← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

وله- عفا الله عنه-: [الكامل] زارت معطرة الشذا ملفوفة ... كى تختفى فأبى شذا العطر يا معشر الأدباء هذا وقتكم ... فتناظموا فى اللّفّ والنّشر وله- سامحه الله تعالى-: [الوافر] يقول معذّبى إذ همت وجدا ... بخدّ خلت فيه الشّعر نملا أتعرف خدّه للعشق أهلا ... فقلت لهم نعم أهلا وسهلا وتوفّى القاضى علاء الدين علىّ بن عيسى بن موسى بن عيسى بن سليم بن حميد «١» الأزرقى المقيّرى «٢» الكركىّ الشافعى كاتب سرّ الكرك ثم الديار المصرية فى أوّل شهر ربيع الاوّل، ودفن خارج باب النصر «٣» ، وهو أحد من قام بنصرة الملك الظاهر عند خروجه من حبس الكرك، وقد تقدّم ذكر ذلك فى ترجمة الملك الظاهر برقوق، فعرف له برقوق ذلك، وولّاه كتابة سرّ مصر، وولى أخاه القاضى عماد الدين قضاء الديار المصرية، واستمرّ علاء الدين هذا فى وظيفته كتابة السر إلى أن مرض ومات، وأعيد بدر الدين بن فضل الله من بعده فى وظيفة كتابة السرّ. وتوفّى القاضى علاء الدين علىّ بن عبد الله بن يوسف البيرىّ «٤» الحلبىّ الشاعر الكاتب المنشئ فى رابع عشر شهر ربيع الأوّل مخنوقا بأمر الملك برقوق، وكان

стр. 3992

بارعا فى الإنشاء والأدب، وخدم جماعة من الملوك إلى أن اتصل بخدمة الأتابك يلبغا الناصرى، وسار صحبته إلى الديار المصرية لقتال الملك الظاهر برقوق. ولمّا ملك الناصرىّ ديار مصر صار علاء الدين هذا من عظماء مصر، ولا زال على ذلك حتى قبض على الناصرىّ وحبس بالإسكندرية، فاستمر علاء الدين بمصر، فلمّا عاد الظاهر إلى ملكه وأخرج الناصرىّ، عاد علاء الدين هذا إلى خدمته، إلى أن قبض عليه الملك الظاهر وقتله، وأمسك علاء الدين هذا وحمل إلى القاهرة فى الحديد، ثم قتل، وكان بارعا أديبا شاعرا، ومن شعره: [الطويل] أرى البدر لمّا أن دنا «١» لغروبه ... وألبس منه أزرق الماء أبيضا توهّم أن البحر رام التقامه ... فسلّ له سيفا عليه مفضّضا وتوفّى الأمير عنقاء بن شطّى ملك العرب وأمير آل مرا «٢» ، كان قد خرج عن طاعة الملك الظاهر، وقتل الأمير يونس الدّوادار، ووافق الناصرىّ ومنطاشا، فلمّا عاد الملك الظاهر إلى ملكه لم يزل يرسل إليه الفداويّة ويعد الناس فى قتله حتى قتلته الفداويّة فى هذه السنة فى رابع المحرم. وتوفى الأمير سيف الدين قطلوبغا بن عبد الله الصّفوى، كان أحد أمراء الألوف بالديار المصرية، وحاجب الحجّاب بها فى أوّل شهر ربيع الآخرة. وتوفّى الأمير سيف الدين قطلوبك «٣» بن عبد الله السيفى طشتمر الدوادار، كان أحد أمراء العشرات مات فى عاشر صفر.

стр. 3993

وتوفّى الشيخ بدر الدين محمد بن عبد الله المنهاجىّ الفقيه الشافعى المعروف بالزّركشىّ «١» المصنّف المشهور فى ثالث رجب وكان فقيها مصنّفا. وتوفّى الشيخ الصالح المعتقد أبو عبد الله محمد الرّكراكىّ المغربىّ المالكىّ فى ثالث «٢» جمادى الأولى، وقد قارب مائة سنة. وتوفّى الأمير الوزير ناصر الدين محمد بن الأمير حسام الدين لاچين الصقرىّ المنجكىّ المعروف بابن الحسام فى ثانى عشر صفر، بعد مرض طويل، بعد أن ولى الوظائف الجليلة مثل وزر مصر والأستادارية وغيرهما. وتوفى القاضى جمال الدين محمود ابن القاضى حافظ الدين محمد بن تاج الدين إبراهيم القيصرىّ الحنفىّ قاضى قضاة الحنفية بحلب. وتوفى الأمير سيف الدين قرا دمرداش بن عبد الله الأحمدى اليلبغاوىّ مقتولا فى محبسه بقلعة الجبل «٣» فى ذى الحجة، وهو أيضا من أعيان المماليك اليلبغاويّة، وكان من جملة أمراء الألوف بالديار المصرية، وأمير سلاح فى سلطنة الظاهر الأولى، فلمّا انتصر الناصرىّ على عسكر الملك الظاهر برقوق بدمشق، وقبض الناصرىّ على الأتابك «٤» أيتمش البجاسىّ، خلع الملك الظاهر على قرا دمرداش هذا باستقراره عوضه أتابك العساكر بالديار المصرية، وأنعم عليه بثلاثين ألف دينار، فأخذها وعصى من ليلته، وتوجّه إلى الناصرىّ، وصار من جملة عساكره، فلمّا ملك الناصرىّ، الديار المصرية استقرّ به أمير مجلس إلى أن أمسك منطاشا مع من

стр. 3994

أمسك من حواشى الناصرىّ، وحبسه إلى أن أطلقه الملك الظاهر برقوق، وولّاه نيابة طرابلس، ثم نقله إلى نيابة حلب وندبه لقتال منطاش فدأم على نيابة حلب إلى أن عزله عنها الملك الظاهر، بعد أن أمسك الناصرىّ وأنعم عليه بتقدمة ألف بديار مصر، ثم قبض عليه بمصر وحبسه ثم قتله. وتوفّى الشيخ المحدّث المسند بدر الدين محمد بن محمد بن مجير المعروف بابن الصائغ وابن المشارف فى ثالث شهر ربيع الآخر. - أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبعة أذرع وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٩٥] السنة الرابعة من ولاية «١» الملك الظاهر برقوق الثانية على مصر وهى سنة خمس وتسعين وسبعمائة. وفيها توفى الأديب الشاعر زين الدين أبو بكر بن عثمان بن العجمىّ فى سادس عشر ذى الحجّة، وكان عنده فضيلة، وله شعر جيّد من ذلك قوله: [البسيط] قد عاود الحبّ قلبى بعد سلوته ... واستعذب الضّيم والتعذيب والنّصبا وكان أقسم لا يصبو لظبى نقا ... فما رأى فى هوى غزلانه وصبا وتوفّى الأمير زين الدين أبو يزيد بن مراد الخازن، دوادار السلطان الملك الظاهر برقوق، وأحد أمراء الطبلخاناه فى رابع جمادى الآخرة، وحضر السلطان الصلاة عليه، وأبو يزيد هذا هو الذي كان أخفى الملك الظاهر برقوقا عنده

стр. 3995

فى نوبة الناصرى ومنطاش، وأخذ من داره، وكان الظاهر توجّه إليه واختفى عنده من غير مواعدة، فعرف له الملك الظاهر ذلك، فلما عاد الملك الظاهر إلى ملكه ثانيا أنعم عليه بإمرة طبلخاناه ثم استقرّ به دوادارا كبيرا بعد توجّه بطا لنيابة الشام، فدام على ذلك حتى مات فى التاريخ المذكور، ودفن بتربته «١» التى أنشأها عند دار الضيافة بالقرب من قلعة الجبل، وكان أميرا فاضلا عارفا ذكيّا له يد فى فتون، وكان يعرف بالتّركى والعجمىّ والأرمنىّ، على أنه كان فصيحا باللغة العربية. قلت: هكذا يكون الدوادار، لا كمن لا يعرف اسمه من اسم الحمار، وكان يميل إلى مذهب الصوفية، وكان الملك الظاهر يثق إليه، ويشاوره فى أموره. وتوفّى الوزير الصاحب شمس الدين أبو الفرج عبد الله المقسىّ، فى رابع شعبان ودفن بجامعه «٢» الذي جدّده على الخليج الناصرىّ «٣» بالقرب من باب البحر، وكان معدودا من رؤساء الأقباط. وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير علاء «٤» الدين آقبغا آص، قال المقريزى ﵀: كان أولا من جملة أمراء الملك الأشرف شعبان الطبلخانات، ثم نزعها منه لمّا سخط على والده، وتعطّل مدّة وعقّ أباه، وحكى عنه

