Полный текст (6 264 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
من الله ما يستحقّوه- بمدينة غزّة، فكلّموهم فيما فعلوه، فاعتذروا بعذر غير مقبول فى الدنيا والآخرة؛ فندم عند ذلك الأمراء على الخروج من دمشق حيث لا ينفع الندم، وقد تركوا دمشق أكلة لتيمور، وكانت يوم ذاك أحسن مدن الدنيا وأعمرها.
وأما بقيّة أمراء مصر وأعيانها من القضاة وغيرهم لمّا علموا بخروج السلطان من دمشق خرجوا فى الحال فى إثره طوائف طوائف يريدون اللّحاق بالسلطان، فأخذ غالبهم العشير، وسلبوهم «١» ، وقتلوا منهم خلقا كثيرا.
أخبرنى غير واحد من أعيان المماليك الظاهرية قالوا: لما بلغنا خروج السلطان ركبنا فى الحال، غير أنه لم يعقنا عن اللّحاق به إلا «٢» كثرة السلاح الملقى على الأرض بالطريق ممارمتها المماليك السلطانيّة ليخفّ ذلك عن خيولهم، فمن كان فرسه ناهضا خرج، وإلّا لحقه أصحاب تيمور وأسروه، فممّن أسروه قاضى القضاة صدر الدين المناوىّ «٣» ومات فى الأسر حسبما يأتى ذكره فى الوفيات «٤» وتتابع دخول المنقطعين من المماليك السلطانيّة وغيرهم إلى القاهرة فى أسوإ حال من المشى
стр. 4097
والعرى والجوع، فرسم السلطان لكلّ من المماليك السلطانية المذكورين بألف درهم وجامكيّة شهرين.
وأمّا الأمراء فإنهم دخلوا إلى مصر وليس مع كلّ أمير سوى مملوك أو مملوكين، وقد تركوا أموالهم وخيولهم وأطلابهم وسائر ما معهم بدمشق؛ فإنهم خرجوا من دمشق بغتة بغير مواعدة لمّا بلغهم توجّه السلطان من دمشق، وأخذ كلّ واحد ينجو بنفسه.
وأما العساكر الّذين خلّفوا بدمشق من أهل دمشق وغيرها، فإنه كان اجتمع بها خلائق كثيرة من الحلبيّين والحمويّين والحمصيّين وأهل القرى ممّن خرج جافلا من تيمور.
ولمّا أصبحوا يوم الجمعة وقد فقدوا السلطان والأمراء والنائب غلّقوا أبواب دمشق، وركبوا أسوار البلد، ونادوا بالجهاد، فتهيّأ أهل دمشق للقتال، وزحف عليهم تيمور بعساكره، فقاتله الدمشقيون من أعلى السور أشدّ قتال، وردّوهم عن السور والخندق، وأسروا منهم جماعة ممن كان اقتحم باب دمشق، وأخذوا من خيولهم عدّة كبيرة، وقتلوا منهم نحو الألف، وأدخلوا رءوسهم إلى المدينة، وصار أمرهم فى زيادة فأعيا تيمور أمرهم، وعلم أن الأمر يطول عليه، فأخذ فى مخادعتهم، وعمل الحيلة فى أخذ دمشق منهم.
وبينما أهل دمشق فى أشدّ ما يكون من القتال والاجتهاد فى تحصين بلدهم، قدم عليهم رجلان من أصحاب تيمور من تحت السور وصاحا من بعد: «الأمير يريد الصلح، فابعثوا رجلا عاقلا حتى يحدّثه الأمير فى ذلك» .
стр. 4098
قلت: هذا الذي كان أشار إليه الوالد عند استقراره بغزّة فى نيابة دمشق، وقوله: إن أهل دمشق عندهم قوّة لدفع تيمور عن دمشق، وأن دمشق بلد كثيرة الميرة والرّزق، وهى فى الغاية من التحصين، وأنه يتوجّه إليها ويقاتل بها تيمور، فلم يسمع له أحد فى ذلك، فلعمرى لو رأى من لا أعجبه «١» كلام الوالد قتال أهل دمشق الآن وشدّة بأسهم وهم بغير نائب ولا مدبّر لأمرهم، فكيف ذاك لو كان عندهم متولّى أمرهم بمماليكه وأمراء دمشق وعساكرها بمن انضاف إليهم لكان يحق له الندم والاعتراف بالتقصير. انتهى.
ولما سمع أهل دمشق كلام أصحاب تيمور فى الصلح وقع اختيارهم فى إرسال قاضى القضاة تقى الدّين إبراهيم بن [محمد بن «٢» ] مفلح الحنبلى، فأرخى من سور دمشق إلى الأرض، وتوجّه إلى تيمور واجتمع به وعاد إلى دمشق، وقد خدعه تيمور بتنميق كلامه، وتلطّف معه فى القول، وترفق له فى الكلام، وقال له: هذه بلدة الأنبياء والصحابة، وقد أعتقتها لرسول الله ﷺ صدقة عنّى وعن أولادى، ولولا حنقى من سودون نائب دمشق عند قتله لرسولى ما أتيتها، وقد صار سودون المذكور فى قبضتى وفى أسرى، وقد كان الغرض فى مجيئى إلى هنا، ولم يبق لى الآن غرض إلا العود، ولكن لا بدّ من أخذ عادتى من التّقدمة من الطّقزات.
وكانت هذه عادته إذا أخذ مدينة صلحا يخرج إليه [أهلها «٣» ] من كل نوع من أنواع المأكول والمشروب والدوابّ والملابس والتّحف تسعة؛ يسمّون ذلك طقزات، والطّقز باللّغة التركيّة: تسعة، وهذه عادة ملوك التتار إلى يومنا هذا.
стр. 4099
فلما صار ابن مفلح بدمشق شرع يخذّل الناس عن القتال ويثنى على تيمور ودينه وحسن اعتقاده ثناء عظيما، ويكفّ أهل دمشق عن قتاله، فمال معه طائفة من الناس، وخالفه طائفة أخرى وأبوا إلّا قتاله، وباتوا ليلة السبت على ذلك، وأصبحوا نهار السّبت وقد غلب رأى ابن مفلح على من خالفه، وعزم على إتمام الصلح، ونادى فى الناس: إنه من خالف ذلك قتل وهدر دمه؛ فكفّ الناس عن القتال.
