Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.
стр. 3746
ثمّ في يوم الأربعاء تاسع عشرين جمادى الأولى المذكور أنفق السلطان فى مماليك أمراء الطبلخانات والعشرات، فأعطى كلّ واحد أربعمائة درهم فضة وأنفق السلطان أيضا في الطّبرداريّة [والبزداريّة «١» ] والأوجاقية وأعطاهم القسىّ والنّشّاب. ثم رتّب من الأجناد البطّالين جماعة بين شرفات القلعة ليرموا على من لعلّه يحاصر القلعة، وأنفق فيهم أيضا. ثم استدعى السلطان رماة قسىّ الرمل من ثغر الإسكندرية فحضر منهم جماعة كبيرة وأنفق فيهم الأموال.
ثم عاد الأمير قجماس بمن معه من المرج والزيّات وأخبر السلطان أنه لم يقف للقوم على خبر.
ثم خرج الأمير سودون الطّرنطائىّ في ليلة الخميس في عدّة من الأمراء والمماليك إلى قبّة النصر للحرس وسارت طائفة أخرى إلى بركة «٢» الحبش وبات السلطان بالإسطبل السلطانى ساهرا لم ينم ومعه الأمير سودون الشيخونى النائب والأتابك قرادمرداش الأحمدىّ، بعد أن عاد من بركة الحبش وعدّة كبيرة من المماليك والأمراء.
ثم توجّه الأمير قرابغا الأبوبكرىّ أمير مجلس في يوم الخميس أوّل جمادى الآخرة إلى قبّة النصر، ثم عاد ولم يقف على خبر، كلّ ذلك لضعف خيول عساكر الناصرى وكلّهم من السفر، فلم يجد الناصرىّ لهم منعة، فأقام بهم على الصالحية ليتراجع أمرهم وتعود قواهم، هذا والأمراء بالديار المصريّة لابسون آلة الحرب وهم على ظهور خيولهم بسوق الخيل تحت القلعة.
стр. 3747
وفي ليلة الخميس المذكورة هرب من المماليك السلطانية اثنان ومن مماليك الأمراء جماعة «١» كبيرة بعد أخذهم نفقة السلطان وساروا الجميع إلى الناصرىّ.
ثمّ طلب السلطان أجناد الحلقة، فدارت النقباء عليهم فأحضروا منهم جماعة كبيرة فرّقوا على أبواب القاهرة ورتّبوا بها لحفظها.
ثمّ ندب السلطان الأمير ناصر الدين محمدا ابن الدوادارى أحد أمراء الطبلخانات ومعه جماعة لحفظ قياسر القاهرة وأغلق والى القاهرة باب البرقيّة. ثمّ رتّب السلطان النّفطيّة على برج الطبلخاناه السلطانية وغيره بقلعة الجبل.
ثمّ قدم الخبر على السلطان بنزول طليعة الناصرىّ بمدينة بلبيس «٢» ومقدّمها الطواشى طقطاى الرومىّ الطّشتمرىّ.
ثم في يوم الجمعة نزلت عساكر الناصرى بالبئر البيضاء»
، فأخذ عند ذلك عسكر السلطان يتسلّل إلى الناصرى شيئا بعد شىء، وكان أوّل من خرج إليه من القاهرة الأمير جبريل الخوارزمىّ ومحمد بن بيدمر نائب الشام وبجمان المحمدى نائب الإسكندرية وغريب الخاصّكىّ والأمير أحمد بن أرغون الأحمدىّ [اللّالا «٤» ] .
стр. 3748
ثمّ نصب السلطان السناجق السلطانيّة على أبراج القلعة ودقّت الكوسات الحربيّة فاجتمعت العساكر جميعها وعليهم آلة الحرب والسلاح ثم ركب السلطان والخليفة المتوكل على الله معه من قلعة الجبل بعد العصر وسار السلطان بمن معه حتى وقفا خلف دار الضّيافة وقد اجتمع حول السلطان من العامة خلائق لا تحصى كثرة، فوقف هناك ساعة ثم عاد وطلع إلى الإسطبل «١» السلطانى وجلس فيه من غير أن يلقى حربا وصعد الخليفة إلى منزله بقلعة الجبل، وقد نزلت الذّلّة على الدولة الظاهريّة وظهر من خوف «٢» السلطان وبكائه ما أبكى الناس شفقة له ورحمة عليه.
فلمّا غربت الشمس صعد السلطان إلى القلعة وبات بالقصر السلطانى ومعه عامّة مماليكه وخاصّكيّته وهم عدّة كبيرة إلى الغاية.
ثمّ في يوم السبت ثالث جمادى الآخرة نزل الناصرى بعساكره بركة «٣» الجبّ ظاهر القاهرة، ومعه من أكابر الأمراء الأمير تمربغا الأفضلىّ الأشرفىّ المدعو منطاش والأمير بزلار العمرى الناصرىّ حسن والأمير كمشبغا الحموى اليلبغاوى نائب طرابلس كان والأمير أحمد بن يلبغا العمرى أمير مجلس والأمير أيدكار حاجب الحجاب وجماعة أخر من أمراء الشام ومصر وغيرها.
ثمّ تقدمت عساكر الناصرىّ إلى المرج وإلى مسجد التّبن «٤» ، فعند ذلك غلّقت أبواب القاهرة كلّها إلا باب زويلة وأغلقت جميع الدروب والخوخ وسدّ باب القرافة وانتشرت الزّعر في أقطار المدينة تأخذ ما ظفرت به ممّن يستضعفونه.
стр. 3749
ثمّ ركب السلطان ثانيا من القلعة ومعه الخليفة المتوكل على الله ونزل إلى دار الضّيافة فقدم عليه الخبر بأنّ طليعة الناصرىّ وصلت الى الخراب طرف الحسينيّة فلقيتهم كشّافة السلطان فكسرتهم.
ثمّ ندب السلطان الأمراء فتوجهوا بالعساكر إلى جهة قبّة النصر ونزل السلطان ببعض الزوايا عند دار الضيافة إلى آخر النهار.
ثمّ عاد إلى الإسطبل السلطانىّ وصحبته الأمراء الذين توجّهوا لقبّة النصر والكوسات تدقّ وهم على أهبة اللّقاء وملقاة العدوّ وخاصّكيّة السلطان حوله والنّفوط لا تفترّ والرّميلة قد امتلأت بالزّعر والعامة ومماليك الأمراء ولم يزالوا على ذلك حتّى أصبحوا يوم الاثنين «١» وإذا بالأمير آقبغا الماردينىّ حاجب الحجاب والأمير جمق ابن أيتمش البجاسى والأمير إبراهيم بن طشتمر العلائى الدوادار قد خرجوا «٢» فى الليل ومعهم نحو خمسمائة مملوك من المماليك السلطانية ولحقوا بالناصرىّ.
ثمّ أصبح السلطان من الغد وهو يوم خامس «٣» جمادى الآخرة، فرّ الأمير قرقماس الطّشتمرى الدوادار الكبير وقرادمرداش الأحمدىّ أتابك العساكر بالديار المصرية والأمير سودون باق أمير مجلس ولحقوا بالناصرىّ وكانوا في عدّة وافرة من المماليك والخدم والأطلاب الهائلة، ولم يتأخر عند السلطان من أعيان الأمراء إلا ابن عمه الأمير قجماس وسودون الشّيخونى النائب وسودون طرنطاى وتمزبغا المنجكىّ وأبو بكر ابن سنقر وبيبرس التّمان تمرىّ وشيخ الصفوىّ ومقدم المماليك شنكل وطائفة من أمرائه مشترواته وخاصّكيّته والعجب أنّ السلطان كان أنعم في أمسه على الأمراء
стр. 3750
الذين توجّهوا للناصرى لكلّ أمير من أمراء الألوف عشرة آلاف دينار ولكل أمير طبلخاناه خمسة آلاف دينار وحلّفهم على طاعته ونصرته وأعطى في ليلة واحدة للأمير الكبير قرادمرداش الأحمدىّ ثلاثين ألف دينار دفعة واحدة وخاتما مثمّنا، قيمته آلاف عديدة، حتى قال له: قرادمرداش المذكور: يا مولانا السلطان روحى فداؤك لا تخف ما دمت أنا واقف في خدمتك أنت آمن، فشكره السلطان، فنزل من عنده في الحال ركب وخرج من باب القرافة وقطع الماء الذي يجرى إلى القلعة وتوجّه مع من ذكرنا من الأمراء إلى الناصرىّ، فلم يلتفت الناصرىّ لهم ذاك الالتفات الكلّىّ، بل فعل معهم كما فعل مع غيرهم ممّن توجّه إليه من أمراء مصر. انتهى.
