← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

عشرين جمادى الأولى، وحزّ رأسه وحمله إلى السلطان. قال الشيخ صلاح الدين الصفدى: «وكان يلبغا حسن الوجه مليح الثغر «١» أبيض اللّون، طويل القامة من أحسن الأشكال، قلّ أن ترى العيون مثله، كان ساقيا، وكانت الإنعامات التى تصل إليه من السلطان لم يفرح بها أحد قبله. كان يطلق له الخيل بسروجها وعددها وآلاتها الزّركش والذهب المصوغ خمسة عشر فرسا والأكاديش ما بين مائتى رأس فينعم بها عليه، وتجهّز إليه الخلع والحوائص وغير ذلك من التشاريف التى يرسم له بها خارجة عن الحدّ. وبنى له الإسطبل الذي فى سوق الخيل تجاه القلعة» . قلت: والإسطبل المذكور كان مكان مدرسة السلطان حسن الآن، اشتراه السلطان حسن وهدمه وبنى مكانه مدرسته المعروفة به. وقد سقنا ترجمته أى يلبغا اليحياوىّ بأوسع من هذا فى تاريخنا «المنهل الصافى» إذ هو كتاب تراجم. انتهى. وفى يوم الأحد خامس عشرين جمادى الأولى المذكور أخرج السلطان الوزير نجم الدين محمودا والأمير بيدمر البدرى نائب حلب كان، والأمير طغيتمر النجمى الدوادار إلى الشام؛ وسببه أن الأمير شجاع الدين غرلو لمّا كان شادّ الدواوين قبل تاريخه حقد على الوزير نجم الدين المذكور وعلى طغيتمر الدوادار، فحسّن للسلطان أحذ أموالهما، فقال السلطان للنائب عنهما وعن بيدمر أنهم كانوا يكاتبون يلبغا فأشار عليه النائب بإبعادهم، وأن يكون الوزير نجم الدين نائب غزّة وبيدمر نائب حمص وطغيتمر نائب طرابلس، فأخرجهم السلطان على البريد، فلم يعجب غرلو ذلك، وأكثر عند السلطان من الوقيعة فى الأمير أرقطاى النائب حتّى غيّر السلطان عليه، وما زال به حتّى بعث السلطان بأرغون الإسماعيلى إلى نائب غزّة بقتلهم

стр. 3292

فدخل أرغون معهم إلى غزّة بعد العصر وعرّف النائب ما جاء بسببه، فقبض عليهم نائب غزّة وقتلهم فى ليلته، وعاد أرغون وعرّف السلطان الخبر، فتغيّر قلب الأمراء ونفر خواطرهم فى الباطن من السلطان وميله إلى غرلو، وتمكّن غرلو من السلطان وأخذ أموال من قتل، وتزايد أمره واشتدّت وطأته، وكثر إنعام السلطان عليه حتّى إنه لم يكن يوم إلا وينعم عليه فيه بشىء. ثم أخذ غرلو فى العمل على علم الدين عبد الله بن زنبور ناظر الخاصّ «١» ؛ وعلى القاضى علاء الدين علىّ بن فضل الله العمرى كاتب السّر. وصار يحسّن للسلطان القبض عليهما «٢» وأخذ أموالهما، فتلطّف النائب بالسلطان فى أمرهما حتى كفّ عنهما، فلم يبق بعد ذلك أحد من أهل الدولة حتّى خاف «٣» من غرلو وصار يصانعه بالمال حتى يسترضيه «٤» . ثم حسّن غرلو للسلطان قتل الأمراء المحبوسين بالإسكندرية، فتوجّه الطواشى مقبل الرومى بقتلهم فقتل الأمير أرغون العلائى وقرابغا القاسمى وتمر الموساوىّ وصمغار وأيتمش عبد الغنى، وأفرج عن أولاد قمارى وأولاد أيدغمش وأخرجوا إلى الشام. واستمرّ السلطان على الانهماك فى لهوه، فصار يلعب فى الميدان تحت القلعة بالكرة فى يومى الأحد والثلاثاء، ويركب إلى الميدان «٥» الذي على النيل فى يوم السبت. فلمّا كان آخر ركوبه إلى الميدان رسم السلطان بركوب الأمراء المقدّمين بمضافيهم «٦» ووقوفهم صفّين من الصّليبة إلى فوق القلعة «٧» ليرى السلطان عسكره، فضاق الموضع، فوقف كلّ مقدّم بخمسة من مضافيه، وجمعت أرباب الملاهى، ورتّبت

стр. 3293

فى عدّة أماكن من القلعة إلى الميدان. ثم ركبت أمّ السلطان فى جمعها، وأقبل الناس من كلّ جهة، فبلغ كراء كلّ طبقة مائة درهم، وكلّ بيت كبير لنساء الأمراء مائتى درهم، وكلّ حانوت خمسين درهما، وكلّ موضع إنسان بدرهمين. فكان يوم لم يعهد فى ركوب الميدان مثله. ثم فى يوم الخميس خامس عشره «١» قبض السلطان الملك المظفّر هذا على أعظم أمرائه ومدبّر مملكته الأمير شجاع الدين غرلو وقتله، وسبب ذلك أمور: منها شدّة كراهية الأمراء له لسوء سيرته، فإنه كان يخلو بالسلطان، ويشير عليه بما يشتهيه، فما كان السلطان يخالفه فى شىء، وكان عمله أمير سلاح فخرج عن الحدّ فى التعاظم، وجسّر السلطان على قتل الأمراء، وقام فى حقّ النائب أرقطاى يريد القبض عليه وقتله، واستمال المماليك الناصريّة والصالحيّة والمظفّريّة بكمالهم، وأخذ يقرّر مع السلطان، أن يفوّض إليه أمور المملكة بأسرها ليقوم عنه بتدبيرها، ويتوفّر السلطان على لذاته. ثم لم يكفه ذلك، حتّى أخذ يغرى السلطان بألجيبغا وطنيرق وكانا أخصّ الناس بالسلطان، ولا زال يمعن فى ذلك حتى تغيّر السلطان عليهما، وبلغ ذلك ألجيبغا، وتناقلته المماليك فتعصّبوا عليه وأرسلوا إلى الأمراء الكبار، حتى حدّثوا السلطان فى أمره، وخوّفوه عاقبته، فلم يعبأ السلطان بقولهم، فتنكّروا بأجمعهم على السلطان بسبب غرلو إلى أن بلغه ذلك عنهم من بعض ثقاته، فاستشار النائب فى أمر غرلو المذكور، فلم يشر عليه فى أمره بشىء، وقال للسلطان: لعلّ الرجل قد كثرت حسّاده على تقريب السلطان له، والمصلحة التثبّت فى أمره. وكان أرقطاى النائب عاقلا سيوسا، يخشى من معارضته غرض السلطان فيه، فاجتهد ألجيبغا وعدّة من الخاصّكيّة فى التدبير عليه وتخويف السلطان منه ومن سوء عاقبته، حتى أثّر قولهم فى نفس

стр. 3294

السلطان، وأقاموا الأمير أحمد شادّ الشرابخاناه، وكان مزّاحا للوقيعة فيه، فأخذ أحمد شاق الشرابخاناه فى خلوته مع السلطان يذكر كراهية الأمراء لغرلو وموافقة المماليك له، وأنه يريد أن يدبّر المملكة ويكون نائب السلطنة ليتوثّب بذلك على المملكة «١» ويصير سلطانا، ويخرج له قوله هذا فى وجه المسخريه «٢» والضحك، وصار أحمد المذكور يبالغ فى ذلك على عدة فنون من الهزل، إلى أن قال السلطان: أنا الساعة أخرجه وأعمله أمير آخور، فمضى أحمد شادّ الشربخاناه إلى النائب وعرّفه مما وقع فى السّر، وأنه جسّر السلطان على الوقيعة فى غرلو، فبعث السلطان وراء النائب أرقطاى واستشاره فى أمر غرلو ثانيا فأثنى عليه النائب وشكره، فعرف السلطان كثرة وقيعة الخاصّكيّة فيه، وأنه قصد أن يعمله أمير آخور، فقال النائب: غزلو رجل شجاع جسور «٣» لا يليق أن يعمل أمير آخور، فكأنّه أيقظ السلطان من رقدته بحسن عبارة وألطف إشارة، فأخذ السلطان فى الكلام معه بعد ذلك فيما يوليه! فأشار عليه النائب بتوليته نيابة غزّة، فقبل السلطان ذلك، وقام عنه النائب، فأصبح السلطان بكرة يوم الجمعة وبعث الأمير طنيرق إلى النائب أن يخرج غرلو إلى نيابة غزّة، فلم يكن غير قليل حتى طلع غرلو على عادته إلى القلعة وجلس على باب القلّة، فبعث النائب يطلبه، فقال: مالى عند النائب شغل وما لأحد معى حديث غير أستاذى، فأرسل النائب يعرّف السلطان جواب غرلو فأمر السلطان مغلطاى أمير شكار وجماعة من الأمراء أن يعرّفوا غرلو عن السلطان أن يتوجّه إلى غزّة، وإن امتنع يمسكوه، فلما صار غرلو بداخل القصر لم يحدّثوه بشىء، وقبضوا عليه وقيّدوه وسلّموه لألجيبغا فأدخله إلى بيته

