← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

وفي شهر ربيع الآخر غضب السلطان على موفّق الدين أبى الفرج ناظر الجيش وضربه نحو مائة وأربعين عصاة «١» وأمر بحبسه. وفي يوم الخميس رابع عشر جمادى الآخرة نقلت رمم أولاد السلطان الخمسة من مدافنهم إلى القبّة بالمدرسة الظاهريّة التي أنشأها الملك الظاهر بين القصرين ونقلت أيضا رمّة والد الملك الظاهر الأمير آنص عشاء والأمراء مشاة أمام نعشه، حتى دفن أيضا بالقبّة المذكورة. ثمّ في يوم الأربعاء حادى عشرة نزل الأمير جاركس الخليلىّ الأمير آخور إلى المدرسة الظاهريّة المقدّم ذكرها بعد فراغها وهيّا بها الأطعمة والحلاوات والفواكه. ثمّ ركب السلطان من الغد في يوم الخميس ونزل من القلعة بأمرائه وخاصّكيّته إلى المدرسة المذكورة، وقد اجتمع القضاة وأعيان الدولة، فمدّ بين يديه سماطا جليلا، أوّله عند المحراب وآخره عند البحرة التي بوسط المدرسة، وأكل السلطان والقضاة والأمراء والمماليك، ثمّ تناهبت الناس بقيّته، ثم مدّ سماط الحلوات والفواكه وملئت البحرة التي بصحن المدرسة من مشروب السّكّر، ثم بعد رفع السماط أخلع السلطان على الشيخ علاء الدين [علىّ «٢» ] السّيرامىّ الحنفىّ وقد استدعاه السلطان من بلاد الشرق واستقرّ مدرّس الحنفيّة وشيخ الصوفيّة وفرش له الأمير جاركس الخليلىّ السّجّادة بيده حتّى جلس عليها. ثم خلع السلطان على الأمير جاركس الخليلىّ شاد عمارة المدرسة المذكورة وعلى المعلّم شهاب الدين أحمد بن الطّولونىّ المهندس وركبا فرسين بقماش ذهب. ثم خلع السلطان على خمسة عشر نفرا من مماليك

стр. 3712

جاركس الخليلىّ ممن باشروا العمل مع أستاذهم وأنعم على كلّ منهم بخمسمائة درهم. ثم خلع السلطان على مباشرى العمارة. ولمّا جلس الشيخ علاء «١» الدين السّيرامىّ على السّجّادة تكلّم على قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ الآية. ثم قرأ القارىّ عشرا من القرآن ودعا. وقام السلطان وركب بأمرائه وخاصّكيّته وعاد إلى القلعة، بعد أن خرج من باب زويلة، فكان هذا اليوم من الأيام المشهودة. ثمّ بدا للسلطان بعد ذلك أن يقبض على الأمير بيدمر الخوارزمىّ نائب الشام، فأرسل طاووسا «٢» البريدىّ للقبض عليه ورسم للأمير تمربغا المنجكى أن يتوجّه على البريد لتقليد الأمير إشقتمر الماردينىّ عوضه بنيابة الشام وكان إشقتمر بالقدس بطّالا، وقد تقدم أنّ إشقتمر هذا ولى نيابة حلب في أيّام السلطان حسن الأولى ويلبغا أستاذ برقوق يوم ذاك خاصّكىّ، فانظر إلى تقلّبات الدهر. وفي يوم الجمعة عاشر شهر رمضان من سنة ثمان وثمانين وسبعمائة أقيمت الجمعة بالمدرسة الظاهريّة المذكورة وخطب بها جمال الدين محمود القيصرى العجمىّ المحتسب. وحجّ في هذه السنة الأمير جاركس الخليلىّ بتجمّل كبير وحجّ من الأمراء كمشبغا الخاصّكىّ الأشرفىّ ومحمد بن تنكز [بن «٣» ] بغا وجاركس المحمودىّ «٤» .

стр. 3713

وفي يوم الاثنين [خامس «١» ] عشرين شوّال استدعى السلطان زكريّا ابن الخليفة المعتصم بالله أبى إسحاق إبراهيم- وإبراهيم المذكور لم يل الخلافة- ابن المستمسك بالله أبى عبد الله محمد- وكذلك المستمسك لم يل الخلافة- ابن الخليفة الحاكم بأمر الله أحمد العباسىّ وأعلمه السلطان أنّه يريد أن ينصّبه في الخلافة، بعد وفاة أخيه الواثق بالله عمر. ثم استدعى السلطان القضاة والأمراء والأعيان، فلمّا اجتمعوا أظهر زكريّاء المذكور عهد عمّه المعتضد له بالخلافة، فخلع السلطان عليه خلعة غير خلعة الخلافة ونزل إلى داره. فلمّا كان يوم الخميس ثامن عشرينه طلع الخليفة زكرياء المذكور إلى القلعة وأحضر أعيان الأمراء والقضاة والشيخ سراج الدين عمر البلقينىّ فبدأ البلقينى بالكلام مع السلطان في مبايعة زكريّاء على الخلافة فبايعه السلطان أوّلا، ثم بايعه من حضر على مراتبهم ونعت بالمستعصم بالله وخلع عليه خلعة الخلافة على العادة ونزل إلى داره وبين يديه القضاة وأعيان الدولة. ثم طلع زكرياء المذكور في يوم الاثنين ثانى «٢» ذى القعدة وخلع عليه السلطان ثانيا بنظر المشهد النفيسىّ على عادة من كان قبله من الخلفاء، ولم تكن هذه العادة قديما، بل حدثت في هذه السنين. وفي خامس عشرين ذى الحجة قدم مبشّر الحاجّ السّيفىّ بطا الخاصّكىّ وأخبر أنّ الأمير آقبغا الماردينىّ أمير الحاجّ لمّا قدم مكّة خرج الشريف محمد بن أحمد ابن عجلان أمير مكّة لتلقّيه على العادة ونزل وقبّل الأرض ثم قبّل خفّ جمل المحمل.

стр. 3714

وعند ما انحنى وثب عليه فداويّان، ضربه أحدهما بخنجر في عنقه وهما يقولان: غريم السلطان فخرّ ميتا وتمّ نهاره ملقى حتى حمله أهله وواروه وكان كبيش على بعد، فقتل الفداويّة رجلا آخر يظنّوه كبيشا وأقام أمير الحاجّ لابس السلاح سبعة أيام خوفا من الفتنة، فلم يتحرّك أحد، ثم خلع أمير الحاجّ على الشريف غنان باستقراره أمير مكّة عوضا عن محمد المذكور وتسلّمها. ثمّ في تاسع عشرين ذى الحجة قدمت رسل الحبشة بكتاب ملكهم الحطّى واسمه داود بن سيف أرعد ومعهم هديّة على [أحد «١» و] عشرين جملا، فيها من طرائف بلادهم، من جملتها قدور قد ملئت حمّصا صنع من ذهب إذا رآه الشخص يظنّه حمصا وغير ذلك. ثم في يوم السبت سابع عشر صفر من سنة تسع وثمانين وسبعمائة قدم الأمير ألطنبغا الجوبانىّ نائب الكرك باستدعاء، فأخلع عليه السلطان باستقراره في نيابة دمشق عوضا عن إشقتمر الماردينىّ وعزل إشقتمر ولم تكمل ولايته على دمشق عشرة أشهر وأقام ألطنبغا الجوبانىّ بالقاهرة ثلاثة أيام وسافر في يوم تاسع عشره بعد ما أنعم عليه الملك الظاهر بمبلغ ثلاثمائة ألف درهم فضّة وفرس بسرج ذهب وكنبوش زركش وأرسل إليه الأمير أيتمش بمائة ألف درهم وعدّة بقج ثياب واستقرّ مسفّره الأمير قرقماس الظاهرىّ وخرج الجوبانىّ من مصر بتجمّل عظيم. ثم رسم باستقرار الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك المهمندار في نيابة حماة عوضا عن الأمير سودون العثمانى، واستقرّ سودون العثمانى على إقطاع محمد بن المهمندار المذكور بحلب.

стр. 3715

وفي آخر جمادى الآخرة من السنة وهى سنة تسع وثمانين ورد الخبر على السلطان بأن تيمور لنك صاحب بلاد العجم كبس الأمير قرا محمد صاحب مدينة تبريز «١» وكسره ففرّ منه قرا محمد في نحو مائتى فارس وتوجّه بهم إلى جهة ملطية «٢» ونزل هناك ونزل تيمور لنك على آمد «٣» فاستدعى السلطان القضاة والفقهاء والأمراء وتحدّث معهم فى أخذ الأوقاف من البلاد بسبب ضعف عسكر مصر فكثر الكلام في ذلك وصمّم الملك الظاهر على إخراج الجميع للجند، ثم رجع عن ذلك ورسم بتجهيز أربعة أمراء من أمراء الألوف بالديار المصريّة وهم: الأمير ألطنبغا المعلّم أمير سلاح والأمير قردم الحسنى رأس نوبة النّوب والأمير يونس النّوروزىّ الدوادار الكبير والأمير سودون باق وسبعة أمراء أخر من أمراء الطبلخانات وعيّن معهم من أجناد الحلقة ثلاثمائة فارس فتجهّز الجميع وخرجوا من القاهرة فى أوّل شهر رجب وساروا إلى حلب ونائبها يوم ذاك سودون المظفّرى وقد وصل إليه الخبر بأن قرا محمدا واقع ابن تيمور لنك وكسره ورجع إلى بلاده. وبعد خروج العسكر استدعى السلطان في سادس «٤» عشرين شعبان من سنة تسع وثمانين المذكورة الشيخ ناصر الدين ابن بنت الميلق «٥» وولّاه قضاء الشافعيّة بالديار المصرية بعد عزل القاضى بدر الدين محمد بن أبى البقاء عنها بعد ما تمنّع

