← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

الناس لطلوعه، وزيّنت القاهرة أياما، غير أن الغلاء كان حصل قبل قدوم السلطان، فتزايد بعد حضوره لكثرة العساكر. ومن يومئذ صفا الوقت للملك الظاهر، وصارت مماليكه نوّاب البلاد الشامية من أبواب الروم إلى مصر، وأخذ السلطان يكثر من الركوب والتوجّه إلى الصيد، وعمل له الأمير تمربغا المنچكى شرابا من زبيب، يسمى التمر بغاوى، وأقبل السلطان على الشرب منه مع الأمراء، ولم يكن يعرف منه السّكر قبل ذلك. ثمّ أنعم السلطان على الأمير فارس من قطلوجا الظاهرى الأعرج بإمرة مائة وتقدمة ألف وولّاه حجوبية الحجاب عوضا عن بتخاص السودونى المستقر فى نيابة الكرك. وأنعم على الأمير نوروز الحافظى الظاهرى بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، عوضا عن الوالد، وهو الإقطاع الذي كان أنعم به السلطان على جلبان نائب حلب. ثم أنعم السلطان على الأمير أرغون شاه البيدمرى بإمرة مائة وتقدمة ألف، وأنعم السلطان أيضا على كل من تمربغا المنجكى، وصلاح الدين محمد بن محمد تنكز وصرغتمش المحمدى الظاهرى بإمرة طبلخاناه، وأنعم أيضا على كل من مقبل الرومى، وآقباى من حسين شاه الظاهرىّ، وآق بلاط الأحمدى، ومنكلى بغا الناصرى بإمرة عشرة. ثم بعد أشهر خلع السلطان على الأمير نوروز الحافظى الظاهرى باستقراره رأس نوبة النوب، عوضا عن الوالد بحكم انتقاله إلى نيابة حلب، وكانت شاغرة من تلك الأيام. ثم قبض السلطان على الأمير محمود بن على الأستادار المعروف بابن أصفر، عيّنه فى صفر سنة ثمان «١» وتسعين، وعلى ولده وعلى كاتبه، سعد الدين إبراهيم بن غراب

стр. 3922

وخلع السلطان على قطلوبك العلائى أستادار الأمير أيتمش باستقراره فى الأستادارية، عوضا عن محمود المذكور، وأنعم السلطان عليه بإمرة عشرين، واستمرّ محمود على إمرته وهو مريض محتفظ به، وخلع السلطان أيضا على سعد الدين إبراهيم بن غراب كاتب محمود باستقراره ناظر ديوان المفرد وهذا أول ظهور ابن غراب فى الدولة الظاهرية، واستمال السلطان ابن غراب، فأخذ يدلّ على ذخائر أستاذه محمود، ومحمود فى المصادرة إلى أن أظهر شيئا كثيرا من المال. ثم أنعم السلطان على جماعة من مماليكه بإمرة طبلخاناه وهم: طولو من على باشاه الظاهرى، ويلبغا الناصرىّ الظاهرىّ، وشاذى خجا الظاهرى العثمانى، وقينار العلائى، وأنعم أيضا على جماعة بإمرة عشرة وهم: طيبغا الحلبى الظاهرى، وسودون من علىّ باشاه الظاهرى المعروف بسودون طاز، ويعقوب شاه الخازندار الظاهرى ويشبك الشعبانى الخازندار وتمان تمر الإشقتمرىّ رأس نوبة الجمدارية. ثم خلع السلطان على الأمير فارس الحاجب باستقراره فى نظر الشيخونية» وخلع على الأمير تمربغا المنجكىّ حاجبا ثانيا بتقدمة ألف. وفى هذه الأيام عظم الغلاء وفقد الخبز من الدكاكين. وفى آخر ذى العقدة استقرّ سعد الدين إبراهيم بن غراب كاتب محمود فى وظيفة نظر الخاصّ بعد القبض على سعد الدين بن أبى الفرج بن تاج الدين موسى.

стр. 3923

ثم رسم السلطان بإحضار الأمير محمود فحمل إلى بين يدى السلطان، وهو فى ألم عظيم من العصر والضرب والعقوبة، فانتصب إليه كاتبه سعد الدين إبراهيم بن غراب فى محاققته والفحش له فى الكلام، حتى امتلأ السلطان غضبا على محمود وأمر بعقوبته حتى يموت من عظم ما أغراه سعد الدين المذكور به. ثم ورد الخبر بقدوم الأمير تنم الحسنىّ نائب الشام، وكان خرج بطلبه الأمير سودون طاز، وقدم من الغد فى يوم الاثنين ثالث صفر سنة تسع وتسعين وسبعمائة، بعد أن خرج السلطان إلى لقائه بالرّيدانيّة «١» ، وجلس له على مطعم «٢» الطير، وبعث الأمراء والقضاة إليه فسلّموا عليه، ثم أتوا به، فقبّل الأرض، فخلع عليه خلعة باستمراره على نيابة دمشق. ثم قدّم من الغد تقدمته، وكانت تقدمة جليلة، وهى عشرة كواهى «٣» وعشرة مماليك صغار فى غاية الحسن، وعشرة آلاف دينار، وثلاثمائة ألف درهم فضة، ومصحف عليه قراءات وسيف مسقّط ذهب مرصّع، وعصابته منسبكة من ذهب مرصّع، بجوهر نفيس وبدلة فرس من ذهب، فيها أربعمائة مثقال ذهب، وكان أجرة صائغها ثلاثة آلاف درهم فضّة، ومائة وخمسين بقجة فيها أنواع الفرو، ومائة وخمسين

стр. 3924

فرسا، وخمسين جملا، وخمسة وعشرين حملا من نصافى ونحوه، وثلاثين حملا فاكهة وحلوى، فخلع السلطان على أرباب «١» الوظائف. ثم نزل السلطان بعد أيام إلى برّ «٢» الجيزة، ومعه الأمير تنم وغيره، وتصيّد ببرّ الجيزة. ثم عاد. وعمل السلطان الموكب بدار العدل فى يوم سابع عشر صفر من سنة تسع وتسعين المذكورة، وخلع على الأمير تنم خلعة الاستمرار ثانيا، وجرّت له من الإسطبل ثمانى جنائب بكنابيش وسروج ذهب، فتقدّم تنم، وشفع فى الأمير جلبان الكمشبغاوى المعزول عن نيابة حلب، فقبل السلطان شفاعته، وخرج البريد بطلبه من ثغردمياط «٣» ، فقدم بعد أيام، وقبّل الأرض بين يدى السلطان، فأنعم عليه السلطان بإقطاع الأمير إياس الجرجاوى وخلع عليه بأتابكية دمشق عوضا «٤» عن

стр. 3925

إياس المذكور بحكم القبض عليه وحضوره إلى الديار المصرية، وبعث إليه ثمانية أفراس بقماش ذهب (أعنى عن جلبان) . ثم أمر السلطان أن يسلّم الأمير إياس الجرجاوى إلى ابن الطبلاوى ليخلّص منه الأموال، فأحده ابن الطبلاوىّ فالتزم بحمل خمسمائة ألف درهم وبعث مملوكه لإحضار ماله وهو مريض، فمات إياس بعد يومين، واختلف الناس فى موته، فمنهم من قال: إنه كان معه خاتم فيه سمّ فشربه فمات منه قهرا مما فعله معه الملك الظاهر، ومنهم من قال: إنه مات من مرضه. والله أعلم بحاله. ثم فى يوم الخميس رابع شهر ربيع الأول أمسك السلطان الوزير سعد الدين نصر الله بن البقرىّ وولده تاج الدين وسائر حواشيه، وخلع على بدر الدين محمد بن محمد بن الطّو؟؟؟ «١» واستقر عوضه فى الوزارة واستقر فى نظر الدولة سعد الدين ابن الهيصم. ثم خلع السلطان على شرف الدين محمد بن الدّمامينى باستقراره فى وظيفة نظر الجيش بديار مصر بعد موت القاضى جمال الدين محمود القيصرى العجمىّ، نقل إليها من حسبة القاهرة. ثم من الغد فى يوم الثلاثاء تاسع شهر ربيع الأول المذكور استقر القاضى شمس الدين محمد بن أبى بكر الطرابلسى قاضى قضاة الحنفية بالديار المصرية عوضا عن جمال الدين محمود القيصرى المقدّم ذكره. ثم فى خامس عشرينه قدمت هدية ممهّد الدين إسماعيل ابن الملك الأفضل عباس بن المجاهد على بن داود بن يوسف بن عمر بن رسول ملك اليمن صحبة التاجر

