Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
عربان العائذ وثعلبة وعرب الشام «١» وعرب الصعيد عن الطاعة، واشتدّ فسادهم لاختلاف كلمة مدبّرى المملكة.
وكان فى أيامه الفناء العظيم المقدّم ذكره، الذي لم يعهد فى الإسلام مثله. وتوالى فى أيامه شراقى البلاد وتلاف «٢» الجسور، وقيام ابن واصل الأحدب ببلاد الصعيد، فاختلّت أرض مصر وبلاد الشام بسبب ذلك خللا فاحشا، كل ذلك من اضطراب المملكة واختلاف الكلمة، وظلم الأمير منجك وعسفه.
وأمّا الملك الناصر حسن المذكور كان فى نفسه مفرط الذكاء عاقلا، وفيه رفق بالرعيّة، ضابطا لما يدخل إليه وما يصرّفه كلّ يوم، متديّنا شهما، لو وجد ناصرا أو معينا، لكان أجلّ الملوك، يأتى بيان ذلك فى سلطنته الثانية، إن شاء الله تعالى.
وأما سلطنته هذه المرّة فلم يكن له من السلطنة إلا مجرّد الاسم فقط، وذلك لصغر سنه وعدم من يؤيّده. انتهى.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٤٩]
السنة الأولى من سلطنة الملك الناصر حسن ابن الملك الناصر محمد ابن قلاوون الأولى على مصر وهى سنة تسع وأربعين وسبعمائة، على أنه حكم من الخالية من رابع عشر شهر رمضان.
فيها أعنى (سنة تسع وأربعين) كان الوباء العظيم المقدّم ذكره فى هذه الترجمه، وعمّ الدنيا حتى دخل إلى مكّة المشرّفة، ثم عمّ شرق الأرض وغربها، فمات بهذا الطاعون بمصر والشام وغيرهما خلائق لا تحصى.
стр. 3362
فممّن مات فيه من الأعيان الشيخ المحدّث برهان الدين إبراهيم بن لاچين بن عبد الله الرشيدىّ الشافعىّ فى يوم الثلاثاء تاسع «١» عشرين شوّال. ومولده فى سنة ثلاث وسبعين وستمائة. وكان أخذ القراءات عن التقىّ الصائغ «٢» ، وسمع من الأبرقوهىّ «٣» وأخذ الفقه عن العلم «٤» العراقىّ، وبرع فى الفقه والأصول والنحو وغيره، ودرّس وأقرأ وخطب بجامع «٥» أمير حسين خارج القاهرة سنين.
وتوفّى الشيخ الأديب شهاب الدين أبو العباس أحمد بن مسعد بن أحمد بن ممدود السّنهورىّ المادح الضرير. وكانت له قدرة زائدة على النظم؛ ومدح النّبيّ ﷺ بعدّة قصائد. وشعره كثير إلى الغاية، لا سيما قصائده النبوية وهى مشهورة فى حفظ المدّاح «٦» .
وتوفّى القاضى الإمام البارع الكاتب المؤرّخ المفتنّ شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن القاضى محيى الدين يحيى بن فضل الله بن المجلّى بن دعجان القرشىّ العدوىّ العمرىّ الدّمشقى الشافعىّ فى تاسع ذى الحجة بدمشق. ومولده فى ثالث شوّال سنة سبعمائة «٧» . وكان إماما بارعا وكاتبا فقيها نظم كثيرا من القصائد والأراجيز
стр. 3363
والمقطّعات، ودو بيت. وأنشأ كثيرا من التقاليد والمناشير والتواقيع، وكتب فى الإنشاء لمّا ولى والده كتابة سرّ دمشق، ثمّ لمّا ولى والده كتابة السرّ بمصر أيضا، صار ولده أحمد هذا هو الذي يقرأ البريد على الملك الناصر محمد بن قلاوون، وينفّذ المهمّات واستمرّ كذلك فى ولاية والده الأولى والثانية، حتى تغيّر السلطان عليه وصرفه فى سنة ثمان وثلاثين، وأقام أخاه علاء الدين عليّا، وكلاهما كانا يكتبان بحضرة والدهما ووجوده، نيابة عنه لكبر سنّه؛ وتوجه شهاب الدين إلى دمشق، حتى مات بها فى التاريخ المذكور. وكان بارعا فى فنون، وله مصنّفات كثيرة، منها تاريخه:
«مسالك الأبصار «١» ، فى ممالك الأمصار» فى أكثر من عشرين مجلدا. وكتاب «فواصل «٢» السّمر، فى فضائل آل عمر» فى أربع مجلدات. «والدعوة المستجابة» ، «وصبابة المشتاق» فى مجلّد، فى مدح النّبىّ صلّى الله وسلم و [دمعة «٣» الباكى] «ويقظة السّاهى «٤» » و «نفحة الرّوض» .
قال الشيخ صلاح الدين خليل الصّفدىّ: وأنشدنى القاضى شهاب الدين ابن فضل الله لنفسه، ونحن على العاصى هذين البيتين: [البسيط]
لقد نزلنا على العاصى بمنزلة ... زانت محاسن شطّيه حدائقها
تبكى نواعيرها العبرى بأدمعها ... لكونه بعد لقياها يفارقها
قال: فأنشدته لنفسى: [الطويل]
وناعورة فى جانب النّهر قد غدت ... تعبّر عن شوق الشّجىّ وتعرب
فيرقص عطف الغصن تيها لأنّها ... تغنّى «٥» له طول الزمان ويشرب
стр. 3364
وتوفّى الأمير سيف الدين أطلمش «١» الجمدار؛ كان أوّلا من أمراء مصر، ثم حجوبية دمشق إلى أن مات، وكان مشكور السّيرة.
وتوفّى الأمير سيف الدين بلك بن عبد الله المظفّرىّ الجمدار، أحد أمراء الألوف بالديار المصرية فى يوم الخميس رابع عشرين شوّال. وكان من أعيان الأمراء، وقد تقدّم ذكره فيما مرّ.
وتوفّى الأمير سيف الدين برلغى بن عبد الله الصغير، قريب السلطان الملك الناصر «٢» محمد بن قلاوون، قدم إلى القاهرة صحبة القازانيّة سنة أربع وسبعمائة، فأنعم عليه الملك الناصر بإمرة بديار مصر، وتزوّج بابنة الأمير بيبرس الجاشنكير قبل سلطنته، وعمل له مهمّا عظيما، أشعل فيه ثلاثة آلاف شمعة، ثم قبض عليه الملك الناصر بعد زوال دولة الملك المظفّر، وامتحن بسبب صهره، وحبسه الملك الناصر عشرين «٣» سنة، ثمّ أفرج عنه وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة الف، فدام على ذلك إلى أن مات. وبرلغى هذا يلتبس ببرلغى الأشرفى، كلاهما كان عضدا للملك المظفّر بيبرس الجاشنكير وكانا فى عصر واحد.
стр. 3365
وتوفّى الأمير سيف الدين بلبان بن عبد الله الحسينىّ «١» المنصورىّ أمير جاندار، وقد أناف على ثمانين سنة، فإنه كان من مماليك الملك المنصور قلاوون.
وتوفى الأمير سيف الدين بكتوت بن عبد الله القرمانىّ المنصورىّ، أحد المماليك المنصوريّة قلاوون أيضا، وكان أحد البرجيّة. ثمّ ولى شدّ الدواوين بدمشق وحبسه الملك الناصر محمد بن قلاوون مدّة، لأنه كان من أصحاب المظفّر بيبرس، ثمّ أطلقه وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه بمصر. وكانت به حدبة فاحشة وولع، ويتتبّع المطالب والكيمياء، وضاع عمره فى البطّال.
وتوفّى الأمير سيف الدين تمربغا بن عبد الله العقيلىّ نائب الكرك فى جمادى الآخرة، وكان عاقلا شجاعا مشكور السيرة.