ولمّا بلغ السلطان نفاق هؤلاء الأمراء عليه بعد أن أنعم عليهم بهذه الأشياء، علم أنّ دولته قد زالت، فأغلق في الحال باب زوبلة وجميع الدروب وتعطّلت الأسواق وامتلأت القاهرة بالزّعر واشتدّ فسادهم وتلاشت الدولة الظاهريّة وانحلّ أمرها وخاف والى القاهرة حسام الدين بن الكورانىّ على نفسه، فقام من خلف باب زويلة وتوجّه إلى بيته واختفى وبقى الناس غوغاء وقطع المسجونون قيودهم بخزانة شمائل «١» وكسروا باب الحبس وخرجوا على حميّة جملة واحدة، فلم يردّهم أحد بشغل كلّ واحد بنفسه وكذلك فعل أهل حبس «٢» الدّيلم وأهل سجن
стр. 3751
الرّحبة «١» ، هذا والسلطان إلى الآن بقلعة الجبل والنّفوط عمالة والكوسات تدقّ حربيا، ثمّ أمر السلطان مماليكه فنزلوا ومنعوا العامة من التوجّه إلى يلبغا الناصرىّ،
стр. 3752
فرجمهم العامّة بالحجارة، فرماهم المماليك بالنّشاب، قتلوا منهم جماعة تزيد عدّتهم على عشر أنفس.
ثمّ أقبلت طليعة الناصرىّ مع عدّة من أعيان الأمراء من أصحابه، فبرز لهم لأمير قجماس ابن عمّ السلطان في جماعة كبيرة وقاتلهم وأكثر الرّمى عليهم من فوق القلعة بالسّهام والنفوط والحجارة بالمقاليع وهم يوالون الكرّ والفرّ غير مرة وثبتت السلطانيّة ثباتا جيّدا غير أنهم في علم بزوال دولتهم.
هذا وأصحاب السلطان تتفرّق عنه شيئا بعد شىء، فمنهم من يتوجّه إلى الناصرىّ ومنهم من يختفى خوفا على نفسه، حتى لم يبق عند السلطان إلّا جماعة يسيرة ممن ذكرنا من الأمراء، فلمّا كان آخر النهار المذكور أراد السلطان أن يسلّم نفسه، فمنعه من بقى عنده من الأمراء وخاصكيّته وقالت مماليكه: نحن نقاتل بين يديك حتى نموت، ثم سلّم بعد ذلك نفسك فلم يثق بذلك منهم، لكنه شكرهم على هذا الكلام والسعد مدبر والدولة زائلة.
ثمّ بعد العصر من اليوم المذكور قدم جماعة من عسكر الناصرىّ عليهم الطواشىّ طقطاى الرّومى الطّشتمرىّ والأمير بزلار العمرى الناصرىّ وكان من الشجعان والأمير ألطنبغا الأشرفىّ في نحو الألف وخمسمائة مقاتل، يريدون القلعة، فبرز لهم الأمير بطا الطّولوتمرى الظاهرىّ الخاصّكى والأمير شكرباى «١» العثمانىّ الظاهرىّ وسودون شقراق والوالد، فى نحو عشرين مملوكا من الخاصكيّة الظاهريّة وبلاقوا مع العسكر المذكور صدموهم صدمة واحدة كسروهم فيها وهزموهم إلى قبّة النصر ولم يقتل منهم غير سودون شقراق، فإنه أمسك وأتى به إلى الناصرىّ فوسّطه فلم يقتل
стр. 3753
الناصرى في هذه الوقعة أحدا غيره لا قبله ولا بعده، أعنى صبرا، غير أن جماعة كبيرة قتلوا في المعركة ورد الخبر بنصرتهم على الملك الظاهر، فلم يغترّ بذلك وعلم أن أمره قد زال، فأخذ في تدبير أمره مع خواصّه، فأشار عليه من عنده أن يستأمن من الناصرى، فعند ذلك أرسل الملك الظاهر الأمير أبا بكر بن سنقر الحاجب والأمير بيدمر المنجكىّ «١» شادّ القصر بالمنجاة إلى الأمير يلبغا الناصرىّ أن يأخذا له أمانا على نفسه ويترقّقا له، فسارا من وقتهما إلى قبّة النصر ودخلا على الناصرى وهو بمخيّمه واجتمعا به في خلوة فآمنه على نفسه وأخذ منهما منجاة الملك وقال الملك الظاهر: أخونا وخشداشنا ولكنّه يختفى بمكان إلى أن تخمد الفتنة، فإن الآن كلّ واحد له رأى وكلام، حتى ندبّر له أمرا يكون فيه نجاته، فعادا بهذا الجواب إلى الملك الظاهر برقوق وأقام السلطان بعد ذلك في مكانه مع خواصه إلى أن صلّى عشاء الآخرة وقام الخليفة المتوكل على الله إلى منزله بالقلعة على العادة في كل ليلة وبقى الملك الظاهر في قليل من أصحابه، أذن لسودون النائب في التوجّه إلى حال سبيله والنظر في مصلحة نفسه، فوادعه وقام ونزل من وقته. ثمّ فرّق الملك الظاهر بقية أصحابه، فمضى كلّ واحد إلى حال سبيله.
ثمّ استتر الملك الظاهر وغيّر صفته، حتى نزل من الإسطبل إلى حيث شاء ماشيا على قدميه، فلم يعرف له أحد خبرا وانفصّ ذلك الجمع كله في أسرع ما يكون وسكن فى الحال دقّ الكوسات ورمى مدافع النفط ووقع النهب في حواصل الإسطبل حتى أخذوا سائر ما كان فيه من السّروج واللّجم وغيرها والعبىّ ونهبوا أيضا ما كان بالميدان من الغنم الضأن وكان عدّتها نحو الألفى رأس ونهبت طباق المماليك بالقلعة
стр. 3754
وطار الخبر في الوقت إلى الناصرى فلم يتحرك من مكانه ودام بمخيّمه وأرسل جماعة من الأمراء من أصحابه فسار من عسكره عدّة كبيرة واحتاطوا بالقلعة.
واصبح الأمير يلبغا الناصرىّ بمكانه وهو يوم الاثنين خامس جمادى الآخرة من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة وندب الأمير منطاش في جماعة كبيرة إلى القلعة، فسار منطاش إلى قلعة الجبل في جموعه وطلع إلى الإسطبل السلطانىّ فنزل إليه الخليفة المتوكّل على الله أبو عبد الله محمد وسار مع منطاش إلى الناصرى بقبّة النصر، حتى نزل بمخيّمه، فقام الناصرى إليه وتلقّاه وأجلسه بجانبه ووانسه بالحديث.
هذا وقد انضمّت العامّة والزّعر والتّركمان من أصحاب الناصرى وتفرّقوا على بيوت الأمراء وحواصلهم، فنهبوا ما وجدوا حتى أخربوا الدور وأخذوا أبوابها وخشبها وهجموا منازل الناس خارج القاهرة ونهبوها واستمرّوا على ذلك وقد صارت مصر غوغاء وأهلها رعيّة بلا راع، حتى أرسل الناصرى الأمير ناصر الدين محمد بن الحسام وقد ولّاه ولاية القاهرة فسار ابن الحسام إلى القاهرة فوجد باب النصر مغلوقا، فدخل بفرسه راكبا من جامع «١» الحاكم إلى القاهرة وفتح باب النصر «٢» وباب الفتوح «٣» وعند فتح الأبواب طرق جماعة كبيرة من عسكر الناصرىّ القاهرة ونهبوا منها جانبا كبيرا، فقاتلهم الناس وقتلوا منهم أربعة نفر ومرّ بالناس في هذه الأيام شدائد وأهوال، وبلغ الناصرى الخبر فبعث أبا بكر بن سنقر الحاجب وتنكز بغا رأس نوبة إلى حفظ القاهرة فدخلاها.
стр. 3755
ثمّ نودى بها من قبل الناصرى بالأمان ومنع النّهب، فنزل تنكز بغا المذكور عند الجملون «١» وسط القاهرة ونزل سيدى أبو بكر بن سنقر عند باب زويلة وسكن الحال وهدأ ما بالناس وأمنوا على أموالهم.
وأمّا الناصرى، فإنّه لمّا نزل إليه الخليفة وأكرمه، كما تقدّم وحضر قضاه القضاة والأعيان للهناء، أمرهم الناصرىّ بالإقامة عنده وأنزل الخليفة بمخيّم وأنزل القضاة بخيمة أخرى، ثمّ طلب الناصرىّ من عنده من الأمراء والأعيان وتكلم معهم فيما يكون وسألهم فيمن ينصّب في السلطنة بعد الملك الظاهر برقوق، فأشار أكابرهم بسلطنة الناصرىّ فامتنع الناصرى من ذلك أشدّ امتناع وهم يلحّون عليه ويقولون له: ما المصلحة إلا ما ذكرنا وهو يأبى وانفضّ المجلس من غير طائل، فعند ذلك تقدّم الناصرى بكتابة مرسوم عن الخليفة، وعن الأمير الكبير يلبغا الناصرىّ بالإفراج عن الأمراء المعتقلين بتغر الإسكندرية وهم: ألطنبغا الجوبانىّ نائب الشام وقردم الحسنى وألطنبغا المعلّم أمير سلاح وإحضارهم إلى قلعة الجبل والجميع يلبغاويّه، فسار البريد بذلك ثم أمر الناصرى بالرحيل من قبّة النصر إلى نحو الديار المصرية وركب في عالم كبير من العساكر نحو الستين ألفا، حتى إنه
стр. 3756
كان عليق جمالهم في كل ليلة ألفا [وثلثمائة «١» ] إردب فول وسار الناصرى بخيوله وبجيوشه حتى طلع إلى القلعة ونزل بالإسطبل السلطانى وطلع الخليفة إلى منزله بقلعة الجبل ونزل كلّ أمير في بيت من بيوت الأمراء بديار مصر وجلس الناصرىّ فى مجلس عظيم وحضر إلى خدمته الوزير كريم الدين عبد الكريم بن الغنّام وموفّق الدين أبو الفرج ناظر الخاص والقاضى جمال الدين محمود ناظر الجيش والقاضى بدر الدين محمد بن فضل الله كاتب السر الشريف وغيرهم من أرباب الوظائف، فأمرهم الأمير الكبير بتحصيل الأغنام إلى مطابخ الأمراء ونودى في القاهرة ثانيا بالأمان.