стр. 3716

ابن الميلق المذكور من قبول القضاء تمنّعا زائدا وصلى ركعتى الاستخارة حتى أذعن، فألبسه السلطان الملك الظاهر تشريف القضاء بيده وأخذ طيلسانه يتبرّك به ونزل وبين يديه عظماء الدولة إلى المدرسة الصالحية «١» ، فداخل أرباب الدولة بولايته خوف ووهم وظنّوا أنه يحمل الناس على محض الحق وأنه يسير على طريق السّلف من القضاة، قال الشيخ تقىّ الدين المقريزىّ- ﵀ لما ألفوه من تشدّقه في وعظه وتفخّمه في منطقه وإعلانه في التّنكير على الكافة ووقيعته فى القضاة واشتماله على لبس المتوسّط من الخشن ومعيبه على أهل التّرف. وكان أوّل ما بدأ به أن عزل قضاة مصر كلهم من العريش «٢» إلى أسوان «٣» وبعد يومين تكلّم معه الحاجّ مفلح مولى «٤» القاضى بدر الدين بن فضل الله كاتب السرّ فى إعادة بعض من عزله من القضاة، فأعاده، فانحلّ ما كان معقودا بالقلوب من مهابته. ثمّ قلع زيّه الذي كان يلبسه ولبس الشاش الكبير الغالى الثمن ونحوه وترفّع فى مقاله وفعاله، حتى كاد يصعد الجوّ وشحّ في العطاء ولاذ به جماعة غير محبّبين إلى الناس فانطلقت ألسنة الكافّة بالوقيعة في عرضه واختلقوا عليه ما ليس فيه. انتهى كلام المقريزىّ باختصار. قلت: كل ذلك والملك الظاهر لا يسمع فيه قول قائل، حتى كانت وقعة الناصرىّ ومنطاش مع الملك الظاهر برقوق وحبس الملك الظاهر بالكرك وكان هو قاضيا يومئذ فوقع في حقّ الظاهر وأساء القول فيه، فبلغ الظاهر ذلك قبل

стр. 3717

ذهابه إلى الكرك وهو بسجن القلعة فأسرّها في نفسه على ما سنذكره فى محلّه فى سلطنة الملك الظاهر الثانية إن شاء الله تعالى. ثمّ ورد الخبر على السلطان الظاهر بأن العسكر المجرّد من الديار المصرية عاد إلى حلب وكان توجّه نحو ديار بكر صحبة نوّاب البلاد الشامية وعاد وكان الأمير ألطنبغا الجوبانىّ نائب الشام مقدّم العساكر وخرج بثقل عظيم وزدخاناه هائلة، جدّدها بدمشق حتى إنه رسم لفضلاء دمشق أن ينظموا له ما ينقش على أسنّة الرّماح، فنظم له القاضى فتح الدين محمد بن الشهيد كاتب سرّ دمشق: [البسيط] إذا الغبار علا في الجوّ عثيره ... وأظلم الجوّ ما للشمس أنوار هذا سنانى نجم يستضاء به ... كأنّنى علم في رأسه نار والسيف إن نام ملء الجفن في غلف ... فإننى بارز للحرب خطّار إنّ الرماح لأغصان وليس لها ... سوى النجوم على العيدان أزهار ونظم القاضى صدر الدين علىّ بن الآدمىّ الدمشقىّ الحنفى في المعنى فقال: [الكامل] النصر مقرون بضرب أسنة ... لمعانها كو ميض برق يشرق سبكت لتسبك كلّ خصم مارد ... وتطرّقت لمعاند يتطرّق زرق «١» تفوق البيض في الهيجاء إذ ... يحمرّ من دمه العدوّ الأزرق ينسجن يوم الحرب كلّ كتيبة ... تحت الغبار فنصرهنّ محقّق

стр. 3718

ونظم الشيخ شمس الدين محمد المزيّن الدّمشقىّ في المعنى وأجاد إلى الغاية: [الكامل] أنا أسمر والراية البيضاء لى ... لا للسيوف وسل من الشّجعان لم يحل لى عيش العداة لأننى ... نوديت يوم الجمع بالمرّان وإذا تغاتمت «١» الكماة بجحفل ... كلّمتهم فيه بكلّ لسان فتخالهم غنما تساق إلى الرّدى ... قهرا لمعظم سطوة الجوبانى ثمّ في شوّال خرج السلطان من القاهرة إلى سرياقوس «٢» على العادة في كل سنة، واستدعى به بالأمير يلبغا الناصرىّ من ثغر دمياط «٣» ، فوصل إلى سرياقوس فى ثالث عشر «٤» شوّال وقبّل الأرض بين يدى السلطان، فأكرمه السلطان وأنعم عليه بمائة فرس ومائة جمل وسلاح كثير [ومال «٥» ] وثياب وأشياء غير ذلك، قيمة ذلك كله خمسمائة ألف درهم فضة، وأهدى إليه سائر الأمراء على العادة، كل واحد على قدر حاله. ثم عاد السلطان من سرياقوس في أوّل ذى القعدة، وخلع على الأمير يلبغا الناصرىّ المذكور في خامس ذى القعدة من سنة تسع وثمانين المذكورة باستقراره فى نيابة حلب على عادته، عوضا عن سودون المظفرىّ بحكم استقرار سودون المظفرىّ أتابك حلب وأمره بالتجهيز، وهذه ولاية الناصرىّ الثالثة على حلب،

стр. 3719

فأصلح الأمير يلبغا الناصرىّ أمره وتهيّأ للسفر، وخرج في ثامن ذى القعدة إلى الرّيدانيّة، بعد أن أخلع السلطان عليه خلعة السفر، وسافر من الريدانية في تاسعه بتجمّل عظيم وبرك هائل ومسفّره الأمير جمق ابن الأمير أيتمش البجاسىّ، وبعد خروجه بثلاثة أيام قدم البريد من البلاد الشامية بأنّ تمربغا الأفضلى الأشرفىّ المدعوّ منطاش نائب ملطية خرج عن الطاعة ووافقه القاضى برهان الدين أحمد صاحب سيواس وقرا محمد التّركمانى ونائب البيرة ويلبغا المنجكىّ وعدّة كبيرة من خشداشيّة منطاش من المماليك الأشرفية وأنه انضم عليه جماعة كبيرة من التّركمان، فتشوّش السلطان في الباطن ولم يظهر ذلك، وندم على توليته يلبغا الناصرىّ على نيابة حلب، غير أنه لم يسعه إلا السّكات. ثم ركب السلطان الملك الظاهر في ثانى يوم جاء الخبر بعصيان منطاش وعدّى البحر إلى برّ الجيزة وتصيّد وعاد في سادس عشرينه، وبعد عوده بأيام وصل قاصد الأمير تمربغا الأفضلى الأشرفىّ المدعوّ منطاش نائب ملطية يخبر أنه ما نافق وأنه باق على طاعة السلطان، فأخذ السلطان في أخبار القاصد وأعطى، وبينما هو في ذلك قدم البريد من حلب في إثره يخبر السلطان بأنّ منطلق المذكور عاص، وأنه ما أرسل يقول: إنه باق على الطاعة إلّا يدفع عن نفسه حتى يخرج فصل الشتاء ويدخل فصل الربيع وتذوب الثلوج، فسيّر السلطان السيفىّ ملكتمر الدوادار بعشرة آلاف دينار إلى الأمراء المجرّدين قبل تاريخه توسعة لهم، وأمره في الباطن بالفحص عن أخبار منطاش وحقيقة أمره، وبعد خروج ملكتمر فشا الطاعون بالقاهرة ونواحيها في شهر ربيع الأوّل من سنة تسعين وسبعمائة، واشتغل الناس بمرضاهم وأمواتهم عن غيره.

стр. 3720

ثمّ أخلع السلطان على الأمير أيدكار «١» العمرىّ اليلبغاوىّ الحاجب الثانى وأحد مقدّمى الألوف، باستقراره حاجب الحجاب بالديار المصرية، عوضا عن قطلوبغا الكوكائىّ بعد شغورها عنه أربع سنين، وأضيف إليه نظر خانقاة شيخون، واستقرّ الأمير زين الدين أبو بكر بن سنقر عوضه حاجبا ثانيا حاجب ميسرة بتقدمة ألف. ثم في حادى عشرين جمادى الأولى من السنة قدم صراى تمر دوادار الأمير يونس النّوروزىّ الدوادار، ومملوك نائب حلب الأمير يلبغا الناصرىّ يخبران بأنّ العسكر توجّه إلى سيواس وقاتلوا عسكرها، وقد استنجد أهل سيواس» بالتتر، فأتاهم من التتر نحو الستين ألفا فحاربهم العسكر المصرىّ والحلبىّ يوما كاملا حتى هزموهم وحصروا سيواس بعد ما قتل كثير من الفريقين وجرح معظمهم، وأنّ الأقوات عندهم عزيزة، فجهّز السلطان للعسكر المذكور خمسين ألف دينار مصرية وشكرهم وسار بالذهب ملكتمر الدوادار ثانيا بعد قدومه مصر بأيام قليلة. وكان خروج ملكتمر في هذه المرّة الثانية بالذهب في سابع عشرين جمادى الآخرة «٣» ، هذا ما أخبره صراى تمر دوادار ثانى يونس الدّوادار. وأمّا ما وقع من بعده هناك فإنّ العسكر تحرّك إلى الرحيل عن سيواس لطول مكثهم، وعند ما ساروا هجم عليهم التتر من خلفهم، فاحترز الأمير يلبغا الناصرىّ نائب حلب إلى جهة حتى صار خلفهم، ثم طرقهم بمن معه ووضع السيف فيهم،