وتوفّى الشيخ الإمام «٢» كمال الدين جعفر [بن ثعلب «٣» بن جعفر] بن علىّ الأدفوىّ الفقيه الأديب الشافعىّ. كان فقيها بارعا أديبا مصنفا؛ ومن مصنفاته تاريخ الصعيد المسمّى «بالطالع السعيد فى تاريخ الصعيد «٤» » وله مصنّفات أخر وشعر كثير.
وتوفى الأمير سيف الدين طشتمر بن عبد الله الناصرىّ، أحد أمراء الألوف بالديار المصرية، المعروف بطلليه فى شوّال بالقاهرة، وقيل له: طلليه، لأنه كان إذا تكلّم قال فى آخر كلامه: طلليه. وهو من مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون وخاصّكيته، وصار من بعده من أعيان الأمراء بالديار المصرية، وله تربة «٥» بالصحراء معروفة به، وكان شجاعا مقداما.
стр. 3366
وتوفّيت خوند طغاى أمّ آنوك زوجة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وتركت مالا كثيرا جدّا، من ذلك ألف جارية، وثمانون طواشيا أعتقت الجميع وهى صاحبة التّربة «١» بالصحراء معروفة بها. وهى التى تولّت تربية السلطان الملك الناصر حسن بعد موت أمّه من أيام الملك الناصر محمد. وكانت من أعظم نساء وقتها وأحشمهنّ «٢» وأسعدهنّ.
وتوفّى الشيخ الإمام الأديب البارع صفىّ الدين عبد العزيز بن سرايا بن على بن [أبى «٣» ] القاسم بن أحمد بن نصر بن أبى العزّ بن سرايا بن باقى «٤» بن عبد الله السّنبسىّ «٥» الحلّىّ الشاعر المشهور فى سلخ «٦» ذى الحجة. ومولده فى خامس شهر ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وستمائة، وقدم القاهرة مرتين، ومدح الملك المؤيّد صاحب حماة، ومدح ملوك ماردين بنى أرتق، وله فيهم غرر القصائد، وتقدّم فى نظم الشعر.
ومدح النّبيّ ﷺ بالقصيدة المعروفة. ب «البديعيّة» وله «ديوان شعر كبير» ، وشعره سار شرقا وغربا. وهو أحد فحول الشعراء. وفيه يقول الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة: [الكامل]
يا سائلى عن رتبة الحلّىّ فى ... نظم القريض راضيا بى أحكم
للشعر حلّيان ذلك راجح ... ذهب الزمان به وهذا قيّم
ومن شعر الصفىّ الحلّىّ: [السريع]
أستطلع الأخبار من نحوكم ... وأسأل الأرواح حمل السّلام
وكلّما جاء غلام لكم ... أقول يا بشراى هذا غلام
стр. 3367
ومن شعره قصيدته «١» التى أوّلها: [الكامل]
كيف الضلال وصبح وجهك مشرق ... وشذاك فى الأكوان مسك يعبق
يا من إذا سفرت محاسن وجهه ... ظلّت به حدق الخلائق تحدق
أوضحت عذرى فى هواك بواصح ... ماء الحيا بأديمه يترقرق
فإذا العذول رأى جمالك قال لى ... عجبا لقلبك كيف لا يتمزّق
يا آسرا قلب المحبّ فدمعه ... والنوم منه مطلق ومطلّق
أغنيتنى بالفكر فيك عن الكرى ... يا آسرى فأنا الغنىّ المملق
ومنها أيضا:
لم أنس ليلة زارنى ورقيبه ... يبدى الرّضا وهو المغيظ المحنق
حتى إذا عبث الكرى بجفونه ... كان الوسادة ساعدى والمرفق
عاتقته وضممته فكأنه ... من ساعدىّ ممنطق «٢» ومطوّق
حتى «٣» بدا فلق الصباح فراعه ... إنّ الصّباح هو العدو الأزرق
وقد استوعبنا من شعره وأحواله قطعة جيّدة فى تاريخنا «المنهل الصافى» .
رحمه الله تعالى إن كان مسيئا.
وتوفّى الشيخ الصالح المعتقد عبد الله المنوفىّ الفقيه المالكىّ، فى يوم الأحد ثامن شهر رمضان ودفن بالصحراء، وقبره «٤» بها معروف يقصد للزيارة والتبرّك.
стр. 3368
وتوفّى الإمام العلّامة شيخ الشيوخ بدمشق علاء الدين علىّ بن محمود بن حميد القونوىّ الحنفىّ فى رابع شهر رمضان، وكان إماما فقيها بارعا صوفيا صالحا.
﵀.
وتوفّى الشيخ الإمام البارع المفتنّ الأديب الفقيه، زين الدين عمر بن المظفّر بن عمر بن محمد بن أبى الفوارس بن علىّ المعرّىّ الحلبىّ الشافعىّ المعروف بابن الوردىّ «١» ناظم «الحاوى فى الفقه» ﵀؛ وقد جاوز الستين سنة بحلب، فى سابع عشرين ذى الحجّة. وقد استوعبنا من شعره ومشايخه نبذة كبيرة فى «المنهل الصافى» إذ هو كتاب تراجم، محلّه الإطناب فى مثل هؤلاء. ومن شعره ما قاله فى مقرئ «٢» . [الكامل] :
стр. 3369
ووعدت أمس بأن تزور فلم تزر ... فغدوت «١» مسلوب «٢» الفؤاد مشتتا
لى مهجة «٣» فى النازعات وعبرة ... فى المرسلات وفكرة فى هل اتى
وله عفا الله عنه: [الوافر]
تجادلنا: أماء الزّهر أذكى ... ام الخلّاف أم ورد القطاف
وعقبى ذلك الجدل اصطلحنا ... وقد حصل الوفاق على الخلاف
وتوفّى الأمير الطّواشى عنبر السّحرتىّ لالاة السلطان الملك الكامل شعبان، ومقدّم المماليك السلطانيّة منفيّا فى القدس، بعد أن امتحن وصودر. وكان رأى من العزّ والجاه والحرمة، فى أيام الكامل شعبان ما لا مزيد عليه، حسب ما ذكرنا منه نبذة فى ترجمة الملك الكامل المذكور.
وتوفّى الأمير سيف الدين كوكاى بن عبد الله المنصور السّلاح دار، أحد أعيان الأمراء الألوف بالديار المصريّة، وكان من أجلّ الأمراء وأسعدهم، خلّف أكثر من أربعمائة ألف دينار عينا. وهو صاحب التّربة «٤» والمئذنة التى بالصحراء، على رأس الهدفة، تجاه تربة «٥» الملك الظاهر برقوق. وكان شجاعا مقداما. طالت ايامه فى السعادة.
وتوفى الأمير سيف الدين قطز بن عبد الله الأمير آخور، ثم نائب صفد بدمشق، وهو أحد أمرائها، فى يوم الثلاثاء رابع ذى القعدة. وكان من أعيان أمراء مصر، ولى عدّة ولايات جليلة.
стр. 3370
وتوفّى الأمير سيف الدّين نكباى بن عبد الله البريدىّ المنصورىّ. كان أحد مماليك الملك المنصور قلاوون، ولى قطيا والاسكندرية، ثم أنعم عليه بإمرة طبلخاناه، واستقرّ مهمندارا. وإليه تنسب دار «١» نكباى خارج مدينة مصر على النيل، وعنى بعمارتها فلم يتمتع بها.
وتوفّى الأمير شرف الدين محمود [بن أوحد «٢» ] بن خطير أخو الأمير مسعود.
وأظنه صاحب الجامع «٣» بالحسينية خارج القاهرة.
وتوفّى الشيخ المحدّث الواعظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن ميلق الشاذلىّ.
كان يجلس ويذكّر الناس ويعظ، وكان لوعظه تأثير فى النفوس.
وتوفّى الشيخ المعتقد زين الدين أبو بكر بن النّشاشيبى «٤» . كان له قدم وللناس فيه محبّة واعتقاد. ﵀.
وتوفّى الرئيس شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عمر الأسيوطىّ ناظر بيت المال، كان مغدودا من أعيان الديار المصرية، وله ثروة. وإليه ينسب جامع «٥» الأسيوطىّ بخطّ جزيرة الفيل.
