← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

عند ذلك، وخرج الأمير ابن بيبغا حارس طير بالبشارة إلى السلطان الملك الصالح وعلى يده كتب الأمراء فقدم قلعة الجبل فى يوم السبت سابع «١» من عشرين صفر، فدقّت البشائر سبعة أيام. وأخرج السلطان منجك اليوسفىّ الناصرىّ السلاح دار ليلا من القاهرة على البخت لقتل الملك الناصر أحمد من غير مشاورة الأمراء فى ذلك، فوصل إلى الكرك وأدخل عليه من أخرج الشاب من عنده، ثم خنفه فى ليلة رابع شهر ربيع الأول، وقطع رأسه وسار من ليلته ولم يعلم الأمراء ولا العسكر بشىء من ذلك، حتى أصبحوا وقد قطع منجك مسافة بعيدة، وقدم بعد ثلاثة أيام قلعة الجبل ليلا، وقدّم الرأس بين يدى السلطان، وكان ضخما مهولا، له شعر طويل، فاقشعر السلطان عند رؤيته وبات مرجوفا، وطلب الأمير قبلاى الحاجب، ورسم له أن يتوجّه لحفظ الكرك إلى أن يأتيه نائب لها، وكتب السلطان بعود الأمراء والعساكر المجرّدين إلى الكرك، فكانت مدّة حصار الملك الناصر بالكرك سنتين وشهرا وثلاثة «٢» أيام. ثم قدم الأمراء المجردون إلى الكرك فخلع السلطان على الجميع وشكرهم وأكثر من الثناء عليهم. ثم خلع على الأمير ملكتمر السّرجوانىّ باستقراره فى نيابة الكرك على ما كان عليه قديما، وجهّز معه عدّة صناع لعمارة ما تهدّم من قلعة الكرك وإعادة البرج على ما كان عليه، ورسم بأن يخرج مائة مملوك معه من مماليك قوصون وبشتك الذين كان الملك الناصر قد أسكنهم بالقلعة، ورتّب لهم الرواتب ويخرج منهم مائتان إلى دمشق وحماة وحمص وطرابلس وصفد وحلب فأخرجوا جميعا فى يوم واحد، ونساؤهم وأولادهم فى بكاء وعويل، وسخّروا لهم خيول الطواحين ليركبوا عليها.

стр. 3222

ثم وقعت الوحشة بين الأمير أرغون العلائى والأمير ملكتمر الحجازىّ وبين الحاج آل ملك نائب السلطنة وصار الحجازى والعلائى معا على آل ملك النائب، ووقع بين آل ملك والحجازى أمور يطول شرحها، وكان الحجازى مولعا بالخمر وآل الملك ينهى عن شربها، فكان كلّما ظفر بأحد من حواشى الحجازى مثّل به فتقوم قيامة الحجازىّ لذلك، وتفاوضا غير مرّة بسبب هذا فى مجلس السلطان، وأرغون العلائى يميل مع الحجازى لما فى نفسه من آل ملك وداما على ذلك مدّة. وأما السلطان فإنه بعد مدّة نزل إلى سرياقوس بتجمّل زائد على العادة فى كل سنة. ثم عاد إلى القلعة بعد أيام، فورد عليه قصّاد صاحب الروم وقصّاد صاحب الغرب. ثم بدا للسلطان الحجّ فتهيّأ لذلك وأرسل يطلب العربان وأعطاهم الأموال بسبب كراء الجمال، فتغيّر مزاجه فى مستهلّ شهر ربيع الأول ولزم الفراش ولم يخرج إلى الخدمة أياما، وكثرت القالة بسبب ضعفه، وتحسّنت الأسعار. ثم أرجف بموت السلطان فى بعض الأيام، فأغلقت الأسواق حتّى ركب الوالى والمحتسب وضربوا جماعة وشهّروهم، ثم اجتمعوا الأمراء ودخلوا على السلطان وتلطّفوا به حتّى أبطل حركة الحجّ، وكتب بعود طقتمر من الشام، واستعادة الأموال من العربان، وما زال السلطان يتعلّل إلى أن تحرك أخوه شعبان واتفق مع عدّة مماليك وقد انقطع خبر السلطان عن الأمراء، وكتب السلطان بالإفراج عن المسجونين من الأمراء وغيرهم بالأعمال، وفرّقت صدقات كثيرة، ورتّبت جماعة لقراءة «صحيح البخارى» فقوى أمر شعبان، وعزم أن يقبض على النائب فاحترز النائب منه، وأخذ أكابر الأمراء فى توزيع أموالهم وحرمهم فى الأماكن، ودخلوا على السلطان وسألوه أن يعهد لأحد من إخوته، فطلب النائب وبقيّة الأمراء فلم يحضر إليه أحد منهم، وقد اتّفق الأمير أرغون العلائى مع جماعة على إقامة شعبان فى الملك، وفرّق فيهم

стр. 3223

مالا كبيرا، فإنه كان أيضا ابن زوجته شقيق الملك الصالح إسماعيل لأبيه وأمه، وأقام مع أرغون غرلو وتمر الموساوى وامتنع النائب من إقامته وصاروا حزبين، فقام النائب آل ملك فى الإنكار على سلطنة شعبان، وقد اجتمع مع الأمراء بباب القلّة وقبض على غرلو وسجنه وتحالف هو وأرغون العلائى وبقيّة الأمراء على عمل مصالح المسلمين. ومات السلطان الملك الصالح إسماعيل فى ليلة الخميس «١» رابع شهر ربيع الآخر سنة ست وأربعين وسبعمائة، وقد بلغ من العمر نحو عشرين سنة، فكتم موته، وقام شعبان إلى أمّه ومنع من إشاعة موت أخيه، وخرج إلى أصحابه وقرّر معهم أمره، فخرج طشتمر ورسلان بصل إلى منكلى بغا ليستعطفوا الأمير أرقطاى والأمير أصلم، وكان النائب والأمراء علموا من العصر أن السلطان فى النزع واتّفقوا على النزول من القلعة إلى بيوتهم بالقاهرة، فدخل الجماعة على أرقطاى ليستميلوه لشعبان فوعدهم بذلك، ثم دخلوا على أصلم فأجابهم وعادوا إلى شعبان، وقد ظنوا أنّ أمرهم تمّ، فلمّا أصبحوا نهار الخميس خرج الأمير أرغون العلائى والأمير ملكتمر الحجازى وتمر الموساوى وطشتمر طلليه ومنكلى بغا الفخرى وأسندمر وجلسوا بباب القلّة فأتاهم الأمير أرقطاى والأمير أصلم والوزير نجم الدين محمود والأمير قمارى الأستادار وطلبوا النائب فلم يحضر إليهم، فمضوا كلّهم إلى عنده واستدعوا الأمير چنكلى بن البابا واشتوروا فيمن يولوه السلطنة فأشار چنكلى أن يرسل إلى المماليك السلطانية ويسألهم من يحتاروه فإنّ من اختاروه رضيناه سلطانا، فعاد جوابهم مع الحاجب أنهم رضوا بشعبان سلطانا، فقاموا جميعا ومعهم النائب إلى داخل باب القلّة. وكان

