Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
وتوفى الأمير سيف الدين طقتمش بن عبد الله الحسنىّ «١» اليلبغاوىّ أحد أمراء الطبلخاناه في سابع شهر رجب «٢» . كان من أعيان مماليك الأتابك يلبغا العمرىّ وممن قام مع الملك الظاهر برقوق.
وتوفّى الشيخ الزاهد الورع أمين الدين محمد بن محمد بن محمد الخوارزمىّ النسفى اليلبغاوى «٣» الحنفىّ المعروف بالخلواتىّ «٤» فى سابع عشرين شعبان، خارج القاهرة.
وكان ممن جمع بين العلم والعمل.
وتوفّى الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد القرمىّ الحنفىّ قاضى العسكر بالديار المصريّة في سابع عشرين شهر ربيع الآخر. وكان فاضلا بارعا في فنون من العلوم وكان خصيصا عند السلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين.
وتوفى قاضى قضاة المالكيّة بحلب زين الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن الجعيد الشهير بابن رشد المالكىّ المغربىّ السّجلماسىّ، كان من فضلاء السادة المالكية وله مشاركة في سائر العلوم وأفتى ودرّس وتولّى قضاء حلب وحسنت سيرته.
وتوفى التاجر نور الدين على بن عنان في شوّال وكان من أعيان تجّار الكارم بمصر وخلّف مالا كبيرا.
وتوفىّ القاضى شمس الدين محمد بن على بن الخشاب الشافعىّ في شعبان وكان فاضلا عالما محدّثا، حدّث عن وزيرة والحجّار.
стр. 3782
وتوفى الخطيب البليغ ناصر الدين محمد بن على بن محمد [بن «١» محمد] بن هاشم ابن عبد الواحد بن عشائر الحلبى الشافعىّ بالقاهرة في ليلة الأربعاء سادس عشرين شهر ربيع الآخر. وكان فقيها عالما عارفا بالفقه والحديث والنحو والشعر وغيره.
وولى هو وأبوه خطابة جامع حلب وقدم إلى القاهرة فلم تطل مدّته حتى مات.
وتوفى القاضى فتح الدين محمد ابن قاضى القضاة بهاء الدين [عبد الله «٢» بن] عبد الرحمن بن عقيل الشافعىّ موقّع الدّرج بالديار المصرية في حادى عشرين صفر وكان معدودا من فضلاء الشافعية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وخمسة عشرا إصبعا.
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٩٠]
السنة السابعة من سلطنة الملك الظاهر برقوق الأولى على مصر وهي سنة تسعين وسبعمائة.
وفيها توفى قاضى القضاة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن «٣» بن محمد ابن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكنانى الشافعى قاضى قضاة مصر ثم دمشق بها وهو على قضائها في ليلة الجمعة ثامن عشر شعبان. ومولده في سنة خمس وعشرين وسبعمائة. وسمع الكثير بمصر والشام وبرع في الفقه والعربية وولى خطابة المسجد الأفصى. ثم ولى القضاء بديار مصر ثم بالشام.
стр. 3783
قلت: وهو خلاف قاضى القضاة برهان الدين إبراهيم بن سعد الله بن جماعة وهو جدّ عبد الرحمن والد صاحب الترجمة.
وتوفّى الشيخ جمال الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن الأميوطى «١» الشافعى بمكة المشرفة في ثانى شهر رجب بعد أن عمّر وأسمع صحيح مسلم وغيره. وكان فقيها بارعا أفتى ودرّس وأشغل سنين.
وتوفّى الشيخ المعتقد إسماعيل بن يوسف الإنبابى بزاويته «٢» بناحية منبابة في سلخ شعبان. وكان شيخا معتقدا وله كرامات. وللناس فيه اعتقاد وظنون حسنة.
ترجمه الشيخ تقىّ الدين المقريزى وقد رآه وحضر عنده وذكر عن الوقت الذي كان يعمله بزاويته (- أعنى المولد- قبائح كان الإضراب عن ذكرها أليق) وإن كان هو كما قال: مما يقع به من الفساد من المتفرّجين والمترددين، غير أن السكات فى مثل هذا أحسن، كونه رجلا منسوبا إلى الصلاح ومن ذريّة الصالحين، على أننى أيضا أنكر هذا الوقت الذي يعمل بالزاوية المذكورة إلى الآن وإبطاله من أعظم معروف يعمل، لما ترتكب العامّة فيه من الفسق وصار عندهم هذا الوقت من جملة النّزه ويتواعدون عليه من قبل عمله بأيام ويتوجّهون إليه أفواجا. ومنهم من له سنين على ذلك وهو لا يعرف باب الزاوية، غير أنه صار ذلك عنده عادة، يتّزه بها هو ومن يريد هو وأمثاله ممّن لا خلاق لهم، فلا قوّة إلا بالله ما شاء الله كان.
стр. 3784
وتوفّى الأمير سيف الدين بهادر بن عبد الله المنجكىّ الأستادار وأحد أمراء الألوف بالديار المصرية في أوّل جمادى الآخرة. وأصله من مماليك الأمير منجك اليوسفىّ الناصرىّ. وكان الملك الظاهر برقوق لمّا صار بخدمة منجك المذكور بقى بينهما أنسة وصحبة، فلمّا تسلطن برقوق عرف له ذلك ورقّاه حتى ولاه الأستدارية العالية إلى أن مات وتولّى محمود بن على الاستدارية بعده. وكان بهادر عنده معرفة وعقل وسياسة وتدبير، ومات ولم ينتكب كونه كان فيه إحسان للفقراء والصلحاء والغرباء وكان له صدقات كثيرة وبرّ وافر. وكان أصله روميّا وقيل إفرنجيا وأخذه الأمير منجك.
قلت: وهو أعظم أستدار ولى الأستدارية في دولة الملك الظاهر برقوق إلى يومنا هذا وأوفرهم حرمة وأوقرهم في الدول.﵀.
وتوفّى الوزير الصاحب علم الدين بن القسّيس الأسلمى القبطىّ المعروف بكاتب سيدى في آخر ذى الحجة، بعد أن باشر عدّة وظائف أعظمهم الوزر.
وتوفّى الرئيس أمين الدين عبد الله بن المجد فضل الله بن أمين الدين عبد الله أبن ريشة القبطى الأسلمىّ ناظر الدولة في ليلة الأربعاء سادس جمادى الأولى. وكان معدودا من أعيان الأقباط بالديار المصرية.
وتوفّى الأمير سيف الدين سيرج بن عبد الله الكمشبغاوىّ نائب قلعة الجبل، فى تاسع عشرين شهر ربيع الآخر وكان من جملة أمراء الطبلخانات وكان وقورا وله وجاهة.
وتوفّى الشيخ الإمام العالم العلّامة علاء الدين أحمد بن محمد المعروف بالعلاء السّيرامىّ العجمىّ الحنفىّ شيخ الشيوخ بالمدرسة الظاهرية البرقوقية في ثالث جمادى
стр. 3785
الأولى وكان إماما عالما مقدّما مفتنّا أعجوبة زمانه في الفقه وفروعه وعلمى المعانى والبيان والأصول. وكان أدرك المشايخ وأخذ عنهم العلوم العقلية والنقلية وبرع ودرّس وأفتى في بلاد العجم بمدينة هراة وخوارزم وسراى وقرم وتبريز، حتى شاع ذكره وبعد صيته ولمّا بنى الملك الظاهر مدرسته بين القصرين أرسل يطلبه على البريد حتى قدم فولّاه شيخ شيوخ مدرسته فدام بها إلى أن أدركته المنية ودفن بتربة «١» الملك الظاهر برقوق بالصحراء. وهو أحد من أوصى الملك الظاهر أن يدفن تحت رجليه ويبنى عليه مدرسة ففعل ذلك وكان ديّنا خيّرا عابدا صالحا.
ولمّا مات طلب السلطان الشيخ سيف الدين السّيرامى من حلب وولّاه عوضه شيخ الظاهرية وهو والد الشيخ نظام الدين يحيى وجدّ الشيخ عضد الدين عبد الرحمن شيخ الظاهرية المذكورة الآن.
وتوفّى القاضى تقىّ الدين محمد بن محمد بن أحمد بن شاس الماكى أحد أعيان موقّعى الدست بالديار المصرية في سابع عشر شعبان. وكان كاتبا فاضلا عيّن لكتابة السرّ بديار مصر غير مرّة.
وتوفّى الأمير شهاب الدين أحمد بن عمر بن قليج «٢» والى الفيّوم في هذه السنة.
كان أبوه من أمراء الألوف بالديار المصرية وكذلك جدّه وكان هو من جملة أمراء الطبلخانات. رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير قطلوبغا المحمدى المعروف بقشقلندق أحد أمراء العشرات في ثانى جمادى الآخرة وكان له وجاهة وعنده فروسية.
стр. 3786
وتوفّى القاضى عز الدين أبو اليمن محمد بن عبد اللطيف بن الكويك الرّبعى الشافعى في ثالث «١» عشر جمادى الأولى عن خمس وستين سنة وكان له سماع ورواية ولديه فضيلة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سنة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذرعا وأربعة أصابع. وكان الوفاء سابع عشر مسرى أحد شهور القبط.
стр. 3787
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٩١]
ذكر سلطنة الملك المنصور حاجى الثانية على مصر
السلطان الملك الصالح ثم المنصور حاجّى ابن السلطان الملك الأشرف شعبان ابن الأمير الملك الأمجد حسين ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون.
وقد تقدّم ذكر نسبه أيضا في سلطنتة الأولى.
وكان سبب عوده للملك أنه لمّا وقع ما حكيناه من خروج الأمير يلبغا الناصرى وتمربغا الأفضلى المدعو منطاش بمن معهما على الملك الظاهر برقوق ووقع ما حكيناه من الحروب بينهم إلى أن ضعف أمر الملك الظاهر واختفى وترك ملك مصر واستولى الأمير الكبير يلبغا الناصرى على قلعة الجبل وكلّمه أصحابه على أنه يتسلطن فلم يفعل وأشار بعود الملك الصالح هذا وقال: إن الملك الظاهر برقوقا خلعه بغير سبب وطلب أكابر الأمراء من أصحابه مثل الأمير منطاش المقدم ذكره والأمير بزلا العمرى الناصرى والأمير قرادمرداش الأحمدى وغيرهم، وكلّمهم في عود الملك الصالح الى السلطنة ثانيا فأجاب الجميع وطلعوا من الإسطبل «١» السلطانى إلى الحوش من قلعة الجبل وجلس الأتابك يلبغا الناصرى به وطلب الملك الصالح هذا من عند أهله وقد حضر الخليفة والقضاة وبايعوه بالسلطنة وألبسوه خلعتها وركب من الحوش بأبّهة الملك وشعار السلطنة إلى الإيوان «٢» بقلعة الجبل والأمراء المذكورون مشاة بين يديه وأجلسوه على تخت الملك وغيّروا لقبه بالملك المنصور ولم نعلم بسلطان تغيّر لقبه قبله ولا بعده، فإنّه كان لقبه أولا الصالح وصار الآن في سلطنته
стр. 3788
الثانية المنصور وقلده الخليفة أمور الرعية على العادة وقبّل الأمراء الأرض بين يديه ودقّت النواقيس والكوسات ونودى باسمه بالقاهرة ومصر وبالأمان والدعاء للملك المنصور ثم للأتابك يلبغا وتهديد من نهب فاطمأنت الناس.