стр. 3295

بالأشرفية «١» ، فلمّا خرج السلطان لصلاة الجمعة على العادة قتلوا غرلو وهو فى الصلاة، وأخذ السلطان بعد عوده من الصلاة يسأل عنه، فنقلوا عنه أنه قال: أنا ما أروح مكانا، وأراد سلّ سيفه وضرب الأمراء به فتكاثروا عليه فما سلّم نفسه حتى قتل، فعزّ قتله على السلطان، وحقد عليهم لأجل قتله، ولم يظهر لهم ذلك، ورسم بإيقاع الحوطة على حواصله. وكان لموته يوم مشهود. ثم أخرج بغرلو المذكور ودفن بباب القرافة، فأصبح وقد خرجت يده من القبر «٢» ، فأتاه الناس أفواجا ليروه ونبشوا عليه وجرّوه بحبل فى رجله إلى تحت القلعة، وأتوا بنار ليحرقوه وصار لهم ضجيج عظيم، فبعث السلطان عدّة من الأوجاقية قبضوا على كثير من العامة، فضربهم الوالى بالمقارع وأخذ منهم غرلو المذكور ودفنه. ولم يظهر لغرلو المذكور كثير مال. قلت: ومن الناس من يسمّيه «أغزلو» بألف مهموزة وبعدها غين معجمة مكسورة وزاى ساكنة ولام مضمونة وواو ساكنة. ومعنى أغزلو باللغة التركية: «له فم» وقد ذكرناه نحن أيضا فى المنهل الصافى فى حرف الهمزة، غير أن جماعة كثيرة ذكروه «غرلو» فاقتدينا بهم هنا وخالفناهم هناك، وكلاهما اسم باللغة التركية. انتهى. وكان غرلو هذا أصله من مماليك الحاجّ بهادر العزّى، وخدم بعده عند بكتمر السّاقى وصار أمير آخوره، ثم خدم بعد بكتمر عند بشتك، وصار أمير آخوره أيضا. ثم ولى بعد ذلك ناحية (أشمون «٣» ) ، ثم ولى نيابة الشّوبك «٤» . ثم ولى القاهرة، وأظهر العفّة

стр. 3296

والأمانة، وحسنت سيرته، ثم تقرّب عند الملك الكامل شعبان، وفتح له باب الأخذ فى الولايات والإقطاعات، وعمل لذلك ديوانا قائم الذات، سمّى ديوان البدل «١» ، فلما تولّى الصاحب تقىّ الدين بن مراحل الوزر شاححه فى الجلوس والعلامة، فترجّح الصاحب تقي الدين وعزل غرلو هذا عن شدّ الدواوين، ودام على ذلك إلى أن كانت نوبة السلطان الملك المظفّر كان غرلو هذا ممن قام معه، لما كان فى نفسه من الكامل من عزله عن شد الدواوين، وضرب فى الوقعة أرغون العلائى بالسيف فى وجهه، وتقرّب من يوم ذاك إلى الملك المظفّر، حتى كان من أمره ما حكيناه. ثم خرج السلطان الملك المظفّر بعد قتله إلى سرياقوس على العادة وأقام بها أياما، ثم عاد وخلع على الأمير منجك اليوسفى السلاح دار باستقراره حاجبا بدمشق عوضا عن أمير على بن طغريل. وأنعم السلطان على اثنى عشر من المماليك السلطانية بإمريات ما بين طبلخاناه وعشرة وأنعم بتقدمة الأمير منجك السّلاح دار على بعض خواصّه. وفى يوم مستهلّ شعبان خرج الأمير طيبغا المجدى والأمير أسندمر العمرىّ والأمير بيغرا والأمير أرغون الكاملى والأمير بيبغا أرس والأمير بيبغا ططر إلى الصيد. ثم خرج الأمير أرقطاى النائب بعدهم إلى الوجه القبلىّ بطيور السلطان، ورسم السلطان لهم ألّا يحضروا إلى العشر الأخير من شهر رمضان، فخلا الجو للسلطان، وأعاد حضير الحمام وأعاد أرباب الملاعيب من الصّراع والثقاف والشباك، وجرى السّعاة، ونطاح الكباش، ومناقرة الدّيوك، والقمار، وغير ذلك من أنواع الفساد. ونودى بإطلاق اللعب بذلك بالقاهرة [ومصر «٢» ] وصار للسلطان

стр. 3297

اجتماع بالأوباش وأراذل الطوائف من الفراشين والبابية «١» ومطيّرى الحمام، فكان السلطان يقف معهم ويراهن على الطير الفلانى والطيرة الفلانيّة؛ وبينما هو ذات يوم معهم عند حضير الحمام، وقد سيّبها إذ أذّن العصر بالقلعة والقرافة فجفلت الحمام عن مقاصيرها وتطايرت فغضب وبعث إلى المؤذّنين يأمرهم أنهم إذا رأوا الحمام لا يرفعون أصواتهم. ويلعب مع العوامّ بالعصىّ وكان السلطان إذا لعب مع الأوباش يتعرّى ويلبس تبّان «٢» جلد ويصارع معهم ويلعب بالرّمح والكرة، فيظلّ نهاره مع الغلمان والعبيد فى الدهيشة، وصار يتجاهر بما لا يليق به أن يفعله. ثم أخذ مع ذلك كلّه فى التدبير على قتل أخيه حسين، وأرصد له عدّة خدّام ليهجموا عليه عند إمكان الفرصة ويغتالوه، فبلغ حسينا ذلك فتمارص واحترس على نفسه فلم يجدوا منه غفلة. ثم فى سابع عشر شعبان توفّى الخليفة أبو الربيع سليمان، وبويع بالخلافة ابنه أبو بكر ولقّب بالمعتصم بالله أبى الفتح. وفى آخر شعبان قدم الأمراء من الصيد شيئا بعد شىء وقد بلغهم ما فعله السلطان فى غيبتهم، وقدم ابن الحرّانى من دمشق بمال يلبغا اليحياوى فتسلّمه الخدّام، وأنعم السلطان من ليلته على حظيّته «كيدا» من المال بعشرين ألف دينار، سوى الجواهر واللآلئ ونثر الذهب على الخدّام والجوارى، فاختطفوه وهو يضحك، وفرّق على لعّاب الحمام والفراشين والعبيد الذهب واللؤلؤ، وهو يحذفه عليهم وهم يترامون عليه ويأخذوه بحيث إنه لم يدع من مال يلبغا سوى

стр. 3298

القماش، فكان جملة التى فرّقها ثلاثين ألف دينار وثلثمائة ألف درهم، وجواهر وحليّا ولؤلؤا وزركشا ومصاغا، قيمته زيادة على ثمانين ألف دينار، فعظم ذلك على الأمراء، وأخذ ألجيبغا وطنيرق يعرّفان السلطان ما ينكره عليه الأمراء من لعب الحمام وتقريب الأوباش، وخوّفاه فساد الأمر، فغضب وأمر آقجباشاد والعمائر بخراب حضير الحمام، ثم أحضر الحمام وذبحهم واحدا بعد واحد بيده وقال لألجيبغا وطنيرق: والله لأذبحنّكم كلّكم كما ذبحت هذا الحمام وتركهم وقام، وفرق جماعة من خشداشيّة ألجيبغا طنيرق فى البلاد الشامية، واستمرّ على إغراضه عن الجميع، ثم قال لحظاياه وعنده معهن الشيخ على بن الكسيح: والله ما بقى يهنأ لى عيش وهذان الكذّابان بالحياة (يعنى بذلك عن ألجيبغا وطنيرق) فقد فسدا علىّ جميع ما كان لى فيه سرور، واتّفقا علىّ، ولابدّ لى من ذبحهما، فنقل ذلك ابن الكسيح لألجيبغا فإن ألجيبغا هو الذي أوصله إلى السلطان، وقال: مع ذلك خذ لنفسك فو الله لا يرجع عنك وعن طنيرق، فطلب ألجيبغا طنيرق وعرّفه ذلك، فأخذا فى التدبير عليه فى الباطن [وأخذ فى التدبير عليهما «١» ] ، وخرج الأمير بيبغا أرس للصيد بالعبّاسة «٢» ، فإنه كان صديقا لألجيبغا وتنمّر السلطان على طنيرق واشتدّ عليه وبالغ فى تهديده، فبعث طنيرق وألجيبغا إلى الأمير طشتمر طلليه «٣» ، وما زالا به حتّى وافقهما ودارا على الأمراء، وما منهم إلا من نفرت نفسه من السلطان الملك المظفّر، وتوقّع به أنه يفتك به، فصاروا معهما يدا واحدة لما فى نفوسهم. ثم كلّموا النائب فى موافقتهم وأعلموه