стр. 3224

شعبان تخيّل من دخولهم عليه وجمع المماليك وقال. من دخل علىّ وجلس على الكرسىّ قتلته بسيفى هذا! وأنا أجلس على الكرسى حتى أبصر من يقيمنى عنه. فسيّر أرغون العلائى [إليه «١» ] وبشّره وطيّب خاطره، ودخل الأمراء إليه وسلطنوه ولقّب بالملك الكامل سيف الدين شعبان حسب ما يأتى ذكره فى أوّل ترجمته. ولنرجع إلى بقية ترجمة الملك الصالح إسماعيل. وكان الملك الصالح سلطانا ساكنا عاقلا قليل الشّرّ كثير الخير، هيّنا ليّنا بشوشا، وكان شكلا حسنا حلو الوجه أبيض بصفرة وعلى خدّه شامة. ولم يكن فى أولاد الملك الناصر خيرا منه. رتّب دروسا بمدرسة جدّه المنصور قلاوون. وجدّد جماعة من الخدّام بالحرم النّبوىّ، حسب ما ذكرناه فى وقته. وله مآثر كثيرة بمكّة واسمه مكتوب على رباط «٢» السّدرة بحرم مكّة، ولم يزل مثابرا على فعل الخير حتّى توفّى. ولما مات رثاه الشيخ صلاح الدين الصفدىّ بقوله مضى الصالح المرجوّ للبأس والنّدى ... ومن لم يزل يلقى المنى بالمنائح» فيا ملك مصر كيف حالك بعده ... إذا نحن أثينا عليك بصالح وكان الملك الصالح محبّبا للرعية على مشقّة كانت فى أيامه من كثرة التجاريد إلى قتال أخيه الملك الناصر أحمد بالكرك وكانت السّبل مخيفة. وشغف مع ذلك بالجوارى السّود، وأفرط فى محبة اتّفاق «٤» العوّادة وفى العطاء لها، وقرّب أرباب الملاهى، وأعرض

стр. 3225

عن تدبير الملك بإقباله على النساء والمطربين، حتّى كان إذا ركب إلى سرحة سرياقوس أو سرحة الأهرام «١» ركبت أمّه فى مائتى امرأة الأكاديش بثياب الأطلس الملوّن وعلى رءوسهن الطراطير الجلد البرغالى «٢» المرصّعة بالجوهر واللآلئ وبين أيديهنّ الخدّام الطواشية من القلعة إلى السّرحة. ثم تركب حظاياه الخيول العربية ويتسابقن ويركبن تارة بالكامليّات الحرير ويلعبن بالكرة، وكانت لهنّ فى المواسم والأعياد وأوقات النّزهة أمور من هذا النّموذج. واستولى الخدّام والطواشيّة فى أيامه على أحوال الدولة، وعظم أمرهم بتحكّم كبيرهم عنبر السّحرتى لالاة «٣» السلطان، واقتنى عنبر السحرتى البزاة والسناقر، وصار يركب إلى المطعم «٤» ويتصيّد بثياب الحرير المزركشة، واتّخذ له كفّا للصيد مرصّعا بالجوهر. وعمل له خاصكيّة وخدّاما ومماليك تركب فى خدمته، حتى ثقل أمره على أكابر أمراء الدولة، فإنه أكثر من شراء الأملاك والتجارة فى البضائع، كلّ ذلك لكونه لالا السلطان. وأفرد له ميدانا «٥» يلعب فيه بالكرة، وتصدّى لقضاء الأشغال وقصده الناس فصارت الإقطاعات والرّزق والوظائف لا تقضى إلا بالخدّام والنساء. وكان متحصّل الدولة فى أيام الملك الصالح قليلا ومصروف العمارة كثيرا. وكان مغرما بالجلوس بقاعة الدهيشة، لا سيما لمّا ولدت منه اتّفاق العوّادة ولدا ذكرا، عمل لها فيه مهمّا بلغ الغاية التى لا توصف، ومع هذا كانت حياته منغّصة وعيشته منكّدة لم يتمّ سروره بالدهيشة سوى ساعة واحدة.

стр. 3226

ثم قدم عليه منجك السلاح دار برأس أخيه الملك الناصر أحمد من الكرك، فلمّا قدم بين يديه ورآه بعد غسله اهتزّ وتغيّر لونه وذعر، حتّى إنه بات تلك الليلة يراه فى نومه ويفزع فزعا شديدا، وتعلّل من رؤيته، وما برح يعتريه الأرق ورؤية الأحلام المزعجة، وتمادى مرضه وكثر إرجافه، حتى اعتراه القولنج، وقوى عليه حتّى مات منه فى يوم الخميس «١» المذكور، ودفن عند أبيه وجدّه الملك المنصور قلاوون بالقبّة المنصورية «٢» فى ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر، فكانت مدّة ملكه بالديار المصرية ثلاث سنين وشهرين وأحد عشر يوما. وقال الصفدى: ثلاث سنين وشهرا وثمانية عشر يوما. وتسلطن من بعده أخوه شقيقه شعبان ولقّب بالكامل. وعمل للملك الصالح العزاء بالديار المصرية أياما كثيرة، ودارت الجوارى بالملاهى يضربن بالدفوف، والمخدّرات حواسر يبكين ويلطمن، وكثر حزن الناس عليه ووجدوا عليه وجدا عظيما. *** السنة الأولى من سلطنة الملك الصالح إسماعيل على مصر، وهى سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة. فيها توفّى الشيخ «٣» الإمام برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد السّفاقسىّ المالكىّ فى ذى الحجّة. وكان إماما فقيها بارعا أفتى ودرّس سنين، وله مصنّفات مفيدة، منها: «إعراب «٤» القرآن» «وشرح ابن الحاجب فى الفقه» وغير ذلك. وكان معدودا من علماء المالكية.

стр. 3227

وتوفّى الأمير سيف الدين أرنبغا «١» بن عبد الله الناصرى ناظر طرابلس بها. وكان من أجلّ أمراء الدولة ومن أعيان مماليك الناصر محمد وخاصكيّته وتنقّل فى عدّة ولايات. وكان معدودا من الشّجعان. وتوفّى الأمير الكبير علاء الدين أيدغمش بن عبد الله الناصرىّ الأمير آخور، ثم نائب حلب ثم نائب الشام فجأة فى بكرة يوم الأربعاء «٢» رابع جمادى الآخرة، ودفن فى آخر ميدان الحصى فى تربة عمّرت له هناك. وكانت مدّة نيابته بحلب والشام نصف سنة، وكانت موتته غريبة وهو أنه ركب فى بكرة ثالث جمادى الآخرة وخرج ظاهر دمشق وأطعم طيور الصيد وعاد إلى دار «٣» السعادة وقرئت عليه قصص يسيرة، ثم أكل السّماط. ثم عرض طلبه والمضافين إليه، وقدّم جماعة وأخّر جماعة ثم دخل إليه ديوانه وقرأ عليه مخازيم «٤» وحساب ومصروف ديوانه. ثم قال أيدغمش: هؤلاء الذين تزوّجوا من مماليكى اقطعوا مرتّبهم. ثم أكل الطّارى «٥» ، وقعد هو وابن جمّاز يتحدّثان فسمع حسّ جماعة من جواريه يتخاصمن، فقام وأخذ عصاه ودخل إليهن وضرب واحدة منهن ضربتين وسقط ميتا لم يتنفّس، فتحيّر الناس فى أمره فأمهلوه إلى بكرة يوم الأربعاء فلم يتحرك، فغسّلوه وكفّنوه ودفنوه.