ثم قام الملك المنصور إلى القصر وسائر أرباب الدولة بين يديه واستقرّ الأمير الكبير يلبغا الناصرى أتابك العساكر بالديار المصرية ومدبّر المملكة وصاحب حلّها وعقدها، ففى الحال أمر الناصرى للامير ألطنبغا الأشرفى والأمير أرسلان اللفاف وقراكسك والأمير أردبغا العثمانى أن يكونوا عند السلطان الملك المنصور بالقصر، وأن يمنعوا من يدخل عليه من التّركمان وغيرهم. ونزل الأتابك يلبغا الناصرىّ إلى الإسطبل السلطانى حيث هو سكنه وخلع على الأمير حسام الدين حسين بن على ابن الكورانى بولاية القاهرة على عادته أولا فسّر الناس بولايته. وتعيّن الصاحب كريم الدين بن عبد الكريم بن عبد الرزّاق بن إبراهيم بن مكانس مشير الدولة وأخوه فخر الدين عبد الرحمن لنظر الدولة على عادته وأخوهما زين الدين لنظر الجهات، وأعاد جميع المكوس التي أبطلها الملك الظاهر برقوق.
ثم نودى بالأمان للماليك الجراكسة وأن جميع المماليك والأجناد على حالهم وأنّ الأمير الكبير لا يغيّر على أحد منهم شيئا مما كان فيه ولا يخرج عنه إقطاعه.
ثم في يوم الأربعاء سادس الشهر قدم الأمير ألطنبغا الجوبانى نائب الشام كان والأمير الطنبغا المعلم أمير سلاح كان والأمير قردم الحسنى رأس نوبة النّوب كان من سجن الإسكندرية وطلعوا إلى السلطان وترحّب بهم الأمير الكبير يلبغا الناصرى.
ثم نودى ثانيا بالقاهرة بأن من ظهر من المماليك الظاهرية فهو على حاله باق على إقطاعه ومن اختفى منهم بعد النداء حل ماله ودمه للسلطان.
стр. 3789
ثم رسم الأمير الكبير للامير سودون الفخرى الشيخونى نائب السلطان للديار المصرية بلزوم بيته، وأما محمود الأستادار فإنه توجه إلى كريم الدين بن مكانس وترامى عليه فتكلم ابن مكانس في أمره مع الأمير الكبير وأصلح شأنه معه على مال يحمله للامير الكبير يلبغا الناصرى وجمع بينهما فآمنه الناصرى ونزل الى داره.
ثم في ثامن جمادى الآخرة المذكورة اجتمع الأمراء في الخدمة السلطانية على العادة، فأغلق باب القلعة وقبض على تسعة من الأمراء المقدّمين وهم: الأمير سودون الفخرى الشيخونى النائب المقدم ذكره وسودون باق وسودون طرنطاى وشيخ الصفوى وقجماس الصالحى ابن عم الملك الظاهر برقوق وأبو بكر بن سنقر وآقبغا الماردينى حاجب الحجاب وبجاس النّوروزى ومحمود بن على الأستدار المقدم ذكره أيضا وقبض أيضا على جماعة من أمراء الطبلخانات وهم: عبد الرحمن بن منكلى بغا الشمسى وبورى الأحمدى وتمربغا المنجكى ومنكلى الشمسى الطرخانى ومحمد بن جمق بن أيتمش البجاسى وجرجى وقرمان المنجكى وحسن خجا وبيبرس التمان تمرى وأحمد الأرغونى وأسنبغا الأرغونى وشادى وقنق باى اللّالا السيفى ألجاى وجرباش الشيخى الظاهرى وبغداد الأحمدى ويونس الرمّاح وبرسبغا الخليلى وبطا الطّولوتمرى الظاهرى ونوص المحمدى وتنكز العثمانى وأرسلان اللّفّاف وتنكزبغا السيفى وألطنبغا شادى وآقبغا اللاجينى وبلاط المنجكى وبجمان المحمدى وألطنبغا العثمانى وعلىّ بن آقتمر من عبد الغنى وإبراهيم بن طشتمر الدوادار وخليل بن تنكزبغا ومحمد بن الدوادارى وحسام الدين حسين بن على الكورانى والى القاهرة وبلبل الرومى الطويل والطواشى صواب السعدى المعروف بشنكل مقدّم المماليك والطواشى مقبل الزمام الرومى الدوادارى.
стр. 3790
ثم قبض على نيّف وثلاثين أمير عشرة وهم: أزدمر الجركانى وقمارى الجمالى وجلبان أخو مامق وقرطاى السيفى ألجاى اليوسفى وآقبغا بورى الشيخونى وصلاح الدين محمد بن تنكزبغا وعبدوق العلائى وطولوبغا الأحمدى ومحمد بن أرغون شاه الأحمدى وإبراهيم ابن الشيخ على بن قرا وغريب بن حاجى وأسنبغا السيفى وأحمد بن حاجّبك بن شادى وآقبغا الجمالى الهيدبانى الظاهرى وأميرزه بن ملك الكرج وجلبان الكمشبغاوى الظاهرى قراسقل وموسى بن أبى بكر بن رسلان أمير طبر وقنق باى الأحمدى وأمير حاج بن أيتمش وكمشبغا اليوسفى ومحمد بن آقتمر الصاحبى الحنبلى النائب وآقبغا الناصرى حطب ومحمد بن سنقر المحمدى وبهادر الفخرى ومحمد بن طغاى تمر النظامى ويونس العثمانى وعمر بن يعقوب شاه وعلى بن بلاط الكبير ومحمد بن أحمد بن أرغون النائب ومحمد بن بكتمر الشمسى وألجيبغا الدوادر ومحمد بن يونس الدوادار وخليل بن قرطاى شاد العمائر ومحمد بن قرطاى نقيب الجيش وقطلوبك أمير جاندار وعلى جماعة كبيرة من المماليك الظاهرية.
ثم شفع فيه جماعة من الأمراء فأفرج عنهم: منهم صواب مقدّم المماليك المعروف بشنكل، والطواشى مقبل الدوادارى الزّمام، وحسين بن الكورانى الوالى وجماعة أخر، وأخرج قجماس ابن عم الملك الظاهر برقوق على البريد إلى طرابلس.
وفيه نودى بالقاهرة ومصر: من أحضر السلطان الملك الظاهر برقوق إلى الأمير الكبير يلبغا الناصرى، إن كان عامّيّا خلع عليه وأعطى ألف دينار، وإن كان جنديّا أعطى إمرة عشرة بالديار المصرية، وإن كان أمير عشرة أعطى طبلخاناه، وإن كان طبلخاناه أعطى تقدمة ألف. ومن أخفاه بعد ذلك شنق وحلّ ماله ودمه للسلطان.
стр. 3791
ثم في ليلة الجمعة حملوا الأمراء المسجونون بقلعة الجبل إلى ثغر الإسكندريه ما خلا الأمير محمود الأستدار وبقيت المماليك الظاهرية في الأبراج متفرقة بقلعة الجبل، ثم أطلق الأمير آقبغا الماردينى حاجب الحجّاب، وأخرج من الحرّاقة «١» لشفاعة صهره الأمير أحمد بن يلبغا العمرى أمير مجلس فيه فردّ معه أرسلان اللّفّاف ومحمد بن تنكر شفع فيهما أيضا بعض الأمراء.
وفيه أيضا نودى على الملك الظاهر برقوق وهدّد من أخفاه فكثر الدعاء من العامة للملك الظاهر برقوق وكثر الأسف على فقده، وثقلت أصحاب الناصرى على الناس ونفروا منهم، فصارت العامّة تقول:
راح برقوق وغزلانه، وجاء الناصرى وتيرانه.
ثم قبض الناصرى على الطواشى بهادر الشهابى مقدّم المماليك، كان الذي كان الملك الظاهر عزله من التقدمة ونفاه إلى طرابلس، فحضر مع الناصرى من جملة أصحابه، فاتّهم أنه أخفى الملك الظاهر برقوقا، فنفى إلى المرقب «٢» وختم على حواصله ونفى معه أسنبغا المجنون.
وفي ثانى عشره سجن محمود الأستدار وهو مقيّد بالزردخاناه.
وفيه ألزم الأمير الكبير يلبغا الناصرى حسين بن الكورانى الوالى بطلب الملك الظاهر برقوق وخشّن عليه في الكلام بسببه، فنزل ابن الكورانى من وقته وكرر النداء عليه بالقاهرة ومصر وهدّد من أخفاه بأنواع العذاب والنّكال.
هذا وقد كثر فساد التركمان أصحاب الناصرى بالقاهرة، وأخذوا النساء من الطرقات ومن الحمامات، ولم يتجاسر أحد على منعهم.
стр. 3792
وفيه قلع العسكر السلاح من عليهم ومن على خيولهم، وكانوا منذ دخولهم وهم بالسلاح إلى هذا اليوم.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة غمر على الملك الظاهر برقوق من بيت أبى يزيد، وأمره: أنه لمّا نزل بالإسطبل بالليل سار على قدميه حتى وصل إلى بيت أبى يزيد أحد أمراء العشرات واختفى بداره ولم يعرف له خبر، وكثر الفحص عليه من قبل الناصرى وغيره وهجم في مدّة اختفائه على بيوت كثيرة فلم يقف له أحد على خبر وتكرّر النداء عليه والتهديد على من أخفاه، فخاف الملك الظاهر من أن يدلّ عليه فيؤخذ غصبا باليد فلا يبقى عليه، فأرسل أعلم الأمير ألطنبغا الجوبانى بمكانه فتوجّه إليه الجوبانى واجتمع به وأخذه وطلع به إلى الناصرى على ما سنذكره.