стр. 3926

برهان الدين إبراهيم المحلّى «١» والطواشى افتخار الدين فاخر، وهى عشرة خدّام طواشية وبعض عبيد حبوش وست جوار وسيف بحلية ذهب مرصّع بعقيق وحياصة بعواميد عقيق مكلّلة بلؤلؤ كبار ووجه فرس عقيق ومرآة هندية محلّاة بفضّة قد رصعت بعقيق وبراشم «٢» برسم الخيول عشرة ورماح عدّة مائتين وشطرنج عقيق أبيض وأحمر وأربع مراوح مصفّحة بذهب ومسك ألف مثقال وسبعون أوقية زباد «٣» ومائة مضرّب غالبة ومائتان وستة عشر رطلا من العود وثلاثمائة وأربعون رطلا من اللّبان وثلاثمائة وأربعة وستون رطلا من الصّندل «٤» وأربعة برانى من الشّند «٥» وسبعمائة رطل من الحرير الخام ومن البهار والاقطاع والصينى وغير ذلك من تحف اليمن؟؟؟ كثير. ثم فى يوم الخميس ثانى جمادى الأولى نقل الأمير جمال الدين محمود الأستادار إلى خزانة شمائل «٦» وهو مريض. وفى سادس عشر جمادى الآخرة أنعم على الأمير بيسق الشّيخىّ بإمرة طبلخاناه. ثم خلع السلطان على الأمير صرغتمش القزوينى باستقراره فى نيابة الإسكندرية بعد عزل الأمير قديد عنها ونفيه إلى القدس «٧» بطّالا، وأنعم السلطان على الأمير شيخ

стр. 3927

المحمودى الساقى الظاهرى (أعنى عن الملك المؤيّد) بإمرة طبلخاناه، عوضا عن صرغتمش القزوينى المتولى نيابة الإسكندرية وأنعم بإقطاع شيخ المحمودى وهو إمرة عشرة على الأمير طغنجى نائب البيرة «١» ، وأنعم السلطان أيضا على يشبك العثمانى الظاهرى بإقطاع الأمير صلاح الدين محمد بن محمد بن تنكز. ثم فى سادس عشرينه استقرّ الأمير يلبغا الأحمدى الظاهرى المعروف بالمجنون أستادار السلطان، عوضا عن قطلوبك العلائى واستقرّ قطلوبك على إمرة عشرين «٢» . ثم فى يوم الاثنين ثامن محرم سنة ثمانمائة توجّه السلطان إلى سرحة سرياقوس «٣» بعساكره وحريمه على العادة فى كل سنة، فأقام به أياما على ما يأتى ذكره. وفى ثانى عشر المحرم المذكور خرج الأمير بكتمر جلّق الظاهرى على البريد إلى حلب لإحضار الوالد- ﵀ وعفا عنه- بعد عزله عن نيابة حلب وكتب بانتقال الأمير أرغون شاه الإبراهيمى الظاهرى نائب طرابلس إلى نيابة حلب عوضا عن الوالد، وخرج الأمير يشبك العثمانى بتقليد أرغون شاه المذكور، ورسم بانتقال الأمير آقبغا الجمالى الظاهرىّ من نيابة صفد إلى نيابة طرابلس عوضا عن أرغون شاه المذكور، وتوجّه بتقليده الأمير أزدمر أخو إينال ومعه أيضا خلعة للأمير تنم الحسنى باستمراره فى نيابة الشام، ورسم بانتقال الأمير شهاب الدين أحمد ابن الشيخ على حاجب حجّاب دمشق إلى نيابة صفد عوضا

стр. 3928

عن آقبغا الجمالى المذكور، وحمل إليه التقليد والتشريف الأمير يلبغا الناصرى الظاهرى رأس نوبة. ثم قدم فى هذه الأيام جماعة من سوابق الحاجّ وأخبروا أنه هلك بالسبع «١» وعرات من شدّة الحر نحو ستمائة إنسان. ثم عاد السلطان من سرحة سرياقوس فى خامس عشرينه ولم يخرج إليها بعد ذلك، ولا أحد من السلاطين وبطلت عوائدها وخرّبت تلك القصور، وكانت من أجمل عوائد الملوك وأحسنها، وكان النزول إلى سرياقوس يضاهى نزول السلطان إلى الميدان «٢» فالميادين أبطلها الملك الظاهر وسرياقوس أبطله الملك الناصر، ثم صار كل ملك يأتى بعد ذلك يبطل نوعا من نراتيب مصر، حتى

стр. 3929

ذهب الآن جميع شعار الملوك السالفة وصار الفرق بين سلطنة مصر ونيابة الأبلستين «١» اسم السلطنة ولبس الكلفتاة فى المواكب لا غير. قلت: والفرق بين براعة الاستهلال وبين براعة المقطع واضح. ثم فى يوم الاثنين تاسع عشرين المحرّم من سنة ثمانمائة المذكورة قبض السلطان فى وقت الخدمة بالقصر على الأمير الكبير كمشبغا الحموىّ أتابك العساكر بالديار المصرية وعلى الأمير بكلمش العلائىّ أمير سلاح، وقيّدا وحبسا بقلعة الجبل، يأتى ذكر السبب على قبضهما فى الوفيات، وفى هذه الترجمة- إن شاء الله تعالى-. ثم نزل فى الحال الأمير قلمطاى الدوادار، والأمير نوروز الحافظىّ رأس نوبة النّوب، والأمير فارس حاجب الحجّاب إلى الأمير شيخ الصّفوى أمير مجلس ومعهم خلعة له بنيابة غزّة، فلبسها شيخ المذكور وخرج من وقته ونزل بخانقاه «٢» سرياقوس.

стр. 3930

ثم فى ليلة الثلاثاء سلخه توجّه الأمير سودون الطيّار الظاهرى بالأتابك كمشبغا وبكلمش فى الحديد إلى سجن الإسكندرية فسجنا بها، وفى الغد استعفى الأمير شيخ الصّفوىّ من نيابة غزّة وسأل الإقامة بالقدس «١» فرسم له بذلك. وفى يوم الخميس ثانى صفر استقرّ الأمير أيتمش البجاسىّ أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن كمشبغا الحموى وأنعم السلطان على أيتمش المذكور وعلى قلمطاى الدوادار، وعلى الأمير تنبك اليحياوى الأمير آخور بعدّة بلاد من إقطاع كمشبغا المذكور زيادة على ما بأيديهم وأنعم ببقيّة إقطاع كمشبغا على الأمير سودون المعروف بسيّدى سودون ابن أخت الملك الظاهر وجعله من جملة أمراء الألوف بالديار المصرية وأنعم بإقطاع سيّدى سودون المذكور على ولد السلطان الأمير عبد العزيز ابن الملك الظاهر برقوق.