стр. 3721

فقتل منهم خلائق كثيرة وأسر منهم نحو الألف وأخذ منهم نحو عشرة آلاف فرس وعاد العسكر سالما إلى حلب؛ فقدم هذا الخبر الثانى أيضا على يد بعض مماليك الأمير يونس الدوادار، فسرّ السلطان بذلك ودقّت البشائر بالديار المصرية، ورسم السلطان بعود العسكر المصرىّ إلى نحو الديار المصرية، فعادوا إليها في ثالث شعبان من سنة تسعين وسبعمائة، فكانت غيبتهم عن القاهرة سنة وعدّة أيام. ولمّا وصلوا وطلعوا إلى القلعة أخلع عليهم السلطان الخلع الهائلة وشكرهم ونزلوا إلى دورهم، وكثرت التهانئ لمجيئهم. ثمّ في خامس عشر شعبان المذكور طلب السلطان الأمير الطواشى بهادر مقدّم المماليك السلطانية، فلم يجده بالقلعة ثم أحضر سكرانا من بيت على بحر النيل، فغضب السلطان عليه ونفاه إلى صفد على إمرة عشرة بها، وأخلع على الطواشى شمس الدين صواب السّعدىّ المعروف بشنكل الأسود بتقدمة المماليك السلطانية عوضا عن بهادر المذكور، واستقرّ الطواشى سعد الدين بشير الشّرفىّ فى نيابة المقدّم عوضا عن شنكل المذكور. وحجّ في هذه السنة أيضا الأمير جاركس الخليلىّ الأمير آخور الكبير أمير حاجّ الأوّل. وكان أمير حاجّ المحمل الأمير آقبغا الماردينىّ وخرج الحجّ من مصر في عاشر شوّال، وفي أثناء ذلك قدم الخبر بعصيان الأمير ألطنبغا الجوبانىّ نائب الشام وأنه ضرب الأمير طرنطاى حاجب حجّاب دمشق واستكثر من استخدام المماليك وشاع ذلك بالقاهرة وكثرت القالة بين الناس بهذا الخبر، فلمّا بلغ الأمير ألطنبغا الجوبانىّ ذلك أرسل استأذن السلطان في الحضور إلى الديار المصرية، فأذن له السلطان فى ذلك وفي ظنّ كلّ أحد أنه لم يحضر، فعندما جاءه الإذن ركب البريد من دمشق

стр. 3722

فى خواصه وسار حتى نزل سرياقوس خارج القاهرة في ليلة الخميس سابع عشرين شوّال من سنة تسعين المذكورة، وبلغ السلطان ذلك فأرسل إليه الأمير فارسا الصّرغتمشىّ أمير جاندار، فقبض عليه من سرياقوس وقيّده وسيّره إلى سجن الإسكندرية صحبة الأمير ألجيبغا الجمالىّ الدوادار. ثمّ رسم السلطان بأنّ طرنطاى حاجب حجاب دمشق يستقرّ في نيابة دمشق عوضا عن الأمير ألطنبغا الجوبانىّ المذكور، وحمل إليه التشريف والتقليد الأمير سودون الطّرنطائىّ، فعظم مسك الأمير ألطنبغا الجوبانىّ على الناس كونه ظهر للسلطان براءته ممّا نقله عنه أعداؤه وكونه من أكابر اليلبغاويّة، ولم يسعهم إلا السكات لفوات الأمر. ثم كتب السلطان كتابا لأمراء طرابلس وأرسله على يد بعض خواصّه بالقبض على الأمير كمشبغا الحموىّ اليلبغاوىّ نائب طرابلس، فقدم سيفه في عاشر ذى القعدة فتأكّد تشويش الناس بمسك كمشبغا أيضا، فإنه أكبر مماليك يلبغا العمرىّ. وممّن صار في أيام أستاذه يلبغا أمير طلبخاناه، وتوجّه الأمير شيخ الصّفوىّ بتقليد الأمير أسندمر المحمّدىّ حاجب حجّاب طرابلس بنياية طرابلس عوضا عن كمشبغا الحموىّ المقدّم ذكره. ثم نفى السلطان الملك الظاهر الأمير كمشبغا الخاصّكىّ الأشرفىّ، أحد أمراء الطبلخانات ورأس نوبة إلى طرابلس، فسار من دمياط «١» ، لأنّه كان في اليزك بالثّغر المذكور.

стр. 3723

ثمّ قدم البريد بعشرين سيفا من سيوف الأمراء الذين قبض عليهم من أمراء البلاد الشامية، ثم كتب السلطان بالقبض على الأمراء البطّالين ببلاد الشام جميعا، ثم أعيد سودون العثمانىّ إلى نيابة حماة بحكم خروج كشلى منها إلى نيابة ملطية، عوضا عن منطاش، وكان كشلى ولى نيابة حماة قبل تاريخه بمدّة يسيرة عوضا عن ابن المهمندار. ثم في ثانى ذى القعدة قدمت رسل قرا محمد وأخبروا أنه أخذ مدينة تبريز، وضرب بها السّكّة باسم السلطان الملك الظاهر برقوق، ودعا له على منابرها وسيّر دنانير ودراهم، عليها اسم السلطان، وسأل أن يكون نائبا بها عن السلطان فأجيب بالشكر والثناء، هذا والخواطر قد نفرت من الملك الظاهر لكثرة قبضه على الأمراء من غير موجب، وتخوّف كلّ أحد منه، على نفسه حتى خواصّه وكثر تخيّل الأمراء منه، وبينما هم في ذلك أشيع بالديار المصريّة بعصيان الأمير يلبغا الناصرىّ نائب حلب، وكثر هذا الخبر في محرّم سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. وسبب ذلك أنه وقع بين الأمير يلبغا الناصرىّ وبين سودون المظفّرىّ أتابك حلب المعزول عن نيابة حلب قبل تاريخه، وكاتب كلّ منهما في الآخر، فاحتار السلطان بينهما وقد قوى تخوّفه من الناصرىّ. قال المقريزىّ- ﵀. وكان أجرى الله على ألسنة العامّة: من غلب، صاحب حلب، حتى لا يكاد صغير ولا كبير إلا يقول ذلك، حتى كان من أمر الناصرىّ نائب حلب ما كان. انتهى كلام المقريزى.

стр. 3724

ولمّا شاع ذلك جمع السلطان الأمراء والخاصّكيّة في يوم الأحد خامس صفر بالميدان من تحت القلعة وشرب معهم القمزّ، وقرّر لشربه معهم يومى الأحد والأربعاء، يروم بذلك أخذ خواطرهم. ثمّ في عاشره بعث السلطان هديّة للأمير يلبغا الناصرىّ نائب حلب فيها عدّة خيول بقماش ذهب [وقباء «١» ] واستدعاه ليحضر ليعمل معه مشورة في أمر منطاش، فلمّا أتاه رسول السلطان بالحضور إلى الديار المصرية، خشى أن يفعل به كما فعل بالأمير ألطنبغا الجوبانىّ نائب الشام من مسكه وحبسه بالإسكندرية، فكتب يعتذر عن الحضور إلى حضرة السلطان بحركة التّركمان وعصيان منطاش، وأنه يتحوّف على البلاد الحلبية منهم، ومهما كان للسلطان من حاجة يرسل يعرّفه ليقوم بقضائها، وعاد رسول السلطان إلى مصر بهذا الجواب، فلم يقبل السلطان ذلك منه في الباطن وقبله في الظاهر وقد كثر تخيّله منه، وأخذ في التدبير على الأمير يلبغا الناصرىّ مع خواصّه، حتى اقتضى رأى الجميع على إرسال تلكتمر «٢» الدوادار إلى حلب بحيلة دبّروها، فخرج تلكتمر المحمّدىّ الدوادار المذكور وعلى يده مثالان ليلبغا الناصرىّ نائب حلب ولسودون المظفرىّ أتابك حلب المقدّم ذكره أن يصطلحا بحضرة الأمراء والقضاة والأعيان وسير معه خلعتين يلبسانها بعد صلحهما وحمل السلطان في الباطن مع ملكتمر عدّة مطالعات إلى سودون المظفرىّ وغيره من أمراء حلب وأرباب وظائفها بالقبض على الناصرىّ وقتله إن امتنع من الصلح وكان مملوك الناصرىّ قد تأخر بالقاهرة عن السفر لحلب ليفرّق كتبا

