← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

وأول ما بدأ بدمشق، كان يخرّج خلف أذن الإنسان بثرة فيخرّ صريعا، ثمّ صار يخرج للإنسان كبّة «١» فيموت أيضا سريعا، ثمّ خرجت بالناس خيارة فقتلت خلقا كثيرا، ثم صار الآدمىّ يبصق دما ويموت من وقته، فاشتدّ الهول من كثرة الموت، حتّى إنه» أكثر من كان يعيش ممن يصيبه ذلك خمسين ساعة. وبلغ عدّة من يموت فى كلّ يوم بمدينة حلب خمسمائة إنسان، ومات بمدينة غزّة فى ثانى المحرم الى رابع صفر- على ما ورد فى كتاب نائبها- زيادة على اثنين وعشرين ألف إنسان، حتى غلقت أسواقها، وشمل الموت أهل الضّياع بها، وكان آخر زمان الحرث، فكان الرجل يوجد ميتا خلف محراثه، ويوجد آخر قد مات وفى يده ما يبذره. ثمّ ماتت أبقارهم؛ وخرج رجل بعشرين رأس بقر، لإصلاح أرضه فماتوا واحدا بعد واحد، وهو يراهم يتساقطون قدّامه، فعاد إلى غزّة. ودخل ستّة نفر لسرقة دار بغزّة فأخذوا ما فى الدار ليخرجوا به فماتوا بأجمعهم، وفرّ نائبها الى ناحية بدّعرش «٣» ، وترك غزّة خالية، ومات أهل قطيا وصارت جثثهم تحت النخل وعلى الحوانيت، حتى لم يبق بها سوى الوالى وغلامين وجارية عجوز، وبعث يستعفى، فولّى عوضه مبارك، أستادار طغجى. ثمّ عمّ الوباء بلاد الفرنج، وابتدأ فى الدوابّ ثمّ فى الأطفال والشباب، فلمّا شنع الموت فيهم جمع أهل قبرس من فى أيديهم من أسرى المسلمين وقتلوهم جميعا من بعد العصر إلى المغرب، خوفا من أن تفرغ الفرنج فتملك المسلمون قبرس، فلما كان بعد العشاء الأخيرة هبّت ريح شديدة، وحدثت زلزلة عظيمة، وامتدّ البحر

стр. 3327

فى المينة نحو مائة قصبة، فغرق كثير من مراكبهم وتكسّرت، فظنّ أهل قبرس أنّ الساعة قامت، فخرجوا حيارى لا يدرون ما يصنعون. ثمّ عادوا إلى منازلهم، فإذا أهاليهم قد ماتوا، وهلك لهم فى هذا الوباء ثلاثة ملوك، واستمرّ الوباء فيهم مدّة أسبوع، فركب منهم ملكهم الذي ملّكوه رابعا، فى جماعة فى المراكب يريدون جزيرة بالقرب منهم، فلم يمض عليهم فى البحر إلا يوم وليلة ومات أكثرهم فى المراكب، ووصل باقيهم الى الجزيرة فماتوا بها عن آخرهم، ووافى هذه الجزيرة بعد موتهم مركب فيها تجّار فماتوا كلّهم وبحّارتهم إلا ثلاثة عشر رجلا، فمرّوا إلى قبرس فوصلوها، وقد بقوا أربعة نفر فلم يجدوا بها أحدا فساروا إلى طرابلس، وحدّثوا بذلك فلم تطل مدّتهم بها وماتوا وكانت المراكب إذا مرّت بجزائر الفرنج لا تجد ركّابها بها أحدا، وفى بعضها جماعة يدعونهم أن يأخذوا من أصناف البضائع ما أحبّوا بغير ثمن لكثرة من كان يموت عندهم، وصاروا يلقون الأموات فى البحر، وكان سبب الموت عندهم ريح تمرّ «١» على البحر فساعة يشمّها الإنسان سقط، ولا يزال يضرب برأسه إلى الأرض حتى يموت. وقدمت مراكب الى الإسكندرية، وكان فيها اثنان وثلاثون تاجرا وثلثمائة رجل ما بين بحّار وعبيد، فماتوا كلّهم ولم يصل منهم غير أربعة من التجّار وعبد واحد، ونحو أربعين من البحّارة. وعمّ الموت جزيرة الأندلس بكمالها إلا جزيرة غرناطة «٢» ، فإنهم نجوا، ومات من عداهم حتى إنه لم يبق للفرنج من يمنع أموالهم، فأتتهم العرب من إفريقية

стр. 3328

تريد أخذ الأموال إلى ان صاروا على نصف يوم منها، فمرّت بهم ريح فمات منهم على ظهور الخيل «١» جماعة كثيرة ودخلها باقيهم، فرأوا من الأموات ما هالهم، وأموالهم ليس لها من يحفظها، فأخذوا ما قدروا عليه، وهم يتساقطون موتى، فنجا من بقى منهم بنفسه، وعادوا إلى بلادهم وقد هلك أكثرهم، والموت قد فشا بأرضهم أيضا بحيث إنه مات منهم فى ليلة واحدة عدد كثير، وبقيت أموال العربان ساتبة لا تجد من يرعاها، ثمّ أصاب الغنم داء، فكانت الشاة إذا ذبحت وجد لحمها منتنا قد اسودّ وتغيّر، وماتت المواشى بأسرها. ثم وقع الوباء بأرض برقة «٢» إلى الإسكندرية، فصار يموت فى كلّ يوم مائة. ثمّ صار يموت مائتان، وعظم عندهم حتى إنه صلّى فى اليوم الواحد بالجامع دفعة واحدة على سبعمائة جنازة، وصاروا يحملون الموتى على الجنويّات «٣» والألواح، وغلّقت دار الطّراز لعدم الصّنّاع، وغلّقت دار الوكالة، وغلّقت الأسواق وأريق ما بها من الخمور. وقدمها مركب فيه إفرنج فأخبروا أنهم رأوا بجزيرة طرابلس مركبا عليه طير تحوم فى غاية الكثرة، فقصدوه فإذا جميع من فيها ميّت والطير يأكلهم، وقد مات من الطير أيضا شىء كثير، فتركوهم ومروا فما وصلوا الى الإسكندرية حتى مات منهم «٤» زيادة على ثلثهم. ثمّ وصل إلى مدينة دمهور «٥»

стр. 3329

وتروجة «١» بالبحيرة كلها حتى عمّ أهلها، وماتت دوابهم ومواشيهم وبطل «٢» من البحيرة سائر الضمانات، وشمل الموت أهل «٣» البرلّس ونستراوة «٤» وتعطل الصيد من البحيرة بموت الصيادين فكان يخرج فى المركب عدّة صيادين فيموت أكثرهم ويعود من

стр. 3330

بقى منهم فيموت بعد عوده من يومه هو وأولاده وأهله. ووجد فى حيتان البطارخ شىء منتن، وفيه على رأس البطارخة «١» كبّه «٢» منتنة قدر البندقة قد اسودّت. ووجد فى جميع زراعات البرلّس وبلحها دود، وتلف أكثر تمر النّخل عندهم، وصارت الأموات على الأرض فى جميع الوجه البحرىّ لا يوجد من يدفنها. ثمّ عظم الوباء بالمحلّة «٣» حتى إنّ الوالى كان لا يجد من يشكو إليه؛ وكان القاضى إذا أتاه من يريد الإشهاد على شخص لا يجد من العدول أحدا إلا بعد عناء لقلّتهم. وصارت الفنادق لا تجد من يحفظها، وماتت الفلّاحون بأسرهم إلا القليل، فلم يوجد من يضمّ الزرع، وزهد أرباب الأموال فى أموالهم وبذلوها للفقراء، فبعث الوزير منجك إلى الغربية، كريم الدين ابن الشيخ مستوفى الدولة ومحمد بن يوسف مقدّم الدولة، فدخلوا على سنباط «٤» وسمنّود «٥» وبوصير «٦» وسنهور «٧» ونحوها من البلاد، وأخذوا مالا كثيرا، لم يحضروا منه سوى ستين ألف درهم.