стр. 3931

ثمّ أنعم السلطان بإقطاع بكلمش العلائى على الأمير نوروز الحافظىّ رأس نوبة النّوب. وأنعم بإقطاع نوروز المذكور على الأمير أرغون شاه البيدمرىّ الظاهرى وأنعم بإقطاع أرغون شاه على الأمير يلبغا المجنون الأستادار والجميع تقادم ألوف لكنّ التفاوت بينهم فى زيادة المغلّ والخراج. ثم عيّن السلطان الأمير شيخ الصفوىّ أمير مجلس للوالد قبل قدومه إلى القاهرة من نيابة حلب. ثم فى رابعه استقر الأمير باى خجا الشّرفى الأمير آخور المعروف بطيفور فى نيابة غزة. ثم فى تاسع صفر استقر الأمير بيبرس ابن أخت السلطان أمير مجلس عوضا عن شيخ الصفوى المقدّم ذكره. ثم فى سابع عشرين «١» صفر أنعم السلطان على الأمير بهادر فطيس بإمرة طبلخاناه، عوضا عن طيفور بحكم انتقاله إلى نيابة غزّة، واستقر عوضه أيضا فى الأمير آخورية الثانية وأنعم بإقطاع بهادر فطيس المذكور، وهو إمرة عشرة على يلبغا السالمىّ الظاهرى. وفى ليلة الجمعة ثانى شهر ربيع الأول عمل السلطان المولد «٢» النبوىّ على العادة فى كلّ سنة.

стр. 3932

قلت: نذكر صفة ما كان يعمل بالمولد قديما ليقتدى به من أراد تجديده فلمّا كان يوم الخميس المذكور، جلس السلطان بمخيّمه بالحوش «١» السلطانى، وحضر القضاة والأمراء ومشايخ العلم والفقراء، فجلس الشيخ سراج الدين عمر البلقينى عن يمين السلطان، وتحته الشيخ برهان الدين إبراهيم بن زقّاعة، وجلس على يسار السلطان الشيخ المعتقد أبو عبد الله المغربى، ثم جلس القضاة يمينا وشمالا على مراتبهم، ثم حضر الأمراء فجلسوا على بعد من السلطان، والعساكر ميمنة وميسرة فقرأت الفقهاء، فلمّا فرغ القرّاء وكانوا عدّة جوق كثيرة، قام الوعاظ واحدا بعد واحد، وهو يدفع لكل منهم صرّة فيها أربعمائة درهم فضة، ومن كلّ أمير شقّة حرير خاصّ وعدّتهم عشرون واحدا. وأنعم أيضا على القرّاء لكل جوقة بخمسمائة درهم فضة وكانوا أكثر من الوعّاظ، ثم مدّ سماط جليل يكون مقداره قدر عشرة أسمطة من الأسمطة الهائلة، فيه من الأطعمة الفاخرة ما يستحى من ذكره كثرة، بحيث إن بعض الفقراء أخذ صحنا فيه من خاصّ الأطعمة الفاخرة فوزن الصحن المذكور فزاد على ربع قنطار. ولمّا انتهى السّماط «٢» مدّت أسمطة الحلوى من صدر المخيّم إلى آخره.

стр. 3933

وعند فراغ ذلك مضى القضاة والأعيان وبقى السلطان فى خواصّه وعنده فقراء الزوايا والصوفية، فعند ذلك أقيم السّماع من بعد ثلث الليل إلى قريب الفجر وهو جالس عندهم ويده تملأ من الذهب، وتفرّغ لمن له رزق فيه والخازندار يأتيه بكيس بعد كيس، حتى قيل: إنّه فرّق فى الفقراء ومشايخ الزوايا والصوفية فى تلك الليلة أكثر من أربعة آلاف دينار. هذا، والسّماط من الحلوى والفاكهة يتداول مدّة بين يديه، فتأكله المماليك والفقراء وتكرّر ذلك أكثر من عشرين مرّة. ثم أصبح السلطان ففرّق فى مشايخ الزوايا القمح من الأهراء «١» لكل واحد بحسب حاله وقدر فقرائه، كلّ ذلك خارج عمّا كان لهم من الرواتب عليه فى كلّ سنة حسب ما يأتى ذكر ذلك فى آخر ترجمة الملك الظاهر بعد وفاته. ثم فى خامس عشر شهر ربيع الأوّل المذكور قدم الوالد إلى القاهرة معزولا عن نيابة حلب. فنزل السلطان الملك الظاهر إلى لقائه، قال الشيخ تقىّ الدين المقريزىّ- ﵀: «وفى خامس عشر شهر ربيع الأوّل قدم الأمير تغرى بردى اليشبغاوى من حلب بتجمّل زائد عظيم إلى الغاية، فخرج السلطان وتلقّاه بالمطعم «٢» من الريدانية «٣» خارج القاهرة، وسار معه من غير خلعة، فلمّا قارب القلعة أمره

стр. 3934

بالتوجّه إلى حيث أنزله وبعث إليه بخمسة أفراس بقماش ذهب وخمس بقج فيها قماش مفصّل له مفرّى؟ انتهى كلام المقريزى. قلت: وقوله: وعاد «١» معه بغير خلعة هى العادة، فإنّه منفصل عن نيابة حلب ولم يعط إلى الآن وظيفة حتى يلبس خلعتها. وفى سابع عشره قدّم الوالد تقدمته إلى السلطان، وكانت «٢» نيّفا وعشرين مملوكا وخمسة طواشية بيض من أجمل الناس، من جملتهم: خشقدم اليشبكى مقدّم المماليك السلطانية فى دولة الملك الأشرف برسباى، أنعم به الملك الظاهر على فارس الحاجب، ثم ملكه يتسبك الشعبانى بعده وأعتقه، وثلاثين ألف دينار مصرية، ومائة وخمسة وعشرين فرسا، وعدّة جمال بخاتى «٣» تزيد على الثمانين، وأحمالا من البقج، فيها من أنواع الفرو والشقق الحرير وأثواب الصوف والمخمّل زيادة على مائة بقجة، فآبتهج السلطان بذلك وقبله، وخلع على أصحاب وظائف الوالد، ونزلوا فى غاية الجبر. حكى لى بعض أعيان الظاهرية، قال: لما رأى الملك الظاهر تقدمة والدك تعجّب غاية العجب من حسن سيرته وقلّة ظلمه بحلب، ومع هذا كيف قام بهذه التقدمة الهائلة مع كثرة مماليكه وخدمه. وكان سبب عزل الوالد- ﵀ عن نيابة حلب، شكوى الأمير تنم الحسنى نائب الشام منه للملك الظاهر، ورماه بالعصيان والخروج عن الطاعة،

стр. 3935

وخبر ذلك: أن الوالد وتنم لمّا توجّها فى السنة الماضية إلى سيواس «١» وغيرها بأمر الملك الظاهر وتلاقى الوالد مع تنم بظاهر حلب وعادا جميعا إلى حلب وكلّ منهما سنجقه «٢» منتصب على رأسه، فعظم ذلك على تنم، كون العادة إذا حضر نائب الشام يصير هو رأس العساكر وينزل نائب حلب سنجقه، فلمّا سارا وكلّ منهما سنجقه على رأسه، تكلّم سلحدارية تنم مع سلحداريّة الوالد فى نزول السّنجق، فلم يفعل حامل السنجق، فخرجا من القول إلى الفعل، وتقاتل الفريقان بالدبابيس بسبب ذلك، وكادت الفتنة تقع بينهما، والوالد بتجاهل عمّا هم فيه، حتى التفت تنم ونهى مماليكه عن القتال، وسار كلّ واحد وسنجقه على رأسه، حتى نزلا بمخيّمهما «٣» ، فاستشهد تنم أمراء دمشق بما وقع من الوالد ومماليكه، وكتب للسلطان بذلك فلم يشكّ السلطان فى عصيانه، وكتب بعزله وطلبه إلى القاهرة. وأما الوالد لمّا نزل بمخيّمه كلّمه بعض أعيان مماليكه فيما وقع، فقال الوالد: أنا خرجت من مصر جنديّا حتى أنزل سنجقى، أشار بذلك أنه ولى نيابة حلب وهو رأس نوبة النوب، وأن تنم ولى أتابكيّة دمشق، وهو أمير عشرة بمصر قبل ولايته نيابة دمشق، ثم نقل من أتابكية دمشق إلى نيابتها، يعنى بذلك أن تنم لم تسبق له رياسة بمصر قبل ولايته نيابة دمشق، فلمّا بلغ تنم ذلك قامت قيامته. انتهى.