وقيل غير ذلك؛ وهو أنه لما نزل الملك من الإسطبل السلطانى ومعه أبو يزيد المذكور لا غير، تبعه نعمان مهتار الطشتخاناه إلى الرّميلة، فردّه الملك الظاهر، ومضى هو وأبو يزيد حتى قربا من دار أبى يزيد، فتوجّه أبو يزيد قبله، وأخلى له دارا، ثم عاد إليه وأخفاه فيها.
ثم أخذ الناصرىّ يتتبع أثر الملك الظاهر برقوق حتى سأل المهتار نعمان عنه، فأخبره أنه نزل ومعه أبو يزيد، وأنه لمّا تبعه ردّه الملك الظاهر، فعند ذلك أمر الناصرى حسين بن الكورانىّ بإحضار أبى يزيد المذكور، فشدّد فى طلبه، وهجم بيوتا كثيرة، فلم يقف له على خبر، فقبض على جماعة من أصحاب أبى يزيد وغلمانه وقرّرهم فلم يجد عندهم علما «١» به، وما زال يفحص على ذلك حتى دلّه بعض الناس على مملوك أبى يزيد، فقبض عليه، وقبض ابن الكورانى على امرأة المملوك وعاقبها
стр. 3793
فدلّته على موضع أبى يزيد وعلى الملك الظاهر، وأنهما في بيت رجل خيّاط بجوار بيت أبى يزيد، فمضى ابن الكورانىّ إلى البيت، وبعث إلى الناصرىّ يعلمه، فأرسل إليه الأمراء.
وقيل غير ذلك وجه آخر، وهو أن السلطان الملك الظاهر لمّا نزل من الإسطبل كان ذلك وقت نصف الليل من ليلة الاثنين المقدّم ذكرها، فسار إلى بحر النيل، وعدّى إلى بحر النيل، وعدّى إلى برّ الجيزة ونزل عند الأهرام، وأقام هناك ثلاثة أيام، ثمّ عاد إلى بيت أبى يزيد المذكور، فأقام عنده إلى يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة، فحضر مملوك أبى يزيد إلى الناصرى وأعلمه أن الملك الظاهر في بيت أستاذه، فأحضر الناصرىّ في الحال أبا يزيد، وسأله عن الملك الظاهر فاعترف أنه عنده، فأخذه ألطنبغا الجوبانى وسار به إلى البيت الذي فيه الملك الظاهر برقوق، فأوقف أبو يزيد الجوبانى بمن معه، وطلع هو وحده إلى الملك الظاهر وحدّثه الخبر، ثم أذن أبو يزيد للجوبانى، فطلع فلما رآه الملك الظاهر برقوق قام له وهمّ بتقبيل يديه فاستعاذ بالله الجوبانى من ذلك، وقال له: ياخوند، أنت أستاذنا ونحن مماليك، وأخذ يسكّن روعه، حتى سكن ما به.
ثم ألبسه عمامة وطيلسانا وأنزله من الدار المذكورة، وأركبه، وأخذه وسار من صليبة «١» ابن طولون نهارا، وشقّ به بين الملأ من الناس إلى أن طلع به إلى الإسطبل السلطانى بباب السلسلة حيث هو سكن الأمير [الكبير] يلبغا الناصرى، فأجلس بقاعة الفضة من القلعة وألزم أبو يزيد بمال الملك الظاهر الذي كان معه، فأحضر كيسا وفيه ألف دينار، فأنعم به الناصرى عليه، وأخلع عليه، ورتّب الناصرى
стр. 3794
فى خدمة الملك الظاهر مملوكين وغلامه المهتار نعمان، وقيّد بفيد ثقيل، وأجرى عليه من سماطه طعاما بكرة وعشيا، ثم خلع الناصرىّ على الأمير حسام الدين حسن الكجكنىّ باستقراره في نيابة الكرك عوضا عن مأمور القلمطاوىّ.
ورسم بعزل مأمور، وقدومه إلى مصر أمير مائة ومقدّم ألف بها.
هذا بعد أن جمع الناصرى الأمراء من أصحابه وشاورهم في أمر الملك الظاهر برقوق بعد القبض عليه، فاختلفت آراء الأمراء فيه، فمنهم من صوّب قتله، وهم الأكثر، وكبيرهم منطاش، ومنهم من أشار بحبسه وهم الأقل، وأكبرهم الجوبانىّ فيما قيل، فمال الناصرىّ إلى حبسه لأمر يريده الله تعالى، وأوصى حسام الدّين الكجكنى به وصايا كثيرة حسب ما يأتى ذكره في محلّه، فأقام الكجكنى بالقاهرة فى عمل مصالحه إلى يوم تاسع عشر جمادى الآخرة، وسافر إلى محل كفالته بمدينة الكرك.
وعند خروجه قدم الخبر على الناصرى بأن الأمير آقبغا الصغير وآقبغا أستدار آقتمر، اجتمع عليهما نحو أربعمائة مملوك من المماليك الظاهرية ليركبوا على جنتمر نائب الشام ويملكوا منه البلد، فلمّا بلغ جنتمر ذلك ركب بمماليكه وكبسهم على حين غفلة، فلم يفلت منهم إلا اليسير وفيهم آقبغا الصغير المذكور، فسرّ الناصرى بذلك، وخلع على القاصد.
ولمّا وصل هذا الخبر إلى مصر ركب منطاش وجماعة من أصحابه إلى الناصرى وكلّموه بسبب إبقاء الملك الظاهر، وخوّفوه عاقبة ذلك، ولا زالوا به حتى وافقهم على قتله، بعد أن يصل إلى الكرك ويحبس بها، واعتذر إليهم بأنه إلى الآن لم يفرّق الاقطاعات والوظائف لاضطراب المملكة، وأنّه ثمّ من له ميل للظاهر في الباطن
стр. 3795
وربّما يثور بعضهم عند قتله، وهذا شىء يدرك في أىّ وقت كان، حتى قاموا عنه ونزلوا إلى دورهم.
ثم أخذ الناصرى في اليوم المذكور يخلع على الأمراء باستقرارهم في الإمريات والإقطاعيات، فاستقرّ بالأمير بزلار العمرى الناصرى حسن في نيابة دمشق، والأمير كمشبغا الحموى اليلبغاوى في نيابة حلب، وبالأمير صنجق الحسنىّ في نيابة طرابلس، وبالأمير شهاب الدين أحمد بن محمد الهيدبانىّ في حجوبية طرابلس الكبرى.
ثم في حادى عشرينه عرض الأمير الكبير يلبغا الناصرى المماليك الظاهريّة وأفرد من المستجدّين مائتين وثلاثين مملوكا لخدمة السلطان الملك المنصور حاجىّ صاحب الترجمة وسبعين من المشتروات أنزلهم بالأطباق وفرّق من بقى على الأمراء، وكان العرض بالإسطبل، وأنعم على كلّ من آقبغا الجمالى الهيدبانىّ أمير آخور ويلبغا السّودونىّ وتنبك اليحياوى وسودون اليحياوى بإمرة عشرة في حلب، وهؤلاء الأربعة ظاهريّة من خواصّ مماليك الملك الظاهر برقوق، ورسم بسفرهم مع الأمير كمشبغا الحموىّ نائب حلب.
ثم في ليلة الخميس ثانى عشرين جمادى الاخرة رسم الناصرى بسفر الملك الظاهر برقوق إلى الكرك، فأخرج من قاعة الفضّة في ثلث الليل من باب القرافة أحد أبواب القلعة ومعه الأمير ألطنبغا الجوبانى، فأركبوه هجينا ومعه من مماليكه أربعة مماليك صغار على هجن، وهم قطلوبغا الكركى وبيغان الكركى وآقباى الكركى وسودون الكركى، والجميع صاروا في سلطنة الملك الظاهر الثانية بعد خروجه من الكرك أمراء، وسافر معه أيضا مهتاره نعمان، وسار به الجوبانى إلى قبة النصر خارج
стр. 3796
القاهرة، وأسلمه إلى الأمير سيف الدين محمد بن عيسى العائدى؛ فتوجه به إلى الكرك من على عجرود «١» حتى وصل به إلى الكرك، وسلّمه إلى نائبها الأمير حسام الدين الكجكنى وعاد بالجواب، فأنزل الكجكنى الملك الظاهر بقاعة النحاس من قلعة الكرك، وكانت ابنة الأتابك يلبغا العمرى الخاصّكى أستاذ الملك الظاهر برقوق زوجة مأمور المعزول عن نيابة الكرك هناك، فقامت للملك الظاهر برقوق بكلّ ما يحتاج، كونه مملوك أبيها يلبغا، مع أن الناصرى أيضا مملوك أبيها، غير أنها حبّب إليها خدمة الملك الظاهر، ومدّت له سماطا يليق به، واستمرّت على ذلك أياما كثيرة، وفعلت معه أفعالا، كان اعتادها أيام سلطنته.
ثم إن الكجكنىّ أيضا اعتنى بخدمته لمّا كان أوصاه الناصرىّ به قبل خروجه من مصر، ومن جملة ما كان أوصاه الناصرىّ وقرّره معه أنّه متى حصل له أمر من منطاش أو غيره فليفرج عن الملك الظاهر برقوق من حبس الكرك، فاعتمد الكجكنى على ذلك، وصار يدخل إليه في كل يوم ويتلطّف به ويعده أنه يتوجّه معه إلى التّركمان، فإنّه له فيهم معارف، وحصّن قلعة الكرك وصار لا يبرح من عنده نهاره كلّه، ويأكل معه طرفى النهار سماطه، ولا زال على ذلك حتى أنس به الملك الظاهر وركن له حسب ما يأتى ذكره.
وأما الناصرىّ فإنه بعد ذلك خلع على جماعة من الأمراء، فاستقرّ بالأمير قطلوبغا الصّفوىّ في نيابة صفد، وبالأمير بغاجق في نيابة ملطية، ثم رسم فنودى بالقاهرة بأن المماليك الظاهريّة يخدمون مع نوّاب البلاد الشامية، ولا يقيم أحد منهم بالقاهرة، ومن تأخّر بعد النداء حلّ ماله ودمه للسلطان، ثم نودى بذلك من الغد ثانيا.
стр. 3797
وفي رابع عشرينه برز النوّاب إلى الرّيدانيّة للسفر بعد أن أخلع الناصرى على الجميع خلع السفر.
