن شاهنشاه ابن الأمير نجم الدين أيّوب بن شادى بن مروان
стр. 3204
الأيّوبى صاحب حماة وابن صاحبها. مات بدمشق، وهو من جملة أمرائها بعد ما باشر سلطنة حماة عشرين سنة إلى أن نقله قوصون إلى إمرة الشام، وولى نيابة حماة بعده الأمير طقزدمر الحموى. وكانت وفاته فى ليلة الثلاثاء حادى عشر ربيع الآخر عن ثلاثين سنة.
وتوفّى الأمير شرف الدين، وقيل مظفّر الدين موسى بن مهنّا بن عيسى بن مهنا ابن مانع «١» بن حديثة بن عصيّة «٢» بن فضل بن ربيعة أمير آل فضل بمدينة تدمر «٣» .
وكان من أجلّ ملوك العرب، مات فجأة فى العشر الأخير من جمادى الأولى.
وتوفّى الحافظ الحجّة جمال الدين أبو الحجّاج يوسف بن الزّكى عبد الرحمن بن يوسف بن علىّ بن عبد الملك بن أبى الزّهر القضاعىّ الكلبى المزّى الحلبى المولد، ولد بظاهر حلب فى عاشر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة، ومات بدمشق فى ثانى «٤» عشر صفر، وكان إمام عصره أحد الحفّاظ المشهورين. سمع الكثير ورحل وكتب وصنّف. وقد ذكرنا عدّة كبيرة من مشايخه وسماعاته فى ترجمته
стр. 3205
فى «المنهل الصافى» ونبذة كبيرة من أخباره. ومن مصنفاته «كتاب «١» تهذيب الكمال» وهو فى غاية الحسن فى معناه.
وتوفّى الأمير سيف الدين تمر بن عبد الله الساقىّ الناصرىّ أحد أمراء الألوف فى يوم الأحد ثامن «٢» عشرين ذى الحجة. وكان من أكابر الأمراء ومن أعيان خاصكيّة الملك الناصر محمد بن قلاوون ومماليكه.
وتوفّى القاضى برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن فخر الدين خليل بن إبراهيم الرسعنى «٣» الشافعى قاضى حلب بها. وكان فقيها فاضلا، ولى القضاء بحلب وغيرها وأفتى ودرّس.
وتوفى الأمير علاء الدين على ابن الأمير الكبير سيف الدين سلّار فى شهر ربيع الآخر. وكان من أعيان الأمراء بالديار المضرية.
وتوفّى خطيب جامع دمشق الأموىّ الشيخ بدر الدين محمد ابن قاضى القضاة جلال الدين محمد القزوينى الشافعىّ. وكان فاضلا خطيبا فصيحا.
وتوفّى الأمير ركن الدين بيبرس بن عبد الله الناصرىّ السلاح دار نائب الفتوحات بآياس «٤» وغيرها. وكان من أجلّ الأمراء الناصريّة. كان شجاعا كريما، وله المواقف المشهودة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ست أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وتسع أصابع. والله تعالى أعلم.
стр. 3206
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٤٣]
ذكر ولاية الملك الصالح إسماعيل على مصر
السلطان الملك الصالح عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ابن السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون وهو السلطان السادس عشر من ملوك الترك بالديار المصرية والرابع من بنى محمد بن قلاوون. جلس على تحت الملك فى يوم الخميس «١» ثانى عشرين المحرم سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة بعد خلع أخيه الملك الناصر أحمد باتّفاق الأمراء على ذلك لما بلغهم عن حسن سيرته، فإنّه قيل للأمراء لمّا أخرج قوصون أولاد الملك الناصر إلى قوص كان إسماعيل هذا يصوم يومى الاثنين والخميس، ويشغل أوقاته بالصلاة وقراءة القرآن مع العفّة والصّيانة عمّا يرمى به الشّباب من اللهو واللّعب، فلمّا بلغهم ذلك اتّفقوا على إقامته فى الملك وسلطنوه وحلّفوا له الأمراء والعساكر وحلف لهم أيضا السلطان الملك الصالح إسماعيل المذكور ألّا يؤذى أحدا وألا يقبض على أمير بغير ذنب، فتمّ أمره، ولقّب بالملك الصالح، ودقّت البشائر، ونودى بزينة القاهرة ومصر، ورسم بالإفراج عن المسجونين بثغر الإسكندرية، وكتب بالإفراج أيضا إلى الوجه القبلى «٢» والبحرى وألّا يترك بالسجون إلّا من استحقّ عليه القتل. واستقرّ الأمير
стр. 3207
أرغون العلائى زوج أمّ الملك الصالح رأس «١» نوبة، ويكون رأس المشورة ومدبر السلطنة وكافل السلطان. واستقرّ الأمير آق سنقر السّلّارى نائب السلطنة بالديار المصرية. وكتب للأمراء ببلاد الشام والنوّاب باستمرارهم وأرسل إليهم الخلع على يد الأمير طقتمر الصلاحىّ، وكتب بتقليد الأمير أيدغمش نائب حلب بنيابة الشام، واستقرّ عوضه فى نيابة حلب الأمير طقزدمر الحموى نائب حماة.
واستقرّ فى نيابة حماة عوضا عن طقزدمر الأمير علم الدين سنجر الجاولى.