стр. 3725

من أستاذه على أمراء مصر، يدعوهم فيها إلى موافقته على الخروج على السلطان وأخّر السلطان أيضا جواب الناصرىّ الوارد على يد مملوكه المذكور، عامدا حتى يسبقه تلكتمر الدوادار إلى حلب. وكان مملوك الناصرىّ المذكور يقظا حاذقا، فبلغه ما على يد تلكتمر الدوادار من المطالعات بالقبض على أستاذه يلبغا الناصرىّ وعلم أنه عوّق حتى سافر تلكتمر. ثم أعطى الجواب، فأخذه وخرج من مصر فى يومه وسار مسرعا وجّد في السّوق حتى سبق تلكتمر الدوادار إلى حلب وعرّف أستاذه بخبر تلكتمر كلّه سرّا، فأخذ الناصرىّ في الحذر. ويقال: إنّ تلكتمر الدّوادار كان بينه وبين الشيخ حسن رأس نوبة الناصرىّ مصاهرة، فلما قرب من حلب بعث يخبر الشيخ حسنا المذكور بما أتى فيه، فعلى كل حال احترز الناصرىّ. وهذا الخبر الثانى يبعد والأوّل أقرب وأقوى عندى من كلّ وجه. ثمّ لمّا تحقّق الناصرىّ ما جاء فيه تلكتمر احترز على نفسه وتعبّأ، فلما قرب تلكتمر من حلب، خرج الأمير يلبغا الناصرىّ من حلب ولاقاه على العادة مظهرا لطاعة السلطان وقبّل الأرض وأخذ منه مثاله وعاد به إلى دار السعادة «١» بحلب وقد اجتمع الأمراء والقضاة وغيرهم لسماع مرسوم السلطان وتأخّر الأمير سودون المظفّرى أتابك حلب عن الحضور ولم يعجبه ما فعله الملك الظّاهر برقوق من حضوره عند الناصرىّ لمعرفته بقوّة الناصرىّ وكثرة مماليكه، فأرسل له الناصرىّ- غير قاصد- يستعجله للحضور فلم يجد بدّا من الحضور وحضر وهو لابس آلة الحرب من تحت قماشه خوفا على نفسه من الناصرىّ وحواشيه، فعندما دخل سودون المظفّرىّ إلى دهليز دار السّعادة. جسّ قازان اليرقشىّ أمير آخور الناصرىّ كتفه فوجد السلاح،

стр. 3726

فقال: يا أمير! الذي يجيء للصلح يدخل دار السعادة وعليه السلاح وآلة الحرب، فسبّه سودون المظفّرىّ فسلّ قازان سيفه وضربه به وأخذت سودون المظفّرى السّيوف من كل جانب من مماليك الناصرىّ الذين كان رتّبهم لهذا الأمر، فقتل سودون المظفرىّ بعد أن جرّدت مماليكه أيضا سيوفهم وقاتلوا مماليك الناصرىّ ساعة هيّنة وقتل من الفريقين أربعة أنفس لا غير وثارت الفتنة. ففى الحال قبض الناصرىّ على حاجب حجّاب حلب وعلى أولاد المهمندار وكانا مقدّمى ألوف بحلب وعلى عدّة أمراء أخر ممن يخشاهم ويخاف عاقبتهم. ثم ركب الناصرىّ إلى القلعة وتسلّمها واستدعى التركمان والعربان وكتب إلى تمربغا الأفضلىّ الأشرفىّ المعروف بمنطاش يدعوه إلى موافقته، فسرّ منطاش بذلك وقدم عليه بعد أيام ودخل تحت طاعته. وكان الناصرىّ قد أباد منطاش وقاتله، منذ خرج عن طاعته وطاعة السلطان غير مرّة، وصار منطاش من جملة أصحابه وتعاضد الأشرفيّة واليلبغاويّة، واليلبغاوية هم الأكثر، فإنّ الناصرىّ من كبار اليلبغاويّة ومنطاش من كبار الأشرفيّة، هذا مع ما انضم على الناصرىّ من أكابر الأمراء على ما سيأتى ذكره. وعاد ملكتمر الدّوادار بهذا الخبر في خامس عشر صفر، فكان عليه خبر غير صالح، فكتب السّلطان في الحال إلى الأمير إينال اليوسفىّ أتابك دمشق والمعزول قبل تاريخه عن نيابة حلب بنيابة حلب ثانيا. وجهّز إليه التّشريف والتّقليد فى ثامن عشر صفر المذكور من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وكان إينال اليوسفىّ ممن انحرف على السلطان في الباطن من أيام ركوبه عليه، قبل أن يتسلطن وقبض عليه وحبسه سنتين، ثم أطلقه على إمرة بدمشق ثم ولّاه بعض البلاد الشامية وهي نيابة طرابلس، ثم نقله إلى نيابة حلب، فدام بها سنين، ثم عزله عنها بالأمير

стр. 3727

يلبغا الناصرىّ وجعله أتابك دمشق، فصار في نفسه حزازة من هذا كله على ما سيأتى ذكره. ثمّ إن السلطان في ثامن عشر صفر المذكور طلب الأمراء إلى القلعة وكلّهم فى أمر الناصرىّ وعصيانه واستشارهم في أمره، فوقع الاتفاق على خروج تجريدة لقتاله وحلّف الأمراء على طاعته، ثم خرج إلى القصر الأوّل وحلّف أكابر المماليك السلطانيّة. ثم في تاسع عشره ضربت خيمة كبيرة بالميدان من تحت القلعة وضرب بجانبها عدّة صواوين برسم الأمراء ونزل السلطان إلى الخيمة المذكورة وحلّف بها سائر الأمراء وأعيان المماليك السلطانيّة بل غالبهم. ثم مدّ لهم سماطا جليلا فأكلوا وانفضّوا. ثم في رابع عشرينه قدم البريد من دمشق بأنّ الأمير قرابغا فرج الله والأمير بزلار العمرىّ الناصرىّ والأمير دمرداش اليوسفىّ والأمير كمشبغا الخاصّكى الأشرفىّ وآقبغا قبجق «١» اجتمع معهم عدّة كثيرة من المماليك المنفيّين بطرابلس ووثبوا «٢» على نائبها الأمير أسندمر المحمّدىّ وقبضوا عليه وقتلوا من أمراء طرابلس الأمير صلاح الدين خليل بن سنجر وابنه وقبضوا على جماعة كبيرة من أمراء طرابلس، ثم دخل الجميع فى طاعة الناصرىّ وكاتبوه بذلك وملكوا مدينة طرابلس. وفي يوم وصول هذا الخبر على السلطان عرض السلطان المماليك السلطانيّة، وعيّن منهم أربعمائة وثلاثين مملوكا من المماليك السلطانيّة للسفر، وعيّن خمسة من أمراء الألوف بديار مصر وهم: الأمير الكبير أيتمش البجاسىّ «٣» ، والأمير جاركس

стр. 3728

الخليلىّ الأمير آخور الكبير والأمير شهاب الدين أحمد بن يلبغا أمير مجلس والأمير يونس النّوروزىّ الدّوادار الكبير والأمير أيدكار «١» حاجب الحجاب وعيّن من أمراء الطبلخاناه سبعة وهم: فارس الصّرغتمشىّ وبكلمش العلائىّ رأس نوبة وجاركس المحمّدىّ وشاهين الصّرغتمشىّ وآقبغا الصغير السلطانىّ وإينال الجاركسىّ أمير آخور وقديد القلمطاوىّ من أمراء العشرات جماعة كبيرة. ثمّ أرسل السلطان للأمير أيتمش برسم النفقة مائتى ألف درهم فضة وعشرة آلاف دينار ذهبا مصريا. ثم أرسل إلى كل من أمراء الألوف ممن عيّن للسفر مائة ألف درهم وخمسة آلاف دينار ماخلا أيدكار حاجب الحجاب فإنه حمل إليه مبلغ ستين ألف درهم وألفا وأربعمائة دينار. ثم في سادس عشرين صفر المذكور قدم الخبر من الشّام بأنّ مماليك الأمير سودون العثمانىّ نائب حماة اتّفقوا على قتله، ففرّ منهم إلى دمشق وأنّ الأمير بيرم العزّىّ حاجب حجاب حماة سلّم حماة إلى الأمير يلبغا الناصرىّ ودخل تحت طاعته، فعظم هذا الخبر أيضا على السلطان حتى كاد يهلك وعرض المماليك ثانيا وعيّن منهم أربعة وسبعين نفرا لتتمّة خمسمائة مملوك. قلت: ولهذا تعرف هذه الواقعة بوقعة الخمسمائة وبوقعة شقحب «٢» وبوقعة الناصرىّ ومنطاش. انتهى. وفي يوم الجمعة سابع عشرين صفر رسم السلطان للأمير بجاس نائب «٣» قلعة الجبل أن يتوجّه إلى الخليفة المتوكل على الله أبى عبد الله محمد بالقلعة وينقله من داره إلى

стр. 3729

البرج من القلعة ويضيّق عليه ويمنع الناس من الدخول إليه، ففعل بجاس ذلك، فبات الخليفة ليلته بالبرج ثم أعيد من الغد إلى مكانه بالقلعة، بعد أن كلّم السلطان الأمراء في ذلك. ثمّ رسم السلطان للطّواشى زين الدين مقبل الزّمام بالتّضييق على الأسياد أولاد «١» السّلاطين بالحوش السّلطانىّ من القلعة ومنع من يتردّد إليهم من الناس والفحص عن أحوالهم، ففعل مقبل ذلك. ثم في يوم الاثنين ثانى شهر ربيع الأوّل خرج البريد من مصر بتقليد الأمير طغاى تمر القبلائى أحد أمراء دمشق بنيابة طرابلس. ثم فرّق السلطان في المماليك نفقة ثانية، فكانت الأولى لكل واحد: خمسة آلاف درهم فضّة والثانية ألف درهم، سوى الخيل والجمال والسلاح، فإنه فرّق فى أرباب الجوامك لكل واحد جملين ولكل اثنين من أرباب الأخباز ثلاثة جمال ورتّب لهم [اللحم «٢» ] والجرايات والعليق، فرتّب لكل من رءوس النّوب [فى اليوم «٣» ] ستة عشرة عليقة ولكلّ من أكابر المماليك عشر علائق ولكل من أرباب الجوامك خمس علائق. ورسم أيضا لكل مملوك من المماليك السلطانية بخمسمائة درهم بدمشق. ثم في رابع عشر شهر ربيع الأوّل المذكور جلس السلطان بمسجد «٤» الرّدينىّ داخل القلعة بالحريم السلطانىّ واستدعى الخليفة المتوكّل على الله من مكانه بالقلعة، فلّما