ثمّ رسم للأمير تنكزبغا رأس نوبة بتحصيل [مماليك «٢» ] الملك الظاهر برقوق، فأخذ تنكزبغا يتتبّع أثره وأصبح الناس في يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخرة فى هرج كبير ومقالات كثيرة مختلفة في أمر الملك الظاهر برقوق.
ثمّ استدعى الأمير الكبير يلبغا الناصرىّ الأمراء واستشارهم فيمن ينصّبه فى سلطنة مصر، فكثر الكلام بينهم وكان غرض غالب الأمراء سلطنة الناصرىّ ماخلا منطاش وجماعة من الأشرفيّة، حتى استقرّ الرأى على إقامة الملك الصالح أمير حاج ابن الملك الأشرف شعبان في السلطنة ثانيا، بعد أن أعيا الأمراء أمر الناصرىّ في عدم قبوله السّلطنة وهو يقول: المصلحة سلطنة الملك الصالح أمير حاج، فإن الملك الظاهر برقوقا خلعه من غير موجب، فطلعوا في الحال من الإسطبل إلى القلعة واستدعوا الملك الصالح وسلطنوه وغيّروا لقبه بالملك المنصور
стр. 3757
على ما سنذكره في أوّل ترجمته الثانية- إن شاء الله تعالى- بعد أن نذكر حوادث سنين الملك الظاهر برقوق كما هي عادة كتابنا هذا من أوّله إلى آخره.
وأمّا الملك الظاهر برقوق فإنّه دام في اختفائه إلى أن قبض عليه بعد أيام على ما سنحكيه في سلطنة الملك الصالح مفصّلا إلى أن يسجن بالكرك ويعود إلى ملكه ثانيا.
قلت: وزالت دولة الملك الظّاهر برقوق كأن لم تكن- فسبحان من لا يزول ملكه- بعد أن حكم مصر أميرا كبيرا وسلطانا إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة وعشرين يوما، تفصيله مدّة تحكّمه أميرا منذ قبض على الأمير طشتمر العلائىّ الدوادار في تاسع ذى الحجّة سنة تسع وسبعين وسبعمائة إلى أن جلس على تخت الملك وتلقّب بالملك الظاهر في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة أربع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيّام. وكان يقال له في هذه المدة:
الأمير الكبير أتابك العساكر ومن حين تسلطن في سنة أربع وثمانين المذكورة إلى يوم ترك الملك واختفى في ليلة الاثنين خامس جمادى الآخرة من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ست سنين وثمانية أشهر وسبعة عشر يوما، فهذا تفصيل تحكّمه على مصر أميرا أو سلطانا إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة وعشرين يوما.
وذهب ملكه من الديار المصريّة على أسرع وجه مع عظمة في النفوس وكثرة مماليكه وحواشيه، فإنه خلع من السلطنة وله نحو الألفى مملوك مشترى، غير من أنشأه من أكابر الأمراء والخاصكيّة من خشداشيّته وغيرهم، هذا مع ما كان فيه من القوّة والشّجاعة والإقدام، فإنّه قام في هذا الأمر بالقوّة في ابتداء أمره وتوثّب على الرئاسة والإمرة بيده دفعة واحدة حسب ما تقدّم ذكره، ولم يكن له يوم ذاك عشرة مماليك مشتراة، وأعجب من هذا ما سيكون من أمره في سلطنته الثانية عند
стр. 3758
خروجه من حبس الكرك وهو في غاية ما يكون من الفقر وقلّة الحاشية ومع هذا يملك مصر ثانيا، كما سيأتى ذكر ذلك مفصلا. وما أرى هذا الذي وقع للملك الظاهر في خلعه من الملك مع ما ذكرنا إلّا خذلانا من الله تعالى ولله الأمر.
وقال المقريزى- ﵀: وكان في سلطنته مخلّطا يخلّط الصالح بالطالح.
ومما حكاه المقريزىّ قال: وكان له في مدته أشياء مليحة، منها: إبطاله ما كان يؤخذ من أهل البرلّس «١» وشورى «٢» وبلطيم «٣» من أعمال مصر شبه الجالية فى كلّ سنة.
قلت: وقد تجدّد ذلك في دولة الملك الظاهر جقمق ثانيا في سنة سبع وأربعين وثمانمائة: قال وهو مبلغ ستّين ألف درهم فضّة يعنى عن الذي كان يؤخذ من هذه الجهات المذكورة، قال: وأبطل ما كان يؤخذ على القمح بثغر دمياط من المكوس وما كان يؤخذ من معمل الفراريح بالجيزيّة وأعمالها والغربية وغيرها، وما كان يؤخذ على الملح من المكس بعينتاب «٤» وما كان يؤخذ على الدقيق بالبيرة «٥» من المكس. وأبطل
стр. 3759
أيضا ما كان يؤخذ في طرابلس عند قدوم النائب إليها- من قضاة البرّ وولاة الأعمال عن كل واحد خمسمائة درهم وأبطل أيضا ما كان يؤخذ في كلّ سنة من الخيل والجمال والبقر والغنم من أهل الشرقيّة من أعمال مصر. وأبطل ما كان يؤخذ من المكس بديار مصر على الدريس والحلفاء خارج باب النصر. وأبطل ضمان المغانى بالكرك والشوبك ومن منية «١» ابن خصيب وزفتة من أعمال مصر وأبطل رمى الأبقار بعد فراغ عمل الجسور على أهل النّواحى وأنشأ من العمائر في هذه السلطنة الأولى المدرسة بخطّ بين القصرين من القاهرة ولم يعمّر داخل القاهرة مثلها ولا أكثر معلوما منها وله أيضا الصهريج والسبيل بقلعة الجبل تجاه الإيوان وعمّر الطاحون أيضا بالقلعة وأنشأ جسر الشريعة على نهر الأردن بطريق الشام وطوله مائة وعشرون ذراعا في عرض عشرين ذراعا وجدّد خزائن السلاح بثغر الاسكندريّة وعمّر سور دمنهور بالبحيرة وعمّر الجبال الشرقيّة بالفيوم وزاوية البرزخ بدمياط وبنى قناطر بالقدس وبنى بحيرة برأس وادى بنى سالم قريبا من المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام قال: وكان حازما مهابا محبّا لأهل الخير والعلم إذا أتاه أحد منهم قام إليه ولم يعرف أحد قبله من الملوك [الترك] يقوم لفقيه وقلّما كان يمكّن أحدا منهم من تقبيل يده، إلا أنه كان محبّا لجمع المال وحدث في أيامه تجاهر الناس بالبراطيل، فكان لا يكاد يولّى أحدا وظيفة ولا عملا إلا بمال وفسد بذلك كثير من الأحوال وكان مولعا بتقديم الأسافل وحطّ ذوى البيوتات.
قلت: وهذا البلاء قد تضاعف الآن حتّى خرج عن الحدّ وصار ذوو البيوت معيرة في زماننا هذا. انتهى.
стр. 3760
قال: وغيّر ما كان للناس من الترتيب. واشتهر في أيامه ثلاثة أشياء قبيحة:
إتيان الذكران من اشتهاره بتقريب المماليك الحسان وتظاهر البراطيل وكان لا يكاد يولّى أحدا وظيفة إلا بمال واقتدى بهذا الملوك من بعده وكساد الأسواق لشحه وقلة عطائه، فمساوئه أضعاف حسناته. انتهى كلام المقريزىّ من هذا المعنى.
قلت: ونحن نشاحح الشيخ تقىّ الدين المقريزىّ في كلامه حيث يقول:
وحدث في أيامه ثلاثة أشياء قبيحة، فأمّا إتيان الذكران، فأقول: البلاء قديم وقد نسب اشتهار ذلك من يوم دخول الخراسانيّة إلى العراق في نوبة أبى مسلم الخراسانىّ في سنة اثنتين وثلاثين ومائة من الهجرة.