стр. 3331

وعجز أهل بلبيس وسائر الشرقية عن ضمّ الزرع لكثرة موت الفلّاحين. وكان ابتداء الوباء عندهم من أوّل فصل الصيف الموافق لأثناء شهر ربيع الآخر من سنة تسع وأربعين وسبعمائة، ففاحت الطّرقات بالموتى، ومات سكان بيوت الشّعر ودوابّهم ومواشيهم، وامتلأت مساجد بلبيس وفنادقها وحوانيتها بالموتى، ولم يبق مؤذّن، وطرحت الموتى بجامعها، وصارت الكلاب فيه تأكل الموتى. ثم قدم الخبر من دمشق أنّ الوباء كان بها آخر ما كان بطرابلس وحماة وحلب، فلمّا دخل شهر رجب والشمس فى برج الميزان أوائل فصل الخريف، هبّت فى نصف اللّيل ريح شديدة جدّا، واستمرّت حتّى مضى من النهار قدر ساعتين، فاشتدت الظّلمة حتى كان الرجل لا يرى من بجانبه. ثم انجلت وقد علت وجوه الناس صفرة ظاهرة فى وادى دمشق كلّه، وأخذ فيهم الموت مدّة شهر رجب فبلغ فى اليوم ألفا ومائتى إنسان، وبطل إطلاق الموتى من الديوان، وصارت الأموات مطروحة فى البساتين على الطّرقات، فقدم على قاضى القضاة تقىّ الدين السّبكىّ «١» قاضى دمشق رجل من جبال الرّوم، وأخبر أنّه لمّا وقع الوباء ببلاد الروم رأى فى نومه رسول الله ﷺ فشكا إليه ما نزل بالناس من الفناء فأمره ﷺ أن يقول لهم: «اقرءوا سورة نوح ثلاثة آلاف وثلثمائة وستين مرّة، واسألوا الله فى رفع ما أنتم فيه» فعرّفهم ذلك فاجتمع الناس فى المساجد، وفعلوا ما ذكر لهم، وتضرّعوا إلى الله تعالى وتابوا إليه من ذنوبهم، وذبحوا أبقارا وأغناما كثيرة للفقراء مدّة سبعة أيام، والفناء يتناقص كلّ يوم حتى زال. فلمّا سمع القاضى والنائب ذلك نودى بدمشق باجتماع الناس بالجامع لأموىّ، فصاروا به جمعا كبيرا وقرءوا «صحيح البخارىّ» فى ثلاثة أيام وثلاث

стр. 3332

ليال. ثم خرج الناس كافّة بصبيانهم إلى المصلّى وكشفوا رءوسهم وضجّوا بالدعاء، وما زالوا على ذلك ثلاثة أيام فتناقص الوباء حتّى ذهب بالجملة. وكان ابتداؤه بالقاهرة ومصر فى النساء والأطفال ثم بالباعة حتى كثر عدد الأموات، فركب السلطان إلى سرياقوس، وأقام بها من أوّل شهر رجب إلى العشرين منه، وقصد العود إلى القلعة فأشير عليه بالإقامة فى سرياقوس وصوم رمضان بها. ثم قدم كتاب نائب حلب بأنّ بعض أكابر الصلحاء رأى النّبيّ ﷺ فى نومه فشكا إليه ما نزل بالناس من الوباء، فأمره ﷺ بالتّوبة، والدعاء بهذا الدعاء المبارك وهو: «اللهمّ سكن «١» هيبة صدمة «٢» قهرمان الجبروت بألطافك النازلة الواردة من فيضان الملكوت، حتى نتشبّث بأذيال لطفك، ونعتصم بك عن إنزال قهرك، يا ذا القوّة والعظمة الشاملة، والقدرة الكاملة، ياذا الجلال والإكرام «٣» » . وأنه كتب بها عدّة نسخ بعث بها إلى حماة وطرابلس ودمشق. وفى شعبان تزايد الوباء بديار مصر، وعظم فى شهر رمضان وقد دخل فصل الشتاء فرسم بالاجتماع فى الجوامع للدعاء، فى يوم الجمعة سادس شهر رمضان، فنودى أن يجتمع الناس بالصّناجق الخليفتية والمصاحف، إلى قبّة النصر خارج القاهرة، فاجتمع الناس بعامّة جوامع مصر والقاهرة، وخرج المصريّون إلى مصلّى

стр. 3333

خولان بالقرافة «١» ، واستمرّت قراءة البخارىّ بالجامع الأزهر وغيره عدّة أيام، والناس يدعون إلى الله تعالى ويقنتون فى صلواتهم. ثم خرجوا إلى قبة النصر وفيهم الأمير شيخون والوزير منجك اليوسفىّ والأمراء بملابسهم الفاخرة من الذهب وغيره، فى يوم الأحد «٢» ثامن شهر رمضان. ومات فى ذلك اليوم الرجل الصالح سيّدى عبد الله «٣» المنوفىّ، تغمده الله برحمتة، وأعاد علينا من بركاته، فصلّى عليه ذلك الجمع العظيم، وعاد الأمراء إلى سرياقوس وانفضّ الجمع، واشتد الوباء بعد ذلك حتى عجز الناس عن حصر «٤» الموتى. فلما انقضى شهر رمضان حضر السلطان من سرياقوس، وحدث فى الناس فى شوّال نفث الدّم، فكان الإنسان يحسّ فى نفسه بحرارة ويجد غثيانا فيبصق دما ويموت عقيبه، ويتبعه أهل داره واحدا بعد واحد حتى يفنوا جميعا بعد ليلة

стр. 3334

أو ليلتين، فلم يبق أحد إلا وغلب على ظنه أنه يموت بهذا الداء، واستعدّ الناس جميعا وأكثروا من الصّدقات، وتحاللوا وأقبلوا على العبادة، ولم يحتج أحد فى هذا الوباء إلى أشربة ولا أدوية ولا أطبّاء لسرعة الموت، فما انتصف شوّال إلا والطرقات والأسواق قد امتلأت بالأموات، فانتدب جماعة لمواراتهم وانقطع جماعة للصلاة عليهم، وخرج الأمر عن الحدّ، ووقع العجز عن العدد، وهلك أكثر أجناد الحلقة وخلت الطّباق بالقلعة من المماليك السلطانية لموتهم. فما أهلّ ذو القعدة إلا والقاهرة خالية مقفرة، لا يوجد بشوارعها مارّ، بحيث إنه يمرّ الإنسان من باب زويلة إلى باب النصر «١» فلا يرى من يزاحمه، لاشتغال الناس بالموتى، وعلت الأتربة على الطّرقات، وتنكّرت وجوه الناس، وامتلأت الأماكن بالصّياح، فلا تجد بيتا إلا وفيه صيحة، ولا تمرّ بشارع إلا وترى فيه عدّة أموات. وصلّى فى يوم الجمعة بعد الصلاة على الأموات بالجامع «٢» الحاكمىّ فصفّت التوابيت اثنين اثنين من باب مقصورة الخطابة إلى باب الجامع، ووقف الإمام على العتبة والناس خلفه خارج الجامع. وخلت أزقّة كثيرة وحارات عديدة من الناس، وصار بحارة برجوان» اثنتان وأربعون دارا خالية، وبقيت الأزّتمة والدّروب المتعدّدة

стр. 3335

جالية، وصار أمتعة أهلها لا تجد من يأخذها، وإذا ورث إنسان شيئا انتقل فى يوم واحد [عنه «١» ] لرابع وخامس. وحصرت عدّة من صلّى عليه بالمصلّيات التى خارج باب النصر وباب زويلة وباب المحروق وتحت القلعة، ومصلّى قتّال «٢» السبع تجاه باب جامع قوصون «٣» فى يومين فبلغت ثلاث عشرة ألفا وثمانمائة، سوى من مات فى الأسواق والأحكار، وخارج باب البحر «٤» وعلى الدكاكين وفى الحسينية «٥» وجامع ابن طولون «٦» ، ومن يتأخر دفنه فى البيوت. ويقال: بلغت عدّة الأموات فى يوم واحد عشرين ألفا، وحصرت الجنائز بالقاهرة فقط فى مدّة شعبان ورمضان فكانت تسعمائة «٧» ألف، سوى من مات

стр. 3336

بالأحكار والحسينية والصّليبة وباقى الخطط خارج القاهرة وهم أضعاف ذلك، وعدّت النّعوش وكانت عدّتها ألفا وأربعمائة نعش، فحملت الأموات على الأقفاص ودراريب «١» الحوانيت، وصار يحمل الاثنان والثلاثة فى نعش واحد وعلى لوح واحد، وطلبت القرّاء على الأموات فأبطل كثير من الناس صناعاتهم «٢» ، وانتدبوا للقراءة على «٣» الجنائز، وعمل جماعة مدراء «٤» وجماعة غسّالا وجماعة تصدّوا لحمل الأموات، فنالوا بذلك جملا مستكثرة، وصار المقرئ يأخذ عشرة دراهم، وإذا وصل إلى المصلّاة تركه وانصرف لآخر، ويأخذ الحمّال ستّة دراهم بعد الدّخلة [عليه «٥» ] ، وصار الحفّار يأخذ أجرة حفر كلّ قبر خمسين درهما، فلم يمتّع اكثرهم بذلك وماتوا. ودخلت امرأة غاسلة لتغسّل امرأة فلمّا جرّدتها من ثيابها، ومرّت بيدها على موصع الكبّة صاحت الغاسلة وسقطت ميّتة، فوجدوا فى بعض أصابعها التى لمست بها الكبّة كبّة قدر الفولة، وصار الناس يبيتون بموتاهم فى التّرب لعجزهم عن تواريهم، وكان أهل البيت يموتون جميعا وهم عشرات، فلا يوجد لهم سوى نعش واحد ينقلون فيه شيئا بعد شىء، وأخذ كثير من الناس دورا وأموالا بغير استحقاق لموت مستحقيها فلم يتمّل «٦» أكثرهم بما أخذ حتى مات بعدهم بسرعة، ومن عاش منهم استغنى [به «٧» ] ، وأخذ كثير من العامة «٨» إقطاعات حلقة.