ثم في سادس عشرينه خلع السلطان الملك المنصور على الأمير يلبغا الناصرى باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية وأن يكون مدبّر المملكة، وعلى الأمير ألطنبغا الجوبانى باستقراره رأس نوبة الأمراء وظيفة بركة الجوبانى وعلى الأمير قرادمرداش الأحمدى واستقرّ أمير سلاح، وعلى الأمير أحمد بن يلبغا واستقرّ أمير مجلس على عادته أوّلا، وعلى الأمير تمرباى الحسنى، واستقرّ حاجب الحجاب، وخلع على القضاة الثلاثة باستمرارهم، وهم: القاضى شمس الدين محمد الطّرابلسىّ والقاضى جمال الدين عبد الرحمن بن خير المالكى والقاضى ناصر الدين نصر الله الحنبلى، ولم يخلع على قاضى القضاة ناصر الدين ابن بنت ميلق الشافعى، لتوعّكه، ثم خلع على القاضى صدر الدين المناوى مفتى دار العدل «١» ، وعلى القاضى بدر الدين محمد بن فضل الله كاتب السر الجميع باستمرارهم.
وفي هذا اليوم سافر نوّاب البلاد الشامية، وسافر معهم كثير من التّركمان واجناد الشام وأمرائها، وفيه نودى أيضا بألّا يتأخر أحد من مماليك الملك الظاهر برقوق إلّا من يكون بخدمة السلطان ممّن عيّن، ومن تأخر بعد ذلك شنق، ثم نودى على التركمان والشاميين والغرباء بخروجهم من الديار المصرية إلى بلادهم.
وفي يوم الخميس خلع الناصرى على الأمير آقبغا الجوهرى باستقراره أستادارا، وعلى الأمير آلابغا العثمانى دوادارا كبيرا، وعلى الأمير ألطنبغا الأشرفىّ رأس نوبة ثانيا، وهي الآن وظيفة رأس نوبة النّوب، وعلى الأمير جلبان العلائى حاجبا، وعلى الأمير بلاط العلائى أمير جاندار، وعلى شهرى نائب دوركى باستمراره.
стр. 3798
ثمّ في سلخ جمادى الآخرة فرّق الناصرى المثالات «١» على الأمراء، وجعلهم أربعة وعشرين تقدمة على العادة القديمة، أراد بذلك أن يظهر للناس ما أفسده الملك الظاهر برقوق في أيام سلطنته من قوانين مصر، فشكره الناس على ذلك.
ثم نودى بالقاهرة بالأمان: ومن ظلم من مدّة عشرين سنة فعليه بباب الأمير الكبير يلبغا الناصرىّ، ليأخذ حقّه.
ثم في يوم السبت أوّل شهر رجب وقف أوّل النهار زامر على باب السلسلة تحت الإسطبل السلطانى، حيث هو سكن الناصرىّ، وزعق في زمره؛ فلما سمعه الناس اجتمع الأمراء والمماليك في الحال، وطلعوا إلى خدمة الناصرىّ، ولم يعهد هذا الزّمر بمصر قبل ذلك على هذه الصورة، وذكروا أنها عادة ملوك التتار إذا ركبوا يزعق هذا الزامر بين يديه، وهو عادة أيضا في بلاد حلب، فاستغرب أهل مصر ذلك واستمرّ في كلّ يوم موكب.
وفيه أيضا رسم الناصرىّ أن يكون رءوس نوب السّلاحداريّة والسّقاة والجمداريّة ستّة لكل طائفة على ما كانوا أوّلا قبل سلطنة الملك الأشرف شعبان بن حسين، فإن الأشرف هو الذي استقرّ بهم ثمانية، وخلع الناصرى على قطلوبغا الفخرى باستقراره نائب قلعة الجبل عوضا عن الأمير بجاس.
وفي خامسه قدم الأمير نعير بن حيّار بن مهنّأ ملك العرب إلى الديار المصرية، ولم يحضر قطّ في أيام الملك الظاهر برقوق، وقصد بحضوره رؤية الملك المنصور
стр. 3799
وتقبيل الأرض بين يديه، فخلع السلطان عليه، ونزل بالميدان الكبير من تحت القلعة، وأجرى عليه الرّواتب.
وفيه خلع على الأمير آلابغا العثمانى الدوادار الكبير باستقراره في نظر الأحباس مضافا لوظيفته، وقرقماس الطّشتمرى واستمرّ خازندارا.
وفي ثامنه خلع على الأمير نعير خلعة السفر وأنعم على الطواشى صواب السعدى شنكل بإمرة عشرة، واسترجعت منه إمرة طبلخاناه، ولم يقع مثل ذلك أن يكون مقدّم المماليك أمير عشرة.
وفيه خلع السلطان الملك المنصور على شخص وعمله خيّاط السلطان، فطلبه الناصرى وأخذ منه الخلعة، وضربه ضربا مبرّحا، وأسلمه لشادّ الدواوين، ثم أفرج عنه بشفاعة الأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس، فشقّ ذلك على الملك المنصور، فقال:
إذا لم ينفّذ مرسومى في خيّاط فما هذه السلطنة؟ ثمّ سكت على مضض.
وفي أوّل شعبان أمر المؤذّنون بالقاهرة ومصر أن يزيدوا في الآذان، إلّا آذان المغرب: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله عدّة مرّات، وسبب ذلك أن رجلا من الفقراء المعتقدين سمع في ليلة الجمعة بعد أذان العشاء: الصلاة على النّبيّ ﷺ ، وكان العادة في ليلة الجمعة بعد أذان العشاء يصلّى المؤذنون على النّبيّ ﷺ مرارا على المئذنة، فلمّا سمع الفقير ذلك قال لأصحابه الفقراء:
أتحبون أن تسمعوا هذا في كل أذان؟ قالوا: نعم، فبات تلك الليلة، وأصبح وقد زعم أنّه رأى رسول الله ﷺ في منامه يأمره أن يقول لمحتسب القاهرة نجم الدين الطّنبدى أن يأمر المؤذنين أن يصلّوا على النّبيّ ﷺ عقيب كلّ أذان، فمشى الشيخ إلى المحتسب المذكور وقصّ عليه ما رآه، فسّره ذلك، وأمر به فبقى إلى يومنا هذا.
стр. 3800
ثم إن الناصرىّ أنزل السبعين الذين قرّرهم بالأطباق من مماليك برقوق وفرّقهم على الأمراء، ورسم أيضا بإبطال المقدّمين والسوّاقين من الطّواشيّة، ونحوهم، وأنزلهم من عند الملك المنصور، فاتّضح أمر السلطان الملك المنصور، وعرف كلّ أحد أنه ليس له أمر ولا نهى في المملكة.
ذكر ابتداء الفتنة بين الأمير الكبير يلبغا الناصرى وبين الأمير تمربغا الأفضلىّ المدعو منطاش:
ولمّا كان سادس عشر شعبان أشيع في القاهرة بتنكّر منطاش على الناصرىّ، وانقطع منطاش عن الخدمة، وأظهر أنه مريض، ففطن الناصرىّ بأنه يريد يعمل مكيدة، فلم ينزل لعيادته، وبعث إليه الأمير ألطنبغا الجوبانى رأس نوبة كبيرا فى يوم الاثنين سادس عشر شعبان المذكور ليعوده في مرضه، فدخل عليه، وسلّم عليه، وقضى حقّ العيادة، وهمّ بالقيام، فقبض عليه منطاش وعلى عشرين من مماليكه، وضرب قرقماس دوادار الجوبانى ضربا مبرّحا، مات منه بعد أيام.
ثم ركب منطاش حال مسكه للجوبانىّ في أصحابه إلى باب السلسلة وأخذ جميع الخيول التي كانت واقفة على باب السلسلة وأراد اقتحام الباب ليأخذ الناصرىّ على حين غفلة، فلم يتمكّن من ذلك، وأغلق الباب، ورمى عليه مماليك الناصرىّ من أعلى السور بالنّشّاب والحجارة، فعاد إلى بيته ومعه الخيول، وكانت داره دار «١» منجك اليوسفىّ التي اشتراها تمربغا الظاهرىّ الدوادار وجدّدها بالقرب من مدرسة السلطان «٢» حسن، ونهب منطاش في عوده بيت الأمير آقبغا الجوهرىّ الأستدار وأخذ خيوله وقماشه.
стр. 3801
ثمّ رسم منطاش في الوقت لمماليكه وأصحابه بالطلوع إلى مدرسة السلطان حسن، فطلعوا إليها وملكوها، وكان الذي طلع إليها الأمير تنكزبغا رأس نوبة والأمير أزدمر الجوكندار دوادار الملك الظاهر برقوق في عدّة من المماليك، وحمل إليها منطاش النّشّاب والحجارة، ورموا على من كان بالرّميلة «١» من أصحاب الناصرىّ من أعلى المئذنتين ومن حول القبّة، فعند ذلك أمر الناصرىّ مماليكه وأصحابه بلبس السلاح وهو يتعجّب من أمر منطاش كيف يقع منه ذلك وهو في غاية من قلّة المماليك وأصحابه، وبلغ الأمراء ذلك، فطلع كلّ واحد بمماليكه وطلبه إلى الناصرىّ.
وأمّا منطاش فإنّه أيضا تلاحقت به المماليك الأشرفيّة خشداشيته والمماليك الظاهرية، فعظم بهم أمره، وقوى جأشه، فأمّا مجىء الظاهريّة إليه فرجاء لخلاص أستاذهم الملك الظاهر برقوق والأشرفية، فهم خشداشيّته، لأن منطاش كان أشرفيّا ويلبغا الناصرىّ يلبغاويّا خشداشا لبرقوق، وانضمت اليلبغاويّة على الناصرى وهم يوم ذاك أكابر الأمراء وغالب العسكر المصرى، وتجمّعت المماليك على منطاش حتى صار في نحو خمسمائة فارس معه، بعد ما كان سبعون فارسا في أوّل ركوبه، ثم أتاه من العامّة عالم كبير، فترامى الفريقان واقتتلا.