ثم كتب السلطان الملك الصالح إسماعيل إلى أخيه الملك الناصر أحمد بالسلام وإعلامه أنّ الأمراء أقاموه فى السلطنة لمّا علموا أنه ليس له رغبة فى ملك مصر، وأنّه يحب بلاد الكرك والشّوبك وهى تحكّمك وملكك، وسأله أن يرسل القبّة والطّير والغاشية والنّمجاة وتوجّه بالكتاب الأمير قبلاى، وخرج الأمير بيغرا ومعه عدّة من الأوجاقية لجرّ الخيول السلطانية من الكرك الذي كان الملك الناصر أخذهم من الإسطبل السلطانى، وتوجّه الجميع إلى جهة الكرك. ثم فى يوم الأربعاء ثامن عشرين المحرم قدم الأمراء المسجونون بثغر الإسكندرية إلى القاهرة، وعدّتهم ستة وعشرون أميرا، منهم الأمير قياتمر وطيبغا المجدىّ وابن طوغان چق وأسنبغا ابن البوبكرى وابن سوسون وناصر الدين محمد بن المحسنى والحاجّ أرقطاى نائب طرابلس فى آخرين، وطلعوا إلى القلعة وقبّلوا الأرض بين يدى السلطان. ثم رسم السلطان أن يجلس أرقطاى مكان الأمير علم الدين سنجر الجاولى المنتقل إلى نيابة حماة، وأن يتوجّه البقية على إمريات ببلاد الشام.
стр. 3208
وفى يوم السبت أوّل صفر قدم من غزّة الأمير قمارى أمير شكار والأمير أبو بكر بن أرغون النائب والأمير ملكتمر الحجازىّ وصحبتهم الخليفة الحاكم بأمر الله أحمد، ومقدّم المماليك الطّواشى عنبر السّحرتى والمماليك السلطانية مفارقين الملك الناصر أحمد. وفيه خرج الأمير طقردمر الحموى من القاهرة لنيابة حلب.
وفى يوم الاثنين ثالثه خلع على الأمير سنجر الجاولى نائب حماة خلعة السفر، وخلع فيه أيضا على الأمير مسعود بن خطير الحاجب خلعة السفر لنيابة غزّة، وخلع على القاضى بدر الدين محمد بن محيى الدين يحيى بن فضل الله، واستقرّ فى كتابة السرّ بدمشق عوضا عن أخيه شهاب الدين أحمد. ورسم بسفر مماليك قوصون والأمير بشتك إلى البلاد الشامية متفرّقين، وكتب إلى النوّاب بذلك. وفيه استقرّ الأمير چنكلى بن البابا فى نظر البيمارستان المنصورىّ بين القصرين عوضا عن سنجر الجاولى. وجلس الأمير آق سقر السّلّارى بدار النيابة «١» بعد ما عمّرها وفتح شباكا.
ورسم له أن يعطى الأجناد «٢» الإقطاعات من ثلثمائة دينار إلى أربعمائة دينار ويشاور فيما فوق ذلك. واستقرّ المكين «٣» إبراهيم بن قروينة فى نظر الجيش. وعيّن ابن التاج إسحاق لنظر الخاصّ كلاهما عوضا عن جمال الكفاة بحكم غيبته بالكرك عند الملك الناصر أحمد. وفيه أنعم السلطان على أخيه شعبان بإمرة طبلخاناه.
وفى يوم الاثنين رابع عشرين صفر خلع السلطان على جميع الأمراء كبيرهم وصغيرهم الخلع السنيّة. وفى يوم الثلاثاء خامس عشرينه قدم القاضى علاء الدين على بن فضل الله كاتب السرّ وجمال الكفاة ناظر الجيش والخاصّ من الكرك إلى
стр. 3209
الديار المصرية مفارقين الملك الناصر بحيلة دبرها جمال الكفاة، وقد بلغه عن الناصر أنه يريد قتلهم «١» خوفا من حضورهم الى مصر ونقلهم لما هو عليه من سوء السيرة.
فبذل جمال الكفاة ليوسف البازدار مالا جزيلا حتى مكّنهم من الخروج، فأقبل عليهم الأمراء والسلطان، وخلع عليهم باستمرارهم على وظائفهم.
ثم فى يوم الثلاثاء ثالث عشرين ربيع الأوّل رسم السلطان للأمير ألطنبغا الماردانىّ الناصرىّ بنيابة حماة عوضا عن الأمير سنجر الجاولى وكتب بحضور سنجر الجاولى الى نيابة غزّة عوضا عن أمير مسعود ونقل أمير مسعود الى إمرة طبلخاناه بدمشق.
وقدم الخبر من شطّى أمير العرب بأن الملك الناصر أحمد قرّر مع بعض الكركيّين أنه يدخل الى مصر ويقتل السلطان فتشوّش الأمراء لذلك فوقع الاتفاق على تجريد العساكر لقتال الملك الناصر وأخذه من الكرك. وفى يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر توجّهت التجريدة الى الكرك صحبة الأمير بيغرا، وهذه أوّل التجاريد الى الكرك لقتال الملك الناصر أحمد، وفى عقيب ذلك حدث للسلطان رعاف مستمرّ فاتهمت أمّه أمّ السلطان الأشرف كچك خوند أردو بأنّها سحرته، وهجمت عليها وأوقعت الحوطة على موجودها وضربت عدّة من جواريها ليعترفن «٢» عليها، فلم يكن غير قليل حتّى عوفى السلطان، ورسم بزينة القاهرة، وحملت أمّ السلطان الى المشهد النفيسىّ «٣» قنديل ذهب، زنته رطلان وسبع أواق ونصف أوقية.
стр. 3210
ثم قدم الخبر على يد إياز الساقى بموت الأمير أيدغمش نائب الشام فجأة، فوقع الاختيار على استقرار الأمير طقزدمر الحموىّ نائب حلب مكانه فى نيابة الشام واستقرّ الأمير ألطنبغا الماردانىّ عوضا عن طقزدمر فى نيابة حلب، واستقرّ الأمير يلبغا اليحياوىّ فى نيابة حماة عوضا عن الماردانى.