стр. 3299

أنه يريد القبض عليه، وكان عنده أيضا حسّ من ذلك، وأكثروا من تشجيعه. حتى وافقهم وأجابهم، وتواعدوا جميعا فى يوم الخميس تاسع شهر رمضان على الركوب على السلطان فى يوم الأحد ثانى عشر شهر رمضان فبعث السلطان فى يوم السبت يطلب بيبغا أرس من العبّاسة، وقد قرّر مع الطواشى عنبر مقدّم المماليك أن يعرّف المماليك السلاح دارّية أن يقفوا خلفه فإذا دخل بيبغا أرس، وقبّل الأرض ضربوه بالسيوف وقطعوه قطعا، فعلم بذلك ألجيبغا، وبعث إليه يعلمه مما دبّره السلطان عليه من قتله ويعرّفه بما وقع اتفاق الأمراء عليه، وأنه يوافيهم بكرة يوم الأحد على قبّة النصر، فاستعدوا ليلتهم ونزل ألجيبغا من القلعة، وتلاه بقيّة الأمراء، حتى كان آخرهم ركوبا الأمير أرقطاى نائب السلطنة، وتوافوا بأجمعهم عند مطعم «١» الطير، وإذا ببيبغا أرس قد وصل إليهم، فعبّوا «٢» أطلابهم ومماليكهم ميمنة وميسرة، وبعثوا فى طلب بقية الأمراء، فما ارتفع النهار حتى وقفوا بأجمعهم ملبسين «٣» عند قبّة النصر، وبلغ السلطان ذلك، فأمر بضرب الكوسات فدقّت، وبعث الأوجاقية فى طلب الأمراء فجاءه طنيرق وشيخون وأرغون الكاملى وطاز ونحوهم من الأمراء الخاصّكيّة. ثم بعث المقدّمين فى طلب أجناد الحلقة فحضروا.

стр. 3300

ثم أرسل السلطان يعتب النائب على ركوبه فردّ جوابه بأن مملوكك الذي ربّيته ركب عليك (يعنى عن ألجيبغا) وأعلمنا فساد نيّتك لنا، وقد قتلت مماليك أبيك وأخذت أموالهم، وهتكت حريمهم بغير موجب، وعزمت على الفتك بمن بقى، وأنت أوّل من حلف أنك لا تخون الأمراء ولا تخرّب بيت أحد، فردّ الرسول إليه يستخبره عمّا يريدوه الأمراء من السلطان حتّى يفعله لهم، فعاد جوابهم أنه لا بدّ أن يسلطنوا غيره، فقال: ما أموت إلّا على ظهر فرسى، فقبضوا على رسوله وهمّوا بالزّحف عليه، فمنعهم النائب أرقطاى من ذلك حتى يكون القتال أوّلا من السلطان، فبادر السلطان بالركوب إليهم وأقام أرغون الكاملى وشيخون فى الميمنة، ثم أقام عدّة أمراء أخر فى الميسرة، وسار بمماليكه حتّى وصل إلى قريب قبّة النصر، فكان أول من تركه ومضى إلى القوم الأمير طاز ثم الأمير أرغون الكاملى ثم الأمير ملكتمر السعدى ثم الأمير شيخون وانضافوا الجميع إلى النائب أرقطاى والأمراء، وتلاهم بقيّتهم حتى جاء الأمير طنيرق والأمير لاچين أمير جاندار صهر السلطان آخرهم، وبقى السلطان فى نحو عشرين فارسا، فبرز له الأمير بيبغا أرس والأمير ألجيبغا فولّى السلطان فرسه وانهزم عنهم فتبعوه وأدركوه وأحاطوا به، فتقدّم إليه بيبغا أرس فضربه السلطان بالطّبر، فأخذ بيبغا الضربة بترسه. ثم حمل عليه بالرّمح وتكاثروا عليه حتى قلعوه من سرجه وضربه طنيرق بالسيف جرح وجهه وأصابعه. ثم ساروا به على فرس غير فرسه محتفظين به إلى تربة «١» آق سنقر الرومى تحت الجبل وذبحوه من ساعته قبيل عصر يوم الأحد ثانى عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، ودفن بتربة أمّه،

стр. 3301

ولما أنزلوه وأرادوا ذبحه قال لهم: بالله لا تستعجلوا علىّ، خلونى ساعة، فقالوا: كيف استعجلت أنت على قتل الناس! لو صبرت عليهم صبرنا عليك فذبحوه. وقيل: إنّهم لما أنزلوه عن فرسه كتّفوه وأحضروه بين يدى النائب أرقطاى ليقتله، فلما رآه النائب نزل عن فرسه وترجّل ورمى عليه قباءه وقال: أعوذ بالله، هذا سلطان ابن سلطان ما أقتله! فأخذوه ومضوا إلى الموضع الذي ذبحوه فيه، وفيه يقول الشيخ صلاح الدين الصفدى: [الخفيف] أيها العاقل اللبيب تفكّر ... فى المليك المظفّر الضّرغام كم تمادى فى البغى والغىّ حتى ... كان لعب الحمام جدّ الحمام وفيه يقول: [المجتث] حان الرّدى للمظفّر ... وفى التراب تعفّر كم قد أباد أميرا ... على المعالى توفّر وقاتل النفس ظلما ... ذنوبه ما تكفّر ثم صعد الأمراء القلعة من يومهم، ونادوا فى القاهرة بالأمان والاطمئنان وباتوا بالقلعة ليلة الاثنين، وقد اتّفقوا على مكاتبة نائب الشام والأمير أرغون شاه بما وقع، وأن يأخذوا رأيه فيمن يقيموه سلطانا فأصبحوا وقد اجتمع المماليك على إقامة حسين ابن الملك الناصر محمد عوضا عن أخيه المظفّر فى السلطنة ووقعت بين حسين وبينهم مراسلات فقام المماليك فى أمره فقبضوا الأمراء على عدّة منهم ووكّلوا الأمير طاز بباب حسين، حتّى لا يجتمع به أحد من جهة المماليك، وأغلقوا باب القلعة، واستمرّوا بآلة الحرب يومهم وليلة الثلاثاء «١» ، وقصد المماليك إقامة الفتنة، فحاف الأمراء تأخير السلطنة حتى يستشيروا نائب الشام أن يقع من المماليك مالا يدرك فارطه، فوقع اتّفاقهم عند ذلك على حسن فسلطنوه فتمّ أمره.

стр. 3302

وكانت مدّة سلطنة الملك المظفّر هذا على مصر سنة واحدة وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما. وكان المظفّر أهوج سريع الحركة، عديم المداراة، سيّئ التدبير، يؤثر صحبة الأوباش على أرباب الفضائل والأعيان، وكان فيه ظلم وجبروت وسفك للدماء، قتل فى مدة سلطنته مع قصرها خلائق كثيرة من الأمراء وغيرهم وكان مسرفا على نفسه، يحبّ لعب الحمام وغيره، ويحسن فنونا كثيرة من الملاعيب، كالرمح والكرة والصّراع والثّقاف وضرب السيف، مع شجاعة وإقدام من غير تثبّت فى أموره. قلت: وبالجملة هو أسوأ سيرة من جميع إخوته ممن تسلطن قبله من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون، على أن الجميع غير نجباء وحالهم كقول القائل: «عجيب نجيب من نجيب» ؛ اللهم إن كان السلطان حسن الآتى ذكره، فهو لا بأس به. انتهى. *** السنة التى حكم فى أوّلها الملك الكامل شعبان إلى سلخ جمادى الأولى، ثم حكم فى باقيها الملك المظفّر حاجى صاحب الترجمة وهى سنة سبع وأربعين وسبعمائة. فيها توفى الأمير بهاء الدين أصلم بن عبد الله الناصرى أحد أمراء الألوف بالديار المصرية فى يوم السبت عاشر شعبان؛ وإليه ينسب جامع «١» أصلم خارج القاهرة

стр. 3303

بسوق الغنم. وكان أصله من مماليك الملك المنصور قلاوون «١» وكان من خواصّ الملك الناصر محمد وقبض عليه وحبسه سنين، ثم أطلقه، وكان من أعيان الأمراء، وتولّى عدّة ولايات بالبلاد الشامية وغيرها حسب ما تقدّم ذكره فيما مضى، طالت أيامه فى السعادة والإمرة حتى صار من أمراء المشورة. وتوفّى الأمير الكبير سيف الدين الحاج آل ملك الجوكندار، ثم نائب السلطنة بالديار المصرية مقتولا بالإسكندرية فى أيام الملك الكامل شعبان، وأحضر ميتا إلى القاهرة فى يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة. وأصله من كسب الأبلستين فى الأيام الظاهريّة بيبرس فى سنة ست وسبعين وستمائة، واشتراه قلاوون وهو أمير ومعه سلّار النائب، فأنعم بسلار على ولده علىّ، وأنعم بآل ملك هذا على ولده الآخر. وقيل قدّمه لصهره الملك السعيد بركة خان ابن الملك الظاهر بيبرس، فأعطاه الملك السعيد لكوندك «٢» وقيل غير ذلك. وترقّى آل ملك فى الخدم إلى أن صار من جملة