وأما اقتناؤه المماليك الحسان، فأين الشيخ تقىّ الدين من مشترى الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى حسان المماليك بأغلى الأثمان الذي لم يقع للملك الظاهر فى مثلها، حتى إن الملك الناصر محمد قدّم جماعة من مماليكه ممن شغف بمحبّتهم وأنعم عليهم بتقادم ألوف بمصر ولم يطرّ شارب واحد منهم، مثل بكتمر الساقى ويلبغا اليحياوى وألطنبغا الماردينى وقوصون وملكتمر الحجازى وطقزدمر الحموى وبشتك وطغاى الكبير وزوّجهم بأولاده، فحينئذ الفرق بينهما في هذا الشأن ظاهر. وأما قوله: أخذ البراطيل، فهذا أيضا قديم جدّا من القرن الثالث وإلى الآن، حتى إنه كان في دولة الملك الصالح إسماعيل ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون ديوان يعرف بديوان البذل (أعنى بديوان البرطيل) وشاع ذلك في الأقطار وصار من له حاجة يأتى إلى صاحب الديوان المذكور ويبذل فيما يرومه من الوظائف وهذا شىء لم يصل الملك الظاهر برقوق اليه.
وأما شحّه فهو بالنسبة لمن تقدّمه من الملوك شحيح وإلى من جاء بعده كريم والشيخ تقي الدين- ﵀ كان له انحرافات معروفة تارة وتارة ولولا ذاك
стр. 3761
ما كان يحكى عنه في تاريخه السلوك قوله: ولقد سمعت العبد الصالح جمال الدين عبد الله السكسرىّ «١» المغربى يخبرنى «٢» ﵀ أنه رأى قردا في منامه صعد المنبر بجامع الحاكم فخطب ثم نزل ودخل المحراب ليصلّى بالناس الجمعة، فثار الناس عليه في أثناء صلاته بهم، فأخرجوه من المحراب وكانت هذه الرؤيا في أواخر سلطنة الملك الأشرف شعبان بن حسين في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، فكان ذلك تقدّم الملك الظاهر برقوق على الناس وسلطنته تأويل هذه الرؤيا، فإنه كان متخلّقا بكثير من أخلاق القردة شحا [وطمعا «٣» ] وفسادا ولكن الله يفعل ما يريد ولله الأمر من قبل ومن بعد. انتهى كلام المقريزى.
قلت: وتعبير الشيخ تقي الدين لهذه الرؤيا أن القرد هو الملك الظاهر فليس بشىء من وجوه عديدة، منها: أن برقوقا لم يتسلطن بعد قتل الملك الأشرف إلا بعد أن تسلطن ولد الملك الأشرف الملك المنصور علىّ وولده الملك الصالح أمير حاجّ.
ثم تسلطن برقوق بعد ستّ سنين من وفاة الأشرف ومنها: أن الناس لمّا أخرجوا القرد في أثناء الصلاة كان ينبغى أن يعود ويصلّى بالناس بعد إخراجه ثانيا صلاة أطول من الصّلاة الأولى، فإن برقوقا لما خلع عاد إلى السلطنة ثانيا ومكث فيها أكثر من سلطنته الأولى حتى كانت تطابق ما وقع لبرقوق وقولنا: إن الشيخ تقي الدين كان له تارات يشكر فيها وتارات يذم فيها، فإنه لما صحب الملك الظاهر المذكور فى سلطنته الثانية وأحسن إليه الظاهر أمعن في الثناء عليه في عدّة أماكن من مصنفاته ونسى مقالته هذه وغيرها وفاته أن يغيّر مقالته هذه، فإنه أمعن، ويقال
стр. 3762
فى المثل من شكر وذمّ، فكأنما كذّب نفسه مرّتين. وبإجماع الناس أن الملك الظاهر برقوقا كان في سلطنته الأولى أحسن حالا من سلطنته الثانية، فإنه ارتكب فى الثانية أمورا شنيعة مثل قتل العلماء وإبعادهم والغضّ منهم، لمّا أفتوا بقتاله عند خروجه من الكرك ونحن أعرف بأحوال الملك الظاهر وابنه الناصر من الشيخ تقي الدين وغيره وإن كان هو الأسنّ، ولم أرد بذلك الحطّ على الشيخ تقىّ الدين ولا التعصّب للملك الظاهر، غير أن الحق يقال والحق المحض فيه أنّه كان له محاسن ومساوئ وليس للإمعان محلّ، كما هي عادة الملوك والحكّام. وبالجملة فهو أحسن حالا ممن جاء بعده من الملوك بلا مدافعة. والله تعالى أعلم.
السنة الأولى من سلطنة الملك الظاهر برقوق الأولى على مصر
وهي سنة أربع وثمانين وسبعمائة، على أن الملك الصالح حاجيّا حكم منها إلى تاسع عشر شهر رمضان ثم حكم الملك الظاهر في باقيها.
وفيها توفّى قاضى قضاة الحنفيّة بدمشق همام الدين أمير غالب ابن العلّامة قاضى القضاة قوام الدين أمير كاتب الإتقانى الفارابى الانزارى الحنفى، ولى أوّلا حسبة دمشق ثم القضاء بها، وكان قليل العلم بالنسبة إلى أبيه، إلّا أنه كان رئيسا حسن الأخلاق كريم النفس، عادلا في أحكامه وكان في ولايته يعتمد على العلماء من نوّابه، فمشى حاله وشكرت سيرته إلى أن مات في جمادى الأولى.
وتوفّى قاضى القضاة بدر الدين عبد الوهاب ابن الشيخ كمال الدين أحمد ابن قاضى القضاة علم الدين محمود «١» بن أبى بكر بن عيسى [بن بدران «٢» ] السعدىّ
стр. 3763
الإخنائى المالكىّ. ولد في حدود العشرين وسبعمائة وتولّى القضاء بعد موت القاضى برهان الدين إبراهيم الإخنائى وكان ضعيفا، فجاءه التشريف من الملك الأشرف شعبان وألقى عليه على لحافه، فلما عوفى لبسه وباشر القضاء وحسنت سيرته إلى أن صرف بعلم الدين سليمان بن خالد بن نعيم البساطى في ذى القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، ثم أعيد في صفر سنة تسع وسبعين وعزل في السنة بالبساطىّ ثانيا ولزم داره إلى أن مات. وكان خيّرا ديّنا مشكور السيرة.
وتوفّى الوزير الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن الرّويهب في سابع «١» عشر شهر رمضان، وقد اتّضع حاله وافتقر وكان من أعيان الأقباط وباشر عدّة مباشرات، منها الوزر ونظر الدولة والاستيفاء وغير ذلك.
وتوفّى الشيخ علاء الدين أبو الحسن علىّ بن عمر بن محمد ابن قاضى القضاة تقي الدين محمد ابن دقيق العيد موقّع الحكم في خامس عشر «٢» صفر.
وتوفّى الشيخ جمال الدين محمد بن علىّ [بن يوسف «٣» ] الأسوانىّ «٤» فى يوم الأحد عاشر شهر ربيع الأوّل وكان معدودا من الفضلاء.
وتوفّى الأمير فخر الدين إياس بن عبد الله الصّرغتمشىّ الحاجب أحد أمراء الطبلخانات في ثالث شهر ربيع الآخر وكان فيه شجاعة وعنده كرم وتعصّب لمن يلوذ به.
стр. 3764
وتوفّى الشيخ الإمام عزّ الدين عبد العزيز بن عبد الحق «١» الأسيوطى الشافعى فى يوم الأحد «٢» عاشر ذى القعدة بعد ما تصدّر للاشتغال والإفتاء عدّة ستين ودرّس بعدّة مدارس وكان من أعيان الشافعية.
وتوفى الأمير زين الدين زبالة الفارقانىّ نائب قلعة دمشق بها في شعبان.
وتوفى السلطان الملك المعزّ حسين بن أويس ابن الشيخ حسن بن حسين ابن آقبغا بن أيلكان المنعوت بالشيخ حسين سلطان بغداد وتبريز وما والاهما وكان سبط ألقان أرغون بن بو سعيد ملك التتار. ولى سلطنة بغداد في حياة أبيه، لأن والده أويسا، كان رأى مناما يدلّ على موته في يوم معين، فاعتزل الملك وسلطن ولده هذا وقد تقدّم ذكره في ترجمة والده المذكور فى سنة ست وسبعين وسبعمائة. ودام الشيخ حسين هذا في الملك إلى أن قتله أخوه السلطان أحمد ابن أويس وملك بغداد بعده بإشارة خجاشيخ الكجحانىّ في هذه السنة. وكان الشيخ حسين هذا ملكا شابا جميلا «٣» جليلا شجاعا مقداما كريما محببّا للرعية كثير البر قليل الطمع؛ ولقد كانت العراق في أيامه مطمئنة معمورة إلى أن ملكها أخوه أحمد بعده فاضطربت أحوالها إلى أن قتل، ثم ملكها قرا يوسف وأولاده، فكان خراب العراق على أيديهم. وبالجملة فكان الشيخ حسين هذا هو آخر ملوك بغداد والعراق.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع ونصف. مبلغ الزيادة عشرون ذراعا وثلاثة أصابع. وهي سنة الغرقى لعظم زيادة النيل.