стр. 3730

دخل عليه الخليفة قام الملك الظاهر له وتلقّاه وأخذ في ملاطفته والاعتذار إليه واصطلحا وتحالفا ومضى الخليفة إلى موضعه بالقلعة، فبعث السلطان إليه عشرة آلاف درهم وعدّة بقج، فيها أثواب صوف وقماش سكندرىّ. ثمّ تواترت الأخبار على السلطان بدخول سائر الأمراء بالبلاد الشامية والمماليك الأشرفيّة واليلبغاويّة في طاعة الناصرىّ وكذلك الأمير سولى بن دلغادر أمير التركمان، ونعير أمير العربان وغيرهما من التركمان والأعراب، دخل الجميع في طاعة الناصرى على محاربة السلطان الملك الظاهر وأنّ الناصرىّ أقام أعلاما «١» خليفتيّة وأخذ جميع القلاع بالبلاد الشامية، واستولى عليها ما خلا قلعة الشام وبعلبكّ والكرك، فقلق السلطان لذلك وكثر الاضطراب بالقاهرة وكثر كلام الناس في هذا الأمر، حتى

стр. 3731

تجاوز الحدّ واختلفت الأقاويل، كلّ ذلك وإلى الآن لم تخرج التجريدة من مصر، فلما بلغ السلطان هذه الأخبار رسم بخروج التجريدة، فخرجت الأمراء المذكورون قبل تاريخه في يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الاوّل من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة إلى الرّيدانية بتجمل زائد واحتفال عظيم بالأطلاب من الخيول المزيّنة بسروج الذهب والكنابيش والسلاح الهائل، لا سيما الأمير أيتمش والأمير أحمد ابن يلبغا فإنهما أمعنا في ذلك وكان للناس مدّة طويلة لم يتجرّد السلطان إلى البلاد الشامية ولا عسكره، سوى سفر الأمراء في السنة الماضية إلى سيواس وكانوا بالنسبة إلى هذه التجريدة كلا شىء وتتابعتهم المماليك شيئا بعد شىء، حتى سافر الجميع من الرّيدانية في يوم الاثنين سادس عشر شهر ربيع الأوّل المذكور. ثمّ أخذ السلطان بعد خروج العسكر في استجلاب خواطر الناس وأبطل الرّمايات والسّلف على البرسيم والشعير وإبطال قياس القصب والقلقاس والإعفاء على ذلك كله. ثم في يوم الثلاثاء [أوّل ربيع الآخر «١» ] قدم البريد بأن الأمير كمشبغا المنجكىّ نائب بعلبكّ دخل تحت طاعة يلبغا الناصرىّ وكذلك [فى خامسه قدم البريد بأن «٢» ] ثلاثة عشر أميرا من أمراء دمشق خرجوا بمماليكهم من دمشق وساروا إلى حلب ودخلوا في طاعة الناصرى. وأما العسكر الذي خرج من مصر فإنه لما وصل إلى غزّة أحسّ الأمير جاركس الخليلىّ بمخامرة نائبها الأمير آقبغا الصفوىّ فقبض عليه وبعثه إلى الكرك وأقرّ في نيابة غزّة الأمير حسام الدين بن باكيش.

стр. 3732

ثم في عشرين شهر ربيع الآخر قدم على السلطان رسول قرا محمد التركمانى ورسول الملك الظاهر مجد الدين عيسى صاحب ماردين يخبران بقدومهما إلى خابور ويستأذنان في محاربة الناصرى فأجيبا بالشكر والثناء وأذن «١» لهما في ذلك. وأمّا العسكر فإنه سار من غزّة حتّى دخل دمشق في يوم الاثنين سابع شهر ربيع الآخر المذكور، ودخلوا دمشق بعد أن تلقّاهم نائبها الأمير [حسام الدين «٢» ] طرنطاى، ودخلوا دمشق قبل وصول الناصرىّ بعساكره اليها بمدّة، وأقبل المماليك السلطانية على الفساد بدمشق، واشتغلوا باللهو وأبادوا أهل دمشق شرّا، حتى سئمتهم أهل الشام وانطلقت الألسنة بالوقيعة فيهم وفي مرسلهم. قلت: هو مثل سائر: «الولد الخبيث يكون سببا لوالده في اللّعنة» وكذلك وقع، فإنّ أهل دمشق لمّا نفرت قلوبهم من المماليك الظاهرية، لم يدخلوا بعد ذلك في طاعة الملك الظاهر البتّة على ما سيأتى ذكره. وبينما هم في ذلك جاءهم الخبر بنزول يلبغا الناصرىّ بعساكره على خان لاجين «٣» خارج دمشق في يوم السبت تاسع عشر شهر ربيع الآخر، فعند ذلك تهيّأ الأمراء المصريّون والشاميون إلى قتالهم وخرجوا من دمشق في يوم الاثنين حادى عشرينه إلى برزة «٤» والتقوا بالناصرىّ على خان لاجين، وتصاففوا ثم اقتتلوا قتالا شديدا ثبت فيه كلّ من الفريقين ثباتا لم يسمع بمثله، ثمّ تكاثر العسكر المصرىّ وصدقوا الحملة على الناصرىّ ومن معه فهزموهم وغيّروه عن موقفه.

стр. 3733

ثمّ تراجع عسكر الناصرىّ وحمل بهم، والتقى العسكر السّلطانى ثانيا واصطدما صدمة هائلة ثبت فيها أيضا الطائفتان وتقاتلا قتالا شديدا، قتل فيها جماعة من الطائفتين، حتى انكسر الناصرىّ ثانيا. ثم تراجع عسكره وعاد إليهم والتقاهم ثالث مرّة، فعندما تنازلوا في المرّة الثالثة «١» والتحم القتال، أقلب الأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس رمحه ولحق بعساكر الناصرىّ بمن معه من مماليكه وحواشيه، ثم تبعه الأمير أيّدكار العمرىّ حاجب الحجاب أيضا بطلبه ومماليكه، ثم الأمير فارس الصّرغتمشىّ ثم الأمير شاهين [حسين «٢» ] أمير آخور بمن معهم وعادوا قاتلوا العسكر المصرىّ، فعند ذلك ضعف أمر العساكر المصريّة وتقهقروا وانهزموا أقبح هزيمة، فلما ولّوا الادبار في أوائل الهزيمة هجم مملوك من عسكر الناصرىّ يقال له يلبغا الزينىّ الأعور وضرب الأمير جاركس الخليل الأمير آخور بالسيف قتله وأخذ سلبه وترك رمّته عارية، إلى أن كفّنته امرأة بعد أيام ودفنته. ثم مدّت التركمان والعرب أيديهم ينهبون من انهزم من العسكر المصرىّ ويقتلون ويأسرون من ظفروا به وساق الأمير الكبير أيتمش البجاسىّ حتى لحق بدمشق وتحصّن بقلعتها وتمزّق العسكر المصرىّ وذهب كأنه لم يكن ودخل الناصرىّ من يومه إلى دمشق بعساكره ونزل بالقصر من الميدان وتسلّم بالقلعة بغير قتال وأوقع الحوطة على سائر [ما «٣» ] للعسكر وأنزل بالأمير الكبير أيتمش وقيّده هو والأمير طرنطاى نائب الشام وسجنهما بقلعة دمشق وتتبّع بقيّة الأمراء والمماليك حتى قبض من يومه أيضا على الأمير بكلمش العلائى في عدّة من أعيان المماليك

стр. 3734

الظاهريّة، فاعتقلهم أيضا بقلعة دمشق. ثم مدّت التركمان والأجناد أيديهم في النهب، فما عفّوا ولا كفّوا وتمادوا على هذا عدّة أيام. وقدم هذا الخبر على الملك الظاهر من غزة في يوم سابع عشرين شهر ربيع الآخر المذكور فاضطربت الناس اضطرابا عظيما لا سيما لمّا بلغهم قتل الأمير جاركس الخليلىّ والقبض على الأمير الكبير أيتمش البجاسىّ وغلّقت الأسواق وانتهبت الأخباز وتشغّبت الزّعر وطغى أهل الفساد، هذا مع ما للناس فيه من الشغل بدفن موتاهم وعظم الطاعون بمصر، كلّ ذلك وإلى الآن لم يعرف السلطان بقتل الأمير يونس النّوروزىّ الدوادار على ما سيأتى ذكره. وأما السلطان الملك الظاهر برقوق فإنه لمّا بلغه ما وقع لعسكره وجم وتحيّر فى أمره وعظم عليه قتل جاركس الخليلىّ والقبض على أيتمش أكثر من انهزام عسكره، فإنهما ويونس الدوادار كانوا هم القائمين بتدبير ملكه، وأخذ يفحص عن أخبار يونس الدوادار المذكور، فلم يقف له على خبر، لسرعة مجىء خبر الوقعة له من مدينة غزّة وإلى الآن لم يأته أحد ممن باشر الواقعة غير أنه صحّ عنده ما بلغه. ثمّ خرج إلى الإيوان بالقلعة واستدعى الأمراء والمماليك وتكلّم معهم السلطان فى أمر الناصرىّ ومنطاش واستشارهم، فوقع الاتفاق على خروج تجريدة ثانية، فانفضّ الموكب وخرج السلطان في ثامن عشر شهر ربيع الآخر إلى الإيوان، وعيّن من المماليك السلطانيّة ممن اختار سفره خمسمائة مملوك، وأنفق فيهم ذهبا حسابا عن ألف درهم فضّة لكل واحد، ليتوجّهوا إلى دمشق صحبة الأمير سودون الطّرنطائىّ، وقام السلطان فكلّمه بعض خواصّه في قلّة من عيّن من المماليك، وأن العسكر الذي كان صحبة أيتمش كان أضعاف ذلك وحصل ما حصل، فعرض العسكر ثانيا وعيّن