وفى الحال قدم رسول تيمور إلى مدينة دمشق فى طلب الطقزات المذكورة، فبادر ابن مفلح، واستدعى من القضاة والفقهاء والأعيان والتجار، حمل ذلك كلّ أحد بحسب حاله، فشرعوا فى ذلك حتى كمل، وساروا به إلى باب النصر «١» ليخرجوا به إلى تيمور، فمنعهم نائب قلعة دمشق من ذلك، وهدّدهم بحريق المدينة عليهم إن فعلوا ذلك، فلم يلتفتوا إلى قوله، وقالوا له: [أنت «٢» ] احكم على قلعتك، ونحن نحكم على بلدنا، وتركوا باب النصر وتوجهوا، وأخرجوا الطقزات المذكورة من السور، وتدلّى ابن مفلح من السور أيضا ومعه كثير من أعيان دمشق وغيرهم وساروا إلى مخيّم تيمور، وباتوا به ليلة الأحد، وعادوا بكرة الأحد، وقد استقرّ تيمور بجماعة منهم فى عدّة وظائف: ما بين قضاة القصاة، والوزير، ومستخرج الأموال، ونحو ذلك، معهم فرمان من تيمور لهم، وهو ورقة فيها تسعة أسطر يتضمّن أمان أهل دمشق على أنفسهم
стр. 4100
وأهليهم خاصّة؛ فقرئ الفرمان المذكور على منبر جامع بنى أمية بدمشق، وفتح من أبواب دمشق باب الصغير «١» فقط، وقدم أمير من أمراء تيمور، جلس فيه ليحفظ البلد ممّن يعبر إليها من عساكر تيمور، فمشى ذلك على الشاميّين وفرحوا به، وأكثر ابن مفلح ومن كان توجّه معه من أعيان دمشق الثّناء على تيمور وبثّ محاسنه وفضائله، ودعا العامّة لطاعته وموالاته، وحثّهم بأسرهم على جمع المال الّذى تقرّر لتيمور عليهم، وهو ألف ألف دينار، وفرض ذلك على الناس كلّهم، فقاموا به من غير مشقّة لكثرة أموالهم، فلمّا كمل المال حمله ابن مفلح إلى تيمور ووضعه بين يديه، فلمّا عاينه غضب غضبا شديدا، ولم يرض به، وأمر ابن مفلح ومن معه أن يخرجوا عنه، فأخرجوا من وجهه، ووكّل بهم جماعة حتى التزموا بحمل ألف تومان، والتومان عبارة عن عشرة آلاف دينار [من الذّهب «٢» ] ، إلّا أنّ سعر الذهب عندهم يختلف، وعلى كلّ حال فيكون جملة ذلك عشرة آلاف ألف دينار، فالتزموا بها، وعادوا إلى البلد، وفرضوها ثانيا على الناس [كلّها «٣» ] عن أجرة أملاكهم ثلاثة أشهر، وألزموا كلّ إنسان من ذكر وأنثى حرّ وعبد بعشرة دراهم، وألزم
стр. 4101
مباشر كلّ وقف «١» بحمل مال له جرم، فنزل بالناس باستخراج هذا منهم ثانيا بلاء عظيم، وعوقب كثير منهم بالضّرب «٢» ، فغلت الأسعار، وعزّ وجود الأفوات، وبلغ المدّ القمح- وهو أربعة أقداح- إلى أربعين درهما فضّة، وتعطّلت صلاة الجمعة»
من دمشق فلم تقم بها جمعة إلّا مرتين حتى دعى بها على منابر دمشق للسلطان محمود ولولىّ عهده ابن الأمير «٤» تيمور لنك، وكان السلطان محمود مع تيمور آلة، كون عادتهم لا يتسلطن عليهم إلّا من يكون من ذرّية الملوك. انتهى.
ثم قدم شاه ملك أحد أمراء تيمور إلى مدينة دمشق على أنه نائبها من قبل تيمور.
ثمّ بعد جمعتين منعوا من إقامة الجمعة بدمشق لكثرة غلبة أصحاب تيمور بدمشق، كلّ ذلك ونائب القلعة ممتنع بقلعة دمشق، وأعوان تيمور تحاصره أشدّ حصار، حتى سلّمها بعد تسعة وعشرين يوما، وقد رمى عليها بمدافع ومكاحل لا تدخل تحت حصر، يكفيك أن التمريّة من عظم ما أعياهم أمر قلعة دمشق بنوا تجاه القلعة قلعة من خشب، فعند فراغهم من بنائها وأرادوا طلوعها
стр. 4102
ليقاتلوا من أعلاها من هو بالقلعة، رمى أهل قلعة دمشق نفطا فأحرقوها عن آخرها، فأنشئوا قلعة ثانية أعظم من الأولى «١» وطلعوا عليها وقاتلوا أهل القلعة.
هذا وليس بالقلعة المذكورة من المقاتلة إلّا نفر يسير «٢» دون الأربعين نفرا، وطال عليهم الأمر، ويئسوا من النّجدة، وطلبوا الأمان، وسلّموها بالأمان.
قلت: لا شلّت يداهم! هؤلاء هم الرجال الشجعان. رحمهم الله تعالى.
ولما تكامل حصول المال الذي هو ألف تومان، أخذه ابن مفلح وحمله إلى تيمور؛ فقال تيمور لابن مفلح وأصحابه: هذا المال بحسابنا إنما هو يسوى ثلاثة آلاف ألف دينار، وقد بقى عليكم سبعة آلاف ألف دينار، وظهر لى أنكم عجزتم.