стр. 3228

وكان أصل أيدغمش هذا من مماليك الأمير بلبان الطّباخى، ثم اتّصل إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون فجعله من جملة خاصكيّته. ثم رقّاه حتى جعله أمير آخور كبير بعد بيبرس الحاجب فدام فى وظيفة الأمير آخورية نحو عشرين سنة. وقد استوعبنا من حاله مع قوصون وغيره قطعة جيدة فى ترجمة الملك الناصر أحمد وغيره. وكان أميرا جليلا عاقلا مهابا شجاعا مدبّرا مقداما كريما «١» ، قلّ من دخل إليه للسلام إلا وأعطاه شيئا. وكان مكينا عند أستاذه الملك الناصر، على أنه أنعم على أولاده الثلاثة بإمرة، وهم أمير حاج ملك وأمير أحمد وأمير على. وكان أيدغمش يميل إلى فعل الخير، وله مآثر حميدة. وهو صاحب الحمّام «٢» والخوخة خارج بابى زويلة. ﵀. وتوفّى الأمير ركن الدين بيبرس بن عبد الله الناصرىّ الحاجب بدمشق فى شهر رجب وهو أيضا من المماليك الناصرية، رقّاه أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون حتى صار أمير مائة ومقدّم ألف. ثم ولّاه أمير آخور مدّة سنين. ثم عزله بالأمير أيدغمش المقدّم ذكره، وولّاه الحجوبيّة ثم جرّده إلى اليمن فبلغه عنه أنه أخذ برطيل «٣»

стр. 3229

صاحب اليمن وتراخى فى أمر السلطان، فلمّا عاد قبض عليه وحبسه تسع سنين وثمانية أشهر إلى أن أفرج عنه فى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة وأخرجه إلى حلب أميرا بها. ثم نقل إلى إمرة بدمشق، فما زال بها حتّى مات فى التاريخ المذكور. وكان له ثروة كبيرة وأملاك كثيرة وله دار «١» عند باب الزّهومة. وتوفّى الأمير سيف الدين قمارى بن عبد الله الناصرىّ أمير شكار فى يوم الأحد خامس جمادى الأولى «٢» . وكان خصيصا عند أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون، وهو أحد من زوّجه الملك الناصر بإحدى بناته، بعد ما أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية وجعله أمير شكار. وتوفّى سيف الدين طشتمر بن عبد الله الساقىّ الناصرىّ المعروف بحمص أخضر مقتولا بسيف الملك الناصر أحمد بالكرك، وكان أيضا أحد مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون وخواصّه، رقّاه وأمّره وولّاه نيابة صفد وهو الذي توجّه من

стр. 3230

صفد وقبض على تنكز نائب الشام حسب ما تقدّم ذكره. ثم نقله إلى نيابة حلب عوضا عن طوغان الناصرى فى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فدام بحلب حتى خرج منها إلى الروم، وقد مرّ ذكر ذلك كلّه إلى أن قدم الديار المصرية صحبة الأمراء الشاميّين، وولّاه الملك الناصر أحمد نيابة السلطنة. ثم قبض عليه بعد أن باشر النيابة خمسة وثلاثين يوما وأخرجه معه إلى الكرك، فقتله هناك وقتل الأمير قطلوبغا الفخرى الآتى ذكره. ولمّا قتل طشتمر قال فيه الصلاح الصفدى: طوى الرّدى طشتمرا بعد ما ... بالغ فى دفع الأذى واحترس عهدى به كان شديد القوى ... أشجع من يركب ظهر الفرس ألم يقولوا حمّصا أخضرا ... فاعجب له يا صاح كيف اندرس قلت: وهو صاحب الدار «١» العظيمة والربع الذي بجانبها بحدرة البقر خارج القاهرة «٢» والجامع بالصحراء والمئذنة الحلزون والجامعين بالزريبه «٣» والربع الذي بالحريريّين «٤» داخل القاهرة. وكان شجاعا كريما كثير الإنعام والصدقات

стр. 3231

وتوفّى الأمير «١» سليمان بن مهنّا بن عيسى بن مهنا ملك العرب وأمير آل فضل بظاهر سلمية «٢» ، وكان من أجلّ ملوك العرب. وتوفّى الأمير سيف الدين طينال بن عبد الله الناصرىّ نائب غزة ونائب صفد ثم نائب طرابلس، ومات وهو على نيابة صفد فى يوم الجمعة رابع شهر ربيع الأول. وكان من أعيان الأمراء الناصريّة. وتوفّى الأمير سيف الدين قطلوبغا بن عبد الله الفخرىّ الساقى الناصرىّ نائب الشام، مقتولا بسيف الملك الناصر أحمد بالكرك، وكان من أكابر مماليك الناصر محمد بن قلاوون من طبقة أرغون الدّوادار. قال الصفدى: لم يكن لأحد من الخاصكيّة ولا غيرهم إدلاله على الملك الناصر محمد ولا من يكلّمه بكلامه، وكان يفحش فى كلامه له ويردّ عليه الأجوبة الحادّة المرّة وهو يحتمله، ولم يزل عند السلطان أثيرا إلى أن أمسكه فى نوبة إخراج أرغون إلى حلب نائبا، فلمّا دخل تنكز عقيب ذلك إلى القاهرة أخرجه السلطان معه إلى الشام. انتهى قلت: وقد سقنا من ذكره فى ترجمة الملك الناصر أحمد وغيره ما فيه كفاية عن ذكره هنا ثانيا. ولمّا أمسك وقتل قال الأديب البارع خليل بن أيبك الصفدىّ شعرا: سمت همّة الفخرىّ حتّى ترفّعت ... على هامة الجوزاء والنّسر بالنّصر وكان به للملك فخر فخانه الزّمان فأضحى ملك مصر بلا فخر

стр. 3232

وتوفّى الأمير سيف الدين بهادر بن عبد الله الجوبانىّ رأس نوبة. وتوفّى الأمير سيف الدين بكا الخضرىّ «١» الناصرى موسّطا بسوق الخيل فى رابع «٢» شهر رجب، وقد مرّ من ذكره نبذة فى ترجمة الملك الصالح إسماعيل. وتوفّى الشيخ الإمام تاج الدين أبو المحاسن عبد الباقى بن عبد المجيد اليمانىّ المخزومىّ الشافعى الأديب الكاتب بالقدس الشريف فى هذه السنة عن ثلاث وستين سنة. وتوفّى الشيخ الإمام الخطيب محيى الدين محمد بن عبد الرحيم بن عبد الوهّاب ابن على بن أحمد أبو المعالى السّلمى الشافعى خطيب بعلبك فى ليلة الأربعاء تاسع شهر رمضان. ومولده فى شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة. وكان فاضلا عالما خطيبا فصيحا، وكتب الخطّ المنسوب. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا سواء. والله تعالى أعلم. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٤٤] السنة الثانية من ولاية الملك الصالح إسماعيل على مصر، وهى سنة أربع وأربعين وسبعمائة. فيها توفّى قاضى القضاة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن علىّ بن أحمد بن علىّ ابن عبد الحقّ قاضى القضاة الحنفيّة بالديار المصريّة وهو مقيم بدمشق. وكان إماما عالما بارعا أفتى ودرّس سنين وناب فى الحكم، ثم استقلّ بقضاء القضاة بالديار المصرية وحسنت سيرته.

стр. 3233

وتوفّى الأمير سيف الدين وقيل شمس الدين آق سنقر بن عبد الله السّلّارى نائب السلطنة بالديار المصريّة قتيلا بثغر الإسكندرية فى السجن. وكان أصله من مماليك الأمير سلّار واتّصل بعده بخدمة الملك الناصر محمد بن قلاوون فرقّاه إلى أن ولّاه نيابة غزّة ثم صفد. ثم ولى بعد موت الملك الناصر نيابة السلطنة بالديار المصرية. وقد تقدّم ذكره فى ترجمة الملك الصالح هذا والتعريف بأحواله وكرمه إلى أن قبض عليه وسجن، ثم قتل. وكان من الكرماء الشّجعان. وتوفّى الأمير علاء الدين ألطنبغا بن عبد الله الماردانى الناصرىّ الساقىّ نائب حلب بها. وكان ألطنبغا أحد مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون وخاصّكيّته وأحد من شغف بمحبته ورقّاه فى مدّة يسيرة، حتّى جعله أمير مائة ومقدّم ألف، وزوّجه بابنته. ثم وقع له أمور بعد موته ذكرناها فى تراجم: المنصور والأشرف والناصر والصالح أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى أن ولى نيابة حماة، ثم حلب بعد الأمير طقزدمر فباشر نيابة حلب نصف سنة، وتوفّى ولم يبلغ من العمر خمسا وعشرين سنة. وكان أميرا شابّا لطيف الذات، حسن «١» الشكل، كريم الأخلاق مشهورا بالشجاعة والكرم. وهو صاحب الجامع «٢» المعروف به خارج باب زويلة. وقد تقدّم ذكر بنائه فى ترجمة أستاذه الملك الناصر محمد. وتوفّى الأمير الأديب الشاعر علاء الدين ألطنبغا بن عبد الله الجاولى. أصله من مماليك بن باخل «٣» . ثم صار إلى الأمير علم الدين سنجر الجاولى فجعله دواداره لمّا كان نائب غزّة فعرف به، ثم تنقّلت به الأحوال حتى صار من جملة أمراء دمشق إلى أن مات بها فى شهر ربيع الأول.