ونزل الأمير حسام الدّين حسين بن الكورانى والى القاهرة والأمير مأمور حاجب الحجاب من عند الناصرىّ، ونودى في الناس بنهب مماليك منطاش، والقبض على من قدروا عليه منهم، وإحضاره إلى الناصرىّ فخرج عليهما طائفة من المنطاشيّة فضربوهما وهزموهما، فعادوا إلى الناصرى، وسار الوالى إلى القاهرة، وأغلق أبوابها: واشتدّ الحرب، وخرج منطاش في أصحابه، وتقرّب من العامّة، ولا طفهم
стр. 3802
وأعطاهم الذهب، فتعصّبوا له وتزاحموا على التفاط النّشّاب الذي يرمى به من أصحاب الناصرىّ على منطاش وأتوه به، وبالغوا في الخدمة لمنطاش، حتى خرجوا عن الحدّ، فكان الواحد منهم يثب في الهواء حتى يخطف السهم قبل أن يأخذه غيره، ويأتى به منطاش وطائفة منهم تنقل الحجارة إلى أعلى المدرسة «١» الحسنيّة، واستمرّوا على ذلك إلى الليل، فبات منطاش ليلة الثلاثاء سابع عشر شعبان على باب مدرسة السلطان حسن المذكورة والرمى يأتيه من القلعة من أعوان الناصرى،.
هذا والمماليك الظاهريّة تأتيه من كلّ فجّ، وهو يعدهم ويمنّيهم حتى أصبح يوم الثلاثاء وقد زادت أصحابه على ألف فارس، كلّ ذلك والناصرى لا يكترث بأمر منطاش، ويصلح أمره على التراخى استخفافا بمنطاش وحواشيه، يحرّضه على سرعة قتال منطاش ويحذّرونه التهاون في أمره.
ثمّ أتى منطاش طوائف من مماليك الأمراء والبطّالة وغيرهم شيئا بعد شىء، فحسن حاله بهم، واشتدّ بأسنه، وعظمت شوكته بالنسبة لما كان فيه أوّلا، لا بالنسبة لحواشى الناصرىّ ومماليكه، فعند ذلك ندب الناصرىّ الأمير بجمان والأمير قرابغا الأبوبكرى في طائفة كبيرة ومعهم المعلّم شهاب الدين أحمد بن الطّولونى المهندس وجماعة كبيرة من الحجّارين والنقّابين لينقبوا بيت منطاش من ظهره حتى يدخلوا منه إلى منطاش ويقاتلوه من خلفه والناصرى من أمامه، ففطن منطاش بهم، فأرسل إليهم في الحال عدّة من جماعته قاتلوهم حتى هزموهم، وأخذوا قرابغا وأتوا به إلى منطاش، فرتّب عدّة رماة على الطبلخاناه السلطانية، وعلى المدرسة الأشرفيّة التي هدمها الملك الناصر فرج، وجعل الملك المؤيّد مكانها
стр. 3803
بيمارستانا في الصوّة، فرموا على منطاش بالمدافع والنّشّاب، فقتل عدّة من العوامّ، وجرح كثير من المنطاشية، هذا وقد انزعج الناصرى وقام بنفسه وهيّأ أصحابه لقتال منطاش، وندب من أصحابه من أكابر الأمراء جماعة لقتاله، وهم الأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس، والأمير جمق ابن الأتابك أيتمش البجاسىّ في جمع كبير من المماليك، فنزلوا وطردوا العامّة من الرّميلة، فحملت العامّة من أصحاب منطاش عليهم حملة واحدة هزموهم فيها أقبح هزيمة.
ثم عاد أحمد بن يلبغا المذكور غير مرّة، واستمرّ القتال بينهما إلى آخر النهار والرّمى والقتال عمّال من القلعة على المدرسة الحسنيّة ومن المدرسة على القلعة وبينماهم فى ذلك خرج من عسكر الناصرىّ الأمير آقبغا الماردينىّ بطلبة وصار إلى منطاش فتسلّل الأمراء عند ذلك واحدا بعد واحد، وكلّ من يأتى منطاش من الأمراء يوكّل به واحد يحفظه ويبعث به إلى داره، ويأخذ مماليكه فيقاتل الناصرى بهم.
فلمّا رأى حسين بن الكورانى الوالى جانب الناصرىّ قد اتضع خاف على نفسه من منطاش واختفى، فطلب منطاش ناصر الدين محمد بن ليلى نائب حسين ابن الكورانى وولّاه ولاية القاهرة، وألزمه بتحصيل النّشّاب، فنزل في الحال إلى القاهرة، وحمل إليه كثيرا من النشاب.
ثم أمره منطاش فنادى بالقاهرة بالأمان والاطمئنان وإبطال المكس والدعاء للأمير الكبير منطاش بالنصر.
هذا وقد أخذ أمر الناصرىّ في إدبار، وتوجّه جماعة كبيرة من أصحابه الى منطاش، فلمّا رأى الناصرىّ عسكره في قلّة وقد نفر عنه غالب أصحابه، بعث الخليفة المتوكّل على الله إلى منطاش يسأله في الصلح وإحماد الفتنة، فنزل الخليفة
стр. 3804
إليه وكلّمه في ذلك، فقال له منطاش: أنا في طاعة السلطان، وهو أستاذى وابن أستاذى، والأمراء إخوتى وما غريمى إلا الناصرىّ، لأنّه حلف لى وأنا بسيواس «١» ثم بحلب ودمشق أيضا بأننا نكون شيئا واحدا، وأن السلطان يحكم في مملكته بما شاء، فلمّا حصل لنا النصر وصار هو أتابك العساكر، استبد بالأمر، ومنع السلطان من التّحكّم، وحجر عليه، وقرّب خشداشيته اليلبغاوية وأبعدنى أنا وخشداشيّتى الأشرفية، ثم ما كفاه ذلك حتى بعثنى لقتال الفلّاحين، وكان الناصرى أرسله من جملة الأمراء إلى جهة الشرقية لقتال العربان، لمّا عظم فساد فلّاحيها.
ثم قال منطاش: ولم يعطنى الناصرى شيئا من المال سوى مائة ألف درهم، وأخذ لنفسه أحسن الإقطاعات وأعطانى أضعفها، والإقطاع الذي قرّره لى يعمل فى السنة ستمائة ألف درهم، والله ما أرجع عنه حتى أقتله أو يقتلنى، ويتسلطن ويستبدّ بالأمر وحده من غير شريك، فأخذ الخليفة يلاطفه فلم يرجع له، وقام الخليفة من عنده وهو مصمّم على مقالته، وطلع إلى الناصرى وأعاد عليه الجواب.
فعند ذلك ركب الناصرىّ بسائر مماليكه وأصحابه، ونزل بجمع كبير لقتال منطاش وصفّ عساكره تجاه باب السلسلة «٢» ، وبرز إليه منطاش أيضا بأصحابه وتصادما وأقتتلا قتالا شديدا، وثبت كلّ من الطائفتين ثباتا عظيما، فخرج من عسكر الناصرى الأمير عبد الرحمن ابن الأتابك منكلى بغا الشمسى صهر الملك الظاهر برقوق بمماليكه، والأمير صلاح الدين محمد بن تنكر نائب الشام، وكان أيضا من خواصّ الملك الظاهر برقوق، وسار صلاح الدين المذكور إلى منطاش ومعه خمسة أحمال نشّاب وثمانون حمل مأكل وعشرة آلاف درهم وانكسر الناصرى وأصحابه وطلع إلى باب السلسلة،
стр. 3805
فتراجع أمره، وانضمّ عليه من بقى من خشداشيته اليلبغاوية، وندب لقتال منطاش الأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس ثانيا، والأمير قرادمرداش الأحمدى أمير سلاح، والأمير ألطنبغا المعلّم، والأمير مأمور القلمطاوى حاجب الحجّاب، والجميع يلبغاوية، ونزلوا في جمع موفور من العسكر وصدموا منطاش صدمة هائلة، وأحمى أظهرهم من في القلعة بالرمى على منطاش وأصحابه، فأخذ أصحاب منطاش عند ذلك في الرمى من أعلى المدرسة بالنشّاب والنفط، والتحم القتال، من فوق ومن أسفل، فانكسر عسكر الناصرى ثانيا، وانهزموا إلى باب السلسلة.
هذا والعامّة تأخذ النّشّاب من على الأرض وتأتى به منطاش وهو يتقرّب منهم ويترفّق لهم، ويقول لهم: أنا واحد منكم وأنتم إخواننا وأصحابنا، وأشياء كثيرة من هذه المقولة، هذا وهم يبذلون نفوسهم في خدمته ويتلاقطون النّشّاب من الرّميلة مع شدة رمى الناصرى عليهم من القلعة.
ثم ظفر منطاش بحاصل للأمير جركس الخليلى الأمير آخور وفيه سلاح كثير ومال، وبحاصل آخر لبكلمش العلائى، فأخذ منطاش منهما شيئا كثيرا، فقوى به، فإنّه كان أمره قد ضعف من قلّة السلاح لا من قلّة المقاتلة، لأن غالب من أتاه بغير سلاح.
ثم ندب الناصرىّ لقتاله الأمير مأمورا حاجب الحجّاب والأمير جمق بن أيتمش والأمير قراكسك في عدة كبيرة من اليلبغاويّة وقد لاح لهم زوال دولة اليلبغاوية بحبس الملك الظاهر برقوق، ثم بكسرة الناصرىّ من منطاش إن ثم ذلك؛ فنزلوا إلى منطاش وقد بذلوا أرواحهم، فبرز لهم العامة أمام المنطاشية، وأكثروا من رميهم بالحجارة في وجوههم ووجوه خيولهم حتى كسروهم، وعادوا إلى باب السلسلة.
стр. 3806
كلّ ذلك والرمى من القلعة بالنّشّاب والنفوط والمدافع متواصل على المنطاشية، وعلى من بأعلى المدرسة الحسنية، حتى أصاب حجر من حجارة المدفع القبة الحسنية فخرقها، وقتل مملوكا من المنطاشية، فلمّا رأى منطاش شدّة الرمى عليه من القلعة أرسل أحضر المعلّم ناصر الدين محمد بن الطّرابلسى وكان أستاذا في الرمى بمدافع النّفط، فلمّا حضر عنده جرّده من ثيابه ليوسّطه من تأخّره عنه فآعتذر إليه بأعذار مقبولة، ومضى ناصر الدين في طائفة من الفرسان وأحضر آلات النفط وطلع على المدرسة ورمى على الإسطبل السلطانى، حيث هو سكن الناصرى حتى أحرق جانبا من خيمة الناصرى وفرّق جمعهم، وقام الناصرىّ والسلطان الملك المنصور من مجلسهما ومضيا إلى موضع آخر امتنعا فيه، ولم يمض النهار حتى بلغت عدّة فرسان منطاش نحو الألفى مقاتل.
وبات الفريقان في تلك الليلة لا يبطلان الرّمى حتى أصبحا يوم الأربعاء وقد جاء كثير من مماليك الأمراء إلى منطاش، ثم خرج من عسكر الناصرى الأمير تمرباى الحسنىّ حاجب الحجّاب، والأمير قردم الحسنى رأس نوبة النّوب في جماعة كبيرة من الأمراء، وصاروا إلى منطاش من جملة عسكره، وغالب هؤلاء الأمراء من اليلبغاوية.
