Полный текст (6 264 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
[و «١» قد نظم عمارة اليمنىّ فيهما فقال:
خليلي ما تحت السماء بنية ... تماثل في إتقانها هرمي مصر
بناء يخاف الدهر منه وكل ما ... على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر
تنزه طرفي في بديع بنائها ... ولم يتنزه في المراد بها فكري
وقال سعد الدين بن جبارة فى المعنى:
لله أي غريبة وعجيبةٍ ... في صنعة الأهرام للألباب
أخفت عن الأسماع قصة أهلها ... ونضت عن الإبداع كل نقاب
فكأنما هي كالخيام مقامة ... من غير ما عمدٍ ولا أطناب
وبالقرب من الأهرام صنم على صورة إنسان تسميه العامة «أبا الهول» لعظمه، والقبط يزعمون أنه طلسم للرمل الذي هناك لئلا يغلب على أرض الجيزة] .
وأما السحرة الذين كانوا بمصر في زمان فرعون فكانوا، كما ذكر يزيد بن أبي حبيب، اثني عشر ساحراً رؤساء، وتحت يد كل ساحر منهم عشرون عريفاً، تحت يد كل عريف منهم ألف من السحرة؛ فكان جميع السحرة مائتي ألف وأربعين ألفا ومائتين واثنين وخمسين إنسانا بالرؤساء والعرفاء.
وعن محمد بن المنكدر: كان السحرة ثمانين ألفاً، فلما عاينوا ما عاينوا أيقنوا أن ذلك من السماء وأن السحر لا يقوم أمر الله، فخر الرؤساء الاثنا عشر عند ذلك سجدا، فاتبعهم العرفاء واتبع العرفاء من بقي؛ قالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون، وكانوا من أصحاب موسى ولم يفتتن أحد منهم مع من افتتن من بني إسرائيل فى عبادة العجل.
стр. 72
وأما ما بمصر من الأعاجيب والمباني- فبها عمود مدينة عين شمس الذي تسميه العامة «مسلة فرعون» . وبها «صدع أبي قير» ، وهو موضع في الجبل يجتمع إليه في يوم مخصوص في السنة جميع جنس الطير، وبالجبل طاقة يدخل فيها كل طير يأتي إليه ثم يخرج من وقته حتى ينتهي إلى آخر الطير فتقبض عليه ويموت فيها.
وبها «مجمع البحرين» وهو البرزخ، وهما بحر الروم والصين، والحاجز بينهما مسيرة ليلة واحدة ما بين القلزم والفرما. وبها ما ليس في غيرها، وهو حيوان السقنقور والنمس ولولاه أكلت الثعابين أهلها؛ وهو كقنافذ سجستان لأهلها. وبها «دهن البلسان» ، وليس ينبت عرقه إلا بمصر خاصة. وبها «معدن الذهب والزمرد» ، وليس في الدنيا معدن زمرد سواه. وبها «معدن النفط والشب والبرام والرخام» . وبها «الأفيون» ، وهو عصارة الخشخاش؛ وقيل: بها سائر المعادن؛ وبها «الأبنوس» . وبها «حجر السّنباذج» الذي بقطع به سائر الأحجار؛ وأشياء غير ذلك سكتنا عنها خوف الإطالة.
*** وأما مصر تلك الأيام فكان مبانيها وأماكنها في غير مصر الآن. وموضع مصر قديماً هي البقعة الآن الخراب عند حدرة ابن قميحة والكيمان التي عند قبر القاضي بكار إلى المشهد النفيسي.
وأما قطائع ابن طولون فيأتي ذكرها في ترجمته وبيان أماكنها. قال الشريف النسابة الثقة محمد بن أسعد الجوّانىّ فى كتابه المسمى «بالنّقط لمعجم ما أشكل من الخطط» : سمعت الأمير تأييد الدولة تميم بن محمد المعروف بالصمصام يقول:
في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة حدثني القاضي أبو الحسن علي بن الحسين الخلعي «١» عن
стр. 73
القاضي القضاعي «٢» أبي عبد الله أنه قال: كان في مصر من المساجد ستة وثلاثون ألف مسجد، وثمانية آلاف شارع مسلوك، وألف ومائة وسبعون حماما؛ وأنّ أبا الحسن ابن حمزة الحسني ذكر أنه عرض له دخول حمام سالم الذي عند درب سالم في أول القرافة، يعني حمام جنادة بن عيسى المعافري الذي عند مصبغة الحفارين المعروفة بفسقية ابن طولون- قلت: وفسقية ابن طولون هي عند المقبرة الكبيرة على يسرة المتوجه إلى القرافة بالقرب من قبر القاضى بكّارا هـ- قال: وإنه ما وصل إليه إلا بعد عناء من الزحام، وإنه كانت قبالة الحمام في كل يوم جمعة خمسمائة درهم. قلت: وكانت الخمسمائة درهم يوم ذاك نحو اثنين وأربعين دينارا إلا ثلثاً، لأن الدينار كان صرفه يوم ذاك اثني عشر درهماً. انتهى كلام الشريف.
قلت: وذهبت تلك الأماكن بأجمعها عند خراب قطائع ابن طولون لمّا أخر بها محمد بن سليمان الكاتب، لا سيما لما بنيت القاهرة فى سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، على ما يأتي ذكر ذلك في ترجمة جوهر القائد.
*** وأما ظاهر القاهرة من جهاتها الأربع فقد تجدد ذلك كله في الدولة التركية، ومعظمه في دولة ابن قلاوون محمد، على ما يأتي بيان ذلك في ترجمته، لأننا نذكر كل مكان تجدد في أيام سلطانه كما شرطناه في أول هذا الكتاب. اهـ.
стр. 74
*** وأما محاسن مصر فكثيرة: من ذلك ما قاله الشيخ الإمام الفقيه أبو محمد الحسن ابن إبراهيم بن زولاق: إن من محاسن مصر اعتدال هوائها في حرها وبردها؛ وإن مزاج هوائها لا يقطع أحدا عن التصرف كما يقطع حر بغداد أهلها عن التصرف في معايشهم، ويخلو أكثر الطرقات بها نهاراً، وكذلك بردها، وإن برد مصر ربيع وحرها قيظ. وقدم رجل من بغداد إلى مصر فقيل له: ما أقدمك؟ فقال: فررت من كثرة الصياح في كل ليلة: «يا غافلين الصلاة» لاختفائهم من الحر والبرد، فإن حر بغداد وبردها يقطعان أهلها عن التصرف حتى إنهم يكمنون في بطن الأرض من شدة الحر في الصيف، وتطوف الحراس في بعض المواضع نهاراً لاختفاء الناس في بطون الأرض من شدة الحر. انتهى كلام ابن زولاق.
قلت: وأما برد الشمال والروم فلا حاجة لذكره لعظم البرد وكثرة الثلوج والأمطار وغير ذلك.
قال ابن زولاق أيضاً: ومن ذلك الأقوات والميرة التي لا قوام لأحد في بلد إلا بها، فإن مصر تمير أهلها والساكنين بها وبأعمالها، وتمير الحرمين الشريفين والوافدين إليها من الأقطار، وما تجد بلداً إلا وتصل إليها ميرة مصر؛ وبغداد لا تمير أهلها فضلاً عن غيرهم لأن طعامها وأقوات ساكنيها من الموصل وأعماله والفرات وأعماله وديار مضر وربيعة.
وأما بغداد فإنها تميز نفسها أربعة أشهر، وتميرها الموصل أربعة أشهر، وتميرها واسط أربعة أشهر؛ وكذلك البصرة أيضاً لا تمير نفسها، وإنما تميرها واسط والأهواز؛ ولما حل الغلاء ببغداد نزح عنها أهلها وأثر فيها إلى اليوم، وكان بمصر
стр. 75
غلاء في سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وغلاء في سنة أربع عشرة وثلاثمائة، وغلاء في سنة عشرين وثلاثمائة، وغلاء في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وغلاء في سنه ست وسبع وثمان وخمسين وثلثمائة، فما أثر ذلك فيها.
قلت: هذا، وما وصل القائل إلى غلاء سني المستنصر بالديار المصرية من سنة ست وخمسين إلى سنة خمس وستين وخمسمائة التي شبهت بأيام يوسف ﵇، ولم يقع بمصر غلاء مثله قبله ولا بعده، وبعد ذلك تراجع أمر مصر فى مدّة يسيرة وعادت إلى ما كانت عليه أولاً. يأتي ذكر هذا الغلاء وغيره في ترجمة الخليفة المعز العبيدي في هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
قلت: وهذا القياس الذي ذكرناه بين مصر وبغداد إنما كان تلك الأيام التي كان بها يومئذ عظماء خلفاء بني العباس، وكانت مصر تلك الأيام يليها عامل من قبل أمير من أمراء الخلفاء؛ وأما يومنا هذا فلا تقاس مصر بالعراق جميعه بل تزيد محاسنها على جميع أقطار الأرض، ولولا خشية الإطالة لبينا ذلك، ولكن فيما ذكرناه من محاسن مصر وما اشتملت عليه من الطرائف كفاية عن الإطناب فيها.
*** وأما خراج مصر قديماً فقيل: إن كيقاوس أحد ملوك القبط الأول جبى خراجها فجاء مائة ألف ألف وثلاثين ألف دينار، وجباه عزيز مصر مائة ألف ألف دينار، وجباه عمرو بن العاص ﵁ في الإسلام اثني عشر ألف ألف دينار، ثم رذل «١» إلى أن جباه أحمد بن طولون في سنة ستين ومائتين أربعة آلاف ألف دينار وثلثمائة ألف دينار مع ما يضاف إليه من ضياع الأمراء، ثم جباه جوهر القائد خادم المعز العبيدي ثلاثة آلاف ألف دينار ومائتي ألف دينار فى سنة ستين وثلثمائة.