وكان تيمور لما اتفق أوّلا مع ابن مفلح على ألف ألف دينار يكون ذلك على أهل دمشق خاصة، والذي تركته العساكر المصرية من السلاح والأموال يكون لتيمور، فخرج إليه ابن مفلح بأموال اهل مصر جميعها «٣» ، فلما صارت كلها إليه وعلم أنه استولى على أموال المصريين ألزمهم بإخراج أموال الذين فرّوا من دمشق، فسارعوا أيضا إلى حمل ذلك كله، وتدافعوا عنده حتى خلص المال جميعه، فلما
стр. 4103
كمل ذلك ألزمهم أن يخرجوا إليه جميع ما فى البلد من السلاح جليلها وحقيرها، فتتبّعوا ذلك وأخرجوه له حتى لم يبق بها من السلاح شىء، فلمّا فرغ ذلك كلّه قبض على ابن مفلح ورفقته، وألزمهم أن يكتبوا له جميع خطط دمشق وحاراتها وسككها، فكتبوا ذلك ودفعوه إليه، ففرّقه على أمرائه، وقسم البلد بينهم، فساروا إليها بمماليكهم وحواشيهم، ونزل كلّ أمير فى قسمه وطلب من فيه، وطالبهم بالأموال، فحينئذ حلّ بأهل دمشق من البلاء ما لا يوصف، وأجرى عليهم أنواع العذاب من الضّرب والعصر والإحراق بالنار، والتعليق منكوسا، وغمّ «١» الأنف بخرقة فيها تراب ناعم كلّما تنفّس دخل فى أنفه حتى تكاد نفسه تزهق، فكان الرجل إذا أشرف على الهلاك يخلّى عنه حتى يستريح، ثم تعاد عليه العقوبة أنواعا، فكان المعاقب يحسد رفيقه الّذى هلك تحت العقوبة على الموت، ويقول: ليتنى أموت وأستريح مما أنا فيه، ومع هذا كلّه تؤخذ نساؤه وبناته وأولاده الذكور، وتقسم جميعهم على أصحاب ذلك الأمير، فيشاهد الرجل المعذّب امرأته أو بنته وهى توطأ، وولده وهو يلاط به، يصرخ «٢» هو من ألم العذاب، والبنت والولد يصرخان من إزالة البكارة واللّواط، وكل ذلك من غير تستّر فى النهار بحضرة الملأ من الناس. ورأى أهل دمشق أنواعا من العذاب لم يسمع بمثلها؛ منها أنهم كانوا يأخذون الرجل فتشدّ رأسه بحبل ويلويه «٣» حتى يغوص فى رأسه، ومنهم من كان يضع الحبل بكتفى الرجل ويلويه بعصاه حتى تنخلع الكتفان، ومنهم من كان يربط إبهام يدى المعذّب من وراء ظهره ثم يلقيه على ظهره ويذرّ فى منخريه
стр. 4104
الرّماد مسحوقا، فيقرّ على «١» ما عنده شيئا بعد شىء، حتى إذا فرغ ما عنده لا يصدّقه صاحبه على ذلك، فلا يزال يكرّر عليه العذاب حتى يموت، ويعاقب ميّتا مخافة أن يتماوت. ومنهم من كان يعلّق المعذّب بإبهام يديه فى سقف الدار ويشعل النار تحته، ويطول تعليقه، فربمّا يسقط فيها، فيسحب من النار ويلقوه على الأرض حتى يفيق، ثم يعلّقه ثانيا.
واستمرّ هذا البلاء والعذاب بأهل دمشق تسعة عشر يوما، آخرها يوم الثلاثاء ثامن عشرين شهر رجب من سنة ثلاث وثمانمائة، فهلك فى هذه المدّة بدمشق بالعقوبة والجوع خلق لا يعلم عددهم إلّا الله تعالى.
فلما علمت أمراء تيمور أنه لم يبق بالمدينة شىء خرجوا إلى تيمور، فسألهم: هل بقى لكم تعلّق فى دمشق؟ فقالوا: لا؛ فأنعم عند ذلك بمدينة دمشق على أتباع الأمراء فدخلوها يوم الأربعاء آخر رجب، ومعهم سيوف مسلولة مشهورة وهم مشاة، فنهبوا ما قدروا عليه من آلات الدّور وغيرها، وسبوا نساء دمشق بأجمعهنّ، وساقوا الأولاد والرجال، وتركوا من الصغار من عمره خمس سنين فما دونها، وساقوا الجميع مربوطين فى الحبال.
ثم طرحوا النار فى المنازل والدّور والمساجد، وكان يوم عاصف الريح، فعمّ الحريق جميع البلد حتى صار لهيب النار يكاد أن يرتفع إلى السحاب، وعملت النار فى البلد ثلاثة أيّام بلياليها آخرها يوم الجمعة.
وكان تيمور- لعنه الله- سار من دمشق فى يوم السبت ثالث شهر شعبان «٢» بعد ما أقام على دمشق ثمانين يوما، وقد احترقت كلّها وسقطت سقوف جامع بنى أميّة
стр. 4105
من الحريق، وزالت أبوابه وتفطّر رخامه، ولم يبق غير جدره قائمة. وذهبت مساجد دمشق ودورها وقياسرها «١» وحمّاماتها وصارت أطلالا بالية ورسوما خالية، ولم يبق بها [دابة تدبّ «٢» ] إلّا أطفال يتجاوز عددهم [آلاف «٣» ] فيهم من مات، وفيهم من سيموت من الجوع.
وأمّا السلطان [الملك الناصر «٤» فرج] فإنّه أقام بغزّة ثلاثة أيام، وتوجّه إلى الدّيار المصريّة بعد ما قدم بين يديه آقبغا الفقيه أحد الدوادارية، فقدم إلى القاهرة فى يوم الاثنين ثانى جمادى الآخرة، وأعلم الأمير تمراز نائب الغيبة بوصول السلطان إلى غزّة، فارتجّت القاهرة، وكادت عقول الناس تزهق، وظنّ كلّ أحد أن السلطان قد انكسر من تيمور، وأنّ تيمور فى أثره، وأخذ كلّ أحد يبيع ما عنده ويستعدّ للهروب من مصر، وغلا أثمان ذوات الأربع حتى جاوز المثل أمثالا.
فلما كان يوم الخميس خامس جمادى الآخرة المذكور قدم السلطان إلى قلعة الجبل ومعه الخليفة وأمراء الدولة ونوّاب البلاد الشامية، ونحو ألف مملوك من المماليك السلطانية، وقيل نحو الخمسمائة.
ثم فى يوم السبت سابع جمادى الآخرة المذكور أنعم السلطان على الوالد بإمرة مائة، وتقدمة «٥» ألف بالدّيار المصريّة كانت موفّرة فى الديوان السلطانىّ، بعد استعفائه
стр. 4106
من نيابة دمشق، وعيّن السلطان لنيابة «١» دمشق آقبغا الجمالى الأطروش، ورسم للوالد أن يجلس رأس ميسرة «٢» .
ثم أذن السلطان للأمير يلبغا السالمىّ الأستادار «٣» أن يتحدّث فى جميع ما يتعلّق بالمملكة، وأن يجهّز العسكر إلى دمشق لقتال تيمور، فشرع يلبغا السالمى المذكور فى تحصيل الأموال، وفرض على سائر أراضى مصر فرائض من إقطاعات الأمراء، وبلاد السلطان، وأخباز الأجناد «٤» ، وبلاد الأوقاف عن عبرة كلّ ألف دينار خمسمائة درهم فضّة وفرس.