стр. 3234

قلت: وهو أحد فحول الشعراء من الأتراك لا أعلم أحدا من أبناء جنسه فى رتبته فى نظم القريض، اللهم إلا إن كان أيدمر المحيوى فيمكن. ومن شعر ألطنبغا المذكور: ردفه زاد فى الثّقالة حتّى ... أقعد الخصر والقوام سويّا نهض الخصر والقوام وقاما ... وضعيفان يغلبان قويّا وله: وبارد الثغر حلو ... بمرشف فيه حوّه وخصره فى انتحال ... يبدى من الضعف قوّه وله: وصالك والثريّا فى قران ... وهجرك والجفا فرسا رهان فديتك ما حفظت لشؤم بختى «١» ... من القرآن إلّا لن ترانى وله: يقول لى العاذل فى لومه ... وقوله زور وبهتان ما وجه من أحببته قبلة ... قلت ولا قولك قرآن وقد سقنا من شعره قطعة جيّدة فى تاريخنا «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» . وتوفّى القاضى شرف الدين أبو بكر بن محمد ابن الشهاب محمود كاتب سرّ مصر ثم دمشق فى شهر ربيع الأوّل. وكان فاضلا بارعا فى صناعته، وهو من بيت علم وفضل ورياسة وإنشاء. وكان فاضلا مترسّلا رئيسا نبيلا، وله نظم رائق ونثر فائق. ومن شعره.

стр. 3235

بعثت رسولا للحبيب لعلّه ... يبرهن عن وجدى له ويترجم فلمّا رآه حار من فرط حسنه ... وما عاد إلّا وهو فيه متيّم وتوفّى الأمير سيف الدين طرغاى «١» الجاشنكير الناصرىّ نائب حلب وطرابلس فى شهر رمضان. وكان من أعيان مماليك الملك الناصر وأمرائه. وكان شجاعا مقداما سيوسا. ولى الولايات والأعمال الجليلة. وتوفّى الأمير علاء الدين آقبغا عبد الواحد الناصرىّ بحبسه بثغر الإسكندرية، وقد تكرّر ذكره فى ترجمة أستاذه الملك الناصر فى مواطن كثيرة، وفى أوّل ترجمة الملك المنصور أبى بكر أيضا، وكيف كان القبض عليه، وما وقع له من المصادرة وغير ذلك إلى أن ولى نيابة حمص ثم عزل وقبض عليه وحبس إلى أن مات. وكان أصله من مماليك الناصر محمد وأخا زوجته خوند طغاى، وتولّى فى أيام أستاذه عدّة وظائف وولايات، منها أنه كان من جملة مقدّمى الألوف ثم أستادار. ثم مقدّم المماليك السلطانية، وشادّ العمائر وكان يندبه لكلّ أمر مهمّ فيه العجلة لمعرفته بشدّة بأسه وقساوة قلبه، وكثرة ظلمه. وكان من أقبح المماليك الناصرية سيرة. وهو صاحب المدرسة «٢» على يسار الداخل إلى الجامع الأزهر والدار بالقرب من الجامع المذكور. وتوفّى الشيخ حسن بن تمرتاش بن جوبان متملّك تبريز والعراق فى شهر رجب. وكان من أعظم الملوك، وكان داهية صاحب حيل ومكر وخديعة. وكان كثير العساكر من التّرك وغيرها.

стр. 3236

وتوفّى القاضى زين الدين إبراهيم بن عرفات بن صالح بن أبى المنى القنائىّ الشافعى قاضى قنا. كان فقيها رئيسا كثير الأموال. كان يتصدّق فى كلّ سنة بألف دينار فى يوم واحد مع مكارم وإنعام. وتوفّى الشيخ الإمام شمس الدين محمد بن على بن أيبك السّروجىّ. مولده بمصر فى ذى الحجة سنة أربع عشرة وسبعمائة، ومات بحلب فى الثامن من شهر ربيع الأوّل. وتوفّى المحدّث شهاب الدين أحمد بن أبى الفرج الحلبى بمصر بعد أن حدث عن النّجيب «١» والأبرقوهىّ «٢» والرّشيد «٣» بن علّان وغيرهم «٤» . ومولده فى شهر رمضان سنة خمسين وستمائة. وتوفّى القاضى علم الدين سليمان بن إبراهيم بن سليمان المعروف بابن المستوفى المصرى ناظر الخاصّ بدمشق فى جمادى الآخرة. وله فضيلة وشعر جيّد، وكان يعرف بكاتب قراسنقر، فإنه كان بخدمته. وباشر عدّة وظائف بدمشق: نظر البيوت ثم نظر الخاصّ ثم صحابة الديوان. وكان بارعا فى صناعة الحساب ويكتب الخط المليح. وله يد فى النظم وقدرة على الارتجال، وكان يتكلّم فصيحا باللغة التركية. ومن شعره: غرامى فيك قد أضحى غريمى ... وهجرك والتّجنّى مستطاب وبلواى ملالك لا لذنب ... وقولك ساعة التسليم طابوا

стр. 3237

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. والله تعالى أعلم. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٤٥] السنة الثالثة من سلطنة الملك الصالح إسماعيل على مصر، وهى سنة خمس وأربعين وسبعمائة. فيها توفّى قاضى القضاة العلّامة جلال الدين [أحمد «١» ] ابن القاضى حسام الدين أبى الفضائل حسن بن أحمد بن الحسن بن أنوشروان «٢» الأنكورىّ الحنفى قاضى قضاة دمشق وعالمها فى يوم الجمعة تاسع عشر رجب، ومولده بمدينة أنكورية «٣» ببلاد الروم فى سنة إحدى وخمسين وستمائة. وكان إماما عالما ديّنا عارفا بالمذهب وأصوله، محقّقا إماما فى العلوم العقليّة، وأفتى ودرّس وتصدّر للإقراء فى حياة والده. وولى قضاء خرتبرت «٤» وعمره سبع عشرة سنة، وحمدت سيرته. ثم انتقل إلى البلاد الشامية حتى كان من أمره ما كان. وتوفّى الأمير علم الدين سنجر الجاولى، أحد أعيان أمراء بالديار المصرية فى يوم الخميس «٥» ثامن شهر رمضان، ودفن بمدرسته «٦» فوق جبل الكبش. وكان أصله من

стр. 3238

مماليك جاول أحد أمراء الملك الظاهر بيبرس. ثم اتّصل بعده إلى بيت السلطان، وأخرج أيام الأشرف خليل بن قلاوون إلى الكرك، واستقرّ فى جملة بحريّتها. ثم قدم فى أيام العادل كتبغا إلى مصر بحال زرىّ، فقدّمه الأمير سلّار ونوّه بذكره إلى أن ولى نيابة غزّة، ثم عدة ولايات بعد ذلك بمصر والبلاد الشامية، وطالت أيامه فى السعادة وعمّر. وقد مرّ من ذكره أشياء فيما تقدّم. وهو صاحب الجامع «١» ، بغزّة والخليل «٢» ﵇ وخان بيسان «٣» وخان قاقون «٤» . وكان فاضلا فقيها، وله مصنّفات فى الفقه وغيره.

