← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

وفي هذه السنة تزايد الغلاء بالبلاد الشامية، حتى جاوز الحدّ وجعل الغنى فقيرا، وأبيع فيه الرطل الخبز بدرهمين، وفي هذا المعنى يقول بدر الدين بن حبيب: [الخفيف] لا تقيمن بى على حلب الشّه ... باء وارحل فأخضر العيش أدهم كيف لى بالمقام والخبز فيها ... كلّ رطل بدرهمين ودرهم وفي سنة ثمان وسبعين عزل السلطان الملك الأشرف آقتمر الصاحبىّ الحنبلىّ عن نيابة السلطنة بالديار المصرية واستقرّ به أتابك العساكر وعزل الأمير آقتمر عبد الغنىّ عن نيابة صفد واستقرّ به أمير «١» مائة ومقدّم ألف بالقاهرة.

стр. 3537

ثم في العشرين من شهر ربيع الآخر غرقت الحسينية «١» خارج القاهرة وخرب فيها أزيد من ألف بيت، وكان سبب هذا الغرق أنّ أحمد بن قايماز أستادار محمد ابن آقبغا آص استأجر مكانا خارج القاهرة بالقرب من آخر الحسينية وجعله بركة وفتح له مجرى «٢» من الخليج فتزايد الماء وغفلوا عنه فطفح على الحسينية فغرّقها فقبض السلطان بعد ذلك بمدّة على محمد بن آقبغا آص وصادره وعزله عن الأستادارية؛ هذا والسلطان في تأهّب سفر الحجاز. فلما كان يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان «٣» سفّر السلطان إخوته وأولاد أعمامه إلى الكرك صحبة الأمير سودون الفخرى الشيخونى ليقيم عندهم بالكرك مدّة غيبة السلطان في الحجاز، كلّ ذلك والسلطان متضعّف وحركة الحجاز عمّالة وحواشيه وخواصّه ينهونه عن السفر في هذه السنة وهو لا يلتفت إلى كلامهم. ثم توجه السلطان الى سرياقوس «٤» على عادته في كل سنة وعاد وقد نصل عن ضعفه إلى يوم السبت الثانى عشر من شوّال خرجت أطلاب «٥» الأمراء المتوجّهين صحبة السلطان إلى الحجاز. وفي الأحد ثالث عشر خرج السلطان بتجمّل زائد وطلب عظيم إلى الغاية جرّ فيه عشرون قطارا من الهجن الخاص بقماش ذهب وخمسة عشر قطارا بقماش حرير وقطار واحد بلبس خليفتىّ وقطار آخر بلبس أبيض برسم الإحرام ومائة فرس ملبسة

стр. 3538

وكجاوتان «١» بأغشية زركش وتسع محفّات، غشاء خمس منهن زركش وستة وأربعون زوجا من المحاير وخزانة عشرون جملا وقطاران من الجمال محمّلة خضر مزروعة كالبقل والشّمار والنّعناع والسلق والكسبرة وغير ذلك. وأما أحمال المطاعم والمشارب والمآكل فلا تدخل تحت حصر كثرة: منها ثلاثون ألف علبة حلاوة في كل علبة خمسة أرطال كلّها معمولة من السكر المكرر المصرىّ وطيّبت بمائة مثقال مسك، سوى الصّندل والعود؛ هذا خلاف ما كان للأمراء والخاصّكية وإنما كان هذا للسلطان خاصّة نفسه وأشياء من هذا النّموذج كثيرة ومع هذا كلّه لم يتغيّر سعر السكّر بمصر. وسار السلطان بأمرائه في أبّهة عظيمة حتى نزل سرياقوس فاقام بها يوما، وفي هذا اليوم أخلع السلطان على الشيخ ضياء الدين القرمى الحنفىّ باستقراره شيخ شيوخ المدرسة التي أنشأها بالصّوّة وقد أشرفت على الفراغ وجاءت من أحسن البناء. ثم رحل السلطان من سرياقوس حتى نزل بالبركة «٢» على عادة الحجّاج فأقام بها إلى يوم الثلاثاء ثانى عشرين شوّال ورحل بعساكره وأمرائه إلى جهة الحجاز وكان الذي صحبه من أمراء الألوف تسعة وهم: الأمير صرغتمش الأشرفى وأرغون شاه الأشرفى ويلبغا الشامىّ وهؤلاء الثلاثة أشرفيّة مماليكه والأمير بهادر الجمالىّ وصراى تمر المحمدىّ وطشتمر العلائى الدّوادار ومبارك الطازى وقطلقتمر العلائى الطويل وبشتك من عبد الكريم الأشرفىّ أيضا. ومن أمراء الطبلخانات خمسة وعشرون أميرا وهم: بورى الأحمدىّ وأيدمر الخطائىّ من صديق وعبد الله بن

стр. 3539

بكتمر الحاجب وبلوط الصرغتمشى وآروس المحمودى ويلبغا المحمدى ويلبغا الناصرىّ، على أنه كان أنعم عليه بتقدمة ألف، غير أنه أضيف إلى الطبلخانات كونه كان حاجبا ثانيا وأرغون العزّى الأفرم وطغيتمر الأشرفى ويلبغا المنجكىّ وكزل الأرغونى وقطلوبغا الشعبانىّ وأمير حاج بن مغلطاى وعلىّ بن منجك اليوسفى ومحمد ابن تنكزبغا وتمرباى الحسنى الأشرفىّ وأسندمر العثمانى وقرابغا الأحمدىّ وإينال اليوسفى وأحمد بن يلبغا العمرى وموسى بن دندار بن قرمان ومغلظاى البدرى وبكتمر العلمى وآخر. ومن العشرات خمسة عشر أميرا وهم: آقبغا بوز الشيخونى وأبو بكر بن سنقر الجمالى وأحمد بن محمد بن بيبرس الأحمدى وأسنبغا التّلكىّ وشيخون ومحمد بن بكتمر الشمسى و [محمد «١» بن] قطلوبغا المحمدى وخضر بن عمر ابن أحمد بن بكتمر الساقى وجوبان الطّيدمرى وألطنبغا من عبد الملك وقطلوبغا البزلارى وطوغان العمرى الظهيرى وتلكتمر العيسوىّ ومحمد بن سنقر المحمدىّ. وعيّن الملك الأشرف جماعة من الأمراء ليقيموا بالديار المصرية، عيّن الأمير: أيدمر الشمسىّ نائب الغيبة بالقلعة وأميرين أخر تسكن بالقلعة أيضا وعيّن الأمير آقتمر عبد الغنى نائب الغيبة وأن يسكن بالقاهرة للحكم بين الناس وعيّن أيضا للاقامة بالديار المصرية من الأكابر: الأمير طشتمر اللّفّاف وقرطاى الطازى وأسندمر الصرغتمشى وأينبك البدرى. وسافر السلطان وهو متوعّك في بدنه، بعد أن أشار عليه جماعة من الصّلحاء والأعيان بتأخير الحج في هذه السنة فأبى إلا السفر لأمر يريده الله تعالى، وأمر السلطان لنائب الغيبة وغيره أن يطلعوا القلعة في كل يوم موكب ويدخلوا إلى باب «٢»

стр. 3540

السّتارة ويخرج الأسياد أولاد السلطان الملك الأشرف ساعة ثم يعود كلّ واحد إلى محلّه فامتثلوا ذلك، فكانوا لما يطلعون إلى القلعة ويخرج عليهم الأسياد وأكبرهم أمير علىّ يقوم الأمراء ويبوسون أيديهم ويقعدون ساعة لطيفة فيقوم أمير علىّ ويشير بيده أمرا باسم الله فيقوم الأمراء وينصرفون بعد أن يسقون مشروبا ووقع ذلك في غيبة السلطان مدّة يسيرة. فلما كان يوم السبت ثالث ذى القعدة اتفق طشتمر اللفّاف وقرطاى الطازى وأسندمر الصرغتمشى وأينبك البدرى وجماعة من المماليك السلطانية وجماعة من مماليك الأسياد أولاد السلطان الملك الأشرف وجماعة من مماليك الأمراء المسافرين صحبة السلطان الملك الأشرف ولبسوا السلاح واتفق معهم من بالأطباق من المماليك السلطانية وهجموا الجميع القلعة وقصدوا باب السّتارة فغلق سابق الدين مثقال الزّمام باب الساعات ووقف داخل الباب ومعه الأمير جلبان اللّالا، لالا أولاد السلطان وآقبغا جركس اللّالا أيضا، فدقّت المماليك الباب وقالوا: أعطونا سيّدى أمير علىّ، فقال لهم اللّالا: من هو كبيركم حتى نسلم لهم سيّدى عليّا! وأبى أن يسلمهم سيدى عليّا، وكثر الكلام بينهم ومتقال الزّمام يصمّم على منع أمير علىّ فقالوا له: السلطان الملك الأشرف مات: ونريد أن نسلطن ولده أمير علىّ، فلم يلتفت مثقال الى كلامهم، فلما علموا المماليك ذلك، طلعوا جميعا وكسروا شبّاك الزّمام المطلّ على باب الساعات، ودخلوا منه ونهبوا بيت الزمام وقماشه، ثم نزلوا إلى رحبة باب السّتارة ومسكوا مثقالا الزّمام وجلبان اللّالا وفتحوا الباب، فدخلت بقيّتهم وقالوا: أخرجوا أمير علىّ، حتى نسلطنه فانّ أباه توفّى إلى رحمة الله تعالى، فدخل الزمام على رغم أنفه وأخرج لهم أمير علىّ فأقعد في باب الستارة، ثم أحضر الأمير أيدمر الشمسى فبوّسوه الأرض لأمير علىّ، ثم أركبوا أمير علىّ على بعض خيولهم