стр. 3735

خمسمائة أخرى ثم عيّن أربعمائة أخرى لتتمّة ألف وأربعمائة مملوك، وأنفق في الجميع ألف درهم فضة، لكل واحد. ثمّ أنفق السلطان في المماليك الكتابيّة لكل مملوك مائتى درهم فضّة، فإنه بلغه أنهم في قلق لعدم النفقة عليهم. هذا، وقد طمع كلّ أحد من المماليك وغيرهم في جانب الملك الظاهر لما وقع لعسكره بدمشق. ثم عمل السلطان الموكب في يوم الأربعاء أوّل جمادى الأولى، وأنعم على كلّ من قرابغا البوبكرىّ وبجاس النّوروزىّ نائب قلعة الجبل وشيخ الصّفوىّ وقرقماس الطّشتمرىّ بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، عوضا عمّن قتل أو أمسك بالبلاد الشامية. ثم أنعم السلطان أيضا في اليوم المذكور على كل من الجيبغا الجمالىّ الخازندار وألطنبغا العثمانىّ رأس نوبة ويونس الإسعردىّ الرمّاح وقنق باى الألجاوىّ اللالا وأسنبغا الأرغونىّ شاوىّ وبغداد الأحمدىّ وأرسلان اللّفّاف وأحمد الأرغونىّ وجرباش الشيخىّ وألطنبغا شادى وأرنبغا «١» المنجكىّ وإبراهيم بن طشتمر العلائىّ الدوادار وقرا كسك السيفىّ بإمرة طبلخاناه. وأنعم على كل من السيد الشريف بكتمر الحسينىّ «٢» والى القاهرة [كان «٣» ] وقنق باى الأحمدى بإمرة عشرين. وأنعم على كل من بطا الطّولوتمرىّ الظاهرىّ ويلبغا السودونىّ وسودون اليحياوىّ وتنّبك «٤» اليحياوىّ وأرغون شاه البيدمرىّ وآقبغا

стр. 3736

الجمالىّ الهذبانىّ وفوزى الشعبانىّ وتغرى بردى البشبغاوىّ والد كاتبه وبكبلاط السعدىّ «١» وأرنبغا «٢» العثمانىّ وشكرباى العثمانىّ وأسنبغا السيفىّ بإمرة عشرة، وكلّ هؤلاء مماليك الملك الظاهر برقوق وخاصّكيّته أمرّهم في هذه الحركة وكانوا قبل ذلك من جملة الخاصكيّة، ومنهم من هو إلى الآن لم يحضر من التجريدة. ثمّ قدم البريد على السلطان من قطيا بأنّ الأمير إينال اليوسفىّ أتابك دمشق المنعم عليه بنيابة حلب بعد عصيان الناصرىّ والأمير إينال أمير آخور والأمير إياس أمير آخور دخلوا إلى غزّة في عسكر كثيف من عساكر الناصرىّ وقد صاروا قبل تاريخه من حزب الناصرىّ واستولوا على مدينة غزة والرّملة وتمزّقت عساكرها، فعظم لهذا الخبر جزع الملك الظاهر وتحيّر في أمره. ثم في يومه «٣» استدعى السلطان القضاة والأمراء والأعيان وبعث الأمير سودون الطّرنطائى والأمير قرقماش الطشتمرىّ إلى الخليفة المتوكّل على الله بمسكنه في قلعة الجبل فأحضراه، فلمّا رآه الملك الظاهر قام له وتلقّاه وأجلسه، وأشار إلى القضاة فحلّفوا كلّا منهما للآخر على الموالاة والمناصحة، وخلع السلطان على الخليفة المتوكل على الله المذكور خلعة الرضا، وقيّد إليه حجرة شهباء من خواصّ خيل السلطان بسرج ذهب وكنبوش مزركش وسلسلة ذهب وأذن له في النزول إلى داره، فركب ونزل من القلعة إلى داره في موكب جليل، وأعيدت إقطاعاته ورواتبه وأخلى له بيت بقلعة الجبل ليسكن فيه.

стр. 3737

ثمّ طلع الخليفة من يومه ونقل حرمه إلى البيت المذكور بالقلعة، وصار يركب فى بعض الأحيان وينزل إلى داره بالمدينة ثم يطلع من يومه إلى مسكنه بالقلعة ويبيت فيه مع أهله وحرمه، واستمرّ على ذلك إلى ما سيأتى ذكره. ثم في يوم الجمعة ثالث جمادى الأولى المذكورة قدم الأمير شهاب الدين أحمد ابن بقر أمير عرب الشرقيّة، ومعه هجّان الأمير جاركس الخليلىّ، فحدّث السلطان بتفصيل واقعة العسكر المصرى مع الناصرى، وأنه فرّمع الأمير يونس الدوادار فى خمسة نفر طالبين الديار المصرية، فعرض لهم الأمير عنقاء بن شطّى أمير آل فضل بالقرب من خربة اللصوص من طريق دمشق، وقبض على الأمير يونس الدّوادار ووبّخه لما كان في نفسه منه، ثم قتله وحزّ رأسه وبعث به إلى الناصرىّ، فعندما بلغ السلطان قتل يونس الدوادار وتحقّقه كادت نفسه تزهق وكان بلغه هذا الخبر، غير أنه لم يتحقّقه إلا في هذا اليوم وبقتل يونس الدوادار استشعر كلّ أحد بذهاب ملك الملك الظاهر. ثم أصبح السلطان أمر بالمناداة بمصر والقاهرة بإبطال سائر المكوس من سائر ديار مصر وأعمالها، فقام جميع كتّاب المكوس من مجالسهم. ثم في سادس الشهر «١» ركب الخليفة المتوكّل على الله من القلعة بأمر السلطان الملك الظاهر ونزل إلى القاهرة، ومعه الأمير سودون الفخرىّ الشيخونىّ نائب السلطنة وقضاة القضاة وشيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينىّ وسائر الحجّاب وداروا في شوارع القاهرة ورجل أمامهم على فرس يقرأ ورقة فيها: إنّ السلطان قد أزال المكوس والمظالم وهو يأمر الناس بتقوى الله وطاعته وإنّا قد سألنا العدق

стр. 3738

الباغى في الصلح فأبى وقد قوى أمره فأغلقوا دوركم وأقيموا الدروب «١» على الحارات وقاتلوا عن أنفسكم وحريمكم، فلمّا سمع الناس ذلك تزايد خوفهم وقلقهم ويئس كلّ واحد من الملك الظاهر وأخذ الناس في العمل للتوصّل إلى الناصرىّ، حتى حواشى برقوق لمّا سمعوا هذه المقالة وقد تحقّقوا بسماعها بأنّ الملك الظاهر لم يبق فيه بقيّة يلقى بها الناصرىّ وعساكره وقول الملك الظاهر: وإنا قد سألنا العدوّ فى الصلح فأبى وقوى، فإنه كان لمّا توجه العسكر من مصر لقتال الناصرى أمرهم أن يرسلوا له في طلب الصلح مع الناصرىّ ففعلوا، فلم ينتظم صلح ووقع ما حكيناه من القتال وغيره. ثمّ إن الناس لمّا سمعوا هذه المناداة شرعوا في عمل الدّروب فجدّد بالقاهرة دروب كثيرة وأخذوا في جمع الأقوات والاستعداد للقتال والحصار وكثر كلام العامّة فيما وقع وهان الملك الظاهر وعساكره في أعين الناس وقلّت الحرمة وتجمّع الزّعر، ينتظرون قيام الفتنة لينهبوا الناس وتخوّف كلّ أحد على ماله وقماشه، كلّ ذلك والناصرى إلى الآن بدمشق. ثم انقطع أخبار الناصرىّ عن مصر لدخول الأمير حسام الدين بن باكيش نائب غزة في طاعة الناصرىّ. ثم قدم الخبر بدخول الأمير مأمور القلمطاوى نائب الكرك في طاعة الناصرىّ وأنه سلّم له الكرك بما فيها من الأموال والسلاح، فتيقّن كلّ أحد عند سماع هذا الخبر أيضا بزوال ملك الملك الظاهر. هذا والأمراء والعساكر المعيّنة للسفر فى اهتمام، غير أنّ عزائم السلطان فاترة وقد علاه وله وداخله الخوف من غير أمر

стр. 3739

يوجب ذلك. وكان السلطان لمّا عيّن هذه التجريدة الثانية أرسل إلى بلاد الصعيد يطلب نجدة فقدم إلى القاهرة في هذا اليوم طوائف من عرب هوّارة نجدة للسلطان ونزلوا تحت القلعة. ثمّ أمر السلطان بحفر خندق «١» القلعة وتوعير طريق باب القلعة المعروف بباب القرافة وباب الحرس وباب «٢» الدّرفيل. ثمّ أمر السلطان بسدّ خوخة «٣» الأمير أيدغمش خارج بابى زويلة، فسدّت حتى صار لا يدخل منها راكب ثمّ أمر السلطان فنودى بالقاهرة بإبطال مكس النّشا والجلود.