стр. 3337

وقام الأمير شيخون العمرىّ والأمير مغلطاى أمير آخور بتغسيل الأموات وتكفينهم ودفنهم. وبطل الأذان من عدّة مواضع، وبقى فى المواضع المشهورة يؤذّن مؤذّن واحد، وبطلت أكثر طبلخاناة الأمراء،؟؟؟ ار فى طبلخانة الأمير شيخون ثلاثة نفر بعد خمسة عشر نفرا. وغلّقت أكثر المساجد والزوايا. وقيل إنه ما ولد لأحد فى هذا الوباء إلا ومات الولد «١» بعد يوم أو يومين ولحقته أمّه. ثمّ شمل فى آخر السنة الوباء بلاد الصعيد بأسرها ولم يدخل الوباء أرض أسوان «٢» ، ولم يمت به سوى أحد عشر إنسانا. ووجدت طيور كثيرة ميّتة فى الزروع ما بين غربان وحدأة وغيرها من سائر أصناف الطيور، فكانت إذا أنتفت وجد فيها أثر الكبة. وتواترت الأخبار من الغور «٣» وبيسان وغير ذلك أنهم كانوا يجدون الأسود والذئاب وحمر الوحش، وغيرها من الوحوش ميّتة وفيها أثر الكبّة. وكان ابتداء الوباء أوّل «٤» أيام التّخضير، فما جاء أوان الحصاد حتى فنوا الفلّاحون ولم يبق منهم إلا القليل، فخرج الأجناد بغلمانهم للحصاد ونادوا: من يحصد يأخذ نصف ما حصد، فلم يجدوا واحدا، ودرسوا غلالهم على خيولهم وذرّوها بأيديهم، وعجزوا عن غالب الزرع فتركوه، وكان الإقطاع الواحد يصير من واحد إلى واحد حتى إلى السابع والثامن، فأخذ إقطاعات الأجناد أرباب الصنائع من الخياطين والأساكفة، وركبوا الخيول ولبسوا الكلفتاه والقباء. وكثير من الناس لم يتناول فى هذه السنة من إقطاعه شيئا، فلمّا جاء النيل ووقع أوان التخضير

стр. 3338

تعذر وجود الرجال فلم يخضّر إلا نصف الأراضى، ولم يوجد أحد ليشترى القرط «١» الأخضر ولا من يربط عليه خيوله، وترك ألف وخمسمائة فدان بناحية ناى «٢» وطنان «٣» ، وانكسرت البلاد التى بالضواحى وخربت. وخلت بلاد الصعيد مع اتساع أرضها، بحيث كانت مكلفة مساحة أرض أسيوط تشتمل على ستة آلاف نفر يؤخذ منها الخراج، فصارت فى سنة الوباء هذه تشتمل على مائة وستة عشر نفرا. ومع ذلك كان الرّخاء موجودا وانحطّ سعر القماش حتى أبيع بخمس ثمنه وأقلّ، ولم يوجد من يشتريه، وصارت كتب العلم ينادى عليها بالأحمال، فيباع الحمل منها بأرخص ثمن. وانحطّ قدر الذهب والفضة حتى صار الدينار بخمسة عشر درهما، بعد ما كان بعشرين. وعدمت جميع الصّناع «٤» ، فلم يوجد سقاء ولا بابا «٥» ولا غلام. وبلغت جامكيّة الغلام ثمانين درهما، عنها خمس «٦» دنانير وثلث دينار، فنودى بالقاهرة: من كانت له صنعة فليرجع إلى صنعته، وضرب جماعة منهم، وبلغ ثمن راوية الماء ثمانية دراهم لقلّة الرجال والحمال، وبلغت أجرة طحن الإردب القمح دينارا «٧» .

стр. 3339

ويقال: إنّ هذا الوباء أقام يدور على أهل الأرض مدّة خمسة عشرة سنة. قلت: ورأيت أنا من رأى هذا الوباء، فكان يسمّونه الفصل الكبير، ويسمّونه أيضا بسنة الفناء، ويتحاكون عنه أضعاف ما حكيناه، يطول الشرح فى ذكره. وقد أكثر الناس من ذكر هذا الوباء فى أشعارهم فممّا قاله شاعر ذلك العصر الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة: [الخفيف] سر بنا عن دمشق يا طالب العي ... ش فما فى المقام للمرء رغبه رخصت أنفس الخلائق بالطّا ... عون فيها فكلّ نفس بحبّه وقال الشيخ صلاح الدين الصّفدىّ وأكثر فى هذا المعنى على عادة إكثاره، فممّا قاله فى ذلك: [الوافر] رعى الرحمن دهرا قد تولّى ... يجازى بالسّلامة كلّ شرط وكان الناس فى غفلات أمر ... فجاطاعونهم من تحت إبط وقال أيضا: [الكامل] قد قلت للطّاعون وهو بغزّة ... قد جال «١» من قطيا إلى بيروت أخليت أرض الشام من سكّانها ... وأتيت «٢» يا طاعون بالطاغوت وقال الشيخ بدر الدين حسن [بن عمر بن الحسن «٣» ] بن حبيب فى المعنى من قصيدة أوّلها: [الخفيف]

стр. 3340

إنّ هذا الطاعون يفتك فى العا ... لم فتك امرئ ظلوم حسود» ويطوف البلاد شرقا وغربا ... ويسوق الخلوق «٢» نحو اللّحود ولابن الوردىّ «٣» فى المعنى: [البسيط] قالوا فساد الهواء يردى ... فقلت يردى هوى الفساد كم سيّئات وكم خطايا ... نادى عليكم بها المنادى وقال أيضا: [الرّمل] حلب- والله يكفى ... شرّها- أرض مشقّه أصبحت حيّة سوء ... تقتل الناس ببزقه ولابن الوردىّ أيضا: [الرجز] إنّ الوبا قد غلبا ... وقد بدا فى حلبا قالوا له على الورى ... كاف ورا قلت وبا وقال أيضا: [الكامل] سكّان سيس يسرّهم ما ساءنا ... وكذا العوائد من عدوّ الدّين الله ينفذه إليهم عاجلا ... ليمزّق الطاغوت بالطاعون وقال الأديب جمال الدين «٤» إبراهيم المعمار فى المعنى: [الرمل] قبح الطاعون داء ... فقدت فيه الأحبّه بيعت الأنفس فيه ... كلّ إنسان بحبّه

стр. 3341

وله أيضا فى المعنى: [السريع] يا طالب الموت أفق وانتبه ... هذا أوان الموت ما فاتا قد رخص الموت على أهله ... ومات من لا عمره ماتا ثم أخذ الوباء يتناقص فى أوّل المحرّم من سنة خمسين وسبعمائة. ثم فى يوم الأربعاء تاسع «١» عشر من ربيع الأوّل، ورد الخبر بقتل الأمير سيف الدين أرغون شاه نائب الشام، وأمره غريب، وهو أنه لما كان نصف ليلة الخميس ثالث عشرينه وهو بالقصر «٢» الأبلق بالميدان خارج مدينة دمشق ومعه عياله، وإذا بصوت قد وقع فى الناس بدخول العسكر، فثاروا بأجمعهم ودارت النّقباء على الأمراء بالركوب ليقفوا على مرسوم السلطان، فركبوا جميعا إلى سوق «٣» الخيل تحت القلعة، فوجدوا الأمير ألجيبغا المظفّرى نائب طرابلس وإذا بالأمير أرغون شاه نائب الشام مكتّف بين مماليك الأمير إياس؛ وخبر ذلك أن ألجيبغا لما ركب من طرابلس سار حتى طرق دمشق على حين غفلة، وركب معه الأمير فخر الدين إياس السّلاح دار، وأحاط إياس بالقصر الأبلق وطرق بابه، وعلم الخدّام بأنه قد حدث أمر مهم فأيقظوا الأمير أرغون شاه، فقام من فرشه وخرج إليهم فقبضوا عليه، وقالوا له: حضر مرسوم السلطان بالقبض عليك، والعسكر واقف، فلم يجسر أحد أن يدفع عنه، وأخذه الأمير إياس وأتى به ألجيبغا فسلّم أمراء دمشق على ألجيبغا، وسألوه الخبر، فذكر لهم أن مرسوم السلطان ورد عليه بركوبه إلى دمشق بعسكر طرابلس، والقبض على أرغون شاه المذكور وقتله، والحوطة على