стр. 76
وسبب نزول خراج مصر أن الملوك لم تسمح نفوسهم بما كان ينفق في حفر ترعها وإتقان جسورها، وإزالة ما هو شاغل للأرض عن الزراعة كالقصب والحلفاء والقضاب وغير ذلك.
وحكى عبد الله بن لهيعة: أن المرتبين لذلك كانوا مائة ألف وعشرين ألف رجل: سبعون ألفاً بصعيد مصر، وخمسون ألفاً بالوجه البحري.
وحكى ابن زولاق: أن أحمد بن المدبر لما ولي خراج مصر كشف أرضها فوجد غامرها أكثر من عامرها، فقال: والله لو عمرها السلطان لوفت له بخراج الدنيا.
وقيل: إنها مسحت في أيام هشام بن عبد الملك فكان ما يركبه الماء الغامر والعامر مائة ألف ألف فدان، والفدان أربعمائة قصبة، والقصبة عشرة أذرع.
وقيل: إن أحمد بن المدبر المذكور اعتبر ما يصلح للزراعة بمصر فوجده أربعة وعشرين ألف ألف فدان، والباقي مستبحر وتلف من قلة الزراعة، واعتبر أيضا مدة الحرث فوجدها ستين يوماً؛ والحراث يحرث خمسين «١» فدانا، فكانت محتاجة إلى أربعمائة ألف وثمانين ألف حرّاث، اهـ.
قلت: هذا خلاف ما رئي من الجزائر في الإسلام مثل جزيرة بني نصر وجزيرة الذهب وغيرهما قبلي وبحري؛ وأيضا خلاف إقليم البحيرة، والبحيرة كان أصلها كرماً لامرأة المقوقس، وكانت تأخذ خراجها الخمر بفريضة عليهم، فكثر الخمر عليها فقالت: لا حاجة لي بالخمر، أعطوني دنانير، فلم تجدها معهم، فأرسلت على الكرم الماء فغرقتها، فصارت بحيرة يصاد بها السمك حتى استخرجها بنو العباس،
стр. 77
فسدوا جسورها وزرعوها ونمت واستمرت في زيادة إلى يومنا هذا، وبقي ذلك اسما عليها لا تعرف إلا بالبحيرة.
ذكر ما قيل في سبب تسمية مصر بمصر
قيل: إنه كان اسمها في الدهر الأول زجلة «١» من المزاجلة، وقال قوم: سميت بمصريم بن مركائيل «٢» بن دواييل بن غرياب بن آدم، وهذا هو مصر الأول؛ وقيل:
بل سميت بمصر الثاني، وهو مصرام بن نقراوش «٣» الجبار بن مصريم الأول المقدم ذكره؛ وقيل: سميت بعد الطوفان بمصر الثالث، وهو مصر بن بيصر بن حام بن نوح، وهو اسم أعجمي لا ينصرف؛ وقيل: هو اسم عربي مشتق، ولكل قائل دليل؛ وقيل:
غير ذلك أقوال كثيرة يأتي ذكر بعضها.
قال المسعودي في تاريخه: إن بني آدم لما تحاسدوا وبغى عليهم بنو قابيل بن آدم ركب نقراوش الجبار ابن مصريم المقدم ذكره في نيف وسبعين راكباً من بني غرياب بن آدم، جبابرة كلهم يطلبون موضعاً من الأرض ليقطنوا فيه، فلم يزالوا يمشون حتى وصلوا إلى النيل فأطالوا المشي عليه، فلما رأوا سعة هذا البلد أعجبهم، وقالوا: هذا بلد زرع وعمارة، فأقاموا فيه واستوطنوه وبنوا فيه الأبنية المحكمة والمصانع العجيبة، وبنى نقراوش بن مصريم [مصر «٤» وسماها باسم أبيه مصريم] ثم لما ملك قال لبنيه: إني أريد أن أصنع مدينة، ثم أمرهم ببنيان مدينة في موضع خيمته، فقطعوا الصخور من الجبال، وأثاروا معادن الرصاص، وبنوا دورا وزرعوا وعمروا الأرض، ثم أمرهم ببناء المدائن والقرى وأسكن كل ناحية من الأرض من
стр. 78
رأى، ثم حفروا النيل حتى أخرجوا ماءه إليهم، ولم يكن قبل ذلك معتدل الجري، وإنما كان ينبطح ويتفرق في الأرض، فهندسوه وشقوا منه أنهاراً إلى مواضع كثيرة من مدنهم التي بنوها، وشقوا منه نهراً إلى مدينتهم أمسوس يجري في وسطها، ثم سميت مصر بعد الطوفان بمصر بن بيصر بن حام بن نوح على ما نذكره هنا أيضاً. ويقال: إن مصر هذا غرس الأشجار بيده فجاءت ثمارها عظيمةً بحيث إنه كان يشق الأترجة نصفين لنوح يحمل البعير نصفها، وكان القثاء يومئذ في طول أربعة عشر شبراً؛ ويقال: إنه أول من وضع السفن وإنّ سفينته كانت ثلثمائة ذراع في عرض مائة ذراع. ويقال: إن مصرايم نكح امرأة من بنات الكهنة فولدت ولداً يقال له قبطيم، ونكح قبطيم بعد سبعين سنه من عمره امرأة ولدت له أربعة نفر: قفطريم، وأشمون، وأتريب، وصا؛ فكثروا وعمروا الأرض وبورك لهم فيها.
وقيل: إنه كان عدد من وصل معهم ثلاثون رجلا فبنوا مدينة سموها مافة ومعين، (ومافة ثلاثون بلغتهم) وهي مدينة منف التي تسمى الأن: «منوف العليا» ، وكشف لهم أصحاب قليمون الكاهن عن كنوز مصر وعلومهم والطلسمات والمعادن، ووصفوا لهم عمل الصنعة «١» وبنوا على عبر البحر مدناً: منها رقودة «٢» مكان الإسكندرية؛ ولما حضرت مصرايم الوفاة عهد إلى ولده قبطيم، وكان قد قسم أرض مصر بين بنيه، فجعل لقفطريم من قفط إلى أسوان، ولأشمون من أشمون إلى منف، ولأتريب الحوف كله، ولصا من ناحية صا البحيرة إلى قرب برقة؛ وقال لأخيه فارق: لك من برقة إلى المغرب، فهو صاحب إفريقية وأولاده الأفارق؛ وأمر كل واحد من بنيه أن يبني لنفسه مدينة في موضعه، وأمرهم عند موته أن يحفروا له في الأرض سرباً وأن يفرشوه بالمرمر الأبيض ويجعلوا فيه جسده، ويدفنوا معه جميع ما في خزائنه
стр. 79
من الذهب والجوهر، ويزبروا «١» عليه أسماء الله المانعة من أخذه «٢» ، فحفروا له سرباً طوله مائة وخمسون ذراعاً، وجعلوا في وسطه مجلساً مصفحاً بصفائح الذهب، وجعلوا له أربعة أبواب على كل باب منها تمثال من ذهب، عليه مانع مرصع بالجوهر، وهو جالس على كرسي من ذهب، قوائمه من زمرذ، وزبروا في صدر كل تمثال آيات مانعة، وجعلوا جسده في جرن مرمر مصفح بالذهب، وكانت وفاة مصرايم المذكور بعد الطوفان بسبعمائة سنة، ومات ولم يعبد الأصنام، وجعلوا معه في ذلك المجلس ألف قطعة من الزبرجد المخروط، وألف تمثال من الجوهر النفيس، وألف برنية مملوءة من الدر الفاخر والعقاقير والطلسمات العجيبة وسبائك الذهب، وسقفوا ذلك بالصخور وهالوا فوقها الرمال بين جبلين، وولي ابنه قبطيم الملك.
*** ودخل مصر من الصحابة ممن تقدم ذكرهم فى فتح مصر وغيرهم جماعة: الزبير ابن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وفضالة ابن عبيد، وعمرو بن العاص، وعمرو بن علقمة، وشرحبيل بن حسنة، وسعد ابن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، وخارجة بن حذافة، ومحمد بن مسلمة، وأبو رافع، ومسلمة بن مخلد، وأبو أيوب، ونافع بن مالك «٣» ، ومعاوية بن حديج، وعمار بن ياسر، وخالد بن الوليد، وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين.
ودخلها من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين: يعقوب وأولاده، وهم:
يوسف، ويهوذا، وروبيل، ولاوي، وزبالون، وشمعون، ويسحر «٤» ،
стр. 80
ودنيا، ودانا، وديفتابيل «١» ، وجاد، وبنيامين. ودخلها موسى وهرون؛ وبها ولد عيسى بن مريم.
وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه سأل كعب الأحبار عن طبائع البلدان وأخلاق سكانها، فقال: إن الله لما خلق الأشياء جعل كل شىء لشىء؛ فقال العقل: أنا لاحق بالشأم، فقالت الفتنة: وأنا معك؛ فقال الخصب: أنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك؛ وقال الشقاء: أنا لاحق بالبادية، فقالت الصحة: وأنا معك؛ وقال البخل: أنا لاحق بالمغرب، فقال سوء الخلق: وأنا معك.
ويقال: لما خلق الله الخلق خلق معهم عشرة أخلاق: الإيمان، والحياء، والنجدة، والفتنة، والكبر، والنفاق، والغنى، والفقر، والذل، والشقاء؛ فقال الإيمان: أنا لاحق باليمن، فقال الحياء: وأنا معك؛ وقالت النجدة: وأنا لاحقة بالشأم، فقالت الفتنة: وأنا معك، وقال الكبر: أنا لاحق بالعراق، فقال النفاق:
وأنا معك؛ وقال الغنى: أنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك؛ وقال الفقر:
أنا لاحق بالبادية، فقال الشقاء: وأنا معك.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ قال: المكر عشرة أجزاء: تسعة منها في القبط، وواحد فى سائر الناس. اهـ.