стр. 3936

ثم أنعم السلطان على سودون بن زادة بإمرة عشرة، بعد موت الأمير طوغان الشاطر. ثم نزل السلطان وعاد الأمير قلمطاى الدّوادار، ففرش قلمطاى تحت حوافر فرسه الشّقق الحرير، مشى عليها السلطان من باب داره حتى نزل بالقصر، فمشى من باب القصر على الشقق النخ «١» المذهب حتى جلس، فقدّم إليه طبقا فيه عشرة آلاف دينار وخمسا وعشرين بقجة قماش، وتسعة وعشرين فرسا ومملوكا تركيّا بديع الحسن، فقبل الملك الظاهر ذلك كله، ورجع إلى القلعة، وفى حال رجوعه قدم عليه الخبر بأن تيمور لنك سار من سمرقند «٢» إلى بلاد الهند وأنه ملك مدينة دلّى «٣» . ثم فى يوم الخميس العشرين من شهر جمادى الأولى خلع السلطان على قاضى القضاة جمال الدين يوسف بن موسى بن محمد الملطى باستقراره قاضى قضاة الحنفية بالديار المصرية، بعد موت شمس الدين محمد الطرابلسى، بعد ما شغر قضاء الحنفية بمصر مائة يوم وأحد عشر يوما، حتى طلب جمال الدين المذكور لها من حلب وقدم على البريد.

стр. 3937

قلت: هكذا تكون ولاية القضاء. ثم أنعم السلطان على الأمير علىّ باى بإمرة مائة وتقدمة ألف عوضا عن الأمير تنبك الأمير آخور بعد موته. ثم بعد أيام أنعم على الأمير يشبك العثمانى بإمرة مائة وتقدمة ألف بعد موت الأمير قلمطاى العثمانى الدوادار، وأنعم على الأمير أسنبغا العلائى الدوادار الثانى بطبلخانات الأمير بكتمر الركنى، وكان بكتمر المذكور أخذ طبلخاناه الأمير علىّ باى المنتقل إلى تقدمة تنبك الأمير آخور. ثمّ أنعم السلطان على آقباى الطّرنطائى بإمرة طبلخاناه، وعلى تنكزبغا الحططى بإمرة عشرين. وفى يوم تاسع عشرين جمادى الأولى خلع السلطان على جماعة من الأمراء بعدة وظائف، فخلع على الوالد باستقراره أمير سلاح عوضا عن بكلمش العلائى، بعد ما شغرت أشهرا وعلى الأمير آقبغا الطولوتمرى الظاهرى المعروف باللّكّاش باستقراره أمير مجلس عوضا عن بيبرس ابن أخت السلطان، وعلى نوروز الحافظى رأس نوبة النوب باستقراره أمير آخور كبيرا، بعد موت الأمير تنبك وعلى الأمير بيبرس ابن أخت السلطان باستقراره دوادارا كبيرا، عوضا عن الأمير قلمطاى، بعد موته وعلى الأمير علىّ باى الخازندار باستقراره رأس نوبة النوب عوضا عن نوروز الحافظى وعلى يشبك الشعبانى باستقراره خازندارا عوضا عن علىّ باى المذكور. ثمّ فى ليلة الجمعة ثامن شعبان أمسك السلطان الأمير علاء الدين علىّ بن الطبلاوى وأمسك أخاه ناصر الدين محمدا والى القاهرة وجماعة من ألزامه وأوقع الحوطة على دورهم وتسلمه الأمير يلبغا الأحمدى المجنون الأستادار ليخلّص منه

стр. 3938

الأموال، فأخذه يلبغا وتوجّه به إلى دار ابن الطبلاوى وأخذ منها مالا وقماشا بنحو مائة وستين ألف دينار. ثم أخذ منها أيضا بعد أيام ألفا ومائة قفّة فلوسا وصرفها ستمائة ألف درهم، ومن الدراهم الفضّة خمسة وثمانين ألف درهم فضة، واستمر علاء الدين فى المصادرة وخلع السلطان على الأمير الكبير أيتمش البجاسى باستقراره فى نظر البيمارستان «١» المنصورى عوضا عن ابن الطّبلاوى المذكور ومن يومئذ استمر نظر البيمارستان مع كلّ من يلى الأتابكية بمصر. ثم بعد أيام طلب ابن الطّبلاوى الحضور بين يدى السلطان، فأذن له السلطان فى ذلك، فحضر فى الحديد، بعد أن عوقب أياما كثيرة، وطلب من السلطان أن يدنيه منه، فاستدناه، حتى بقى من السلطان على قدر ثلاثة ادرع، فقال له: تكلّم، قال: أريد أن أسارّ السلطان فى أذنه، فلم يمكّنه من ذلك، فألّح عليه ابن الطبلاوى فى مسارّة السلطان فى أذنه، حتى استراب منه وأمر بإبعاده واستخلاص المال منه، فأخذه يلبغا وأخرجه من مجلس السلطان إلى باب «٢» النحاس من القلعة، فجلس ابن الطبلاوى هناك ليستريح فضرب نفسه بسكّين كانت معه ليقتل نفسه وجرح فى موضعين من بدنه، فمسكوه ومنعوه من قتل نفسه وأخذوا السكين منه

стр. 3939

وبلغ السلطان ذلك، فلم يشكّ أنه أراد الدنوّ من السلطان حتى يقتله بتلك السكين التى كانت معه. فلمّا فاته السلطان ضرب نفسه، فعند ذلك أمر السلطان بتشديد عقوبته فعاقبه يلبغا المجنون، فدلّ على خبيئة فيها ثلاثون «١» ألف دينار، ثم أخرى فيها تسعون ألف دينار، ثم أخرى فيها عشرون ألف دينار ودام فى العقوبة، ثم نقله يلبغا المجنون إلى خزانة شمائل «٢» . ثمّ فى خامس عشر شوال ختن السلطان الملك الظاهر ولديه. الأمير فرجا والأمير عبد العزيز وختن معهما عدّة من أولاد الأمراء المقتولين، منهم: ابن الأمير منطاش وغيره وأنعم عليهم بقماش وذهب وعمل السلطان مهمّا عظيما بالقلعة للنساء فقط ولم يعمل للرجال، مخافة على الأمراء من الكلف. وفى يوم السبت ثانى عشر ذى القعدة عمل السلطان مهمّا عظيما بالميدان «٣» تحت القلعة، سببه: أنه لعب بالكرة مع الأمراء على العادة، فغلب السلطان الأمير

стр. 3940

الكبير أيتمش البجاسى، فلزم أيتمش عمل مهمّ بمائتى ألف درهم فضة، كونه غلب، فقام عنه السلطان بذلك وألزم السلطان الوزير بدر الدين محمد بن الطوخى والأمير يلبغا الأستادار ونصبت الخيم بالميدان وعمل المهم، وكان فيه من اللحم عشرون ألف رطل ومائتا زوج إوز وألف طائر من الدّجاج وعشرون فرسا وثلاثون قنطارا من السكر وثلاثون قنطارا من الزبيب عملت أقسما «١» وستون إردبا دقيقا لعمل البوزا وعملت المسكرات فى دنان من الفخّار. ونزل السلطان سحر يوم السبت المذكور، وفى عزمه أن يقيم نهاره مع الأمراء والمماليك، يعاقر الشراب، فأشار عليه بعض ثقاته بترك ذلك وخوّفه العاقبة، فمدّ السّماط وعاد إلى القصر، قبل طلوع الشمس، وأنعم على كلّ من الأمراء المقدّمين بفرس بقماش ذهب، وأذن السلطان للعامّة فى انتهاب ما بقى من الأكل والشراب، قال المقريزى: «فكان يوما فى غاية القبح والشّناعة أبيحت فيه المسكرات وتجاهر الناس فيه بالفواحش، بما لم يعهد مثله، وفطن أهل المعرفة بزوال الأمر، فكان كذلك، ومن يومئذ انتهكت الحرمات بديار مصر وقلّ الاحتشام» . انتهى كلام المقريزى.