стр. 3239

وتوفّى الأمير سيف الدين طقصبا بن عبد الله الظاهرىّ، وقد أناف على مائة [وعشرين «١» ] سنة. وكان أصله من مماليك الظاهر بيبرس البندقدارىّ. وتوفّى [إبراهيم «٢» القاضى] جمال الكفاة الرئيس جمال الدين ناظر الخاصّ ثم الجيش ثم المشدّ تحت العقوبة فى ليلة الأحد سادس شهر ربيع «٣» الأول. وكان ابن خالة النّشو ناظر الخاصّ، وهو الذي استسلمه واستخدمه مستوفيا فى الدولة، ثم عند بشتك ثم وقع بينهما المعاداة الصعبة على سوء ظنّ من النّشو، ولم يزالا على ذلك حتّى مات النشو تحت العقوبة، وولى جمال الكفاة هذا مكانه، وطالت أيامه ونالته السعادة. قال الصفدى: وكان شكلا حسنا ظريفا مليحا يكتب خطّا قويّا جيدا، ويتحدث بالتّركى، وفيه ذوق للمعانى الأدبية ومحبة للفضلاء ولطف عشرة وكرم أخلاق ومروءة. وكان أوّلا عند الأمير طيبغا القاسمىّ. ومدّة مباشرته الخاصّ ست سنين تقريبا. انتهى كلام الصفدىّ باختصار. وقال غيره: وكان أوّلا يباشر فى بعض البساتين على بيع ثمرته، وتنقّل فى خدمة ابن هلال الدولة، ثم خدم بيدمر البدرىّ وهو خاصّكىّ خبزه بمحلّة «٤» منوف، فكتب على بابه إلى أن تأمّر. ثم انتقل بعد ذلك حتّى كان من أمره ما ذكرناه. ولمّا صودر أخذ منه أموال كثيرة. وتوفّى الشيخ الإمام العلّامة فريد عصره أثير الدّين أبو حيّان محمد بن يوسف ابن علىّ [بن يوسف «٥» ] بن حيّان الغرناطىّ المغربىّ المالكىّ ثم الشافعىّ. مولده

стр. 3240

بغرناطة «١» فى أخريات شوّال سنة أربع وخمسين وستمائة، وقرأ القرآن بالروايات، واشتغل وسمع الحديث بالأندلس وإفريقية وإسكندرية والقاهرة والحجاز، وحصّل الإجازات من الشام والعراق، واجتهد فى طلب العلم، حتى برع فى النحو والتصريف وصار فيهما إمام عصره، وشارك فى علوم كثيرة. وكان له اليد الطّولى فى التفسير والحديث والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وتواريخهم خصوصا المغاربة، وهو الذي جسّر الناس على مصنّفات ابن مالك، ورغّبهم فى قراءتها، وشرح لهم غوامضها، وقد سقنا من أخباره وسماعاته ومشايخه ومصنّفاته وشعره فى ترجمته فى تاريخنا «المنهل الصافى» ما يطول الشرح فى ذكره هنا؛ ومن أراد ذلك فلينظره هناك. ولنذكر هنا من شعره نبذة يسيرة بسندنا إليه: أنشدنا القاضى عبد الرحيم بن الفرات إجازة، أنشدنا الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدىّ إجازة، قال: أنشدنى العلّامة أثير الدين أبو حيّان من لفظه لنفسه: سبق الدمع بالمسير المطايا ... إذ نوى من أحبّ عنّى نقله وأجاد السّطور «٢» فى صفحة الخد ... ولم لا يجيد وهو ابن مقله وله بالسند: راض حبيبى عارض قد بدا ... يا حسنه من عارض رائض فظنّ قوم أنّ قلبى سلا ... والأصل لا يعتدّ بالعارض وله موشّحة، أوّلها: إن كان ليل داج، وخاننا الإصباح «٣» ، فنورها الوهّاج، يغنى عن المصباح «٤»

стр. 3241

سلافة تبدو ... كالكوكب الأزهر مزاجها شهد ... وعرفها عنبر يا حبّذا الورد ... منها وإن أسكر قلبى بها قد هاج، فما ترانى صاح، عن ذلك المنهاج، وعن هوى يا صاح وبى رشا أهيف ... قد لجّ فى بعدى بدر فلا يخسف ... منه سنا الخدّ بلحظه المرهف ... يسطو على الأسد كسطوة الحجّاج، فى الناس والسّفّاح، فما ترى من ناج، من لحظه السّفّاح علّل بالمسك ... قلبى «١» رشا أحور منعم المسك ... ذو «٢» مبسم أعطر ريّاه كالمسك ... وريقه كوثر غصن على رجراج، طاعت له الأرواح، فحبّذا الآراج، إن هبّت الأرواح مهلا أبا القاسم ... على أبى حيّان ما إن له عاصم ... من لحظك الفتّان وهجرك الدائم ... قد طال بالهيمان قدمعه أمواج، وسرّه قد باح «٣» ، لكنّه ما عاج، ولا أطاع اللّاح

стр. 3242

يا ربّ ذى بهتان ... يعذلنى» فى الرّاح وفى هوى الغزلان ... دافعت «٢» بالرّاح وقلت لا سلوان ... عن ذاك يالاحى سبع «٣» الوجوه والتّاج، هى منية الأرواح «٤» ، فآختر لى يا زجّاج، قمصال «٥» وزوج أقداح قلت: ومذهبى فى أبى حيّان أنّه عالم لا شاعر. ولم أذكر هذه الموشّحة هنا لحسنها؛ بل قصدت التعريف بنظمه بذكر هذه الموشّحة، لأنّه أفحل شعراء المغاربة فى هذا الشأن، وأما الشاعر العالم هو الأرّجانىّ «٦»

стр. 3243

وأبو العلاء «١» المعرّى وابن سناء «٢» الملك. انتهى. وكانت وفاته بالقاهرة فى ثامن عشرين صفر. وتوفّى الأمير صلاح الدين يوسف بن أسعد الدّوادار الناصرى بطرابلس وكان من أكابر الأمراء، ولى الدواداريّة الكبرى فى أيام الناصر محمد، ثم ولى نيابة الإسكندريّة، ثم أخرج إلى البلاد الشامية إلى أن مات بطرابلس. وكان كاتبا شاعرا. وتوفّى الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله البشمقدار «٣» المنصورىّ، كان من مماليك المنصور قلاوون. وتوفى الأمير سيف الدين طرنطاى المنصورىّ المحمّدىّ بدمشق، وكان من جملة من وافق على قتل الأشرف خليل، فسجنه الملك الناصر سبعا وعشرين سنة، ثم أفرج عنه وأخرجه إلى طرابلس أمير عشرة. وتوفّى الأمير سيف الدين بلبان المنصورىّ الشمسىّ بمدينة حلب. وكان الناصر أيضا حبسه سنين ثم أخرجه إلى حلب. وتوفّى سيف الدين كندغدى «٤» بن عبد الله المنصورى بحلب أيضا وهو رأس الميسرة ومقدّم العساكر المجرّدة إلى سيس «٥» . وكان من كبار الأمراء بالديار المصريّة.