ثم أنعم السلطان على أرغون العلائىّ بإقطاع الأمير قمارى بعد موته، وكتب السلطان لنائب صفد وغزّة بالنّجدة للأمير بيغرا لحصار الملك الناصر بالكرك.
ثم قدم الخبر من شطّى أنه ركب مع العسكر على مدينة الكرك وقاتلوا أهل الكرك وهزموهم إلى القلعة، وأنّ الملك الناصر أذعن وسأل أن يمهل حتّى يكتب إلى السلطان ليرسل من يتسلّم منه قلعة الكرك، فرجعوا عنه فلم يكن غير قليل حتى استعدّ الملك الناصر وقاتلهم.
وفى يوم الأربعاء رابع شهر رجب كانت فتنة الأمير رمضان أخى السلطان، وسبب ذلك أنّ السلطان كان أنعم عليه بتقدمة ألف، فلمّا خرج السلطان إلى سرياقوس «١» تأخّر رمضان عنه بالقلعة وتحدّث مع طائفة من المماليك فى إقامته سلطانا واتّفقوا على ذلك، فلمّا مرض السلطان الملك الصالح هذا واسترخى قوى أمره، وشاع ذلك بين الناس وراسل تكا الخضرىّ ومن خرج معه من الأمراء، وواعد من وافقه على الركوب بقبّة «٢» النصر، فبلغ ذلك السلطان ومدبّر دولته الأمير أرغون العلائى، فلم يعبأ بالخبر إلى أن أهلّ شهر رجب، جهّز الأمير رمضان خيوله وهجنه بناحية بركة «٣» الحبش، وواعد أصحابه على يوم الأربعاء، فبلغ الأمير آق سنقر أمير
стр. 3211
آخور عند الغروب بما هو فيه من الحركة، فندب عدّة من العربان ليأتوه بخبر القوم، فلمّا أتاه خبرهم سار إليهم وأخذ جميع الخيل والهجن عن آخرهم من خلف القلعة وساقهم إلى الإسطبل «١» السلطانى وعرّف السلطان والعلائى أرغون من باب السرّ بما فعله فطلباه إليهما فصعد بما ظفر به من أسلحة القوم، فاتّفقوا على طلب إخوة السلطان إلى عنده والاحتفاظ بهم، فلمّا طلع الفجر خرج أرغون العلائى من بين يدى السلطان وطلب إخوة السلطان ووكّل بهم ووكّل ببيت رمضان جماعة حتى طلعت الشمس، وصعد الأمراء الأكابر إلى القلعة فاستدعى السلطان لهم وأعلموه بما وقع، فطلبوا سيدى رمضان إليهم فآمتنع من الحضور وهم يلحّون فى طلبه إلى أن خرجت أمّه وصاحت عليهم، فعادوا عنه إلى أرغون العلائى، فبعث أرغون بعدة من المماليك والخدّام لإحضاره فخرج فى عشرين مملوكا إلى باب «٢» القلّة وسأل عن النائب، فقيل له عند السلطان مع الأمراء فمضى إلى باب القلعة وسيوف أصحابه مصلتة، وركب على خيول الأمراء، ومرّ بمن معه إلى سوق «٣» الخيل تحت القلعة فلم يجد أحدا من الأمراء، فتوجّه إلى جهة قبّة النصر خارج القاهرة ووقف هناك ومعه الأمير تكا الخضرى وقد اجتمع الناس عليهم، وبلغ السلطان والأمراء خبره فأخرج السلطان محمولا بين أربعة لما به من الاسترخاء، وركب النائب وآق سنقر أمير آخور وقمارى أخو بكتمر الساقى وجماعة أخر، وأقام أكابر الأمراء عند السلطان وصفّت أطلابهم تحت القلعة، وضربت الكوسات حربيا، ونزلت النقباء
стр. 3212
فى طلب الأجناد، وتوجّه النائب إلى قبة النصر، ووقف بمن معه تجاه رمضان، وقد كثر جمع رمضان من أجناد الحسينيّة ومن مماليك تكا والعامّة، وبعث النائب يخبر السلطان بذلك، فمن شدّة ما انزعج نهضت قوّته، وقام قائما على قدميه بعد ما كان يئس من نفسه من عظم استرخاء أعضائه، وأراد الركوب فقام الأمراء وهنّوه بالعافية وقبّلوا له الأرض وهوّنوا عليه أمر أخيه رمضان، ولا زالوا به حتّى جلس مكانه، فأقام إلى بعد الظهر والنائب يراسل رمضان ويعده بالجميل ويخوّفه العاقبة، وهو لا يلتفت إلى قوله، فعزم النائب على الحملة عليه هو ومن معه ودقّ طبله فلم يثبت العامّة المجتمعة على رمضان وانفلّوا عنه وانهزم هو وتكا الخضرى فى عدّة من المماليك إلى البريّة، والأمراء فى طلبه فعاد النائب إلى السلطان، فلمّا كان بعد العشاء الآخرة من ليلة الخميس أحضر رمضان وتكا الخضرى وقد أدركوهما بعد المغرب، ورموا تكا بالنّشاب، حتى ألقوه عن فرسه وقد وقف فرس رمضان من شدّة السّوق فوكّل برمضان من يحفظه، وأذن للأمراء بنزولهم إلى بيوتهم، وطلعوا من بكرة يوم الخميس إلى الخدمة على العادة، وجلس السلطان وطلب مماليك رمضان، فأحضروا فأمر بحبسهم فحبسوا أياما، ثم فرّقهم السلطان على الأمراء، ثم خلع السلطان على الأمراء وفرّق عليهم الأموال.