*** ووصف ابن القرية مصر فقال: عبيد لمن غلب، أكيس الناس صغارا وأجلّهم كباراً. وقال المسعودي في تاريخه: قال بعض الشعراء يصف مصر:
مصر ومصر شأنها عجيب ... ونيلها يجري به الجنوب
стр. 81
قلت: وقد قيل في مصر عدة قصائد ومقطعات ذكرنا منها نبذة في تاريخنا «حوادث الدهور» عند وفاء النيل في كل سنة: منها ما قاله الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصّفدىّ:
لم لا أهيم بمصرٍ ... وأرتضيها وأعشق
وما ترى العين أحلى ... من مائها إن تملق
وفي المعنى للشيخ زين الدين عمر بن الوردي ﵁:
ديار مصر هي الدنيا وساكنها ... هم الأنام فقابلها بتقبيل
يا من يباهي ببغدادٍ ودجلتها ... مصر مقدمة والشرح للنيل
وأبدع منه ما قيل في المعنى أيضا لابن سلّار:
لعمرك ما مصر بمصرٍ وإنما ... هي الجنة العليا لمن يتذكر
وأولادها الولدان من نسل أدم ... وروضتها الفردوس والنيل كوثر
وللقاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري في هذا المعنى:
ما مثل مصر فى زمان ربيعها ... لصفاء ماءٍ واعتدال نسيم
أقسمت ما تحوي البلاد نظيرها ... لما نظرت إلى جمال وسيم
وله أيضاً ﵁ وأبدع:
لمصر فضل باهر ... لعيشها الرغد النضر
في كل سفح يلتقي ... ماء الحياة والخضر
[و «١» للصّفىّ الحلّى في القاهرة:
لله قاهرة المعز فإنها ... بلد تخصص بالمسرة والهنا
أو ما ترى في كل قطر منيةً ... من جانبيها فهي مجتمع المنى
стр. 82
ولأبي الحسن علي بن بهاء الدين الموصلي الحنبلي في المعنى:
بها ما تلذ العين من حسن منظرٍ ... وما ترتضيه النفس من شهواتها
وتربتها تبر يلوح وعنبر ... يفوح وتلقى بعد بعد حياتها
زمردة خضراء قد زين قرطها ... بلؤلؤة بيضاء من زهراتها
ولابن الصائغ الحنفي في المعنى وأجاد:
ارض بمصرٍ فتلك أرض ... من كل فن بها فنون
ونيلها العذب ذاك بحر ... ما نظرت مثله العيون
وللشيخ برهان الدين القيراطي:
روت لنا مصر عن فواكهها ... أخبار صدقٍ صحيحة الخبر
وكل ما صحّ من محاسنها ... أرويه من خوخها عن الزهري
وله أيضا:
جلا نيل مصر وهو شهد ومن يذق ... حلاوته يوما من الناس يشهد «١»
أيا بردى بالشأم إن ذبت حسرةً ... وغيظاً فلا تهلك أسًى وتجلّد
وقال غيره فى المعنى «٢» :
النيل قال وقوله ... إذ قال ملء مسامعي
فى غيظ من طلب العلا ... عم البلاد منافعي
وعيونهم بعد الوفا ... قلعتها بأصابعى]
стр. 83
وللشريف العقيلي في المعنى ﵁:
أحن إلى الفسطاط شوقاً وإنني ... لأدعو لها ألا يحل بها القطر
وهل في الحيا من حاجةٍ لجنابها ... وفي كل قطر من جوانبها نهر
تبدت عروساً والمقطم تاجها ... ومن نيلها عقد كما انتظم الدر
[فائدة «١» : إذا أردت أن تعلم كم تكون زيادة النيل في السنة فاحسب يوم عيد ميكائيل، وهو ثاني عشر بؤونة، كم يكون في الشهر العربي من يوم، وزد فوقه تسعين يوماً وخذ سدس الجميع، تكون عدّة أذرع النيل فى تلك السنة اهـ] .
ولولا خشية الإطالة لذكرنا من هذا نبذاً كثيرة؛ ومن أراد الإكثار من ذلك فليراجع تاريخنا «حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور» فإنني ذكرت من ذلك عدة مقطعات عند وفاء النيل في كل سنة. ونعود الآن إلى كلام المسعودي، قال:
وهي مصر، واسمها كمعناها، وعلى اسمها سميت الأمصار، ومنها اشتق هذا الاسم عند علماء المصريين. ثم ذكر المسعودي زيادة النيل ونقصانه نحواً مما ذكرناه، إلى أن قال: فإذا انتهت الزيادة إلى ست عشرة ذراعا ففيه تمام الخراج، وفي سبع عشرة ذراعاً كفايتها وري جميع أرضها، وإذا زاد على السبع عشرة وبلغ الثمان عشرة ذراعاً وأغلقها استبحر من أرض مصر الربع، وفي ذلك ضرر لبعض الضياع لما ذكرناه من وجه الاستبحار وغير ذلك، وإذا كانت الزيادة ثمان عشرة ذراعاً كانت العاقبة في انصرافه حدوث وباء بمصر، وأكثر الزيادات ثمان عشرة ذراعاً، وقد كان النيل بلغ في زيادته تسع عشرة ذراعاً سنة تسع وتسعين في خلافة عمر بن عبد العزيز.
стр. 84
قلت: وكلام المسعودي بهذا القول في عصر الأربعمائة من الهجرة قبل أن تعلو الأراضي ويحتاج إلى بلوغه إحدى وعشرين ذراعاً وأكثر؛ ولو رأى عصرنا هذا لكان يرجع فيه عن مقالته وطلب الزيادة. اهـ.
قال: ومساحة الذراع إلى أن يبلغ اثني عشر ذراعاً ثمان وعشرون إصبعاًِ، ومن اثني عشر ذراعاً إلى ما فوق يصير الذراع أربعاً وعشرين إصبعاً. قال: وأقل ما يبقى في قاع المقياس من الماء ثلاث أذرع، وفى نيل تلك السنة يكون الماء قليلا.
قال: والأذرع التى يستسقى عليها هى ذراعان، تسميان بمنكر ونكير، وهى ذراع «١» ثلاثة عشر ذراعا وذراع أربعة عشر ذراعا، فإذا انصرف الماء في هذين الذراعين (أعني ثلاثة عشر وأربعة عشر) وزيادة نصف ذراع من الخمسة عشر واستسقى الناس بمصر، كان الضرر شاملاً لكل البلدان، وإذا تم خمس عشرة ودخل في ست عشرة ذراعاً كان فيه صلاح لبعض البلاد ولا يستسقى فيه، وكان ذلك نقصاً من خراج السلطان.
قلت: ونذكر أيضاً من أخبار نيل مصر وما كان بها من المقاييس في الجاهلية والإسلام عند ما نذكر بناء المتوكل لمقياس مصر المعهود الآن في ترجمة يزيد بن عبد الله التركي لما ولي إمرة مصر في شهر رجب سنة اثنتين وأربعين ومائتين هجرية بأوسع من هذا، فلينظر هناك، اهـ.
قال: والترع التي بغيضة مصر أربع أمهات، أسماؤها: ترعة ذنب التمساح، وترعة بلقينة، وخليج سردوس، وخليج ذات الساحل؛ وتفتح هذه الترع إذا كان الماء زائداً في عيد الصليب، وهو لأربع عشرة تخلو من توت، وهو أوّل أيلول.
стр. 85
قال: وكان بمصر سبع خلجانات: فمنها خليج الإسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج سردوس، وخليج المنهى.
وكانت مصر فيما يذكر أهل الخبرة أكثر البلاد جناناً، وذلك أن جنانها كانت متصلة بحافتي النيل من أوّله الى آخره الى حد أسوان إلى رشيد، وكان الماء إذا بلغ في زيادته تسع أذرع دخل خليج المنهى وخليج الفيوم وخليج سردوس وخليج سخا.
وكان الذي ولي حفر خليج سردوس لفرعون عدو الله هامان، فلما ابتدأ في حفره أتاه أهل القرى يسألونه أن يجري الخليج تحت قراهم ويعطون على ذلك ما أراد من المال، فكان يعمل ذلك حتى اجتمعت له أموال عظيمة، فحمل تلك الأموال إلى فرعون، فسأله فرعون عنها، فأخبره الخبر، فقال فرعون: إنه ينبغي للسيد أن يعطف على عبيده ويفيض عليهم معروفه ولا يرغب فيما في أيديهم، ونحن أحق بمن يفعل هذا بعبيده، فاردد على أهل كل قرية ما أخذته منهم، ففعل هامان ذلك. وليس في خلجان مصر أكثر عطوفاً وعراقيل من خليج سردوس. وأما خليج الفيوم وخليج المنهى فإن الذي حفرهما يوسف بن يعقوب صلى الله عليهما وسلم. اهـ.
قلت: والآن نأتي بما وعدنا بذكره من أخبار من ملك مصر قبل الإسلام، على أنه ليس في شرطنا من هذا الكتاب، وإنما نذكره على سبيل الاختصار لتعلم بذلك أحوال مصر قديماً وحديثاً كما ذكرنا؛ هذا كله ليعلم الناظر فيه أمورها على سبيل الاستطراد إلى أن نذكر ما صنف هذا الكتاب بسببه وهم ملوك مصر، وأول من نذكر منهم عمرو بن العاص ﵁، ثم نسوق التاريخ من حينئذ على منواله دولاً دولاً، لا نخرج منه إلى غيره إلا ما مست الحاجة إلى ذكره استطراداً، والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 86
*** [ذكر من ملك مصر قبل الإسلام]
فأما من ملك مصر بعد من نقدّم ذكره من أولادهم وغيرهم فقال المسعودي:
وكان بيصر بن حام بن نوح قد كبرت سنه فأوصى إلى الأكبر من ولده وهو مصر وأجمع الناس على أنه ملك من حد رفح من أرض فلسطين من بلاد الشأم، وقيل: من العريش، وقيل: من الموضع المعروف بالشجرة وهو آخر أرض مصر، والفرق «١» بينها وبين الشأم، وهو الموضع المشهور بين العريش ورفح إلى بلاد أسوان من بلاد الصعيد طولاً، ومن آيلة وهي تخوم الحجاز إلى برقة عرضاً. وكان لمصر أولاد أربعة وهم:
قبط «٢» ، وأشمون، وأتريب، وصا. وقد تقدم ذكر ذلك، غير أننا نذكره في سياق كلام المسعودي أيضاً، إذ لا يتم المراد إلا بذكره، ليتناسق الأسلوب.