стр. 3371
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. وحوّلت هذه السنة إلى سنة خمسين. والله أعلم.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٥٠]
السنة الثانية من ولاية السلطان الملك الناصر حسن الأولى على مصر وهى سنة خمسين وسبعمائة.
فيها توفّى مكين الدين إبراهيم بن قروينة بطالا، بعد ما ولى استيفاء الصّحبة، ونظر البيوت، ثم نظر الجيش مرتين ثمّ تعطّل إلى أن مات. وكان من أعيان الكتّاب ورؤسائهم.
وتوفّى الأمير سيف الدين أرغون شاه بن عبد الله الناصرىّ، نائب الشام مذبوحا فى ليلة الجمعة رابع عشرين شهر ربيع الأوّل، وكان من أعيان مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون وخواصّه، ربّاه وجعله أمير طبلخاناه رأس نوبة الجمدارية.
ثم استقرّ بعد وفاته أستادارا أمير مائة ومقدّم ألف بديار مصر، فتحكّم على الملك الكامل شعبان، حتى أخرجه لنيابة صفد، وولى بعدها نيابة حلب. ثمّ نيابة الشام.
وكان خفيفا قوىّ النفس شرس الأخلاق، مهابا جبّارا فى أحكامه، سفّاكا للدماء غليظا فاحشا، كثير المال والحشم.
стр. 3372
وكان أصله من بلاد الصّين حمل إلى بو سعيد بن خربندا ملك التّتار، فأخذه دمشق خجا بن جوبان. ثم ارتجعه بو سعيد بعد قتل «١» [دمشق خجا بن] جوبان، وبعث به إلى الناصر هديّة ومعه ملكتمر السّعيدىّ «٢» . وقد تقدّم من ذكر أرغون شاه هذا نبذة كبيرة فى عدّة تراجم من هذا الكتاب، من أوّل ابتداء أمره حتى كيفية قتله، فى ترجمة الملك الناصر حسن هذا، فلينظر هناك.
وتوفّى الأمير الكبير سيف الدين أرقطاى بن عبد الله المنصورى، نائب السلطنة بالديار المصرية، ثم نائب حلب ثم ولى نيابة دمشق، فلما خرج منها متوجّها إلى دمشق، مات بظاهرها عن نحو ثمانين سنة، فى يوم الأربعاء خامس جمادى الأولى.
وأصله من مماليك الملك المنصور قلاوون، ربّاه الطواشى فاخر «٣» أحسن تربية إلى أن توجّه الملك الناصر إلى الكرك توجه معه، فلما عاد الملك الناصر إلى ملكه جعله من جملة الأمراء. ثم سيّره صحبة الأمير تنكز إلى الشام، وأوصى تنكز ألا يخرج عن رأيه، فأقام عنده مدّة، ثم ولّاه نيابة حمص سنتين ونصفا. ثم نقله إلى نيابة صفد، فأقام بها ثمانى عشرة سنة. ثم قدم مصر، فأقام بها خمس «٤» سنين وجرّد إلى آياس «٥» . ثم ولى نيابة طرابلس، ومات الملك الناصر محمد، فقدم مصر بعد موته
стр. 3373
فقبض عليه. ثمّ أفرج عنه، وبعد مدّة ولى نيابة حلب. ثمّ عزل وطلب الى مصر فصار يجلس رأس المبمنة. ثمّ ولى نيابة السلطنة بالديار المصرية نحو سنتين.
ثم أخرج لنيابة حلب ثانيا، بحسب سؤاله فى ذلك، فأقام بها مدّة. ثم نقل إلى نيابة الشام بعد قتل أرغون شاه، فمات خارج حلب قبل أن يباشر دمشق، ودفن بحلب. وكان أميرا جليلا عظيما مهابا عاقلا سيوسا، مشكور السّيرة محبّبا للرعية.
وقد تقدّم من أخباره ما يغنى عن الاعادة هنا.
وتوفّى الأمير سيف الدين ألجيبغا بن عبد الله المظفّرى نائب طرابلس، موسّطا بسوق خيل دمشق، فى يوم الاثنين ثانى «١» شهر ربيع الآخر، بمقتضى قتله الأمير أرغون شاه نائب الشام، وقد تقدّم كيفيّة قتله أرغون شاه فى ترجمة السلطان حسنى هذا، وأيضا واقعة توسيطه مفصّلا هناك. وكان ألجيبغا من مماليك المظفّر حاجّى ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون ومن خواصّه. وقتل ألجيبغا وسنّه دون العشرين سنة، بعد أن صار أمير مائة ومقدّم ألف بمصر والشام ونائب طرابلس، ووسّط معه إياس الآتى ذكره.
وتوفّى الأمير فخر الدين إياس «٢» بن عبد الله الناصرى، موسّطا أيضا بسوق خيل دمشق لموافقته ألجيبغا المقدّم ذكره على قتل أرغون شاه فى التاريخ المذكور أعلاه.
وكان أصل إياس هذا من الأرمن، وأسلم على يد الملك الناصر محمد بن قلاوون، فرقّاه حتّى عمله شادّ العمائر. ثم أخرجه الى الشام شادّ الدواوين. ثم صار حاجبا بدمشق. ثم نائبا بصفد. ثم نائبا بحلب. ثم عزل بسعى أرغون شاه به، وقدم
стр. 3374
دمشق أميرا فى نيابة أرغون شاه لدمشق، فصار أرغون شاه يهينه، وإياس يومئذ تحت حكمه، فحقد عليه، واتّفق مع ألجيبغا نائب طرابلس حتّى قتلاه ذبحا، حسب ما ذكرناه مفصلا، فى ترجمة السلطان الملك الناصر حسن.
وتوفّى الإمام العلّامة قاضى القضاة علاء الدين علىّ ابن القاضى فخر الدين عثمان ابن إبراهيم بن مصطفى الماردينىّ الحنفىّ المعروف بالتّركمانى- رحمه الله تعالى- فى يوم الثلاثاء عاشر المحرّم بالقاهرة. ومولده فى سنة ثلاث وثمانين وستّمائة، وهو أخو العلّامة تاج الدين أحمد «١» ، ووالد الإمامين العالمين: عزّ «٢» الدين عبد العزيز وجمال «٣» الدين عبد الله، وعمّ العلّامة محمد بن أحمد، يأتى ذكر كلّ واحد من هؤلاء فى محلّه إن شاء الله تعالى. وكان قاضى القضاة علاء الدين إماما فقيها بارعا نحويّا أصوليّا لغويّا، أفتى ودرّس وأشغل وألّف وصنّف، وكان له معرفة تامّة بالأدب وأنواعه، وله نظم ونثر: كان إمام عصره بلا مدافعة، لا سيّما فى العلوم العقلية والفقه أيضا والحديث، وتصدّى للإقرار عدّة سنين. وتولّى قضاء الحنفية بالديار المصرية فى شوّال سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، عوضا عن قاضى القضاة زين الدين البسطامىّ «٤» ، وحسنت سيرته، ودام قاضيا إلى أن مات. وتولّى عوضه ولده جمال الدين عبد الله.
стр. 3375
ومن مصنّفاته- ﵀ كتاب «بهجة «١» الأريب فى بيان ما فى كتاب الله العزيز من الغريب» و «المنتخب فى علوم الحديث» و «المؤتلف والمختلف» و «الضعفاء «٢» والمتروكون» و «الدرّ النّقىّ فى الردّ على البيهقىّ» وهو جليل فى معناه، يدلّ على علم غزير، واطّلاع كثير، و «مختصر المحصّل فى الكلام» و «مقدّمة فى أصول الفقه» و «الكفاية «٣» فى مختصر الهداية» و «مختصر رسالة القشيرىّ» وغير ذلك.
وتوفّى قاضى القضاة تقىّ الدين محمد بن أبى بكر بن عيسى بن بدران السّعدىّ الإخنائىّ المالكىّ «٤» ، فى ليلة الثالث من صفر. ومولده فى شهر رجب سنة أربع وستّين وستّمائة، وكان فقيها فاضلا محدّثا بارعا. ولى شهادة الخزانة. ثم تولّى قضاء الإسكندرية. ثم نقل لقضاء دمشق بعد علاء الدين «٥» القونوىّ. وحسنت سيرته.