стр. 3304

أمراء الديار المصرية. وتردّد للملك الناصر محمد بن قلاوون فى الرسليّة لمّا كان بالكرك من جهة الملك المظفّر بيبرس الجاشنكير، فأعجب الملك الناصر عقله وكلامه. فلمّا أن عاد الملك الناصر إلى ملكه رقّاه وولّاه الأعمال الجليلة إلى أن ولى نيابة السلطنة بديار مصر فى دولة الملك الصالح إسماعيل. فلمّا ولى الملك الكامل شعبان أخرجه لنيابة صفد. ثم طلبه وقبض عليه وقتله بالإسكندرية، وقد ذكرنا من أحواله نبذة كبيرة فى عدّة تراجم فلا حاجة لتكرار ذلك، إذ ليس هذا المحلّ محلّ الإطناب إلا فى تراجم ملوك مصر فقط، ومن عداهم يكون على سبيل الاختصار. وآل ملك هذا هو صاحب الدار «١» العظيمة بالقرب من باب مشهد الحسين- رضى الله عنه- وله هناك مدرسة «٢» أيضا تعرف به، وهو صاحب الجامع «٣» بالحسينية. وكان

стр. 3305

خيرا ديّنا عفيفا مثريا، كان يقول: كلّ أمير لا يقيم رمحه ويسكب الذهب حتى يساوى السّنان ما هو أمير. وتوفّى الأمير سيف الدين قمارى بن عبد الله الناصرى أخو بكتمر الساقى مقتولا، وقد ولى نيابة طرابلس والأستادارية بديار مصر، وكان من أعيان الأمراء الناصرية مشهورا بالشجاعة والإقدام، وهو غير قمارى أمير شكار، وكلاهما «١» من الأمراء الناصرية. وتوفّى الأمير سيف الدين ملكتمر بن عبد الله السّرجوانىّ نائب الكرك فى يوم الاثنين مستهلّ المحرّم خارج القاهرة، وقد قدمها من الكرك مريضا، وكان من أعيان الأمراء، وتولّى عدّة ولايات، لا سيما نيابة الكرك، فإنّه وليها غير مرّة. قلت: وغالب هؤلاء الأمراء ذكرنا من أحوالهم فى عدّة مواطن من تراجم ملوك مصر ما يستغنى عن ذكره ثانيا هنا. وتوفّى ملك تونس من بلاد الغرب أبو بكر «٢» بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى ابن عبد الواحد فى ليلة الأربعاء ثامن شهر رجب، بعد ما ملك تونس نحوا من ثلاثين سنة، وتولّى بعده ابنه أبو حفص عمر، وكان أبو بكر هذا من أجلّ ملوك الغرب، وطالت أيامه فى السلطنة، وله مواقف فى العدوّ «٣» مشهودة. رحمه الله تعالى. وتوفّى القاضى تاج الدين «٤» محمد بن الخضر بن عبد الرحمن بن سليمان المصرى كاتب سرّ دمشق فى ليلة الجمعة تاسع شهر ربيع الآخر. وكان كاتبا فاضلا باشر عدّة وظائف.

стр. 3306

وتوفى الأمير سيف الدين طقتمر «١» بن عبد الله الصلاحىّ نائب حمص بها. وكان من أعيان أمراء مصر. وقد مرّ ذكره أيضا فى تراجم أولاد الملك الناصر محمد ابن قلاوون. وتوفى الشيخ شمس الدين محمد «٢» بن محمد بن محمد [بن نمير] بن السراج بن نمير بن السراج فى شعبان؛ وكان كاتبا فاضلا مقرئا، وعنده مشاركة فى فنون. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع. والله أعلم. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٤٨] السنة الثانية من ولاية الملك المظفّر حاجّى على مصر، وهى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، على أنه قتل فى شهر رمضان منها، وحكم فى باقيها أخوه السلطان الملك الناصر حسن. فيها توفى الأمير شمس الدين آق سنقر بن عبد الله الناصرى مقتولا بقلعة الجبل، وقد تقدّم ذكر قتله أن الملك المظفّر حاجّيّا أمر بالقبض على آق سنقر وعلى الحجازى بالقصر، ثم قتلا من ساعتهما تهبيرا بالسيوف فى يوم الأحد تاسع عشر شهر ربيع الآخر، وكان آق سنقر هذا اختصّ به أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون وزوّجه إحدى بناته وجعله أمير شكار، ثم أمير آخور، ثم نائب غزّة، وأعيد بعد موت الناصر فى أيام الملك الصالح إسماعيل ثانيا واستقرّ أمير آخور على عادته، ثم ولى نيابة طرابلس مدّة، ثم أحضر إلى مصر فى أيام الملك الكامل

стр. 3307

شعبان، وعظم قدره، ودبّر الدولة فى أيام الملك المظفّر حاجىّ. ثم ثقل عليه وعلى حواشيه فوشوا به وبملكتمر حتى قبض عليهما وقتلهما فى يوم واحد. وكان آق سنقر أميرا جليلا كريما شجاعا عارفا مدبّرا. وإليه ينسب جامع «١» آق سنقر

стр. 3308

بخط التّبانة «١» خارج القاهرة بالقرب من باب الوزير «٢» . وتوفّى الأمير سيف الدين بيدمر «٣» البدرى مقتولا بغزة فى أوّل جمادى الآخرة، وهو أيضا أحد المماليك الناصرية وترقى إلى أن ولى نيابة حلب. وقد تقدّم ذكر مقتله فى ترجمة الملك المظفر حاجى. وإليه تنسب المدرسة «٤» البيدمرية قريبا من مشهد الحسين رضى الله عنه.

стр. 3309

وتوفّى قاضى القضاة «١» عماد الدين علىّ بن محيى الدين أحمد بن عبد الواحد بن عبد المنعم بن عبد الصمد الطّرسوسىّ الحنفى الدمشقى قاضى قضاة دمشق بها، عن تسع وسبعين سنة تقريبا، بعد ما ترك القضاء لولده وانقطع بداره للعبادة، إلى أن مات فى يوم الاثنين ثامن عشرين ذى الحجة. وكان منشؤه بدمشق، وقرأ الخلاف على الشيخ بهاء الدين «٢» بن النحّاس، والفرائض على أبى العلاء «٣» ، وتفقّه على جماعة من علماء عصره، وبرع فى عدّة علوم وأفتى ودرّس بعدّة مدارس. وكان كثيرة التلاوة سريع القراءة، قيل إنه كان يقرأ القرآن فى التروايح كاملا فى أقلّ من ثلاث ساعات بحضور جماعة من القرّاء. وتولّى قضاء دمشق بعد قاضى القضاة صدر «٤» الدين على الحنفىّ فى سنة سبع وعشرين وسبعمائة وحمدت سيرته. وكان أوّلا ينوب عنه فى الحكم. رحمه الله تعالى.

стр. 3310

وتوفّى قاضى قضاة المالكية وشيخ الشيوخ بدمشق شرف الدين محمد بن أبى بكر ابن ظافر بن عبد الوهاب الهمدانىّ «١» فى ثالث المحرّم عن ثلاث وسبعين سنة. وكان فقيها عالما صوفيّا. وتوفّى الشيخ الإمام الحافظ المؤرّخ صاحب التصانيف المفيدة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز [بن عبد الله «٢» التّركمانىّ الأصل الفارقىّ] الذهبىّ الشافعىّ- رحمه الله تعالى- أحد الحفّاظ المشهورة فى ثالث ذى القعدة. ومولده فى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وستمائه، وسمع الكثير ورحل البلاد، وكتب وألّف وصنّف وأرّخ وصحّح وبرع فى الحديث وعلومه، وحصّل الأصول وانتقى، وقرأ القراءات السبع على جماعة من مشايخ القراءات. استوعبنا مشايخه ومصنّفاته فى تاريخنا «المنهل الصافى» مستوفاة. ومن مصنفاته: «تاريخ الإسلام» وهو أجل كتاب نقلت عنه فى هذا التاريخ. وقال الشيخ صلاح الدين الصفدىّ- بعد ما أثنى عليه- قال: «وأخذت عنه وقرأت عليه كثيرا من تصانيفه، ولم أجد عنده جمودة المحدّثين، ولا كودنة «٣» النّقلة، بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات، وأعجبنى منه ما يعنيه فى تصانيفه، ثم إنه لا يتعدّى حديثا يورده حتى يبيّن ما فيه من ضعف متن، أو ظلام إسناد، أو طعن فى روايته، وهذا لم أر غيره يراعى هذه الفائدة» . وأنشدنى من لفظه لنفسه مضمّنا، وهو تخيّل جيّد إلى الغاية: [وافر]

стр. 3311

إذا قرأ الحديث علىّ شخص ... وأخلى موضعا لوفاة مثلى فما جازى بإحسان لأنّى ... أريد حياته ويريد قتلى وتوفى الأمير الوزير نجم الدين محمود [بن على «١» ] بن شروين المعروف بوزير بغداد مقتولا بغزّة مع الأمير بيدمر البدرىّ فى جمادى الآخرة. وكان قدم من بغداد إلى القاهرة فى دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون، فلمّا سلّم على السلطان وقبّل الأرض ثم قبّل يده حطّ فى يد السلطان حجر «٢» بلخش، زنته أربعون درهما، قوّم بمائتى ألف درهم، فأمّره السلطان وأعطاه تقدمة ألف بديار مصر. ثم ولى الوزر غير مرّة إلى أن أخرجه الملك المظفّر حاجّىّ إلى غزّة، وقتله بها هو وبيدمر البدرىّ وطغيتمر الدوادار، وكان- ﵀ عاقلا سيوسا كريما محسنا مدبّرا، محمود الاسم والسيرة فى ولاياته، وهو ممّن ولى الوزر شرقا وغربا، وهو صاحب الخانقاه بالقرافة بجوار تربة كافور الهندىّ. وتوفى الشيخ الإمام البارع المفتّن قوام الدين مسعود بن محمد «٣» بن محمد بن سهل الكرمانى الحنفى بدمشق، وقد جاوز الثمانين سنة. وكان إماما بارعا فى الفقه والنحو