стр. 3541

وتوجّهوا به إلى الإيوان الكبير وأرسلوا خلف الأمراء الذين بالقاهرة، فركبوا إلى سوق الخيل وأبوا أن يطلعوا إلى القلعة فأنزلوا أمير علىّ إلى الإسطبل السلطان، حتى رأوه الأمراء فلما رأوه طلعوا وقبّلوا له الأرض وحلفوا له، غير أنّ الأمير طشتمر الصالحى وبلاط السّيفى ألجاى «١» الكبير وحطط رأس نوبة النّوب لم يوافقوا ولا طلعوا، فنزلوا اليهم المماليك ومسكوهم وحبسوهم بالقصر وعقدوا لأمير علىّ بالسلطنة ولقّبوه با «لملك المنصور» على ما يأتى ذكره فى محله، ونسوق الواقعة على جليّتها. ثم نادوا بالديار المصرية بالأمان والبيع والشراء، بعد أن أخذوا خطوط سائر الأمراء المقيمين بمصر فأقاموا ذلك النهار وأصبحوا يوم الأحد رابع ذى القعدة من سنة ثمان وسبعين وسبعمائة وهم لابسون آلة الحرب واقفون بسوق الخيل يتكلمون في إتمام أمرهم، وبينما هم في ذلك جاءهم الخبر أنّ شخصا يسمّى قازان اليرقشىّ كان مسافرا صحبة السلطان الملك الأشرف إلى الحجاز الشريف وجدوه متنكّرا فمسكوه وأتوا به إلى الأمراء فسألوه عن خبر قدومه وعن أخبار السلطان، فأبى أن يخبرهم بشيء وأنكر أنه لم يتوجّه إلى الحجاز، فأوهموه بالتوسيط فأقرّ وأعلمهم الخبر بقدوم السلطان الملك الأشرف شعبان وكسرته من مماليكه بالعقبة فقالوا له: وما سبب هزيمة السلطان من عقبة أيلا «٢» ؟ قال: لما نزل السلطان الملك الأشرف بمن معه من أمرائه وعساكره إلى العقبة وأقام بها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء سلخ

стр. 3542

شوّال فطلب المماليك السلطانية العليق، فقيل لهم اصبروا إلى منزلة الأزلم «١» : فغضبوا وامتنعوا من أكل السّماط عصر يوم الأربعاء واتفقوا على الركوب، فلما كانت ليلة الخميس المذكورة ركبوا على السلطان ورءوسهم الأمير طشتمر العلائىّ ومبارك الطازىّ وصراى تمر المحمدىّ وقطلقتمر العلائىّ الطويل وسائر مماليك الأسياد وأكثر المماليك السلطانية، فلما بلغ السلطان أمرهم ركب بأمرائه وخاصّكيته وتواقعوا فانكسر السلطان وهرب هو ومن كان معه من الأمراء وهم: صرغتمش الأشرفىّ وأرغون شاه الأشرفىّ وبيبغا الأشرفىّ وبشتك الأشرفىّ وأرغون كتك ويلبغا الناصرىّ وصار السلطان بهؤلاء إلى بركة عجرود «٢» ، فنزل بها وهو مقيم به،

стр. 3543

فقالوا له: كذبت قل لنا حقيقة أمره، فامتنع وحلف، فأرادوا توسيطه حقيقة، فقال: أطلقونى أنا أدلّكم عليهم، فأطلقوه فأخذهم وتوجّه بهم إلى قبّة النصر خارج القاهرة إلى محل كان الأشرف نزل فيه بجماعته فوجدوا بالمكان أرغون شاه وصرغتمش وبيبغا وبشتك وأرغون كتك وكان الذي توجّه مع قازان اليرقشىّ من القوم أسندمر الصرغتمشىّ وطولو الصرغتمشىّ ومعهما جماعة كبيرة من المماليك الذين ثاروا بالقاهرة، فقبضوا على الأمراء المذكورين وسألوهم عن الملك الأشرف، فقالوا: فارقنا وتوجّه هو ويلبغا الناصرىّ إلى القاهرة ليختفى بها، فقتلوا الأمراء المذكورين في الحال وحزوا رءوسهم وأتوا بها إلى سوق الخيل ففرح بذلك بقيّة الأمراء الذين هم أصل الفتنة وعلموا أنّ الأشرف قد زال ملكه. وأمّا الملك الأشرف فإنه لما وصل إلى قبّة النصر توجّه منها نحو القاهرة ومعه يلبغا الناصرىّ واختفى عند أستادار يلبغا الناصرىّ، فلم يأمن على نفسه فتوجّه تلك الليلة من عند أستادار يلبغا الناصرىّ الى بيت آمنة زوجة المشتولىّ «١» فاختفى عندها، فقلق عند ذلك الأمراء الذين أثاروا الفتنة وخافوا عاقبة ظهور الأشرف وهم: قرطاى الطازىّ وطشتمر اللفّاف وأسندمر الصرغتمشىّ وقطلوبغا البدرىّ وألطنبغا السلطانىّ وبلاط الصغير ودمراش اليوسفىّ وأينبك البدرىّ ويلبغا النظامىّ وطولو الصرغتمشىّ وهؤلاء الأمراء، وأمّا الأجناد فكثير فاشتد قلقهم. وبينماهم في ذلك في آخر نهار الأحد يوم قتلوا الأمراء المذكورين بقبّة النصر، وقبل أن يمضى النهار جاءت امرأة إلى الأمراء وذكرت لهم أنّ السلطان مختف عند آمنة

стр. 3544

زوجة المشتولىّ في الجودرية «١» ، فقام ألطنبغا من فوره ومعه جماعة وكبسوا بيت آمنة المذكورة فهرب السلطان واختفى في بادهنج «٢» البيت فطلعوا فوجدوه في البادهنج وعليه قماش النساء، فمسكوه وألبسوه عدّة الحرب وأحضروه الى قلعة الجبل فتسلّمه الأمير أينبك البدرىّ وخلا به وأخذ يقرّره على الذخائر فأخبره الملك الأشرف بها وقيل. إنّ أينبك المذكور ضربه تحت رجليه عدّة عصىّ. ثم أصبحوا في يوم الاثنين خنقوه وتولّى خنقه جاركس شادّ عمائر ألجاى اليوسفىّ فأعطى جاركس المذكور إمرة عشرة واستقرّ شادّ عمائر السلطان. ثم بعد خنق الملك الأشرف لم يدفنوه، بل أخذوه ووضعوه في قفّة وخيّطوا عليها ورموه في بئر، فأقام بها أياما إلى أن ظهرت رائحته، فاطّلع عليه بعض خدّامه من الطواشيّة، ثم أخرجوه ودفنوه عند كيمان «٣» السيدة نفيسة وذلك الخادم يتبعهم من بعد حتى عرف المكان، فلما دخل الليل أخذ جماعة من إخوته وخدمه ونقلوه فى تلك الليلة من موضع دفنوه المماليك ودفنوه بتربة والدته خوند بركة بمدرستها التى بخطّ التّبّانة في قبّة وحده، بعد أن غسّلوه وكفّنوه وصلّوا عليه وقيل: غير ذلك وهو أنهم لمّا وجدوه في البيت المذكور وعليه قماش النّسوة أركبوه على هيئة بازار خلف مملوك ومشوا خلفه وطلعوا به من على قنطرة باب «٤» الخلق وطلعوا به على