ثم جبى من سائر أملاك القاهرة ومصر وظواهر هما أجرة شهر، حتى إنه كان يقوّم على الإنسان داره التى يسكنها، ويؤخذ منه أجرتها، وأخذ من الرزق، وهى الأراضى التى يأخذ مغلّها قوم على سبيل البرّ والصدقة عن كل فدّان عشرة دراهم، وكان يوم ذاك أجرة الفدّان من ثلاثين درهما إلى ما دونها.
قلت: أخذ نصف خراجها بدورة دارها، وأخذ من الفدّان القصب أو القلقاس أو النّيلة من القنطار مائة درهم، وهى نحو أربعة دنانير، وجبى من البساتين عن كلّ فدان مائة درهم.
стр. 4107
ثم استدعى أمناء «١» الحكم والتجّار وطلب منهم المال على سبيل القرض، وصار يكبس الفنادق والحواصل فى الليل، فمن وجده «٢» حاضرا فتح مخزنه وأخذ نصف ما يجده فيه من النقد، وهى الذهب والفضّة والفلوس، وإذا لم يجد صاحب المال أخذ جميع ما يجده من النقود وهى الذهب والفضة والفلوس، وأخذ جميع ما وجد من حواصل الأوقاف، ومع ذلك فإن الصّيرفىّ يأخذ عن كل مائة درهم ثلاثة دراهم «٣» ، ويأخذ الرسول الذي يحضر المطلوب ستة دراهم، وإن كان نقيبا أخذ عشرة دراهم؛ قاله الشيخ تقىّ الدين المقريزى ﵀، قال: فاشتدّ ما بالناس، وكثر دعاء الناس على السالمىّ.
قلت: وبالجملة فهم أحسن حالا من أهل دمشق، وإن أخذ منهم نصف مالهم، وأيش «٤» يعمل السالمىّ! مسكين، وقد ندبه السلطان لإخراج عسكر ثان من الديار المصرية لقتال تيمور. انتهى.
ثمّ خلع السلطان على الأمير نوروز الحافظى وعلى الأمير يشبك الشعبانى، واستقرّا مشيرى الدّولة ومدبّرى أمورها.
ثمّ فى ثالث عشره خلع على القاضى أمين الدين عبد الوهاب بن قاضى القضاة شمس الدين محمد الطرابلسى [قاضى العسكر باستقراره «٥» ] قاضى قضاة الحنفية بالديار المصرية بعد موت قاضى القضاة جمال الدين يوسف الملطى، وعلى القاضى
стр. 4108
جمال الدين عبد الله الأقفهسى «١» باستقراره قاضى قضاة المالكيّة بالديار المصرية عوضا عن القاضى نور الدين علىّ بن الجلال بحكم وفاته.
وفيه قدم من الشام من المماليك المنقطعين ثلثمائة مملوك بأسوإ حال: من المشى والعرى والجوع.
ثم فى حادى عشرينه حضر إلى القاهرة قاضى القضاة موفّق الدين أحمد بن نصر الله الحنبلىّ من دمشق بأسوإ حال، وقدم أيضا قاضى قضاة دمشق علاء الدين على بن أبى البقاء الشافعىّ، وحضر كتاب تيمور لنك للسلطان على يد بعض المماليك السلطانيّة يتضمّن طلب أطلمش «٢» ، وأنه إذا قدم عليه أرسل من عنده من الأمراء والنوّاب وغيرهم، وقاضى القضاة صدر الدين المناوى الشافعى، ويرحل عن دمشق، فطلب أطلمش من البرج بالقلعة، وأطلق وأنعم عليه بخمسة آلاف درهم، وأنزل عند الأمير سودون طاز الأمير آخور الكبير، وعيّن للسفر معه قطلوبغا «٣» العلائى، والأمير محمد بن سنقر.
ثم خرج إلى تيمور الأمير بيسق الشيخى الأمير آخور رسولا من السلطان بالإفراج عن أطلمش وأشياء أخر، هذا ويلبغا السالمى يجدّ فى تحصيل الأموال، وأخذ فى عرض أجناد الحلقة، وألزم من كان منهم «٤» قادرا على السفر بالخروج إلى الشام لقتال تيمور، وألزم العاجز عن السفر بحضور بديل، أو تحصيل نصف مغلّه
стр. 4109
فى السّنة، وألزم أرباب الغلال المحضّرة للبيع فى المراكب بسواحل القاهرة أن يؤخذ منهم عن كلّ إردب درهم [وأن «١» يؤخذ من كلّ مركب من المراكب التى تسير «٢» فيها الناس مائة درهم] .
ثم «٣» فى يوم الثلاثاء أوّل شهر رجب أمر السالمىّ أن تضرب دنانير «٤» مازنة الدينار مائة مثقال ومثقال، ومنها ما زنته تسعون مثقالا ومثقال، ثم ما دون ذلك، إلى أن وصل منها دينار زنته عشرة مثاقيل، فضرب من ذلك جملة دنانير.
ثم فى ثالثه خلع السلطان على علم الدين يحيى بن أسعد المعروف بأبى كمّ باستقراره وزيرا بديار مصر عوضا عن فخر الدين ماجد بن غراب.
ثم ورد الخبر أن دمرداش المحمّدى نائب حلب تخلّص من تيمور، وجمع جموعا من التركمان، وأخذ حلب وقلعتها»
من التمريّة، وقتل منهم جماعة كبيرة.
ثم خلع السلطان على شاهين الحلبى نائب مقدّم المماليك باستقراره فى تقدمة المماليك السلطانية عوضا عن صواب المعروف بچنكل، واستقرّ الطواشى فيروز من جرجى مقدّم الرّفرف نائب المقدّم.
стр. 4110
ثم حضر فى سابع شهر رجب من عربان البحيرة إلى خارج القاهرة ستّة آلاف فارس، وحضر من عربان الشرقيّة من عرب ابن بقر ألفان وخمسمائة فارس، ومن العيساويّة وبنى وائل ألف وخمسمائة فارس، فأنفق فيهم يلبغا السالمى الأموال ليتجهّزوا لحرب تيمور.
ثم حضر فى ثامنه قاصد الأمير نعير، وذكر أنه جمع عربانا كثيرة ونزل بهم على تدمر «١» ، وأنّ تمرلنك رحل من ظاهر دمشق إلى القطيّفة «٢» .
هذا وقد التفت أهل الدولة إلى يلبغا السالمى والعمل فى زواله حتى تمّ لهم ذلك.