стр. 3244

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وثمانى أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا «١» . [ما وقع من الحوادث سنة ٧٤٦] ذكر سلطنة الملك الكامل شعبان على مصر السلطان الملك الكامل سيف الدين شعبان ابن السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى الصالحى النّجمى. والكامل هذا هو السابع عشر من ملوك الترك بالديار المصرية والخامس من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون. جلس على تخت الملك بعد موت أخيه وشقيقه الملك الصالح إسماعيل فى يوم الخميس الرابع «٢» من شهر ربيع الآخر سنة ست وأربعين وسبعمائة، ولقّب بالملك الكامل. وفيه يقول الأديب البارع جمال الدين «٣» بن نباتة. رحمه الله تعالى. [مخلّع البسيط] جبين «٤» سلطاننا المرجّى ... مبارك الطالع البديع

стр. 3245

يا بهجة الدهر إذ تبدّى ... هلال شعبان فى ربيع وكان سبب سلطنة الملك الكامل هذا أنه لمّا اشتدّ مرض أخيه الملك الصالح إسماعيل دخل عليه زوج أمّه ومدبّر مملكته الأمير أرغون العلائىّ فى عدّة من الأمراء ليعهد الملك الصالح إسماعيل بالملك لأحد من إخوته. وكان أرغون العلائى المذكور غرضه عند شعبان كونه أيضا ربيبه ابن زوجته، فعارضه فى شعبان الأمير آل ملك نائب السلطنة حسب ما ذكرنا طرفا من ذلك فى مرض الملك الصالح المذكور. ثم وقع ما ذكرناه إلى أن اتّفق المماليك والأمراء على توليته، وحضروا إلى باب القلّة «١» واستدعوا شعبان المذكور، وألبسوه أبّهة السلطنة وأركبوه بشعار الملك ومشت الأمراء بخدمته، والجاوشيّة تصيح بين يديه على العادة، حتى قرب من الإيوان لعب الفرس تحته وجفل من صياح الناس، فنزل عنه ومشى خطوات بسرعة إلى أن طلع إلى الإيوان «٢» فتفاءل الناس بنزوله عن فرسه أنّه لا يقيم فى السلطنة إلّا يسيرا. ولمّا طلع الى الإيوان وجلس على الكرسىّ وباسوا الأمراء له الأرض وأحضروا المصحف ليحلفوا له، فحلف هو أوّلا أنّه لا يؤذيهم، ثم حلفوا له بعد ذلك على العادة. ودقّت البشائر بسلطنته بمصر والقاهرة، وخطب له من الغد على منابر مصر والقاهرة، وكتب بسلطنته إلى الأقطار. ثم فى يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الآخر المذكور جلس الملك الكامل بدار العدل «٣» ، وجدّد له العهد من الخليفة بحضرة القضاة والأمراء، وخلع على الخليفة وعلى القضاة والأمراء، وكتب بطلب الأمير آق سنقر الناصرى من طرابلس وسأل

стр. 3246

الأمير قمارى الأستادار أن يستقرّ عوضه فى نيابة طرابلس، فتشفّع قمارى المذكور بأرغون العلائى وملكتمر الحجازىّ فأجيب إلى ذلك؛ ثم تغيّر ذلك وخلع عليه فى يوم الخميس حادى عشرة بنيابة طرابلس فخرج من فوره على البريد. وخلع على الأمير أرقطاى «١» واستقرّ فى نيابة حلب عوضا عن يلبغا اليحياوى، وخرج أيضا على البريد، وكتب يطلب اليحياوى، ثم طلب الأمير آل ملك نائب السلطنة الإعفاء من النيابة وقبل الأرض، وسأل فى نيابة الشام عوضا عن طقزدمر الحموىّ وأن ينتقل طقزدمر إلى مصر فاجيب إلى ذلك، وكتب بعزل طقزدمر عن نيابة الشام وإحضاره الى الديار المصريّة. وفى يوم السبت ثالث عشرة خلع السلطان الملك الكامل على الأمير الحاج آل ملك نائب السلطنة باستقراره فى نيابة الشام عوضا عن طقزدمر، وأخرج من يومه على البريد، فلم يدخل مدينة غزّة لسرعة توجّهه، وبينما هو سائر إلى دمشق لحقه البريد بتقليده نيابة صفد، وسبب ذلك أنّ أرغون العلائى لمّا قام فى أمر الملك الكامل شعبان هذا وفى سلطنته قال له الحاج آل ملك: بشرط ألّا يلعب بالحمام، فلمّا بلغ ذلك شعبان نقم عليه، فلمّا ولى دمشق استكثرها عليه وحوّله إلى نيابة صفد. ورسم للأمير يلبغا اليحياوى نائب حلب كان، باستقراره فى نيابة الشام. ثم أخذ السلطان الملك الكامل فى تدبير مملكته والنظر فى أمور الدولة فأنعم بإقطاع أرقطاى على الأمير أرغون «٢» شاه، واستقرّ أستادارا عوضا عن قمارى المستقرّ فى نيابة طرابلس. وأخرج السلطان الأمير أحمد شادّ الشرابخاناه هو وإخوته من

стр. 3247

أجل أنهم كانوا ممّن قام مع الأمير آل ملك هم وقمارى الأستادار فى منع سلطنة الملك الكامل هذا. ثم خلع السلطان على علم الدين «١» عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن زنبور باستقراره ناظر الخواصّ عوضا عن الموفّق عبد الله «٢» بن إبراهيم، وعنى الأمير أرغون العلائى بالموفّق حتّى نزل إلى داره بغير مصادرة. ثم قدم الأمير آق سنقر الناصرىّ المعزول عن نيابة طرابلس فخلع السلطان عليه، وسأله بنيابة السلطنة بالديار المصرية فامتنع أشدّ امتناع، وحلف أيمانا مغلّظة أنه لا يليها فأعفاه السلطان فى ذلك اليوم. ثم بدا للسلطان أن يخطب بنت بكتمر الساقى فامتنعت أمّها من إجابته واحتجّت عليه بأنّ ابنتها تحته ولا يجمع بين أختين وأنّه بتقدير أن يفارق أختها، فإنّه أيضا قد شغف باتّفاق العوّادة جارية أخيه الملك الصالح شغفا زائدا، ثم قالت: ومع ذلك فقد ضعف حال المخطوبة من شدّة الحزن، فإنّه أوّل من أعرس عليها آنوك ابن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان لها ذلك المهمّ العظيم، ومات آنوك عنها وهى بكر فتزوّجها من بعده أخوه الملك المنصور أبو بكر، فقتل فتزوّجها بعد الملك المنصور أخوه السلطان الملك الصالح إسماعيل ومات عنها أيضا، فحصل لها حزن شديد من كونه تغيّر عليها عدّة أزواج فى هذه المدّة اليسيرة، فلم يلفت الملك الكامل إلى كلامها وطلّق أختها، وأخرج جميع قماشها من عنده فى ليلته، ثم عقد عليها ودخل بها. ثم أنعم السلطان على ابن طشتمر حمّص أخضر بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصريّة، وعلى ابن أصلم بإمرة طبلخاناه.

стр. 3248

ثم فى مستهلّ جمادى الأولى خلع السلطان الملك الكامل على جميع الأمراء المقدّمين «١» والطبلخانات، وأنعم على ستين مملوكا بستين قباء بطرز زركش وستين حياصة ذهب، وفرّق الخيول على الأمراء برسم نزول الميدان «٢» . ثم رسم السلطان ان يتوفّر إقطاع النيابة للخاصّ، وخلع على الأمير بيغرا واستقرّ حاجبا كبيرا. ثم نزل السلطان إلى الميدان على العادة، فكان لنزوله يوم مشهود. وخلع على الشريف عجلان بن رميثة بن أبى نمىّ الحسنىّ «٣» باستقراره أمير مكّة. ثم عاد السلطان إلى القلعة «٤» . وفى يوم السبت خامس عشرين جمادى الأولى قدم الأمير طقزدمر من الشام إلى القاهرة مريضا فى محفّة بعد أن خرج الأمير أرغون العلائى وصحبته الأمراء إلى لقائه، فوجدوه غير واع، ودخل عليه الأمراء وقد أشفى على الموت، ولمّا دخل طقزدمر إلى القاهرة على تلك الحالة أخذ أولاده فى تجهيز تقدمة جليلة للسلطان تشتمل على خيول، تحف وجواهر فقبلها السلطان منهم ووعدهم بكلّ خير. وفيه أنعم السلطان على الأمير أرغون الصالحىّ بتقدمة ألف، ورسم أن يقال له: أرغون الكاملى، ووهب له فى أسبوع ثلثمائة ألف درهم وعشرة آلاف اردبّ من الأهراء؛ ورسم له بدار «٥» أحمد شادّ الشّربخاناه، وأن يعمّر له

стр. 3249

بجواره من مال السلطان قصر على بركة الفيل «١» ، ويطل على الشارع فعمل له ذلك. قلت: والبيت المذكور هو الذي كان يسكنه الملك الظاهر جقمق وتسلطن منه، ثم سكنه الملك الأشرف إينال وتسلطن منه وهو تجاه الكبش «٢» . انتهى. وفى يوم الخميس مستهلّ جمادى الآخرة ركب السلطان الملك الكامل لسرحة سرياقوس «٣» ومعه عساكره على العادة وأخذ حريمه صحبته، فنصب لهنّ أحسن الخيم فى البساتين. ثم فى يوم الجمعة قدم أولاد طقزدمر على السلطان بسرياقوس بخبر وفاة أبيهم طقزدمر، فلم يمكّن السلطان الأمراء من العود إلى القاهرة للصلاة عليه، ورسم بإخراجه فأخرج ودفن بخانقاته «٤» بالقرافة، وأخذت خيله وجماله وهجنه إلى الإسطبل «٥» السلطانىّ.