قال: وقسم مصر بين ولده الأربعة الأرض أرباعاً، وعهد إلى الأكبر من ولده وهو قبط، وأقباط مصر يضافون في النسب إلى أبيهم قبط بن مصر، وأضيفت المواضع إلى سكانها وعرفت بأسمائهم، واختلطت الأنساب وكثر ولد قبط وهم الأقباط، فغلبوا على سائر الأرض، ودخل غيرهم في أنسابهم. ولما هلك قبط بن مصر ملك بعده أشمون بن مصر؛ ثم ملك بعده صا بن مصر؛ ثم ملك بعده أتريب بن مصر؛ ثم ملك بعده ماليق بن دارس؛ ثم ملك بعده حرايا بن ماليق؛ ثم ملك بعده كلكي بن حرايا، وأقام في الملك نحواً من مائة سنة؛ ثم ملك بعده أخ له يقال له:
ماليا بن حرايا؛ ثم ملك بعده لوطس بن ماليا نحواً من سبعين سنة؛ ثم ملكت بعده ابنة له يقال لها: حوريا بنت لوطس بن ماليا نحواً من ثلاثين سنة؛ ثم ملكت بعدها امرأة أخرى يقال لها: ماموم. ثم كثر ولد بيصر بن حام بن نوح بأرض مصر
стр. 87
وتشعبوا وملكوا النساء، فطمعت فيهم ملوك الأرض، فسار إليهم من الشأم ملك من العماليق يقال له: الوليد بن درمع «١» ، فكانت له بها حروب حتى غلب على الملك وانقادوا إليه واستقام له الأمر حتى هلك؛ ثم ملك بعده الريان بن الوليد العملاقي، وهو فرعون يوسف ﵇؛ ثم ملك بعده دارم بن الريان العملاقي؛ ثم ملك بعده كامس بن معدان العملاقي؛ ثم ملك بعده الوليد بن مصعب، وهو فرعون موسى ﵇، وقد اختلف فيه، فمن الناس من يقول: إنه من العماليق، ومنهم من رأى أنه من لخم من بلاد الشأم، ومنهم من رأى أنه من الأقباط من ولد مصر بن بيصر، وكان يعرف بظلما؛ وهلك فرعون غرقاً حين خرج في طلب بني إسرائيل، ولما غرق فرعون ومن كان معه من الجنود خشي من بقي بأرض مصر من الذراري والنساء والصبيان والعبيد أن يغزوهم ملوك الشأم والمغرب، فملكوا عليهم امرأة ذات رأي وحزم يقال لها: دلوكة، فبنت على ديار مصر حائطاً يحيط بجميع أرضها والبلاد، وجعلت عليه المحارس والأجراس والرجال متصلة أصواتهم بقرب بعضهم من بعض، وأثر هذا الحائط باق إلى هذا اليوم، وهو يعرف بحائط العجوز؛ وقيل:
إنما بنته خوفاً على ولدها، فإنه كان كثير الصيد فخافت عليه سباع البر والبحر واغتيال من جاوز أرضهم من الملوك، فحوطت الحائط من التماسيح وغيرها، وقد قيل في ذلك غير هذا أيضاً. فملكتهم دلوكة المذكورة ثلاثين سنة واتخذت بمصر البرابي والصور، وأحكمت آلات السحر، وجعلت في البرابي صور من يرد من كل ناحية ودوابهم إبلاً كانت أم خيلاً، وصورت فيها أيضاً من يرد في البحر من المراكب من بحر المغرب والشأم، وجمعت في هذه البرابي العظيمة المشيدة البنيان أسرار الطبيعة وخواص الأحجار والنبات والحيوان، وجعلت ذلك في أوقات حركات فلكية واتصالها بالمؤثرات العلوية، فكانوا إذا ورد إليهم جيش من نحو
стр. 88
الحجاز واليمن عورت تلك الصور التي في البرابي من الإبل وغيرها، فيتعور ما في ذلك الجيش وينقطع عنهم ناسه وحيوانه، وإذا كان الجيش من نحو الشأم فعلت تلك الصور أيضاً ما فعلت كما وصفنا، وكذلك من أتاهم في المراكب؛ فهابتهم الأمم والملوك ومنعوا ناحيتهم من عدوهم، فاتصل ملكهم بتدبير هذه العجوز إلى عدة أقطار، ثم عرفت بمجيء الطوفان ثانية، فخافت على هذه الصور والعلوم أن تذهب فبنت عدة برابٍ، وجعلت فيها علومها من الصور والتماثيل والكتابة، وجعلت بنيانها نوعين:
طيناً وحجراً، وفرزت ما يبنى بالطين مما يبنى بالحجر، وقالت: إن كان هذا الطوفان ناراً استحجر ما بنينا بالطين وبقيت هذه العلوم، وإن كان الطوفان الوارد ماءً ذهب ما بنينا بالطين وبقي ما بنينا بالحجارة، وإن كان الطوفان سيفاً بقي كلا النوعين.
ولما ماتت دلوكة العجوز المذكورة ملك مصر بعدها دركوس بن بلطيوس؛ ثم ملك بعده بورس بن دركوس؛ ثم ملك بعده لعس بن نورس نحوا من خمسين سنة؛ ثم ملك بعده دنيا «١» بن نورس نحوا من عشرين سنة؛ ثم ملك بعده نلوطس عشر سنين؛ ثم ملك بعده مما كيل بن بلوطس، ثم ملك بعده يلونة بن مماكيل وكانت له حروب ومسير في الأرض، وهو فرعون الأعرج الذي غزا بني إسرائيل وخرب بيت المقدس؛ ثم ملك بعده مرينوس وكانت له أيضاً حروب بالمغرب، ثم ملك بعده نقاس بن مرينوس ثمانين سنة، ثم ملك بعده قويس بن نقاس عشر سنين؛ ثم ملك بعده كاميل، وكانت له أيضاً حروب مع ملوك المغرب وغزاه البخت نصّر مرزبان المغرب من قبل ملك فارس، فخرب أرضه وقتل رجاله وسار البخت نصر إلى نحو المغرب. ولما زال أمر البخت نصر ومن كان معه من جنود فارس ملكت الروم مصر وغلبت عليها، فتنصر أهلها، فلم يزالوا على ذلك
стр. 89
إلى أن ملك كسرى أنو شروان، فغلبت جيوشه على الشأم وسارت نحو مصر فملكوها، وغلبوا على أهلها نحواً من عشرين سنة، فكانت بين الروم وفارس حروب كثيرة، وكان أهل مصر يؤدون خراجين عن بلادهم: خراجاً لفارس، وخراجاً للروم؛ ثم انجلت فارس عن مصر والشأم [لأمر «١» حدث في دار مملكتهم فغلبت الروم على مصر والشأم] وأشهروا النصرانية فشمل ذلك من في الشأم ومصر إلى أن أتى الله بالإسلام، وكان من أمر المقوقس صاحب مصر مع النبي ﷺ من الهدايا ما كان إلى أن افتتحها عمرو بن العاص بمن كان معه من الصحابة في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، حسبما ذكرناه في أول ذلك الكتاب.
وكان المقوقس ملك مصر وصاحب القبط نزيل الإسكندرية في بعض فصول السنة، وفي بعضها مدينة منف، وفي بعضها قصر الشمع، وقصر الشمع في وسط مدينة الفسطاط. والمقصود من ذكر ذلك أن الذين ملكوا مصر باتفاق كثير من أهل التاريخ على اختلاف بينهم، من الفراعنة وغيرهم: اثنان وثلاثون فرعوناً؛ ومن ملوك بابل ممن ملك مصر: خمسة؛ ومن العماليق وهم الذين قدموا إليها من الشأم: أربعة؛ ومن الروم: سبعة؛ ومن اليونانيين: عشرة؛ وذلك قبل ظهور المسيح عيسى بن مريم ﵇، وملكها أناس من ملوك الفرس من الأكاسرة، فكانت مدة من ملك مصر من بني نوح والفراعنة والعماليق والروم واليونانيين ألف سنة وثلثمائة سنة.
قلت: وهذا الذي ذكرناه على سبيل الاستطراد، وشرط كنابنا هذا ألا نذكر فيه إلا من ملك مصر في الإسلام، ومن ذكرناه من هؤلاء زيادة ليست بمنكرة لتحصيل الفائدة.
стр. 90
قال المسعودي: وسألت جماعة من أقباط مصر بالصعيد وغيره من أهل الخبرة عن تفسير اسم فرعون فلم يخبروني عن معنى ذلك ولا تحصل لي في لغتهم، فيمكن- والله أعلم- أن هذا الاسم كان سمة لملوك تلك الأعصار، وأن تلك اللغة تغيرت كتغير الفهلوية، وهي الفارسية الأولى إلى الفارسية الثانية، وكاليونانية إلى الرومية، وتغير الحميرية وغير ذلك من اللغات. انتهى كلام المسعودي.
قلت: وليس بمستبعد هذه المقالة لأن لسان العرب وهو أشرف الألسن وبه نزل القرآن الكريم قد تغير الآن غالبه، وصارت العامة وغيرها تتكلم بكلام لو سمعه بعض أعراب ذلك الزمان لما فهموه لتغير ألفاظه، وكذلك اللغة التركية، فإن لسان المغل الآن لا يعرفه جند زماننا هذا ولا يتحدثون به، ولو سمعوه لما فهموه، وأشياء كثيرة من هذا. اهـ.