стр. 3941

ذكر وقعة علىّ باى مع السلطان الملك الظاهر برقوق لمّا كان يوم السبت تاسع عشر ذى القعدة من سنة ثمانمائة أو فى النيل وقدم أيضا البريد بقتل سولى بن دلغادر أمير التّركمان «١» ، فركب السلطان بعد صلاة الظهر يريد المقياس «٢» ليخلّقه ويفتح خليج «٣» السّدّ على العادة، ومعه جميع الأمراء إلّا الأمير عليّا باى الخازندار، فإنه كان انقطع بداره أياما وتمارض وفى باطن أمره أنه قصد الفتك بالسلطان، فإنّه علم أنه إذا نزل لفتح الخليج يدخل إليه ويعوده كما جرت به عادته مع الأمراء فدبّر علّى باى على السلطان وأخلى إسطبله من الخيل وداره من حريمه، وأعدّ قوما اختارهم من مماليكه، فتهيئوا لذلك فرآهم شخص كان يسكن بأعلى الكبش «٤» من المماليك اليلبغاويّة يسمى سودون الأعور، فركب إلى

стр. 3942

الملك الظاهر فى أثناء طريقه بعد تخليق المقياس وفتح خليج السدّ وأسرّ إليه أنه شاهد من سكنه مماليك علىّ باى وقد لبسوا آلة الحرب ووقفوا عند بوائك الخيل من إسطبله وستروا البوائك بالأنخاخ «١» ليخفى أمرهم، فقال له: السلطان اكتم ما معك، فلم يبد السلطان ذلك إلا لأكابر أمرائه. ثم أمر السلطان الأمير أرسطاى رأس نوبة أن يتوجّه إلى دار علىّ باى ويعلمه أن السلطان يدخل إليه لعيادته، فتوجّه أرسطاى عادة وأعلم عليّا باى بذلك، فلمّا بلغ عليّا باى أن السلطان يعوده اطمأن وظنّ أن حيلته تمّت ووقف أرسطاى على باب علىّ باى ينتظر قدوم السلطان، وعند ما بعث السلطان أرسطاى إلى علىّ باى أمر الجاويشية بالسكوت فسكتوا عن الصّياح أمام السلطان. ثم أبعد السلطان العصائب السلطانية عنه وأيضا السّنجق الذي يحمل على رأس السلطان وتقدّم عنهم حتى صار بينه وبين العصائب مدى بعيدا من خلفه وسار السلطان كآحاد الأمراء وسار حتى وافى الكبش، وهو تجاه دار علىّ باى والناس قد اجتمعوا للفرجة على موكب السلطان، فصاحت امرأة من أعلى الكبش «٢» على السلطان لا تدخل، فإنّهم قد لبسوا لقتالك، فحرّك السلطان فرسه وأسرع

стр. 3943

فى المشى ومعه الأمراء ومن ورائه المماليك الخاصّكيّة يريد القلعة «١» ، وكان باب علىّ باى مردود الدّرفتين، وضبّته مطرقة ليمنع الناس من الدخول إليه، حتى يأتى السلطان، فلمّا مرّ السلطان ولم يعلم به من ندبه علىّ باى لرؤية «٢» السلطان وإعلامه به، حتى جاوزهم السلطان بما دبّره السلطان من المكيدة بتأخير العصائب السلطانية والسّنجق والجاويشيّة وتقدّمه عنهم. ثم بلغ عليّا باى أن السلطان فاته، فركب وبادر أحد أصحابه يريد فتح الضّبّة فأغلقها، وإلى أن يحضر مفتاح الضّبّة ويفتحونها، فاتهم السلطان وصار بينه وبينهم سدّ عظيم من الجمداريّة والغلمان وغيرهم، فخرج علىّ باى ومن معه من أصحابه لابسين السلاح، وعدّتهم نحو الأربعين فارسا يريدون السلطان، وقد ساق السلطان ومعه الأمراء، حتى دخل باب «٣» السلسلة وامتنع به «٤» ، فوقف على باى من معه تجاه باب السلسلة، فنزل إليه فى الحال طائفة من المماليك السلطانية لقتاله، فقاتلهم، وثبت لهم ساعة حتى جرح من الفريقين جماعة وقتل من المماليك السلطانية بيسق المصارع. ثم انهزم علىّ باى وتفرّق عنه أصحابه، وقد ارتجت مصر والقاهرة، وركب يلبغا المجنون الأستادار ومعه مماليك لابسين يريد القلعة، وأرجف الناس بقتل السلطان واشتدّ خوف الرعيّة وتشعّب الذّعر.

стр. 3944

ثم لبست المماليك السلطانية السلاح، وأتى السلطان من كان غائبا عنه من الأمراء والخاصكيّة وتحلّقوه. فعندما طلع يلبغا الأحمدىّ المجنون الأستادار إلى السلطان وثب عليه الخاصكيّة، واتّهموه بموافقة علىّ باى لكونه جاء هو ومماليكه فى أسرع وقت بآلة الحرب، فأخذه اللّكم من الخاصكيّة من كل جهة، ونزعوا ما عليه من السلاح، وألقوه إلى الأرض ليذبحوه، لولا أن السلطان منعهم من ذلك، فلمّا كفّوا عن ذبحه سجنوه «١» بالزّردخاناه السلطانية مقيّدا. ثم قبض على نكباى شادّ شرابخاناه علىّ باى، وقطّع قطعا بالسيوف، فإنّه أصل هذه الفتنة. وسبب ركوب علىّ باى على السلطان وخبره أن نكباى هذا كان تعرّض لجارية من جوارى الأمير آقباى الطّرنطائى، وصار بينهما مشاكلة، فبلغ ذلك آقباى، فمسك نكباى المذكور وضربه ضربا مبرّحا ثم أطلقه، فحنق علىّ باى من ذلك، وشكا آقباى للسلطان، فلم يلتفت السلطان إليه، وأعرض عنه، وكان فى زعمه أن السلطان يغضب على أقباى بسبب مملوكه، فغضب علىّ باى من ذلك، ودبّر هذه الحبلة الباردة، فكان فى تدبيره تدميره. وبات السلطان تلك الليلة بالإسطبل السلطانى، ونهبت العامّة بيت علىّ باى حتى إنهم لم يبقوا به شيئا. وأما علىّ باى فإنه لما رأى أمره تلاشى ذهب واختفى فى مستوقد حمّام فقبض عليه وحمل إلى السلطان، فقيّده وسجنه بقاعة «٢» الفضّة من القلعة.