فلما كان رابع عشر شهر رجب المذكور قبض على يلبغا السالمى وعلى شهاب الدين أحمد بن عمر بن قطينة أستادار الوالد الذي كان ولى الوزر قبل تاريخه، وسلّما لسعد الدين إبراهيم بن غراب ليحاسبهما على الأموال المأخوذة من الناس فى الجبايات.
стр. 4111
قلت: فصار حاله كالمثل السائر «أفقرنى فيمن «١» أحبّ ولا استغنى» .
ثم فى ثامن عشره استقرّ سعد الدين إبراهيم بن غراب المذكور أستادارا عوضا عن السالمى مضافا لما بيده من وظيفتى نظر الجيش والخاصّ.
ثم فى خامس «٢» شعبان برز الأمراء المعيّنون للسفر لقتال تيمور بمن عيّن معهم من المماليك السلطانيّة وأجناد الحلقة إلى ظاهر القاهرة، وهم الّذين كانوا بالقاهرة فى غيبة السلطان بدمشق، وتقدّم الجميع الأمير تمراز الناصرىّ الظاهرىّ أمير مجلس، والأمير آقباى من حسن شاه الظاهرى حاجب الحجّاب، ومن أمراء الطبلخانات: الأمير جرباش الشيخى، والأمير تمان تمر والأمير صوماى الحسنى، وامتنع الأمير جكم من السّفر.
وفى اليوم «٣» قدم الأمير شيخ المحمودىّ نائب طرابلس فارّا من أسر تيمور إلى الديار المصرية، وأخبر برحيل تيمور إلى بلاده، فرسم السلطان بإبطال السفر، ورجع كل أمير إلى داره من خارج القاهرة.
ثم «٤» فى الغد قدم دقماق المحمّدى نائب حماة فارّا أيضا من تيمور.
وفيه طلب الوالد وخلع عليه باستقراره فى نيابة دمشق ثانيا على كره منه، وكانت شاغرة من يوم قدوم تيمور دمشق.
стр. 4112
ثم أخلع على الأمير شيخ المحمودى باستقراره فى نيابة طرابلس على عادته، وعلى الأمير دقماق المحمّدى باستقراره فى نيابة حماة على عادته.
ثم أخلع السلطان على الأمير تمربغا المنجكى باستقراره فى نيابة صفد وعلى الأمير تنكزبغا الحططى بنيابة بعلبكّ.
ثم نودى بالقاهرة ألّا يقيم «١» بها أحد من الأعاجم، وأمهلوا ثلاثة أيّام، وهدّد من تخلّف منهم بالقاهرة، فلم يخرج أحد، وأكثر الناس من الكتابة فى الحيطان:
«من نصرة الإسلام، قتل الأعجام» ، كل ذلك وأحوال مصر غير مستقيمة.
وأما البلاد الشاميّة فحصل بها جراد عظيم بعد خروج اللّنك «٢» منها، فزادت خرابا على خراب «٣» .
قلت: ولنذكر هنا نبذة يسيرة من أخبار تيمور لنك ونسبه وكثرة عساكره وعظم دهائه ومكره؛ ليكون الناظر فى «٤» هذا الكتاب على علم من أخباره وأحواله، وإن كان فى ذلك نوع تطويل وخروج عن المقصود، فهو لا يخلو من فائدة.
стр. 4113
فنقول: هو تمرلنك وقيل تيمور؛ كلاهما بمعنى واحد، والثانى أفصح. [وهو «١» ] باللغة التركية الحديد «٢» بن أيتمش قنلغ بن زلكى بن سنيا بن طارم طربن طغريل بن قليج ابن سنقور بن كنجك بن طغر سبوقا «٣» بن التاخان المغولىّ الأصل التركىّ من طائفة جغتاى الطاغية تيمور، كوركان، أعنى باللغة العجمية «٤» صهر الملوك «٥» .
مولده سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بقرية تسمّى خواجا أيلغار «٦» من عمل كشّ «٧» أحد مدائن ما وراء النهر، وبعد هذه البلدة عن مدينة سمرقند يوم واحد، ويقال:
стр. 4114
إنه رؤى يوم «١» ولد كأن شيئا يشبه الخوذة تراءى طائرا فى جوّ السماء، ثم وقع إلى الأرض فى فضاء كبير، فتطاير منه جمر وشرر حتى ملأ الأرض. وقيل: إنه لما خرج من بطن أمّه وجدت كفّاه مملوءتين دما، فوجدوا أنه تسفك على يديه الدماء.
قلت: وكذا وقع.
وقيل: إن والده كان إسكافا. وقيل: بل كان أميرا عند السلطان حسين صاحب مدينة بلخ «٢» ، وكان أحد أركان دولته، وإن أمه من ذريّة جنكزخان.
وقيل: كان للسلطان حسين المذكور أربعة وزراء، فكان أبو تيمور أحدهم، وولى تيمور بعد موته مكانه عند السلطان حسين. وأصل تيمور من قبيلة برلاص.
وقيل: إن أوّل ما عرف من حال تيمور أنه كان يتجرّم «٣» ، فسرق فى بعض الليالى غنمة «٤» وحملها ليهرب بها، فانتبه الراعى وضربه بسهم فأصاب كتفه، ثم ردفه بآخر فلم يصبه، ثم بآخر فأصاب فخذه وعمل فيه الجرح الثانى الذي فى فخذه حتى عرج منه؛ ولهذا سمى تمرلنك، لأن «لنك» باللغة العجميّة أعرج، وأما اسمه الحقيقىّ ف (تمر) بلا «لنك» ، فلما أعرج [تمر «٥» ] أضيف إليه «لنك» .
ولما تعافى أخذ فى التجرّم على عادته وقطع الطريق، وصحبه فى تجرّمه جماعة عدّتهم أربعون رجلا.
стр. 4115
وكان تيمور لنك يقول لهم فى تلك الأيام: لا بد أن أملك الأرض وأقتل ملوك الدنيا؛ فيسخر منه بعضهم، ويصدّقه البعض، لما يرونه من شدّة حزمه وشجاعته.