стр. 3740

وفي يوم الجمعة عاشر جمادى الأولى من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة خطب للخليفة المتوكّل على الله أبى عبد الله محمد، فإنه أعيد إلى الخلافة من يوم خلع عليه السلطان خلعة الرّضا، ثمّ قرئ تقليده في ثانى عشره بالمشهد «١» النّفيسىّ وحضره القضاة ونائب السلطنة. ولمّا انقضى مجلس قراءة التقليد توجّهوا الجميع إلى الآثار النّبوية «٢» وقرءوا به صحيح البخارىّ ودعوا الله تعالى للسلطان الملك الظاهر برقوق بالنصر وإخماد الفتنة بين الفريقين. ثمّ في يوم ثالث عشر أخلع السلطان على الأمير قرا دمرداش الأحمدىّ اليلبغاوى باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن الأمير أيتمش البجاسى بحكم حبسه بقلعة دمشق وعلى الأمير سودون باق باستقراره أمير سلاح، عوضا عن قرا دمرداش المذكور وعلى الأمير قرقماس الطّشتمرىّ باستقراره دوادارا كبيرا عوضا عن يونس النّوروزىّ المقتول بيد عنقاء أمير آل فضل وعلى الأمير تمربغا «٣» المنجكىّ أمير آخور كبيرا عوضا عن الأمير جاركس الخليلىّ المقتول في واقعة الناصرىّ

стр. 3741

بدمشق وعلى قرابغا البوبكرىّ باستقراره أمير مجلس عوضا عن أحمد بن يلبغا بحكم عصيانه ودخوله في طاعة الناصرىّ وعلى آقبغا الماردينىّ باستقراره حاجب الحجاب عوضا عن أيدكار العمرىّ الداخل أيضا في طاعة الناصرى ونزل الجميع بالخلع والتشاريف. ثمّ أنعم السلطان على الأمير صلاح الدين محمد [بن محمد «١» ] بن تنكز الناصرىّ نائب الشّام كان بإمرة طبلخاناه وعلى جلبان الكمشبغاوى الخاصكى الظاهرى بإمرة طبلخاناه. وكثر في هذه الأيام تحصين السلطان لقلعة الجبل فعلم بذلك كلّ أحد أنه لم تخرج تجريدة من مصر ولم يثبت الملك الظاهر لقتال الناصرىّ بما أفرزوا من أحوال السلطان، خذلان من الله تعالى. ثمّ أخذ السلطان ينقل إلى قلعة الجبل المناجنيق والمكاحل والعدد وأمر السلطان لسكّان قلعة الجبل من الناس بادّخار القوت بها لشهرين. ثمّ رسم السلطان للمعلم أحمد بن الطّولونى بجمع الحجّارين لسدّ فم وادى «٢» السدرة بجوار الجبل الأحمر وأن يبنى حائط من جوار باب الدرفيل إلى الجبل. ثمّ نودى بالقاهرة بأنّ من له فرس من أجناد الحلقة يركب للحرب ويخرج مع العسكر، فكثر الهرج وتزايد قلق الناس وخوفهم وصارت الشوارع كلها ملآنة بالخيول الملبّسة، هذا وإلى الآن لم يعرف السلطان ما الناصرىّ فيه وطلبت آلات الحرب من الخوذ والقرقلات والسيوف والأرماح بكل ثمن غال.

стр. 3742

ثمّ رسم السلطان للأمير حسام الدين حسين [بن «١» على] بن الكورانى والى القاهرة بسدّ باب المحروق «٢» أحد أبواب القاهرة فكلّمه الوالى في عدم سدّه، فنهره وأمره بسدّه وسدّ الباب الجديد «٣» أيضا أحد أبواب القاهرة، ففعل. ثمّ سدّ باب الدّرفيل المعروف قديما بباب سارية ويعرف في يومنا هذا بباب المدرّج «٤» . ثمّ أمر السلطان بسدّ جميع الخوخ، فسدّ عدّة خوخ وركّب عند قناطر «٥» السباع ثلاثة دروب: أحدها من جهة مصر والآخر من جهة قبو «٦» الكرانىّ والآخر بالقرب من الميدان ثمّ بنى بالقاهرة عدّة دروب أخر وحفر خنادق كثيرة.

стр. 3743

هذا والموت بالطاعون عمّال بالديار المصريّة في كل يوم يموت عدّة كبيرة. وأما الأمير يلبغا الناصرىّ نائب حلب وصاحبه منطاش نائب ملطية بمن معهما، فإنّ الناصرىّ لمّا استقرّ بدمشق وملكها بعد الوقعة، نادى في جميع بلاد الشام وقلاعها بألا يتأخر أحد عن الحضور إلى دمشق من النوّاب والأمراء والأجناد ومن تأخّر سوى من غبن لحفظ البلاد قطع خبزه وسلبت نعمته، فاجتمع الناس بأسرهم في دمشق من سائر البلاد وأنفق الناصرى فيهم وتجهّز وتهيأ للخروج من دمشق وبرز منها بعساكره وأمرائه من الأمراء والأكراد والتركمان والعربان وكان اجتمع إليه خلائق كثيرة جدّا في يوم السبت حادى عشر جمادى الأولى من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة المقدّم ذكرها، بعد أن أقرّ في نيابة دمشق الأمير جنتمر المعروف بأخى طاز وسار الناصرى بمن معه من العساكر يريد الديار المصرية وهو يظنّ أنّه يلقى العساكر المصريّة بالقرب من الشام واستمرّ في سيره على هيّنة إلى أن وصل إلى غزّة، فتلقّاه نائبها حسام الدين بن باكيش بالتّقادم والإقامات، فسأله الناصرى عن أخبار عسكر مصر، فقال: لم يرد خبر بخروج عسكر من مصر وقد أرسلت جماعة كبيرة غير مرة لكشف هذا الخبر ولم يكن منى تهاول في ذلك، فلم يبلغنى عن الديار المصرية إلا أنّ برقوقا في تخوّف كبير وقد استعدّ للحصار فلم يلتفت الناصرى إلى كلامه، غير أنه صار متعجبا على عدم خروج العساكر المصرية لقتاله. ثم قال في نفسه: لعله يريد قتالنا في فم الرمل بمدينة قطيا «١» ، ليكون عسكره فى راحة من جواز الرّمل وأقام الناصرىّ بغزّة يومه. ثم سار من الغد يريد ديار مصر وأرسل أمامه جماعة كبيرة من أمرائه ومماليكه كشّافة واستمرّ في السّير إلى أن نزل مدينة قطيا وجاء الخبر بنزول الناصرىّ بعساكره على قطيا فلم يتحرّك بحركة.

стр. 3744

وفي ليلة وصول الخبر فرّ من أمراء مصر جماعة كبيرة إلى الناصرىّ وهي ليلة الثلاثاء ثامن عشرين جمادى الأولى المذكورة وهم: الأمير طغيتمر الجركتمرى وأرسلان اللّفاف وأرنبغا العثمانىّ في عدّة كبيرة من المماليك ولحقوا بالناصرىّ ودخلوا تحت طاعته، بعد ما صرفوا في طريقهم الأمير عز الدين [أيدمر «١» ] أبا درقة كاشف الوجه البحرى وقد سار من عند الملك الظاهر لكشف الأخبار، فضربوه وأخذوا جميع ما كان معه وساقوه معهم إلى الناصرىّ، فلما وصلوا إلى الناصرى حرّضوه على سرعة الحركة وعرّفوه ما الظاهر فيه من الخوف والجبن عن ملاقاته، فقوى بذلك قلب الناصرى وهو إلى الآن يأخذ في أمر الملك الظاهر ويعطى. ثم جلس الملك الظاهر صبيحة هرب الأمراء بالإيوان من قلعة الجبل وهو يوم الثلاثاء ثامن عشرينه وأنفق على المماليك جميعها، لكل مملوك من مماليك السلطان ومماليك الأمراء، لكل واحد خمسمائة درهم فضة واستدعاهم طائفة بعد طائفة وأعطى كل واحد بيده وصار يحرّضهم على القتال معه وبكى بكاء شديدا في الملأ. ثمّ فرّق جميع الخيول حتى خيل الخاصّ في الأمراء والأجناد وأعطى الأمير اقبغا الماردينى حاجب الحجّاب جملة كبيرة من المال ليفرّقه على الزّعر وعظم أمر الزعر وبطل الحكم من القاهرة وصار الأمر فيها لمن غلب وتعطّلت الأسواق وأكثر الناس من شراء البقسماط والدقيق والدهن ونحو ذلك. ثم وصل الخبر على السلطان بنزول الناصرىّ على الصالحيّة «٢» بمن معه وقد وقف لهم عدّة خيول في الرمل وأنّه لما وجد الصالحية خالية من العسكر سجد لله تعالى

стр. 3745

شكرا، فإنه كان يخاف أن يتلقّاه عسكر السلطان بها ولو تلقّاه عسكر السلطان لما وجد لعسكره منعة للقتال، لضعف خيولهم وشدّة تعبهم، فلهذا كان حمده لله تعالى. وأخبر السلطان أيضا أنّ الناصرىّ لمّا نزل إلى الصالحيّة تلقّاه عرب العائد مع كبيرهم الأمير شمس الدين محمد بن عيسى وخدموه بالإقامات والشعير وغيرها فردّ بذلك رمقهم. فلمّا سمع السلطان ذلك رسم للأتابك الأمير قرادمرداش الأحمدىّ أن يتوجّه لكشف الأخبار «١» من جهة بركة الحبش مخافة أن يأتى أحد من قبل إطفيح «٢» ، فسار لذلك. ثم رتّب السلطان العسكر نوبتين: نوبة لحفظ النهار ونوبة لحفظ الليل وسيّر «٣» ابن عمه الأمير قجماس في عدّة أمراء إلى المرج «٤» والزيات «٥» طليعة للكشف.