وتولى بعده جمال الدّين يوسف [بن «٦» إبراهيم] بن جملة.
وتوفّيت خوند بنت الملك الناصر محمد بن قلاوون زوجة الأمير طاز، وخلّفت أموالا كثيرة، أبيع موجودها بباب القلّة من القلعة بخمسمائة ألف درهم، من جملة ذلك قبقاب مرصّع بأربعين ألف درهم، عنها يوم داك ألفا دينار مصريّة.
стр. 3376
وتوفّى شيخ القرّاء شهاب الدين أحمد بن أحمد بن الحسين المعروف بالهكّارى، بالقاهرة فى جمادى الأولى. وكان إماما فى القراءات، تصدّى للإقرار عدّة سنين وانتفع به الناس.
وتوفّى الأمير طقتمر بن عبد الله الشّريفىّ، بعد ما عمى ولزم داره «١» وكان من أعيان الأمراء.
وتوفّى الشيخ الإمام نجم الدين عبد الرحمن «٢» بن يوسف بن إبراهيم بن محمد ابن إبراهيم بن علىّ القرشىّ الأصفونىّ «٣» الشافعى، بمنى، فى ثالث عشر ذى الحجّة.
وكان فقيها عالما مصنّفا، ومن مصنّفاته: «مختصر «٤» الرّوضة فى الفقه» .
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وأربع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٥١]
السنة الثالثة من سلطنة الناصر حسن الأولى على مصر وهى سنة إحدى وخمسين وسبعمائة.
стр. 3377
فيها توفّى الأمير سيف الدين دلنجى «١» بن عبد الله (ودلنجى هو المكدى باللّغة التركيّة) . كان أصله من الأتراك وقدم إلى الديار المصريّة سنة ثلاثين وسبعمائة، فأنعم عليه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بإمرة عشرة. ثمّ إمرة طبلخاناة.
ثمّ ولى نيابة غزّة بعد الأمير تلجك، فأوقع بالمفسدين ببلاد غزّة وأبادهم، وقويت حرمته. وكان شجاعا مهابا
وتوفّى الشيخ الإمام العلّامة شمس الدين محمد بن أبى بكر بن أيوب الزّرعىّ الدّمشقىّ الحنبلى، المعروف بابن قيّم الجوزيّة بدمشق، فى ثالث عشر شهر رجب.
ومولده سنة إحدى وتسعين وستّمائة. وكان بارعا فى عدّة علوم، ما بين تفسير وفقه وعربيّة ونحو وحديث وأصول وفروع، ولزم شيخ الإسلام تقىّ «٢» الدين بن تيميّة بعد عوده من القاهرة فى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، وأخذ منه علما كثيرا، حتّى صار أحد أفراد زمانه، وتصدّى للإقراء والإفتاء سنين، وانتفع به الناس قاطبة، وصنّف وألّف وكتب. وقد استوعبنا أحواله ومصنّفاته وبعض مشايخه فى ترجمته فى «المنهل الصافى» كما ذكرنا أمثاله.
وتوفّى الأمير حسام الدين لاچين بن عبد الله العلائىّ الناصرىّ. أصله من مماليك الناصر محمد. ثم صار أمير جاندار فى ولة الملك المظفّر حاجّىّ، فإنه كان روج أمّه. ثمّ ولى أمير آخور، فلمّا قتل الملك المظفر فى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، عزل وأخرج إلى حلب، على إقطاع الأمير حسام الدين محمود بن داود الشّيبانىّ، فدام بحلب إلى أن مات بها، وقيل بغيرها.
стр. 3378
وتوفّى الشيخ فخر الدين أبو عبد الله محمد بن علىّ بن إبراهيم بن عبد الكريم المصرى، الفقيه الشافعىّ بدمشق، فى سادس «١» عشرين ذى القعدة، ومولده سنة إحدى وتسعين وستّمائة. وكان فقيها عالما فاضلا بارعا فى فنون.
وتوفّى ابن قرمان صاحب جبال الروم بعد مرض طويل.
قلت: وبنو قرمان «٢» هؤلاء هم من ذريّة السلطان علاء الدين كيقباد السّلجوقىّ، وهم ملوك تلك البلاد إلى يومنا هذا، وقد تقدّم من ذكرهم جماعة كثيرة فى هذا الكتاب.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع ونصف، وقيل خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة دراعا. ونزل فى خامس توت وشرقت البلاد.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٥٢]
السنة الرابعة من سلطنة الملك الناصر حسن الأولى على مصر وهى سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، وهى التى خلع فيها السلطان حسن المذكور فى سابع وعشرين جمادى الآخرة، وحكم فى باقيها أخوه الملك الصالح صالح ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون.
فيها توفّى السيّد الشريف أدّى «٣» أمير المدينة النبويّة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فى السجن.
стр. 3379
وتوفّى الأمير سيف الدين طشبغا «١» بن عبد الله الناصرىّ الدّوادار. كان من جملة الأمراء فى الديار المصريّة، فلمّا أخرج الأمير جرجى الدوادار من القاهرة، فى أوّل دولة الملك الناصر حسن، استقرّ طشبغا هذا دوادارا عوضه، فى شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، واستمرّ على ذلك إلى أن توفّى. وكان خيّرا ديّنا فاضلا عاقلا.
وتوفّى قاضى القضاة الحنفيّة بحلب ناصر الدين محمد بن عمر بن عبد العزيز ابن محمد بن أبى الحسن «٢» بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله [بن أحمد «٣» ] بن يحيى بن أبى جرادة، المعروف بابن العديم الحلبى بحلب، عن ثلاث وستّين سنة.
وقد تقدّم ذكر جماعة من آبائه وأقاربه فى هذا الكتاب، وسيأتى ذكر جماعة أخر من أقاربه، كلّ واحد فى محلّه. إن شاء الله تعالى.
وتوفّى ملك الغرب أبو الحسن علىّ بن ابى سعيد عثمان بن يعقوب بن عبد الحقّ ابن محيو بن أبى بكر بن حمامة «٤» فى ليلة «٥» الثلاثاء السابع والعشرين من شهر ربيع الأوّل، وقام فى الملك من بعده ابنه أبو عنان فارس. وكانت مدّة ملكه إحدى وعشرين سنة.
стр. 3380
وتوفّى القاضى شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الرحيم بن عبد الله بن محمد ابن محمد بن خالد بن محمد بن نصر المعروف بابن القيسرانىّ، موقّع الدّست وصاحب المدرسة «١» بسويقة الصاحب داخل القاهرة وبها دفن، وكان معدودا من الرؤساء الأماثل.
стр. 3381
وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدىّ، أحد أمراء الطبلخاناة بالديار المصرية، وهو مجرّد ببلاد الصعيد، فحمل إلى القاهرة ميّتا فى يوم الأحد ثانى عشرين شهر رمضان.
وتوفّى الشيخ الإمام تاج الدين أبو الفضل «١» محمد بن إبراهيم بن يوسف المرّاكشىّ الأصل الشافعىّ بدمشق فى جمادى الآخرة. وكان فقيها فاضلا بارعا معدودا من فقهاء الشافعية.
وتوفّى القاضى علاء الدين علىّ بن محمد بن مقاتل الحرّانىّ ثم الدّمشقىّ ناظر دمشق بالقدس الشريف، فى عاشر شهر رمضان.
قلت: لعلّ علاء الدين هذا غير الأديب علاء الدين بن مقاتل الزّجّال الحموىّ.
لأنى أحفظ وفاة هاذاك، فى سنة إحدى وستين وسبعمائة، وهكذا أرّخناه فى «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» .
أمر النيل فى هذه السنة. المآن القديم ستّ أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبع واحدة. والله أعلم.