ثم ندب الناصرىّ لقتال منطاش الأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس، والأمير قرا دمرداش الأحمدى أمير سلاح، وعيّن منهم جماعة كبيرة، فنزلوا وصدموا المنطاشية صدمة هائلة انكسروا فيها غير مرّة، وابن يلبغا يعود بهم إلى أن ضعف أمره، وانهزم وطلع إلى باب السلسلة، هذا والقوم يتسللون من الناصرى إلى منطاش والعامه تمسك من وجدوه من التّرك ويقولون له: ناصرىّ، أم منطاشىّ فإن قال:
ناصرى أنزلوه من على فرسه وأخذوا جميع ما عليه وأتوا به إلى منطاش.
стр. 3807
ثم تكاثرث العامة على بيت الأمير أيدكار حتى أخذوه بعد قتال كبير وأتوا به إلى منطاش، فأكرمه منطاش، وبينما هو في ذلك جاءه الأمير ألطنبغا المعلّم بطلبه ومماليكه، وكان من أجل خشداشية الناصرى وأصحابه، وصار من جملة المنطاشية، فسرّ به منطاش.
ثم عيّن له ولأيدكار موضعا يقفان فيه ويقاتلان الناصرى منه، وبينما منطاش فى ذلك أرسل إليه الأمير قرادمرداش الأحمدى أمير سلاح يسأله في الحضور إليه طائعا فلم يأذن له، ثم أتاه الأمير بلّوط الصرغتمشى بعد ما قاتله عدّة مرار وكان من أعظم أصحاب الناصرى.
ثم حضر إلى منطاش جمق بن أيتمش واعتذر إليه، فقبل عذره، وعظم أمر منطاش، وضعف أمر الناصرىّ، واختل أمره وصار في باب السلسلة بعدد يسير من مماليكه وأصحابه، وندم الناصرىّ على خلع الملك الظاهر برقوق، وحبسه لمّا علم أن الأمر خرج من اليلبغاوية وصار في الأشرفية حيث لا ينفعه الندم.
فلمّا أذّن العصر قام الناصرىّ هو وقرادمرداش الأحمدى أمير سلاح وأحمد ابن يلبغا أمير مجلس وآقبغا الجوهرى الأستادار والابغا العثمانى الدوادار والأمير قراكسك في عدّة من المماليك وصعد إلى قلعة الجبل ونزل من باب القرافة، وعند ما قام الناصرىّ من باب السلسلة وطلع القلعة ونزل من باب القرافة أعلم أهل القلعة منطاش فركب في الحال بمن معه وطلع إلى الإسطبل السلطانىّ وملكه ووقع النهب فيه فأخذ من الخيل والقماش شيئا كثيرا وتفرّق الذّعر والعامّة إلى بيوت المنهزمين، فنهبوا وأخذوا ما قدروا عليه ومنعهم الناس من عدّة مواضع وبات منطاش بالإسطبل.
стр. 3808
وأصبح من الغد وهو يوم الخميس تاسع عشر شعبان، وطلع إلى القلعة إلى السلطان الملك المنصور حاجى وأعلمه بأنه في طاعته وأنه هو أحقّ بخدمته لكونه من جملة المماليك الذين لأبيه الأشرف شعبان، وأنه يمتثل مرسومه فيما يأمره به وأنه يريد بما فعله عمارة بيت الملك الأشرف- ﵀ فسرّ المنصور بذلك هو وجماعة الأشرفية، فإنهم كانوا في غاية ما يكون من الضّيق مع اليلبغاوية من مدّة سنين.
ثم تقدّم الأمير منطاش إلى رءوس النّوب بجمع من المماليك وإنزالهم بالأطباق من قلعة الجبل على العادة، ثم قام من عند السلطان ونزل إلى الإسطبل بباب السلسلة، وكان ندب جماعة للفحص على الناصرى ورفقته، ففى حال نزوله أحضر إليه الأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس، والأمير مأمور القلمطاوى، فأمر بحبسهما بقاعة الفضّة من القلعة وحبس معهما أيضا الأمير بجمان المحمّدىّ، وكتب منطاش بإحضار الأمير سودون الفحرىّ الشيخونىّ النائب من ثغر الإسكندرية، ثم قدم عليه الخبر بأنّ الأمراء الذين توجّهوا في أثر الناصرىّ أدركوه بسرياقوس وقبضوا عليه، وبعد ساعة أحضر الأمير يلبغا الناصرىّ بين يديه فأمر به فقيّد وحبس أيضا بقاعة الفضّة، ثم حمل هو والجوبانىّ في آخرين إلى سجن الإسكندرية فحبسوهما «١» ، وأخذ الأمير منطاش يتتبّع أصحاب الناصرىّ وحواشيه من الأمراء والمماليك.
فلمّا كان يوم عشرين شعبان قبض على الأمير قرادمرداش الأحمدى أمير سلاح فأمر به منطاش فقيّد وحبس ثم قبض منطاش على جماعة كبيرة من الأمراء، وهم: الأمير ألطنبغا المعلّم، والأمير كشلى القلمطاوى، واقبغا الجوهرىّ، وألطنبغا
стр. 3809
الأشرفىّ، وآقبغا العثمانى، وفارس الصرغتمشى، وكمشبغا، وشيخ اليوسفىّ، وعبدوق العلائى، وقيّد الجميع وبعث بهم إلى ثغر الإسكندرية، فحبسوا بها.
ثم في حادى عشرينه أنعم منطاش على الأمير إبراهيم بن قطلقتمر الخازندار «١» بإمرة مائة وتقدمة ألف، واستقرّ أمير مجلس عوضا عن أحمد بن يلبغا دفعة واحدة من إمرة عشرة، ثم أخلع السلطان الملك المنصور على الأمير منطاش باستقراره أتابك العسكر ومدبّر الممالك عوضا عن يلبغا الناصرى المقبوض عليه، ثم كتب منطاش أيضا بإحضار قطلوبغا الصّفوىّ نائب صفد، والأمير أسندمر الشرفىّ، ويعقوب شاه وتمان تمر الأشرفىّ، وعيّن لكل منهم إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية.
ثم في ثانى عشرينه قبض على الأمير تمرباى الحسنى حاجب الحجّاب بديار مصر، وعلى الأمير يلبغا المنجكىّ، وعلى إبراهيم بن قطلقتمر أمير مجلس الذي ولّاه فى أمسه، ثم أطلقه وأخرجه على إمرة مائة وتقدمة ألف بحلب لأمر اقتضى ذلك.
ثم في ثالث عشرين شعبان المذكور قبض منطاش على أرسلان اللّفّاف، وعلى قراكسك السيفىّ، وأيدكار العمرىّ حاجب الحجّاب، وقردم الحسنىّ، وآقبغا الماردينىّ وعدّة من أعيان المماليك اليلبغاوية وغيرهم.
ثم قبض على الطواشى مقبل الزّومىّ الدّوادارى الزّمام، وجوهر اليلبغاوى لالا السلطان الملك المنصور، ثم قبض منطاش على الطواشى صندل الرومىّ المنجكى خازندار الملك الظاهر برقوق وعذّبه على ذخائر برقوق وعصره مرارا حتّى دلّ على شىء كثير، فأخذها منطاش وتقوّى بها.
стр. 3810
وفي ثامن «١» عشرينه وصل سودون الشيخونى النائب من سجن الإسكندريّة فأمره منطاش بلزوم بيته.
ثم أنفق منطاش على من قاتل معه من الأمراء والمماليك بالتدريج، فأعطى لمائة واحد منهم لكل واحد ألف دينار، وأعطى لجماعة أخر لكلّ واحد عشرة آلاف درهم، ودونهم لكل واحد خمسة آلاف درهم، ودونهم لكل واحد ألف درهم، ودونهم لكلّ واحد خمسمائة درهم. وظهر على منطاش الملل من المماليك الظاهرية والتخوّف منهم، فإنه كان قد وعدهم بأنه يخرج أستاذهم الملك الظاهر برقوق من سجن الكرك إذا انتصر على الناصرىّ، فلم يفعل ذلك، ولا أنعم على واحد منهم بإمرة ولا إقطاع، وإنما أخذ يقرّب خشداشيته ومماليكه وأولاد الناس، فعزّ عليهم ذلك في الباطن، وفطن منطاش بذلك، فعاجلهم بأن عمل عليهم مكيدة، وهى:
أنه لمّا كان يوم الثلاثاء ثانى شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة المذكورة طلب سائر المماليك الظاهريّة على أنّه ينظر في أمرهم وينفق عليهم ويترضّاهم، فلمّا طلعوا إلى القلعة أمر منطاش فأغلق عليهم باب القلعة، وقبض على نحو المائتين منهم.
حدّثنى السّيفى إينال المحمودى الظاهرى قال: كنت من جملتهم، فلمّا وقفنا بين يدى منطاش ونحن في طمعة النّفقة والإقطاعات، ظهر لى من وجه منطاش الغدر، فتأخّرت خلف خشداشيتى، فلمّا وقع القبض عليهم رميت بنفسى إلى الميدان، ثم منه إلى جهة باب القرافة، واختفيت بالقاهرة. انتهى.
стр. 3811
ثم بعث منطاش بالأمير جلبان الحاجب، وبلاط الحاجب، فقبض على كثير من المماليك الظاهريّة، وسجنوا بالأبراج من قلعة الجبل.
قلت: لا جرم، فإنه من أعان ظالما سلّط عليه، وفي الجملة أن الناصرىّ كان لحواشى برقوق خيرا من منطاش، غير أنّه لكل شىء سبب، وكانت حركة منطاش سببا لخلاص الملك الظاهر برقوق، وعوده إلى ملكه على ما سيأتى ذكره، ثم أمر منطاش فنودى بالقاهرة أن من أحضر مملوكا من مماليك برقوق فله كذا وكذا، وهدّد من أخفى واحدا منهم.
قلت: وما فعله منطاش هو الحزم، فإنّه أزال من يخشاه، وقرّب مماليكه وأصحابه، وكاد أمره أن يتمّ بذلك لو ساعدته المقادير، وكيف تساعده المقادير وقد قدّر بعود برقوق إلى ملكه بحركة منطاش وبركوبه على الناصرىّ.