стр. 3312

والأصلين واللغة، وله شعر وتصانيف، وسماه الحافظ عبد القادر فى الطبقات مسعود بن إبراهيم. وتوفّى الأمير سيف الدين ملكتمر بن عبد الله الحجازىّ الناصرىّ قتيلا فى تاسع عشر شهر ربيع الآخر مع الأمير آق سنقر المقدّم ذكره. وكان أصل الحجازى من مماليك شمس الدين «١» أحمد بن يحيى بن محمد بن عمر الشّهرزورىّ البغدادى، فبذل فيه الملك الناصر محمد زيادة على مائة ألف درهم، حتى ابتاعه له منه المجد السلامىّ بمكة لمّا حجّ الشهرزورىّ، وقدم به على الناصر، فلم ير بمصر أحسن منه ولا أظرف فعرف بالحجازى، وحظى عند الملك الناصر، حتى جعله من أكابر الأمراء وزوّجه بإحدى بناته «٢» . وكان فيه كلّ الخصال الحسنة، غير أنه كان مسرفا على نفسه منهمكا فى اللذّات، مدمنا على شرب الخمر، فكان مرتّبه منه فى كل يوم خمسين رطلا. ولم يسمع منه فى سكره وصحوه كلمة فحش، ولا توسّط بسوء أبدا، هذا مع سماحة النفس والتواضع والشجاعة والكرم المفرط، والتجمّل فى ملبسه ومركبه وحواشيه. وقد تقدّم كيفية قتله فى ترجمة الملك المظفّر هذا. وتوفى الأمير طغيتمر بن «٣» عبد الله النجمى الدوادار، صاحب الخانقاة «٤» النجمية خارج باب المحروق من القاهرة مقتولا بغزّة مع بيدمر البدرىّ ووزير بغداد المقدّم

стр. 3313

ذكرهما. وكان طغتمر من أجل أمراء مصر، وكان عارفا عاقلا كاتبا وعنده فضيلة ومشاركة. وكان مليح الشكل. وتوفى الأمير سيف الدين يلبغا اليحياوىّ الناصرىّ نائب الشام مقتولا بقلعة قاقون، تقدّم ذكر قتله فى ترجمة الملك المظفّر هذا. وكان يلبغا هذا أحد من شغف به أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون، وعمّر له الدار «١» العظيمة التى موضعها الآن مدرسة «٢» السلطان حسن تجاه القلعة. ثم جعله أمير مائة ومقدّم ألف بالديار المصرية. ثم ولى بعد موت الملك الناصر حماة وحلب والشام. وعمّر بالشام الجامع المعروف بجامع يلبغا بسوق الخيل، ولم يكمّله، فكمّل بعد موته. وكان حسن الشكالة، شجاعا كريما، بلغ إنعامه فى كلّ سنة على مماليكه فقط مائة وعشرين فرسا وثمانين حياصة ذهب. وعاش أبوه بعده، وكان تركىّ الجنس، وتقلب فى هذه السعادة، ومات وسنه نيّف «٣» على عشرين سنة. وتوفى الأمير أرغون بن عبد الله العلائىّ قتيلا بالإسكندرية، وكان أرغون أحد المماليك الناصرية، رقّاه الملك الناصر محمد فى خدمته، وزوّجه أمّ ولديه: الصالح «٤» إسماعيل والكامل شعبان، وعمله لا لا لأولاده، فدبّر الدولة فى أيام ربيبه

стр. 3314

الملك الصالح إسماعيل أحسن تدبير. ثم قام بتدبير ربيبه أيضا الملك الكامل شعبان، حتى قتل شعبان لسوء سيرته وأرغون ملازمه، فقبض على أرغون المذكور بعد الهزيمة وسجن بالإسكندرية إلى أن قتله الملك المظفّر حاجّىّ فيمن قتل، وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه مفصّلا فى وقته. وأرغون هذا هو صاحب الخانقاه بالقرافة. وكان عاقلا عارفا مدبرا سيوسا كريما، ينعم فى كل سنة بمائتين وثلاثين فرسا، ومبلغ أربعين ألف دينار. قال الشيخ صلاح الدين الصّفدى: وعظمت حرمته لما دبّر المملكة وكثرت أرزاقه وأملاكه، وصار أكبر «١» من النوّاب بالديار المصرية، وهو باق على وظيفته رأس نوبة الجمدارية، وجنديته إلى آخر وقت. قلت: وهذا الذي ذكره صلاح الدين من العجب، كونه يكون مدبّر مملكتى الصالح والكامل، وهو غير أمير. انتهى. وتوفّى جماعة من الأمراء بسيف السلطان الملك المظفّر حاجّىّ، منهم: الأمير أيتمش عبد الغنىّ والأمير تمر الموساوى الساقى والأمير قرابغا والأمير صمغار، الجميع بسجن الإسكندريّة، وهم من المماليك الناصرية محمد بن قلاوون، وقتل أيضا بقلعة الجبل الأمير غرلو فى خامس «٢» عشرين جمادى الاخرة، وقد تقدّم التعريف بحاله عند قتله فى ترجمة الملك المظفّر حاجّىّ. وكان جركسىّ الجنس، ولهذا كان جمع الجراكسة على الملك المظفر حاجّىّ، لأنهم من جنسه. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثمانى أصابع.

стр. 3315

ذكر سلطنة الملك الناصر حسن الأولى على مصر السلطان الملك الناصر بدر الدين وقيل ناصر الدين أبو المعالى حسن. واللّقب الثانى أصحّ، لأنه أخذ كنية أبيه، ولقبه وشهرته، ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون، وأمّه أمّ ولد ماتت عنه وهو صغير، فتولّى تربيته خوند أردو، وكان أوّلا يدعى قمارى واستمرّ بالدور السلطانيّة إلى أن كان من أمر أخيه الملك المظفّر حاجّىّ ما كان. وطلبت المماليك أخاه حسينا للسلطنة، فقام الأمراء بسلطنة حسن هذا، وأجلسوه على تخت الملك بالإيوان فى يوم الثلاثاء، رابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعماية، وركب بشعار السلطنة وأبّهة الملك. ولمّا جلس على تخت الملك لقّبوه بالملك الناصر سيف الدين قمارى، فقال السلطان حسن للنائب أرقطاى: يا أبت ما اسمى قمارى، إنما اسمى حسن، فاستلطفه الناس لصغر سنّه ولذكائه، فقال له: النائب: يا خوند- والله- إن هذا اسم حسن، حسن على خيرة الله تعالى. فصاحت الجاووشيّة فى الحال باسمه وشهرته وتمّ مره، وحلف له الأمراء على العادة. وعمره يوم سلطنته إحدى عشرة سنة، وهو السلطان التاسع عشر من ملوك الترك بالديار المصريّة، والسابع من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون. وفى يوم الأربعاء خامس عشره اجتمع الأمراء بالقلعة وأخرج لهم الطواشى دينار الشّبلىّ المال من الخزانة، ثم طلب الأمراء خدّام الملك المظفّر وعبيده، ومن كان يعاشره من الفرّاشين ولعاب الحمام، وسلّموا لشادّ الدواوين على حمل ما أخذوه من الملك المظفّر من الأموال، فأظهر بعض الخدّام حاصلا تحت يده من الجوهر واللؤلؤ، ما قيمته زيادة على مائة ألف دينار، وتفاصيل حرير، وبذلات زركش بمائة ألف دينار أخرى.