стр. 3342

ماله وموجوده، وأخرج لهم كتاب السلطان بذلك، فأجابوا بالسمع والطاعة، وعادوا الى منازلهم ونزل ألجيبغا إلى الميدان، وأصبح يوم الخميس فأوقع الحوطة على موجود أرغون شاه وأصبح يوم الجمعة رابع عشرين ربيع «١» الأوّل أرغون شاه المذكور مذبوحا، فكتب ألجيبغا محضرا أنه وجده مذبوحا والسّكين فى يده، (يعنى أنه ذبح نفسه) فأنكر عليه كونه لمّا قبض أموال أرغون شاه، لم يرفعها إلى قلعة دمشق على العادة، واتّهموه فيما فعل، وركبوا جميعا لقتاله فى يوم الثلاثاء ثامن عشرينه فقاتلهم ألجيبغا المذكور وجرح الأمير مسعود بن خطير، وقطعت يد الأمير ألجيبغا العادلى أحد أمراء دمشق، وقد جاوز تسعين سنة، فعند ذلك ولّى ألجيبغا المظفّرى نائب طرابلس، ومعه خيول أرغون شاه وأمواله، وتوجّه إلى نحو المزّة «٢» ومعه الأمير إياس نائب حلب كان، ومضى إلى طرابلس. وسبب هذه الواقعة أنّ إياسا لما عزل عن نيابة حلب وأخذت أمواله وسجن، ثم أفرج عنه واستقرّ فى جملة أمراء دمشق، وعدّوه أرغون شاه الذي كان سعى فى عزله عن نيابة حلب نائبها، فصار أرغون شاه يهينه ويخرق به، واتفق أيضا إخراج ألجيبغا من الديار المصرية إلى دمشق أميرا بها، فترفّع عليه أيضا أرغون شاه المذكور وأذلّه، فاتّفق ألجيبغا وإياس على مكيدة، فأخذ ألجيبغا فى السعى على خروجه من دمشق عند أمراء مصر، وبعث إلى الأمير بيبغا أرس نائب السلطنة بالديار المصرية، وإلى أخيه الأمير منجك الوزير هديّة سنيّة فولّاه نيابة طرابلس، وأقام بها الى أن كتب يعرّف السلطان والأمراء أنّ أكثر عسكر طرابلس مقيم بدمشق. وطلب أنّ نائب الشام يردّهم إلى طرابلس، فكتب له بذلك فشقّ على أرغون شاه

стр. 3343

نائب الشام كون ألجيبغا لم يكتب إليه، وأرسل كاتب السلطان فى ذلك فكتب إلى ألجيبغا بالإنكار عليه فيما فعل، وأغلظ له فى القول، وحمل البريدىّ إليه مشافهة شنيعة، فقامت قيامة ألجيبغا لمّا سمعها، وفعل ما فعل، بعد أن أوسع الحيلة فى ذلك، فاتفق مع إياس فوافقه إياس أيضا، لما كان فى نفسه من أرغون شاه حتى وقع ما ذكرناه. وأما أمراء الديار المصرية فإنهم لما سمعوا بقتل الأمير أرغون شاه ارتاعوا، واتّهم بعضهم بعضا، فحلف كلّ من شيخون والنائب بيبغا أرس على البراءة من قتله، وكتبوا إلى ألجيبغا بأنّه قتل أرغون شاه بمرسوم من! وإعلامهم بمستنده فى ذلك، وكتب إلى أمراء دمشق بالفحص عن هذه الواقعة، وكان ألجيبغا وإياس قد وصلا إلى طرابلس، وخيّما بظاهرها، فقدم فى غد وصولهما كتب أمراء دمشق إلى أمراء طرابلس بالاحتراس على ألجيبغا حتى يرد مرسوم السلطان، فإنه فعل فعلته بغير مرسوم السلطان، ومشت حيلته علينا. ثم كتبوا إلى نائب حماة ونائب حلب وإلى العربان بمسك الطّرقات عليه، فركب عسكر طرابلس بالسلاح وأحاطوا به، ثم وافاهم كتاب السلطان بمسكه، وقد سار عن طرابلس وساروا خلفه إلى نهر الكلب «١» عند بيروت فوقف قدّامهم نهاره، ثم كر راجعا عليهم، فقاتله عسكر

стр. 3344

طرابلس، حتى قبضوا عليه، وفرّ إياس، ووقعت الحوطة على مماليك ألجيبغا وأمواله، ومسك الذي كتب الكتاب بقتل أرغون شاه، فاعتذر أنه مكره، وأنه غيّر ألقاب أرغون شاه، وكتب أوصال الكتب مقلوبة حتى يعرف أنه زوّر، وحمل ألجيبغا المذكور مقيّدا إلى دمشق. ثم قبض نائب بعلبكّ على الأمير إياس، وقد حلق لحيته ورأسه، واختفى عند بعض النصارى، وبعث به إلى دمشق، فحبسا معا بقلعتها، وكتب بذلك إلى السلطان والأمراء، فندب الأمير قجا الساقى على البريد إلى دمشق بقتل ألجيبغا وإياس، فأخرجهما من حبس قلعة دمشق ووسّطهما بسوق الخيل بدمشق، وعلّق إياس على خشب وقدّامه ألجيبغا على خشبة أخرى، وذلك فى يوم الخميس حادى عشرين شهر ربيع الآخر. وكان عمر ألجيبغا المذكور يوم قتل نحو تسع عشرة سنة وهو ما طرّ شاربه. ثمّ كتب السلطان باستقرار الأمير أرقطاى نائب حلب، فى نيابة الشام عوضا عن أرغون شاه المذكور، واستقرّ الأمير قطليجا الحموىّ نائب حماة فى نيابة حلب عوضا عن أرقطاى، واستقرّ أمير مسعود بن خطير فى نيابة طرابلس عوضا عن ألجيبغا المظفّرى المقدّم ذكره. ثمّ قدم إلى مصر طلب أرغون شاه ومماليكه وأمواله وموجود ألجيبغا أيضا، فتصرّف الوزير منجك فى الجميع. وبعد مدّة يسيرة ورد الخبر أيضا بموت الأمير أرقطاى نائب دمشق، فكتب باستقرار قطليجا الحموىّ نائب حلب فى نيابة دمشق، وتوجّه الأمير ملكتمر «١» المحمدى بتقليده بنيابة الشام، وسار حتى وصل إليه فوجده قد أخرج طلبه إلى جهة دمشق وهو ملازم الفراش، فمات قطليجا أيضا بعد أسبوع، ولما وصل الخبر إلى مصر بموت قطليجا، أراد النائب بيبغا ارس والوزير منجك إحراج طاز لنيابة الشام،

стр. 3345

والأمير مغلطاى أمير آخور إلى نيابة حلب، فلم يوافقاهما «١» على ذلك، وكادت الفتنة أن تقع، فخلع على الأمير أيتمش الناصرىّ بنيابة الشام، واستقرّ بعد مدّة الأمير أرغون الكاملىّ فى نيابة حلب. وفى محرّم سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، ابتدأت الوحشة بين الأمير مغلطاى أمير آخور وبين الوزير منجك اليوسفى، بسبب الفار الضامن، وقد شكا منه، فطلبه مغلطاى من الوزير وقد احتمى به، فلم يمكّنه منه. وكان منجك لما فرغ صهريجه «٢» الذي عمّره تجاه القلعة عند باب الوزير، اشترى له من بيت المال ناحية بلقينة «٣» بالغربية بخمسة وعشرين ألف دينار، وأنعم عليه بها، فوقفها منجك على صهريجه المذكور، فأخذ مغلطاى يعدّد لمنجك تصرّفه فى المملكة، وسكن الأمر فيما بينهما. ثم توجه السلطان إلى سرحة سرياقوس على العادة فى كل سنة وأنعم على الأمير قطلوبغا «٤» الذهبىّ بإقطاع الأمير لاچين أمير آخور بعد موته، وأنعم بإمرته وتقدمته على الأمير عمر بن أرغون النائب. ثمّ استقرّ بكلمش أمير شكار فى نيابة طرابلس،

стр. 3346

عوضا عن أمير مسعود بن خطير، وكتب بإحضار أمير مسعود إلى القاهرة. ثم عاد السلطان من سرحة سرياقوس، وكتب بعود أمير مسعود إلى دمشق بطّالا، حتى ينحلّ له ما يليق به، وخلع على الأمير فارس الدين ألبكى باستقراره فى نيابة غزّة بعد موت الأمير دلنجى، ودلنجى باللغة التركية هو المكدّى (وهو بكسر الدال المهملة وفتح اللام وسكون النون وكسر الجيم) . وفى هذه الأيام توجّه الأمير طاز إلى سرحة البحيرة، وأنعم السلطان عليه بعشرة آلاف اردبّ شعير وخمسين ألف درهم وناحية طمّوه «١» زيادة على إقطاعة. وفى خامس عشر شوّال خرج أمير حاجّ المحمل الأمير بزلار أمير سلاح. ثم خرج بعده طلب الأمير بيبغا أرس النائب بتجمّل زائد، وفيه مائة وخمسون مملوكا معدّة بالسلاح «٢» . ثم خرج طلب الأمير طاز وفيه ستون فارسا، فرحل بيبغا أرس قبل طاز بيومين. ثمّ رحل طاز بعده. ثمّ رحل بزلار بالحاجّ ركبا ثالثا فى عشرين شوّال من بركة «٣» الحاجّ. وفى يوم السبت رابع عشرينه عزل الأمير منجك اليوسفىّ عن الوزر، وقبض عليه، وكان الأمير شيخون خرج إلى العبّاسة؛ وسبب عزله أن السلطان بعد توجّه شيخون طلب القضاة والأمراء، فلما اجتمعوا بالخدمة، قال لهم: يا أمراء