ثم في ثالث شهر رمضان قبض منطاش على سودون النائب وألزمه بمال يحمله إلى خزانته. وفيه شدّد الطلب على المماليك الظاهريّة، وألزم سودون النائب المتقدّم ذكره بحمل ستمائة ألف درهم كان أنعم عليه بها الملك الظاهر برقوق فى أيام سلطنته.
ثم خلع على حسين ابن الكورانى بعوده إلى ولاية القاهرة، وحرّضه منطاش على المماليك الظاهريّة.
ثم قدمت الأمراء المطلوبون من البلاد الشاميّة، وخلع منطاش عليهم، وأنعم على كلّ منهم بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية دفعة، ولم يسبق لهم قبل ذلك أخذ إمرة عشرة بديار [مصر «١» ] .
стр. 3812
وفيه ظفر منطاش بذخيرة كانت للملك الظاهر برقوق بجوار جامع الأزهر.
وفيه أفرج منطاش عن الأمير محمود بن على الأستادار بعد ما أخذ منه جملة كبيرة من المال، ثم أمسك منطاش جماعة من أعيان المماليك الظاهريّة ممّن كانوا ركبوا معه في أوائل أمره، وبهم كان استفحل أمره، وأضافهم إلى من تقدّم من خشداشيّتهم، وحبس الجميع بأبراج قلعة الجبل، ولم يرقّ لأحد منهم.
قلت: لعله تمثّل بأبيات المتنبى: (الكامل)
لا يخدعنّك من عدوّك دمعه ... وارحم شبابك من عدو ترحم
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
وبينما منطاش في ذلك ورد عليه البريد بخروج الأمير نعير عن الطاعة غضبا للناصرىّ، وأنه اتفق هو وسولى بن دلغادر ونهبا بلادا كثيرة من الأعمال الحلبيّة، فلم يلتفت منطاش إلى ذلك وكتب لهما يستعطفهما على دخولهما تحت الطاعة.
ثم بعد أيام ورد البريد أيضا بخروج الأمير بزلار العمرى الناصرى حسن نائب الشام عن طاعة منطاش غضبا للأمير يلبغا الناصرى، فكتب إليه أيضا مكاتبة خشّن له فيها.
ثم أخذ منطاش فيما يفعله في أمر دمشق وغيرها- على ما سيأتى ذكره- بعد أن يقعّد له قواعد بمصر، فبدأ منطاش في اليوم المذكور بالقبض على الطواشى صواب السّعدى المعروف بشنكل مقدّم المماليك السلطانية.
وخلع على الطواشى جوهر وأعاده لتقدمة المماليك، ثم أنعم على جماعة من حواشيه ومماليكه بإقطاعات كثيرة، وأنعم على جماعة منهم بتقدمة ألف، وهم: ولده الأمير ناصر الدين محمد بن منطاش، وهي أحسن التقادم، والأمير قطلوبغا الصّفوى،
стр. 3813
وأسندمر بن يعقوب شاه وتمان تمر الأشرفى وأيدكار العمرى وأسندمر الشرفى رأس نوبة منطاش وجنتمر الأشرفى، ومنكلى باى الأشرفى، وتكا الأشرفى، ومنكلى بغا خازندار منطاش وصراى تمر دوادار منطاش وتمربغا الكريمى، وألطنبغا الحلبىّ ومبارك شاه.
ثم أنعم على جماعة كبيرة بإمرة طبلخاناه، وعشرينات وعشرات، فممن أنعم عليه بإمرة طبلخاناه: الشريف بكتمر الحسنى، وأبو بكر بن سنقر الجمالى، ودمرداش القشتمرى وعبد الرحمن بن منكلى بغا الشمسى على عادته أوّلا، وجلبان السعدى، وآروس بغا صلغيه وإبراهيم بن طشتمر الدوادار وسربغا الناصرى، وتنكز الأعور الأشرفى، وصراى تمر الأشرفى، وآقبغا المنجكى، وملكتمر «١» المحمدى، وقرابغا السيفى، وقطلوبغا الزينى، وتمربغا المنجكى وأرغون شاه السيفى ومقبل السيفى منطاش أمير سلاح وطيبرس السيفى رأس نوبة، وبيرم خجا الأشرفى، وألطنبغا الجربغاوى، ومنجك الزينى، وبزلار الخليلىّ، ومحمد بن أسندمر العلائى؛ وطشبغا السيفى منطاش، وإلياس الأشرفى، وقطلوبغا السيفى، وشيخون الصرغتمشى، وجلبان السيفى، وألطنبغا الطازى، وإسماعيل السيفى، وحسين بن الكورانى.
وأنعم على كل ممّن يدكر بإمرة عشرين «٢» ، وهم: غريب الخطائى وبايجى الأشرفى، ومنكلى بغا الجوبانى، وقرابغا الأحمدى، وآق كبك «٣» السيفى، وفرج شادّ الدواوين، ورمضان السيفى، ومحمد بن مغلطاى المسعودى والى مصر.
وأنعم على كل ممن يذكر بإمرة عشرة «٤» : صلاح الدين محمد بن تنكز، زيادة على ما بيده، وخضر بن عمر بن بكتمر الساقى، ومحمد بن يونس الدوادار، وعلىّ
стр. 3814
الجركتمرى، ومحمد بن رجب بن محمد التركمانى، ومحمد بن رجب بن جنتمر من عبد الغنى وجوهر الصلاحى، وإبراهيم بن يوسف بن برلغى ولؤلؤ العلائى الطواشى، وتنكز العثمانى وصراى تمر الشرفى الصغير، ومنكلى بغا المنجكى، وآق سنقر الأشرفى، رأيت أنا المذكور في دولة الملك الأشرف برسباى في حدود سنة ثلاثين وثمانمائة وقد شاخ وجاركس القرابغاوى، وأسنبغا التاجى، وسنقر السيفى، وكزل الجوبانى، وقرابغا الشهابى، وبك بلاط الأشرفى، ويلبغا التركمانى، وأرنبغا الأشرفى، وحاجى اليلبغاوى، وأرغون الزينى، ويلبغا الزينىّ وتمر الأشرفى وجنبغا الشرفى، وجقمق السيفى، وأرغون شاه البكلمشى، وألطنبغا الأشقر، وصراى السيفى، وألطنبغا الإبراهيمى، وآقبغا الأشرفى وألجيبغا السيفى. انتهى.
ثم في خامس عشر شهر رمضان نودى على الزّعر بالقاهرة ومصر من حمل منهم سيفا أو سكّينا أو شالق بحجر وسّط وحرّض الموالى عليهم، فقطع أيدى ستة منهم فى يوم واحد.
وفي يوم عشرين شهر رمضان ورد البريد بأن بزلار نائب الشام مسكه الأمير جنتمر أخو طاز فكاد منطاش أن يطير من الفرح بذلك، لأن بزلار كان من عظماء الملوك «١» ممن كان الملك الظاهر برقوق يخافه، ونفاه إلى الشام، فوافق الناصرىّ، فولاه الناصرى نيابة الشام دفعة واحدة مخافة من شرّه، وكان من الشجعان حسب ما يأتى ذكره في الوفيات.
ولمّا أن بلغ منطاش هذا الخبر قلع السلاح عنه وأمر أمراءه ومماليكه بقلع السلاح، فإنهم كانوا في هذه المدّة الطويلة لابسين السلاح في كلّ يوم.
ثمّ في الحال قبض منطاش على جمق بن أيتمش البجاسىّ وعلى بيرم العلابى رأس نوبة أيتمش.
стр. 3815
وفيه قدم سيف الأمير بزلار المقدّم ذكره، وكان من خبره أن منطاش لمّا انتصر على الناصرىّ وملك مصر أرسل إلى الأمير بزلار المذكور بحضوره إلى مصر فى ثلاثة سروج لا غير على البريد، فأجابه بزلار: لا أحضر اليه إلا في ثلاثين ألف مقاتل، وخاشنه في ردّ الجواب، وخرج عن طاعته، فخادعه منطاش حسب ما تقدّم ذكره، وكتب في الباطن للأمير جنتمر أخى طاز أتابك دمشق بنيابة دمشق إن قبض على بزلار المذكور ثم سيّر، إليه التشريف بذلك، وكتب إليه أن محمد ابن بيدمر يكون أتابك دمشق عوضه، وجبريل حاجب حجّاب دمشق، فلمّا بلغ جنتمر ذلك عرّف الأمراء المذكورين الخبر، واتّفق مع جماعة أخر من أكابر أمراء دمشق وركبوا على بزلار المذكور على حين غفلة وواقعوه، فلم يثبت لهم، وانكسر ومسك وحبس بقلعة دمشق، وأرسل جنتمر سيفه إلى منطاش، واستقرّ عوضه فى نيابة دمشق، فسرّ منطاش بذلك غاية السرور.
فلم يتّم سروره، وقدم عليه الخبر بما هو أدهى وأمرّ، وهو خروج الملك الظاهر برقوق من سجن الكرك، وأنه استولى على مدينتها ووافقه نائبها الأمير حسام الدين حسن الكجكنى، وقام بخدمته وقد حضر إلى الملك الظاهر برقوق ابن خاطر أمير بنى عقبة من عرب الكرك ودخل في طاعته، وقدم هذا الحبر من ابن باكيش نائب غزة، فلمّا سمع منطاش ذلك كاد يهلك واضطربت الديار المصرية، وكثرت القالة بين الناس، واختلفت الأقاويل، وتشغّب الذعر وكان من خبر الملك الظاهر برقوق أن منطاش لمّا وثب على الأمير وأقهر الأتابك يلبغا الناصرى وحبسه وحبس عدّة من أكابر الأمراء، عاجل في أمر الملك الظاهر برقوق بأن بعث إليه شخصا يعرف بالشهاب البريدى ومعه كتب للأمير حسام الدين الكجكنى نائب الكرك وغيره بقتل الملك الظاهر برقوق من غير مراجعة، ووعده بأشياء غير نيابة الكرك،
стр. 3816
وكان الشهاب البريدىّ أصله من الكرك، وتزوج ببنت قاضى الكرك القاضى عماد الدين أحمد بن عيسى المقيّرىّ الكركى، ثم وقع بين الشهاب المذكور وبين زوجته، فقام أبوها عليه حتى طلّقها منه، وزوجها بغيره، وكان الشهاب مغرما بها، فشقّ ذلك عليه، وخرج من الكرك وقدم مصر وصار بريديّا وضرب الدهر ضرباته حتى كان من أمر منطاش ما كان، فاتصل به الشهاب المذكور ووعده أنه يتوجّه لقتل الملك الظاهر برقوق، فجهزه منطاش لذلك سرّا وكتب على يده إلى الأمير حسام الدين الكجكنى نائب الكرك كتبا بذلك وحثّه على القيام مع الشهاب المذكور على قتل برقوق وأنه ينزله بقلعة الكرك ويسكنه بها حتى يتوصّل لقتل الملك الظاهر برقوق.