стр. 3765
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٨٥]
السنة الثانية من سلطنة الملك الظاهر برقوق الأولى على مصر وهي سنة خمس وثمانين وسبعمائة.
وفيها توفّى الأديب المقرئ الفاضل شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يحيى ابن مخلوف بن مرّ «١» بن فضل الله بن سعد بن ساعد السعدىّ الأعرج الشاعر المشهور. كان لديه فضيلة وعلا قدره على نظم الشّعر، وكان عارفا بالقراءات، وقال الشعر وسنّه دون العشرين «٢» سنة. ومن شعره ﵀: [الكامل]
إنّ الكريم إذا تنجّس عرضه ... لو طهّروه بزمزم لم يطهر
ممّا اعتراه من القذاوة والقذى ... لم ينق من نجس بسبعة أبحر
وتوفى الأمير عز الدين أيدمر بن عبد الله من صديق المعروف بالخطائى وهو مجرّد بالإسكندرية، كان أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية ورأس نوبة، وكان ممن انضمّ على الأمير بركة الجوبانىّ، فقبض عليه برقوق وحبسه مدّة ثم أفرج عنه وأعاده على إمرته إلى أن مات. وخلّف موجودا كبيرا استولى عليه ناظر الخاص.
وتوفّى الأمير سيف الدين بلاط بن عبد الله السّيفى المعروف بالصغير أمير سلاح وهو بطرابلس في جمادى الأولى، وكان حيثما وقورا مشكور السيرة.
وتوفى الأمير سيف الدين تمرباى بن عبد الله الأفضلىّ الأشرفىّ نائب صفد بها فى جمادى الأولى، وكان من أعيان المماليك الأشرفية وقد تقدّم أنّه ولى نيابة
стр. 3766
حلب وغيرها، ثم عزله الملك الظاهر فنقله في عدة بلاد إلى أن ولّاه نيابة صفد، فمات بها.
وتوفّى الشيخ الإمام علم الدين سليمان بن شهاب الدين أحمد بن سليمان بن عبد الرحمن [بن «١» أبى الفتح بن هاشم] العسقلانىّ الحنبلىّ، أحد فقهاء الحنابلة فى ثالث [عشرين «٢» ] جمادى الآخرة.
وتوفى قاضى قضاه الشافعية بدمشق ولىّ الدين عبد الله ابن قاضى القضاة بهاء الدين «٣» أبى البقاء محمد بن عبد البر بن يحيى بن على بن تمّام السبكى الشافعى بها فى هذه السنة.
وتوفى الأمير سيف الدين قطلوبغا بن عبد الله الكوكانىّ حاجب حجّاب دمشق في سادس المحرّم. وكان أصله من مماليك الأمير كوكاى، وترقى إلى أن صار من جملة أمراء الألوف بالديار المصرية، ثم ولى إمرة سلاح، ثم نقل إلى حجوبية الحجّاب في أوّل سلطنة الملك الظاهر برقوق عوضا عن سودون الفخرىّ الشيخونىّ بحكم انتقال سودون إلى نيابة السلطنة بالديار المصرية، فدام قطلوبغا هذا في وظيفة الحجوبيّة إلى أن مات وشغرت الوظيفة وهي الحجوبية من بعده أربع سنين إلى أن وليها أيدكار العمرىّ.
وتوفّى الأمير سيف الدين أرغون بن عبد الله دوادار الأمير الكبير طشتمر العلائىّ في هذه السنة. وكان من جملة أمراء الطبلخانات بديار مصر، وكان عارفا عاقلا مدبّرا وله وجاهة في الدول.
стр. 3767
وتوفّى الأمير شرف الدين موسى بن دندار «١» بن قرمان أحد أمراء الطبلخانات فى ليلة الأربعاء العشرين من جمادى الأولى.
وتوفى مستوفى ديوان المرتجع أمين الدين عبد الله المعروف بجعيص «٢» الأسلمىّ فى [ثالث عشر «٣» ] المحرّم. كان من أعيان الكتّاب القبطيّة.
وتوفى القاضى شرف الدين موسى ابن القاضى بدر الدين محمد بن محمد ابن العلّامة شهاب الدين محمود الحلبى الحنبلى، أحد موقّعى الدّست بمدينة الرّملة عائدا من القاهرة إلى دمشق في رابع عشرين صفر، وكان من بيت كتابة وفضل.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثمانية أذرع سواء. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا. والله تعالى أعلم.
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٨٦]
السنة الثالثة من سلطنة الملك الظاهر برقوق الأولى على مصر وهي سنة ست وثمانين وسبعمائة.
فيها توفّى الأمير سيف الدين بهادر بن عبد الله الجمالىّ المعروف بالمشرف، أحد أمراء الألوف بالديار المصرية وأمير حاج المحمل في ذى القعدة بعيون «٤» القصب من طريق الحجاز وبها دفن وقبره معروف هناك. وكان مشكور السيرة، ولى إمرة الحاج غير مرّة. رحمه الله تعالى.
стр. 3768
وتوفّى قاضى القضاة علم الدين أبو الربيع سليمان بن خالد بن نعيم بن مقدم ابن محمد بن حسن بن غانم بن محمد الطائى البساطىّ المالكى قاضى قضاة المالكية بالديار المصرية وهو معزول في يوم الجمعة سادس عشر صفر وقد أناف على الستين سنة، وأصل آبائه من قرية شبرا بسيون «١» بالغربية من أعمال القاهرة وولد هو ببساط «٢» وكان فقيها فاضلا بارعا ولى قضاء مصر في الدولة الأشرفيّة شعبان عوضا عن بدر الدين الإخنائىّ، بعد عزله وباشر بعفّة وتقشّف واطّراح التكلّف، حتى عزل في سنة ثلاث وثمانين ولزم داره حتى مات.
стр. 3769
وتوفى الأمير سيف الدين طنج المحمّدى أحد أمراء الألوف بالديار المصرية، بعد أن أخرج منفيّا إلى دمشق، فمات بها وكان من أعيان الأمراء.
وتوفى العلّامة أوحد الدين عبد الواحد بن إسماعيل بن ياسين الحنفى المصرى المولد والدار والوفاة، كاتب السر الشريف بالديار المصرية في يوم السبت ثانى ذى الحجّة. وكان فقيها فاضلا عالما مفتنّا مشاركا في عدّة علوم مع رياسة وحشمة، خدم عند الملك الظاهر برقوق موقّعا، فلمّا تسلطن ولّاه كتابة السر بالديار المصرية، فى شوّال سنة أربع وثمانين وسبعمائة، بعد عزل القاضى بدر الدين محمد بن فضل الله فباشر الوظيفة بحرمة وافرة وحسنت سيرته وعظم في الدولة، فعاجلته المنيّة وعمره سبع وثلاثون سنة في عنفوان شبيبته وأعيد بدر الدين بن فضل الله من بعده إلى كتابة السر.
وتوفّى القاضى تقىّ الدين عبد الرحمن ابن القاضى محب الدين محمد بن يوسف ابن أحمد بن عبد الدائم [التّيمىّ «١» ] الحلبى الأصل المصرى الشافعى ناظر الجيوش المنصورة في ليلة الخميس سادس عشر جمادى الأولى. وسبب موته أن الملك الظاهر برقوقا غضب عليه بسبب إقطاع زامل أمير العرب وضربه بالدواة ثم مدّه وضربه نحو ثلاثمائة عصاة، فحمل إلى داره في محفّة ومات بعد ثلاثة أيام أو أكثر.
وتوفّى الأمير جمال الدين عبد الله ابن الأمير بكتمر الحسامىّ الحاجب أحد أمراء الطبلخاناه في يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى بداره خارج باب النصر.
стр. 3770
وتوفى الأمير علاء الدين على بن أحمد بن السائس الطّيبرسىّ أستادار خوند بركة أمّ الملك الأشرف شعبان في سادس شوّال وكان من أعيان رؤساء الديار المصرية وله ثروة.
وتوفى العلّامة قاضى القضاة صدر الدين محمد ابن قاضى القضاة علاء الدين على ابن منصور الحنفى قاضى قضاة الديار المصرية، وهو قاض في يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأوّل وقد أناف على ثمانين سنة في ولايته الثانية وتولّى القضاء عوصه قاضى القضاة شمس الدين الطرابلسىّ وتولى مشيخة الصرغتمشيّة من بعده العلّامة جلال الدين التبّانىّ. قال العينى- ﵀ كان إماما عالما فاضلا كاملا بحرا فى فروع أبى حنيفة مستحضرا قويّا، وكان ريّض الخلق كثير التواضع والحلم ليّن الجانب جميل المعاشرة حسن المحاضرة والمذاكرة معتمدا على جانب الصدق فى أقواله وأفعاله سعيدا في حركاته وسكناته. رحمه الله تعالى.