стр. 3996

أمور شنيعة فى عقوقه لوالده، وسافر إلى اليمن وعاد إلى القاهرة وتنقّلت به الأيام إلى أن ولى شد الدواوين بإمرة عشرة مدّة، ثم أمسك وصودر وعوقب عقوبة شديدة، وكان سيّئ السيرة، من أشرّ خلق الله المتجاهرين بالمعاصى، إلى أن توفى فى يوم الأربعاء ثامن عشرين شوّال» . انتهى كلام المقريزى. وتوفّى الأمير الطواشى مقبل بن عبد الله الشهابى شيخ الخدّام بالحرم النبوىّ، وكان أصله من خدّام الملك الصالح إسماعيل ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون وتنقّل فى الخدم إلى أن اختص بالأمير شيخون العمرى، ثم خدم السلطان حسنا [ابن قلاوون] ، ثم ولى مشيخة الخدّام بالحرم النبوى بعد وفاة الطواشى افتخار الدين ياقوت الرسولى الخازندار الناصرى، وكان مقبل ينوب عنه فى الحرم، فلمّا مات ولى مكانه. وتوفى قاضى القضاة ناصر الدين أبو الفتح نصر الله بن أحمد بن محمد بن أبى الفتح بن هاشم بن إسماعيل بن إبراهيم الكنانى العسقلانىّ الحنبلى، قاضى قضاة الديار المصرية بها فى ليلة الأربعاء حادى عشرين شعبان، وكان مشكور السيرة محبّا للناس. وتوفى الشيخ نجم الدين محمد بن جماعة الشافعى خطيب القدس فى يوم الأربعاء تاسع ذى القعدة [بالقاهرة ودفن خارج باب النصر «١» ] . وتوفى الأمير صارم الدين إبراهيم ابن الأمير الكبير طشتمر الدوادار فى شهر رمضان بثغر الإسكندرية، وكان من جملة أمراء الطبلخاناه بالديار المصرية.

стр. 3997

وتوفى الشيخ علاء الدين أبو الحسن على بن محمد الأقفهسى «١» الفقيه الشافعىّ فى ثامن عشرين شوّال، وكان معدودا من فقهاء الشافعية. وتوفى علاء الدين «٢» قطلوبغا بن عبد الله الأسنقجاوى، والمعروف بأبى درقة الكاشف «٣» ، ولى الكشف بجهات كثيرة، ووقع له أمور مع العربان، وقتل منهم جماعة كبيرة حتى مهّد البلاد القبلية. وتوفى الشيخ صلاح الدين محمد بن الأعمى الحنبلى، مدرس مدرسة الملك الظاهر «٤» برقوق فى شهر ربيع الآخر. وتوفى القاضى شهاب الدين أبو العباس أحمد بن الضياء المناوى الشافعى، شيخ المدرسة الجاولية بالكبش «٥» ، وأحد نواب الحكم بالقاهرة فى شهر ربيع الآخر. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. والله تعالى أعلم. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٩٦] السنة الخامسة من سلطنة الملك الظاهر برقوق الثانية على مصر وهى سنة ست وتسعين وسبعمائة. وفيها توفى الأمير سيف الدين أبرك بن عبد الله المحمودى الظاهرى شادّ الشراب خاناه السلطانية، وهو مجرّد بدمشق، وبها دفن وكان خصيصا عند أستاذه الملك الظاهر برقوق.

стр. 3998

وفيها توفّى الصاحب الوزير موفّق الدين أبو الفرج الأسلمى تحت العقوبة فى يوم الاثنين [حادى «١» ] عشرين شهر ربيع الآخر، وكان أسوأ الوزراء سيرة، لأنه كان أكره على الإسلام حتى قال: كلمة الإيمان غصبا ولبس العمامة البيضاء وهو باق على دين النّصرانية، فكان «٢» على الناس بذنوبهم، ولما كان على دين النصرانية وهو يباشر الحوائج خاناه كان مشكور السيرة، حتى أكره على الإسلام، فبلغ من المسلمين مبلغا عظيما من الظلم والجور، وولى فى بعض الأحيان نظر الجيش بديار مصر أيضا. قلت: لا ألومه على ما فعله وما الذنب إلا لمولّيه: لم لا أقتدى بمن كان قبله من الملوك السالفة ووزرائهم! مثل القاضى الفاضل عبد الرحيم، وابن بنت الأعز وبنى حنّاء وغيرهم- رحمهم الله تعالى. وتوفى الشيخ المعتقد الصالح رشيد التّكرورى الأسود فى البيمارستان المنصورى «٣» فى يوم السبت ثالث عشرين جمادى الآخرة، وكان يقيم بجامع راشدة «٤» خارج مدينة مصر القديمة، وهو آخر من سكنه وهو يقصد للزيارة وللناس فيه اعتقاد حسن. وتوفى الأمير سلّام «٥» (بتشديد اللام) ابن محمد سليمان بن فايد، المعروف بابن التركية أمير خفاجة «٦» من الصعيد فى سابع شهر ربيع الآخر، وكان من أجلّ أمراء العرب.

стр. 3999

وتوفّى الرئيس علاء الدين على بن عبد الواحد بن صغير رئيس الأطباء، وهو بمدينة حلب «١» فى التجريدة صحبة السلطان فى يوم الجمعة عاشر ذى الحجة ودفن بها، ثم نقل بعد مدّة إلى القاهرة، وكان من الأفراد فى علم الطب والملاطفة ماهرا فى صناعته، كان من عظم اطلاعه فى علم الطب يصف للموسر بأربعين ألفا ويصف الدواء فى ذلك الداء بعينه للمعسر بفلس واحد. قال المقريزى: «وكنت عنده فدخل عليه شيخ وشكا شدة السّعال، فقال له: إياك تنام بغير سراويل، فقال الشيخ: إى والله، فقال له: فلا تفعل، ثم بسراويلك! قال: فصدفت ذلك الشيخ بعد أيام فسألته، فقال لى: عملت ما قال فبرئت، قال: وكان لنا جار حدث لابنه رعاف حتى أفرط فانحلت قوى الصغير، فجاء به إلى ابن صغير هذا وشكا من كثرة الرّعاف، فقال له: شرّط أذنه، فتعجّب وتوقف فقال له ثانيا: توكّل على الله وافعل، ففعل ذلك فبرئ الصغير وذكر له أشياء كثيرة من هذا النموذج يطول شرحها. وتوفى القاضى بدر الدين محمد ابن القاضى علاء الدين على ابن القاضى محيى الدين يحيى بن فضل الله بن مجلّى بن دعجان بن خلف بن تصر بن منصور بن عبد الله بن على ابن محمد بن أبى بكر عبد الله بن [عبد الله «٢» بن] عمر بن الخطاب العدوى القرشى العمرى المصرى الشافعى كاتب سر الديار المصرية ورئيسها بدمشق فى يوم الثلاثاء العشرين من شوّال مجردا صحبة السلطان الملك الظاهر برقوق ودفن بتربتهم بدمشق، وولى كتابة السر من بعده القاضى بدر الدين محمود [السّيرامىّ «٣» ] الكلستانى.