ونشرع الآن بذكر ما نحن بصدده، ومن لأجله صنف هذا الكتاب، وهم ملوك مصر والقاهرة، ونبدأ بترجمة عمرو بن العاص ﵁، لأنها «١» فتحت على يديه، وهو أوّل من وليها من المسلمين.
ذكر ولاية عمرو بن العاص الأولى على مصر
هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لؤي بن غالب، أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد القرشىّ السّهمىّ الصحابىّ؛ أسلم يوم الهدنة وهاجر، واستعمله رسول الله ﷺ على جيش غزوة ذات السلاسل، وفيه أبو بكر وعمر، لخبرته بمكيذة الحرب، ثم ولي الإمرة في غزوة الشأم لأبي بكر وعمر، ثم افتتح مصر حسبما تقدم ذكره ووليها لعمر أولاً، ثم وليها لمعاوية ابن أبي سفيان ثانياً على ما يأتي ذكره.
стр. 91
وحكى ابن سعد في كتاب الطبقات: أنه أسلم بعد الحديبية هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة.
قال الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبي في تاريخ الإسلام: وله عدة أحاديث، روى عنه ابناه عبد الله ومحمد، وأبو عثمان النهدي، وقبيصة بن ذؤيب، وعلي بن رباح، وعبد الرحمن بن شماسة، وآخرون؛ وقدم دمشق رسولاً من أبي بكر إلى هرقل، وله بدمشق دار عند سقيفة كردوس، ودار عند باب الجابية تعرف ببني حجيجة، ودار عند عين الحمار «١» ، وأمه عنزية، وكان قصيرا يخضب بالسواد.
حدثنا ابن لهيعة عن مشرح عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص» رواه الترمذي. وقال ابن أبي مليكة قال طلحة بن عبيد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«عمرو بن العاص من صالحي قريش» أخرجه الترمذي وفيه انقطاع. وقال حمّاد ابن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «ابنا العاص مؤمنان هشام وعمرو» . وقال ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أخبرني سويد بن قيس عن قيس بن شفىّ: أن عمرو بن العاص قال:
يا رسول الله، أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي؟ قال: «إن الإسلام والهجرة يجبّان ما كان قبلهما» قال: فو الله ما ملأت عيني منه ولا راجعته بما أريد حتى لحق بالله، حياءً منه.
وقال الحسن البصري: قال رجل لعمرو بن العاص: أرأيت رجلاً مات رسول الله ﷺ وهو يحبه، أليس رجلاً صالحاً؟ قال: بلى، قال:
قد مات رسول الله ﷺ وهو يحبك، وقد استعملك؛ قال: بلى،
стр. 92
فو الله ما أدري أحباً كان لي منه أو استعانةً بي، ولكن سأحدثك برجلين مات وهو يحبهما: عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر؛ فقال الرجل: ذاك قتيلكم يوم صفين، قال: قد والله فعلنا.
وروي أن عمراً لما توفي النبي ﷺ كان على عمان، فأتاه كتاب أبي بكر بذلك. قال ضمرة عن الليث بن سعد: إن عمر ﵁ نظر إلى عمرو ابن العاص يمشي، فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميراً.
قال الذهبي بعد كلام ساقه: ثم إن عمراً قال لمعاوية- يعني في أيام وقعة صفين-: يا معاوية، أحرقت كبدي بقصصك، أترى أنا خالفنا علياً لفضلٍ منا عليه! لا والله، إن هي إلا الدنيا نتكالب عليها، وأيم الله لتقطعن لي قطعة من دنياك، أو لأنابذنك، قال: فأعطاه مصر، يعطي أهلها عطاءهم وما بقي فله.
ويروى أن علياً كتب إلى عمرو يتألفه، فلما أتاه الكتاب أقرأه معاوية، وقال:
قد ترى، فإما أن ترضيني، وإما أن ألحق به! قال: فما تريد؟ قال: مصر، فجعلها له.
وعن يزيد بن أبي حبيب وغيره؛ أن الأمر لما صار لمعاوية استكثر طعمة مصر لعمرو، ورأى عمرو أن الأمر كله قد صلح به وبتدبيره وعنائه، وظن أن معاوية سيزيده الشأم مع مصر فلم يفعل معاوية، فتنكر له عمرو فاختلفا وتغالظا، فدخل بينهما معاوية بن حديج فأصلح بينهما، وكتب بينهما كتاباً: إن لعمرو ولاية مصر سبع سنين وأشهد عليهما شهوداً، ثم مضى عمرو إليها سنة تسع وثلاثين (أعني في ولايته الثانية) ، فما مكث نحو ثلاث سنين حتى مات.
стр. 93
قال: وكان عمرو من أفراد الدهر دهاء وجلادة وحزماً ورأياً وفصاحة. ذكر محمد بن سلام الجمحي: أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى رجلاً يتلجلج في كلامه يقول: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد.
وقال مجالد عن الشعبي عن قبيصة عن جابر قال: صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت أقرأ لكتاب الله منه، ولا أفقه في دين الله منه، ولا أحسن مداراةً منه؛ وصحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت رجلاً أعطى للجزيل منه من غير مسئلة؛ وصحبت معاوية فما رأيت رجلاً أحلم منه؛ وصحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلاً أبين، أو قال أنصع، «١» ظرفاً منه، ولا أكرم جليساً، ولا أشبه سريرة بعلانيةٍ منه؛ وصحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها. وقال موسى بن علي بن رباح حدثنا أبي حدثنا أبو قيس مولى عمرو بن العاص: أن عمراً كان يسرد الصوم، وقلما كان يصيب من العشاء أول الليل، أكثر ما كان يأكل في السحر. وقال عمرو بن دينار: وقع بين المغيرة بن شعبة وبين عمرو بن العاص كلام فسبه المغيرة، فقال عمرو: يا آل هصيص، أيسبني ابن شعبة! فقال عبد الله ابنه: إنا لله! دعوت بدعوى القبائل وقد نهي عنها! فأعتق عمرو ثلاثين رقبة. انتهى كلام الذهبي باختصار.
قلت: ولما ولي عمرو بن العاص مصر ودخلها سكن الفسطاط. ولسبب تسمية مصر بالفسطاط أقول كثيرة، منها: أن عمراً لما أراد التوجه لفتح الإسكندرية أمر بنزع فسطاطه (أعني خيمته) فإذا فيه يمامة قد فرخت، فقال عمرو: لقد تحرّم منا بمتحرّم، فأمر به فأقرّ كما هو، وأوصى به صاحب القصر، فلما قفل المسلمون
стр. 94
من الإسكندرية قالوا: أين ننزل؟ قالوا: الفسطاط- يعنون فسطاط عمرو الذي خلفه بمصر مضروباً لأجل اليمامة فغلب عليه ذلك- وكان موضع الفسطاط المذكور موضع الدار التى تعرف اليوم بدار الحصار «١» عند دار عمرو الصغيرة بمصر.
وقال الشريف محمد بن سعد الجوّانىّ: كان فسطاط عمرو عند درب حمّام «٢» شمول بخط الجامع، اهـ.
ولما رجع عمرو من الإسكندرية في سنة إحدى وعشرين أو غيرها نزل موضع فسطاطه وتنافست «٣» القبائل بعضها مع بعض في المواضع، فولى عمرو بن العاص معاوية بن حديج التجيبي «٤» ، وشريك بن سمي الغطيفي، وعمرو بن قحزم «٥» الخولاني، وحيويل «٦» بن ناشرة المعافري على الخطط، وكانوا هم الذين نزلوا الناس وفصلوا بين القبائل. وذلك في سنة إحدى وعشرين من الهجرة، واستمر عمرو على عمله بمصر، وشرع في بناء جامعه بمصر إلى أن عزله عثمان عن ولاية مصر في سنة خمس وعشرين بعبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد أن أنتقض صلح أهل الإسكندرية وغزاه عمرو في السنة المذكورة.
وسبب ذلك أن ملك الروم بعث إليهم منويل الخصي في مراكب من البحر، فطمعوا في النصرة ونقضوا دينهم، فغزاهم عمرو في ربيع الأول سنة خمس وعشرين
стр. 95
فافتتح الأرض عنوة والمدينة صلحاً، ثم استأذن عمراً عبد الله بن سعد بن أبي سرح في غزوة إفريقية، فأذن له عمرو بن العاص؛ وبعد قليل عزله عثمان في هذه السنة بعبد الله بن أبي سرح المذكور- وعبد الله بن أبى سرح أخو عثمان لأمه- وقيل:
إن ذلك كان في سنة سبع وعشرين، والذي قلنا الأقوى؛ وهذه ولاية عمرو بن العاص على مصر الأولى. وتأتي بقية ترجمته ووفاته في ولايته الثانية، إن شاء الله تعالى.
وسبب عزل عمرو بن العاص عن ولاية مصر أنه قدم على عثمان لما تخلف وكان قدم على عمر مرتين استخلف في إحداهما زكريا بن جهم العبدري «١» ، وفي الثانية ابنه عبد الله، فلما قدم عمرو على عثمان سأله عزل عبد الله بن سعد ابن أبي سرح عن صعيد مصر، وكان عمر قد ولاه صعيد مصر، فامتنع عثمان من ذلك وعزله عن مصر وعقد لعبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر كلها مضافةً للصعيد وغيره، فكانت ولاية عمرو بن العاص على مصر في المرة الأولى أربع سنين وأشهرا.