وتوفّى العلّامة إمام عصره ووحيد دهره وأعجوبة زمانه أكمل الدين محمد بن محمد بن محمود «١» الرومى البابرتىّ «٢» الحنفىّ شيخ خانقاة «٣» شيخون في يوم الجمعة تاسع عشر شهر رمضان وحضر السلطان الملك الظاهر الصلاة عليه ومشى أمام نعشه من مصلّاة المؤمنىّ إلى أن وقف على دفنه بقبّة الشيخونيّة، بعد أن همّ على أن يحمل نعشه غير مرة فتحمّله أكابر الأمراء عنه. كان واحد زمانه في المنقول والمعقول ونالته السعادة والحاه العريض حتى إن الملك الظاهر برقوقا مع عظمته كان ينزل فى موكبه ويقف على باب خانقاه شيخون، حتى يتهيّأ الشيخ أكمل الدين للركوب
стр. 3771
ويركب ويسير مع الملك الظاهر، وقع له ذلك معه غير مرّة وهو الذي كان سببا لقيام الملك الظاهر برقوق للقضاة، فإنه كان يقوم له إذا دخل عليه ولا يقوم للقضاة، لما كانت عادة الملوك من قبله فكلّمة الشيخ أكمل الدين هذا في القيام للقضاة، حتى قام لهم وصارت عادة إلى يومنا هذا. وبعد موته جلس الشيخ سراج الدين البلقينىّ عن يمين السلطان، وقد استوعبنا أحواله في المنهل الصافى بأطول من هذا.
وتوفّى قاضى مكّة وخطيبها كمال الدين أبو الفضل محمد بن أحمد بن على العقيلىّ النّويرى الشافعى بمكة في يوم «١» الأربعاء ثالث عشر شهر رجب.
وتوفّى عالم بغداد شمس الدين محمد بن يوسف بن على [بن «٢» ] الكرمانىّ البغدادى الشافعىّ شارح البخارى في المحرّم بطريق الحجاز وحمل إلى بغداد ودفن بها. ومولده فى جمادى الآخرة سنة سبع «٣» عشرة وسبعمائة وكان قدم مصر والشام. ﵀.
وتوفّى صائم الدهر الشيخ محمد بن صديق التّبريزىّ الصوفىّ في ليلة الاثنين خامس عشر شهر رمضان بالقاهرة، أقام [نيّفا «٤» و] أربعين سنة يصوم (الدهر ٥) ويفطر على حمّص بفلس لا يخلطه إلا بالملح فقط. وكان على قدم هائل من العبادة.
وتوفّى الأمير الطواشى شبل الدولة كافور بن عبد الله الهندى الزّمرّدى الناصرى حسن في ثامن شهر ربيع الأول وقد عمّر طويلا وهو صاحب التربة بالقرافة.
стр. 3772
وتوفّى الأمير الكبير سيف الدين طشتمر بن عبد الله العلائىّ الدوادار. كان من أجلّ الأمراء وهو أوّل دوادار وليها بتقدمة ألف، ثم ولى نيابة الشام ثم أتابك العساكر بالديار المصرية إلى أن ركب عليه الملك الظاهر برقوق قبل سلطنته وقبض عليه وحبسه مدّة وولى الأتابكّية من بعده ثم أخرجه إلى القدس بطّالا، ثم ولاه نيابة صفد ثم حماة إلى أن مات. وكان ديّنا خيّرا وله مشاركة في فنون وفيه محبة لأهل العلم والفضل وكان يكتب الخطّ المنسوب ويحب الأدب والشعر.
وتوفّى تاج الدين موسى بن سعد «١» الله بن أبى الفرج ناظر الخاصّ وهو معزول وكان يعرف بابن كاتب السعدىّ وكان من أعيان الأقباط.
وتوفّى تاج الدين بن وزير بيته الأسلمىّ ناظر الإسكندرية بها في شهر ربيع الآخر.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثمانية أذرع وثمانية أصابع.
مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وثمانية أصابع.
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٨٧]
السنة الرابعة من سلطنة الملك الظاهر برقوق الأولى على مصر وهي سنة سبع وثمانين وسبعمائة.
وفيها توفّى قاضى قضاة الحنفية بحلب تاج الدين أحمد بن شمس الدين محمد ابن محمد «٢» بدمشق في هذه السنة، وكان فقيها فاضلا محدثا أديبا شاعرا ومات عن سنّ عالية.
стр. 3773
وتوفّى «١» القاضى جمال الدين إبراهيم ابن قاضى قضاة حلب ناصر الدين محمد ابن قاضى قضاة حلب كمال الدين عمر ابن قاضى قضاة حلب عز الدين [أبى البركات «٢» ] عبد العزيز ابن الصاحب فخر «٣» الدين محمد ابن قاضى القضاة نجم الدين [أبى الحسن «٤» ] أحمد ابن قاضى القضاة جمال الدين [أبى الفضل «٥» ] هبة الله ابن قاضى قضاة حلب محب الدين محمد ابن قاضى قضاة حلب جمال الدين هبة الله ابن قاضى قضاة حلب محب الدين أبى غانم محمد ابن قاضى قضاة حلب جمال الدين هبة الله ابن القاضى نجم الدين أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد ابن عامر بن أبى جرادة بن ربيعة الحنفى المعروف بآبن العديم. مات عن نيّف وسبعين سنة.
قلت: هو من بيت علم ورياسة وقد تقدّم ذكر جماعة من أقار به ويأتى أيضا ذكر جماعة منهم، كلّ واحد في محلّه، إن شاء الله تعالى.
وتوفّى رئيس «٦» التّجّار زكىّ الدين أبو بكر بن علىّ الخرّوبىّ المصرىّ بمصر القديمة فى يوم الخميس تاسع عشر المحرّم وخلّف مالا كبيرا.
وتوفّى الأمير فخر الدين عثمان بن قارا «٧» بن [حيّار «٨» ] بن مهنّا بن عيسى بن مهنّا أمير آل فضل بالبلاد الشامية في شهر ربيع الأوّل وكان من أجلّ ملوك العرب.
стр. 3774
وتوفّى الأمير سيف الدين قرا بلاط بن عبد الله الأحمدى اليلبغاوىّ نائب الإسكندرية بها فى [نصف «١» ] شهر ربيع الآخر. وكان من أكابر مماليك الأتابك يلبغا العمرى الخاصّكى.
وتوفّى الشيخ الإمام العالم نجم الدين أحمد بن عثمان بن عيسى بن حسن بن حسين ابن عبد المحسن الراسوفىّ الدمشقى الشافعىّ المعروف بابن الحبّال في جمادى الآخرة،- بعد عوده من مصر- بدمشق. وكان فقيها عالما متبحّرا في مذهبه، انتهت إليه رياسة مذهب الشافعىّ بدمشق في زمانه وتصدّى للإفتاء والتدريس والإشغال سنين عديدة.
وتوفّى السيد الشريف شمس الدين أبو المجد محمد بن النقيب جمال الدين أحمد ابن النقيب شمس الدين محمد بن أحمد الحرّانى الحلبى الحنفى عن سبع وأربعين سنة ولم يل نقابة الأشراف.
وتوفّى الشيخ الأديب شهاب الدين أحمد بن عبد الهادى بن أحمد المعروف بالشاطر الدمنهورىّ الشاعر المشهور بعقبة «٢» أيلا متوجّها إلى الحجاز الشريف، فى العشر الأول من ذى القعدة. ومولده في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة. وكان أديبا بارعا فاضلا، بارعا في فنون لا سيّما: فى المترجم ونظم القريض. ومن شعره فى مروحة: [الطويل]
ومخطوبة في الحرّ من كل هاجر ... ومهجورة في البرد من كلّ خاطب
إذا ما الهوى المقصور هيّج عاشقا ... أتت بالهوى الممدود من كل جانب
стр. 3775
وتوفّى الأمير سيف الدين [أحمد «١» ] آقبغا بن عبد الله الدّوادار في شهر ربيع الآخر، وكان من المماليك اليلبغاويّة من حزب خشداشية الملك الظاهر برقوق.
وتوفى الرئيس شمس الدين محمد بن شهاب الدين أحمد بن سبع العبسىّ مستوفى ديوان الأحباس في ثامن [عشر «٢» ] شعبان وكان معدودا من أعيان الديار المصرية.
وتوفّى قاضى القضاة زين الدين عبد الرحمن بن رشد المالكىّ، قاضى قضاة حلب بها. وكان معدودا من فقهاء المالكية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا.
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٨٨]
السنة الخامسة من سلطنة الملك الظاهر برقوق الأولى على مصر وهي سنة ثمان وثمانين وسبعمائة.
فيها توفّى القاضى بدر الدين أحمد بن شرف الدين محمد ابن الوزير الصاحب فخر الدين محمد ابن الوزير الصاحب بهاء الدين على بن محمد بن سليم المعروف بابن حنّاء في يوم الجمعة تاسع عشرين جمادى الآخرة بمدينة «٣» مصر عن نيّف وسبعين سنة.