стр. 3382
ذكر سلطنة الملك الصالح صالح ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون
هو العشرون من ملوك التّرك بديار مصر، والثامن من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون. وأمّه خوند قطلو ملك بنت الأمير تنكز الناصرىّ نائب الشام، تسلطن بعد خلع أخيه الملك الناصر حسن فى يوم الاثنين ثامن «١» عشرين جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، باتفاق الأمراء على ذلك، وأمره أنّ الأمراء لما حملت لهم نمجاة الملك، وأخبروا بأن الناصر حسنا خلع نفسه، وهم وقوف بقبّة النصر خارج القاهرة، توجّهوا الى بيوتهم، وباتوا تلك الليلة وهى ليلة الاثنين بإسطبلاتهم، وأصبحوا بكرة يوم الاثنين طلعوا إلى القلعة، واجتمعوا بالرّحبة داخل باب النحاس «٢» ، وطلبوا الخليفة والقضاة وسائر الأمراء وأرباب الدولة، واستدعوا بالصالح هذا من الدور السلطانية؛ فأخرج لهم فقاموا له وأجلسوه وبايعوه بالسلطنة، وألبسوه شعار الملك وأبّهة السلطنة، وأركبوه فرس النّوبة من داخل باب السّتارة، ورفعت الغاشية بين يديه ومشت الأمراء والأعيان بين يديه والأمير طاز والأمير منكلى بغا آخذان بشكيمة فرسه، وسار على ذلك حتى نزل وجلس على تخت الملك بالقصر، وقبّلت الأمراء الأرض بين يديه، وحلفوا له [وحلّفوه «٣» ] على العادة، ولقّبوه بالملك الصالح، ونودى بسلطنته بمصر
стр. 3383
والقاهرة ودقّت الكوسات وزيّنت القاهرة وسائر بيوت الأمراء. وقبل سلطنته كان النيل نقص عند ما كسر عليه، فردّ نقصه ونودى عليه بزيادة ثلاث أصابع من سبع عشرة ذراعا، فتباشر الناس بسلطنته.
ثم توجّه الأمير بزلار أمير سلاح إلى الشام، ومعه التشاريف والبشارة بولاية السلطان الملك الصالح، وتحليف العساكر الشامية له على العادة. ثم طلب الأمير طاز والأمير مغلطاى مفاتيح الذخيرة ليعتبرا «١» ما فيها فوجدا شيئا يسيرا. ثم رسم للصاحب علم الدين عبد الله بن زنبور، بتجهيز تشاريف الأمراء وأرباب الوظائف على العادة، فجهّزها فى أسرع وقت، ووقف الأمير طاز سأل السلطان والأمراء الإفراج عن الأمير شيخون العمرى، فرسم بذلك، وكتب كلّ من مغلطاى وطاز كتابا، وبعث مغلطاى أخاه قطليجا «٢» رأس نوبة، وبعث طاز الأمير طقطاى صهره، وجهزت له الحرّاقة «٣» لإحضاره من الإسكندرية فى يوم الثلاثاء تاسع «٤» عشرين جمادى الآخرة من سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة المذكورة، وكان ذلك بغير اختيار الأمير مغلطاى، إلّا أنّ الأمير طاز دخل عليه وألحّ عليه فى ذلك، حتى وافقه على مجيئه، بعد أن قال «٥» له: أخشى على نفسى من مجىء شيخون إلى مصر، فحلف له طاز أيمانا مغلّظة أنه معه على كلّ ما يريد، ولا يصيبه من شيخون ما يكره، وأنّ شيخون إذا حضر لا يعارضه فى شىء من أمر المملكة، وإنى ضامن له فى هذا، وما زال به حتى أذعن، وكتب له مع أخيه، فشقّ ذلك على الأمير منكلى بغا الفخرىّ، وعتب مغلطاى على موافقة طاز، وعرّفه أنّ بحضور شيخون إلى مصر يزول عنهم
стр. 3384
ما هم فيه، فتقرّر فى ذهن مغلطاى ذلك، وندم على ما كان منه، إلى أن كان يوم الخميس أوّل شهر رجب، وركب الأمراء فى الموكب على العادة، أخذ منكلى بغا يعرّف النائب والأمراء بإنكار «١» ما دار بينه وبين مغلطاى، وحذّرهم من حضور شيخون إلى أن وافقوه، وطلعوا إلى القلعة ودخلوا إلى الخدمة، فابتدأ النائب بحضور «٢» شيخون وقال: إنه رجل كبير ويحتاج إلى إقطاع كبير وكلف كثيرة، فتكلّم مغلطاى ومنكلى بغا والأمراء وطاز ساكت، قد اختبط لتغيّر مغلطاى ورجوعه على ما وافقه عليه، وأخذ طاز يتلطّف بهم، فصمّم مغلطاى على ما هو عليه وقال: مالى وجه أنظر به شيخون، وقد أخذت منصبه ووظيفته وسكنت فى بيته، فوافقه النائب، وقال لناظر الجيش: اكتب له مثالا «٣» بنيابة حماة، فكتب ناظر الجيش ذلك فى الوقت، وتوجه به أيدمر الدوادار فى الحال فى حرّاقة، وعيّن لسفر شيخون عشرون هجينا ليركبها ويسير عليها إلى حماة.
وانفضّوا وفى نفس طاز ما لا يعبّر عنه من القهر، ونزل واتّفق هو والأمير صرغتمش وملكتمر وجماعة، واتفقوا جميعا، وبعثوا إلى مغلطاى، بأنّ منكلى بغا رجل فتنىّ، وما دام بيننا لا نتّفق أبدا، فلم يصغ مغلطاى إلى قولهم، واحتجّ بأنه إن وافقهم لا يأمن على نفسه، فدخل عليه طاز ليلا بالأشرفية «٤» من قلعة الجبل، حيث هى مسكن مغلطاى وخادعه، حتى أجابه إلى إخراج منكلى بغا وتحالفا على ذلك؛ فما هو إلا أن خرج عنه طاز، أخذ دوادار مغلطاى يقبّح على مغلطاى
стр. 3385
ما صدر منه، ويهوّل عليه الأمر، بأنه متى ابعد منكلى بغا وحضر شيخون أخذ لا محالة، فمال إليه، وبلغ الخبر منكلى بغا بكرة يوم الجمعة ثانيه. فواعد النائب والأمراء على الاجتماع فى صلاة الجمعة، ليقع الاتفاق على ما يكون، فلم يخف عن طاز وصرغتمش رجوع مغلطاى عما تقرّر بينه وبين طاز ليلا، فاستعدّا للحرب، وواعدا الأمير ملكتمر «١» المحمدىّ، والأمير قردم «٢» الحموىّ، ومن يهوى هواهم، واستمالوا مماليك بيبغا أرس ومماليك منجك حتى صاروا معهم رجاء لخلاص أستاذيهم، وشدّ الجميع خيولهم، فلمّا دخل الأمراء لصلاة الجمعة، اجتمع منكلى بغا بالنائب وجماعته، وقرّر معهم أن يطلبوا طاز وصرغتمش الى عندهم فى دار النيابة، ويقبضوا عليهما، فلمّا أتاهما الرسول من النائب يطلبهما، أحسّا بالشرّ وقاما ليتهيأ للحضور، وصرفا الرسول على أنهما يكونان فى أثره، وبادرا الى باب الدوّر ونحوه من الأبواب فأغلقاها، واستدعوا من معهم من المماليك السلطانية وغيرها، ولبسوا السلاح، ونزل صرغتمش بمن معه من باب السرّ، ليمنع من يخرج من اسطبلات الأمراء، ودخل طاز على السلطان الملك الصالح، حتى يركب به للحرب، فلقى الأمير صرغتمش فى نزوله الأمير أيدغدى أمير آخور، فلم يطق منعه، وأخذ بعض الخيول من الاسطبل وخرج منه، فوجد خيله وخيل من معه فى انتظارهم، فركبوا الى الطبلخاناه، فاذا طلب منكلى بغا مع ولده ومماليكه يريدون قبّة النصر، فألقوا ابن منكلى بغا عن فرسه، وجرحوه فى وجهه، وقتلوا حامل الصّنجق وشتّتوا شمل الجميع، فما استتم هذا، حتى ظهر طلب مغلطاى مع مماليكه، ولم يكن لهم علم بما وقع على طلب منكلى بغا، فصدمهم صرغتمش أيضا بمن معه صدمة بدّدتهم،
стр. 3386
وجرح جماعة منهم وهزم بقيّتهم. ثم عاد صرغتمش ليدرك الأمراء قبل نزولهم من القلعة، وكانت خيولهم واقفة على باب السّلسلة تنتظرهم، فمال عليها صرغتمش ليأخذها، وامتدّت أيدى أصحابه إليها وقتلوا الغلمان، فعظم الصّياح وانعقد الغبار، واذا بالنائب ومنكلى بغا ومغلطاى وبيغرا ومن معهم قد نزلوا وركبوا خيولهم، وكانوا لمّا أبطأ عليهم حضور طاز وصرغتمش بعثوا فى استحثاثهم، فاذا الأبواب مغلقة، والضجّة داخل باب القلعة، فقاموا من دار النيابة يريدون الركوب فلمّا توسّطوا بالقلعة حتى سمعوا ضجّة الغلمان وصياحهم، فأسرعوا إليهم وركبوا، فشهر مغلطاى سيفه وهجم بمن معه على صرغتمش، ومرّ النائب وبيغرا ورسلان بصل، يريد كلّ منهم إسطبله، فلم يكن غير ساعة حتى انكسر مغلطاى من صرغتمش كسرة قبيحة، وجرح كثير من أصحابه، وفرّ الى جهة قبّة النصر وهم فى أثره، وانهزم منكلى بغا أيضا.