стр. 3250

ثم خلع السلطان على الأمير أرسلان بصل، واستقرّ حاجبا ثانيا مع بيغرا، ورسم له أن يحكم بين الناس، ولم تكن العادة جرت بذلك أن يحكم الحجّاب بين الناس غير حاجب الحجّاب. قلت: كان الحجّاب يوم ذاك كهيئة رءوس النّوب الصّغار الآن. انتهى. وخلع على الأمير ملكتمر السّرجوانىّ باستقراره فى نيابة الكرك وأنعم بتقدمته «١» على الأمير طشتمر طلليه وأنعم بطبلخانات «٢» طشتمر طلليه على الأمير قبلاى. ثم قدم على السلطان الخبر بموت أخيه الملك الأشرف كچك ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون عن اثنتى عشرة سنة، واتّهم السلطان أنّه بعث من سرياقوس من قتله فى مضجعه على يد أربعة خدّام طواشيّة، فعظم ذلك على الناس قاطبة. ثم عاد السلطان من سرياقوس إلى القلعة بعد ما تهتّكت المماليك السلطانية من شرب الخمور والإعلان بالفواحش وركبوا فى الليل وقطعوا الطريق على المسافرين واغتصبوا حريم الناس. ثم أخذ السلطان الملك الكامل فى تجديد المظالم والمصادرات. ثم قدم البريد على السلطان بأنّ الشيخ حسنا صاحب بغداد واقع سلطان شاه وأولاد تمرداش وانتصر الشيخ حسن وحصر سلطان شاه بماردين «٣» وأخذ ضياعها. ثم إن السلطان الملك الكامل بدا له أن ينشئ مدرسته موضع خان «٤» الزكاة، ونزل الأمير أرغون العلابى والوزير لنظره، وكان أبوه الملك الناصر محمد قد وقفه فلم يوافق القضاة على حلّه.

стр. 3251

وفى مستهلّ شعبان عمل السلطان مهمّه على بنت الأمير طقزدمر الحموى سبعة أيام. وفى مستهلّ شوّال رسم السلطان للأمير أرغون الكامليّ بزيارة القدس وأنعم عليه بمائة ألف درهم، وكتب إلى نوّاب الشام بالركوب لخدمته، وحمل التقادم وتجهير الإقامات له فى المنازل إلى حين عوده؛ ورسم له أن ينادى بمدينة بلبيس «١» وأعمالها أنّه من قال عنه: أرغون الصغير شنق، وألّا يقال له إلّا أرغون الكاملى، فشهر النّداء بذلك فى الأعمال. وفى هذه الأيام كثر لعب الناس بالحمام وكثر جرى السّعاة، وتزايد شلّاق «٢» الزّعر وتسلّط عبيد الطواشيّة على الناس، وصاروا كلّ يوم يقفون للضراب فتسفك بينهم دماء كثيرة. ونهبت الحوانيت بالصّليبة «٣» خارج القاهرة، وإذا ركب إليهم الوالى لا يعبئون به، وإن قبض على أحد منهم أخذ من يده سريعا، فاشتد قلق الناس من ذلك. ثم اخترع السلطان شيئا لم يسبق إليه، وهو أنّه أعرس السلطان بعض الطواشيّة ببعض سراريه بعد عقده عليها، وعمل له السلطان مهمّا حضره جميع جوارى بيت السلطان، وجليت العروس على الطواشى، ونثر السلطان عليها وقت

стр. 3252

الجلاء الذهب بيده، فكانت هذه الحادثة من أشنع ما يكون، وعظم ذلك على سائر أعيان الدولة. وفى ذى الحجّة كثرت الإشاعة «١» باتفاق الأمير آل ملك نائب صفد مع الأمير يلبغا اليحياوى نائب الشام لورود بعض مماليك آل ملك هاربا منه كونه شرب الخمر وأشاع هذا الخبر فرسم السلطان بإخراج منجك «٢» اليوسفى السلاح دار على البريد لكشف الخبر فلمّا توجه منجك إلى الشام حلف له نائب الشام أنه برىء ممّا قيل عنه، وأنعم على منجك بألفى دينار سوى الخيل والقماش. ثم نودى بالقاهرة بألّا يعارض أحد من لعّاب الحمام وأرباب الملاعيب والسعاة، فتزايد الفساد وشنع الأمر، كلّ ذلك لمحبّة السلطان فى هذه الأمور. ثم ندب السلطان الأمير طقتمر الصالحىّ للتوجّه إلى الشام على البريد ليوقّع الحوطة على جميع أرباب المعاملات، وأصحاب الرّزق «٣» والرواتب بالبلاد الشامية من الفرات إلى غزّة وألّا يصرف لأحد منهم شيئا وأن يستخرج منهم ومن الأوقاف وأرباب الجوامك ألف ألف درهم برسم سفر السلطان إلى الحجاز، ويشترى بذلك الجمال ونحوها، فكثر الدعاء على السلطان من أجل ذلك، وتغيّرت الخواطر.

стр. 3253

وفى هذه الأيام كتب بإحضار الأمير آل ملك نائب صفد إلى القاهرة ليستقرّ على إقطاع الأمير چنكلى بن البابا بعد موته وتوجّه لإحضاره الأمير منجك السلاح دار. ثم فى يوم السبت تاسع عشرين ذى الحجة أمسك أينبك أخو قمارى ثم عفى عنه من يومه. ثم كتب باستقرار الأمير أراق «١» الفتّاح نائب غزّة فى نيابة صفد بعد عزل آل ملك. وأمّا الأمير منجك فإنّه وصل إلى صفد فى أوّل المحرم من سنة سبع وأربعين وسبعمائة، واستدعى آل ملك فخرج معه إلى غزّة، فقبض عليه بها فى اليوم المذكور، وقيل بل فى سادس عشرين ذى الحجة من سنة ست وأربعين. انتهى. ثم فى أول المحرّم المذكور قدم إلى جهة القاهرة الأمير ملكتمر السّرجوانىّ من نيابة الكرك فمات بمسجد التّبن «٢» خارج القاهرة ودفن بتربته «٣» . ثم قدم إلى القاهرة الأمير أحمد بن آل ملك فقبض عليه وسجن من ساعته. وخلع السلطان على الأمير أسندمر العمرىّ باستقراره فى نيابة طرابلس عوضا عن الأمير قمارى. وفى يوم الاثنين سادس المحرّم قدم الأمير آل ملك والأمير قمارى نائب طرابلس مقيّدين إلى قليوب «٤» وركبا النيل إلى الإسكندريّة فاعتقلا بها. وكان الأمير طقتمر الصّلاحىّ قبض على قمارى لمّا توجّه للحوطه على أملاك الشام، وقيّده وبعثه على البريد. ثم ندب السلطان الأمير مغلطاى الأستادار لإيقاع الحوطة على موجود آل ملك، وندب الطواشى مقبلا التّقوىّ لإيقاع الحوطة على موجود قمارى نائب طرابلس، وألزم مباشريهما بحمل جميع أموالهما، فوجد لآل ملك قريب ثلاثين

стр. 3254

ألف إردب غلّة، وألزم مولده بمائة ألف درهم، وأخذ لزوجته خبيّة فيها أشياء جليلة، وأخذ أيضا لزوجة قمارى صندوقا فيه مال جليل. ثم خلع «١» السلطان على الأمير أرسلان «٢» بصل الحاجب الثانى فى نيابة حماة عوضا عن أرقّطاى وكتب بقدوم أرقطاى، فقدم أرقطاى إلى القاهرة فأنعم عليه السلطان بإقطاع چنكلى بن البابا بعد وفاته، واستقرّ رأس الميمنة مكان چنكلى. ثم خلع السلطان على زوح أمّه الأمير أرغون العلائى واستقرّ فى نظر البيمارستان «٣» المنصورىّ عوضا عن الأمير چنكلى بن البابا فنزل إليه أرغون العلائى وأصلح أموره، وأنشأ بجوار باب البيمارستان المذكور سبيل «٤» ماء ومكتب سبيل لقراءة الأيتام، ووقف عليه وقفا.