стр. 3316

وفى يوم الخميس قبض على الأمير أيدمر الزرّاق والأمير قطز أمير آخور والأمير بلك الجمدار، وأخرج قطز لنيابة صفد، وقطعت أخباز عشرين خادما وخبز عبد علىّ العوّاد المغنى وخبز إسكندر بن بدر الدين كتيلة الجنكىّ، ثم قبض ايضا على الطواشى عنبر السّحرتى مقدّم المماليك، وعلى الأمير آق سنقر أمير جندار، ثم عرضت المماليك أرباب الوظائف وأخرج منهم جماعة، وأحيط بمال «كيدا» حظيّة الملك المظفر التى أخذها بعد اتّفاق السوداء العوّادة وأموال بقية الحظايا وأنزلن من القلعة، وكتبت أوراق بمرتبات الخدّام والعبيد والجوارى فقطعت كلّها. وكان أمر المشورة فى الدولة والتدبير لتسعة أمراء: بيبغا أرس القاسمىّ وألجيبغا المظفّرى وشيخون العمرىّ وطاز الناصرىّ وأحمد شادّ الشراب خاناه وأرغون الاسماعيلىّ وثلاثة أخر، فاستقر الأمير شيخون رأس نوبة كبيرا وشارك فى تدبير المملكة، واستقر الأمير مغلطاى أمير آخور عوضا عن الأمير قطز، ثم رسم بالإفراج عن الأمير بزلار من سجن الإسكندريّة، ثمّ جهّزت التشاريف لنوّاب البلاد الشامية، وكتب لهم بما وقع من أمر الملك المظفّر وقتله، وسلطنة الملك الناصر حسن وجلوسه على تخت الملك. ثمّ اتّفقوا الأمراء على تخفيف الكلف السلطانيّة، وتقليل المصروف بسائر الجهات، وكتبت أوراق بما على الدولة من الكلف، وأخذ الأمراء فى بيع طائفة الجراكسة من المماليك السلطانية، وقد كان الملك المظفّر حاجّىّ قرّبهم إليه بواسطة غرلو وجلبهم من كلّ مكان، وأراد أنّ ينشئهم على الأتراك، وأدناهم إليه حتى عرفوا بين الأمراء بكبر عمائمهم، وقوى أمرهم وعملوا كلفتات خارجة عن الحدّ فى الكبر، فطلبوا الجميع وأخرجوهم منفيّين خروجا فاحشا وقالوا: هؤلاء جيعة النفوس كثيرو الفتن.

стр. 3317

ثم قدم كتاب نائب الشام الأمير أرغون شاه يتضمن موافقته للأمراء ورضاءه بما وقع، وغضّ من الأمير فخر الدين إياس نائب حلب، وكان الأمير أرقطاى النائب قد طلب من الأمراء أن يعفوه من النيابة ويولّوه بلدا من البلاد فلم يوافقوه الأمراء على ذلك، فلمّا ورد كتاب نائب الشام يذكر فيه أنّ إياس يصغر عن نيابة حلب، فإنّه لا يصلح لها إلّا رجل شيخ كبير القدر، له ذكر بين الناس وشهرة، فعند ذلك طلب الأمير أرقطاى النائب نيابة حلب، فخلع عليه بنيابة حلب فى يوم الخميس خامس شوّال، واستقرّ عوضه فى نيابة السلطنة بالديار المصرية الأمير بيبغا أرس أمير مجلس وخلع عليهما معا، وجلس بيبغا أرس فى دست النيابة وجلس أرقطاى دونه بعد ما كان قبل ذلك أرقطاى فى دست النيابة وبيبغا دونه. وفى يوم السبت سابعه قدم الأمير منجك اليوسفىّ السلاح دار حاجب دمشق وأخو بيبغا أرس من الشام، فرسم له بتقدّمه ألف بديار مصر وخلع عليه واستقرّ وزيرا وأستادارا، وخرج فى موكب عظيم والأمراء بين يديه، فصار حكم مصر للأخوين: بيبغا أرس ومنجك السلاح دار. ثمّ فى يوم الثلاثاء عاشر شوّال خرج الأمير أرقطاى الى نيابة حلب، وصحبته الأمير كشلى «١» الإدريسىّ مسفّرا. ثم إنّ الأمير منجك اشتدّ على الدواوين، وتكلّم فيهم حتى خافوه بأسرهم، وقاموا له بتقادم هائلة، فلم يمض شهر حتّى أنس بهم، واعتمد عليهم فى أموره كلّها، وتحدّث منجك فى جميع أقاليم مصر ومهدّ أمورها. ثم قدم سيف الأمير فخر الدين إياس نائب حلب بعد القبض عليه فخرج مقيّدا وحبس بالإسكندرية «٢» .

стр. 3318

ثم تراسل المماليك الجراكسة مع الأمير حسين ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون على أن يقيموه سلطانا فقبض على أربعين منهم، وأخرجوا على الهجن مفرّقين الى البلاد الشاميّة. ثم قبض على ستّة منهم وضربوا تجاه الإيوان من القلعة ضربا مبرّحا، وقيّدوا وحبسوا بخزانة شمائل. ثم عملت الخدمة بالإيوان، واتفقوا على أنّ الأمراء إذا انفضّوا من خدمة الإيوان، دخل أمراء المشورة والتدبير إلى القصر دون غيرهم من بقيّة الأمراء، ونفذوا الأمور على اختيارهم من غير أن يشاركهم أحد من الأمراء فى ذلك، فكانوا إذا حضروا الخدمة بالإيوان خرج الأمير منكلى بغا الفخرىّ والأمير بيغرا والأمير بيبغا ططر والأمير طيبغا المجدىّ والأمير أرلان وسائر الأمراء فيمضوا على حالهم، إلا أمراء المشورة وهم، الأمير بيبغا أرس النائب والأمير شيخون العمرىّ رأس نوبة النّوب «١» والأمير طاز «٢» والأمير الوزير منجك اليوسفىّ السلاح دار والأمير ألجيبغا المظفّرىّ والأمير طنيرق فإنهم يدخلون القصر، وينفّذون أحوال المملكة بين يدى السلطان بمقتضى علمهم وحسب اختيارهم. وفى هذه السنة استجدّ بمدينة حلب قاض مالكىّ وقاض حنبلىّ، فولى قضاء المالكية بها شهاب الدين أحمد بن ياسين الربّاحىّ «٣» ، وتولى قضاء الحنابلة بها شرف الدين أبو البركات «٤» موسى بن فيّاض، ولم يكن بها قبل ذلك مالكىّ ولا حنبلىّ، وذلك فى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة.

стр. 3319

وفى يوم الثلاثاء أوّل المحرّم سنة تسع وأربعين وسبعمائة، قبض على الشيخ علىّ الكسيح نديم الملك المظفّر حاجّىّ، وضرب بالمقارع والكسّارات ضربا عظيما، وقلعت أسنانه وأضراسه شيئا بعد شىء فى عدّة أيام، ونوّع له العذاب أنواعا حتى هلك، وكان بشع المنظر، له حدبة فى ظهره وحدبة فى صدره، كسيحا لا يستطيع القيام، وإنما يحمل على ظهر غلامه، وكان يلوذ بألجيبغا المظفّرىّ، فعرّف به ألجيبغا الملك المظفّر حاجّيّا فصار يضحّكه، وأخرج المظفر حرمه عليه، وعاقره الشّراب، فوهبته الحظايا شيئا كثيرا. ثم زوّجه الملك المظفر بإحدى حظاياه، وصار يسأله عن الناس فنقل له أخبارهم على ما يريد، وداخله فى قضاء الأشغال، فخافه الأمراء وغيرهم خشية لسانه، وصانعوه بالمال حتى كثرت أمواله، بحيث إنه كان إذا دخل خزانة الخاصّ، لا بدّ أن يعطيه ناظر الخاصّ منها له شيئا له قدر، ويدخل عليه ناظر الخاصّ حتى يقبله منه، وإنه إذا دخل الى النائب أرقطاى استعاذ أرقطاى من شرّه، ثمّ قام له وترحّب به وسقاه مشروبا، وقضى شغله الذي جاء بسببه وأعطاه ألف درهم من يده واعتذر له، فيقول للنائب: هأنا داخل الى ابنى السلطان وأعرّفه إحسانك الىّ، فلما دالت دولة الملك المظفّر عنى به ألجيبغا، الى أن شكاه عبد العزيز العجمىّ أحد أصحاب الأمير آق سنقر على مال أخذه منه، لمّا قبض عليه غرلو بعد قتل آق سنقر حتى خلّصه منه، فتذكّره أهل الدولة وسلّموه الى الوالى، فعاقبه واشتدّ عليه الوزير منجك حتى أهلكه. وفى المحرّم هذا وقعت الوحشة ما بين النائب بيبغا أرس وبين شيخون، ثمّ دخل بينهما منجك الوزير حتى أصلح ما بينهما. ثمّ فى يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الأوّل عزل الأمير منجك عن الوزارة، وسببه أنّ ابن زنبور قدم من الإسكندرية بالحمل على العادة، فوقع الاتّفاق على

стр. 3320

تفرقنه على الأمراء، فحمل الى النائب منه ثلاثة آلاف دينار، وإلى شيخون ثلاثة آلاف دينار، وللجماعة من الأمراء كلّ واحد ألفا دينار، وهم بقيّة أمراء المشورة، ولجماعة الأمراء المقدّمين كلّ واحد ألف دينار، فامتنع شيخون من الأخذ وقال: أنا ما يحلّ لى أن آخذ من هذا شيئا. ثم قدم حمل قطيا وهو مبلغ سبعين ألف درهم، وكانت قطيا قد أرصدت لنفقة المماليك، فأخذ الوزير منجك منها أربعين ألف درهم، وزعم أنّها كانت له قرضا فى نفقة المماليك، فوقفت المماليك الى الأمير شيخون وشكوا الوزير بسببها، فحدّث الوزير فى ردّ ما أخذه فلم يفعل، وأخذ فى الحطّ على ابن زنبور ناظر الخواصّ، وأنه يأكل المال جميعه، وطلب إضافة نظر الخاصّ له مع الوزارة والأستادارية وألحّ فى ذلك عدّة أيّام، فمنعه شيخون من ذلك، وشدّ من ابن زنبور وقام بالمحاققة عنه، وغضب بحضرة الأمراء فى الخدمة، فمنع النائب منجك من التحدّث فى الخاصّ وانفضّ المجلس، وقد تنكّر كلّ منهما [على «١» الاخر] وكثرت القالة بالركوب على النائب ومنجك حتى بلغهما ذلك، فطلب النائب الإعفاء من النيابة وإخراج أخيه منجك من الوزارة، وأبدأ وأعاد حتى كثر الكلام ووقع الاتفاق على عزل منجك من الوزارة، واستقراره أستادارا على حاله وشادّا على عمل الجسور فى النيل. وطلب أسندمر العمرىّ المعروف برسلان بصل من كشف الجسور ليتولّى الوزارة، فحضر وخلع عليه فى يوم الاثنين رابع عشرينه. [وفيه «٢» أخرج] الأمير أحمد شادّ الشراب خاناه الى نيابة صفد؛ وسبب ذلك أنه كان كبر فى نفسه وقام مع المماليك على الملك المظفّر حاجّىّ حتى قتل، ثم أخذ