وخرج الشهاب من مصر ومضى إلى نحو الكرك على البريد حتى وصل قرية المقيّر «١» بلد صهره القاضى عماد الدين قاضى الكرك الذي أصله منها، فنزل بها الشهاب ولم يكتم ما في نفسه من الحقد على القاضى عماد الدين، وقال: والله لأخربن دياره وأزيد في أحكار أملاكه وأملاك أقاربه بهذه القرية وغيرها، فاشتوحش قلوب الناس وأقارب عماد الدين من هذه الكلام وأرسلوا عرّفوه بقصد الشهاب وما جاء بسببه قبل أن يصل الشهاب إلى الكرك، ثم ركب الشهاب من المقيّر وسار إلى الكرك حتى وصلها في الليل، وبعث للنائب من يصيح به من تحت السور، فمنعوه من ذلك، وأحسّ الكجكنى بالأمر، فلمّا أصبح أحضره إلى دار السعادة، وقرأ كتاب السلطان الذي على يده، وكتاب منطاش ومضمونهما أمور أخر غير قتل الظاهر برقوق؛ فامتثل النائب ذلك بالسمع والطاعة.
стр. 3817
فلمّا انفضّ الناس أخرج الشهاب إليه كتاب منطاش الذي بقتل برقوق، فأخذه الكجكنى منه ليكون له حجّة عند قتله السلطان برقوق، ووعده بقضاء الشغل، وأنزل الشهاب بمكان قلعة الكرك قريبا من الموضع الذي فيه الملك الظاهر برقوق، بعد أن استأنس به، ثم قام الكجكنى من فوره ودخل إلى الملك الظاهر برقوق ومعه كتاب منطاش الذي بقتله، فأوقفه على الكتاب، فلمّا سمعه الملك الظاهر كاد أن يهلك من الجزع، فخلف له الكجكنى بكل يمين أنه لا يسلّمه لأحد ولو مات، وأنه يطلقه ويقوم معه، وما زال به حتى هدأ ما به، وطابت نفسه، واطمأنّ خاطره.
هذا وقد اشتهر في مدينة الكرك بمجيء الشهاب بقتل الملك الظاهر برقوق لخفّة كانت في الشهاب المذكور، وأخذ القاضى عماد الدين يخوّف أهل الكرك عاقبة قتل الملك الظاهر برقوق وينفّرهم عن الشهاب حتى خافوه وأبغضوه، وكان عماد الدين مطاعا في أهل بلده، مسموع الكلمة عندهم لما كانوا يعهدون من عقله وحسن رأيه، وثقل الشهاب على أهل الكرك إلى الغاية، وأخذ الشهاب يلحّ على الأمير حسام الدين نائب الكرك في قتل الملك الظاهر برقوق، وبقى النائب يسوّف به من وقت إلى وقت، ويدافعه عن ذلك بكلّ حجّة وعذر فزاد الشهاب فى القول حتى خاشنه في اللفظ، فعند ذلك قال له الكجكنى: هذا شىء لا أفعله بوجه من الوجوه حتى أكتب إلى مصر بما أعرفه وأسأل عن ذلك ممّن أثق به من أصحابى من الأمراء.
ثمّ أرسل البريد إلى مصر أنه لا يدخل في هذا الأمر، ولكن يحضر إليه من يتسلّمه منه ويفعل فيه ما يرسم له به، وكان في خدمة الملك الظاهر غلام من أهل الكرك يقال له: عبد الرحمن، فنزل إلى جماعة في المدينة وأعلمهم أن الشهاب قد حضر،
стр. 3818
لقتل أستاذه الملك الظاهر، فلمّا سمعوا ذلك اجتمعوا في الحال؛ وقصدوا القلعة وهجموها حتى دخلوا إلى الشهاب المذكور وهو بسكنه من قلعة الكرك، ووثبوا عليه وقتلوه، ثم جرّوه برجله إلى الباب الذي فيه الملك الظاهر برقوق، وكان نائب الكرك الكجكنى عند الملك الظاهر، وقد ابتدءوا في الإفطار بعد أذان المغرب، وهي ليلة الأربعاء عاشر شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة المقدّم ذكرها، فلم يشعر الملك الظاهر والكجكنى إلا وجماعة قد هجموا عليهم وهم يدعون للملك الظاهر بالنصر؛ وأخذوا الملك الظاهر بيده حتى أخرجوه من البرج الذي هو فيه، وقالوا له: دس بقدمك عند رأس عدوّك، وأروه الشهاب مقتولا، ثم نزلوا به إلى المدينة فدهش النائب ممّا رأى، ولم يجد بدا من القيام في خدمة الملك الظاهر وتجهيزه، وانضمّ على الملك الظاهر أقوام الكرك وأجنادها، وتسامع به أهل البلاد، فأتوه من كلّ فجّ بالتقادم والخيول، كلّ واحد بحسب حاله، وأخذ أمر الملك الظاهر برقوق من يوم ذلك في استظهار على ما سيأتى ذكره.
وأمّا أمر منطاش فإنه لمّا سمع هذا الخبر وتحقّقه علم أنه وقع في أمر عظيم، فأخذ في تدبير أحواله، فأوّل ما ابتدأ بمسك الأمير قرقماس الطشتمرى الخازندار، وأحد أمراء الألوف بديار مصر، وبمسك الأمير شاهين الصرغتمشى أمير آخور، وبمسك قطلوبك أستادار الأتابك أيتمش البجاسىّ، وعلى جماعة كبيرة من المماليك الظاهريّة، وتداول ذلك منه أياما.
ثم أنعم منطاش على جماعة من الأمراء بأموال كثيرة، ورسم بسفر أربعة آلاف فارس إلى مدينة غزّة صحبة أربعة أمراء من مقدّمى الألوف بالديار المصرية، وهم: أسندمر اليوسفى، وقطلوبغا الصفوى، ومنكلى باى الأشرفىّ، وتمربغا الكريمى، وأنفق في كلّ أمير منهم مائة ألف درهم فضّة، ثم عيّن منطاش مائة مملوك
стр. 3819
للسفر صحبة أمير الركب إلى الحجاز، واسمرّ منطاش في عمل مصالحه إلى أن كان يوم سابع شوّال خلع السلطان الملك المنصور على الأمير منطاش المذكور، وفوّض إليه تدبير الأمور، وصار أتابك العساكر كما كان يلبغا، أراد منطاش بذلك إعلام الناس أنه ليس له غرض في السلطنة، وأنه في طاعة الملك المنصور ابن أستاذه.
ثمّ خلع الملك المنصور أيضا على الأمير قطلوبغا الصّفوى المقدّم ذكره في الأربعة أمراء المعينين للسفر باستقراره أمير سلاح، وعلى تمان تمر الأشرفىّ باستقراره رأس نوبة النوب، وعلى أسندمر بن يعقوب شاه أمير مجلس، وعلى ألطنبغا الحلبى دوادارا كبيرا، وعلى تكا الأشرفىّ رأس نوبة ثانيا بتقدمة ألف وعلى إلياس الأشرفىّ أمير آخور بإمرة طبلخاناه، وعلى أرغون شاه السيفى رأس نوبة ثالثا بإمرة طبلخاناه، وعلى تمربغا المنجكى رأس نوبة، رابعا بإمرة طبلخاناه، وعلى قطلوبغا الأرغونى أستدارا، وعلى جقمق شادّ الشراب خاناه، ثم خلع على تمان تمر رأس نوبة بنظر البيمارستان المنصورى، وعلى ألطنبغا الحلبى الدوادار الكبير بنظر الأحباس، ثم بطل أمر التجريدة المعيّنة إلى غزة خوفا من المماليك لئلا يذهبوا للملك الظاهر برقوق.
ثم في تاسع شوّال خلع على الأمير أيدكار باستقراره حاجب الحجاب وعلى أمير حاج بن مغلطاى حاجبا ثانيا بتقدمة ألف.
وفيه سمّر منطاش أربعة من الأمراء، وهم: سودون الرمّاح أمير عشرة، ورأس نوبة، والطنبغا أمير عشرة أيضا، وأميران من الشام، ووسّطوا بسوق الخليل في عاشره لميلهم إلى الملك الظاهر برقوق.
ثم أخلع منطاش على تنكز الأعور باستقراره في نيابة حماة عوضا عن طغاى تمر القبلاوى، وفيه حمل جهاز خوند بنت الملك الأشرف شعبان أخت الملك المنصور،
стр. 3820
هذا لتزفّ على الأمير الكبير منطاش، وكان على خمسمائة جمل وعشرة قطر بغال، ومشى الحجاب وغالب الأمراء أمام الجهاز، فخلع عليهم منطاش الخلع السّنيّة، وبنى بها من ليلته، بعد أن اهتمّ بالعرس اهتماما زائدا، وعند ما زفّت إليه علّق منطاش على شربوشها دينارا زنته مائتا مثقال، ثم ثانى مرّة دينارا زنته مائة مثقال وفتح للقصر بابا من الإسطبل بسبب ذلك بجوار باب السرّ، هذا مع ما كان منطاش فيه من شغل السرّ من اضطراب المملكة بعد مسكه الناصرىّ وغيره.
وفيه أخرج عدّة من المماليك الظاهريّة إلى قوص «١» ، وبينما منطاش في ذلك قدم عليه الخبر بأن الأمراء المقيمين بمدينة قوص من المنفيّين قبل تاريخه خرجوا عن الطاعة، وقبضوا على والى قوص، وحبسوه واستولوا على مدينة قوص، وانضم عليهم جماعة كبيرة من عصاة العربان، فندب منطاش لقتالهم تمربغا الناصرى وبيرم خجا، وآروس بغا من أمراء الطبلخاناة في عدّة مماليك.
ثم قدم عليه الخبر بأن الأمير كمشبغا الحموى اليلبغاوى نائب حلب خرج عن الطاعة، وأنه قبض على جماعة من أمراء حلب بعد أن حارب إبراهيم بن قطلقتمر الخازندار، وقبض عليه ووسّطه هو وشهاب الدين أحمد بن أبى الرضا قاضى قضاة حلب الشافعى بعد أن قاتلوه ومعهم أهل بانقوسا «٢» ، فلمّا ظفر بهم كمشبغا المذكور قتل منهم عدّة كبيرة.
следующие страницы →