стр. 3545

معديّة «١» فريج وطلعوا به من على الصّليبة وقت الظهر، وكان من رآه

стр. 3546

ظنه «١» أميرا من الأمراء وفعلوا ذلك خوفا من العامّة فإنهم لو علموا أنه السلطان خلّصوه منهم ولو ذهبت أرواحهم الجميع لمحبة الرعية في الأشرف المذكور. ثم دخلوا بالأشرف إلى إسطبل بالقرب من الصليبة «٢» ، مخافة من العامّة لا يعرفون به لمّا تكاثروا للفرجة عليه، فأقام بالإسطبل ونزل إليه قرطاى وقرّره على الذخائر، فقرّ له. ثم قتله ودفنه بمصطبة بالإسطبل المذكور، فهذه رواية أخرى غير ما ذكرنا أوّلا والأوّل أشهر وأظنه الأصحّ والأقوى. وأمّا الذين تخلّفوا بالعقبة من الذين وثبوا على الملك الأشرف وكسروه وهرب الأشرف إلى جهة الديار المصرية ولم يدركوه، فإنهم اتّفقوا الجميع الأمراء وغيرهم وتوجّهوا إلى الخليفة المتوكّل على الله وكان أيضا في صحبة السلطان الملك الأشرف وقالوا له: يا أمير المؤمنين تسلطن ونحن بين يديك. وكانت العصائب السلطانية حاضرة فامتنع الخليفة من ذلك. هذا وهم لا يعلمون بما وقع بالديار المصرية من ركوب هؤلاء وسلطنة أمير علىّ فإنّ كلّ طائفة وثبت على السلطان. وليس للأخرى بها علم ولا كان بينهم

стр. 3547

اتّفاقيّة على ذلك، وهذا من غريب الاتفاق، كون الواقعة تكون في العقبة وينكسر السلطان. ثم بعد ثلاثة أيام أو أقلّ تكون بمصر أيضا ويخلع الملك الأشرف ويتسلطن ولده وكلاهما من غير مواعدة الأخرى، فنعوذ بالله من زوال النعم. ثم إنّ الأمراء والمماليك أقاموا بالعقبة بعد هروب السلطان يومين وقد جهزوا للخليفة قماش السلطنة وآلة الموكب وألحّوا عليه بالسلطنة وهو يمتنع وتوجّهت القضاة الى القدس للزيارة وردّ الحاجّ بأسره إلى أبيار «١» العلائىّ وقد قصدوا العود إلى القاهرة وإبطال الحاج في تلك السنة، فنهض الأمير بهادر الجمالىّ أمير الحاجّ وردّهم وحجّ بهم. ولما تحقّقت الأمراء والمماليك أنّ الخليفة امتنع من السلطنة رجعوا نحو الديار المصرية حتى وصلوا إلى عجرود، أتاهم الخبر بما جرى من مسك السلطان الملك الأشرف وقتله فاطمأنوا فإنهم كانوا على وجل ومنهم من ندم على ما فعل فإنه كان سببا لزوال دولة الملك الأشرف ولم ينله ما آمل وخرج الأمر لغيره. ثم ساروا الجميع من عجرود إلى أن وصلوا إلى بركة الحاجّ، فسار إليهم جماعة من القائمين بمصر بآلة الحرب فتعبّوا لقتالهم، فأرسل طشتمر العلائىّ الدوادار طليعة عليها قطلقتمر الطويل، فقاتلوه المصريون فكسرهم قطلقتمر وسار خلفهم إلى قلعة الجبل، فلما قرب إلى القلعة تكاثروا عليه ومسكوه، وفي ذلك الوقت حضر

стр. 3548

إلى الديار المصرية الأمير آقتمر الصاحبى نائب السلطنة بالديار المصرية وكان قد توجّه إلى بلاد الصعيد قبل توجّه السلطان الملك الأشرف إلى الحجاز، فتلقاه أمراء مصر وعظّموه وقالوا له: أنت نائب السلطنة على عادتك وأنت المتحدّث وكلّنا مماليكك، فلم يسعه إلا مطاوعتهم على ما أرادوا وكان كلام الأمراء لآقتمر الصاحبى بهذا القول، خوفا ممّن أتى من الأمراء والخاصكيّة من العقبة. ثم اتفق المصريون على قتال طشتمر الدوادار ومن أتى معه من العقبة من المماليك الأشرفية وغيرها، فنزلوا اليهم من القلعة بعد المغرب في جمع كبير والتقوا معهم على الصوّة «١» من تحت القلعة، تجاه الطبلخاناة السلطانية وتقاتلوا، فانكسر طشتمر ومن معه من الأمراء والمماليك الأشرقية وانهزموا بعد المغرب إلى ناحية الكيمان، فلما كان الليل أرسل طشتمر طلب الأمان لنفسه، فأرسلوا له الأمان، فلما حضر مسكوه وقيّدوه هو وجماعته وحبسوهم بالقلعة، وفيه يقول الأديب شهاب الدين أحمد بن العطار. [الكامل] إن كان طشتمر طغى ... وأتى بحرب مسرع وبغى سيؤخذ عاجلا ... ولكلّ باغ مصرع قلت: ما أشقى هؤلاء القوّم العصاة بالعقبة فإنهم كانوا سببا لزوال ملك أستاذهم الملك الأشرف وذهاب مهجته من غير أن يحصل أحدهم على طائل، بل ذهبت عنهم الدنيا والآخرة، فإنهم عصوا على أستاذهم وخلعوا طاعته من غير موجب وشمل ضررهم على الحجاج وغيرهم وارتكبوا أمورا قبيحة، فهذا ما حصلوه من الإثم. وأما أمر الدنيا فإنها زالت عنهم بالكلية وخرج عنهم إقطاعاتهم ووظائفهم وأرزاقهم ومنهم من قتل أشرّ قتلة ولم يقرّبهم ملك من الملوك بعد ذلك، بل

стр. 3549

صاروا مبعودين في الدّول وماتوا قهرا مما قاسوه من الذل والهوان، حتى إننى رأيت منهم من كان عمّر واحتاج إلى السؤال، وما ربك بظلّام للعبيد. وكان السلطان الملك الأشرف- رحمه الله تعالى- من أجلّ الملوك سماحة وشهامة وتجملا وسؤددا. قال قاضى القضاة بدر الدين محمود العينى- ﵀ فى تاريخه: كان ملكا جليلا لم ير مثله فى الحلم، كان هينا ليّنا محبّا لأهل الخير والعلماء والفقراء مقتديا بالأمور الشّرعية واقفا عندها محسنا لإخوته وأقار به وبنى أعمامه، أنعم عليهم وأعطاهم الإمريات والإقطاعات وهذا لم يعهد من ملك قبله في ملوك الترك ولا غيرهم ولم يكن فيه ما يعاب، سوى كونه كان محبّا لجمع المال. وكان كريما يفرّق في كل سنة على الأمراء أقبية بطرز زركش والخيول المسوّمة بالكنابيش الزركش والسلاسل الذّهب والسروج الذّهب وكذلك على جميع أرباب الوظائف وهذا لم يفعله ملك قبله. انتهى كلام العينى باختصار- رحمه الله تعالى-. وقال غيره- ﵀ وكان ملكا جليلا شجاعا مهابا كريما هيّنا ليّنا محبّا للرعية، قيل إنه لم يل الملك في الدولة التركية أحلم منه ولا أحسن خلقا وخلقا وأبطل عدّه مكوس في سلطنته. والله أعلم. قلت: حدّثنى العلامة علاء «١» الدّين على القلقشندى- تغمده الله تعالى- الشافعى، قال حدّثنى العلّامة قاضى القضاة شمس الدين محمد البساطىّ «٢» المالكىّ

стр. 3550

أنّ الملك الأشرف شعبان هذا كان من فطنته وذكائه يعرف غالب أحوال القلاع الشامية وغيرها ويعرف كيف تؤخذ ومن أين تحاصر معرفة جيّدة. قلت: هذا دليل على الذّكاء المفرط والتيقّظ في أحوال مملكته. انتهى. ورأيت أنا كثيرا من المماليك الأشرفيّة وبهم رمق وقوّة في أوائل الدولة الأشرفية برسباى منهم الأمير آق سنقر الأشرفىّ الحاجب وغيره وكانت أيام الملك الأشرف شعبان المذكور بهجة وأحوال الناس في أيامه هادئة مطمئنّة والخيرات كثيرة، على غلاء وقع في أيامه بالديار المصرية والبلاد الشامية ومع هذا لم يختلّ من أحوال مصر شىء لحسن تدبيره ومشى سوق أرباب الكمالات في زمانه من كل علم وفن؛ ونفقت في أيامه البضائع الكاسدة من الفنون والملح وقصدته أربابها من الأقطار وهو لا يكلّ من الاحسان إليهم في شىء يريده وشىء لا يريده، حتى كلّمه بعض خواصّه في ذلك، فقال- ﵀. أفعل هذا لئلا تموت الفنون في دولتى وأيامى. قلت. لعمرى إنه كان يحشى موت الفنون والفضائل؛ ولقد جاء من بعده من قتلها صبرا، قبل أوان موتها ودفنها في القبور وعفّى أثرها، وما أحسن قول أبى الطيب أحمد بن الحسين حيت يقول: على قدر أهل العزم تأتى العزائم ... [وتأتى «١» على قدر الكرام المكارم] [الطويل] وخلّف الملك الأشرف [﵀] من الأولاد ستّة بنين، وهم الملك المنصور علىّ الذي تسلطن من بعده على ما يأتى ذكره وذكر من قام بسلطنته مفصّلا- والملك الصالح أمير حاج وقاسم ومحمد وإسماعيل وأبو بكر وولدت بعده خوند سمراء جاريته ولدا سمّوه أحمد فصاروا سبعة.