стр. 3347

هل لأحد علىّ ولاية حجر، أو أنا حاكم نفسى! فقال الجميع يا خوند: ما ثمّ أحد يحكم على «١» مولانا السلطان، وهو مالك رقابنا، فقال: إذا قلت لكم شيئا ترجعوا إليه؛ قالوا جميعهم: نحن تحت طاعة السلطان «٢» وممتثلون ما يرسم به، فالتفت إلى الحاجب وقال له: خذ سيف هذا، وأشار إلى منجك الوزير، فأخذ سيفه وأخرج وقيّد، ونزلت الحوطة على أمواله مع الأمير كشلى «٣» السلاح دار، فوجد له خمسون حمل زردخاناه، ولم يوجد له كبير مال، فرسم بعقوبته، ثمّ أخرج إلى الإسكندرية فسجن بها، وساعة القبض عليه رسم بإحضار الأمير شيخون من العباسة وإعلامه بمسك منجك الوزير، فقام الأمير مغلطاى أمير آخور والأمير منكلى بغا فى منعه من الحضور، وما زالا يخيّلان السلطان منه حتى كتب له مرسوم بنيابة طرابلس، على يد طينال الجاشنكير، فتوجّه إليه فلقبه قريب بلبيس، وقد عاد صحبة الجمدار الذي توجه بإحضاره من عند السلطان، وأوقفه على المرسوم فأجاب بالسمع والطاعة، وبعث يسأل فى الإقامة بدمشق، فكتب له بخبز الأمير تلك بدمشق، وحضور تلك إلى مصر فتوجّه شيخون إليها. ثمّ قبض السلطان على الأمير عمر شاه «٤» الحاجب واخرج إلى الإسكندرية، واستقرّ الأمير طنيرق رأس نوبة كبيرا عوضا عن شيخون. ثمّ قبض على حواشى منجك وعلى عبده عنبر البابا وصودر، وكان عنبر قد أفحش فى سيرته مع الناس، فى قطع المصانعات، وترفّع على الناس ترفّعا زائدا، فضرب ضربا مبرحا: ثمّ

стр. 3348

ضرب بكتمر شادّ الأهراء فاعترف للوزير منجك باثنى عشر ألف اردبّ غلّة، اشتراها من أرباب الرواتب. وفى مستهلّ ذى القعدة قبض على ناظر الدولة والمستوفين، وألزموا بخمسمائة ألف دينار، فترفّق فى أمرهم الأمير طنيرق، حتى استقرّت خمسمائة ألف درهم «١» ، ووزّعها الموفّق ناظر الدولة على جميع الكتّاب، والتزم علم الدين عبد الله بن زنبور ناظر الخاصّ والجيش بتكفية جميع الأمراء المقدّمين بالخلع من ماله، وقيمتها خمسمائة ألف درهم، وفصّلها وعرضها على السلطان، فركبوا الأمراء بها الموكب، وقبّلوا الأرض وكان موكبا جليلا. وفى يوم السبت ثامن ذى القعدة خلع السلطان على الأمير بيبغا ططر حارس طير، واستقرّ فى السلطنة بالديار المصرية عوضا عن بيبغا أرس المتوجّه إلى الحجاز، بعد أن عرضت النيابة على أكابر الأمراء فلم يقبلها أحد، وتمنّع بيبغا ططر أيضا منها تمنّعا كبيرا، ثم قبلها. واستقرّ الأمير مغلطاى أمير آخور رأس نوبة كبيرا، عوضا عن طنيرق، الذي كان وليها عن شيخون، وأطلق له التحدّث فى أمر الدولة كلّها عوضا عن الأمير شيخون، مضافا لما بيده من الأميرا خورية «٢» . واستقرّ الأمير منكلى بغا الفخرى رأس مشورة وأتابك العساكر، وأنعم على ولده بإمرة، ودقّت الكوسات وطبلخانات الأمراء بأجمعها، وزيّنت القاهرة ومصر، فى يوم الأحد تاسع ذى القعدة واستمرّت ثمانية أيام.

стр. 3349

وأما شيخون فإنه لما وصل إلى دمشق، قدم بعده الأمير أرغون التاجى بإمساكه، فقبض عليه وقيّد وأخرج من دمشق فى البحر وتوجه إلى الطّينة «١» ، ثم أوصله إلى الإسكندرية فسجن بها. وخلع على طشبغا الدّوادار على عادته دوادارا، وتصالح هو والقاضى علاء الدين ابن فضل الله كاتب السرّ، فإنه كان نفى بسببه حسب ما تقدّم ذكره، وأرسل كلّ منهما إلى صاحبه هديّة. وكان السلطان لمّا أمسك منجك، كتب إلى الأمير طاز وإلى الأمير بزلار على يد قردم، وأخبرهما بما وقع، وأنهما يحترسان على النائب بيبغا أرس، وقد نزل سطح العقبة «٢» ، فلمّا قرأ بيبغا الكتاب وجم وقال: كلّنا مماليك السلطان. وخلع عليه، وكتب أنه ماض لقضاء الحج. ثم إنّ السلطان عزل الأمير صرغتمش والأمير عليّا من وظيفتى الجمدارية، وكانا من جملة حاشية شيخون، ورسم لصرغتمش أن يدخل الخدمة مع الأمراء، ثم أخرج أمير على إلى الشام، وأخرج صرغتمش لكشف الجسور بالوجه القبلى، وألزم أستادار بيبغا أرس بكتب حواصل بيبغا، وندب السلطان الأمير آقجبا الحموى لبيع حواصل منجك، وأخذت جوارى بيبغا أرس ومماليكه وجوارى منجك

стр. 3350

ومماليكه، الى القلعة، فطلع لمنجك خمسة وسبعون مملوكا صغارا، وطلع لبيبغا أرس خمس وأربعون جارية، فلما وصلن تجاه دار النيابة، صحن صيحة واحدة وبكين، فأبكين من كان هناك. ثم قدم الخبر على السلطان بأنّ الأمير أحمد الساقى نائب صفد، خرج عن طاعة السلطان، وسببه أنه لما قبض على منجك، خرج الأمير قمارى الحموىّ وعلى يده ملطّفات لأمراء صفد بالقبض عليه، فبلغه ذلك من هجّان جهزه له أخوه، فندب طائفة من مماليكه لتلقّى قمارى، وطلب نائب قلعة صفد وديوانه، وأمره أن يقرأ عليه: كم له بالقلعة من الغلة، فأمر لمماليكه منها بشىء فرّقه عليهم إعانة لهم على ما حصل من المحل فى البلاد، وبعثهم ليأخذوا ذلك، فعند ما طلعوا القلعة شهروا سيوفهم وملكوها من نائب قلعة صفد، وقبضوا على عدّة من الأمراء، وطلع بحريمه الى القلعة وحصّنها، وأخذ مماليكه قمارى وأتوا به، فأخذ ما معه من الملطّفات وحبسه. فلما بلغ السلطان ذلك كتب إلى نائب غزّة ونائب الشام بتجريد العسكر إليه. هذا والأراجيف كثيرة، بأنّ طاز تحالف هو وبيبغا أرس بعقبة أيلة فخرج الأمير فيّاض «١» والأمير عيسى بن حسن أمير العائذ، فتفرّقا على عقبة أيلة بسبب بيبغا أرس، وكتب لعرب شطّى «٢» وبنى عقبة وبنى «٣» مهدى، بالقيام مع الأمير فضل «٤» ، وكتب لنائب غزّة فأرسل السوقة الى العقبة. ثم خلع «٥» السلطان على الأمير شهاب الدين أحمد بن قزمان «٦» بنيابة الإسكندرية عوضا عن بكتمر المؤمنى.

стр. 3351

ثم فى يوم الأربعاء سادس عشرين ذى القعدة قدم سيف الأمير بيبغا أرس، وقد قبض عليه، وسبب ذلك، أنه لمّا ورد عليه كتاب السلطان بمسك أخيه منجك، اشتدّ خوفه وطلع الى العقبة ونزل الى المنزلة «١» ، فبلغه أنّ الأمير طاز والأمير بزلار ركبا للقبض عليه، فركب بيبغا أرس بمن معه من الأمراء والمماليك بآلة الحرب، فقام الأمير عز الدين أزدمر الكاشف بملاطفته، وأشار عليه ألا يعجّل ويكشف الخبر،