стр. 4000

وتوفى أخوه حمزة بن على بن فضل الله بعده بشهر، فقال فى موتهما بعض شعراء العصر: [الوافر] . قضى البدر بن فضل الله نحبا ... ومات أخوه حمزة بعد شهر فلا تعجب لذى الأجلين يوما ... فحمزة مات حقا بعد بدر وكان القاضى بدر الدين المذكور إماما رئيسا فاضلا فى الإنشاء والأدب وله مشاركة جيدة فى الفقه وغيره، وكان محمود السيرة مشكور الطريقة، باشر كتابة سرّ مصر نحو سبع وعشرين سنة، على أنه انفصل فيها أولى وثانية، فالأولى بأوحد الدين عبد الواحد، والثانية بعلاء الدين الكركى وهو ثالث واحد سمّى بدر الدين من بنى فضل الله كتّاب سر دمشق، وآخر من ولى كتابة سر مصر وغيرها من بنى فضل الله، وبموته خرجت كتابه السر عن بنى فضل الله- رحمه الله تعالى- وتوفى القاضى تاج الدين محمد بن محمد بن محمد المليجى «١» المعروف بصائم الدهر محتسب القاهرة، وناظر الأحباس وخطيب مدرسة «٢» السلطان حسن فى تاسع عشر صفر عن سبعين سنة وكان خيّرا دينا مشكور السيرة- ﵀ وتوفى الأمير منكلى بغا بن عبد الله الشمسى الطرخانى، أحد الأمراء بديار مصر ثم نائب الكرك فى ليلة عاشوراء، وكان من أكابر أمراء مصر ولديه حشمة ورياسة. وتوفى الأمير زين الدين عبد الرحمن بن الأتابك منكلى بغا الشمسى وابن أخت الملك الأشرف شعبان بن حسين، وصهر الملك الظاهر برقوق وأحد أمراء الطبلخانات بديار مصر بها فى عاشر شعبان.

стр. 4001

وتوفى الشيخ ناصر الدين محمد بن مقبل الجندى الفقيه الظاهرىّ المذهب فى يوم الأربعاء ثالث عشر جمادى الآخرة، وكان فاضلا وله مشاركة جيّدة فى فنون، وكان لا يتكتّم الاقتداء بمذهب أهل الظاهر ويحفّ شاربه ويرفع يديه فى كلّ خفض ورفع فى الصلاة. وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير شرف الدين موسى بن [سيف الدين «١» أرقطاى بن] الأمير جمال الدين يوسف أحد أمراء العشرات بالديار المصرية فى ليلة الأربعاء سادس عشرين ذى القعدة، وكان أبوه وجدّه من أمراء الألوف بالقاهرة، وكان يحبّ علم الحديث، ويواظب سماعه، وله مشاركة فى المذهب. وتوفّيت الشيخة الصالحة المعتقدة المعروفة بالبغدادية، صاحبة الرّباط «٢» بالقاهرة فى يوم السبت ثانى عشرين جمادى الآخرة، وكانت على قدم هائل من الصلاة والعبادة، وللناس فيها اعتقاد، وتقصد للزيارة. وتوفّى السلطان أبو العباس أحمد بن محمد بن أبى بكر بن يحيى بن إبراهيم «٣» ؛ فى ليلة الخميس رابع شعبان بمحلّ ملكه مدينة تونس «٤» من بلاد المغرب، بعد أن حكمها أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر ونصفا، وقام من بعده على ملك تونس ابنه السلطان أبو فارس عبد العزيز وكان من أجلّ ملوك الغرب، وطالت أيام ولده عبد العزيز فى الملك حسب ما يأتى ذكره فى محلّه، إن شاء الله تعالى.

стр. 4002

وتوفّى أيضا صاحب مملكة فاس «١» من بلاد الغرب- السلطان أبو العباس أحمد «٢» بن أبى سالم بن إبراهيم بن أبى الحسن المرينى ملك الغرب فى المحرّم، وأقيم بعده ابنه أبو فارس عبد العزيز. قلت: وهو يشارك المقدّم ذكره فى الاسم والكنية واسم الأب والجدّ. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا. والله تعالى أعلم. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٩٧] السنة السادسة من سلطنة الملك الظاهر برقوق الثانية على مصر وهى سنة سبع وتسعين وسبعمائة. فيها توفّى «٣» الشيخ برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم الآمدى الدّمشقى الفقيه الحنبلى أحد أصحاب ابن تيميّة. وتوفى الأمير علاء الدين ألطنبغا بن عبد الله الحلبى الأشرفى، وهو مسجون بقلعة حلب، وكان من أعيان المماليك الأشرفية؛ وأحد أكابر الأمراء بديار مصر. وتوفّى الشيخ المعتقد المجذوب أبو بكر البجائى «٤» المغربى، أحد من أوصى السلطان الملك الظاهر برقوقا أن يدفن تحت رجليه فى يوم السبت خامس جمادى

стр. 4003

الآخرة، ودفن خارج باب النصر حيث هى التربة الظاهرية «١» الآن، وكانت جنازته مشهودة، وأخرجه السلطان وجهّزه على يد الأمير يلبغا السالمى «٢» ؛ وكان للناس فيه اعتقاد لا سيّما الظاهر برقوق فإنه كان له فيه اعتقاد. وتوفّى العلّامة صدر الدين «٣» بديع بن نفيس التّبريزى رئيس الأطباء بالديار المصرية فى سادس عشر شهر ربيع الأول، وهو عمّ القاضى فتح الدين فتح الله كاتب السّر الآتى ذكره، وهو الذي كفله بعد موت جدّه نفيس؛ وكان مات والد فتح الدين معتصم بن نفيس، وفتح الله طفل صغير؛ وكان بديعا ماهرا فى علم الطبّ كثير الحفظ لمتونه، وهو صاحب التصانيف المشهورة. وتوفّى الشريف أبو الحسن على «٤» بن عجلان بن رميثة، واسم رميثة منجد بن أبى نمىّ بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم ابن عيسى بن عيسى بن حسين بن سليمان بن على بن عبد الله بن محمد بن موسى ابن عبد الله المحض بن موسى بن الحسن السّبط بن الحسن بن على بن أبى طالب المكى الحسنى، أمير مكة المشرفة، وليها ثمانى سنين ونحو ثلاثة أشهر مستقلّا بالإمارة؛ غير سنتين أو نحوهما؛ فإنه كان فيهما شريكا لعنان «٥» بن مغامس بن رميثة؛ ووقع له أمور بمكة مع الأشراف ووقائع؛ وآخر الأمر توجّه أخوه الشريف حسن «٦» بن عجلان إلى القاهرة يريد إمرة مكة؛ فقبض عليه السلطان

стр. 4004

وحبسه؛ وبعث إلى علىّ هذا باستمراره على إمرة مكة، فاستمرّ على إمرتها إلى ان وقع بينه وبين بعض القواد، وخرج إليهم علىّ هذا، فبدره بعضهم وسايره، وهو راكب على راحلته، والشريف علىّ هذا على فرس فرمى القائد بنفسه على الشريف علىّ المذكور وضربه بجنبيّة «١» كانت معه، فوقعا جميعا على الأرض، فوثب عليه علىّ وضربه بالسيف ضربة كاد منها يهلك، وولّى علىّ راجعا إلى الحلّة، فأغرى به شخص يقال له أبو نمىّ غلام لصهره حازم بن عبد الكريم جنديا، وعتبة وحمزة وقاسما «٢» ، فوثبوا عليه وقتلوه وقطّعوه وبعثوا به إلى مكة، فدفن بالمعلاة على أبيه عجلان، وكان قتله فى يوم الأربعاء سابع شوّال «٣» ، وولى إمرة مكة بعده أخوه حسن بن عجلان. وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد «٤» بن السلطان الملك الظاهر برقوق فى يوم السبت ثالث عشرين ذى الحجة، ومولده فى مستهل شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، وأمّه خوند الكبرى أرد «٥» ، صاحبة قاعة العواميد «٦» ، ومات بعد أن أعيا الأطباء داؤه الذي كان برجليه من أرياح الشّوكة. وبه مات، وكان إقطاعه الديوان المفرد الآن، فإنه لما مات جعله السلطان إقطاعه لمماليكه المشتروات

стр. 4005

وأفرده فسمى المفرد من يومئذ، وجعل كاتبه الهيصم، وكان محمد هذا أكبر أولاد السلطان وأعظمهم، ووجد السلطان عليه وجدا عظيما. وتوفّى قاضى القضاة ناصر الدين محمد «١» بن عبد الرحمن بن عبد الدائم بن محمد المعروف بابن بنت ميلق الشاذلى الصوفى، قاضى قضاة الديار المصرية، وهو معزول فى ليلة الاثنين تاسع عشرين شهر ربيع الأوّل. وكان أصله من أشموم «٢» الرمان، ولد قبل سنة ثلاثين وسبعمائة، وسمع الحديث وطلب العلم وتفقّه ووعظ دهرا، وقال الشعر، وأنشأ عدّة خطب بليغة، وجمع عدّة أجزاء فى عدّة فنون، وكان يتزيّا بزىّ الفقراء ويتصدى لعمل المواعيد، واعتقده الناس وتبرّكوا به، وخطب بعدّة جوامع وصار له أتباع وشهرة كبيرة، إلى أن طلبه الملك الظاهر برقوق للقضاء بعد عزل القاضى بدر الدين محمد بن أبى البقاء، فامتنع ثم أجاب فألبسه الملك الظاهر تشريف القضاء بيده، وأخذ طيلسانه يتبرّك به. قال المقريزى: فداخل الناس بولايته خوف ووهم، وظنوا أنه يحمل الناس على محض الحق، وأنه يسير على طريق السلف من القضاة، لما ألفوه من تشدّقه فى وعظه، وتفخّمه فى منطقه، وإعلانه بالتبكير على الكافّة، ووقيعته فى القضاة، واشتماله على لبس الخشن المتوسط من الثياب، ومعيبه على أهل التّرف، فكان أوّل