[ذكر «٢» بناء جامع عمرو بن العاص بمصر رضى الله عنه
كان خاناً والذي حاز موضعه قيسبة «٣» بن كلثوم التجيبي أبو عبد الله أحد بني سوم، فلما رجعوا من الإسكندرية سأل عمرو قيسبة المذكور في منزله هذا يجعله مسجداً؛ فقال له قيسبة: فإني أتصدق به على المسلمين، فسلمه إليهم؛ واختط مع قومه بني سوم في [تجيب «٤» ] وبني الجامع في سنة إحدى وعشرين، وكان طوله
стр. 96
خمسين ذراعاً في عرض ثلاثين؛ ويقال: إنه وقف على إقامة قبلته ثمانون رجلاً من الصحابة، منهم: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري، وأبو بصرة الغفاري، ومحمية «١» بن جزء الزّبيدى، ونبيه ابن صواب وغيرهم، وكانت القبلة مشرقة «٢» جداً، وإن قرة بن شريك لما هدم المسجد المذكور وبناه في زمان الوليد بن عبد الملك بن مروان تيامن بها قليلا.
وذكر الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة: [أنهما «٣» ] كانا يتيامنان إذا صليا في المسجد الجامع، ولم يكن للمسجد الذي بناه عمرو محراب مجوّف، وإنما قرة بن شريك المذكور جعل المحراب المجوف.
وأول من أحدث ذلك عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذ عامل الوليد بن عبد الملك على المدينة ليالي أسس مسجد رسول الله ﷺ لما هدم وزاد فيه. وكان لمسجد عمرو بابان يقابلان دار عمرو بن العاص، وبابان في بحريه، وبابان في غربيه؛ وكان الخارج من زقاق القناديل يجد ركن الجامع الشرقي محاذياً لركن دار عمرو الغربىّ، وكان طوله من القبلة إلى البحري مثل طول دار عمرو، وسقفه مطأطأ جدّا ولا صحن له؛ وكان الناس يصطفون بفنائه؛ وكان بينه وبين دار عمرو سبعه أذرع؛ وكان الطريق محيطاً به من جميع جوانبه، وكان عمرو قد اتخذ منبراً فكتب إليه عمر بن الخطاب ﵁ يعزم عليه في كسره ويقول:
أما بحسبك أن تقوم قائما والمسلمون تحت عقبيك! فكسره عمرو.
стр. 97
وأول من صلي عليه من الموتى به في داخله أبو الحسين سعيد «١» بن عثمان صاحب الشرطة في النصف من صفر، وكانت وفاته فجأة فأخرج وصلي عليه خلف المقصورة وكبر عليه خمساً، ولم يعلم أحد قبله صلي عليه بالجامع وأنكر الناس ذلك.
وأول من زاد في الجامع المذكور مسلمة بن مخلد الأنصاري أمير مصر في أيام معاوية سنة ثلاث وخمسين «٢» ، فزاد فيه من بحريه وجعله رحبة في البحري وبيضه وزخرفه، ولم يغير البناء القديم ولا أحدث في قبليه ولا غربيه شيئاً.
وذكر أنه زاد فيه من شرقيه حتى ضاق الطريق بينه وبين دار عمرو بن العاص وفرشه بالحضر وكان مفروشاً قبل ذلك بالحصباء.
وقيل: إن مسلمة نقض ما كان عمرو بناه وزاد فيه من شرقيه وجعل له صوامع، وبنى فيه أربع صوامع في أركانه الأربعة، وأمر ببناء المنار في جميع المساجد، وأمر مسلمة أن يكتب اسمه على المنائر، وأمر مؤذني المسجد الجامع أن يؤذنوا للفجر إذا مضى نصف الليل، فإذا فرغوا من آذانهم أذن كل مؤذن في الفسطاط في وقت واحد، فكان لآذانهم دوي شديد، وأمر ألا يضرب بناقوس عند وقت الأذان، أعني الفجر.
ثم إن عبد العزيز بن مروان هدمه سنة تسع وسبعين، وهو أمير مصر من قبل أخيه عبد الملك بن مروان، وزاد فيه من ناحية الغرب وأدخل فيه الرحبة التي كانت في بحريه ولم يجد في شرقيه موضعا يوسعه به.
стр. 98
وذكر الكندي في كتاب الأمراء: أنه زاد فيه من جوانبه كلها، ويقال: إن عبد العزيز المذكور لما أكمل بناء المسجد المذكور خرج من دار الذهب عند طلوع الفجر فدخل المسجد فرأى في أهله خفة فأمر بأخذ الأبواب على من فيه، ثم دعاهم رجلاً رجلاً، يقول للرجل: ألك زوجة؟ فيقول: لا، فيقول: زوجوه؛ ألك خادم؟ فيقول: لا، فيقول: اخدموه؛ أحججت؟ فيقول: لا، [فيقول «١» ] : أحجوه؛ أعليك دين؟ فيقول: نعم، فيقول: اقضوا دينه، فأقام المسجد بعد ذلك دهراً عامراً ثم الى اليوم.
وأمر عبد العزيز المذكور برفع سقف الجامع وكان مطأطأ في سنه تسع وثمانين «٢» ، ثم إن قرة بن شريك العبسي بن قيس عيلان هدمه في مستهل سنة اثنتين وتسعين بأمر الوليد بن عبد الملك بن مروان، وقرة أمير على مصر من قبله، وابتدأ في بنائه في شعبان من السنة المذكورة، وجعل على بنائه يحبى بن حنظلة مولى بنى عامر ابن لؤي، وكانوا يجمعون الجمعة في قيسارية العسل حتى فرغ من بنائه في رمضان سنة ثلاث وتسعين ونصب المنبر الجديد في سنة أربع وتسعين ونزع المنبر الذي كان في المسجد؛ وذكر أن عمرو بن العاص كان جعله فيه.
قلت: ولعله كان وضعه بعد وفاة عمر بن الخطاب، فإنه كان منعه حسبما ذكرناه؛ وقيل: هو منبر عبد العزيز بن مروان.
وذكر أنه حمل إليه من بعض كنائس مصر. وذكر أن زكريا بن مرقى «٣» ملك النوبة أهداه إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح وبعث معه نجارا يسمّى «بقطر» حتى
стр. 99
ركبه، ولم يزل هذا المنبر في الجامع إلى أن زاد قرة بن شريك المذكور في الجامع، فنصب منبراً سواه، ولم يكن إذ ذاك يخطب في القرى إلا على العصي إلى أن ولي [عبد الملك بن مروان «١» ] بن موسى بن نصير اللخمي مصر من قبل مروان بن محمد فأمر باتخاذ المنابر فى القرى، وذلك فى ستة اثنتين وثلاثين ومائة، ولا يعرف منبر أقدم من منبر قرة بن شريك بعد منبر رسول الله ﷺ ، فلم يزل كذلك إلى أن قلع وكسر أيام العزيز بالله نزار العبيدي بنظر الوزير ابن كلس في يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين وثلثمائة وجعل مكانه منبر مذهب، ثم أخرج هذا المنبر إلى الإسكندرية وجعل بجامع عمرو بن العاص الذي بها، ثم أنزل المنبر الكبير إلى الجامع المذكور في أيام الحاكم بأمر الله العبيدي في شهر ربيع الأول سنة خمس وأربعمائة، وصرف بنو عبد السميع عن الخطابة وجعلت خطابته لجعفر بن الحسن بن خداع الحسيني، وجعل إلى أخيه الخطابة في الجامع الأزهر، وصرف بنو عبد السميع من جميع المنابر؛ ثم وجد بعد ذلك المنبر الجديد الذي نصب بالجامع قد لطّخ بالقذر فوكّل به من يحفظه وعمل له غشاء من أدم مذهب، وخطب عليه ابن خداع وهو مغشى؛ وكانت زيادة قرة بن شريك من القبلي والشرقي وأخذ بعض دار عمرو بن العاص وابنه عبد الله فأدخله في المسجد وأخذ منهما الطريق التي بين المسجد وبينهما، وعوض أولاد عمرو ما هو في أيديهم من الرباع التي في زقاق مليح في النحاسين وقشرة، وأمر قرة بعمل المحراب المجوف، وهو المحراب المعروف بمحراب عمرو؛ [لأنه في سمت محراب] «٢» المسجد القديم الذي بناه عمرو، وكانت قبلة المسجد القديم عند العمد المذهبة في صف التوابيت، وهي
стр. 100
أربعة عمد: اثنان في مقابلة اثنين؛ وكان قرّة قد أذهب رءوسها، ولم يكن في المسجد عمد مذهبة غيرها، وكانت قديما [حلقة أهل المدينة «١» ] ثم زوق أكثر العمد وطوق في أيام الإخشيد سنة أربع وعشرين وثلثمائة، ولم يكن للمسجد أيام قرة غير هذا المحراب.
فأما المحراب الأوسط فيعرف بمحراب عمر بن مروان أخي عبد الملك بن مروان الخليفة، ولعله أحدثه في الجدار بعد قرة؛ وذكر قوم أن قرة عمل هذين المحرابين، وصار للجامع أربعة أبواب في شرقيه، آخرها باب إسرائيل، وهو باب النحاسين؛ وفي غربيه أربعة أبواب شارعة في زقاق يعرف بزقاق البلاط؛ وفي بحريه ثلاثة أبواب. انتهى ما أوردناه من أمر جامع عمرو بن العاص المذكور رضى الله عنه.
*** وأما بناء عمرو بن العاص لبيت المال بالفسطاط- فالأصح أنما بناه أسامة بن زيد التنوخي متولي الخراج بمصر في سنة سبع وتسعين في خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان، وأمير مصر يوم ذاك عبد الملك بن رفاعة الآتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. وقد خرجنا عن المقصود لطلب الفائدة ونعود إلى ذكر عمرو بن العاص ﵁.
قيل: إنه رئي وهو على بغلة هرمة، وهو إذ ذاك أمير مصر، فقيل له: أتركب هذه وأنت أمير مصر؟ فقال: لا ملل عندي لدابتي ما حملتني، ولا لامرأتي ما أحسنت عشرتي، ولا لصديقي ما حفظ سري؛ إن الملل من كواذب الأخلاق.