стр. 3945

فلما أصبح النهار وهو نهار الأحد والعشرين من ذى القعدة نزع العسكر السلاح وتفرّقوا، وطلع السلطان إلى القلعة من الإسطبل وأخذ علىّ باى وعصره، فلم يقر على أحد، وأحضر يلبغا المجنون فخلف علىّ باى أنه لم يوافقه ولا علم بشىء من خبره، وحلف يلبغا أنه لم يعلم بما وقع، وأنه كان مع الوزير بمصر. فلمّا أشيع بركوب علىّ باى لحق بداره، ولبس السلاح ليقاتل عليّا باى، فأفرج عنه السلطان وخلع عليه باستمراره على الأستادارية ونزل إلى داره، فلم يجد بها شيئا، وجميع ما كان فيها نهبته العامّة حتى سلبت جواريه وفرّت امرأته خوند بنت الملك الأشرف شعبان بن حسين، وأخذوا حتى رخام بيته وأبوابه، وتشعّثت داره وصارت خرابا، والدار هى التى على بركة «١» الناصرى بيت سونجبغا الناصرى الآن.

стр. 3946

ثم قدم البريد على السلطان من حلب بأن أولاد ابن بزدغان من التّركمان والأمير عثمان بن طر على «١» المدعو قرايلك «٢» تقاتلوا مع القاضى برهان الدين أحمد صاحب سيواس «٣» ، فقتل برهان الدين فى المعركة وقام من بعده ابنه. ثم فى يوم الاثنين حادى عشرين ذى القعدة جلس السلطان بدار العدل «٤» وعصر عليّا باى المذكور فلم يقر على أحد. وبينما السلطان فى ذلك إذا بهجّة عظيمة قامت فى الناس، فلبس العسكر ووقفوا تحت القلعة؛ «٥» وقد غلقت أبواب القلعة، وأشيع أن يلبغا المجنون، والأمير آقبغا الطّولوتمرى المعروف باللّكّاش أمير مجلس خامرا على السلطان، ولم يكن الأمر كذلك وبلغ اللكاش ذلك، فركب من وقته فطلع إلى القلعة.

стр. 3947

وأمّا يلبغا المجنون فإنه كان فى بيت الأمير فرج، فركب فرج المذكور ليعلم السلطان بأنه كان فى داره بالقاهرة حتى يبرأ ممّا رمى به، وطلع فى الحال جميع الأمراء، فأمر السلطان بقلع السلاح ونزول كلّ أحد إلى داره، وسكن الأمر ونودى بالأمان والاطمئنان. ثم فى ليلة الثلاثاء عذّب على باى أيضا بين يدى السلطان عذابا شديدا، كسرت فيه رجلاه وركبتاه وخسف صدره، فلم يقرّ على أحد، ثم أخذ إلى خارج وخنق، فتنكّرت الأمراء وكثر خوفهم من السلطان، خشية أن يكون علىّ باى ذكر أحدا منهم من حرارة العقوبة، ومن يومئذ فسد أمر السلطان مع مماليكه الجراكسة، ودخل السلطان إلى زوجته خوند الكبرى أرد «١» وكانت تركية الجنس، وكانت تحذره عن اقتناء المماليك الجراكسة وتقول له: اجعل عسكرك أبلق من أربعة أجناس: تتر وجاركس وروم وتركمان، تستريح أنت وذريّتك، فقال لها: الذي كنت أشرت به علىّ هو الصواب، ولكن هذا كان مقدّرا ونرجو الله تعالى إصلاح الأمر من اليوم. ثمّ فى يوم الثلاثاء أمر السلطان الأمير يلبغا المجنون أن ينفق على المماليك السلطانية، فأعطى الأعيان منهم خمسمائة درهم، فلم يرضهم ذلك وكثرت الإشاعات الردية والإرجاف بوقوع فتنة وباتوا ليلة الخميس على تخوّف، ولم تفتح الأسواق فى يوم الخميس، فنودى بالأمان والبيع والشراء، ولا يتحدّث أحد فيما لا يعنيه. ثمّ أنعم السلطان على الأمير أرسطاى بتقدمة علىّ باى، ووظيفته رأس نوبة النّوب، وأنعم على الأمير تمان تمر الناصرى بإقطاع أرسطاى، والإقطاع: إمرة طبلخاناه.

стр. 3948

ثم فى سادس عشرينه نزل الأمير فارس حاجب الحجاب، والأمير تمربغا المنجكى أحد أمراء الألوف، وحاجب ثانى، وقبضا على الأمير يلبغا الأحمدى الظاهرىّ المعروف بالمجنون الأستادار من داره، وبعثاه فى النّيل إلى ثغردمياط «١» واستقرّ عوضه أستادارا الأمير ناصر الدين محمد بن سنقر بإمرة خمسين فارسا وأنعم السلطان على الأمير بكتمر جلّق الظاهرى رأس نوبة بتقدمة ألف عوضا عن يلبغا المجنون. وفى يوم السبت ثالث ذى الحجة خلع السلطان على أميرين باستقرارهما رءوس نوب صغارا وهما: طولو بن على باشا الظاهرى وسودون الظريف الظاهرىّ. وفى يوم الأحد رابع ذى الحجة سمّر السلطان أربعة نفر من مماليك علىّ باى ثم وسّطوا. ثم رسم السلطان بإحضار الأمير بكلمش العلائىّ أمير سلاح كان من سجنه بالإسكندرية «٢» وتوجّه إلى القدس «٣» بطّالا على ما كان للأمير شيخ الصّفوى من المرتّب. ثمّ استهلّ القرن التاسع: أعنى- سنة إحدى وثمانمائة- والخليفة المتوكّل على الله أبو عبد الله محمد العباسى والسلطان الملك الظاهر أبو سعيد برقوق

стр. 3949

ابن أنص الجاركسى اليلبغاوىّ والقاضى الشافعىّ تقي الدين عبد الرحمن الزّبيرى والقاضى الحنفى جمال الدين يوسف الملطىّ والقاضى المالكى ناصر الدين أحمد التّنسى «١» والحنبلىّ برهان الدين إبراهيم بن نصر الله، والأمير الكبير أيتمش البجاسىّ، وأمير سلاح تغرى بردى بن يشبغا الظاهرى (أعنى عن الوالد) وأمير مجلس آقبغا اللكّاش الظاهرى، والأمير آخور نوروز الحافظى الظاهرى، وحاجب الحجاب فارس الظاهرى والدوادار بيبرس ابن أخت الملك الظاهر برقوق ورأس نوبة النّوب أرسطاى. ونوّاب البلاد صاحب مكة «٢» المشرفة الشريف حسن بن عجلان الحسنىّ المكّى وأمير المدينة «٣» النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- الشريف ثابت بن نعير الحسينىّ،

стр. 3950

ونائب الشام الأمير تنبك الحسنى المعروف بتنم الظاهرى، ونائب حلب أرغون شاه الإبراهيمى الظاهرى، ونائب طرابلس يونس الظاهرى المعروف بيونس بلطا، ونائب حماة آقبغا الجمالى، ونائب صفد شهاب الدين أحمد ابن الشيخ على ونائب غزّة بيخجا «١» المعروف بطيفور الظاهرى، ونائب الإسكندرية صرغتمش القزوينى وجميع من ذكرنا من النوّاب بالبلاد الشامية وأصحاب الوظائف بالديار المصريه هم مماليك الظاهر برقوق ومشترواته، ما خلا نائب صفد وهو أيضا نشؤه، والأتابك أيتمش وقد اشتراه بعد سلطنته، حسبما تقدم ذكره أنه اشتراه من أولاد معتق أستاذه. ثم فى يوم سابع عشر المحرم المذكور سمّر السلطان سبعة نفر من المماليك يقال لأحدهم: آقبغا الفيل الظاهرى وآخر من إخوة علىّ باى ظاهرى أيضا والباقى من مماليك علىّ باى وشهّروا بالقاهرة، ثم وسّطوا. وفيه أيضا تنكّر السلطان على سودون الحمزاوى الخاصّكى الظاهرى وضربه ضربا مبرّحا وسجنه بخزانة «٢» شمائل مدّة، ثم أخرجه منفيّا إلى بلاد الشام لأمر اقتضى ذلك. وفى هذا الشهر توعّك السلطان وحدث له إسهال مفرط لزم منه الفراش مدّة تزيد على عشرين يوما. ورسم السلطان بتفرقة مال على الفقراء، ففرّق فيهم، فاجتمع تحت القلعة «٣» منهم عالم كثير وازدحموا لأخذ الذهب، فمات فى الزّحام منهم سبعة وخمسون شخصا، ما بين رجل وامرأة وصغير، قاله المقريزى.