стр. 3551

وخلّف سبع بنات رأيت إحداهنّ بعد سنة عشرين وثمانمائة. وكانت مدّة سلطنة الملك الأشرف أربع عشرة سنة وشهرين وعشرين يوما، ومات وعمره أربع وعشرون سنة. وقد تقدّم مولده في أوّل ترجمته، ورثاه الشعراء بعد موته بعدّة قصائد وحزن الناس عليه حزنا عظيما وكثر تأسّفهم عليه. وعمل عزاؤه بالقاهرة عدّة أيام. وفيه يقول الشيخ شهاب الدين أحمد بن العطار: [البسيط] للملك الأشرف المنصور سيّدنا ... مناقب بعضها يبدو به العجب له خلائق بيض لا يغيّرها ... صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب وقال غيره: [الزجل] كوكب السعد غاب من القلعه ... وهلا لو قد انطفا بأمان وزحل قد قارن المرّيخ ... لكسوف شمس الضّحى شعبان [ما وقع من الحوادث سنة ٧٦٥] السنة الأولى من سلطنة الملك الأشرف شعبان بن حسين على مصر. وهي سنة خمس وستين وسبعمائة على أنه حكم في السنة الماضية من شعبان إلى آخرها. وفيها (أعنى سنة خمس وستين) توفّى الشيخ الإمام العالم ناصر الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز القونوىّ الحنفىّ الشهير بابن الرّبوة- ﵀ كان إماما عالما بارعا خطيبا فصيحا فقيها مناظرا أفتى ودرّس وأعاد وشرح «الفرائض «١» السراجيّة» و «كتاب المنار» وله عدّة مصنّفات أخر ومات بدمشق في هذه السنة وقيل «٢» فى الخالية.

стр. 3552

وتوفّى قاضى القضاه نجم الدين عبد الرحيم ابن القاضى شمس الدين إبراهيم بن شرف الدين هبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم بن المسلم بن عبد الله بن حسّان المعروف بالبارزىّ الجهنىّ الحموىّ الشافعىّ قاضى قضاة حماة بها، بعد أن ولى قضاءها ستّا وعشرين سنة وكان مشكور السّيرة في أحكامه- ﵀. وتوفّى الأديب عزّ الدين أبو محمد الحسن بن علىّ بن الحسن بن علىّ العبّاسىّ الشهير بابن البنّاء الحلبىّ الشاعر المشهور؛ قدم إلى حلب وبها مات، وسنّه زيادة على سبعين سنة. ومن شعره قصيدة أوّلها: [الرجز] أنفقت عمرى في رجاء وصلكم ... والعصر إنّى بكم في خسر وتوفّى القاضى شهاب الدين أحمد ابن الصاحب جمال الدين محمد ابن الصاحب كمال الدين عمر بن أحمد الحنفىّ الحلبىّ الشهير بابن العديم بحلب، عن بضع وسبعين سنة. وكان فقيها عارفا بالتاريخ والأدب. وتوفّى الأمير سيف الدين قطلوبغا الأحمدىّ نائب حلب بها عن نيّف وثلاثين سنة- ﵀ وكان أميرا جليلا شجاعا كريما، نشأ في السعادة وولى نيابة حلب مرّتين. وتوفّيت خوند «١» طولوبيه الناصريّة التّتريّة، زوجة السلطان الملك الناصر حسن. ثم من بعده زوجة مملوكه يلبغا العمرىّ في الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر. ودفنت «٢» بتربتها التي أنشأتها بجوار تربة خوند طغاى الناصريّة أمّ آنوك خارج باب البرقيّة بالصحراء، وكانت من أجمل نساء عصرها.

стр. 3553

وتوفّى القاضى تاج الدين أبو عبد الله محمد بن بهاء الدين إسحاق بن إبراهيم السّلمىّ المناوىّ الشافعىّ خليفة الحكم بالديار المصرية وقاضى العسكر، ووكيل بيت المال والخاصّ بها في يوم الجمعة سادس شهر ربيع الآخر. وتوفّى القاضى صلاح الدين عبد الله بن عبد الله بن إبراهيم البرلّسىّ المالكىّ محتسب القاهرة بها في يوم الخميس خامس عشرين صفر وهذا المحتسب هو الذي أمر المؤذّنين أن يقولوا في ليلة الجمعة بعد أذان العشاء الآخرة، وقبل الفجر: «الصلاة والسلام عليك يا رسول الله» فاستمرّ ذلك إلى سلطنة الملك الظاهر برقوق، أمر محتسب القاهرة نجم الدّين الطّنبذىّ أن يقولوا ذلك عقيب كلّ أذان إلّا المغرب، واستمرّ ذلك أيضا إلى يومنا هذا، على ما سنبيّنه في وقته- إن شاء الله تعالى- ونذكر سببه، ولم يكن قبل ذلك إلّا الأذان فقط. وتوفّى قاضى مكّة تقىّ الدين محمد بن أحمد بن قاسم العمرىّ الحرازىّ «١» الشافعىّ معزولا. وتوفّى بالمدينة النبويّة- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- الحافظ عفيف الدين أبو السيادة عبد الله بن محمد بن أحمد بن خلف في سادس عشرين شهر ربيع الأوّل- ﵀ وكان إماما حافظا متقنا سمع الكثير ورحل البلاد وكتب وحصّل. وتوفّى السلطان الملك الصالح شمس الدين صالح ابن الملك المنصور نجم الدين غازى ابن الملك المظفر قرا أرسلان ابن الملك السعيد غازى بن أرتق بن أرسلان ابن «٢» إيل بن غازى بن ألبى بن تمرداش بن إيل بن غازى بن أرتق الأرتقىّ صاحب

стр. 3554

ماردين بها، وقد ناهز السبعين سنة من العمر، بعد أن دام في سلطنة ماردين أربعا وخمسين سنة. وتولّى ماردين بعده ابنه الملك المنصور أحمد. وكان الملك الصالح من أجلّ ملوك بنى أرتق حزما وعزما ورأيا وسؤددا وكرما ودهاء وشجاعة وإقداما، وكان يحبّ الفقهاء والفضلاء وأهل الخير وكان له فضل وفهم وذوق للشعر والأدب، وكان يحبّ المديح ويجيز عليه بالجوائز السنيّة. ولصفىّ الدين عبد العزيز الحلى فيه مدائح وغرر في مخلص بعض قصائده- ﵀. [الكامل] لم أشك جور الحادثات ولم أقل ... حالت بى «١» الأيام عن حالاتها مالى أعدّ لها مساوئ جمة ... والصالح السلطان من حسناتها ملك تقرّ له الملوك بأنه «٢» ... إنسان عينيها وعين حياتها أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. وكان الوفاء ثانى عشرين توت. والله أعلم. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٦٦] السنة الثانية من ولاية الملك الأشرف شعبان بن حسين على مصر. وهي سنة ست وستين وسبعمائة. فيها توفّى العلّامة قاضى القضاة جمال الدين يوسف بن أحمد بن الحسين بن سليمان بن فزارة الكفرى (بفتح الكاف) الدّمشقىّ الحنفىّ قاضى قضاة دمشق بها. وكان- ﵀ إماما بارعا في مذهبه ماهرا في علم العربيّة بصيرا بالأحكام، باشر مدّة طويلة نيابة عن والده. ثم استقلّ بها إلى أن مات، وكان مشكور السّيرة وأفتى ودرّس سنين.