وقيل: إنه تاه فى بعض تجرّماته مدّة أيام إلى أن وقع على خيل السلطان حسين المقدّم ذكره، فأنزله الجشارىّ صاحب مرج الخيل «١» عنده، وعطف عليه وآواه وأتى إليه بما يحتاجه من طعام وشراب. وكان لتيمور معرفة تامّة فى جياد الخيل فأعجب الجشارىّ منه ذلك، فاستمرّ به عنده إلى أن أرسل معه بخيول إلى السلطان حسين وعرّفه به، فأنعم عليه وأعاده إلى الجشارى، فلم يزل عنده حتّى مات، فولّاه السلطان حسين عوضه على جشاره، ولا زال يترقّى بعد ذلك من وظيفة إلى أخرى حتى عظم وصار من جملة الأمراء. وتزوّج بأخت السلطان حسين، وأقام معها مدّة إلى أن وقع بينهما فى بعض الأيّام كلام، فعايرته بما كان عليه من سوء الحال، فقتلها وخرج هاربا، وأظهر العصيان على السلطان حسين، واستفحل أمره، واستولى على ما وراء النهر «٢» ، وتزوّج ببنات ملوكها، فعند ذلك لقّب ب «بكوركان» ، وقد تقدم الكلام على اسم كوركان. ولا زال أمره ينمو وأعماله تتّسع إلى أن خافه السلطان حسين، وعزم على قتاله، وبلغه ذلك فخرج هاربا «٣» .
стр. 4116
ثم قوى أمره بعد سنة ستّين وسبعمائة، فلمّا كثر عسكره بعث إلى ولاة بلخشان «١» وكانا أخوين قد ملكا بعد موت أبيهما يدعوهما إلى طاعته؛ فأجاباه، وكانت المغل قد نهضت من جهة الشرق على السلطان حسين، وكان كبيرهم الخان قمر الدين فتوجّه السلطان حسين إليهم وقاتلهم، فأرسل تيمور يدعوهم إليه، فأجابوه ودخلوا تحت طاعته، فقويت بهم شوكته.
ثم قصده «٢» السلطان حسين ثانيا فى عسكر عظيم حتى وصل إلى ضاغلغا «٣» ، وهو موضع ضيّق يسير الراكب فيه ساعة، وفى وسطه باب إذا أغلق وأحمى لا يقدر عليه أحد، وحوله جبال عالية، فملك العسكر فم هذا الدّربند من جهة سمرقند، ووقف تيمور بمن معه على الطريق الآخر، وفى ظن العسكر أنهم حصروه وضيقوا عليه، فتركهم ومضى فى طريق مجهولة، فسار ليلة فى أو عار مشقة حتى أدركهم فى السحر وقد شرعوا فى تحميل أثقالهم، على أن تيمور قد انهزم وهرب خوفا منهم، فأخذ تيمور يكيدهم بأن نزل هو ومن معه عن خيولهم [وتركوها ترعى فى تلك «٤» المروج وناموا كأنهم من جملة العسكر فمرت بهم خيولهم] وهم يظنون أنهم منهم قد قصدوا الراحة، فلما تكامل مرور العسكر ركب تيمور بمن معه أقفيتهم، وهم يصيحون وأيديهم تدقهم دقا بالسيوف، فاختبط الناس وانهزم السلطان حسين بمن معه لا يلوى أحد على أحد، حتى وصل إلى بلخ فاحتاط تمر [لنك «٥» ] على ما كان معه، ولمّ «٦»
стр. 4117
من بقى من العسكر عليه، فعظم جمعه، وكثر ماله، واستولى على الممالك «١» ، ولا زال حتى قبض على السلطان حسين بعد أن أمّنه وقتله، فهذا أوّل عظمته.
والثانية واقعته مع تقتمش «٢» خان ملك التتار، فإنه لما واقعه بأطراف تركستان «٣» قريبا من نهر خجند «٤» ، واشتد الحرب بينهما وكثرت القتلى فى عسكر تيمور حتى كادت تفنى، وعزم تيمور على الهزيمة، فإذا هو بالمعتقد السيد الشريف بركة قد أقبل على تيمور، فقال له تيمور وقد جهده البلاء: يا سيّدى جيشى انكسر، فقال له السيد الشريف بركة المذكور: لا تخف، ثم نزل عن فرسه وتناول كفّا من الحصى ثم ركب فرسه ورمى بها فى وجوه جيش تقتمش وصرخ قائلا بأعلى صوته «ياغى قجتى» . يعنى باللّغة التركية العدوّ هرب «٥» ، فصرخ بها أيضا تيمور كمقالة الشريف بركة
стр. 4118
فامتلأت آذان التمرية بصرختهما وأتوه بأجمعهم بعد ما كانوا ولّوا هاربين «١» ، فكّر بهم تيمور ثانيا فى عسكر تفتمش وما منهم أحد إلا وهو يصرخ «ياغى قجتى» ، فانهزم عند ذلك عسكر تقتمش خان وركبت التمرية أقفيتهم وغنموا منهم من الأموال ما لا يدخل تحت حصر، فاستولى على غالب بلاد تقتمش خان.
والثالثة واقعته مع شيره «٢» على صاحب مازندران «٣» وكيلان «٤» وبلاد الرىّ «٥» والعراق وكسره وقبض عليه وقتله وملك جميع بلاده، ثم قصته مع شاه شجاع صاحب شيراز «٦» وتزوّج «٧» بنت شاه شجاع لابن تيمور، ومهادنة شاه شجاع له إلى أن مات شاه شجاع، واختلفت أولاده وقوى شاه منصور على اخوته فمشى عليه تيمور هذا، فلقيه شاه منصور فى ألفى فارس لا غير.
стр. 4119
وشاه منصور هذا هو أفرس من قاتل تيمور من الملوك بلا مدافعة، فإنه برز إليه فى ألفى فارس وعساكر تيمور نحو المائة ألف.
وعند ما برز له شاه منصور فر من عسكره أمير يقال له محمد بن أمين الدين «١» إلى تيمور بأكثر العساكر، فبقى شاه منصور فى أقل من ألف فارس، فقاتل بهم تيمور يومه إلى الليل.
ثم مضى كل من الفريقين إلى معسكره، فركب شاه منصور فى الليل «٢» وبيّت التمرية، فقتل منهم نحو العشرة آلاف فارس.
ثم انتخب شاه منصور من فرسانه خمسمائة فارس، فأصبح وقاتل بهم من الغد وقصد بهم تيمور حتى أزاله عن موقفه، وهرب تيمور واختفى بين حرمه، فأحاط بهم التمرية مع كثرة عددهم وهو يقاتلهم حتى كلّت يداه وقتلت أبطاله، فانفرد عن أصحابه وألقى نفسه بين القتلى، فعرفه «٣» بعض التمرية فقتله، وأتى برأسه إلى تيمور، فقتل تيمور قاتله أسفا عليه. واستولى تيمور أيضا على جميع ممالك العجم بأسرها بعد شاه منصور.