стр. 3255

ثم خلع السلطان على الأمير نجم الدين محمود [بن علىّ «١» ] بن شروين وزير بغداد وأعيد إلى الوزارة بالديار المصريّة، وكان لها مدّة شاغرة، وخلع على علم الدين عبد الله ابن زنبور واستقرّ ناظر الدولة عوضا عن ابن مراجل «٢» . وفى هذه الأيام انتهت عمارة قصر «٣» الأمير أرغون الكامليّ بالجسر الأعظم تجاه الكبش «٤» ، بعد أن صرف عليه مالا عظيما، وأخذ فيه من بركة «٥» الفيل نحو العشرين ذراعا، فلمّا عزم أرغون إلى النزول إليه مرض فقلق السلطان لمرضه وبعث إليه بفرس وثلاثين ألف درهم يصدّق بها عنه. وأفرج عن أهل السجون، وركب السلطان لعيادته بالميدان «٦» .

стр. 3256

ثم اهتمّ السلطان بسفره إلى الحجاز وأخذ فى تجهيز أحواله. وفى يوم الجمعة رابع عشر صفر ولد للسلطان ولد ذكر من بنت الأمير بكتمر الساقى. ثم فى يوم السبت ثانى عشرين صفر أفرج السلطان عن الأمير أحمد بن آل ملك وعن أخى قمارى وأمرهما بلزوم بيتهما. وفى أوّل شهر ربيع الأوّل توجّه السلطان إلى سرياقوس وأحضر الأوباش فلعبوا قدّامه باللّبخة «١» وهى عصىّ كبار، حدث اللعب بها فى هذه الأيام، ولمّا لعبوا بها بين يديه قتل رجل رفيقه، فخلع السلطان على بعضهم وأنعم على كبيرهم بخبز فى الحلقة، واستمرّ السلطان يلعب بالكرة فى كلّ يوم وأعرض عن تدبير الأمور، فتمرّدت المماليك وأخذوا حرم الناس وقطعوا الطريق وفسدت عدّة من الجوارى، وكثرت الفتن حتّى بلغ السلطان فلم يعبأ بما قيل له، بل قال: خلّوا كلّ أحد يعمل ما يريد. فلمّا فحش الأمر قام الأمير أرغون العلائى فيه مع السلطان حتّى عاد إلى القلعة وقد تظاهر الناس بكلّ قبيح ونصبوا أخصاصا بالجزيرة «٢» الوسطانيّة وجزيرة

стр. 3257

بولاق سمّوها حليمة «١» ، بلغ مصروف كلّ حصّ منها من ألفين إلى ثلاثة آلاف درهم، وكان هذا المبلغ يوم ذاك بحقّ ملك هائل. وعمل فى الأخصاص الرّخام والدّهان البديع، وزرع حوله المقاثئ والرياحين وأقام بالأخصاص المذكورة معظم الناس من الباعة والتّجّار وغيرهم، وكشفوا سترا لحياء، وما كفّوا فى التهتّك فى حليمة والطمية» وتنافسوا فى أرضها، حتّى كان كلّ قصبة قياس تؤجّر بعشرين درهما،

стр. 3258

فبلغ أجرة الفدّان الواحد ثمانية آلاف درهم، فأقاموا على ذلك ستة أشهر، حتى زاد الماء وغرقت الجزيرة، وقبل مجىء الماء بقليل قام الأمير أرعون العلائى فى هدمها قياما عظيما، وحرق الأخصاص على حين غفلة وضرب جماعة وشهّرهم فتلف بها مال عظيم جدا. وفى هذه الأيام قلّ ماء النيل حتى صار ما بين المقياس «١» ومصر يخاض، وصار من بولاق «٢» إلى منشأة «٣» المهرانىّ طريقا يمشى فيه، ومن بولاق الى جزيرة «٤» الفيل وإلى المنية «٥» طريقا واحدا. وبعد الماء على السقّايين وصاروا يأخذون الماء من تجاه قرية منبابة «٦» ، وبلغت راوية الماء إلى درهمين بعد ما كانت بنصف درهم وربع درهم. فشكا الناس ذلك إلى أرغون العلائى فبلّغ السلطان غلاء الماء بالمدينة وانكشاف ما تحت بيوت البحر، فركب السلطان ومعه الأمراء وكثير من أرباب الهندسة، حتّى كشف ذلك، فوجدوا الوقت فيه قد فات لزيادة النيل، واقتضى

стр. 3259

الرأى أن ينقل التراب والشقاف من مطابخ السّكّر بمدينة مصر وترمى من برّ الجيزة إلى المقياس «١» حتى يصير جسرا «٢» يعمل عليه العمل، حتى يدفع الماء إلى الجهة التى يحسر عنها، فنقلت الأتربة فى المراكب وألقيت هناك إلى أن بقى جسرا ظاهرا وتراجع الماء قليلا إلى برّ مصر، فلما قويت الزيادة علا الماء على هذا الجسر وأخذه ومحا أثره.

стр. 3260

وفى هذه الأيام لعب السلطان الكرة مع الأمراء فى الميدان من القلعة فاصطدم الأمير يلبغا «١» الصالحى مع آخر سقطا معا عن فرسيهما إلى الأرض، ووقع فرس يلبغا على صدره فانقطع نخاعه ومات لوقته فأنعم السلطان بإقطاعه على قطلوبغا الكركىّ. ثم فى هذه الأيام اشتدّت المطالبة على أهل النواحى بالجمال والشعير والأعدال والأخراج لسبب سفر السلطان إلى الحجاز وكثرت مغارمهم إلى الولاة وشكا أرباب الإقطاعات ضررهم للسلطان فلم يلتفت لهم، فقام فى ذلك الأمير أرغون شاه الأستادار مع الأمير أرغون العلائى فى التحدّث مع السلطان فى إبطال حركة السفر فلم يصغ لقولهم، وكتب باستعجال العربان بالجمال واستحثاث طقتمر الصّلاحىّ فيما هو فيه بصدد السفر. ثم أوقع السلطان الحوطة على أموال الطّواشى عرفات وأخرج عرفات إلى الشام منفيّا. ثم قصد السلطان أخذ أموال الطواشى كافور الهندىّ، فشفعت فيه خوند طغاى زوجة الملك الناصر محمد بن قلاوون؛ وكان كافور المذكور من خواصّ خدّام الملك الناصر محمد بن قلاوون فأخرج كافور إلى القدس، وكافور المذكور هو صاحب التّربة «٢» بقرافة مصر، ثم نفى السلطان أيضا ياقوتا الكبير الخادم، وكافورا المحرم «٣» وسرورا الدّمامينىّ، ثم نفى دينارا الصوّاف ومختصّا الخطائى. ثم فى أوّل شهر ربيع الآخر مات ولد السلطان من بنت «٤» بكتمر الساقى وولد له من اتّفاق العوّادة حظيّة أخيه ولد سمّاه شاهنشاه وسرّ به سرورا عظيما زائدا، وعمل
следующие страницы →