стр. 3951

وفى يوم ثانى عشره رسم السلطان بجمع أهل الإسطبل «١» السلطانى من الأمير آخورية والسلاخورية ونحوهم، فاجتمعوا ونزل السلطان من القصر إلى مقعده بالإصطبل السلطانى، وهو متوعّك البدن لعرضهم، وعرضهم حتى انقضى العرض، فأمسك جرباش الظاهرى أحد الأمير «٢» آخورية الأجناد وقال له بعد ذلك على ماذا تريد قتلى وأنا أستاذك! فلم ينزعج جرباش المذكور وقال: بعد أن أشار بيده الى حياصته: أكون أنا لابس حياصة وهؤلاء أمراء، وأشار لمن حول السلطان من الأمراء من مماليكه، وهم الجميع أقلّ منى وبعدى شريتهم، فأشار السلطان بأخذه، فأخذ وسجن، فكان ذلك آخر العهد به. ثم عرض السلطان الخيل وفرّق خيل السّباق على الأمراء، كما كانت العادة يوم ذلك. ثم عرض الجمال البخاتى، كلّ ذلك تشاغل، والمقصود القبض على الأمير نوروز الحافظى الظاهرى الأمير آخور الكبير، ثم أظهر السلطان أنه تعب واتّكأ على الأمير نوروز ومشى من الإسطبل متكئا عليه، حتى وصل إلى الباب الذي يطلع منه إلى القصر، فأدار السلطان يده على عنق نوروز المذكور، فبادر الخاصّكيّة إليه باللّكم حتى سقط إلى الأرض، ثم قبضوا عليه وحملوه مقيّدا إلى السجن، ودخل السلطان من الباب وطلع إلى القلعة، وكان للأمير نوروز ذنوب كثيرة: منها الممالأة لعلىّ باى، ومعه أيضا الأمير آقبغا اللّكّاش، ثم تخاذل نوروز فى فتح باب السلسلة للسلطان يوم وقعة علىّ باى.

стр. 3952

ثمّ بعد ذلك بلغ السلطان أن نوروز المذكور قصد الركوب عليه، فمنعته أصحابه، وأشاروا عليه أن يصير حتى ينتظر ما يصير من أمر السلطان فى مرضه، فإن مات فقد حصل له القصد من غير تعب ولا شنعة، وإن تعافى من مرضه فليفعل عند ذلك ما شاء. وكان ممن حضر هذه المشورة مملوك من خاصّكية الملك الظاهر، فلم يعجب نوروز ذلك، وقرّر مع أصحابه من الخاصّكية الذين وافقوه أنه إذا كان ليلة نوبتهم فى خدمة القصر ودخلوا مع السلطان فى القصر «١» الصغير المعروف بالخرجة المطلّ على الإسطبل السلطانى يثبون عليه بمن اتفق معهم ويقتلون السلطان على فراشه، ثم يكسرون الثّريّة المعلقة بقناديلها الموقدة يكون ذلك إشارة بينهم وبين نوروز، بعد قتل السلطان، فيركب نوروز عند ذلك ويملك القلعة من غير قتال، فأخذ الخاصّكية يستميلون جماعة أخر من الخاصكية ليكثر جمعهم، وكان من جملة من استمالوه قانى باى الصغير الخاصكىّ وأظنه الذي ولى نيابة الشام فى دولة الملك المؤيّد شيخ، والله أعلم. فأجابهما قانى باى بالسمع والطاعة وحلف لهم على الموافاة، ثم فارقهم ودخل إلى السلطان من فوره وقعد لتكبيسه، فحكى له القصة بتمامها وكمالها، فاحترز الملك الظاهر على نفسه ودبّر على نوروز حتى قبض عليه. ثم بعد مدة فى يوم السبت رابع صفر خلع السلطان على الأمير آقبغا اللّكّاش الظاهرىّ بنياية الكرك «٢» وأخرج من ساعته وأذن له بالإقامة بخانقاه «٣» سرياقوس حتى يجهّز أمره، ووكّل به الأمير تنبك الكركى الخاصّكى وهو مسفّره.

стр. 3953

ثم فى ليلة الأحد أنزل الأمير نوروز الحافظى من القلعة مقيّدا إلى سجن الإسكندرية ومسفّره الأمير أردبغا الظاهرى أحد أمراء العشرات. ثم قبض السلطان على قوزى الخاصّكى أحد من كان اتفق مع نوروز وسلّم إلى والى القاهرة. ثم أنعم السلطان بإفطاع الأمير نوروز الحافظى على تمراز الناصرى، وصار من جملة مقدّمى الألوف بالديار المصرية، وأنعم على سودون الماردينىّ بإقطاع آقبغا اللّكّاش، وهو تقدمة ألف أيضا، وخلع على الأمير أرغون شاه البيدمرى الظاهرى باستقراره أمير مجلس، عوضا عن آقبغا اللكاش المذكور، وخلع على سودون المعروف بسيّدى سودون قريب الملك الظاهر برقوق باستقراره أمير آخور عوضا عن نوروز الحافظىّ.

стр. 3954

وفى ثالث عشرين صفر أيضا أملى بعض المماليك السلطانية إليه بالأطباق على بعض فقهاء الأطباق أسماء جماعة من الأمراء والمماليك، أنهم اتفقوا على إقامة فتنة والقيام على السلطان وكتبها ودخل بها المملوك على السلطان، فلما قرئت الورقة على السلطان، استدعى المذكورين وأخبرهم بما قيل عنهم، فخلفوا أن هذا شىء لم يسمعوه إلا الآن، وحلّوا أوساطهم ورموا سيوفهم، وقالوا يوسّطنا السلطان أو يخبرنا بمن قال هذا عنا، فأحضر السلطان المملوك وسلّمه إليهم وضربوه نحو الألف عصا، حتى أقرّ أنه اختلق هذا الكلام عليهم حنقا من واحد منهم، وسمّى شخصا كان خاصمه «١» قبل ذلك. ثم أحضر السلطان الفقيه الذي كتب الورقة وضربه بالمقارع وسمر، ثم شفع فيه من القتل وحبس بخزانة شمائل. ولما وصل الأمير آقبغا اللكاش إلى غزة «٢» متوجّها إلى محل كفالته بمدينة الكرك، قبض عليه بها وأحيط على سائر ما كان معه، وحمل إلى قلعة الصّبيبة «٣» فسجن بها. ثم ورد الخبر على السلطان فى صفر المذكور أن السكّة ضربت باسمه بمدينة ماردين «٤» ، وخطب له بها وحملت له الدنانير والدراهم وعليها اسم السلطان. ثم فى شهر ربيع الأول فى رابعه، ورد الخبر على السلطان بموت الأمير أرغون الإبراهيمى الظاهرى نائب حلب، فرسم السلطان أن ينقل الأمير آقبغا الجمالى

стр. 3955

الظاهرى المعروف بالأطروش من نيابة طرابلس إلى نيابة حلب، وحمل إليه التقليد والتشريف إينال باى بن قجماس، ورسم أيضا باستقرار يونس بلطا نائب حماة «١» فى نيابة طرابلس عوضا عن آقبغا المذكور، وتوجّه بتقليده وتشريفه الأمير يلبغا الناصرى الظاهرى، ورسم أن يستقر دمرداش المحمدى أتابك حلب فى نيابة حماة، وتوجه بتقليده الأمير شيخ المحمودى «٢» الساقى رأس نوبة وهو الذي تسلطن ثم خلع السلطان على الأمير سودون الظاهرى المعروف بالظريف فى نيابة الكرك. وفى خامس عشر شهر ربيع الأول أنعم السلطان على الوالد بجميع سرحة البحيرة «٣» وداخلها مدينة الإسكندرية.