стр. 3555

وتوفّى قاضى القضاة زين الدين محمد بن سراج الدين عمر بن محمود الحنفى المعروف بابن السّراج بالقاهرة في ذى القعدة عن تسع وستين سنة ودفن بتربته «١» خارج باب النصر بالقرب من تربة «٢» الصوفية- ﵀. وكان فقيها بارعا عالما مفتيا يحفظ الهداية في الفقه ودرّس بالجامع «٣» الحاكمى وأعاد بجامع «٤» أحمد بن طولون والأشرفية وغيرهما وناب في القضاء عن قاضى القضاة جمال «٥» الدين التّركمانى الحنفى وكان معدودا من الفقهاء العلماء. وتوفّى الخطيب أبو المعالى تقىّ الدين محمد بن الخطيب محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن ناصح الحموى ثم الحلبى الشافعى الشهير بابن القوّاس بحلب عن نيّف وخمسين سنة- ﵀. وتوفى الشيخ الإمام العالم العلّامة قطب الدين محمد بن محمد «٦» الرازى الشافعى الشهير بالقطب التحتانى «٧» ﵀. بدمشق عن نيف وستين سنة. كان بحرا في جميع العلوم لا سيما في العلوم العقلية وله تصانيف مفيدة، منها: شرح الشمسية «٨» وشرح

стр. 3556

المطالع «١» والحواشى على كشاف الزمخشرى «٢» ، وكانت تصانيفه أحسن من تصانيف شيخه العلّامة شمس الدين الأصفهانى «٣» ﵀. وتوفّى الأمير سيف الدين أرنبغا بن عبد الله الكاملى نائب غزّة وكان، أصله من مماليك الملك الكامل شعبان ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون وكان خصيصا عنده إلى الغاية. وتوفّى الأمير الشريف أبو على الحسن بن محمد بن الحسن بن علىّ بن الحسن ابن زهرة الحسنىّ الحلبىّ، ولى نقابة الأشراف بحلب بعد والده- رحمهما الله تعالى- واستقرّ أمير طبلخاناه بحلب مدّة ثم صرف عن الوظيفتين ومات بظاهر حلب عن ثلاث وخمسين سنة. وتوفّى الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الهادى الفوّىّ الفقيه الشافعىّ في يوم الخميس ثانى عشر جمادى الأولى وقد تصدّر للتدريس والإقراء- ﵀. وتوفّى الشيخ شرف الدين محمد بن أحمد بن أبى بكر المزّىّ الدمشقىّ الحريرىّ المحدّث بمصر في شعبان. رحمه الله تعالى. وتوفّى الأمير آسن قجا بن عبد الله من على بك الناصرىّ أحد أمراء الطبلخانات، بعد ما تنقّل في عدّة أعمال مثل البيرة وطرسوس وغيرهما- ﵀.

стр. 3557

وتوفّى الأمير سيف الدين قمارى بن عبد الله الحموىّ الناصرىّ الحاجب وهو على نيابة طرسوس وكان من أعيان الأمراء ومن أكابر المماليك الناصريه. وتوفّى الشيخ المعمّر الرّحلة شمس الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبى بكر بن ابراهيم بن يعقوب [بن الياس «١» ] الأنصارىّ الخزرجىّ المقدسىّ البيانىّ الشاهد، كان أبوه يعرف بابن إمام الصّخرة واشتهر هو بالبيانى، ولد سنة ستّ وثمانين وستمائة فأحضر على زينب بنت مكى في الثانية من عمره وعلى الفخر ابن البخارى في الثالثه وأسمع على أبى الفضل بن عساكر وغيره وأجاز له جماعة وحدّث بالكثير، وعمّر وصار مسند عصره ورحلة زمانه وخرّج له الحافظ تقىّ الدين بن رافع «٢» مشيخة وذيّل عليها الحافظ زين الدين العراقىّ. وكانت وفاته يوم الاثنين تاسع عشرين ذى القعدة، وآخر من تأخّر ممن سمع عليه شيخنا الرّحلة زين الدين عبد الرحمن الزّركشىّ الخيلىّ. رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. والله أعلم. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٦٧] السنة الثالثة من سلطنة الملك الأشرف شعبان بن حسين على مصر وهي سنة سبع وستين وسبعمائة. فيها توفّى الشيخ الإمام العالم العلّامة قاضى القضاة عز الدين عبد العزيز ابن قاضى القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكنانىّ الحموى

стр. 3558

المصرى الشافعىّ بمكة المشرفة في يوم الاثنين ثامن «١» عشر جمادى الآخرة، ودفن بباب المعلاة بين الفضيل بن عياض وأبى القاسم القشيرىّ «٢» ونجم الدين الأصبهانىّ. ومولده بالعادلية بدمشق في سنة أربع وتسعين وستمائة- ﵀ وكان إماما عالما فاضلا ديّنا صالحا، سمع بمصر والشام والحجاز وأخذ عن الأبرقوهىّ «٣» والدّمياطىّ «٤» وغيرهما من الحفّاظ وجمع وكتب وحدّث وخطب وأفتى ودرّس وتولى القضاء تسعا وعشرين سنة. ثم استعفى وتوجّه إلى مكة مجاورا بها إلى أن مات. وتوفّى القاضى شهاب الدين أبو العباس أحمد بن ابراهيم أيوب العينتابىّ الحنفىّ قاضى العسكر بدمشق- رحمه الله تعالى- وبها كانت وفاته وقد جاوز ستين سنة، وكان إماما بارعا في المذهب وأفتى ودرّس وشرح مجمع البحرين فى الفقه في المذاهب الثلاثة في عشرة مجلدات وسماه: «المنبع «٥» » . وتوفّى الشيخ الرضىّ شيخ خانقاة «٦» بيبرس الجاشنكير في ليلة الجمعة حادى عشر شهر رجب ودفن بمقابر الصوفية وتولّى مكانه الشيخ ضياء «٧» الدين العفيفى المعروف بقاضى قرم. ﵀.

стр. 3559

وتوفّى السلطان الملك المجاهد سيف الدين أبو يحيى على ابن السلطان الملك المؤيد هزير الدين داود ابن السلطان الملك المظفر يوسف ابن السلطان الملك لمنصور عمر بن نور الدين على رسول التّركمانىّ الأصل اليمنىّ المولد والمنشأ والوفاة، صاحب اليمن بعدن- ﵀ فى يوم السبت الخامس والعشرين من شهر جمادى الأولى من هذه السنة وقيل سنة أربع وستين وولى بعده ابنه الملك الأفضل عباس. ومولد المجاهد هذا في سنة إحدى وسبعمائة بتعز ونشأ بها وحفظ التنبيه في الفقه وبحثه وتخرّج على المشايخ منهم: الشيخ الإمام العلامة الصاغانىّ، وتأدّب على الشيخ تاج الدين عبد الباقى وغيرهما، وشارك في علوم وكان جيّد الفهم- ﵀ وله ذوق في الأدب وله نظم ونثر، وهذا المجاهد الذي ذكرنا في ترجمة الملك الناصر «١» محمد بن قلاوون أنه أرسل إليه نجدة إلى بلاد اليمن، لما خرج عليه ونازعه الملك الناصر بن الأشرف صاحب زبيد، وسقنا حكايته هناك مفصلا، وطالت مدّة المجاهد في مملكة اليمن وفعل الخيرات وله مآثر: عمر مدرسة عظيمة بتعز وزيادة أخرى وغير ذلك وعمّر مدرسة بمكة المشرفة بالمسجد الحرام بالجانب اليمانىّ مشرفة على الحرم الشريف. وقد استوعبنا ترجمته في المنهل الصافى بأطول من هذا إذ هو كتاب تراجم. والله أعلم وتوفّى الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الظاهر المعروف بابن الشرف «٢» الحنفىّ الفقيه خطيب جامع «٣» شيخون وكان من أعيان الفقهاء وله مشاركة وفضل. رحمه الله تعالى.

стр. 3560

وتوفّى الأمير سيف الدين بطا بن عبد الله أحد أمراء الطبلخانات وقرئ على قبره بعد موته ألف ختمة شريفة بوصيّته هكذا نقل الشيخ تقىّ الدين المقريزى. ﵀. وتوفّى الشيخ المحدّث العالم العلّامة شمس الدين أبو الثناء محمود بن خليفة بن محمد ابن خلف المنبجىّ ثم الدّمشقىّ التاجر. ومولده في سنة سبع وثمانين وستمائة ومات فى ذى الحجة. ﵀. وتوفّى الشيخ الإمام أحد فقهاء المالكيّة خليل بن إسحاق المعروف بابن الجندى الفقيه المالكىّ- ﵀ فى يوم الخميس ثانى عشر شهر ربيع الأوّل. وكان فقيها مصنّفا صنّف المختصر في فقه المالكية وغيره. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. والله سبحانه أعلم. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٦٨] السنة الرابعة من سلطنة الملك الأشرف شعبان بن حسين على مصر. وهي سنة ثمان وستين وسبعمائه. وفيها كانت وقعة يلبغا العمرىّ الخاصكى صاحب الكبش «١» ومقتلته وسلطنة آنوك بجزيرة الوسطى ولم يتم أمره ولا عدّ من السّلاطين وقد تقدم ذكر ذلك كله مفصلا في ترجمة الملك الأشرف هذا فلينظر هناك. وفيها توفّى قاضى القضاة أمين الدين أبو محمد عبد الوهاب بن أحمد بن وهبان الدمشقىّ الحنفىّ قاضى قضاة حماة وبها توفّى وهو من أبناء الأربعين- ﵀ وكان فقيها عالما مشكور السيرة.