стр. 3352

فبعث نجّابا فى الليل لذلك، فعاد وأخبر أنّ الأمير طاز مقيم بركبه، وأنه سار بهم وليس فيهم أحد ملبس «١» ، فقلع بيبغا السلاح هو ومن معه، وتلقّى طاز وسأله عما تخوّف منه، فأوقفه على كتاب السلطان إليه، فلم ير فيه ما يكره. ثم رحل كلّ منهما بركبه من العقبة، وأنت الأخبار للأمراء بمصر باتفاق طاز وبيبغا أرس فكتب السلطان للأمير طاز وللأمير بزلار عند ذلك القبض على بيبغا أرس قبل دخوله مكة، وتوجه إليهما بذلك طيلان «٢» الجاشنكير، وقد رسم [له «٣» ] أن يتوجه بيبغا الى الكرك، فلما قدم طيلان على طاز وبزلار، ركبا الى أزدمر الكاشف فأعلماه بما رسم به إليهما من مسك بيبغا أرس ووكّدا عليه فى استمالة الأمير فاضل «٤» ، والأمير محمد بن بكتمر الحاجب، وبقية من مع بيبغا أرس، فأخذ أزدمر فى ذلك. ثم كتب لبيبغا أرس أن يتأخر حتى يسمع مرسوم السلطان، [و «٥» ] حتى يكون دخولهم لمكة جميعا، فأحسّ بيبغا بالشرّ، وهمّ أن يتوجه إلى الشام، فما زال أزدمر الكاشف به حتى رجّعه عن ذلك. وعند نزول بيبغا أرس إلى منزلة المويلحة «٦» ، قدم طاز وبزلار فتلقاهما «٧» ، وأسلم نفسه من غير ممانعة فأخذا سيفه، وأرادا تسليمه لطينال حتى يحمله إلى الكرك، فرغب إلى طاز أن يحج معه، فأخذه طاز محتفظا به، وكتب طاز بذلك إلى السلطان، فتوهّم مغلطاى والسلطان أنّ طاز وبزلار قد مالا إلى بيبغا أرس وتشوّشا تشويشا زائدا، ثم أكّد ذلك ورود الخبر بعصيان أحمد

стр. 3353

الساقى نائب صفد، وظنّوا أنه مباطن لبيبغا أرس، وأخرج طينال ليقيم بالصفراء «١» حتى يرد الحاجّ إليها، فيمضى بيبغا أرس إلى الكرك. ثم فى يوم الخميس سابع عشرين ذى القعدة خلع على الأمير علم الدين عبد الله ابن زنبور خلعة الوزارة، مضافا لما بيده من نظر الخاصّ ونظر الجيش بعد ما امتنع وشرط شروطا كثيرة. وفيه أيضا خلع السلطان على الأمير طنيرق باستقراره فى نيابة حماة، عوضا عن أسندمر العمرىّ. ثمّ كتب القاضى علاء الدين بن فضل الله كاتب السرّ تقليد ابن زنبور الوزير، ونعته فيه بالجناب العالى. وكان جمال الكفاة سعى أن يكتب له ذلك، فلم يرض كاتب السرّ، وشحّ عليه بذلك، فخرج الوزير وتلقّى كاتب السرّ، وبالغ فى إكرامه، وبعث إليه بتقدمة سنية. ثمّ قدّم الخبر على السلطان بنزول عسكر الشام على محاصرة أحمد نائب صفد، وزحفهم على قلعة صفد عدّة أيام، جرح فيها كثير من الناس والأجناد، ولم ينالوا من القلعة غرضا، إلى أن بلغهم القبض على بيبغا أرس، وعلم أحمد بذلك وانحلّ عزمه، فبعث إليه الأمير بكلمش نائب طرابلس يرغّبه فى الطاعة، ودسّ على من معه بالقلعة، حتى خامروا عليه وهمّوا بمسكه، فوافق على الطاعة، وحلف له نائب طرابلس، فنزل إليه بمن معه، فسرّ السلطان بذلك، وكتب بإهانته وحمله إلى السجن.

стр. 3354

وفى عاشر ذى الحجة كانت الواقعة بمنى، وقبض على الملك المجاهد صاحب اليمن، واسمه علىّ بن داود ابن المظفر يوسف ابن المنصور عمر بن علىّ بن رسول، وكان من خبره أنّ ثقبة لمّا بلغه استقرار أخيه عجلان عوضه فى إمرة مكة، توجه إلى اليمن، وأغرى صاحب اليمن بأخذ مكة وكسوة الكعبة، فتجهّز الملك المجاهد صاحب اليمن، وسار يريد الحج فى حفل كبير بأولاده وأمّه، حتى قرب من مكة وقد سبقه حاجّ مصر، فلبس عجلان آلة الحرب، وعرّف أمراء مصر ما عزم عليه صاحب اليمن، وحذّرهم غائلته، فبعثوا إليه بأنّ من يريد الحج إنما يدخل مكة بذلّة ومسكنة، وقد ابتدعت من ركوبك بالسلاح بدعة، لا تمكّنك أن تدخل بها، وابعث إلينا ثقبة ليكون عندنا، حتى تنقضى أيام الحج فنرسله إليك، فأجاب لذلك، وبعث ثقبة رهينة، فأكرمه الأمراء. وركبوا الأمراء «١» فى جماعة إلى لقاء الملك المجاهد، فتوجهوا إليه ومنعوا سلاح داريّته بالمشى معه بالسلاح، ولم يمكّنوه من حمل الغاشية، ودخلوا به مكة فطاف وسعى، وسلّم على الأمراء واعتذر إليهم، ومضى إلى منزله، وصار كلّ منهم على حذر حتى وقفوا بعرفة، وعادوا إلى الخيف من منى، وقد تقرّر الحال بين الأمير ثقبة وبين الملك المجاهد على أنّ الأمير طاز إذا سار من مكة أوقعا بأمير الحاج ومن معه، وقبضا على عجلان، وتسلّم ثقبة مكة. فاتفق أن الأمير بزلار رأى وقد عاد من مكة إلى منى خادم الملك المجاهد سائرا، فبعث يستدعيه فلم يأته، وضرب مملوكه، بعد مفاوضة جرت بينهما وجرحه فى كتفه، فماج الحاجّ، وركب الأمير بزلار وقت الظهر إلى الأمير طاز، فلم يصل إليه حتى أقبلت الناس جافلة، تخبر بركوب الملك المجاهد بعسكره للحرب،

стр. 3355

وظهرت لوامع أسلحتهم، فركب طاز وبزلار وأكثر العسكر المصرى بمكة، فكان أوّل من صدم أهل اليمن بزلار وهو فى ثلاثين فارسا، فأخذوه فى صدرهم إلى أن أرموه قريب خيمته، ومضت فرقة إلى جهة طاز فأوسع لهم طاز، ثمّ عاد عليهم. وركب الشريف عجلان والناس، فبعث الأمير طاز لعجلان: أن احفظ الحاجّ ولا تدخل بيننا فى حرب، ودعنا مع غريمنا. واستمرّ القتال بينهم إلى بعد العصر، فركب أهل اليمن مع كثرة عددهم واستعدادهم الذّلّة، والتجأ الملك المجاهد إلى دهليزه، وقد أحاط به العسكر وقطعوا أطنابه وألقوه إلى الأرض، فمرّ الملك المجاهد على وجهه منهزما، ومعه أولاده، فلم يجد طريقا، فسلّم المجاهد ولديه لبعض الأعراب، وعاد بمن معه من عسكره، وهم فى أقبح حال، يصيحون الأمان يا مسلمون! فأخذوا وزيره، وتمزّقت عساكره فى تلك الجبال، وقتل منهم خلق كثير، ونهبت أموالهم وخيولهم عن آخرها، وانفصل الحال عند غروب الشمس، وفرّ ثقبة بعبيده وعربه، فأخذ عبيد عجلان جماعة من الحاج فيما بين مكّة ومنى، وقتلوا جماعة. قلت: هذا شأن عرب مكة وعبيدها، وهذه فروسيتّهم لا فى لقاء العدوّ، وكان حقّهم يوم ذاك خفر الحاجّ، كون التّرك قاموا عنهم بدفع عدوّهم، وإلا كان المجاهد يستولى عليهم، وعلى أموالهم وذراريهم فى أسرع وقت. انتهى. ولما أراد طاز الرحيل من منى، سلّم أمراء «١» المجاهد وحريمه إلى الشريف عجلان، وأوصاه بهم، وركب الأمير طاز ومعه المجاهد محتفظا به، وبالغ فى إكرامه يريد الديار المصرية، وصحب معه أيضا الأمير بيبغا أرس مقيّدا، وبعث

стр. 3356

بالأمير طقطاى إلى السلطان يبشّره بما وقع، ولمّا قدم الأمير طاز إلى المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والرحمة، قبض بها على الشريف طفيل. وأما الديار المصرية، فإنه فى يوم الجمعة خامس المحرّم من سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، قدم الأمير أرغون الكاملىّ نائب حلب إلى الديار المصرية بغير إذن، فخلع عليه وأنزل بالقلعة؛ وسبب حضوره أنه أشيع عنه بحلب القبض عليه، ثمّ أشيع فى مصر أنه خامر، فكره تمكّن موسى حاجب حلب منه، لما كان بينهما من العداوة. ورأى وقوع المكروه به فى غير حلب أخفّ عليه، فلما قدم مصر فرح السلطان به، لما كان عنده من إشاعة عصيانه. ثم قدم الخبر على السلطان، بأنّ طيلان تسلّم بيبغا أرس من الأمير طاز، وتوجّه به إلى الكرك من بدر، فسرّ السلطان أيضا بذلك. ثمّ فى يوم السبت عشرين المحرّم قدم الأمير طاز بمن معه من الحجاز، وصحبته الملك المجاهد، والشريف طفيل «١» أمير المدينة، فخرج الأمير مغلطاى إلى لقائه إلى البركة، ومعه الأمراء، ومدّ له سماطا جليلا، وقبض على من كان معه من الأمراء من أصحاب بيبغا أرس وقيّدهم وهم: الأمير فاصل أخو بيبغا أرس، وناصر الدين محمد بن بكتمر الحاجب. وأما الأمير أزدمر الكاشف فإنه أخرج السلطان إقطاعه ولزم داره. ثمّ فى يوم الاثنين ثانى عشرينه طلع الأمير طاز بالملك المجاهد إلى نحو القلعة، حتى وصل إلى باب القلّة قيّده، ومشى الملك المجاهد بقيده حتى وقف- عند العمود بالدّركاه تجاه الإيوان، والأمراء جلوس- وقوفا طويلا. إلى أن خرج أمير جاندار