стр. 3956

ثم فى سلخ ربيع الأول المذكور أمسك السلطان الأمير عزّ الدين أزدمر أخا إينال اليوسفى وأمسك معه ناصر الدين محمد بن إينال اليوسفىّ ونفيا إلى الشام. ثم فى يوم الأربعاء أوّل شهر ربيع الآخر خلع السلطان على الأمير سراى تمرشلّق الناصرى أحد أمراء الطبلخانات ورأس نوبة بديار مصر باستقراره أتابك العساكر بحلب عوضا عن دمرداش المحمّدى المنتقل إلى نيابة حماة. ثم فى عشرينه أنعم السلطان على الأمير على بن إينال اليوسفى بخبز أخيه محمد، وأمير علىّ هذا هو أستاذ الملك الظاهر جقمق الآتى ذكره، وبه عرف بالعلائىّ. وفيه أنعم السلطان على كلّ من سودون من زادة الظاهرى، وتغرى بردى الجلبانى، ومنكلى بغا الناصرى، وبكتمر الظاهرى، وأحمد بن عمر الحسنى بإمرة طبلخاناة بالديار المصرية. وأنعم أيضا على كلّ من بشباى الظاهرى، وتمربغا من باشاه، وشاهين من إسلام الأفرم الظاهرىّ، وجوبان العثمانى الظاهرى، وجكم من عوض الظاهرى بإمرة عشرة. ثم فى خامس عشرينه طلع إلى السلطان رجل عجمىّ، وهو جالس للحكم بين الناس وهيئته كهيئة الصوفية، وجلس بجانب السلطان، ومدّ يده إلى لحيته ليقبض عليها وسبّه سبّا قبيحا، فبادر إليه رءوس النّوب وأقاموه، ومرّوا به، وهو مستمرّ فى السبّ، فأمر به السلطان، فسلّم لوالى القاهرة، فأخذه الوالى ونزل به وعاقبه حتى مات تحت العقوبة.

стр. 3957

ثم فى يوم الخميس سلخه خلع السلطان على تاج الدين عبد الرزاق بن أبى الفرج ابن نقولا الأرمنىّ الأسلمىّ والى قطيا «١» باستقراره وزيرا عوضا عن الوزير بدر الدين محمد بن الطوخى. وفى رابع جمادى الأولى رسم السلطان بإحضار الأمير يلبغا الأحمدى المجنون من ثغردمياط. ثم فى يوم الاثنين حادى عشر جمادى الأولى المذكور رسم السلطان باستدعاء رئيس الأطبّاء فتح الدين فتح الله بن معتصم بن نفيس الداودىّ «٢» التّبريزى وخلع عليه باستقراره فى كتابة السّر، بعد موت القاضى بدر الدين محمود الكلستانى، وكان نفيس جدّ فتح الله هذا يهوديّا من أولاد نبىّ الله داود ﵇. وفى رابع عشرينه خلع السلطان على الأمير فرج الحلبى أستدار الذخيرة والأملاك باستقراره فى نيابة الإسكندرية. ثمّ فى يوم الاثنين ثامن شهر رجب رسم السلطان بانتقال الأمير جقمق الصّفوى حاجب حجّاب حلب إلى نيابة ملطية «٣» بعد عزل دقماق المحمّدىّ الظاهرىّ وجهّز تقليده على يد مقبل الخازندار الظاهرى.

стр. 3958

ثمّ فى حادى عشرين شهر رجب المذكور خلع السلطان على الشيخ تقي الدين المقريزى المؤرّخ باستقراره فى الحسبة بالقاهرة، عوضا عن شمس الدين البجاسىّ. ثم فى خامس عشرينه أعيد قاضى القضاة صدر الدين محمد بن إبراهيم المناوى إلى قضاء الشافعيّة بالديار المصرية، بعد عزل قاضى القضاة تقي الدين عبد الرحمن الزبيرىّ. وفى هذه الأيام أعيد أيضا يلبغا المجنون إلى وظيفة الأستدارية، بعد عزل ناصر الدين محمد بن سنقر، واستقر ابن سنقر أستادار الذخيرة والأملاك عوضا عن فرج المنتقل إلى نيابة الإسكندريّة. ثم كتب السلطان للأمير تنم الحسنىّ نائب الشام بالقبض على الأمير شهاب الدين أحمد ابن الشيخ على نائب صفد وعلى الأمير جلبان الكمشبغاوى الظاهرى المعروف بقراسقل أتابك دمشق، فورد مرسوم السلطان على تنم وهو بالغور فاستدعى نائب صفد المذكور وقبض عليه، ثم قبض على الأمير جلبان المذكور وبعث بهما إلى قلعة دمشق فسجنا بها. ورسم السلطان بنقل الأمير ألطنبغا العثمانى الظاهرى من حجوبيّة دمشق إلى نيابة صفد، ونقل الأمير بيخجا الشرفى المعروف بطيفور نائب غزة منها إلى حجوبية دمشق، ونقل ألطنبغا الظاهرىّ نائب الكرك كان إلى نيابة غزة. ثم فى تاسع شعبان خلع السلطان على كمال الدين عمر بن العديم باستقراره قاضى قضاة حلب بسفارة الوالد.

стр. 3959

ثم فى رابع عشرين شهر رمضان كتب السلطان بالإفراج عن الأمير شهاب الدين أحمد ابن الشيخ علىّ من محبسه بقلعة «١» دمشق واستقراره أتابك العساكر بها، عوضا عن الأمير جلبان قراسقل. ثم فى سابع عشرينه أخرج الأمير علاء الدين علىّ بن الطبلاوى من خزانة شمائل وسلّم للأمير يلبغا المجنون الأستادار. ثم قدم الخبر على السلطان بموت الأمير الكبير كمشبغا الحموىّ بسجن الإسكندرية، فابتهج السلطان بموته، ورأى أنه قد تمّ له أمره، فإنه آخر من بقى من اليلبغاويّة الأمراء.

стр. 3960

وأصبح من الغد فى يوم الجمعة وهو أوّل شوّال، صلّى صلاة العيد بالميدان على العادة، ثم صلّى الجمعة بجامع القلعة «١» فتفاءل الناس بزوال السلطان، كونه خطب بمصر فى يوم واحد مرّتين. قلت: وهذه القاعدة غير صحيحة، فإنّ ذلك وقع للملك الظاهر جقمق فى أوّل سنين سلطنته، ثم وقع ذلك فى سلطنة الملك الأشرف إينال. ثم فى سادس شوّال أخرج ابن الطبلاوىّ علاء الدين منفيّا إلى الكرك ومعه نقيب واحد. وفى يوم الثلاثاء خامس شوّال من سنة إحدى وثمانمائة، فيه كان ابتداء مرض السلطان الملك الظاهر برقوق وسببه أنّه ركب للعب الكرة بالميدان،
следующие страницы →