وفى يوم الاثنين سادس عشره وصل قاصد الأمير بيغرا المتوجّه إلى الكرك بمن معه من العساكر بعد ما حاربوا الملك الناصر أحمد بالكرك وقاتلوه قتالا شديدا، وجرح منهم جماعة وقلّت أزوادهم، فكتب السلطان بإحضارهم إلى الديار المصريّة. وفيه خلع السلطان على طرنطاى البشمقدار بنيابة غزّة عوضا عن الأمير علم الدين سنجر الجاولى، وكتب بقدوم الجاولى إلى مصر. وفى يوم الثلاثاء
стр. 3213
رابع عشرينه «١» وسّط السلطان تكا الخضرى بسوق الخيل تحت القلعة ووسّط معه مملوكين من المماليك السلطانية. وفى هذا الشهر وقف السلطان الملك الصالح صاحب الترجمة ثلثى ناحية سندبيس «٢» من القليوبيّة على ستة عشر خادما لخدمة الضريح الشريف النبوىّ ﵊، فتمّت عدّة خدّام الضريح الشريف النبوى بذلك أربعين خادما.
قلت لله دره فيما فعل! وعلى هذا تحسد الملوك لا على غيره.
ثم اتّفق الأمراء مع السلطان على إخراج تجريدة ثانية لقتال الملك الناصر بالكرك، فلمّا كان عاشر شعبان خرج الأمير بيبرس الأحمدى والأمير كوكاى فى ألفى فارس تجريدة للكرك، وكتب السلطان أيضا بخروج تجريدة من الشام مضافا إلى من خرج من الأمراء والعساكر من الديار المصريّة، وتوجّه الجميع ونصبت المناجيق على الكرك وجدّوا فى حصارها.
وأما الملك الصالح فإنّه بعد خروج التجريدة خلع على جمال الكفاة بعد ما عزل وصودر باستقراره مشير الدولة بسؤال وزير بغداد فى ذلك بعد أن أعيد إلى الوزارة ونزلا معا [بتشاريفهما «٣» ] .
стр. 3214
وفى ذى القعدة رتّب السلطان دروسا للمذاهب «١» الأربعة بالقبة «٢» المنصوريّة ووقف عليهم وعلى قرّاء وخدّام وغير ذلك ناحية دهمشا «٣» بالشرقيّة فاستمرّ ذلك وعرف بوقف الصالح.
ثم فى يوم الأربعاء عاشر المحرّم سنة أربع وأربعين وسبعمائة قبض السلطان على أربعة أمراء، وهم الأمير آق سنقر السّلّارى نائب السلطنة والأمير بيغرا أمير جاندار صهر آق سنقر المذكور والأمير قراجا الحاجب وأخيه أولاجا، وقيّدوا ورسم بحبسهم فى الإسكندرية، وخرج الأمير بلك على البريد إلى المجرّدين إلى الكرك فأدركهم على السّعيدية «٤» ، وطيّب خواطرهم وأعلمهم بالقبض على الأمراء وعاد سريعا، فقدّم قلعة الجبل طلوع الشمس من يوم الخميس حادى عشره، وبعد وصوله قبض السلطان على طيبغا الدّوادار الصغير، وكان سبب قبض السلطان على هؤلاء الأمراء أن الأمير آق سنقر كان فى نيابته لا يردّ قاصدا ولا قصّة ترفع إليه، فقصده الناس من الأقطار وسألوه الرّزق والأراضى التى أنهوا أنّها لم تكن بيد أحد، وكذلك نيابة القلاع والأعمال والرواتب وإقطاعات الحلقة، فلم يردّ أحدا سأله شيئا من ذلك سواء أكان ما أنهاه صحيحا أم باطلا، فإذا قيل له: هذا الذي سأله يحتاج أن يكشف عنه تغيّر وجهه وقال: ليش تقطع رزق الناس؛ وكان إذا كتب الإقطاع لأحد فيحضر صاحبه من سفره أو تعافى من مرضه وسأله فى إعادة إقطاعه
стр. 3215
قال له: هذا أخذ إقطاعك ونحن نعوّضك، ففسدت الأحوال لا سيمّا البلاد الشاميّة، فكتب النوّاب بذلك للسلطان، فكلّمه السلطان فلم يرجع وقال: كلّ من طلب منى شيئا أعطيته، وما أردّ قلمى عن أحد، بحيث إنه كان تقدّم إليه القصّة وهو يأكل فيترك أكله، ويكتب عليها من غير أن يعلم ما فيها، فأغلظ له بسبب ذلك الأمير شمس الدين آق سنقر الناصرىّ أمير آخور؛ واتّفق مع ذلك أنّه وشى به أنّه مباطن مع الملك الناصر أحمد، وأنّ كتبه تصل إليه فقرّر أرغون العلائىّ مسكه مع السلطان، فأمسك هو وحاشيته، هذا ما كان من أمره.
وفى يوم الجمعة ثانى عشر المحرم من سنة أربع وأربعين المذكورة خلع السلطان على الأمير الحاجّ آل ملك، واستقر فى نيابة السلطنة عوضا عن آق سنقر السّلّارى المذكور. ثم فى ثانى عشر صفر قدم الخبر بوفاة الأمير ألطنبغا الماردانىّ الناصرىّ نائب حلب، فرسم السلطان للأمير يلبغا اليحياوىّ نائب حماة باستقراره فى نيابة حلب عوضه، واستقر فى نيابة حماة الأمير طقتمر الأحمدى نائب صفد واستقر بلك الجمدار فى نيابة صفد. وتوجه الأمير أرغون شاه بتقليد يلبغا اليحياوى وتوجه الأمير ألطنبغا البرناق بتقليد نائب حماة.