وكان فقيها عالما مفتنّا أديبا معدودا من فقهاء الشافعية. ومن شعره: [الكامل]
هنئت يا عود الأراك بثغره ... إذ أنت للأوطان غير مفارق
إن كنت فارقت العقيق وبارقا ... ها أنت ما بين العذيب وبارق
стр. 3776
قلت: وأحسن من هذا قول ابن دمرداش الدّمشقىّ في المعنى: [الطويل]
أقول لمسواك الحبيب لك الهنا ... بلثم فم ما ناله ثغر عاشق
فقال وفي أحشائه حرق الجوى ... مقالة صبّ للديار مفارق
تذكّرت أوطانى فقلبى كما ترى ... أعلّله بين العذيب وبارق
ولابن قرناص في هذا المعنى وهو أيضا في غاية الحسن: [الطويل]
سألتك يا عود الأراك بأن تعد ... إلى ثغر من أهوى فقبّله مشفقا
ورد من ثنيّات العذيب منيهلا ... تسلسل ما بين الأبيرق والنّقا
وتوفّى السيد الشريف شهاب الدين أحمد بن عجلان بن رميثة، واسم رميثة منجد [ابن أبى نمىّ «١» سعد] الحسنىّ المكىّ أمير مكّة في حادى عشرين «٢» شعبان عن نيف وستين سنة بمكة ودفن بالمعلاة. وكان حسن السّيرة مشكور الطريقة.
وولى إمرة مكة بعده ابنه محمد بن أحمد بأمر عمّه كبيش بن عجلان.
وتوفّى الشيخ عماد الدين إسماعيل أحد الأفراد في الخطّ المنسوب المعروف بابن الزّمكحل، كان رئيسا في كتابة المنسوب، كان يكتب سورة الإخلاص على حبة أرز كتابة بيّنة تقرأ بتمامها وكمالها لا ينطمس منها حرف واحد- وكان له بدائع فى فنّ الكتابة وكتب عدّة مصاحف إلى أن مات (والزّمكحل بزاى مضمومة وميم مضمومة أيضا وكاف ساكنة وحاء مضمومة مهملة وبعدها لام ساكنة) .
وتوفّى الأمير سيف الدين جلبان بن عبد الله الحاجب أحد أمراء الطبلخانات فى شهر رمضان. وكان عاقلا ساكنا مشكور السيرة.
стр. 3777
وتوفى الأمير غرس الدين خليل بن قراجا بن دلغادر أمير التّركمان اليروقية «١» وصاحب أبلستين «٢» قتيلا في الحرب مع الأمير صارم الدين إبراهيم بن همر التّركمانىّ، قريبا من مدينة مرعش «٣» عن نيّف وستين سنة.
وتوفّى الأمير سودن العلائىّ نائب حماة قتيلا في محاربة التّركمان أيضا. وكان ممن أنشأه الملك الظاهر برقوق وأظنّه من خشداشيّته.
وتوفّى الشريف بدر الدين محمد بن عطيفة بن منصور بن جمّاز بن شيحة أمير المدينة النبويّة- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام-
وتوفى الشيخ الزاهد العابد الصالح شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان القرمىّ الحنفىّ بالقدس الشريف في صفر. ومولده في ذى الحجّة سنة ستة وعشرين وسبعمائة. وكان كثير العبادة والتّلاوة للقرآن حتى قيل: إنه قرأ في اليوم والليلة ثمانى ختمات.
قلت: هذا شىء من وراء العقل فسبحان المانح.
وتوفّى الشيخ الإمام «٤» العابد الصالح الورع شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن إلياس القونوىّ الحنفىّ بدمشق عن نيّف وسبعين سنة. وكان إماما عالما زاهدا شديدا في الله. وقدم القاهرة غير مرّة وتصدّى للإقراء والتصنيف سنين عديدة وانتفع الناس به. ومن مصنّفاته المفيدة «شرح تلخيص المفتاح» و «كتاب درر البحار» ونظم فيه فقه الأربعة و «شرح مجمع البحرين» فى الفقه
стр. 3778
فى عشر مجلّدات، وشرح آخر في ستة أجزاء، وله: «رسالة في الحديث» وغير ذلك. رحمه الله تعالى.
وتوفّى شيخ أهل الميقات ناصر الدين محمد بن الخطائى فى يوم الأربعاء ثالث عشرين شعبان وكان إماما في وقته.
وتوفّى أيضا قرينه في علم الميقات شمس الدين محمد بن الغزولىّ في رابع شهر رجب. وكان أيضا من علماء هذا الشأن.
وتوفّى ملك الغرب صاحب مدينة فاس وما والاها السلطان موسى ابن السلطان أبى عنان فارس بن أبى الحسن المرينىّ في جمادى الآخرة. وأقيم بعده المستنصر محمد بن أبى العباس أحمد المخلوع بن أبى سالم فلم يتم أمره وخلع بعد قليل. وأفيم الواثق محمد بن أبى الفضل ابن السلطان أبى الحسن، كلّ ذلك بتدبير «١» الوزير ابن مسعود وهو يوم ذاك صاحب أمر فاس.
وتوفّى القاضى شهاب الدين أحمد بن محمد بن الزّركشى أمين الحكم فجاة بالقاهرة فى ليلة الجمعة تاسع عشر شهر ربيع الأوّل واتّهم أنّه سمّ نفسه، حتى مات لمال بقى عليه، فنسأل الله تعالى حسن الخاتمة.
وتوفّى الأمير أحمد ابن السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون فى جمادى الآخرة بمجلسه في قلعة الجبل بالحوش السلطانىّ.
وتوفّى قاضى القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن التّقىّ الحنبلىّ قاضى قضاة الحنابلة بدمشق بها «٢» فى هذه السنة.
стр. 3779
وتوفّى الأمير شرف الدين موسى المعروف بابن الفافا أستدار الأمير أيتمش البجاسىّ في تاسع شوال. وكانت لديه فضيلة وله ثروة عظيمة وحشم. وكان من رءوس الظاهرية مذهبا وأثنى عليه الشيخ تقىّ الدين المقريزى. ﵀.
وتوفّى السيد الشريف هيازع بن هبة الله الحسنىّ المدنىّ أمير المدينة النبويّة مات وهو في السجن بثغر الإسكندرية في شهر ربيع الأوّل.
وتوفّى الشيخ شرف الدين صدقة ويدعى محمد بن عمر بن محمد بن محمد العادلىّ شيخ الفقراء القادريّة بالفيوم في جمادى الآخرة. وكان ديّنا صالحا أحرم مرّة من القاهرة.
وتوفّى علم الدين يحيى القبطى الأسلمى ناظر الدولة المعروف بكاتب ابن الدينارى فى شهر ربيع الآخر.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع سواء. مبلغ الزيادة عشرون ذراعا، وقيل: تسعة عشرة ذراعا وسبعة عشرة إصبعا.
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٨٩]
السنة السادسة من سلطنة الملك الظاهر برقوق الأولى على مصر وهي سنة تسع وثمانين وسبعمائة.
وفيها توفّى الأمير سيف الدين طينال بن عبد الله الماردينىّ الناصرىّ. كان أصله من مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون وصار في أيام الملك الناصر حسن أمير مائة ومقدّم ألف بالديار المصرية. ثم نفاه الناصر حسن إلى الشام، فأقام بها إلى أن طلبه الملك الأشرف شعبان وأعاده إلى تقدمة ألف بديار مصر مدّة. ثمّ انتزعه منه وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه وجعله نائب قلعة الجبل فدام على ذلك مدّة سنين.
стр. 3780
ثم عزله وأخذ الطبلخاناه منه وأنعم عليه بإمرة عشرة وترك طرخانا إلى أن مات فى شهر رمضان وقد عمّر.
وتوفّى الأمير تاج الدين إسماعيل بن مازن الهوّارىّ أمير عرب هوارة ببلاد الصعيد في هذه السنة وترك أموالا جمّة.
وتوفى الوزير الصاحب شمس الدين إبراهيم المعروف بكاتب أرنان. كان أصله من نصارى مصر وأسلم وخدم في ديوان الملك الظاهر برقوق في أيام إمرته، بعد أن باشر عند جماعة كبيرة من الأمراء. ولمّا تسلطن ولّاه الوزارة على كره منه وأحوال الدولة غير مستقيمة، فلما وزّر نفّذ الأمور ومشّى الأحوال مع وفور الحريّة ونفوذ الكلمة والتقلّل في الملبس بحيث إنه كان مثل أوساط الكتاب ودخل الوزارة وليس للدولة حاصل من عين ولا غلّة وقد استأجر الأمراء النواحى بأجرة قليلة، وكفّ أيدى الأمراء عن النواحى وضبط المتحصّل وجدّد مطابخ السكّر ومات والحاصل فيه ألف ألف درهم فضة وثلاثمائة وستون ألف اردبّ غلّة وستة وثلاثون ألف رأس من الغنم ومائة ألف طائر من الإوز والدّجاج وألف قنطار من الزيت وأربعمائة قنطار ماء ورد، قيمة ذلك كلّه يوم ذاك خمسمائة ألف دينار، هذا بعد قيامه بكلف الديوان تلك الأيام أحسن قيام.