стр. 3746

ثمّ في يوم الأربعاء تاسع عشرين جمادى الأولى المذكور أنفق السلطان فى مماليك أمراء الطبلخانات والعشرات، فأعطى كلّ واحد أربعمائة درهم فضة وأنفق السلطان أيضا في الطّبرداريّة [والبزداريّة «١» ] والأوجاقية وأعطاهم القسىّ والنّشّاب. ثم رتّب من الأجناد البطّالين جماعة بين شرفات القلعة ليرموا على من لعلّه يحاصر القلعة، وأنفق فيهم أيضا. ثم استدعى السلطان رماة قسىّ الرمل من ثغر الإسكندرية فحضر منهم جماعة كبيرة وأنفق فيهم الأموال. ثم عاد الأمير قجماس بمن معه من المرج والزيّات وأخبر السلطان أنه لم يقف للقوم على خبر. ثم خرج الأمير سودون الطّرنطائىّ في ليلة الخميس في عدّة من الأمراء والمماليك إلى قبّة النصر للحرس وسارت طائفة أخرى إلى بركة «٢» الحبش وبات السلطان بالإسطبل السلطانى ساهرا لم ينم ومعه الأمير سودون الشيخونى النائب والأتابك قرادمرداش الأحمدىّ، بعد أن عاد من بركة الحبش وعدّة كبيرة من المماليك والأمراء. ثم توجّه الأمير قرابغا الأبوبكرىّ أمير مجلس في يوم الخميس أوّل جمادى الآخرة إلى قبّة النصر، ثم عاد ولم يقف على خبر، كلّ ذلك لضعف خيول عساكر الناصرى وكلّهم من السفر، فلم يجد الناصرىّ لهم منعة، فأقام بهم على الصالحية ليتراجع أمرهم وتعود قواهم، هذا والأمراء بالديار المصريّة لابسون آلة الحرب وهم على ظهور خيولهم بسوق الخيل تحت القلعة.

стр. 3747

وفي ليلة الخميس المذكورة هرب من المماليك السلطانية اثنان ومن مماليك الأمراء جماعة «١» كبيرة بعد أخذهم نفقة السلطان وساروا الجميع إلى الناصرىّ. ثمّ طلب السلطان أجناد الحلقة، فدارت النقباء عليهم فأحضروا منهم جماعة كبيرة فرّقوا على أبواب القاهرة ورتّبوا بها لحفظها. ثمّ ندب السلطان الأمير ناصر الدين محمدا ابن الدوادارى أحد أمراء الطبلخانات ومعه جماعة لحفظ قياسر القاهرة وأغلق والى القاهرة باب البرقيّة. ثمّ رتّب السلطان النّفطيّة على برج الطبلخاناه السلطانية وغيره بقلعة الجبل. ثمّ قدم الخبر على السلطان بنزول طليعة الناصرىّ بمدينة بلبيس «٢» ومقدّمها الطواشى طقطاى الرومىّ الطّشتمرىّ. ثم في يوم الجمعة نزلت عساكر الناصرى بالبئر البيضاء» ، فأخذ عند ذلك عسكر السلطان يتسلّل إلى الناصرى شيئا بعد شىء، وكان أوّل من خرج إليه من القاهرة الأمير جبريل الخوارزمىّ ومحمد بن بيدمر نائب الشام وبجمان المحمدى نائب الإسكندرية وغريب الخاصّكىّ والأمير أحمد بن أرغون الأحمدىّ [اللّالا «٤» ] .

стр. 3748

ثمّ نصب السلطان السناجق السلطانيّة على أبراج القلعة ودقّت الكوسات الحربيّة فاجتمعت العساكر جميعها وعليهم آلة الحرب والسلاح ثم ركب السلطان والخليفة المتوكل على الله معه من قلعة الجبل بعد العصر وسار السلطان بمن معه حتى وقفا خلف دار الضّيافة وقد اجتمع حول السلطان من العامة خلائق لا تحصى كثرة، فوقف هناك ساعة ثم عاد وطلع إلى الإسطبل «١» السلطانى وجلس فيه من غير أن يلقى حربا وصعد الخليفة إلى منزله بقلعة الجبل، وقد نزلت الذّلّة على الدولة الظاهريّة وظهر من خوف «٢» السلطان وبكائه ما أبكى الناس شفقة له ورحمة عليه. فلمّا غربت الشمس صعد السلطان إلى القلعة وبات بالقصر السلطانى ومعه عامّة مماليكه وخاصّكيّته وهم عدّة كبيرة إلى الغاية. ثمّ في يوم السبت ثالث جمادى الآخرة نزل الناصرى بعساكره بركة «٣» الجبّ ظاهر القاهرة، ومعه من أكابر الأمراء الأمير تمربغا الأفضلىّ الأشرفىّ المدعو منطاش والأمير بزلار العمرى الناصرىّ حسن والأمير كمشبغا الحموى اليلبغاوى نائب طرابلس كان والأمير أحمد بن يلبغا العمرى أمير مجلس والأمير أيدكار حاجب الحجاب وجماعة أخر من أمراء الشام ومصر وغيرها. ثمّ تقدمت عساكر الناصرىّ إلى المرج وإلى مسجد التّبن «٤» ، فعند ذلك غلّقت أبواب القاهرة كلّها إلا باب زويلة وأغلقت جميع الدروب والخوخ وسدّ باب القرافة وانتشرت الزّعر في أقطار المدينة تأخذ ما ظفرت به ممّن يستضعفونه.

стр. 3749

ثمّ ركب السلطان ثانيا من القلعة ومعه الخليفة المتوكل على الله ونزل إلى دار الضّيافة فقدم عليه الخبر بأنّ طليعة الناصرىّ وصلت الى الخراب طرف الحسينيّة فلقيتهم كشّافة السلطان فكسرتهم. ثمّ ندب السلطان الأمراء فتوجهوا بالعساكر إلى جهة قبّة النصر ونزل السلطان ببعض الزوايا عند دار الضيافة إلى آخر النهار. ثمّ عاد إلى الإسطبل السلطانىّ وصحبته الأمراء الذين توجّهوا لقبّة النصر والكوسات تدقّ وهم على أهبة اللّقاء وملقاة العدوّ وخاصّكيّة السلطان حوله والنّفوط لا تفترّ والرّميلة قد امتلأت بالزّعر والعامة ومماليك الأمراء ولم يزالوا على ذلك حتّى أصبحوا يوم الاثنين «١» وإذا بالأمير آقبغا الماردينىّ حاجب الحجاب والأمير جمق ابن أيتمش البجاسى والأمير إبراهيم بن طشتمر العلائى الدوادار قد خرجوا «٢» فى الليل ومعهم نحو خمسمائة مملوك من المماليك السلطانية ولحقوا بالناصرىّ. ثمّ أصبح السلطان من الغد وهو يوم خامس «٣» جمادى الآخرة، فرّ الأمير قرقماس الطّشتمرى الدوادار الكبير وقرادمرداش الأحمدىّ أتابك العساكر بالديار المصرية والأمير سودون باق أمير مجلس ولحقوا بالناصرىّ وكانوا في عدّة وافرة من المماليك والخدم والأطلاب الهائلة، ولم يتأخر عند السلطان من أعيان الأمراء إلا ابن عمه الأمير قجماس وسودون الشّيخونى النائب وسودون طرنطاى وتمزبغا المنجكىّ وأبو بكر ابن سنقر وبيبرس التّمان تمرىّ وشيخ الصفوىّ ومقدم المماليك شنكل وطائفة من أمرائه مشترواته وخاصّكيّته والعجب أنّ السلطان كان أنعم في أمسه على الأمراء

стр. 3750

الذين توجّهوا للناصرى لكلّ أمير من أمراء الألوف عشرة آلاف دينار ولكل أمير طبلخاناه خمسة آلاف دينار وحلّفهم على طاعته ونصرته وأعطى في ليلة واحدة للأمير الكبير قرادمرداش الأحمدىّ ثلاثين ألف دينار دفعة واحدة وخاتما مثمّنا، قيمته آلاف عديدة، حتى قال له: قرادمرداش المذكور: يا مولانا السلطان روحى فداؤك لا تخف ما دمت أنا واقف في خدمتك أنت آمن، فشكره السلطان، فنزل من عنده في الحال ركب وخرج من باب القرافة وقطع الماء الذي يجرى إلى القلعة وتوجّه مع من ذكرنا من الأمراء إلى الناصرىّ، فلم يلتفت الناصرىّ لهم ذاك الالتفات الكلّىّ، بل فعل معهم كما فعل مع غيرهم ممّن توجّه إليه من أمراء مصر. انتهى. ولمّا بلغ السلطان نفاق هؤلاء الأمراء عليه بعد أن أنعم عليهم بهذه الأشياء، علم أنّ دولته قد زالت، فأغلق في الحال باب زوبلة وجميع الدروب وتعطّلت الأسواق وامتلأت القاهرة بالزّعر واشتدّ فسادهم وتلاشت الدولة الظاهريّة وانحلّ أمرها وخاف والى القاهرة حسام الدين بن الكورانىّ على نفسه، فقام من خلف باب زويلة وتوجّه إلى بيته واختفى وبقى الناس غوغاء وقطع المسجونون قيودهم بخزانة شمائل «١» وكسروا باب الحبس وخرجوا على حميّة جملة واحدة، فلم يردّهم أحد بشغل كلّ واحد بنفسه وكذلك فعل أهل حبس «٢» الدّيلم وأهل سجن
следующие страницы →