стр. 4006

ما بدأ به أن عزل قضاة مصر جميعهم من العريش «١» إلى أسوان «٢» ، وبعد يومين تكلم معه الحاجّ مفلح مولى القاضى بدر الدين «٣» بن فضل الله كاتم السرّ فى إعادة بعض من عزله من القضاة فأعاده، فانحل ما كان معقودا بالقلوب من مهابته، ثم قلع زيّه الذي كان يلبسه، ولبس الشاش الكبير الغالى الثمن ونحوه من الثياب، وترفّع فى مقاله وفعاله، حتى كاد يصعد الجو، وشح فى العطاء ولاذبه جماعة غير محبّبين إلى الناس. فانطلقت ألسنة الكافّة بالوقيعة فى عرضه، واختلقوا عليه ما ليس فيه، فلما قدم الأمير يلبغا الناصرىّ إلى الديار المصرية، وغلب برقوقا على المملكة وبعثه إلى سجن الكرك كان هو قاضيا يومئذ فوقّع فى حقّ الظاهر، وأساء القول فيه، فبلغه ذلك قبل ذهابه إلى الكرك فأسرّها فى نفسه، فلمّا ثار منطاش على الناصرى صرف ابن ميلق هذا عن القضاء بالصدر المساوى، بعد ما كان أخذ خطّه فى الفتاوى المكتتبة فى حقّ برقوق، فلمّا عاد برقوق إلى الملك لهج «٤» بدمه فتنبّهت أعين العدا لابن ميلق هذا وحسنوا للبيد فى أحمد أمين الحكم أن يقف للسلطان ويشكو ابن ميلق المذكور بسبب ما أخذه من أموال الأيتام، وكان نحو الثلاثين ألف درهم فضة، عنها قريب من ألف وخمسمائة مثقال من الذهب، فرفع فيه قصة إلى السلطان فطلبه فجاءوا به وقد حضر القضاة فأوقف مع النقباء تحت مقعد السلطان فى الميدان فحالما مثل قائما سقط مغشيا عليه، وصار على التّراب بحضرة

стр. 4007

ذلك الجمع العظيم، فتقدّم بعض من كان يلوذ به ليصلح من شأنه، فصرخ فيه السلطان وترك طويلا حتى أفاق، وادّعى عليه البيد فى فلم يلحن بحجة، وألزمه القضاة بغرامة ذلك، والقيام به للأيتام من ماله، ولم يكن المال المذكور فى ذمته، وإنما كان اقترضه وصرّه للحرمين، فلزمه غصبا ورسم عليه وسجن بالمدرسة «١» الشريفية، ليدفع المال وما زال يورده حتى أتى ذلك على غالب موجوده، ثم لزم داره وذهبت عينه، وتخلّى عنه أحبابه إلى أن مات، ودفن حارج باب النصر بتربة الصوفية، فلقد كان قبل ولايته حسنة من حسنات الدهر، ما رأيت قبله أحسن صلاة منه ولا أكثر خشوعا مع حسن منطق، وفصاحة ألفاظ، وعذوبة كلام، وبهجة زىّ، وصدع فى وعظه إذا قصّ أو خطب، إلّا أنه امتحن بالقضاء، وابتلى بما أرجو أن يكون كفارة له. انتهى كلام المقريزى باختصار. وتوفّى الشيخ شمس الدين محمد بن على بن صلاح الحريرى أحد نوّاب القضاة الحنفية، ومشايخ القرّاء بالديار المصرية، فى يوم الجمعة رابع عشرين شهر رجب. وكان فقيها مقرئا، أقرأ ودرّس وناب فى الحكم سنين. وتوفّى القاضى شمس الدين محمد بن عمر القليجى الحنفى مفتى دار العدل «٢» ، وأحد نواب القضاة بالديار المصرية، فى ليلة الثلاثاء العشرين من شهر رجب وقد بلغ من الرياسة مبلغا عظيما، وكانت لديه فضيلة تامّة.

стр. 4008

وتوفّى العلّامة شمس الدين محمد الأقصرائى الحنفى شيخ المدرسة الأيتمشية «١» بباب الوزير «٢» ، فى سابع عشر جمادى الأولى، وكان إماما عالما مدرسا فقيها ذكيا حافظا، كان يلقى الدرس عند الملك الظاهر أيام إمرته، وصدرا من سلطنته، وكان خصيصا عند السلطان وله وجاهة فى الدولة، وتولّى بعد موته مشيخة الأيتمشية الشيخ سراج الدين عمر القرمى. وتوفّى القاضى برهان الدين إبراهيم القلقشندىّ الشافعىّ موقّع الحكم، وأحد الفقهاء الشافعية فى ثالث عشرين شعبان. وتوفّى الأمير سيف الدين طوغان بن عبد الله الظاهرىّ أمير جاندار، فى سادس عشر صفر «٣» ، وكان أحد أعيان المماليك الظاهرية برقوق خصيصا عند أستاذه. وتوفّى الشيخ نور الدين أبو الحسن على الهورينىّ الفقيه الشافعى شيخ القوصونية «٤» فى شهر رجب وكان فقيها فاضلا بارعا. وتوفّى الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد السفرى الحلبى الحنفى فى يوم الجمعة خامس شهر ربيع الأوّل، وأصله من قرية خربتا من عمل عزاز «٥» ، وكان فقيها بارعا، وله مشاركة فى فنون.

стр. 4009

وتوفّى القاضى جمال الدين أبو محمد عبد الله بن فرج النّويرى المالكى، أحد نواب الحكم المالكية بالديار المصرية، وكان معدودا من فضلاء المالكية. وتوفّى الأمير سيف الدين قرابغا بن عبد الله، والد الأمير جركتمر الخاصكى الأشرفىّ، فى ثانى شهر ربيع الأوّل وكان أحد أمراء العشرينات بالقاهرة، وكان مشكور السيرة خيّرا ديّنا. وتوفّى الشيخ المعتقد شمس الدين محمد المقسى «١» فى يوم الأحد أول شهر رمضان، وكان يسكن بجامع «٢» المقسى على الخليج، وكان يقصد للزيارة. وتوفى الشيخ المعتقد محمد السّملوطى الصعيدى المالكى، فى ثانى عشر شهر رمضان، وكان فقيها خيّرا ديّنا، وللناس فيه اعتقاد ومحبة. وتوفّى الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد بن على بن عبد العزيز المعروف بابن المطرّز فى يوم الأحد سادس جمادى الآخرة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وأربعة أصابع- مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٩٨] السنة السابعة من سلطنة الملك الظاهر برقوق «الثانية على مصر» وهى سنة ثمان وتسعين وسبعمائة. فيها توفّى الشيخ المقرئ الفقيه شهاب الدين أحمد بن محمد بن بيبرس الجندىّ، المعروف بابن الركن البيبرسى «٣» الحنفى، وكان إماما فاضلا.