стр. 4120
هذا وقد استوعبنا واقعة شاه منصور «١» بأوسع من ذلك فى تاريخنا (المنهل الصافى) .
إذ هو كتاب تراجم.
ثم أخذ تيمور فى الاستيلاء على مملكة بعد مملكة حتى ملك العراقين «٢» ، وهرب منه السلطان أحمد بن أويس، وأخرب غالب العراق: مثل بغداد «٣» والبصرة «٤» والكوفة «٥» وأعمالهم، ثم ملك غالب أقاليم ديار بكر «٦» ، وأخرب بها أيضا عدّة بلاد.
ثم قصد البلاد الشاميّة فى سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، ثم رجع خائفا من الملك الظاهر برقوق إلى بلاده، فبلغه موت فيروز شاه ملك الهند عن غير ولد، وأن أمر الناس بمدينة دلّى «٧» فى اختلاف، وأنه جلس على تخت الملك بدلّى وزير يقال له ملّو
стр. 4121
فخالف عليه أخو فيروز شاه، واسمه سارنك خان متولّى مدينة مولتان «١» ، فلمّا سمع تيمور هذا الخبر اغتنم الفرصة وسار من سمرقند فى ذى الحجّة سنة ثمانمائة إلى مولتان وحاصر ملكها سارنك خان ستّة أشهر، وكان فى عسكر سارنك خان ثمانمائة فيل حتى ملكها.
ثم سار تيمور إلى مدينة دلّى وهى تخت الملك، فخرج لقتاله صاحبها «٢» ملّو المذكور وبين يديه عساكره ومعهم الفيلة، وقد جعل على كلّ فيل برجا فيه عدّة من المقاتلة، وقد ألبست تلك الفيلة العدد والبركستوانات «٣» ، وعلّق عليها من الأجراس والقلاقل «٤» ما يهول صوته ليجفل بذلك خيول الجغتاى، وشدّوا فى خراطيمها عدّة من السيوف المرهفة، وسارت عساكر الهند من وراء الفيلة لتنفّر هذه الفيلة خيول التمرية بما عليها، فكادهم تيمور وحسب حسابهم بأن عمل آلافا من الشوكات الحديد مثلّثة الأطراف، ونثرها فى مجالات الفيلة، وجعل على خمسمائة جمل أحمال قصب محشوّة بالفتائل المغموسة بالدّهن، وقدّمها أمام عسكره، فلمّا تراءى الجمعان وزحف الفريقان للحرب، أضرم تيمور فى تلك الأحمال النار وساقها على الفيلة.
فركضت تلك الأباعر من شدّة حرارة النار، ثم نخسها سوّاقوها من خلف. هذا وقد كمن تيمور كمينا من عسكره.
стр. 4122
ثم زحف بعساكره قليلا [قليلا «١» ] وقت السحر. فعندما تناوش القوم للقتال لوى تيمور رأس فرسه راجعا يوهم القوم أنه قد انهزم منهم ويكفّ عن طريق الفيلة كأنّ خيوله قد جفلت منها، وقصد المواضع التى نثر فيها تلك الشوكات الحديد التى صنعها، فمشت حيلته على الهنود، ومشوا بالفيلة وهم يسوقونها خلفه أشدّ السّوق حتى داست على تلك الشوكات الحديد، فلما وطئتها نكصت على أعقابها.
ثم التف «٢» تيمور بعساكره عليها بتلك الجمال، وقد عظم لهيبها على ظهورها، وتطاير شررها فى تلك الآفاق، وشنع زعاقها من شدّة النخس فى أدبارها.
فلما رأت الفيلة ذلك جفلت وكرّت راجعة على العسكر الهندى، فأحست بخشونة الشوكات التى طرحها تيمور فى طريقها، فبركت وصارت فى الطريق كالجبال مطروحة على الأرض لا تستطيع الحركة، وسالت أنهار من دمائها؛ فخرج عند ذلك الكمين [من عسكر «٣» تيمور] من جنبى عسكر الهنود، ثم حطم تيمور بمن معه فتراجعت الهنود وتراموا بالسهام.
ثم إنهم تضايقوا وتقاتلوا بالرماح ثم بالسيوف والأطبار «٤» ، وصبر كلّ من الفريقين زمانا طويلا، إلى أن كانت الكسرة على الهنود بعد ما قتل أعيانهم وأبطالهم، وانهزم باقيهم بعد أن ملّوا من القتال، فركب تيمور أقفيتهم حتى نزل [على «٥» ] مدينة دلّى وحصرها [مدّة «٦» حتى] أخذها [من جوانبها «٧» ] بعد مدّة عنوة، واستولى على
стр. 4123
تخت ملكها واستصفى ذخائرها «١» ، وفعلت عساكره فيها على عادتهم القبيحة من الأسر والسّبى والقتل والنّهب والتخريب.
وبينما هم فى ذلك بلغ تيمور موت الملك الظاهر برقوق صاحب مصر، وموت القاضى برهان الدين أحمد صاحب سيواس من بلاد الروم، فرأى تيمور أنه بعد موتهما ظفر بمملكتيهما، وكان أن يطير بموتهما فرحا، فنجز أمره وولّى «٢» مسرعا بعد أن استناب بالهند من يثق به من أمرائه، وسار حتى وصل سمرقند، ثم خرج منها عجلا فى أوائل سنة اثنتين وثمانمائة، فنزل خراسان «٣» .
ثم مضى منها إلى تبريز فاستخلف بها ابنه ميران «٤» شاه، ثم سار حتى نزل قرا «٥» باغ [فى سابع «٦» عشر] شهر ربيع الأوّل، فقتل وسبى، ثم رحل منها ونزل تفليس «٧» [فى يوم الخميس «٨» ثانى] جمادى الآخرة وعبر بلاد الكرج، وأسرف فيها أيضا فى القتل والسبى، ثم قصد بغداد ففرّ منه [صاحبها «٩» ] السلطان أحمد بن أويس [فى ثامن «١٠» عشر شهر رجب] إلى قرا يوسف «١١» فعاد تيمور من بغداد وصيّف ببلاد التركمان ثم سار إلى [ماردين فعصى صاحبها عليه الملك الظاهر مجد الدين عيسى، فتركه تيمور ومضى إلى «١٢» ]
стр. 4124
سواس وقد أخذها «١» الأمير سليمان بن أبى يزيد بن عثمان، فحصرها تيمور ثمانية عشر يوما حتى أخذها فى خامس المحرّم من سنة ثلاث وثمانمائة، وقبض على مقاتلتها وهم ثلاثة آلاف نفر، فحفر لهم سردابا «٢» وألقاهم فيه وطمّهم بالتراب بعد ما كان حلف لهم ألّا يريق لهم دما وقال: أنا على يمينى ما أرقت لهم دما، ثم وضع السيف فى أهل البلد وأخربها حتى محا رسومها.