стр. 101
وعن عمرو قيل له: صف الأمصار، قال: أهل الشام أطوع الناس للمخلوق وأعصاه للخالق؛ وأهل مصر أكيسهم صغاراً وأحمقهم كباراً؛ وأهل الحجاز أسرع الناس إلى الفتنة وأعجزهم عنها؛ وأهل العراق أطلبهم للعلم وأبعدهم منه.
قال مجالد عن الشعبي قال: دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة ابن شعبة، وزياد بن أبيه؛ فأما معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادرة، وأما زياد بن أبيه فللصغير والكبير.
وقال أبو عمران بن عبد البر: كان عمرو من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية، مذكوراً فيهم بذلك، وكان شاعراً محسناً حفظ عنه فيه الكثير في مشاهد شتى، وله يخاطب عمارة بن الوليد بن شعبة عند النجاشىّ:
إذا المرء لم يترك طعاماً يحبه ... ولم ينه قلباً غاوياً حيث يمما
قضى وطراً منه وغادر سنة ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما
وقال الذهبي في التذهيب: روى أحمد بن حنبل عن أبي عبد الله البصري عن أبي مليكة قال قال عمرو بن العاص: إني لأذكر الليلة التي ولد فيها عمر. قلت:
ما قال هذا إلا لأنه أسن من عمر فلعل بينهما نحو خمسين سنة. انتهى كلام الذهبىّ باختصار.
وقال ابن عبد الحكم في تاريخه: خطبة عمرو. حدّثنا عبد الرحمن حدّثنا سعيد ابن ميسرة عن إسحاق بن الفرات عن ابن لهيعة عن الأسود بن مالك الحميري عن بحير بن ذاخر «١» المعافري قال:
стр. 102
رحت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة [تهجيراً «١» ] وذلك آخر الشتاء بعد حميم «٢» النصارى بأيام يسيرة، فأطلنا الركوع، إذ أقبل رجال بأيديهم السياط يزجرون الناس، فذعرت؛ فقلت: يا أبت، من هؤلاء؟ قال: يا بني، هؤلاء الشرط، فأقام المؤذنون الصلاة، فقام عمرو بن العاص على المنبر، فرأيت رجلا ربعة قصد «٣» القامة، وافر الهامة، أدعج أبلج، عليه ثياب موشية كأن به العقيان يأتلق، عليه حلة وعمامة وجبة، فحمد الله وأثنى عليه حمداً موجزاً وصلى على النبي ﷺ ووعظ الناس وأمرهم ونهاهم، فسمعته يحض على الزكاة وصلة الأرحام ويأمر بالاقتصاد وينهى عن الفضول وكثرة العيال وقال في ذلك: يا معشر الناس، إياكم وخلالاً أربعة، فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السعة، وإلى المذلة بعد العزة. إياكم وكثرة العيال، وإخفاض الحال، وتضييع المال، والقيل بعد القال، فى غير درك ولا نوال؛ ثم إنه لا بد من فراغ يؤول إليه المرء في توديع جسمه والتدبير لشأنه، وتخليته بين نفسه وبين شهواتها، ومن صار إلى ذلك فليأخذ بالقصد والنصيب الأقل، ولا يضيع المرء في فراغه نصيب العلم من نفسه، فيحور من الخير عاطلاً، وعن حلال الله وحرامه غافلاً.
يا معشر الناس، إنه قد تدلت الجوزاء، وذكت الشعرى، وأقلعت السماء، وارتفع الوباء، وقل الندى، وطاب المرعى، ووضعت الحوامل، ودرجت السخائل، وعلى الراعي بحسن رعيته حسن النظر، فحي لكم على بركة الله إلى ريفكم فنالوا من خيره ولبنه وخرافه وصيده؛ وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها، فإنها جنتكم من عدوكم وبها مغانمكم وأنفالكم، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيراً؛ وإياكم والمسومات «٤» والمعسولات فإنهن يفسدن الدين ويقصرن الهمم.
стр. 103
حدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيراً فإن لكم منهم صهراً وذمة» ؛ فكفوا أيديكم وعفوا فروجكم وغضوا أبصاركم، ولا أعلمن ما أتى رجل قد أسمن جسمه وأهزل فرسه؛ واعلموا أني معترض الخيل كاعتراض الرجال، فمن أهزل فرسه من غير علة حططته من فريضته قدر ذلك؛ واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة لكثرة الأعداء حولكم وتشوق قلوبهم إليكم وإلى داركم معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية.
وحدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جنداً كثيفاً فذلك الجند خير أجناد الأرض» فقال له أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة» .
فاحمدوا الله معشر الناس على ما أولاكم، فتمتعوا في ريفكم ما طاب لكم، فإذا يبس العود وسخن العمود وكثر الذباب وحمض اللبن وصوح البقل وانقطع الورد من الشجر، فحي إلى فسطاطكم على بركة الله؛ ولا يقدمن أحد منكم ذو عيال على عياله إلا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعته أو عسرته؛ أقول قولي هذا وأستحفظ الله عليكم.
قال: فحفظت ذلك عنه، فقال والدي بعد انصرافنا إلى المنزل- لما حكيت له خطبته- إنه يا بني يحدو الناس إذا انصرفوا إليه على الرباط كما حداهم على الريف والدعة] .
*** السنة الأولى من ولاية عمرو بن العاص الأولى على مصر وهي سنة عشرين من الهجرة- فيها كانت غزوة تستر؛ وفيها توفي بلال بن رباح الحبشي مولى أبي بكر الصديق، وحمامة أمه، وكان من السابقين الأولين وممن عذب في الإسلام
стр. 104
وشهد بدراً وكان مؤذن النبي ﷺ ؛ مات بدمشق بالطاعون في هذه السنة، وقيل في التي قبلها ودفن بدمشق بالباب الصغير، وله بضع وستون سنة ﵁؛ وفيها توفيت زينب بنت جحش بن رباب الأسدي- أسد خزيمة- أم المؤمنين، تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث وقيل سنة خمس وقيل سنة أربع وهو الأصح؛ وفيها توفي البراء بن مالك الأنصارىّ أخو أنس بن مالك الأنصارىّ النجاري، كان أحد الأبطال الأفراد في الصحابة ﵃؛ وفيها توفي عياض بن غنم أبو سعد من المهاجرين الأولين، شهد بدراً وغيرها ﵁؛ وفيها توفي سعيد ابن عامر بن حذيم الجمحي، كان من أشراف بنى جمح، له صحبة ورواية، قال الذهبي:
روى عنه عبد الرحمن بن سابط؛ وفيها توفي أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وكان رضيع النبي وشبيهه؛ وفيها توفي هرقل عظيم الروم وقام ابنه قسطنطين مكانه.
أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم أربعة أذرع وتسعة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وإحدى وعشرون إصبعاً.
*** السنة الثانية من ولاية عمرو بن العاص الأولى على مصر وهي سنة إحدى وعشرين من الهجرة- فيها فتحت الإسكندرية في مستهلها على يد عمرو بن العاص بعد أمور وحروب، وفي آخرها افتتح عمرو بن العاص برقة وصالحهم على ثلاثة عشر ألف دينار؛ وفيها اشتكى أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ﵁، فصرفه عمر وولى عليهم عمار بن ياسر على الصلاة، وولى عبد الله بن مسعود على بيت المال، وولى عثمان بن حنيف على مساحة أرض السواد؛ وفيها كان فتح نهاوند، واستشهد أمير الجيش الذي توجّه اليها، وهو النعمان بن مقرن المزني، واستشهد
стр. 105
أيضا يومئذ طليحة بن خويلد بن نوفل وفتحت تستر؛ وفيها صالح أبو هاشم بن عتبة ابن ربيعة بن عبد شمس على أنطاكية وملطية وغيرهما؛ وفيها توفّى خالد بن الوليد ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي أبو سليمان سيف الله، كذا لقبه النبي ﷺ ، وأمه لبابة أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ودفن بحمص، وقبره مشهور يقصد للزيارة؛ وفيها توفي العلاء بن الحضرمي، واسم الحضرمي عبد الله بن عباد بن أكبر بن ربيعة بن مقنع بن حضرموت حليف بني أمية، وإلى أخيه تنسب بئر ميمونة التي بأعلى مكة احتفرها في الجاهلية؛ وفيها توفي الجارود العبدي سيد عبد القيس، وكنيته أبو عتاب، وقيل أبو المنذر، وقيل اسمه بشر ولقب جاروداً لأنه أغار على بكر بن وائل فأصابهم وجردهم، أسلم سنة عشر من الهجرة وفرح النبي ﷺ بإسلامه.
أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم خمسة أذرع وإصبعان، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وخمسة أصابع.
*** السنة الثالثة من ولاية عمرو الأولى على مصر وهي سنة اثنتين وعشرين من الهجرة- فيها افتتح عمرو بن العاص طرابلس الغرب، وقيل في التي بعدها؛ وفيها غزا حذيفة مدينة الدّينور فافتتحها عنوة، وقد كانت فتحت قبل لسعد ثم انتقضت؛ وفيها أيضا غزا حذيفة ما سبذان فافتتحها عنوة، وقيل كان افتتحها سعد ثم نقضوا؛ وقال طارق بن شهاب: غزا أهل البصرة ماه، فأمدهم أهل الكوفة وعليهم عمار بن ياسر فأرادوا أن يشركوا في الغنائم فأبى أهل البصرة، ثم كتب إليهم عمر: الغنيمة لمن شهد الوقعة؛ وفيها فتحت همذان قاله ابن جرير وغيره؛ وفيها فتحت الري وما بعدها، ثم فتحت أذربيجان في قول الواقدي وأبي معشر، وقال سيف: كانت فى سنة
стр. 106
ثماني عشرة، وكان بين أهل هذه البلاد والمسلمين حروب كثيرة حتى فتح الله عليهم؛ وفيها توفي أبي بن كعب، في قول الواقدىّ وابن نمير والدّيلمى واليزيدي، وقيل في سنة تسع عشرة.