وفى يوم السبت خامس عشرين صفر قدم الأمير بيبرس الأحمدى والأمير كوكاى بمن معهما من المجرّدين إلى الكرك، فركب الأمراء إلى لقائهم، واستمرّ الأمير أصلم على حصار الكرك وهى التجريدة الثانية للكرك، وعرّفوا الأمراء السلطان أنّه لا بدّ من خروج تجريدة ثالثة سريعا تقوية لأصلم لئلّا يتنفس الناصر ويدوم الحصار عليه، فعيّن السلطان جماعة من أعيان الأمراء وتجهّزوا وخرجوا فى يوم الاثنين رابع شهر ربيع الآخر «١» ، وهم الأمير چنكلى بن البابا والأمير آق سنقر الناصرى
стр. 3216
الأمير آخور والأمير ملكتمر السّرجوانىّ والأمير عمر بن أرغون النائب فى أربعة آلاف فارس تقوية لأصلم، وهذه التجريدة الثالثة «١» إلى الكرك، وتوجّه صحبتهم عدّة حجّارين ونجّارين ونقّابين ونفطيّة، وخرج السلطان أيضا فى يوم سفرهم إلى سرياقوس على العادة كالمودّع لهم.
وفى هذه الأيام اشتدّ نائب السلطنة الحاجّ آل ملك على والى القاهرة ومصر فى بيع الخمور وغيره من المحرّمات، وعاقب جماعة كثيرة على ذلك وكان هذا دأب النائب من يوم أخرب خزانة «٢» البنود فى العام الماضى وأراق خمورها وبناها مسجدا، وحكّرها للناس فعمروها دورا. وكان الذي يفعل فى خزانة البنود من المعاصى والفسق يستحى من ذكره فعفّ الناس فى أيام نيابة آل ملك المذكور عن كثير من المعاصى خوفا منه، واستمرّ على ما هو عليه من تتبّع الفواحش والخواطئ وغير ذلك حتّى إنه نادى: من أحضر سكرانا واحدا معه جرّة خمر خلع عليه فقعد العامّة لشربة الخمر بكلّ طريق، وأتوه مرّة بجندىّ قد سكر فضربه وقطع خبزه وخلع على من قبض عليه، ووقع له أمور مع بيعة الخمر يطول الشرح فى ذكرها.
وكان يجلس فى شبّاك النيابة طول النهار لا يملّ من الحكم ولا يسأم، وتروح أصحاب الوظائف ولا يبقى عنده إلّا النقباء البطالة حتى لا يفوته أحد، وصار له مهابة
стр. 3217
عظيمة وحرمة كفّت الناس عن أشياء كثيرة حتى أعيان الأمراء، حتى قال فيه بعض شعراء عصره:
ال ملك الحجّ غدا سعده ... يملأ ظهر الأرض مهما سلك
فالأمرا من دونه سوقة ... والملك الظاهر هوّ الملك
وفى يوم الثلاثاء «١» سابع عشر جمادى الأولى قدم الأمير أصلم و [أبو بكر «٢» ] بن أرغون النائب وأرنبغا من تجريدة الكرك بغير إذن واعتذروا بضعف أبدانهم وكثرة الجراحات فى أصحابهم وقلّة الزاد عندهم، فقبل السلطان عذرهم، ورسم بسفر طقتمر الصلاحىّ وتمر الموساوىّ فى عشرين مقدّما من الحلقة وألفى فارس نجدة لمن بقى من الأمراء على حصار الكرك فساروا فى سلخه، وهذه التجريدة الرابعة بل الخامسة؛ فإنّه تكرر رواح الأمراء فى تلك التجريدة مرّتين.
ثم بعد مدّة رسم السلطان بتجهيز الأمير علم الدين سنجر الحاولىّ والأمير أرقطاى والأمير قمارى الأستادار وعشرين أمير طبلخاناه وثلاثين مقدّم حلقة فساروا يوم الثلاثاء خامس عشر شوال فى ألفى فارس إلى الكرك وهى التجريدة السادسة وتوجّه معهم أيضا عدّة حجّارين ونقّابين ونفطبة وغير ذلك.
وفى مستهلّ شهر رمضان «٣» فرغت عمارة السلطان الملك الصالح إسماعيل صاحب الترجمة من القاعة التى أنشأها المعروفة الآن بالدهيشة «٤» الملاصقة للدور السلطانية المطلّة على الحوش وفرشت بأنواع البسط والمقاعد الزّركش.
стр. 3218
قلت: هى الآن مجاز لأوباش الرعيّة لمن له حاجة عند السلطان من التّركمان والأعراب والأوغاد والأتباع. ولله درّ القائل:
وإذا تأمّلت البقاع وجدتها ... تشقى كما تشقى الرجال وتسعد
وجلس السلطان الملك الصالح فيها، وبين يديه جواريه وخدمه وحرمه، وأكثر السلطان فى ذلك اليوم من الخلع والعطاء، وكان السلطان قد اختصّ ببيبغا الصالحىّ وأمّره وخوّله فى النّعم وزوّجه بابنة الأمير أرغون العلائىّ مدبّر مملكة السلطان وزوج أمّه، والبنت المذكورة أخت السلطان لأمّه. وكثر فى هذه الأيام استيلاء الجوارى والخدّام على الدولة وعارضوا النائب فى أمور كثيرة حتّى صار النائب يقول لمن يسأله شيئا: روح إلى الطواشى فلان فينقضى شغلك. واستمرّ السلطان يكثر من الجلوس فى الدهيشة بأبّهة عظيمة إلى الغاية.