стр. 3561

وتوفّى الشيخ الإمام العالم المسلّك العارف بالله تعالى عفيف الدين أبو محمد وقيل أبو السيادة عبد الله بن أسعد بن على بن سليمان بن فلاح اليمانىّ اليافعىّ، نزيل مكة وشيخ الحرم وإمام المسلّكين وشيخ الصوفية في ليلة الأحد العشرين من جمادى الآخرة بمكة المشرفة ودفن بالمعلاة بجوار الفضيل بن عياض. ومولده سنة ثمان وستين وستمائة «١» تقريبا وسمع الكثير وبرع في الفقه والعربية والأصلين واللغة والفرائض والحساب والتصوّف والتسليك، وغير ذلك. وكان له نظم جيّد كثير، دوّن منه ديوان وله تصانيف كثيرة منها: «روض «٢» الرياحين» [فى حكايات «٣» الصالحين] وتاريخ بدأ فيه من أوّل الهجرة وأشياء غير ذلك، ذكرناها مستوفاة فى ترجمته في تاريخنا «المنهل الصافى» وما وقع له مع علماء عصره بسبب قصيدته التى أولها حيث قال في ذلك: [الطويل] ويا ليلة فيها السعادة والمنى ... لقد صغرت في جنبها ليلة القدر «٤» قال: ومن شعره أيضا قصيدته التي أوّلها: [الطويل] قفا حدّثانى فآلفؤاد عليل ... عسى منه يشفى بالحديث غليل أحاديث نجد علّلانى بذكرها ... فقلبى إلى نجد أراه يميل بتذكار سعدى أسعدانى فليس لى ... إلى الصّبر عنها والسّلوّ سبيل ولا تذكر الى العامرية إنها ... يولّه عقلى ذكرها ويزيل

стр. 3562

ومنها المخلص: ألا يا رسول الله يا أكرم الورى ... ومن جوده خير النّوال ينبل ومن كفّه سيحون منها وجيحن «١» ... ودجلة تجرى والفرات ونيل مدحتك أرجو منك ما أنت أهله ... وأنت الذي في المكرمات أصيل فياخير ممدوح أئب شرّ مادح ... عطا مانح منه الجزاء جزيل وتوفّى الشيخ الإمام العالم المسلّك الصوفىّ العارف بالله تعالى المعتقد جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن عبد الله بن عمر بن على بن خضر [الكردىّ «٢» ] الكورانىّ الأصل المصرىّ الدار والوفاة المعروف بالشيخ يوسف العجمىّ بزاويته بقرافة مصر الصّغرى في يوم الاثنين ثانى عشر شهر ربيع الأوّل وقيل: جمادى الأولى وقيل: يوم الأحد النصف من جمادى الأولى ودفن بزاويته المذكوة وقبره يقصد للزيارة وكان- ﵀ شيخا حقيقة ومقتدى طريقة، كان إمام المسلّكين في عصره وكان على قدم هائل، كان غالب علماء عصره يقتدون به وكان له أوراد وأذكار هائلة، انتفع بصحبته جماعة من العلماء والصلحاء والفقهاء وكان لا يأخذه في الله لومة لائم، مع فضيلة غزيرة ومعرفة تامّة بالتصوّف وله رسالة سمّاها «ريحان القلوب «٣» والتوصّل إلى المحبوب» . وقد شاع ذكر الشيخ يوسف في الدنيا وأثنى عليه العلماء والصلحاء. حكى أنّ الشيخ يوسف هذا دخل مرة الى الشيخ يحيى بن علىّ بن «٤» يحيى الصنافيرى، فقام إليه الشيخ يحيى وكان لا يلتفت إلى أحد وتلقّاه وهو ينشد بقوله: [الوافر]

стр. 3563

ألم تعلم بأنّى صيرفىّ ... بلوت «١» العالمين على محكى فمنهم زائف لا خير فيه ... ومنهم جائز تجويز شكّ وأنت الخالص الإبريز منهم ... بتزكيتى وحسبك من أزكّى! فحصل للشيخ يوسف بهذا الكلام غاية السرور والفرح وكان مع الشيخ يوسف ولده محمد فأقبل عليه الشيخ يحيى وأنشده فقال: [الكامل] إنّ السّرىّ إذا سرى فبنفسه ... وابن السّرىّ إذا سرى أسراهما قال: فازداد الشيخ يوسف سرورا على سروره بهذا القول. رحمهما الله تعالى ونفعنا ببركاتهما. وتوفّى الشيخ الإمام الأديب البارع المفتن جمال الدين أبو بكر محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن صالح بن على بن يحيى بن طاهر بن محمد بن الخطيب أبى يحيى عبد الرحيم بن نباته (بضم النون) الفارقىّ: الأصل الجذامى المصرىّ المعروف بابن نباتة بالقاهرة- رحمه الله تعالى- بالبيمارستان «٢» المنصورىّ في ثامن شهر صفر من السنة المذكورة. ومولده في مصر في شهر ربيع الأوّل سنة ست وثمانين وستمائة «بزقاق القناديل «٣» » ونشأ بمصر وبرع في عدّة علوم وفاق أهل زمانه في نظم القريض وله الشّعر الرائق والنّثر الفائق وهو أحد من حذا حذو القاضى الفاضل وسلك طريقه وأجاد فيما سلك وكان خطّه في غاية الحسن وديوان شعره مشهور وقد مدح الملوك والأعيان ورحل إلى البلاد وانقطع إلى السلطان الملك المؤيّد إسماعيل

стр. 3564

صاحب حماة وله فيه غرر مدائح وكان مع ما اشتمل عليه من المحاسن قليل الحظ ومن شعره في المعنى: [الكامل] أسفى «١» لشعر بارع نظمته ... تحتاج بهجته لرفد بارع درّ يتيم قد تضوّع نشره ... يا من يرقّ على اليتيم الضّائع ومن شعره أيضا قوله: [السريع] مقبّل «٢» الخدّ أدار الطّلا ... فقال لى في حبّها عائبى عن أحمر المشروب ما تنتهى ... قلت: ولا عن أخضر الشارب وله أيضا: [السريع] وتاجر قلت له إذ رنا ... رفقا بقلب صبره خاسر ومقلة تنهب طيب الكرى ... منها على عينك يا تاجر «٣» وله أيضا: [الكامل] قبلته عند النّوى فتمرّرت ... تلك الحلاوة [بالتفرّق «٤» والجوى] ولثمته عند القدوم فحبّذا ... رطب الشّفاه السّكّرىّ بلا نوى وله: أيضا- عفا الله عنه-[البسيط] أهلا بطيف على الجرعاء مختلس ... والفجر في سحر كالثّغر في لعس والنّجم في الأفق الغربىّ منحدر ... كشعلة سقطت من كفّ مقتبس يا حبّذا زمن الجرعاء من زمن ... كلّ الليالى فيه ليلة العرس

стр. 3565

وحبّذا العيش مع هيفاء لو ظهرت «١» ... للبدر لم يزه أو للغصن لم يمس خود لها مثل ما في الظّبى من ملح «٢» ... وليس للظّبى ما فيها من الأنس محروسة بشعاع البيض ملتمعا ... ونور ذاك المحيّا آية الحرس يسعى ورا لحظها قلبى ومن عجب ... سعى الطّريدة في آثار مفترس ليت العذول عنى مر أى محاسنها ... لو كان ثنّى عمى عينيه بالخرس «٣» وقد استوعبنا من شعره وأحواله نبذة كبيرة في المنهل الصافى. انتهى والله أعلم. وتوفّى الوزير الصّاحب فخر الدين ماجد بن قروينة القبطىّ المصرى تحت العقوبة، بعد أن أحرقت أصابعه بالنار، وكان- ﵀ وزيرا عارفا مكينا عفيفا رزينا ذا حرمة ونهضة، لم يل الوزارة في الدولة التركية من يشابهه؛ عمّر فى أيام وزارته بيوت الأموال بالذهب والفضة، وترك بالأهراء مغلّ ثلاث سنين وبعض الرابعة، وذلك فوق ثلاثمائة ألف اردبّ. وبالبلاد مغلّ سنتين، بعد ما كان يقوم بالكلف السلطانية وكلفة الأتابك يلبغا العمرىّ الخاصّكى وبعد هذا كله كان يحمل إلى الخزانة الشريفة في كل شهر ستين ألف دينار، وكان فيه محاسن كثيرة، غير أنه كانت نفسه نفسا شامخة، وفيه تهكّم على الناس مع تكبّر، هذا مع الكرم الزائد والإحسان للناس وقلّة الظلم بالنسبة إلى غيره، رحمه الله تعالى؛ والله أعلم. وتوفّى الأمير سيف الدين دروط ابن أخى الحاج آل ملك، كان أحد أمراء الألوف بالديار المصرية وحاجبا ثانيا بها. وتوفّى الأمير علاء الدين آقبغا بن عبد الله الصّفوى أحد الأمراء الطبلخانات بالديار المصرية وأمير آخور وكان- ﵀ من أعيان الأمراء.