стр. 4010

وتوفّى الأمير سيف الدين بهادر بن عبد الله الأعسر «١» فى يوم عيد الفطر، وكان من أعيان الأمراء، وتنقّل فى عدّة ولايات. وتوفّى الأمير تمر بن عبد الله الشّهابى الحاجب أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية، وكان فقيها فاضلا، وإماما بارعا فى الفقه وفروعه، معدودا من فقهاء الحنفيّة، وكان شجاعا مقداما خرج عليه العرب العصاة فقاتلهم فجرح فى المعركة، ومات من جراحه، ﵀. وتوفّى الأمير الجليل سودون بن عبد الله الفخرى الشيخونى، نائب السلطنة بالديار المصرية بها؛ فى يوم الثلاثاء خامس جمادى الآخرة «٢» ، بعد ما شاخ، وكان أصله من مماليك الأمير الكبير شيخون العمرى الناصرىّ، ثم ترقّى فى الدول إلى أن ولى حجوبية الحجاب بالديار المصرية، فى دولة الملك الصالح حاجى، ثم نقله الملك الظاهر برقوق إلى نيابة السلطنة فى أوائل سلطنته، وطالت أيامه فى السعادة، وكان وقورا فى الدّول، معظّما عند الملوك، ولما كبر وشاخ أخذ يتبرّم من الإمرة والوظيفة ويستعفى، إلى أن أعفاه الملك الظاهر بعد قدومه من سفرته إلى البلاد الشامية، وكان سودون مقيما بالقاهرة، فلزم داره من صفر سنة سبع وتسعين وسبعمائة إلى أن مات فى التاريخ المقدّم ذكره، وكان أميرا خيّرا ديّنا وافر الحرمة، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، ومنذ مات تجاهر الملك الظاهر برقوق بالمنكرات التى لم تكن قبل تعرف منه، وكان محبا للعلماء والفقراء، كان يدور وينزل إلى بيوت الفقراء، ويتبرّك بهم ويبذل إليهم الأموال.

стр. 4011

قال قاضى القضاة العينى- ﵀: وكان حصل له شىء من التّغفّل والتساهى. قلت: كان فيه سلامة باطن مع دين وشفقة ولين جانب، حتى صار يحكى عنه أشياء فى حكوماته مختلقة عليه، كما يذكر الناس ذلك عن الخادم بهاء الدين قراقوش الصّلاحى الخصىّ وليس لذلك صحة. انتهى. وتوفّى الأمير سيف الدين قطلوبك بن عبد الله الطّشتمرى، أحد أمراء الألوف بالديار المصرية، وكان جليل القدر وقورا من الأمراء المشايخ. وتوفّى الأمير الوزير ناصر الدين محمد بن رجب بن كلبك «١» التّركمانى الأصل المصرى، فى يوم الجمعة سادس عشرين صفر، كان شابا جميلا حسن الهيئة، وهو ممن توفّى بغير نكبة، ولّاه الملك الظاهر برقوق أوّلا شادّ الدواوين بعد ابن آقبغا آص، ثم عزل بابن آقبغا آص، وعوّض عن شدّ الدواوين بشد الدواليب الخاصّ، عوضا عن خاله محمد بن الحسام، بحكم انتقال خاله إلى الوزارة، ثم بعد مدّة صودر، وحمّل مائة وسبعين ألف درهم، وقبل أن يغلقها أفرج عنه، ثم ولاه الملك الظاهر الوزارة عوضا عن الوزير موفّق الدين، فى يوم الاثنين رابع عشر شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وسبعمائة، وأنعم السلطان عليه فى يوم ولايته للوزارة بإمرة مائة وتقدمة ألف بديار مصر، ثم خلع السلطان على جماعة من الوزراء البطّالين بوظائف تحت يده تعظيما له، وصار الجميع فى خدمته، فاستقرّ الوزير سعد الدين نصر الله ابن البقرىّ ناظر الدولة، واستقرّ الوزير كريم الدين بن الغنّام فى نظر البيوت، واستقرّ الوزير علم الدين سنّ إبرة فى استيفاء الدولة، شريكا للوزير تاج الدين عبد الرحيم

стр. 4012

ابن أبى شاكر، ونزل الجميع فى خدمته، وباشروا بين يديه، كما كانوا بين يدى خاله الأمير الوزير ناصر الدين محمد بن الحسام الصّفوى، فسمّى بوزير الوزراء وباشر بحرمة وافرة إلى أن مات. وتوفّى السيد الشريف صدر الدين مرتضى بن الشريف غياث الدين إبراهيم ابن حمزة الحسنىّ العراقىّ، نقيب الأشراف فى ليلة [السبت «١» ] ثالث شهر ربيع الآخر، ودفن على أبيه بتربة الأتابك يلبغا العمرى بالصحراء خارج القاهرة، وكان ولى نظر وقف الأشراف مع نقابة الأشراف، ونظر القدس والخليل، وكان شكلا جميلا مهيبا «٢» فصيحا بالألسن الثلاثة: العربية والعجمية والتركية، وكان ديّنا خيّرا، صاحب عبادة ونسك، وكان له نظم على طريق البغاددة- رحمه الله تعالى- وهو قوله: بحقّى عليكم بشوقى إليكم ... إذا اشتقت ليكم تعالوا ابصرونى وتوفّى ملك الغرب وصاحب فاس السلطان أبو فارس عبد العزيز بن السلطان أبى العباس أحمد بن أبى سالم بن إبراهيم «٣» بن أبى الحسن المرينى، وأقيم بعده على سلطنة فاس أخوه أبو عامر عبد الله. وتوفّى الشيخ صلاح الدين محمد الشّطنوفى موقّع الحكم فى شهر رمضان، وكان إماما فى صناعته.

стр. 4013

وتوفّى الشيخ نور الدين على بن عبد الله بن عبد العزيز [بن عمر بن عوض «١» ] الدّميرى المالكى شيخ القرّاء بخانقاه «٢» شيخون، وأخو القاضى تاج الدين بهرام، فى ثانى عشرين شهر رمضان، وكان إماما فى القراءات مشاركا فى عدّة فنون. وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد بن جمق بن الأمير الكبير أيتمش البجاسى فى يوم الجمعة خامس صفر، وحضر السلطان الصلاة عليه وكان أحد أمراء الطبلخانات. وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير جاركس الخليلى فى يوم الثلاثاء تاسع صفر، وكان محمد المذكور أيضا من أمراء الطبلخانات بالديار المصرية. وتوفّى القاضى شمس الدين محمد بن محمد بن موسى الشنشى «٣» الحنفى المعروف بالرّخ، أحد نوّاب القضاة الحنفية بمصر فى [يوم الخميس سادس «٤» ] جمادى الأولى. وتوفّى الشيخ زين الدين مقبل بن عبد الله الصّرغتمشى الفقيه الحنفى فى أول شهر رمضان بالقاهرة، وكان فقيها فاضلا مستحضرا لفروع مذهبه، وله مشاركة فى عدّة فنون. وتوفى الأمير سيف الدين تغرى بردى بن عبد الله القردمىّ قتيلا فى محبسه، وكان من أعيان الأمراء، ووقع له أمور فى واقعة الناصرى ومنطاش مع الملك الظاهر برقوق أوّلا، ثم كان من حزب الملك الظاهر على منطاش آخرا، ودام على

стр. 4014

ذلك إلى أن قبض عليه وحبس، ثم قتل فى التاريخ المذكور- ﵀ وكان شجاعا مقداما. وتوفّى الشيخ الخطيب برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ المعتقد الصالح عبد الله المنوفى الفقيه المالكى فى شهر رجب، وكان أحد الفقهاء المالكية، أقرأ ودرّس وخطب بجامع «١» الأمير شرف الدين أمير حسين بن جندر سنين، وهو ابن العبد الصالح المشهور عبد الله المنوفى. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وإصبعان. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٩٩] السنة الثامنة من سلطنة الملك الظاهر برقوق «الثانية على مصر» وهى سنة تسع وتسعين وسبعمائة. فيها توفّى الأمير سيف الدين إياس بن عبد الله الجرجاوى نائب طرابلس بالقاهرة بعد أن قبض عليه وألزم بحمل مال كبير، فأرسل خازنداره إلى حضور المال، فمات بعد يومين، فى يوم الجمعة ثامن عشرين صفر، وكان أولا من أمراء الألوف بالديار المصرية، ثم تنقل فى عدّة أعمال بالبلاد الشامية، حتى إنه ولى نيابة طرابلس ثلاث مرات آخرها فى سلطنة الملك الظاهر برقوق الثانية إلى أن عزله بالأمير دمرداش المحمدى الظاهرى، نائب حماة، وتوجّه إياس أتابكا بدمشق، فأقام بها يسيرا وطلب إلى القاهرة وصودر وأهين إلى أن مات بعد يومين حسب