стр. 3321

فى تحريك الفتنة واتفق مع ألجيبغا وطنيرق على الركوب فبلغ بيبغا أرس النائب الخبر فطلب الإعفاء، وذكر ما بلغه وقال: إنّ أحمد صاحب فتن ولا بدّ من إخراجه من بيننا فطلب أحمد وخلع عليه وأخرج من يومه. ثمّ فى يوم الأربعاء سادس عشرين ربيع الأوّل أنعم على الأمير منجك اليوسفى بتقدمة أحمد شادّ الشراب خاناه. ثمّ فى الغد يوم الخميس امتنع النائب من الركوب فى الموكب وأجاب بأنه ترك النيابة، فطلب إلى الخدمة وسئل عن سبب ذلك فذكر أنّ الأمراء المظفّرية تريد إقامة الفتنة وتبيّت خيولهم فى كل ليلة مشدودة، وقد اتفقوا على مسكه، وأشار لألجيبغا وطنيرق فأنكرا ما ذكر النائب عنهما، فحاققهما الأمير أرغون الكاملىّ أنّ ألجيبغا واعده بالأمس على الركوب فى غد وقت الموكب ومسك النائب ومنجك، فعتب عليهما الأمراء فاعتذرا بعذر غير مقبول، وظهر صدق ما نقله النائب، فخلع على ألجيبغا بنيابة طرابلس وعلى طنيرق بإمرة فى دمشق وأخرجا من يومهما، فقام فى أمر طنيرق صهره الأمير طشتمر طلليه حتى أعفى من السفر وتوجّه ألجيبغا إلى طرابلس فى ثامن شهر ربيع الآخر من السنة بعد ما أمهل أياما، واستمرّ منجك معزولا إلى أن أعيد إلى الوزر فى يوم الاثنين خامس عشر شهر ربيع الآخر «١» باستعفاء أسندمر العمرى لتوقّف أحوال الوزارة. وفيه أيضا أخرج من الأمراء المظفّرية لاچين العلائىّ وطيبغا المظفّرىّ ومنكلى بغا المظفّرىّ وفرّقوا ببلاد الشام. ثم قدمت تقدمة الأمير أرغون شاه نائب الشام زيادة عما جرت به العادة، وهى مائة وأربعون فرسا بعبىّ تدمرية «٢» فوقها أجلّة «٣» أطلس، ومقاود سلاسلها فضة،

стр. 3322

ولواوين «١» بحلق فضّة، وأربعة قطر هجن بمقاود حرير، وسلاسل فضّة وذهب، وأكوارها «٢» مغشّاة بذهب، وأربعة كنابيش «٣» ذهب عليها ألقاب السلطان، وتعابى قماش مبقّجة «٤» من كلّ صنف؛ ولم يدع أحدا من الأمراء المقدّمين ولا من أرباب الوظائف حتى الفرّاش ومقدّم الإسطبل ومقدّم الطبلخاناة والطبّاخ، حتى بعث إليهم هديّة، فخلع على مملوكه عدّة خلع وكتب إليه بزيادة على إقطاعه، ورسم له بتفويض حكم الشام جميعه إليه، يعزل ويولّى من يختار. وفيه أنعم على خليل بن قوصون بإمرة طبلخاناه، وأنعم أيضا على ابن المجدى بإمرة طبلخاناه، وأنعم على أحد أولاد منجك الوزير بإمرة مائة وتقدمة ألف ثم فى ثالث ذى الحجة أخرج طشبغا الدّوادار إلى الشام، وسببه مفاوضة جرت بينه وبين القاضى علاء الدين علىّ بن فضل الله كاتب السرّ، أفضت به إلى أن أخذ طشبغا بأطواق كاتب السرّ ودخلا على الأمير شيخون كذلك، فأنكر شيخون على طشبغا، ورسم بإخراجه، وعمل مكانه قطليجا الأرغونىّ دوادارا. ثم رسم للأمير بيغرا أمير جاندار أن يجلس رأس ميسرة، واستقرّ الأمير أيتمش الناصرى حاجب الحجاب أمير جاندار عوضه، واستقرّ الأمير قبلّاى «٥» حاجب الحجّاب عوضا عن أيتمش.

стр. 3323

وكانت هذه السنة (أعنى سنة تسع وأربعين وسبعمائة) كثيرة الوباء والفساد بمصر والشام من كثرة قطع الطريق لولاية الأمير منجك جميع أعمال المملكة بالمال، وانفراده وأخيه بيبغا أرس بتدبير المملكة. ومع هذا كان فيها أيضا الوباء الذي لم يقع مثله فى سالف الأعصار، فإنه كان ابتدأ بأرض مصر آخر أيام التخضير فى فصل الخريف فى أثناء سنة ثمان وأربعين، فما أهلّ المحرّم سنة تسع وأربعين حتى اشتهر واشتدّ بديار مصر فى شعبان ورمضان وشوّال، وارتفع فى نصف ذى القعدة، فكان يموت بالقاهرة ومصر ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف نفس [إلى عشرين «١» ألف نفس] فى كلّ يوم، وعملت الناس التوابيت والدّكك لتغسيل الموتى للسبيل بغير أجرة، وحمل أكثر الموتى على ألواح الخشب وعلى السلالم والأبواب، وحفرت الحفائر وألقيت فيها الموتى، فكانت الحفيرة يدفن فيها الثلاثون والأربعون وأكثر، وكان الموت بالطّاعون، يبصق الإنسان دما ثمّ يصيح ويموت؛ ومع هذا عمّ الغلاء الدنيا جميعها، ولم يكن هذا الوباء كما عهد فى إقليم دون إقليم، بل عم أقاليم الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا جميع أجناس بنى آدم وغيرهم، حتى حيتان البحر وطير السماء ووحش البرّ. وكان أوّل ابتدائه من بلاد القان «٢» الكبير حيث الإقليم الأوّل، وبعدها من تبريز «٣» إلى آخرها ستّة أشهر وهى بلاد الخطا «٤» والمغل وأهلها يعبدون النار والشمس

стр. 3324

والقمر، وتزيد عدّتهم على ثلثمائة جنس فهلكوا بأجمهم من غير علّة، فى مشاتيهم ومصايفهم وعلى ظهور خيلهم، وماتت خيولهم وصاروا جيفة مرمية فوق الأرض؛ وكان ذلك فى سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. ثم حملت الريح نتنهم إلى البلاد، فما مرّت على بلد إلّا وساعة شمّها إنسان أو حيوان مات لوقتة فهلك من أجناد القان خلائق لا يحصيها إلا الله تعالى. ثمّ هلك القان وأولاده الستّة ولم يبق بذلك الإقليم من يحكمه. ثم اتّصل الوباء ببلاد الشرق جميعها: بلاد أزبك «١» وبلاد إسطنبول «٢» وقيصرية «٣» الروم، ثم دخل أنطاكية حتى أفنى من بها، وخرج جماعة من بلاد «٤» أنطاكية فارّين من الموت فماتوا بأجمهم فى طريقهم، ثم عمّ جبال «٥» ابن قرمان وقيصرية، ففنى أهلها ودوابّهم ومواشيهم، فرحلت الأكراد خوفا من الموت فلم يجدوا أرضا إلا وفيها الموت، فعادوا إلى أرضهم وماتوا جميعا. ثم وقع ذلك ببلاد سيس فمات لصاحبها تكفور فى يوم واحد بموضع مائة وثمانون نفسا وخلت سيس. ثمّ وقع فى بلاد الخطا مطر عظيم لم يعهد مثله فى غير أوانه، فماتت دوابّهم ومواشيهم

стр. 3325

عقيب ذلك المطر حتى فنيت. ثمّ مات الناس والوحوش والطيور حتى خلت بلاد الخطا وهلك ستّة عشر ملكا فى مدّة ثلاث أشهر، وأفنى أهل الصّين حتى لم يبق منهم إلا القليل، وكذلك بالهند. ثمّ وقع ببغداد أيضا فكان الإنسان يصبح وقد وجد بوجهه طلوعا، فما هو إلا أن يمدّ يده على موضع الطلوع فيموت فى الوقت. وكان أولاد دمرداش قد حصروا الشيخ حسنا صاحب بغداد، ففجأهم الموت فى عسكرهم من وقت المغرب إلى باكر النهار إلى الغد، فمات منهم عدد كثير نحو الألف ومائتى رجل وستة أمراء ودوابّ كثيرة «١» ، فكتب الشيخ صاحب بغداد بذلك إلى سلطان مصر. ثمّ فى أوّل جمادى الأولى ابتدأ الوباء بمدينة حلب ثمّ بالبلاد الشاميّة كلّها وبلاد ماردين «٢» وجبالها، وجميع ديار بكر، وأفنى بلاد صفد والقدس والكرك ونابلس والسواحل وعربان البوادى حتى إنه لم يبق ببلد جينين «٣» غير عجوز واحدة خرجت منها فارّة، وكذلك وقع بالرّملة «٤» وغيرها، وصارت الخانات ملآنة بجيف الموتى، ولم يدخل الوباء معرّة النّعمان «٥» من بلاد الشام ولا بلد شيزر «٦» ولا حارما.