وتوفّى الحافظ صدر الدين سليمان بن يوسف بن مفلح الياسوفىّ «١» الطوسىّ الحنفىّ الشافعىّ بقلعة دمشق قتيلا بها، بعد أن اعتقل بها مدّة في محنة رمى بها. وكان من الفضلاء العلماء عارفا بالفقه إماما في الحديث والتفسير عفيفا عن أمور الدنيا.
стр. 3781
وتوفى الأمير سيف الدين طقتمش بن عبد الله الحسنىّ «١» اليلبغاوىّ أحد أمراء الطبلخاناه في سابع شهر رجب «٢» . كان من أعيان مماليك الأتابك يلبغا العمرىّ وممن قام مع الملك الظاهر برقوق.
وتوفّى الشيخ الزاهد الورع أمين الدين محمد بن محمد بن محمد الخوارزمىّ النسفى اليلبغاوى «٣» الحنفىّ المعروف بالخلواتىّ «٤» فى سابع عشرين شعبان، خارج القاهرة.
وكان ممن جمع بين العلم والعمل.
وتوفّى الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد القرمىّ الحنفىّ قاضى العسكر بالديار المصريّة في سابع عشرين شهر ربيع الآخر. وكان فاضلا بارعا في فنون من العلوم وكان خصيصا عند السلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين.
وتوفى قاضى قضاة المالكيّة بحلب زين الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن الجعيد الشهير بابن رشد المالكىّ المغربىّ السّجلماسىّ، كان من فضلاء السادة المالكية وله مشاركة في سائر العلوم وأفتى ودرّس وتولّى قضاء حلب وحسنت سيرته.
وتوفى التاجر نور الدين على بن عنان في شوّال وكان من أعيان تجّار الكارم بمصر وخلّف مالا كبيرا.
وتوفىّ القاضى شمس الدين محمد بن على بن الخشاب الشافعىّ في شعبان وكان فاضلا عالما محدّثا، حدّث عن وزيرة والحجّار.
стр. 3782
وتوفى الخطيب البليغ ناصر الدين محمد بن على بن محمد [بن «١» محمد] بن هاشم ابن عبد الواحد بن عشائر الحلبى الشافعىّ بالقاهرة في ليلة الأربعاء سادس عشرين شهر ربيع الآخر. وكان فقيها عالما عارفا بالفقه والحديث والنحو والشعر وغيره.
وولى هو وأبوه خطابة جامع حلب وقدم إلى القاهرة فلم تطل مدّته حتى مات.
وتوفى القاضى فتح الدين محمد ابن قاضى القضاة بهاء الدين [عبد الله «٢» بن] عبد الرحمن بن عقيل الشافعىّ موقّع الدّرج بالديار المصرية في حادى عشرين صفر وكان معدودا من فضلاء الشافعية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وخمسة عشرا إصبعا.
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٩٠]
السنة السابعة من سلطنة الملك الظاهر برقوق الأولى على مصر وهي سنة تسعين وسبعمائة.
وفيها توفى قاضى القضاة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن «٣» بن محمد ابن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكنانى الشافعى قاضى قضاة مصر ثم دمشق بها وهو على قضائها في ليلة الجمعة ثامن عشر شعبان. ومولده في سنة خمس وعشرين وسبعمائة. وسمع الكثير بمصر والشام وبرع في الفقه والعربية وولى خطابة المسجد الأفصى. ثم ولى القضاء بديار مصر ثم بالشام.
стр. 3783
قلت: وهو خلاف قاضى القضاة برهان الدين إبراهيم بن سعد الله بن جماعة وهو جدّ عبد الرحمن والد صاحب الترجمة.
وتوفّى الشيخ جمال الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن الأميوطى «١» الشافعى بمكة المشرفة في ثانى شهر رجب بعد أن عمّر وأسمع صحيح مسلم وغيره. وكان فقيها بارعا أفتى ودرّس وأشغل سنين.
وتوفّى الشيخ المعتقد إسماعيل بن يوسف الإنبابى بزاويته «٢» بناحية منبابة في سلخ شعبان. وكان شيخا معتقدا وله كرامات. وللناس فيه اعتقاد وظنون حسنة.
ترجمه الشيخ تقىّ الدين المقريزى وقد رآه وحضر عنده وذكر عن الوقت الذي كان يعمله بزاويته (- أعنى المولد- قبائح كان الإضراب عن ذكرها أليق) وإن كان هو كما قال: مما يقع به من الفساد من المتفرّجين والمترددين، غير أن السكات فى مثل هذا أحسن، كونه رجلا منسوبا إلى الصلاح ومن ذريّة الصالحين، على أننى أيضا أنكر هذا الوقت الذي يعمل بالزاوية المذكورة إلى الآن وإبطاله من أعظم معروف يعمل، لما ترتكب العامّة فيه من الفسق وصار عندهم هذا الوقت من جملة النّزه ويتواعدون عليه من قبل عمله بأيام ويتوجّهون إليه أفواجا. ومنهم من له سنين على ذلك وهو لا يعرف باب الزاوية، غير أنه صار ذلك عنده عادة، يتّزه بها هو ومن يريد هو وأمثاله ممّن لا خلاق لهم، فلا قوّة إلا بالله ما شاء الله كان.
стр. 3784
وتوفّى الأمير سيف الدين بهادر بن عبد الله المنجكىّ الأستادار وأحد أمراء الألوف بالديار المصرية في أوّل جمادى الآخرة. وأصله من مماليك الأمير منجك اليوسفىّ الناصرىّ. وكان الملك الظاهر برقوق لمّا صار بخدمة منجك المذكور بقى بينهما أنسة وصحبة، فلمّا تسلطن برقوق عرف له ذلك ورقّاه حتى ولاه الأستدارية العالية إلى أن مات وتولّى محمود بن على الاستدارية بعده. وكان بهادر عنده معرفة وعقل وسياسة وتدبير، ومات ولم ينتكب كونه كان فيه إحسان للفقراء والصلحاء والغرباء وكان له صدقات كثيرة وبرّ وافر. وكان أصله روميّا وقيل إفرنجيا وأخذه الأمير منجك.
قلت: وهو أعظم أستدار ولى الأستدارية في دولة الملك الظاهر برقوق إلى يومنا هذا وأوفرهم حرمة وأوقرهم في الدول.﵀.
وتوفّى الوزير الصاحب علم الدين بن القسّيس الأسلمى القبطىّ المعروف بكاتب سيدى في آخر ذى الحجة، بعد أن باشر عدّة وظائف أعظمهم الوزر.
وتوفّى الرئيس أمين الدين عبد الله بن المجد فضل الله بن أمين الدين عبد الله أبن ريشة القبطى الأسلمىّ ناظر الدولة في ليلة الأربعاء سادس جمادى الأولى. وكان معدودا من أعيان الأقباط بالديار المصرية.
وتوفّى الأمير سيف الدين سيرج بن عبد الله الكمشبغاوىّ نائب قلعة الجبل، فى تاسع عشرين شهر ربيع الآخر وكان من جملة أمراء الطبلخانات وكان وقورا وله وجاهة.
وتوفّى الشيخ الإمام العالم العلّامة علاء الدين أحمد بن محمد المعروف بالعلاء السّيرامىّ العجمىّ الحنفىّ شيخ الشيوخ بالمدرسة الظاهرية البرقوقية في ثالث جمادى
стр. 3785
الأولى وكان إماما عالما مقدّما مفتنّا أعجوبة زمانه في الفقه وفروعه وعلمى المعانى والبيان والأصول. وكان أدرك المشايخ وأخذ عنهم العلوم العقلية والنقلية وبرع ودرّس وأفتى في بلاد العجم بمدينة هراة وخوارزم وسراى وقرم وتبريز، حتى شاع ذكره وبعد صيته ولمّا بنى الملك الظاهر مدرسته بين القصرين أرسل يطلبه على البريد حتى قدم فولّاه شيخ شيوخ مدرسته فدام بها إلى أن أدركته المنية ودفن بتربة «١» الملك الظاهر برقوق بالصحراء. وهو أحد من أوصى الملك الظاهر أن يدفن تحت رجليه ويبنى عليه مدرسة ففعل ذلك وكان ديّنا خيّرا عابدا صالحا.
ولمّا مات طلب السلطان الشيخ سيف الدين السّيرامى من حلب وولّاه عوضه شيخ الظاهرية وهو والد الشيخ نظام الدين يحيى وجدّ الشيخ عضد الدين عبد الرحمن شيخ الظاهرية المذكورة الآن.
وتوفّى القاضى تقىّ الدين محمد بن محمد بن أحمد بن شاس الماكى أحد أعيان موقّعى الدست بالديار المصرية في سابع عشر شعبان. وكان كاتبا فاضلا عيّن لكتابة السرّ بديار مصر غير مرّة.
وتوفّى الأمير شهاب الدين أحمد بن عمر بن قليج «٢» والى الفيّوم في هذه السنة.
كان أبوه من أمراء الألوف بالديار المصرية وكذلك جدّه وكان هو من جملة أمراء الطبلخانات. رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير قطلوبغا المحمدى المعروف بقشقلندق أحد أمراء العشرات في ثانى جمادى الآخرة وكان له وجاهة وعنده فروسية.
следующие страницы →