стр. 4015

ما تقدّم ذكره، وقيل: إنه لما أهين كان فى يده خاتم سمّ فمصّه فمات من وقته، وقيل غير ذلك، وكان بشع المنظر ظالما غشوما حدّ المزاج كرية المعاشرة، يرمى بعظائم، قيل: إنه قال له رجل مرة: يا وجه القمر؛ بعد أن دعا له كما هى عادة العوامّ، فضرب الرجل ضربا مؤلما، وقال: أنا أعرف بنفسى منك، وكانت بعض حظاياه ملكها الوالد «١» من بعده واستولدها، فكانت تحكى عنه عظائم من سوء خلقه وخلقه. وتوفّى الأمير أبو بكر بن [محمد بن واضل «٢» ] المعروف بابن الأحدب أمير العربان ببلاد الصعيد قتيلا. وتوفّى الأمير ركن الدين بيبرس بن عبد الله التمان تمرى الأمير آخور الثانى، وأحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية، فى رابع عشر جمادى الآخرة، وكان من قدماء الأمراء، وهو من أوّل الأمر إلى آخره كان من حزب الملك الظاهر برقوق، وكان الملك الظاهر ينادمه ويمازحه ويعجبه كلامه، وأنا أتعجّب غاية العجب من الملك الظاهر برقوق فى عدم ترقّيه، ولعلّه كان راضيا بما هو فيه- والله أعلم- وهو والد صاحبنا الناصرى محمد بن بيبرس- رحمهما الله تعالى-. وتوفّى الأمير عمر بن عبد العزيز أمير عرب هوّارة «٣» ببلاد الصعيد. قلت: وعمر هذا هو والد بنى عمر أمراء العربان ببلاد الصعيد فى زماننا هذا، ولعله يكون أوّل من ولى منهم الإمرة.

стр. 4016

وتوفّى الشيخ المسند المعمّر المعتقد زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد ابن المبارك بن حماد المغربى المعروف بابن الشيخة «١» ، ومولده فى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، ومات فى تاسع عشرين شهر ربيع الآخر، ودفن خارج القاهرة بعد أن حدّث سنين وصار رحلة فى زمانه. وتوفّى الشيخ نور الدين أبو الحسن على بن أحمد بن عبد العزيز العقيلىّ (بفتح العين المهملة) المالكى إمام المالكية بالمسجد الحرام بمكة المشرفة، وأخو القاضى أبى الفضل، وكان يعرف بالفقيه علىّ النّويرىّ، فى ثانى جمادى الأولى بمكة المشرفة، وكان سمع الكثير وحدّث سنين. وتوفى الشيخ الإمام محبّ الدين محمد بن الشيخ الإمام العلّامة جمال الدين عبد الله بن يوسف بن هشام النحوىّ، فى ليلة الاثنين رابع عشرين شهر رجب بعد أن تصدّى لإقراء النحو سنين، وانتفع به جماعة الطلبة، وكان له مشاركة جيّدة فى الفقه وغيره، وكان خيّرا ديّنا. وتوفّى قاضى القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبى بكر الطرابلسى الحنفىّ، قاضى قضاة الديار المصرية، فى يوم السبت ثامن عشرين ذى الحجة، وكان عفيفا دينا مشكور السّيرة، وتولى القضاء من بعده قاضى القضاة جمال الدين يوسف بن موسى بن محمد الملطىّ، بعد أن خرج البريد بطلبه، وشغر منصب القضاء بالقاهرة، مائة يوم وأحد عشر يوما، حتى حضر وولى قضاء الحنفية بديار مصر.

стр. 4017

قلت: هكذا تكون ولاية قضاة الشرع الشريف بعزّة وطلب واحترام، لا كمن يسعى فيها من بيت المال والأمير الكبير إلى بيت والى القاهرة، حتى يلى بالمال والبذل من غير تستّر فى ذلك حتى إنه يعرف ولايته بالبرّطيل، كلّ أحد من المسلمين حتى النصارى واليهود، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلىّ العظيم. وتوفّى الشيخ الإمام العالم زين الدين ميكائيل بن حسن بن إسرائيل التّركمانى، الفقيه الحنفىّ فى ذى الحجة عن نيّف وسبعين سنة، كان فقيها فاضلا بارعا مشاركا فى فنون كثيرة من العلوم، وكان مستحضرا لمذهبه مناظرا طلق اللسان فصيحا وأقرأ ودرّس سنين. وتوفّى القاضى جمال الدين محمود بن أحمد، وسماه بعضهم محمودا بن محمد بن على ابن عبد الله القيصري العجمىّ الحنفى، قاضى قضاة الحنفية بالديار المصرية، وناظر الجيوش المنصورة بها، وشيخ شيوخ خانقاه «١» شيخون، فى ليلة الأحد سابع شهر ربيع الأول، بعد أن جمع بين هذه الوظائف الثلاث التى لم تجمع لغيره، وكان من رجال الدهر حزما وعزما، ومعرفة وعقلا وفضلا، وكان قدم إلى القاهرة فى عنفوان شبيبته فقيرا مملقا، وترك بالمدرسة الصّرغتمشية «٢» مدّة يخدم الفقهاء، فرأى فى منامه أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول له: أنت شاهنشاه، ففسّر المنام على الشّنشى «٣» ، وكان من جملة الصوفية بالصرغتمشية، وتنقّلت به الأحوال إلى أن

стр. 4018

صار يقرئ المماليك بالأطباق من القلعة، وقتل الملك الأشرف شعبان وصار مخدومه طشتمر اللّفاف أتابك العساكر، فتكلّم له فى حسبة القاهرة دفعة واحدة فوليها، ونزل عند شخص فى داره حتى تعيّن له دار يسكنها، وبعث له قاضى القضاة صدر الدين المناوى بثوب حتى لبسه، لعجزه عن شراء ثوب، وهذا كان أوّل مبدأ أمره، ثم تنقّل فى الوظائف حتى كان من أمره ما كان، ولما مات خلّف موجودا كبيرا وكتبا حسنة، وخلّف ثمانية أولاد من الذكور والإناث، منهم العلّامة صدر الدين أحمد بن العجمى الآتى ذكره فى وفيات ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وتولّى قضاء الحنفيّة من بعده القاضى شمس الدين محمد الطرابلسى، ومات فى السنة حسب ما تقدّم، وولى الجيش بعده شرف الدين بن الدّمامينى «١» . وتوفّى الأمير جمال الدين محمود بن على بن أصفر عينه الأستادار، فى يوم الأحد تاسع شهر رجب بخزانة «٢» شمائل، بعد ما نكب وعوقب وصودر ودفن بمدرسته خارج بابى زويلة المعروفة به، وجملة ما أخذه الملك الظاهر منه من المال فى ايام مصادرته ألف ألف دينار، وأربعمائة ألف دينار، وألف ألف درهم فضة، وبضائع وغلال، وغير ذلك بما ينيف على ألف ألف درهم فضة، وتلف له بأيدى من عاقبه وحواشيه جملة كبيرة، واخفى هو أيضا أشياء كثيرة «٣» يترجّى البقاء، ومن عطم ما ظهر له من المال، قالت العامة: ألان الله الحديد لداود، والذهب لمحمود، وكان أصل محمود هذا أنه كان فى مبدأ أمره فقيرا يتعانى الشدّ فى إقطاعات الجند،

стр. 4019

ثم حدم عند بعض الأمراء، فصلحت حاله، وحصّل وسعى، حتى ولى شدّ الدواوين بالقاهرة، فظهر منه نجابة ويقظة، وترقّى حتى ولى الأستادارية فى دولة الملك الظاهر برقوق الأولى، وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف، ونكبه الناصرى لمّا ملك مصر، وحبسه إلى أن خرج من السجن فى توبة بطا وأصحابه من الجبّ، وأعاده الملك الظاهر إلى وظيفة الأستادارية، بعد مدة فإنه كان أولا لما قدم إلى مصر ولّاه مشيرا، ثم أعاده إلى الأستادارية، ودام بها إلى أن قبض عليه الظاهر، بسعى كاتبه سعد الدين إبراهيم «١» بن غراب، وأجرى عليه العقوبة إلى أن مات. وتوفّى الوزير الصاحب سعد الدين نصر الله القبطى الأسلمى، المعروف بابن البقرى، فى ليلة الاثنين رابع جمادى الآخرة مخنوقا بعد عقوبة شديدة ومصادرة. وتوفّى قاضى القضاة سرىّ الدين [أبو الخطاب «٢» محمد] بن محمد قاضى قضاة الشافعية بدمشق، المعروف بابن المسلّاتى الشافعى، بالقاهرة فى يوم الخميس سابع عشرين شهر رجب، وكان فقيها عالما أفتى ودرّس وولى قضاء دمشق، وكان معدودا من علماء الشافعية. وتوفى قاضى القضاة نجم الدين أبو العباس أحمد بن قاضى القضاه عماد الدين إسماعيل بن محمد بن عبد العزيز بن صالح بن أبى العزّ «٣» وهيب بن عطاء بن جبير ابن جابر بن وهيب الحنفى الدمشقى، المعروف بابن أبى العز، وبابن الكشك قتيلا