وكان طاز لمّا دخل على السلطان عرّفه، أن النائب والأمراء اتّفقوا على إعادة الملك الناصر حسن الى السلطنة، فمال السلطان الملك الصالح الى كلامه، فقام معه فى مماليكه، ونزل الى الإسطبل واستدعى بالخيول ليركب، فقعد «١» به أيدغدى أمير آخور واحتجّ بقلّة «٢» السّروج، فانه كان من حزب مغلطاى، فأخذوا المماليك ما وجدوه من الخيول وركبوا بالسلطان، ودقت الكوسات فاجتمع إليه الأمراء والمماليك والأجناد من كلّ جهة، حتى عظم جمعه، فلم تغرب الشمس إلا والمدينة قد أغلقت، وامتلأت الرّميلة بالعامة، وسار طاز بالسلطان يريد قبّة النصر، حتى يعرف خبر صرغتمش، فوافى قبّة النصر بعد المغرب، فوجد صرغتمش
стр. 3387
قد تمادى فى طلب مغلطاى ومنكلى بغا حتى أظلم الليل، فلم يشعر إلا بمملوك النائب قد أتاه برسالة النائب أن مغلطاى عنده فى بيت «١» آل ملك بالحسينيّة، فبعث صرغتمش جماعة لأخذه، ومرّ فى طلب منكلى بغا، فلقيه الأمير محمد بن بكتمر «٢» الحاجب وعرّفه أن منكلى بغا نزل قريبا من قناطر «٣» الأميرية، ووقف يصلّى، وأنّ طلب الأمير مجد الدين موسى بن الهذبانىّ، قد جاء من جهة كوم الرّيش «٤» ، ولحقه الأمير أرغون ألبكى فى جماعة، فقبض عليه وهو قائم يصلّى، وكتّفوه بعمامته، وأركبوه بعد ما نكلّوا به، فلم يكن غير قليل حتى أتوا بهما فقيّدا وحبسا بخزانة شمائل، ثم أخرجا إلى الإسكندرية، ومعهما ابنا منكلى بغا فسجنوا بها.
وأمّا صرغتمش فإنه لمّا فرغ من أمر مغلطاى ومنكلى بغا وقبض عليهما، أقبل على السلطان بمن معه بقبة النصر، وعرّفه بمسك الأميرين، فسرّ السلطان سرورا كبيرا، ونزل هو والأمراء وباتوا بقبّة النصر، وركب السلطان بكرة يوم السبت ثالث شهر رجب إلى قلعة الجبل، وجلس بالإيوان وهنّئوه بالسلامة والظفر، وفى الحال كتب بإحضار الأمير شيخون، وخرج جماعة من الأمراء بمماليكهم «٥» إلى لقائه، ونزلت البشائر إلى بيت شيخون، وبيت بيبغا أرس وبيت منجك اليوسفىّ الوزير، فكان يوما عظيما، وبات الأمراء تلك الليلة على تخوّف.
وأمّا شيخون لمّا ورد عليه الرسول بإطلاقه أوّلا، خرج من الإسكندريّة وهو ضعيف، وركب الحرّاقة، وفرح أهل الإسكندرية لخلاصه، وسافر فوافاه كتاب
стр. 3388
الأمير صرغتمش بأنه إذا أتاك أيدمر بنيابة حماة، لا ترجع وأقبل إلى القاهرة فأنا وطاز معك؛ فلمّا قرأ شيخون الكتاب تغير وجهه، وعلم أنه قد حدث فى أمره شىء، فلم يكن غير ساعة «١» ، حتى لاحت له حرّاقة أيدمر، فمرّ شيخون وهو مقلع وأيدمر منحدر إلى أن تجاوزه، وأيدمر يصيح ويشير بمنديله إليه فلا يلتفتون إليه، فأمر أيدمر بأن تجهّز مركبه بالقلع، وترجع خلف شيخون، فما تجهّز قلع مركب أيدمر حتى قطع شيخون بلادا كثيرة، وصارت حرّاقته تسير وأيدمر فى أثرهم فلم يدركوه إلا بكرة يوم السبت، فعند ما طلع إليه أيدمر وعرّفه ما رسم به، من عوده إلى حماة، وقرأ المرسوم الذي على يد أيدمر برجوعه إلى نيابة حماة، وإذا بالخيل يتبع بعضها بعضا، والمراكب قد ملأت وجه الماء تبادر لبشارته وإعلامه بما وقع من الركوب ومسك مغلطاى ومنكلى بغا، فسرّ شيخون بذلك سرورا عظيما «٢» ، وسار إلى أن أرسى بساحل «٣» بولاق فى يوم الأحد رابع شهر رجب، بعد أن مشت له الناس إلى منية الشيرج، فلما رأوه صاحوا ودعوا له وتلقّته المراكب، وخرج الناس إلى الفرجة عليه، حتى بلغ كراء المركب إلى مائة درهم، وما وصلت الحرّاقة إلا وحولها فوق ألف مركب، وركبت الأمراء إلى لقائة وزيّنت الصليبة وأشعلت الشموع، وخرجت مشايخ الصوفية بصوفيّتهم إلى لقائه، فسار فى موكب لم ير مثله لأمير قبله، وسار حتى طلع القلعة وقبّل الأرض بين يدى السلطان الملك الصالح، فأقبل عليه السلطان وخلع»
عليه تشريفا جليلا، وقلع عنه ثياب السجن، وهى
стр. 3389
ملّوطة «١» طرح محرّر. ثم نزل إلى منزله والتهانى تتلقاه. ودام الأمر على ذلك إلى يوم الأربعاء سابع شهر رجب رسم، بإخراج الأمير بيبغا أرس حارس طير نائب السلطنة بالديار المصرية فالأمير بيغرا، فنزل الحاجب إلى بيت آل ملك بالحسينية وبه كان سكن بيبغا المذكور، وأخرج منه ليسير من مصر إلى نيابة غزّة، وأخرج
стр. 3390
بيغرا من الحمّام إخراجا عنيفا ليتوجّه إلى حلب، فركبا من فورهما وسارا. ثم رسم بإخراج الأمير أيدغدى الأمير آخور إلى طرابلس بطّالا، وكتب بالإفراج عن المسجونين بالإسكندرية والكرك.
وفى يوم السبت عاشره ركب السلطان والأمراء إلى الميدان على العادة، ولعب فيه بالكرة، فكان يوما مشهودا.