стр. 3566

وتوفّى الأمير علاء الدين آقبغا بن عبد الله الأحمدى اليلبغاوى المعروف بالجلب فى أواخر السنة المذكورة وهو مسجون بثغر الإسكندرية، من جرح أصابه في شهر ذى القعدة؛ وقد تقدّم ذكره في عدّة مواطن. والله أعلم. وتوفّى الأمير علاء الدين ألطنبغا بن عبد الله العزّى أحد أمراء الطبلخانات فى يوم الاثنين رابع شهر ربيع الآخر، وكان مثيرا للفتن. وتوفّى القاضى بهاء الدين حسن بن سليمان بن أبى الحسن بن سليمان بن ريّان ناظر الجيش بحلب في دمشق عن ثمان وستين سنة، وكان رئيسا نبيلا كاتبا بارعا، ولى عدّة وظائف؛ وله نظم ونثر؛ ومن شعره- رحمه الله تعالى-[الرجز] نحن الموقّعون في وظائف ... قلوبنا من أجلها في حرق قسمتنا في الكتب لا في غيرها ... وقطعنا ووصلنا في الورق وتوفّى القاضى تقىّ الدين محمد بن محمد بن عيسى بن محمود «١» بن عبد اللطيف «٢» البعلبكى الشافعى الشهير بابن المجد- ﵀ كان فقيها فاضلا ولى قضاء طرابلس وغيرها. وقد تقدم أنّ يلبغا العمرى قتل في هذه السنة؛ انتهى، والله أعلم. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وستة أصابع. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٦٩] السنة الخامسة من سلطنة الملك الأشرف شعبان بن حسين صاحب الترجمة على مصر؛ وهي سنة تسع وستين وسبعمائة.

стр. 3567

فيها كانت الوقعة بين الملك الأشرف صاحب الترجمة وبين الأتابك أسندمر الزّينى الناصرى وانتصر الأشرف حسب ما تقدّم ذكره. وفيها توفّى العلّامة قاضى القضاة جمال الدين عبد الله بن قاضى القضاة علاء الدين علىّ ابن العلامة فخر الدين عثمان بن إبراهيم «١» بن مصطفى بن سليمان الحنفىّ الماردينىّ، الشهير بابن التّركمانىّ بالقاهرة، فى ليلة الجمعة حادى عشر شهر شعبان ودفن بتربة والده خارج باب النصر من القاهرة وتولّى بعده القضاء العلّامة سراج الدين عمر الهندى. ومولده في سنة تسع عشرة وسبعمائة، وقيل سنة خمس عشرة وسبعمائة. وتفقّه على والده وغيره، حتى برع في الفقه والأصول والعربية وشارك في فنون كثيرة، وكان من جملة محفوظاته «الهداية في الفقه» حتى إنه كان يمليها فى دروسه من صدره، وكمّل شرح أبيه لها، وتولّى القضاء بعد وفاة أبيه وباشر القضاء بعفّة وحشمة ورئاسة وتصدّى للإفتاء والتدريس والإقراء سنين في حياة والده الى أن مات. وكان له عبادة وأوراد هائلة ومحاسن كثيرة. رحمه الله تعالى. وتوفّى قاضى القضاة موفّق الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الملك ابن عبد الباقى الحجّاوى «٢» المقدسىّ الحنبلىّ قاضى قضاة الديار المصرية بعد أن حكم بها ثلاثين سنة- رحمه الله تعالى- وتولّى بعده القاضى ناصر الدين نصر الله العسقلانى الحنبلىّ. وكان موفّق الدين مشكور السّيرة جميل الطريقة.

стр. 3568

وتوفّى قاضى القضاة جمال الدين يوسف «١» بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمود المرداوى المقدسى الحنبلىّ قاضى قضاة دمشق بها عن نيّف وسبعين سنة، مصروفا عن القضاء- رحمه الله تعالى- وتوفّى قاضى «٢» قضاة طرابلس شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ تقي الدين عبد الله الشّبلىّ الدمشقىّ الحنفىّ وهو من أبناء السبعين- ﵀ وكان عالما ديّنا مجاهدا مرابطا يلبس السّلاح في سبيل الله ويغزو وسمع الكثير وجمع وألّف وأفتى ودرّس وانتفع الناس به وباشر الحكم خمس عشرة سنة. ﵀. وتوفّى قاضى قضاة حلب «٣» صدر الدين أحمد بن عبد الظاهر بن محمد الدّميرى المالكى- ﵀ عن نيّف وسبعين سنة. وكان فقيها فاضلا مشكور السّيرة. وتوفّى الشيخ «٤» العلّامة قاضى القضاة بهاء الدين أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن ابن عقيل المصرى الشافعىّ قاضى قضاة الديار المصريّة وفقيه الشافعية- تغمّده الله برحمته- بالقاهرة في ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من شهر ربيع الأوّل ودفن بالقرافة «٥» بالقرب من قبّة الإمام الشافعىّ- رضى الله عنه- ومولده في المحرّم سنة ثمان وتسعين وستمائة. ونسبه يتّصل إلى عقيل بن أبى طالب رضى الله عنه.

стр. 3569

ونشأ بالقاهرة. وقرأ على علماء عصره وبرع في علوم كثيرة وصنّف التصانيف المفيدة فى الفقه والعربيّة والتفسير، منها «شرح الألفيّة» لابن مالك و «شرح» التسهيل» أيضا وباشر قضاء الديار المصريّة مدّة يسيرة وباشر التداريس الجليلة والمناصب الشريفة، وكتب إليه قاضى القضاة بهاء «٢» الدين أبو البقاء السّبكى من دمشق يقول: [الطويل] تقضّت شهور بالبعاد وأحوال ... جرت بعدكم فيها أمور وأحوال فإن يسر الله التّلاقى ذكرتها ... وإلا فلى في هذه الأرض أمثال وتوفّى الشيخ عزّ الدين أبو يعلى حمزة بن قطب الدين موسى بن ضياء الدين أحمد بن الحسين «٣» الدّمشقى الحنبلى الشهير بابن شيخ السلامية بدمشق وقد جاوز ستين سنة وكان- ﵀ إماما عالما فاضلا كتب على «المنتقى «٤» » . وتوفّى الإمام العالم شهاب الدين أحمد «٥» بن لؤلؤ الشهير بابن النّقيب المصرى الشافعى في يوم الأربعاء رابع عشر شهر رمضان وكان- ﵀ مفتنّا فى علوم وله مصنّفات ونظم حسن. وتوفّى الشيخ الإمام المحدّث صلاح الدين عبد الله ابن المحدّث شمس الدين محمد بن إبراهيم بن غنائم «٦» بن أحمد بن سعيد الصالحىّ الحنفى الشهير بابن المهندس

стр. 3570

- رحمه الله تعالى- بحلب عن نيفّ وسبعين سنة. وكان محدّثا مسندا سمع الكثير بمصر والشام والحجاز والعراق وكتب وحدّث وحجّ غير مرّة وطاف البلاد ثم استوطن حلب إلى أن مات. ﵀. وتوفّى القاضى «١» علاء الدين علىّ ابن القاضى محيى الدين يحيى بن فضل الله القرشى العمرى كاتب السّر الشريف بالديار المصريّة بالقاهرة في ليلة الجمعة تاسع عشرين شهر رمضان عن سبع وخمسين سنة. وكان قبل موته نزل عن وظيفة كتابة السّر لولده بدر الدين محمد فتمّ أمره من بعده. وكان القاضى علاء الدين- رحمه الله تعالى- إماما في فنّه كاتبا عاقلا طالت أيّامه في السعادة حتّى إنه باشر وظيفة كتابة السّر نيّفا وثلاثين سنة لأحد عشر سلطانا من بنى قلاوون. استوعبنا ذلك كلّه فى «المنهل الصافى» . قلت: ولا أعلم أحدا ولى كتابة السّر هذه المدّة الطويلة من قبله ولا من بعده سوى العلّامة القاضى كمال الدين محمد بن البارزى- ﵀ فإنّه وليها أيضا نحوا من ثلاث وثلاثين سنة على أنه عزل منها غير مرّة وتعطّل سنين، كما سيأتى ذكره في ترجمته إذا وصلنا إليه- إن شاء الله تعالى- وكان للقاضى علاء الدين- ﵀ نظم ونثر وترسّل وإنشاء ومن شعره: [البسيط] بان الحمى لم يمس من بعد بعدكم ... ولا تغنّت به ورقاؤه طربا يا جيرة خلّفونى في ديارهم ... أجرى الدموع على آثارهم سحبا قد كان يحزننى واش يراقبنى ... واليوم يحزننى أن ليس لى رقبا وتوفى الأمير علاء الدين طيبغا بن عبد الله الناصرى المعروف بالطويل نائب حلب بها في يوم السبت وقت الظهر سلخ شوّال ودفن خارج باب المقام وقيل:

стр. 3571

إنه سمّ، لأنّه كان أراد الخروج عن الطاعة، فعاجلته المنيّة، وقد تقدّم ذكره مع خشداشه يلبغا العمرى الخاصّكى وما وقع له معه في ترجمة الملك الناصر حسن وكيفيّة خروجه من الديار المصرية والقبض عليه فلا حاجة للإعادة هاهنا. وتوفّى الأتابك سيف الدين أسندمر بن عبد الله الناصرىّ صاحب الواقعة مع الملك الأشرف شعبان محبوسا بثغر الإسكندريّة في شهر رمضان وقد تقدّم أيضا ذكر واقعته مفصّلا في ترجمة الملك الأشرف. وتوفّى الأمير سيف الدين قنق بن عبد الله العزّى أحد مقدّمى الألوف بالديار المصرية على هيئة عجيبة؛ نسأل الله تعالى حسن الخاتمة بمحمد وآله. وخبره أنه كان قد عصى مع أسندمر الناصرى المقدّم ذكره، ركب معه من جملة اليلبغاويّة، فلما انكسرت اليلبغاويّة ساق قنق هذا فرسه إلى بركة «١» الحبش ونزل بشاطئ البركة وبقى يشرب الماء ويستفّ الرمل إلى أن مات، فآنظر إلى هذا الجاهل وما فعل فى نفسه. وتوفّى السلطان الملك المنصور أحمد ابن الملك الصالح صالح ابن الملك المنصور غازى بن قرا أرسلان بن أرتق الأرتقى صاحب ماردين «٢» بها وقد جاوز الستين سنة من العمر وكانت مدّة ملكه ثلاث سنن، وكان صاحب همّة عليّة وحرمة سنية. رحمه الله تعالى. وتوفّى الشاب الفاضل تاج الدين محمد بن السّكّرى- ﵀ وكان فاضلا عالما ودرّس وبرع- ﵀ وفيه يقول ابن نباتة: [السريع] سألته في خدّه قبلة ... فقال قولا ليس بالمنكر عليك بالصبر ومن ذا الذي ... ينفعه الصبر عن السّكّرى

стр. 3572

وتوفّى الأمير علاء الدين ألطنبغا بن عبد الله البشتكى نائب غزّة وأستادار السلطان كان في رابع «١» عشر شعبان. وتوفّى الأمير سيف الدين باكيش بن عبد الله اليلبغاوىّ الحاجب في صفر، وكان من رءوس الفتن وممن قام على أستاذه يلبغا. وتوفّى الأمير سيف الدين بيليك بن عبد الله الفقيه الزرّاق، أحد مقدّمى الألوف بالديار المصرية- رحمه الله تعالى- كان فاضلا فقيها ويكتب المنسوب وعنده مشاركة في فنون. وتوفى الأمير سيف الدين تلكتمر بن عبد الله المحمدى الخازندار أحد أمراء الألوف بالديار المصرية مسجونا بثغر الإسكندرية. وكان ممن قام مع أسندمر الناصرى. وتوفّى الأمير سيف الدين جرجى بن عبد الله الإدريسىّ الأمير آخور ثم نائب حلب وهو بدمشق. وكان من أجلّ الأمراء وتنقّل في عدّة وظائف وولايات- رحمه الله تعالى-. وتوفّى الأمير سيف الدين جرقطلو «٢» بن عبد الله أمير جاندار في صفر وكان من الأشرار. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا سواء. والله أعلم. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٧٠] السنة السادسة من سلطنة الملك الأشرف شعبان بن حسين على مصر وهي سنة سبعين وسبعمائة.

стр. 3573

وفيها توفّى الشيخ بدر الدين محمد بن جمال الدين محمد بن كمال الدين أحمد بن جمال الدين محمد بن أحمد الشّريشىّ البكرىّ الوائلىّ الدّمشقى الشافعى بدمشق عن ستّ وأربعين سنة- ﵀ وكان عالما فاضلا فقيّها درّس بالإقبالية «١» بدمشق إلى أن مات. وفيها توفّى قاضى القضاة «٢» جمال الذين محمود بن أحمد بن مسعود القونوىّ الحنفى قاضى قضاة دمشق بها عن ستّ وسبعين سنة وكان- ﵀ من العلماء الأماثل، كان رأسا فى الفقهاء الحنفية، بارعا في الأصول والفروع ودرّس بدمشق بعدّة مدارس وأفتى وجمع وألّف- رحمه الله تعالى-. وتوفّى القاضى شمس «٣» الدين محمد بن خلف بن كامل الغزّى الشافعىّ بدمشق عن بضع وخمسين سنة. وكان عالما، درّس بدمشق وأفتى وباشر بها نيابة الحكم إلى أن مات- رحمه الله تعالى-. وتوفّى الطواشى ناصر الدين شفيع بن عبد الله الفوّىّ نائب مقدّم المماليك السلطانيّة في يوم الأحد ثامن شعبان وكان من أعيان الخدّام وطالت أيامه فى السعادة.

стр. 3574

وتوفّى الأمير سيف الدين أرغون «١» بن عبد الله بن غلبك الأزقى رأس نوبة النّوب بالديار المصريّة في العشر «٢» الأوّل من جمادى الآخرة. وكان من أعيان الأمراء وهو أحد من ثار على يلبغا. وتوفّى الأمير صلاح «٣» الدين خليل بن أمير على ابن الأمير الكبير سلّار المنصورى وكان أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصريّة وهو أحد من ركب مع الأتابك أسندمر. وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد بن طقبغا الناصرى أحد أمراء الطبلخانات أيضا. وتوفّى الأمير صارم الدين إبراهيم ابن الأمير سيف الدين صرغتمش الناصرى وكان أيضا من أمراء الطبلخانات وله وجاهة في الدولة، وفيه شجاعة وإقدام ودفن بمدرسة «٤» أبيه. رحمه الله تعالى. وتوفّى الأديب الموّال شهاب الدين أحمد بن محمد «٥» بن أحمد المعروف بالفار الشّطرنجىّ العالية، وكان بارعا في المواليا وله شعر جيّد وكان ماهرا في الشّطرنج. وتوفّى الأمير سيف الدين قشتمر بن عبد الله المنصورى نائب حلب بها مقتولا بيد العرب في وقعة كانت بينه وبينهم على تلّ «٦» السلطان وقتل معه ولده، وقد تقدّم

стр. 3575

أنّ قشتمر هذا ولى نيابة طرابلس ونيابة دمشق ونيابة السلطنة بالديار المصريّة. ثم أخرج من مصر إلى نيابة حلب فلم تطل مدّته على نيابة حلب وقتل- ﵀ وكان شجاعا مقداما عارفا عاقلا مدبّرا سيوسا دبّر أمر السلطنة سنين وحمدت سيرته. وتوفّى القاضى عماد الدين محمد بن شرف الدين موسى بن سليمان الشهير بالشيرجى بدمشق. كان ولى حسبة دمشق ونظر خزانتها وكان له ثروة ولديه فضيلة وعنده سياسة. وتوفّى الأمير سيف الدين آقتمر بن عبد الله من عبد الغنى الصغير في شهر رمضان، وآقتمر هذا غير الأمير الكبير آقتمر عبد الغنى وكان آقتمر هذا من جملة أمراء الطبلخانات. والله أعلم. وتوفّى السلطان صاحب تونس وما والاها من بلاد الغرب أبو إسحاق إبراهيم ابن أبى بكر بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى في العشرين من شهر رجب بعد ما ملك تسع عشرة سنة- ﵀ وكان من أجلّ ملوك الغرب، كان شجاعا وله مواقف وفتوحات هائلة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة اذرع وعشرون إصبعا. مبلغ لزيادة سبعة عشر ذراعا وستة أصابع. والله أعلم. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٧١] السنة السابعة من سلطنة الملك الأشرف شعبان بن حسين على مصر وهي سنة إحدى وسبعين وسبعمائة.
следующие страницы →