стр. 4020

بدمشق، فى مستهل ذى الحجة بعد أن لزم داره مدة، وكان إماما فقيها بارعا عالما مفتنّا، ولى قضاء دمشق استقلالا غير مرة، وحسنت سيرته، وأشخص فى سنة سبع وسبعين وسبعمائة إلى الديار المصرية، وولى بها قضاء الحنفية بعد قاضى القضاة صدر الدين محمد بن عبد الله التركمانى بعد موته، فلم تطل مدته واستعفى، وألحّ فى ذلك حتى أعفاه السلطان، وولّاه قضاء الحنفية بدمشق على عادته، فدام بها سنين، ثم صرف عنها، ولزم داره حتى مات قتيلا بدمشق- رحمه الله تعالى- أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا والله أعلم. [ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٠] السنة التاسعة من سلطنة الملك الظاهر برقوق «الثانية على مصر» وهى سنة ثمانمائة. وفيها توفّى الأمير سيف الدين تنبك «١» بن عبد الله اليحياوىّ الظاهرىّ، الأمير آخور الكبير فى ليلة الخميس رابع عشر شهر ربيع الآخر، ونزل السلطان إلى الإسطبل ومشى فى جنازته حتى حضر الصلاة عليه بمصلّاة المؤمنى «٢» ، ثم ركب وتوجّه أمام جنازته حتى شاهد دفنه، وأقام القرّاء على قبره أسبوعا، ووجد السلطان عليه كثيرا وبكى عند دفنه، وكان من عظماء المماليك الظاهرية، أنعم عليه السلطان بإمرة عشرة فى أوائل واقعة الناصرىّ ومنطاش، ثم رقّاه حتى ولّاه الأمير آخورية بعد الأمير

стр. 4021

بكلمش العلائى، لمّا نقل إلى إمرة سلاح، فدام فى وظيفة الأمير آخورية إلى أن توفى، وتولّى الأمير آخورية بعد موته الأمير نوروز الحافظى الظاهرىّ رأس نوبة النوب. وتوفّى السيد الشريف جمال الدين عبد الله بن عبد الكافى بن على بن عبد الله الطّباطبى نقيب الأشراف فى ليلة رابع عشرين ذى القعدة. وتوفّى القاضى العلّامة تاج الدين أبو محمد عبد الله بن على بن عمر السّنجارى الحنفى المعروف بقاضى صور (بفتح الصاد المهملة) وصور: بليدة بين حصن كيفا «١» ، وبين ماردين «٢» من ديار بكر «٣» بن وائل، وكان إماما عالما مفتنّا بارعا فى الفقه والأصلين، والعربية واللغة، وأفتى ودرّس سنين بدمشق ومصر، وكان فى ابتداء أمره لما قدم القاهرة اجتاز بدمشق واستوطنها مدّة، وأخذ بها عن العلّامة علاء الدين القونوى «٤» الحنفىّ، ثم قدم إلى القاهرة فأخذ عن العلّامة شمس الدين محمد الأصبهانى وغيره، حتى برع فى عدّة فنون، وأفتى ودرّس وصنّف وأشغل، ومن تآليفه كتاب «البحر الحاوى فى الفتاوى» ونظم كتاب «المختار فى الفقه» ونظم «السراجية فى الفرائض»

стр. 4022

ونظم كتاب «سلوان المطاع لابن ظفر» وناب فى الحكم بالقاهرة، وولى وكالة بيت المال بدمشق، وكان من محاسن الدنيا دينا وعلما وخيرا وكرما. وتوفّى الأمير سيف الدين قلمطاى بن عبد الله العثمانى الظاهرى الدوادار الكبير بالديار المصرية فى ليلة السبت ثالث عشر جمادى الأولى، وحضر السلطان الملك الظاهر الصلاة عليه بمصلّاة المؤمنى، وحضر دفنه أيضا بتربته التى أنشأها عند الصّوّة بالقرب من باب الوزير، وبكى السلطان عليه بكاء كثيرا، وأقام القرّاء على قبره أسبوعا، وتولّى الدوادارية من بعده الأمير بيبرس ابن أخت السلطان، وكان قلمطاى من أجلّ المماليك الظاهرية، باشر الدوادارية بحرمة وافرة، ونالته السعادة وعظم فى الدولة، وهو صاحب الحاصل بالقرب من البندقيين بالقاهرة، وخلّف مالا كثيرا، وهو أيضا ممن نشّأه أستاذه الملك الظاهر برقوق فى سلطنته الثانية، رحمه الله تعالى. وتوفّى أمين الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن على الأنصارى الحمصى الحنفى كاتب سرّ دمشق بها فى ثانى عشر ذى الحجة، ومولده فى يوم الاثنين ثانى عشر شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وتفقه بدمشق، وبرع فى الفقه والعربية، وشارك فى عدّة فنون مشاركة جيّدة، ومهر فى الأدب والترسّل والنظم، وتولى كتابة سرّ دمشق وباشرها بحرمة وافرة، ونالته السعادة فى مباشرته، وكان ذا شكالة حسنة، وعبارة فصيحة، وفضل وإفضال، وكان له يد فى علم الموسيقى وتأديته، وعنده ميل إلى اللهو والطرب مع حشمة ودين وكرم، ومن شعره لمّا عاد

стр. 4023

من تجريدة أرزنكان «١» صحبة الأمير تنم الحسنى «٢» نائب الشام، وقد ضلّ غالب العسكر فى بعض الليالى عن الماء، فنزل هو على ماء فى بعض الطريق، وقال فى ذلك: (البسيط) . ضلّوا عن الماء لمّا أن سروا سحرا ... قومى فظلوا حيارى يلهثون ظما والله أكرمنى بالورد دونهم ... فقلت «يا ليت قومى يعلمون بما» وله أيضا- سامحه الله تعالى- (الوافر) . جفون من تأرّقها «٣» دوامى ... مدامعها تفيض على الدوام فديت عيون من حرمت عيونى ... مناها من لقا طيب المنام وراشت «٤» من لواحظها نبالا ... مراشقها شفين من السقام إذا لاحظننى فتصيب قلبى ... على اللّحظات موفور السهام «٥» لها شفتان قد شفتا فؤادى ... ولا شفتاه إلّا للغرام وثغر من يعيش به ارتواء ... يموت من الصّبابة وهو ظام أدامت لى مدامته ارتشافا ... فوا سكراه من ذاك المدام ولمّا رام بدر الأفق فخرا ... وتشبيها بما تحت اللّثام بدت تختال عجبا عن عقود ... وتبسم عن جمان بانتظام

стр. 4024

فأزرى ثغرها بالدر نقصا ... وأخجل وجهها بدر التمام بعيشك يا كريم الخيم «١» كن لى ... معينا إن مررت على الخيام وقل صبّ توصّل فى أوان ... له قلب تقطّع بالأوام «٢» ولبّ هام بالذكرى ودمع ... كوبل عطاء فخر الدين هامى «٣» وتوفّى القاضى نجم الدين محمد بن عمر الطّمبدى وكيل بيت المال ومحتسب القاهرة فى رابع عشرين شهر ربيع الأوّل. قال المقريزى: «وكان غاية فى الجهل» وتوفّى الشيخ الصالح المعتقد أبو عبد الله محمد بن سلامة النّويرىّ المغربىّ المعروف بالكركى لطول إقامته بمدينة الكرك فى خامس عشرين شهر ربيع الأوّل، وكان عند الملك الظاهر برقوق بمنزلة مكينة جدّا، كان يجلسه فوق قضاة القضاة، ولم يغيّر لبس العباءة، ولا أخذ من الملك الظاهر شيئا من المال، وكان الناس فيه على قسمين ما بين مفرط فى مدحه، وما بين مفرط فى الحطّ عليه. وتولّى الأمير يلبغا السالمى تجهيزه، وبعث السلطان مائتى دينار للقراءة على قبره مدّة أسبوع. وتوفّى الأمير سيف الدين آق بلاط بن عبد الله الأحمدى الظاهرى أحد أمراء العشرات ورأس نوبة فى شهر ربيع الآخر، وكان تركىّ الجنس شجاعا. وتوفّى الأمير سيف الدين طوغاى بن عبد الله العمرى أحد أمراء العشرات بالديار المصرية، ونقيب الفقراء السّطوحيّة فى أوّل شهر ربيع الأوّل، وكان ديّنا خيّرا يحب الفقراء، ويتردّد لزيارة الصالحين.