стр. 3326

وأول ما بدأ بدمشق، كان يخرّج خلف أذن الإنسان بثرة فيخرّ صريعا، ثمّ صار يخرج للإنسان كبّة «١» فيموت أيضا سريعا، ثمّ خرجت بالناس خيارة فقتلت خلقا كثيرا، ثم صار الآدمىّ يبصق دما ويموت من وقته، فاشتدّ الهول من كثرة الموت، حتّى إنه» أكثر من كان يعيش ممن يصيبه ذلك خمسين ساعة. وبلغ عدّة من يموت فى كلّ يوم بمدينة حلب خمسمائة إنسان، ومات بمدينة غزّة فى ثانى المحرم الى رابع صفر- على ما ورد فى كتاب نائبها- زيادة على اثنين وعشرين ألف إنسان، حتى غلقت أسواقها، وشمل الموت أهل الضّياع بها، وكان آخر زمان الحرث، فكان الرجل يوجد ميتا خلف محراثه، ويوجد آخر قد مات وفى يده ما يبذره. ثمّ ماتت أبقارهم؛ وخرج رجل بعشرين رأس بقر، لإصلاح أرضه فماتوا واحدا بعد واحد، وهو يراهم يتساقطون قدّامه، فعاد إلى غزّة. ودخل ستّة نفر لسرقة دار بغزّة فأخذوا ما فى الدار ليخرجوا به فماتوا بأجمعهم، وفرّ نائبها الى ناحية بدّعرش «٣» ، وترك غزّة خالية، ومات أهل قطيا وصارت جثثهم تحت النخل وعلى الحوانيت، حتى لم يبق بها سوى الوالى وغلامين وجارية عجوز، وبعث يستعفى، فولّى عوضه مبارك، أستادار طغجى. ثمّ عمّ الوباء بلاد الفرنج، وابتدأ فى الدوابّ ثمّ فى الأطفال والشباب، فلمّا شنع الموت فيهم جمع أهل قبرس من فى أيديهم من أسرى المسلمين وقتلوهم جميعا من بعد العصر إلى المغرب، خوفا من أن تفرغ الفرنج فتملك المسلمون قبرس، فلما كان بعد العشاء الأخيرة هبّت ريح شديدة، وحدثت زلزلة عظيمة، وامتدّ البحر

стр. 3327

فى المينة نحو مائة قصبة، فغرق كثير من مراكبهم وتكسّرت، فظنّ أهل قبرس أنّ الساعة قامت، فخرجوا حيارى لا يدرون ما يصنعون. ثمّ عادوا إلى منازلهم، فإذا أهاليهم قد ماتوا، وهلك لهم فى هذا الوباء ثلاثة ملوك، واستمرّ الوباء فيهم مدّة أسبوع، فركب منهم ملكهم الذي ملّكوه رابعا، فى جماعة فى المراكب يريدون جزيرة بالقرب منهم، فلم يمض عليهم فى البحر إلا يوم وليلة ومات أكثرهم فى المراكب، ووصل باقيهم الى الجزيرة فماتوا بها عن آخرهم، ووافى هذه الجزيرة بعد موتهم مركب فيها تجّار فماتوا كلّهم وبحّارتهم إلا ثلاثة عشر رجلا، فمرّوا إلى قبرس فوصلوها، وقد بقوا أربعة نفر فلم يجدوا بها أحدا فساروا إلى طرابلس، وحدّثوا بذلك فلم تطل مدّتهم بها وماتوا وكانت المراكب إذا مرّت بجزائر الفرنج لا تجد ركّابها بها أحدا، وفى بعضها جماعة يدعونهم أن يأخذوا من أصناف البضائع ما أحبّوا بغير ثمن لكثرة من كان يموت عندهم، وصاروا يلقون الأموات فى البحر، وكان سبب الموت عندهم ريح تمرّ «١» على البحر فساعة يشمّها الإنسان سقط، ولا يزال يضرب برأسه إلى الأرض حتى يموت. وقدمت مراكب الى الإسكندرية، وكان فيها اثنان وثلاثون تاجرا وثلثمائة رجل ما بين بحّار وعبيد، فماتوا كلّهم ولم يصل منهم غير أربعة من التجّار وعبد واحد، ونحو أربعين من البحّارة. وعمّ الموت جزيرة الأندلس بكمالها إلا جزيرة غرناطة «٢» ، فإنهم نجوا، ومات من عداهم حتى إنه لم يبق للفرنج من يمنع أموالهم، فأتتهم العرب من إفريقية

стр. 3328

تريد أخذ الأموال إلى ان صاروا على نصف يوم منها، فمرّت بهم ريح فمات منهم على ظهور الخيل «١» جماعة كثيرة ودخلها باقيهم، فرأوا من الأموات ما هالهم، وأموالهم ليس لها من يحفظها، فأخذوا ما قدروا عليه، وهم يتساقطون موتى، فنجا من بقى منهم بنفسه، وعادوا إلى بلادهم وقد هلك أكثرهم، والموت قد فشا بأرضهم أيضا بحيث إنه مات منهم فى ليلة واحدة عدد كثير، وبقيت أموال العربان ساتبة لا تجد من يرعاها، ثمّ أصاب الغنم داء، فكانت الشاة إذا ذبحت وجد لحمها منتنا قد اسودّ وتغيّر، وماتت المواشى بأسرها. ثم وقع الوباء بأرض برقة «٢» إلى الإسكندرية، فصار يموت فى كلّ يوم مائة. ثمّ صار يموت مائتان، وعظم عندهم حتى إنه صلّى فى اليوم الواحد بالجامع دفعة واحدة على سبعمائة جنازة، وصاروا يحملون الموتى على الجنويّات «٣» والألواح، وغلّقت دار الطّراز لعدم الصّنّاع، وغلّقت دار الوكالة، وغلّقت الأسواق وأريق ما بها من الخمور. وقدمها مركب فيه إفرنج فأخبروا أنهم رأوا بجزيرة طرابلس مركبا عليه طير تحوم فى غاية الكثرة، فقصدوه فإذا جميع من فيها ميّت والطير يأكلهم، وقد مات من الطير أيضا شىء كثير، فتركوهم ومروا فما وصلوا الى الإسكندرية حتى مات منهم «٤» زيادة على ثلثهم. ثمّ وصل إلى مدينة دمهور «٥»

стр. 3329

وتروجة «١» بالبحيرة كلها حتى عمّ أهلها، وماتت دوابهم ومواشيهم وبطل «٢» من البحيرة سائر الضمانات، وشمل الموت أهل «٣» البرلّس ونستراوة «٤» وتعطل الصيد من البحيرة بموت الصيادين فكان يخرج فى المركب عدّة صيادين فيموت أكثرهم ويعود من

стр. 3330

بقى منهم فيموت بعد عوده من يومه هو وأولاده وأهله. ووجد فى حيتان البطارخ شىء منتن، وفيه على رأس البطارخة «١» كبّه «٢» منتنة قدر البندقة قد اسودّت. ووجد فى جميع زراعات البرلّس وبلحها دود، وتلف أكثر تمر النّخل عندهم، وصارت الأموات على الأرض فى جميع الوجه البحرىّ لا يوجد من يدفنها. ثمّ عظم الوباء بالمحلّة «٣» حتى إنّ الوالى كان لا يجد من يشكو إليه؛ وكان القاضى إذا أتاه من يريد الإشهاد على شخص لا يجد من العدول أحدا إلا بعد عناء لقلّتهم. وصارت الفنادق لا تجد من يحفظها، وماتت الفلّاحون بأسرهم إلا القليل، فلم يوجد من يضمّ الزرع، وزهد أرباب الأموال فى أموالهم وبذلوها للفقراء، فبعث الوزير منجك إلى الغربية، كريم الدين ابن الشيخ مستوفى الدولة ومحمد بن يوسف مقدّم الدولة، فدخلوا على سنباط «٤» وسمنّود «٥» وبوصير «٦» وسنهور «٧» ونحوها من البلاد، وأخذوا مالا كثيرا، لم يحضروا منه سوى ستين ألف درهم.
следующие страницы →