ثم رسم السلطان بإحضار المجرّدين إلى الكرك وعيّن عوصهم تجريدة أخرى إلى الكرك وهى التجريدة السابعة، فيها الأمير بيبرس الأحمدىّ والأمير كوكاى وعشرون أمير طبلخاناه وستة عشر أمير عشرة، وكتب بخروج عسكر أيضا من دمشق ومعهم المنجنيق والزحّافات، وحمل إلى الأحمدى مبلغ ألفى دينار، وكذلك «١»
стр. 3219
لكوكاى، ولكلّ أمير طبلخاناه خمسمائه «١» دينار، ولكل أمير عشرة مائتى دينار، وأرسل أيضا مع الأحمدى أربعة آلاف دينار لمن عساه ينزل إليه من قلعة الكرك طائعا، وجهّز معه تشاريف كثيرة، وعيّنت لهم الإقامات، وكان الوقت شتاء فقاسوا من الأمطار مشقّات كثيرة، وأقاموا نحو شهرين وخرّج معهم ستة آلاف رأس من البقر ومائتى رأس جاموس ونحو ألفى راجل فاستعدّ لهم الملك الناصر، وجمع الرجال وأنفق فيهم مالا كثيرا، وفرّق فيهم الأسلحة المرصدة بقلعة الكرك.
وركّب المنجنيق الذي بها، ووقع بينهم القتال والحصار إلى ما سيأتى ذكره.
ثم رسم السلطان بالقبض على الأمير آقبغا عبد الواحد فقبض عليه بدمشق فى عدّة من أمرائها وسجنوا بها لميلهم للملك الناصر أحمد، واشتدّ الحصار على الملك الناصر بالكرك وضاقت عليه هو ومن معه لقلّة القوت، وتخلّى عنه أهل الكرك، وضجروا من طول الحصار، ووعدوا الأمراء بالمساعدة عليه، فحملت إليهم الخلع ومبلغ ثمانين ألف درهم. هذا وقد استهمّ السلطان فى أوّل سنة خمس وأربعين وسبعمائة بتجريدة ثامنة إلى الكرك، وعيّن فيها الأمير منكلى بغا الفخرىّ والأمير قمارى والأمير طشتمر طلليه، ولم يجد السلطان فى بيت المال ما ينفقه عليهم فأخذ مالا من تجّار العجم ومن بنت الأمير بكتمر الساقى على سبيل القرض وأنفق فيهم، وخرج المجرّدون فى يوم الثلاثاء حادى عشر المحرم سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وهؤلاء نجدة لمن توجّه قبلهم خوفا أن يملّ من كان توجّه من القتال، فيجد الناصر فرجا بعودهم عنه، وقطعت الميرة عن الملك الناصر، ونفدت أمواله من كثرة نفقاته فوقع الطمع فيه وأخذ بالغ، وكان أجلّ ثقاته فى العمل عليه وكاتب الأمراء ووعدهم بأنّه يسلّم إليهم الكرك وسأل الأمان فكتب اليه من السلطان أمان وقدم إلى القاهرة
стр. 3220
ومعه مسعود «١» وابن أبى الليث وهما أعيان مشايخ الكرك فأكرمهم السلطان وأنعم عليهم، وكتب لهم مناشير بجميع ما طلبوه من الإقطاعات والأراضى، وكان من جملة ما طلبه بالغ وحده [نحو «٢» ] أربعمائة وخمسين ألف درهم فى السنة، وكذلك أصحابه.
ثم ركب العسكر للحرب وخرج الكركيّون فلم يكن غير ساعة حتّى انهزموا منهم إلى داخل المدينة، فدخل العسكر أفواجا واستوطنوها، وجدّوا فى قتال أهل القلعة عدّة أيام، والناس تنزل اليهم منها شيئا بعد شىء حتّى لم يبق عند الملك الناصر أحمد بقلعة الكرك سوى عشرة أنفس فأقام يرمى بهم على العسكر وهو يجدّ فى القتال ويرمى بنفسه وكان قوىّ الرّمى شجاعا إلى أن جرح فى ثلاثة مواضع وتمكّنت النقابة من البرج وعلقوه وأضرموا النار تحته، حتّى وقع. وكان الأمير سنجر الجاولى قد بالغ أشدّ مبالغة فى الحصار وبذل فيه مالا كثيرا.