стр. 3357

يطلب الأمراء على العادة، فدخل المجاهد على تلك الهيئة معهم، وخلع السلطان على الأمير طاز، ثمّ تقدّم الملك المجاهد وقبّل الأرض ثلاث مرات، وطلب السلطان الأمير طاز وسأل عنه، فما زال طاز يشفع فى المجاهد، إلى أن أمر السلطان بقيده ففكّ عنه، وأنزل بالأشرفية من القلعة عند الأمير مغلطاى، وأجرى له الرواتب السنية، واقيم له من يخدمه، ثم أنعم السلطان على الأمير طاز بمائتى ألف درهم. ثم خلع السلطان أيضا على الأمير أرغون الكاملىّ باستمراره على نيابة حلب، ورسم أن يكون موسى حاجب حلب فى نيابة قلعة الروم. وفى يوم تاسع عشرين المحرّم حضر الملك المجاهد الخدمة، وأجلس تحت الأمراء، بعد أن ألزم بحمل أربعمائة ألف دينار يقترضه من تجّار الكارم، حتى ينعم له السلطان بالسفر إلى بلاده. ثم أحضر الأمير أحمد الساقى نائب صفد مقيّدا إلى بين يدى السلطان، فأرسل إلى سجن الاسكندرية. ثمّ فى آخر المحرّم خلع السلطان على الأمراء المقدّمين، وعلى الملك المجاهد صاحب اليمن بالإيوان، وقبّل المجاهد الأرض غير مرة، وكان الأمير طاز والأمير مغلطاى تلطّفا فى أمره، حتى أعفى من أجل المال، وقرّبه السلطان، ووعده بالسفر إلى بلاده مكرّما، فقبّل الأرض وسرّ بذلك، وأذن له أن ينزل من القلعة إلى إسطبل الأمير مغلطاى ويتجهز للسّفر، وأفرج عن وزيره وخادمه وحواشيه، وأنعم عليه بمال، وبعث له الأمراء مالا جزيلا، وشرع فى القرض من [تجار «١» ] الكارم اليمن ومصر، فبعثوا له عدّة هدايا، وصار يركب حيث يشاء.

стр. 3358

ثمّ فى يوم الخميس ثانى صفر، ركب الملك المجاهد فى الموكب بسوق الخيل تحت القلعة، وطلع مع النائب بيبغا ططر إلى القلعة، ودخل الى الخدمة السلطانية بالإيوان مع الأمراء والنائب، وكان موكبا عظيما، ركب فيه جماعة من أجناد الحلقة مع مقدّميهم، وخلع على المقدّمين وطلعوا إلى القلعة، واستمرّ المجاهد يركب فى الخدم مع النائب بسوق الخيل، ويطلع إلى القلعة ويحضر الخدمة. ثمّ خلع السلطان على الأمير صرغتمش، واستقرّ رأس نوبة على ما كان عليه أوّلا، بعناية الأمير طاز والأمير مغلطاى. وفى يوم السبت ثامن عشر من صفر برز المجاهد صاحب اليمن بثقله من القاهرة إلى الرّيدانية متوجّها إلى بلاده، وصحبته الأمير قشتمر شادّ الدواوين، وكتب للشريف عجّلان أمير مكة بتجهيزه إلى بلاده، وكتب لبنى شعبة وغيرهم من العربان بالقيام فى خدمته، وخلع عليه، وقرّر المجاهد على نفسه مالا «١» يحمله فى كلّ سنة، وأسرّ السلطان إلى قشتمر، إن رأى منه ما يريبه يمنعه من السفر، ويطالع السلطان فى أمره، فرحل المجاهد من الريدانية فى يوم الخميس ثالث عشرينه، ومعه عدّة مماليك اشتراها وكثير من الخيل والجمال. ثمّ فى أوائل جمادى الآخرة توعّك السلطان ولزم الفراش أياما، فبلغ طاز ومنكلى بغا ومغلطاى أنه أراد بإظهار توعّكه القبض عليهم إذا دخلوا عليه، وكان قد اتفق مع قشتمر وألطنبغا الزامر وملكتمر الماردينى وتنكزبغا على ذلك، وأنه ينعم عليهم بإقطاعاتهم وإمرياتهم، فواعدوا الأمراء أصحابهم، واتفقوا مع الأمير بيبغا ططر النائب والأمير طيبغا المجدىّ والأمير رسلان بصل، وركبوا يوم الأحد

стр. 3359

سابع عشرين جمادى الآخرة بأطلابهم، ووقفوا عند قبّة النصر خارج القاهرة، فخرج السلطان إلى القصر، وبعث يسألهم عن سبب ركوبهم، فقالوا: أنت اتّفقت مع مماليكك على مسكنا، ولا بدّ من إرسالهم إلينا، فبعث تنكزبغا وقشتمر «١» وألطنبغا الزامر وملكتمر، فعندما وصلوا إليهم قيّدوهم وبعثوهم إلى خزانة شمائل، فسجنوا بها، فشقّ ذلك على السلطان، وبكى وقال: قد نزلت عن السلطنة، وسيّر إليهم النّمجاة «٢» ؛ فسلموها للأمير طيبغا المجدىّ. وقام السلطان حسن إلى حريمه، فبعثوا الأمراء الأمير صرغتمش ومعه الأمير قطلوبغا الذّهبىّ، ومعهم جماعة ليأخذوه ويحبسوه، فطلعوا إلى القلعة راكبين إلى باب القصر «٣» الأبلق، ودخلوا إلى الملك الناصر حسن، وأخذوه من بين حرمه، فصرخ النساء صراخا عظيما، وصاحت الستّ حدق «٤» على صرغتمش صياحا منكرا، وقالت له: هذا جزاؤه منك. وسبّته سبّا فاحشا، فلم يلتفت صرغتمش إلى كلامها، وأخرجه وقد غطّى وجهه إلى الرّحبة، فلما رآه لخدّام والمماليك تباكوا عليه بكاء كثيرا، وطلع به إلى رواق فوق الإيوان، ووكّل به من يحفظه، وعاد إلى الأمراء، فاتّفق الأمراء على خلعه من السلطنة، وسلطنة أخيه الملك الصالح صالح بن محمد بن قلاوون وتسلطن حسب ما يأتى ذكره. ولمّا تسلطن الملك الصالح صالح، نقل أخاه الملك الناصر حسنا هذا إلى حيث كان هو ساكنا، ورتّب فى خدمته جماعة، وأجرى عليه من الرواتب ما يكفيه. ثم طلب الملك الصالح أخاه حسنا، ووعده أيضا بزيادة على إقطاعه، وزاد راتبه. وزالت دولة الملك الناصر حسن.

стр. 3360

فكانت مدّة سلطنته هذه الأولى ثلاث سنين وتسعة أشهر وأربعة عشر يوما، منها مدّة الحجر عليه ثلاث سنين، ومدّة استبداده بالأمر نحو تسعة أشهر وأربعة عشر يوما، وكان القائم بدولته فى أيام الحجر عليه الأمير شيخون العمرىّ رأس نوبة النّوب، وإليه كان أمر خزانة الخاصّ، ومرجعه لعلم الدين ابن زنبور ناظر الخاصّ. وكان الأمير منجك اليوسفىّ الوزير والأستادار ومقدّم المماليك، إليه التصرّف فى [أموال «١» ] الدولة. والأمير بيبغا أرس نائب السلطنة وإليه حكم العسكر وتدبيره، والحكم بين الناس. وكان المتولّى لتربية السلطان حسن خوند طغاى زوجة أبيه، ربّته وتبنّت به. وكانت الستّ حدق الناصريّة دادته. وكان الأمراء المذكورون رتّبوا له فى أيام سلطنته، فى كلّ يوم مائة درهم، يأخذها خادمه من خزانة الخاصّ، وليس ينوبه سواها، وذلك خارج عن سماطه وكلفة حريمه، فكان ما ينعم به السلطان حسن فى أيام سلطنته ويتصدّق به من هذه المائة درهما لا غير، إلى أن ضجر من الحجر، وسافر النائب بيبغا أرس والأمير طاز إلى الحجاز، وخرج شيخون، إلى العبّاسة «٢» للصيد، واتفق السلطان حسن مع مغلطاى الأمير آخور وغيره على ترشيده، فترشّد حسب ما ذكرناه. واستبدّ بالدار المصرية. ثم قبض على منجك وشيخون وبيبعا أرس، إلى أن كان من أمره ما كان، على أنه سار فى سلطنته بعد استبداده بالأمور مع الأمراء أحسن سيرة، فإنه اختصّ بالأمير طاز بعد حضوره من الحجاز، وبالغ فى الإنعام عليه. وكانت أيّامه شديدة، كثرت فيها المغارم، بما أحدثه الوزير «٣» منجك بالنواحى، وخربت عدّة أملاك على النيل، واحترقت مواضع كثيرة بالقاهرة ومصر، وخرجت