ووقف الناس للسلطان، فى الفار الضامن، ورفعوا فيه مائة قصّة فقبض عليه، وضربه الوزير بالمقارع ضربا مبرّحا وصادره، وأخذ منه مالا كثيرا.
وفيه قبض على الأمير بيبغا «١» ططر المعروف بحارس طير نائب السلطنة المتوجّه إلى نيابة غزّة فى طريقه، وسجن بالإسكندرية.
وفى يوم الأحد حادى عشره وصل الأمراء من سجن الإسكندرية وهم سبعة نفر: منجك اليوسفىّ الوزير وفاضل أخو بيبغا أرس وأحمد الساقى نائب صفد وعمر شاه الحاجب وأمير حسين التّترىّ وولده، والأمير محمد بن بكتمر الحاجب. فركب الأمراء ومقدّمهم الأمير طاز، ومعه الخيول المجهّزة لركوبهم، حتى لقيهم وطلع بهم إلى القلعة، فقبّلوا الأرض وخلع السلطان عليهم، ونزلوا إلى بيوتهم فامتلأت الزاهرة بالأفراح والتهانى، ونزل الأمير شيخون والأمير طاز والأمير صرغمتش إلى الطبلاتهم، وبعثوا إلى الأمراء القادمين من السّجن التقادم السّنية من الخيول والتّعابى القماش والبسط وغيرها، فكان الذي بعثه شيخون لمنجك خمسة أفراس ومبلغ ألفى دينار، وقس على هذا.
ثمّ فى يوم الاثنين ثانى عشر شهر رجب خلع على الأمير قبلاى الحاجب واستقرّ فى نيابة السلطنة بالديار المصريّة، عوضا عن بيبغا ططر حارس طير.
стр. 3391
وفى يوم الخميس خامس عشر شهر رجب قدم الأمير بيبغا أرس من سجن الكرك، فركب الأمراء إلى لقائه، وطلع إلى السلطان وقبّل الأرض وخلع عليه ونزل إلى ببته، فلم يبق أحد من الأمراء حتّى قدّم له تقدمة تليق به.
ثم فى يوم الاثنين تاسع عشره خلع على الأمير بيبغا أرس واستقرّ فى نيابة حلب عوضا عن أرغون الكاملى واستقرّ أرغون الكاملى فى نيابة الشام، عوضا عن أيتمش الناصرىّ، وخلع على أحمد الساقى شادّ الشراب خاناه كان، بنيابة حماة عوضا عن طنيرق، ورسم لطنيرق أن يتوجّه إلى حلب أمير طبلخاناة بها. ثم رسم بأن يكون بطّالا بدمشق، وسافر بيبغا أرس وأحمد الساقى بعد أيام إلى محلّ «١» كفالتهما ثم سأل الأمير منجك الإعفاء عن أخذ الإمرة، وأن يقعد بطّالا بجامعه «٢» ، فأجيب إلى ذلك
стр. 3392
بسفارة الأمير شيخون، واستردّ أملاكه التى كان أنعم بها السلطان على المماليك والخدّام والجوارى، ورمّم ما تشعّث من صهريجه واستجدّ به خطبة. ثم خلع السلطان على عمر شاه واستقر حاجب الحجاب عوضا عن قبلاى المنتقل إلى نيابة السلطنة بديار مصر، وأنعم على طشتمر القاسمىّ بتقدمة ألف، واستقر حاجبا ثانيا وهى تقدمة بيغرا.
وفيها أخرج جماعة من الأمراء وفرّقوا بالبلاد الشامية، وهم: الأمير طينال الجاشنكير وآقجبا الحموىّ الحاجب وملكتمر السعدى «١» وقطلوبغا أخو مغلطاى وطشبغا الدوادار.
وفى يوم السبت تاسع شعبان وصل الملك المجاهد «٢» صاحب اليمن من سجن الكرك، فخلع عليه من الغد ورسم له بالعود الى بلاده من جهة عيذاب «٣» ، وبعث إليه الأمراء بتقادم كثيرة وتوجّه الى بلاده. وكانت أمّه قد رجعت من مكة الى اليمن بعد مسكه وأقامت فى مملكة اليمن الصالح وكتبت الى تجّار الكارم توصّيهم بابنها المجاهد وأن يقرضوه ما يحتاج إليه، وختمت على أموالهم من صنف المتجر بعدن وتعزّ وزبيد «٤» ، فقدم قاصدها، بعد أن قبض على المجاهد ثانيا وسجن بالكرك، بعد أن كان رسم له الملك الناصر حسن بالتوجّه إلى بلاده، لأمر بدا منه فى حقّ السلطان فى الطريق، فكتب مسفّره يعرّف السلطان بذلك. انتهى.
ثم فى يوم الاثنين ثانى عشر شعبان، وصل إلى القاهرة الأمير أيتمش الناصرىّ المعزول عن نيابة الشام، فقبض عليه من الغد.
ثم قدم الشريف ثقبة صاحب مكّة فى مستهلّ شهر رمضان بعد ما قدم قوده وقود أخيه عجلان، فخلع السلطان عليه بإمرة مكّة بمفرده، واقترض من الأمير
стр. 3393
طاز ألف دينار، ومن الأمير شيخون عشرة آلاف درهم، واقترض من التجار مالا كثيرا، واشترى الخيل والمماليك والسلاح واستخدم عدّة أجناد، ورسم بسفر الأمير حسام الدين لاجين العلائىّ مملوك آقبغا الجاشنكير صحبته ليقلّده إمرة مكّة. ثم سافر الأمير طيبغا المجدىّ فى خامس شوّال بالحج والمحمل على العادة، وسار الجميع إلى مكّة، ولم يعلم أحد خبر المجاهد صاحب اليمن حتّى قدم مبشّرا الحاجّ فى مستهلّ المحرّم سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وأخبر بوصول الملك المجاهد إلى ممالك اليمن فى ثامن عشر ذى الحجة من السنة الماضية، وأنه استولى على ممالكه.
وفى شهر ربيع الأوّل من سنة ثلاث وخمسين، وسبعمائة شرع الأمير طاز فى عمارة قصره «١»
стр. 3394
وإصطبله، تجاه حمّام الفارقانىّ «١» بجوار المدرسة البندقدارية «٢» على الشارع. وأدخل فيه عدّة أملاك، وتولّى عمارته الأمير منجك، وحمل إليه الأمراء وغيرهم من
стр. 3395
الرّخام وآلات العمارة شيئا كثيرا، وشرع الأمير صرغتمش أيضا فى عمارة إسطبل «١» الأمير بدرجك، بجوار بئر «٢» الوطاويط قريبا من الجامع
стр. 3396
الطّولونى «١» وحمل إليه الناس أيضا شيئا كثيرا من آلات العمارة. ثم خلع السلطان على الأمير صرغتمش المذكور، واستقرّ رأس نوبة كبيرا، فى رتبة الأمير شيخون باختيار شيخون، وجعل إليه التصرّف فى أمور الدولة كلّها من الولاية والعزل والحكم، ما عدا مال الخاصّ، فإن الأمير شيخون يتحدّث فيه، فقصد الناس صرغتمش لفضاء أشغالهم، وكثرت مهابته، وعارض الأمراء فى جميع أفعالهم، وأراد ألا يعمل شىء إلّا من بابه وبإشارته، فإن تحدّث غيره غضب وأبطل ما تحدّث فيه وأخرق بصاحبه، فأجمع الأمراء باستبداد السلطان بالتصرّف، وأن يكون ما يرسم به على لسان الأمير صرغتمش رأس نوبة، فطال صرغتمش واستطال وعظم ترفّعه على الناس، فتنكّرت له الأمراء وكثرت الأراجيف بوقوع فتنة، وإعادة الملك الناصر حسن ومسك شيخون، وصاروا الأمراء على تحرّز واستعداد، فأخذ صرغتمش فى التبرؤ مما رمى به، وحلف للأمير شيخون وللأمير طاز، فلم يصدّقه طاز وهمّ به، فقام شيخون بينهما قياما كبيرا، حتى أصلح بينهما، وأشار على طاز بالركوب إلى عمارة صرغتمش فركب إليه وتصافيا.