ثم هجم العسكر على القلعة فى يوم الاثنين ثانى عشرين صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة فوجدوا الناصر قد خرج من موضع وعليه زردية وقد تنكّب قوسه وشهر سيفه فوقفوا، وسلّموا عليه فردّ عليهم وهو متجهّم «٣» وفى وجهه جرح، وكتفه أيضا يسيل دما، فتقدّم إليه الأمير أرقطاى والأمير قمارى فى آخرين، وأخذوه ومضوا به إلى دهليز الموضع الذي كان به وأجلسوه، وطيّبوا قلبه وهو ساكت لا يحييهم، فقيّدوه ووكّلوا به جماعة، ورتّبوا له طعاما، فأقام يومه وليلته، ومن باكر الغد يقدّم إليه الطعام فلا يتناول منه شيئا إلى أن سألوه أن يأكل فأبى أن يأكل، حتّى يأتوه بشابّ يقال له: عثمان، كان يهواه فأتوه به فأكل
стр. 3221
عند ذلك، وخرج الأمير ابن بيبغا حارس طير بالبشارة إلى السلطان الملك الصالح وعلى يده كتب الأمراء فقدم قلعة الجبل فى يوم السبت سابع «١» من عشرين صفر، فدقّت البشائر سبعة أيام. وأخرج السلطان منجك اليوسفىّ الناصرىّ السلاح دار ليلا من القاهرة على البخت لقتل الملك الناصر أحمد من غير مشاورة الأمراء فى ذلك، فوصل إلى الكرك وأدخل عليه من أخرج الشاب من عنده، ثم خنفه فى ليلة رابع شهر ربيع الأول، وقطع رأسه وسار من ليلته ولم يعلم الأمراء ولا العسكر بشىء من ذلك، حتى أصبحوا وقد قطع منجك مسافة بعيدة، وقدم بعد ثلاثة أيام قلعة الجبل ليلا، وقدّم الرأس بين يدى السلطان، وكان ضخما مهولا، له شعر طويل، فاقشعر السلطان عند رؤيته وبات مرجوفا، وطلب الأمير قبلاى الحاجب، ورسم له أن يتوجّه لحفظ الكرك إلى أن يأتيه نائب لها، وكتب السلطان بعود الأمراء والعساكر المجرّدين إلى الكرك، فكانت مدّة حصار الملك الناصر بالكرك سنتين وشهرا وثلاثة «٢» أيام. ثم قدم الأمراء المجردون إلى الكرك فخلع السلطان على الجميع وشكرهم وأكثر من الثناء عليهم. ثم خلع على الأمير ملكتمر السّرجوانىّ باستقراره فى نيابة الكرك على ما كان عليه قديما، وجهّز معه عدّة صناع لعمارة ما تهدّم من قلعة الكرك وإعادة البرج على ما كان عليه، ورسم بأن يخرج مائة مملوك معه من مماليك قوصون وبشتك الذين كان الملك الناصر قد أسكنهم بالقلعة، ورتّب لهم الرواتب ويخرج منهم مائتان إلى دمشق وحماة وحمص وطرابلس وصفد وحلب فأخرجوا جميعا فى يوم واحد، ونساؤهم وأولادهم فى بكاء وعويل، وسخّروا لهم خيول الطواحين ليركبوا عليها.
стр. 3222
ثم وقعت الوحشة بين الأمير أرغون العلائى والأمير ملكتمر الحجازىّ وبين الحاج آل ملك نائب السلطنة وصار الحجازى والعلائى معا على آل ملك النائب، ووقع بين آل ملك والحجازى أمور يطول شرحها، وكان الحجازى مولعا بالخمر وآل الملك ينهى عن شربها، فكان كلّما ظفر بأحد من حواشى الحجازى مثّل به فتقوم قيامة الحجازىّ لذلك، وتفاوضا غير مرّة بسبب هذا فى مجلس السلطان، وأرغون العلائى يميل مع الحجازى لما فى نفسه من آل ملك وداما على ذلك مدّة.
وأما السلطان فإنه بعد مدّة نزل إلى سرياقوس بتجمّل زائد على العادة فى كل سنة. ثم عاد إلى القلعة بعد أيام، فورد عليه قصّاد صاحب الروم وقصّاد صاحب الغرب. ثم بدا للسلطان الحجّ فتهيّأ لذلك وأرسل يطلب العربان وأعطاهم الأموال بسبب كراء الجمال، فتغيّر مزاجه فى مستهلّ شهر ربيع الأول ولزم الفراش ولم يخرج إلى الخدمة أياما، وكثرت القالة بسبب ضعفه، وتحسّنت الأسعار. ثم أرجف بموت السلطان فى بعض الأيام، فأغلقت الأسواق حتّى ركب الوالى والمحتسب وضربوا جماعة وشهّروهم، ثم اجتمعوا الأمراء ودخلوا على السلطان وتلطّفوا به حتّى أبطل حركة الحجّ، وكتب بعود طقتمر من الشام، واستعادة الأموال من العربان، وما زال السلطان يتعلّل إلى أن تحرك أخوه شعبان واتفق مع عدّة مماليك وقد انقطع خبر السلطان عن الأمراء، وكتب السلطان بالإفراج عن المسجونين من الأمراء وغيرهم بالأعمال، وفرّقت صدقات كثيرة، ورتّبت جماعة لقراءة «صحيح البخارى» فقوى أمر شعبان، وعزم أن يقبض على النائب فاحترز النائب منه، وأخذ أكابر الأمراء فى توزيع أموالهم وحرمهم فى الأماكن، ودخلوا على السلطان وسألوه أن يعهد لأحد من إخوته، فطلب النائب وبقيّة الأمراء فلم يحضر إليه أحد منهم، وقد اتّفق الأمير أرغون العلائى مع جماعة على إقامة شعبان فى الملك، وفرّق فيهم
стр. 3223
مالا كبيرا، فإنه كان أيضا ابن زوجته شقيق الملك الصالح إسماعيل لأبيه وأمه، وأقام مع أرغون غرلو وتمر الموساوى وامتنع النائب من إقامته وصاروا حزبين، فقام النائب آل ملك فى الإنكار على سلطنة شعبان، وقد اجتمع مع الأمراء بباب القلّة وقبض على غرلو وسجنه وتحالف هو وأرغون العلائى وبقيّة الأمراء على عمل مصالح المسلمين.