стр. 3361

عربان العائذ وثعلبة وعرب الشام «١» وعرب الصعيد عن الطاعة، واشتدّ فسادهم لاختلاف كلمة مدبّرى المملكة. وكان فى أيامه الفناء العظيم المقدّم ذكره، الذي لم يعهد فى الإسلام مثله. وتوالى فى أيامه شراقى البلاد وتلاف «٢» الجسور، وقيام ابن واصل الأحدب ببلاد الصعيد، فاختلّت أرض مصر وبلاد الشام بسبب ذلك خللا فاحشا، كل ذلك من اضطراب المملكة واختلاف الكلمة، وظلم الأمير منجك وعسفه. وأمّا الملك الناصر حسن المذكور كان فى نفسه مفرط الذكاء عاقلا، وفيه رفق بالرعيّة، ضابطا لما يدخل إليه وما يصرّفه كلّ يوم، متديّنا شهما، لو وجد ناصرا أو معينا، لكان أجلّ الملوك، يأتى بيان ذلك فى سلطنته الثانية، إن شاء الله تعالى. وأما سلطنته هذه المرّة فلم يكن له من السلطنة إلا مجرّد الاسم فقط، وذلك لصغر سنه وعدم من يؤيّده. انتهى. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٤٩] السنة الأولى من سلطنة الملك الناصر حسن ابن الملك الناصر محمد ابن قلاوون الأولى على مصر وهى سنة تسع وأربعين وسبعمائة، على أنه حكم من الخالية من رابع عشر شهر رمضان. فيها أعنى (سنة تسع وأربعين) كان الوباء العظيم المقدّم ذكره فى هذه الترجمه، وعمّ الدنيا حتى دخل إلى مكّة المشرّفة، ثم عمّ شرق الأرض وغربها، فمات بهذا الطاعون بمصر والشام وغيرهما خلائق لا تحصى.

стр. 3362

فممّن مات فيه من الأعيان الشيخ المحدّث برهان الدين إبراهيم بن لاچين بن عبد الله الرشيدىّ الشافعىّ فى يوم الثلاثاء تاسع «١» عشرين شوّال. ومولده فى سنة ثلاث وسبعين وستمائة. وكان أخذ القراءات عن التقىّ الصائغ «٢» ، وسمع من الأبرقوهىّ «٣» وأخذ الفقه عن العلم «٤» العراقىّ، وبرع فى الفقه والأصول والنحو وغيره، ودرّس وأقرأ وخطب بجامع «٥» أمير حسين خارج القاهرة سنين. وتوفّى الشيخ الأديب شهاب الدين أبو العباس أحمد بن مسعد بن أحمد بن ممدود السّنهورىّ المادح الضرير. وكانت له قدرة زائدة على النظم؛ ومدح النّبيّ ﷺ بعدّة قصائد. وشعره كثير إلى الغاية، لا سيما قصائده النبوية وهى مشهورة فى حفظ المدّاح «٦» . وتوفّى القاضى الإمام البارع الكاتب المؤرّخ المفتنّ شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن القاضى محيى الدين يحيى بن فضل الله بن المجلّى بن دعجان القرشىّ العدوىّ العمرىّ الدّمشقى الشافعىّ فى تاسع ذى الحجة بدمشق. ومولده فى ثالث شوّال سنة سبعمائة «٧» . وكان إماما بارعا وكاتبا فقيها نظم كثيرا من القصائد والأراجيز

стр. 3363

والمقطّعات، ودو بيت. وأنشأ كثيرا من التقاليد والمناشير والتواقيع، وكتب فى الإنشاء لمّا ولى والده كتابة سرّ دمشق، ثمّ لمّا ولى والده كتابة السرّ بمصر أيضا، صار ولده أحمد هذا هو الذي يقرأ البريد على الملك الناصر محمد بن قلاوون، وينفّذ المهمّات واستمرّ كذلك فى ولاية والده الأولى والثانية، حتى تغيّر السلطان عليه وصرفه فى سنة ثمان وثلاثين، وأقام أخاه علاء الدين عليّا، وكلاهما كانا يكتبان بحضرة والدهما ووجوده، نيابة عنه لكبر سنّه؛ وتوجه شهاب الدين إلى دمشق، حتى مات بها فى التاريخ المذكور. وكان بارعا فى فنون، وله مصنّفات كثيرة، منها تاريخه: «مسالك الأبصار «١» ، فى ممالك الأمصار» فى أكثر من عشرين مجلدا. وكتاب «فواصل «٢» السّمر، فى فضائل آل عمر» فى أربع مجلدات. «والدعوة المستجابة» ، «وصبابة المشتاق» فى مجلّد، فى مدح النّبىّ صلّى الله وسلم و [دمعة «٣» الباكى] «ويقظة السّاهى «٤» » و «نفحة الرّوض» . قال الشيخ صلاح الدين خليل الصّفدىّ: وأنشدنى القاضى شهاب الدين ابن فضل الله لنفسه، ونحن على العاصى هذين البيتين: [البسيط] لقد نزلنا على العاصى بمنزلة ... زانت محاسن شطّيه حدائقها تبكى نواعيرها العبرى بأدمعها ... لكونه بعد لقياها يفارقها قال: فأنشدته لنفسى: [الطويل] وناعورة فى جانب النّهر قد غدت ... تعبّر عن شوق الشّجىّ وتعرب فيرقص عطف الغصن تيها لأنّها ... تغنّى «٥» له طول الزمان ويشرب

стр. 3364

وتوفّى الأمير سيف الدين أطلمش «١» الجمدار؛ كان أوّلا من أمراء مصر، ثم حجوبية دمشق إلى أن مات، وكان مشكور السّيرة. وتوفّى الأمير سيف الدين بلك بن عبد الله المظفّرىّ الجمدار، أحد أمراء الألوف بالديار المصرية فى يوم الخميس رابع عشرين شوّال. وكان من أعيان الأمراء، وقد تقدّم ذكره فيما مرّ. وتوفّى الأمير سيف الدين برلغى بن عبد الله الصغير، قريب السلطان الملك الناصر «٢» محمد بن قلاوون، قدم إلى القاهرة صحبة القازانيّة سنة أربع وسبعمائة، فأنعم عليه الملك الناصر بإمرة بديار مصر، وتزوّج بابنة الأمير بيبرس الجاشنكير قبل سلطنته، وعمل له مهمّا عظيما، أشعل فيه ثلاثة آلاف شمعة، ثم قبض عليه الملك الناصر بعد زوال دولة الملك المظفّر، وامتحن بسبب صهره، وحبسه الملك الناصر عشرين «٣» سنة، ثمّ أفرج عنه وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة الف، فدام على ذلك إلى أن مات. وبرلغى هذا يلتبس ببرلغى الأشرفى، كلاهما كان عضدا للملك المظفّر بيبرس الجاشنكير وكانا فى عصر واحد.

стр. 3365

وتوفّى الأمير سيف الدين بلبان بن عبد الله الحسينىّ «١» المنصورىّ أمير جاندار، وقد أناف على ثمانين سنة، فإنه كان من مماليك الملك المنصور قلاوون. وتوفى الأمير سيف الدين بكتوت بن عبد الله القرمانىّ المنصورىّ، أحد المماليك المنصوريّة قلاوون أيضا، وكان أحد البرجيّة. ثمّ ولى شدّ الدواوين بدمشق وحبسه الملك الناصر محمد بن قلاوون مدّة، لأنه كان من أصحاب المظفّر بيبرس، ثمّ أطلقه وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه بمصر. وكانت به حدبة فاحشة وولع، ويتتبّع المطالب والكيمياء، وضاع عمره فى البطّال. وتوفّى الأمير سيف الدين تمربغا بن عبد الله العقيلىّ نائب الكرك فى جمادى الآخرة، وكان عاقلا شجاعا مشكور السيرة. وتوفّى الشيخ الإمام «٢» كمال الدين جعفر [بن ثعلب «٣» بن جعفر] بن علىّ الأدفوىّ الفقيه الأديب الشافعىّ. كان فقيها بارعا أديبا مصنفا؛ ومن مصنفاته تاريخ الصعيد المسمّى «بالطالع السعيد فى تاريخ الصعيد «٤» » وله مصنّفات أخر وشعر كثير. وتوفى الأمير سيف الدين طشتمر بن عبد الله الناصرىّ، أحد أمراء الألوف بالديار المصرية، المعروف بطلليه فى شوّال بالقاهرة، وقيل له: طلليه، لأنه كان إذا تكلّم قال فى آخر كلامه: طلليه. وهو من مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون وخاصّكيته، وصار من بعده من أعيان الأمراء بالديار المصرية، وله تربة «٥» بالصحراء معروفة به، وكان شجاعا مقداما.
следующие страницы →