стр. 4025

وتوفّى الشيخ برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد البعلبكّى الدمشقى الضرير المعروف بالبرهان الشامى فى ثامن جمادى الأولى، وكان فاضلا أديبا فقيها. وتوفّى الأمير سولى «١» بن قراجا بن دلغادر التّركمانى، صاحب أبلستين «٢» ، قتل غيلة على فراشه، وكان غير مشكور السيرة، كثير الشرور والفتن. وتوفّى الأمير شرف الدين موسى بن قمارى أمير شكار فى ثانى عشر شهر رجب وكان من جملة أمراء العشرات. وتوفّى الشيخ الأديب المادح أبو الفتح محمد بن الشيخ العارف على البديوىّ فى ثامن عشر جمادى الآخرة بالنّحريرية «٣» ، وكان أكثر شعره مدائح.

стр. 4026

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعا- مبلغ الزيادة. تسعة عشر ذراعا وسبعة أصابع والله تعالى أعلم.

стр. 4027

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠١] ذكر سلطنة الملك الناصر فرج بن برقوق الأولى على مصر السلطان الملك الناصر زين الدين أبو السعادات فرج بن السلطان الملك الظاهر أبى سعيد برقوق بن الأمير آنص، الجاركسى الأصل، المصرىّ المولد والمنشأ، سلطان الديار المصرية، والبلاد الشامية، والأقطار الحجازية، وهو السلطان السادس والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية، والثانى من الجراكسة، وأمّه أم ولد رومية تسمّى شيرين، ماتت فى سلطنته. مولده فى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، قبل خلع أبيه الملك الظاهر برقوق من السلطنة، وحبسه بالكرك «١» ، فأراد أن يسمّيه «بلغاك» يعنى «تخبيط» باللغة التركية، فسمّى «فرجا» . جلس على تخت الملك بقلعة «٢» الجبل صبيحة موت أبيه يوم الجمعة النصف من شوّال سنة إحدى وثمانمائة بعهد من أبيه إليه حسب ما تقدّم ذكره، فى أواخر ترجمة أبيه، وحسب ما نذكره أيضا. وفى سلطنته يقول الأديب المقرئ شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن حسن الأوحدى «٣» : [الطويل] مضى الظاهر السلطان أكرم مالك ... إلى ربّه يرقى إلى الخلد فى الدرج وقالوا ستأتى شدّة بعد موته ... فأكرمهم ربّى وما جا سوى (فرج)

стр. 4028

ذكر جلوسه على تخت الملك قال الشيخ تقىّ الدين المقريزى- رحمه الله تعالى-: ولمّا كان صبيحة يوم الجمعة اجتمع بالقلعة الأمير الكبير أيتمش، والأمير تغرى بردى أمير سلاح، وسائر أمراء الدولة، واستدعى الخليفة وقضاة القضاة، وشيخ الإسلام البلقينى «١» ، فلما تكاملوا «٢» بالإسطبل «٣» السلطانى، أحضر فرج بن السلطان الملك الظاهر برقوق، وخطب الخليفة وبايعه بالسلطنة وقلّده أمور المسلمين، وأحضرت خلعة سوداء فأفيضت على فرج المذكور، ونعت بالملك الناصر، وركب بشعار السلطنة، وطلع حتى جلس على تخت الملك بالقصر السلطانى، وقبّل الأمراء كلّهم الأرض بين يديه على العادة، ولبس الخليفة تشريفا جليلا، ثم أخذ الأمراء فى تجهيز السلطان الملك الظاهر برقوق. انتهى كلام المقريزى. قلت: ونذكر الآن فى ابتداء دولة الملك الناصر فرج اسم خليفة الوقت ولقبه، وقضاة القضاة، وأرباب الوظائف من الأمراء وغيرهم من النوّاب، بالبلاد الشامية، ليكون ذلك مقدّمة لما يأتى من تغيير الوظائف وتقلّبات الدّول. انتهى.

стр. 4029

فخليفة الوقت: أمير المؤمنين المتوكّل على الله أبو عبد الله محمد العباسىّ، والقاضى الشافعى صدر الدين محمد المناوى «١» ، والقاضى الحنفى جمال الدين يوسف «٢» الملطى، والقاضى المالكىّ ولىّ الدين عبد الرحمن بن خلدون «٣» ، والقاضى الحنبلى برهان الدين إبراهيم «٤» بن نصر الله العسقلانى، والأمير الكبير أتابك العساكر أيتمش البجاسىّ، وأمير سلاح تغرى بردى من يشبغا الظاهرىّ (أعنى الوالد) ، وأمير مجلس أرغون شاه البيدمرى الظاهرى، والأمير آخور الكبير سيّدى سودون قريب الملك الظاهر برقوق، وحاجب الحجاب فارس الأعرج الظاهرى، ورأس نوبة النّوب أرسطاى، والدوادار الكبير بيبرس ابن أخت السلطان الملك الظاهر، والخازندار يشبك الشعبانى الظاهرىّ، وهو أمير مائة ومقدّم ألف، وشادّ الشراب خاناه سودون الماردانىّ، والأستادار الأمير يلبغا الأحمدى الظاهرى المجنون، وكاتب

стр. 4030

السرّ فتح الدين فتح الله التّبريزىّ، والوزير تاج الدين عبد الرزّاق بن أبى الفرج، وناظر الجيش والخاصّ معا سعد الدين إبراهيم بن غراب، ومحتسب القاهرة الشيخ تقىّ الدين أحمد المقريزىّ، ووالى القاهرة شهاب الدين أحمد بن الزين، بالبلاد الحجازية والشامية، وأمير مكة الشريف حسن بن عجلان الحسنىّ، وأمير المدينة النبوية الشريف ثابت بن نعير الحسينىّ، ونائب الشام الأمير تنبك الحسنى المعروف بتنم الظاهرى، ونائب حلب آقبغا الجمالى الظاهرى، المعروف بالأطروش ونائب طرابلس يونس بلطا الظاهرى، ونائب حماة دمرداش المحمدى الظاهرى، ونائب صفد ألطنبغا العثمانى الظاهرى، ونائب غزّة ألطنبغا الحاجب الظاهرى، ونائب الكرك سودون الشمسىّ الظاهرى المعروف بالظريف، وعدّة نوّاب أخر بقلاع الساحل وغيرها يطول الشرح فى ذكرهم. ولمّا تم أمر الملك الناصر فرج فى الملك، بعد أن دفن والده، وصار الأتابك أيتمش مدبّر ملكه، أراد أيتمش أن يطلع إلى باب السلسلة «١» ويسكن بالإسطبل السلطانىّ، فمنعه من ذلك الأمير سودون الأمير آخور الكبير، قريب الملك الظاهر، وردّ ما بعته الأمير الكبير أيتمش من القماش، فاستدعى سودون إلى حضرة السلطان فامتنع، فأمسك أيتمش عن الكلام فى ذلك، وتكلّم فيما يعود نفعه، فأمر فكتب إلى سائر الأقطار بالعزاء فى الملك الظاهر برقوق، والهناء بسلطنة ولده الملك الناصر فرج، وكتب تقليد الشريف حسن بن عجلان بإمرة مكّة، وكان بالقاهرة، وكتب إلى مكّة وبها الأمير بيسق الشيخى والى المدينة النبوية، وتوجّه بذلك بعض الخاصكية، وكتب إلى الأمير نعير بن حيّار بإمرة آل فضل على عادته،
следующие страницы →