стр. 3397
وفى هذه الأيام من سنة ثلاث وخمسين رتّب الأمير شيخون فى الجامع «١» الذي أنشأه العلامة أكمل الدين محمد الرومىّ الحنفىّ مدرّسا، وجعل خطيبه جمال الدين خليل بن عثمان الرومىّ الحنفىّ، وجعل به درسا للمالكيّة أيضا وولّى تدريسه نور الدين السّخاوىّ المالكىّ، وقرّر له ثلثمائة درهم كلّ شهر ورتّب به قرّاء ومؤذنين وغير ذلك من أرباب الوظائف، وقرّر لهم معاليم بلغت فى الشهر ثلاثة آلاف درهم.
قلت: ذلك قبل أن تبنى الخانقاه تجاه الجامع المذكور.
وفى عاشر جمادى الآخرة خلع السلطان على الأمير شيخون العمرىّ واستقرّ رأس نوبة كبيرا عوضا عن صرغتمش لأمر اقتضى ذلك، وعند لبس شيخون الخلعة قدم عليه الخبر بولادة بعض سراريه ولدا ذكرا، فسرّ به سرورا زائدا، فإنه لم يكن له ولد ذكر.
وفى هذه الأيام ادّعى رجل النبوّة، وأنّ معجزته أن ينكح امرأة فتلد من وقتها ولدا ذكرا يخبر بصحّة نبوّته، فقال بعض من حضر: إنك لبئس النّبيّ، فقال:
стр. 3398
لكونكم بئس الأمة، فضحك الناس من قوله، فحبس وكشف عن أمره، فوجدوا له نحو اثنى عشر يوما من حين خرج من عند المجانين.
وفى يوم الأربعاء عاشر شهر رجب قدم كتاب الأمير أرغون الكاملىّ نائب الشام يتضمن أنه قبض على قاصد الأمير منجك الوزير بكتابه إلى أخيه ببيغا أرس نائب حلب يحسّن، له الحركة والعصيان، وأرسل الكتاب وإذا فيه أنه اتفق مع سائر الأمراء، وما بقى إلا أن يركب ويتحرّك، فاقتضى الرأى التأنّى حتى يحضر الأمراء والنائب إلى الخدمة من الغد ويقرأ الكتاب عليهم ليدبّروا الأمر على ما يقع عليه الاتفاق، فلمّا طلع الجماعة من الغد، إلى الخدمة لم يحضر منجك، فطلب فلم يوجد، وذكر حواشيه أنهم من عشاء الآخرة لم يعرفوا «١» خبره، فركب الأمير صرغتمش فى عدّة من الأمراء وكبس بيوت جماعته فلم يقع له على خبر، وتفقدوا مماليكه ففقد منهم اثنان، فنودى عليه من القاهرة، وهدّد من أخفاه وأخرج عيسى ابن حسن الهجان فى جماعة من عرب العائذ على النّجب لأخذ الطرقات عليه، وكتب إلى العربان ونوّاب الشام وولاة الأعمال على أجنحة الطيور بتحصيله فلم يقدروا عليه، وكبست بيوت كثيرة.
ثمّ فى يوم الأربعاء رابع عشرين شهر رجب قدم الخبر بعصيان الأمير أحمد الساقى نائب حماة وبعصيان الأمير بكلمش نائب طرابلس.
وفى يوم السبت سابع عشرينه، كتب بإحضار الأمير بيبغا أرس نائب حلب الى الديار المصرية، وكتب ملطّفات لأمراء حلب تتضمّن أنّه: إن امتنع من الحضور فهو معزول، ورسم لحامل الكتاب أن يعلم بيبغا أرس بذلك مشافهة بحضرة أمراء حلب.
стр. 3399
فقدم البريد من الشام بموافقة ابن دلغادر الى بيبغا أرس وأنّه تسلطن بحلب، وتلقّب بالملك العادل وأنه يريد مصر لأخذ غرمائه، وهم طاز وشيخون وصرغتمش وبزلار وأرغون الكاملىّ نائب الشام، فلمّا بلغ ذلك السلطان والأمراء رسم للنائب بعرض أجناد الحلقة، وتعيين مضافيهم من عبرة أربعمائة دينار الإقطاع فما فوقها ليسافروا.
ثم قدم البريد بأنّ قراجا بن دلغادر، قدم حلب فى جمع كبير من التّركمان، فركب بيبغا أرس وتلقّاه، وقد واعد نائب حماة وطرابلس على مسيره أوّل شعبان الى نحو الديار المصرية، وأنهم يلقوه على الرّستن «١» ، فأمر السلطان الأمير طقطاى الدّوادار بالخروج الى الشام على البريد وعلى يده ملطّفات لجميع أمراء حلب وحماة وطرابلس، فسار طقطاى حتّى وصل دمشق وبعث بالملطّفات الى أصحابها، فوجد أمر بيبغا أرس قد قوى، ووافقه النوّاب والعساكر وابن دلغارر بتركمانه، وحيّار «٢» بن مهنّا بعربانه، فكتب نائب الشام بأن سفر السلطان لا بد منه، وإلا خرج عنكم الشام جميعه، فاتّفق رأى أمراء مصر على ذلك، وطلب الوزير ورسم له بتهيئة بيوت السلطان، وتجهيز الإقامات فى المنازل، فذكر أنّه ما عنده مال لذلك، فرسم له بقرض ما يحتاج إليه من التجّار، فطلب تجّار الكارم وباعهم غلالا من الأهراء بالسعر الحاضر، وعدّة أصناف أخر، وكتب لمغلطاى بالإسكندريّة، وأخذ منه أربعمائة
стр. 3400
ألف درهم، وأخذ من النائب مائة ألف درهم قرضا، ومن الأمير بلبان الأستادار مائة ألف درهم، فلم يمض أسبوع حتّى جهّز الوزير جميع ما يحتاج إليه السلطان.
وخرج الأمير طاز فى يوم الخميس ثالث شعبان، ومعه الأمير بزلار والأمير كلتا والأمير فارس الدين ألبكى. ثم خرج الأمير طيبغا المجدىّ وابن أرغون النائب وكلاهما مقدّم ألف فى يوم السبت خامس شعبان وخرج الأمير شيخون العمرى فى يوم الأحد سادسه بتجمّل عظيم، فبينما الناس فى التفرّج على طلبه إذ قيل قبض على منجك اليوسفى، وهو «١» أن الأمير طاز لمّا رحل ووصل الى بلبيس قيل له: إنّ بعض أصحاب منجك صحبة شاورشى مملوك قوصون، فطلبهما الأمير طاز وفحص عن أمرهما فرابه أمرهما، فأمر بالرجل ففتّش فإذا معه كتاب منجك لأخيه بيبغا أرس، يتضمّن أنه قد فعل كلّ ما يختاره، وجهّز أمره مع الأمراء كلّهم، وأنه أخفى نفسه وأقام عند شاورشى أيّاما ثم خرج من عنده الى بيت الحسام الصّقرى أستاداره وهو مقيم حتّى يعرف خبره، وهو يستحثه على الخروج من حلب، فبعث به طاز الى الأمير شيخون، فوافى الاطلاب خارجة، فطلب شيخون الحسام الصّقرى وسأله فأنكر، فأخذه الأمير صرغتمش وعاقبه. ثمّ ركب الى بيته بجوار الجامع الأزهر وهجمه فاذا منجك ومملوكه، فأخذه صرغتمش وأركبه مكتوف اليدين الى القلعة، فسيّر من وقته الى الاسكندرية فحبس بها.
ثمّ ركب السلطان الملك الصالح من قلعة الجبل فى يوم الاثنين سابع شعبان فى بقية الأمراء والخاصكية ونزل الى الرّيدانية «٢» خارج القاهرة وخلع على الأمير قبلاى نائب الغيبنة باستقراره نائب الغيبة ورتّب أمير على الماردينى أن يقيم
следующие страницы →