أمر النيل في هذه السنة الماء القديم، أعني القاعدة، ستة أذرع واثنا عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة فيها ستة عشر ذراعاً وثمانية عشر إصبعاً.
*** السنة الرابعة من ولاية عمرو الأولى على مصر، وهي سنة ثلاث وعشرين من الهجرة- فيها فتح كرمان، وكان أميرها سهل بن عدي؛ وفيها فتحت سجستان وكان أمير الجيش عاصم بن عمر؛ وفيها فتحت مكران، وكان أمير الجيش لفتحها الحكم بن عثمان وهي من بلاد الجبل؛ وفيها- ذكر سيف عن مشايخه-: أنّ سارية ابن زنيم قصد فسا ودارابجرد واجتمع له جموع من الفرس والأكراد عظيمة ودهم المسلمين منهم أمر عظيم، ورأى عمر بن الخطاب في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في وقت من نهار وأنهم في صحراء، وهناك جبل إن استندوا إليه لم يؤتوا إلا من جهة واحدة، فنادى عمر من الغداة للصلاة جماعة حتى إذا كانت الساعة التي كان رأى أنهم اجتمعوا فيها خرج إلى الناس، فصعد المنبر فخطب الناس وأخبرهم بما رأى ثم قال: يا سارية، الجبل الجبل، ثم قال: إن لله جنوداً ولعل بعضها أن يبلغهم؛ قال: ففعلوا ما قال عمر، فنصرهم الله على عدوهم وفتحوا البلد؛ وقيل في رواية أخرى: إنما كان عمر في خطبة الجمعة؛ وفيها حج عمر بن الخطاب بأزواج النبي ﷺ وهي آخر حجة حجها؛ وفيها غزا معاوية بن أبي سفيان الصائفة حتى بلغ عمورية؛ وفيها توفي قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر ابن سواد بن كعب واسمه ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس أبو عمرو
стр. 107
الأنصاري الظفري أخو أبي سعيد الخدري لأمه وقتادة الأكبر، شهد قتادة وقعة بدر، وأصيبت عينه ووقعت على خده في يوم أحد فأتى النبي ﷺ فغمز حدقته وردها إلى موضعها فكانت أصح عينيه؛ وفيها توفى أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب ابن لؤي أبو حفص القرشي العدوي الفاروق، استشهد في يوم الأربعاء لثمان بقين من ذي الحجة وقيل لأربع، وسنه يوم مات نيفت على ستين سنة، وقيل غير ذلك على أقوال كثيرة، ضربه أبو لؤلؤة واسمه فيروز عبد المغيرة بن شعبة بخنجر في خاصرته وهو في صلاة الصبح فمات بعد ثلاثة أيام، وتولى الخلافة بعده عثمان بن عفان ﵄، وكانت خلافته عشر سنين ونصف لأنه ولي بعد وفاة أبي بكر الصديق في ثامن جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة.
قلت: ويضيق هذا المحل عن ذكر شىء من بعض مناقبه وما ورد في حقه من الأحاديث، وقد ذكرنا ذلك في غير هذا المكان.
أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ثلاثة أذرع وثمانية عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً واثنا عشر إصبعاً.
*** السنة الخامسة من ولاية عمرو بن العاص الأولى على مصر وهي سنة أربع وعشرين من الهجرة- فيها سار منويل الخصي إلى الإسكندرية فسأل أهل مصر عثمان إرسال عمرو بن العاص لقتال منويل المذكور، فجاء إليها عمرو وحارب حتى افتتحها الفتح الثاني في هذه السنة، وقيل: بل كان ذلك في سنة خمس وعشرين وهو الأصح؛ وفيها حج بالناس عثمان بن عفان ﵁؛ وفيها- في قول سيف- عزل عثمان سعداً عن الكوفة وولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط
стр. 108
مكانه، فكان هذا مما نقم على عثمان، وكنيته أبو وهب، وهو أخو عثمان لأمه، وله صحبة ورواية، روى عنه أبو موسى الهمذانىّ والشّعبىّ؛ وفيها فتح معاوية بن أبي سفيان الحصون وولد له ابنه يزيد؛ وفيها توفي سراقة بن مالك بن جعشم أبو سفيان المدلجي.
أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ذراعان وأربعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة أصابع.
ذكر ولاية أبن أبي سرح على مصر
هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح واسمه الحسام (وسرح بالسين والحاء المهملتين) والحسام بن الحارث بن حبيب (بالحاء المهملة مصغراً) بن جذيمة «١» ابن نصر بن مالك بن حسل «٢» بن عامر بن لؤي، أبو يحيى العامري عامر قريش، ولي إمرة مصر بعد عزل عمرو بن العاص في سنة خمس وعشرين، كما تقدم ذكره، من قبل عثمان بن عفان، وجاءه الكتاب بولايته وهو بالفيوم، فجعل لأهل الجواب جعلاً فقدموا به مصر، وسكن الفسطاط ومكث أميراً على مصر مدة ولاية عثمان بن عفان كلها وهو أخو عثمان لأمه؛ قاله ابن كثير، قال: وهو الذي شفع له يوم الفتح حين كان رسول الله ﷺ أهدر دمه، يأتي ذكر ذلك مفصّلا في آخر ترجمته من كلام ابن حجر بعد أن نذكر نبذة من أموره.
ولما ولي مصر أحسن السيرة في الرعية، وكان جواداً كريماً، ثم أمره عثمان أن يغزو إفريقية، فإذا افتتحها كان له خمس الخمس من الغنيمة نفلاً، فسار عبد الله بن
стр. 109
أبي سرح المذكور إلى إفريقية في عشرة آلاف وغزاها حتى افتتح سهلها وجبلها وقتل خلقاً كثيراً من أهلها، ثم اجتمعوا على الطاعة والإسلام وحسن إسلامهم، وأخذ عبد الله بن أبي سرح المذكور خمس الخمس من الغنيمة وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، وقسم أربعة أخماس الغنيمة في الجيش فأصاب الفارس ثلاثة آلاف دينار والراجل ألف دينار.
قال الواقدي: وصالحه بطريقها على ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، فأطلقها عثمان كلها في يوم واحد في آل الحكم، ويقال: في آل مروان؛ ثم غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح المذكور إفريقية ثانية في سنة ثلاث وثلاثين حين نقض أهلها العهد حتى أقرهم على الإسلام والجزية؛ واستشهد معه في هذه المرة بإفريقية جماعة منهم: معبد بن العباس بن عبد المطلب وغيره.
ثم غزا في سنة أربع وثلاثين غزوة ذات الصواري في البحر من ناحية الإسكندرية، فلقيه قسطنطين بن هرقل في ألف مركب، وقيل في سبعمائة، والمسلمون في مائتي مركب، وتقاتلا فانتصر الأمير عبد الله هذا وهزم الروم؛ وإنما سميت غزوة ذات الصواري لكثرة صواري المراكب واجتماعها. وعاد إلى مصر فبلغه في سنة خمس وثلاثين خبر من ثار على عثمان ﵁، ودخل منهم طائفة إلى مصر بأمر عثمان، فإنه كان أخرج منهم جماعة إلى البصرة والشام ومصر، فلما قدم من قدم منهم إلى مصر وافقهم جماعة من المصريين على خلاف عثمان كرهاً في ابن أبي سرح هذا لكونه ولي بعد عمرو بن العاص، وأيضاً لاشتغاله عنهم بقتال أهل المغرب وفتح بلاد البربر وأندلس وإفريقية وغيرها، ونشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حرب عثمان وحرب عبد الله بن أبي سرح المذكور،
стр. 110
واجتمعوا واستنفروا من مصر في ستمائة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب لينكروا على عثمان وساروا إلى المدينة تحت أربع رايات، وأمر الجميع إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي وعبد الرحمن التجيبي، وأقبل معهم محمد بن أبي بكر الصديق، وأقام بمصر محمد بن حذيفة يؤلب الناس ويدافع عن هؤلاء، فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء القوم منكرين عليه في صفة معتمرين، فوقع لهم مع عثمان ﵁ أمور يطول شرحها إلى أن سألوا عثمان عزل عبد الله ابن أبي سرح هذا عن ولاية مصر ويولي عليهم محمد بن أبي بكر الصديق، فأجابهم الى ذلك، فلما رجعوا وجدوا في الطريق بريدياً يسير فأخذوه وفتشوه، فإذا معه في إداوة كتاب كتبه مروان بن الحكم كاتب عثمان وابن عمه، والكتاب على لسان عثمان، فيه الأمر بقتل طائفة منهم وصلب آخرين وقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم؛ وكان على الكتاب طبع خاتم عثمان، والبريد أحد غلمان عثمان على جمله، فلما رجعوا جاءوا بالكتاب إلى المدينة وداروا به على الناس، فكلم الناس عثمان في أمر الكتاب؛ فقال عثمان ما معناه: إنه دلس عليه الكتاب ثم قال: والله لا كتبته ولا أمليته ولا دريت بشيء من ذلك والخاتم قد يزور على الخاتم، فصدقه الصادقون وكذبه الكاذبون في ذلك؛ واستمر عبد الله بن أبي سرح على عمله على كرهٍ من المصريين إلى أن خرج من مصر متوجهاً إلى عثمان بعد أن استخلف عليها عقبة بن عامر الجهني وقتل عثمان ﵁ واستخلف علي ﵁، فعزل عبد الله بن أبي سرح هذا عن مصر وولاها لقيس بن سعد بن عبادة ﵄؛ ثم استولى على مصر جماعة من قبل علي بن أبي طالب وقاتلوا عقبة بن عامر على ما سيأتي ذكره بعد أن نذكر من توفي في أيام ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح هذا على مصر كما هو عادة كتابنا
следующие страницы →