ومات السلطان الملك الصالح إسماعيل فى ليلة الخميس «١» رابع شهر ربيع الآخر سنة ست وأربعين وسبعمائة، وقد بلغ من العمر نحو عشرين سنة، فكتم موته، وقام شعبان إلى أمّه ومنع من إشاعة موت أخيه، وخرج إلى أصحابه وقرّر معهم أمره، فخرج طشتمر ورسلان بصل إلى منكلى بغا ليستعطفوا الأمير أرقطاى والأمير أصلم، وكان النائب والأمراء علموا من العصر أن السلطان فى النزع واتّفقوا على النزول من القلعة إلى بيوتهم بالقاهرة، فدخل الجماعة على أرقطاى ليستميلوه لشعبان فوعدهم بذلك، ثم دخلوا على أصلم فأجابهم وعادوا إلى شعبان، وقد ظنوا أنّ أمرهم تمّ، فلمّا أصبحوا نهار الخميس خرج الأمير أرغون العلائى والأمير ملكتمر الحجازى وتمر الموساوى وطشتمر طلليه ومنكلى بغا الفخرى وأسندمر وجلسوا بباب القلّة فأتاهم الأمير أرقطاى والأمير أصلم والوزير نجم الدين محمود والأمير قمارى الأستادار وطلبوا النائب فلم يحضر إليهم، فمضوا كلّهم إلى عنده واستدعوا الأمير چنكلى بن البابا واشتوروا فيمن يولوه السلطنة فأشار چنكلى أن يرسل إلى المماليك السلطانية ويسألهم من يحتاروه فإنّ من اختاروه رضيناه سلطانا، فعاد جوابهم مع الحاجب أنهم رضوا بشعبان سلطانا، فقاموا جميعا ومعهم النائب إلى داخل باب القلّة. وكان
стр. 3224
شعبان تخيّل من دخولهم عليه وجمع المماليك وقال. من دخل علىّ وجلس على الكرسىّ قتلته بسيفى هذا! وأنا أجلس على الكرسى حتى أبصر من يقيمنى عنه.
فسيّر أرغون العلائى [إليه «١» ] وبشّره وطيّب خاطره، ودخل الأمراء إليه وسلطنوه ولقّب بالملك الكامل سيف الدين شعبان حسب ما يأتى ذكره فى أوّل ترجمته.
ولنرجع إلى بقية ترجمة الملك الصالح إسماعيل.
وكان الملك الصالح سلطانا ساكنا عاقلا قليل الشّرّ كثير الخير، هيّنا ليّنا بشوشا، وكان شكلا حسنا حلو الوجه أبيض بصفرة وعلى خدّه شامة. ولم يكن فى أولاد الملك الناصر خيرا منه. رتّب دروسا بمدرسة جدّه المنصور قلاوون. وجدّد جماعة من الخدّام بالحرم النّبوىّ، حسب ما ذكرناه فى وقته. وله مآثر كثيرة بمكّة واسمه مكتوب على رباط «٢» السّدرة بحرم مكّة، ولم يزل مثابرا على فعل الخير حتّى توفّى.
ولما مات رثاه الشيخ صلاح الدين الصفدىّ بقوله
مضى الصالح المرجوّ للبأس والنّدى ... ومن لم يزل يلقى المنى بالمنائح»
فيا ملك مصر كيف حالك بعده ... إذا نحن أثينا عليك بصالح
وكان الملك الصالح محبّبا للرعية على مشقّة كانت فى أيامه من كثرة التجاريد إلى قتال أخيه الملك الناصر أحمد بالكرك وكانت السّبل مخيفة. وشغف مع ذلك بالجوارى السّود، وأفرط فى محبة اتّفاق «٤» العوّادة وفى العطاء لها، وقرّب أرباب الملاهى، وأعرض
стр. 3225
عن تدبير الملك بإقباله على النساء والمطربين، حتّى كان إذا ركب إلى سرحة سرياقوس أو سرحة الأهرام «١» ركبت أمّه فى مائتى امرأة الأكاديش بثياب الأطلس الملوّن وعلى رءوسهن الطراطير الجلد البرغالى «٢» المرصّعة بالجوهر واللآلئ وبين أيديهنّ الخدّام الطواشية من القلعة إلى السّرحة. ثم تركب حظاياه الخيول العربية ويتسابقن ويركبن تارة بالكامليّات الحرير ويلعبن بالكرة، وكانت لهنّ فى المواسم والأعياد وأوقات النّزهة أمور من هذا النّموذج. واستولى الخدّام والطواشيّة فى أيامه على أحوال الدولة، وعظم أمرهم بتحكّم كبيرهم عنبر السّحرتى لالاة «٣» السلطان، واقتنى عنبر السحرتى البزاة والسناقر، وصار يركب إلى المطعم «٤» ويتصيّد بثياب الحرير المزركشة، واتّخذ له كفّا للصيد مرصّعا بالجوهر. وعمل له خاصكيّة وخدّاما ومماليك تركب فى خدمته، حتى ثقل أمره على أكابر أمراء الدولة، فإنه أكثر من شراء الأملاك والتجارة فى البضائع، كلّ ذلك لكونه لالا السلطان. وأفرد له ميدانا «٥» يلعب فيه بالكرة، وتصدّى لقضاء الأشغال وقصده الناس فصارت الإقطاعات والرّزق والوظائف لا تقضى إلا بالخدّام والنساء.
وكان متحصّل الدولة فى أيام الملك الصالح قليلا ومصروف العمارة كثيرا.
وكان مغرما بالجلوس بقاعة الدهيشة، لا سيما لمّا ولدت منه اتّفاق العوّادة ولدا ذكرا، عمل لها فيه مهمّا بلغ الغاية التى لا توصف، ومع هذا كانت حياته منغّصة وعيشته منكّدة لم يتمّ سروره بالدهيشة سوى ساعة واحدة.
следующие страницы →