ثم سار إلى بهسنا «٣» فنهب ضواحيها وحصر قلعتها ثلاثة وعشرين يوما حتى أخذها، ومضى إلى ملطية فدكّها دكّا، وسار حتى نزل قلعة «٤» الروم فلم يقدر عليها «٥» ، فتركها وقصد عين «٦» تاب، ففرّ منه نائبها الأمير أركماس الظاهرى، وهو غير أركماس الدّوادار فى الدولة الأشرفية.
ثم قصد حلب ووقع له بها وبدمشق ما تقدّم ذكره إلى أن خرج من البلاد الشاميّة.
وكان رحيله عن دمشق فى يوم السبت ثالث شعبان من سنة ثلاث وثمانمائة المذكورة، واجتاز على حلب وفعل بها ما قدر عليه ثانيا، ثم سار منها حتى نزل على ماردين «٧» يوم الاثنين عاشر شهر رمضان من السنة، ووقع له بها أمور، ثم رحل عنها.
стр. 4125
وأوهم أنه يريد سمرقند يورّى بذلك عن بغداد، وكان السلطان أحمد بن أويس قد استناب ببغداد أميرا يقال له فرج، وتوجّه هو وقرا يوسف نحو بلاد الروم، فندب تيمور على حين غفلة أمير زاده رستم ومعه عشرون ألفا لأخذ بغداد.
ثم تبعه بمن بقى معه ونزل على بغداد، وحصرها حتى أخذها عنوة فى يوم عيد النحر من السنة، ووضع السيف فى أهل بغداد.
حدّثنى الأمير أسنباى الزّردكاش الظاهرى برقوق- وكان أسر عند «١» تيمور وحظى عنده، وجعله زرد كاشه «٢» عند أخذ بغداد وحصارها- بأشياء مهولة، منها أنه لمّا استولى على بغداد ألزم جميع من معه أن يأتيه كلّ واحد منهم برأسين من رءوس أهل بغداد، فوقع القتل فى أهل بغداد وأعمالها، حتى سالت الدماء أنهارا، حتى أتوه بما أراد، فبنى من هذه الرءوس مائة وعشرين مئذنة، فكانت عدّة من قتل فى هذا اليوم من أهل بغداد تقريبا مائة ألف «٣» إنسان. وقال المقريزى: تسعين ألف إنسان، وهذا سوى من قتل فى أيّام الحصار، وسوى من قتل فى يوم دخول تيمور إلى بغداد، وسوى من ألقى نفسه فى الدّجلة «٤» فغرق، وهو أكثر من ذلك.
قال: وكان الرجل المرسوم له بإحضار رأسين إذا عجز عن رأس رجل قطع رأس امرأة من النساء وأزال شعرها وأحضرها، قال: وكان بعضهم يقف بالطرقات ويصطاد من مرّ به ويقطع رأسه.
стр. 4126
ثم رحل تيمور من «١» بغداد وسار حتى نزل قراباغ بعد أن جعلها دكّا خرابا، ثم كتب إلى أبى يزيد «٢» بن عثمان صاحب الروم أن يخرج السلطان أحمد بن أويس وقرا يوسف من ممالك الروم وإلّا قصده وأنزل به ما نزل بغيره، فردّ أبو يزيد جوابه بلفظ خشن إلى الغاية، فسار تيمور إلى نحوه، فجمع أبو يزيد بن عثمان عساكره من المسلمين والنصارى وطوائف التّتر.
فلمّا تكامل جيشه سار لحربه، فأرسل تيمور قبل وصوله إلى التتار الذين مع أبى يزيد بن عثمان يقول لهم: نحن جنس واحد، وهؤلاء تركمان ندفعهم من بيننا، ويكون لكم الروم عوضهم، فانخدعوا له وواعدوه أنهم عند اللقاء يكونون معه.
وسار أبو يزيد بن عثمان بعساكره على أنه يلقى تيمور خارج سيواس، ويردّه عن عبور أرض الروم «٣» ، فسلك تيمور غير الطريق، ومشى فى أرض غير مسلوكة، ودخل بلاد ابن عثمان، ونزل بأرض مخصبة «٤» وسيعة، فلم يشعر ابن عثمان إلّا وقد نهبت بلاده. فقامت قيامته وكرّ راجعا، وقد بلغ منه ومن عسكره التعب مبلغا أوهن قواهم، وكلّت خيولهم، ونزل على غير ماء، فكادت عساكره أن تهلك، فلمّا تدانوا للحرب كان أوّل بلاء نزل بابن عثمان مخامرة التتار بأسرها عليه، فضعف بذلك عسكره، لأنّهم كانوا معظم عسكره، ثم تلاهم ولده سليمان ورجع عن أبيه عائدا إلى مدينة برصا «٥» بباقى عسكره، فلم يبق مع أبى يزيد إلا
стр. 4127
نحو خمسة آلاف فارس، فثبت بهم حتى أحاطت به عساكر تيمور، وصدمهم صدمة هائلة بالسيوف والأطبار حتى أفنوا من التمرية أضعافهم، واستمرّ القتال بينهم من ضحى يوم الأربعاء إلى العصر، فكلّت عساكر ابن عثمان، وتكاثروا التمرية عليهم يضربونهم بالسيوف لقلّتهم وكثرة النّمرية، فكان الواحد من العثمانية يقاتله العشرة من التمرية، إلى أن صرع منهم أكثر أبطالهم، وأخذ أبو يزيد بن عثمان أسيرا قبضا باليد على نحو ميل من مدينة أنقرة «١» ، فى يوم الأربعاء سابع عشرين ذى الحجّة سنة أربع وثمانمائة بعد أن قتل غالب عسكره بالعطش، فإن الوقت كان ثامن عشرين أبيب بالقبطىّ وهو تموز بالرومىّ، وصار تيمور يوقف بين يديه فى كل يوم ابن عثمان ويسخر منه وينكيه بالكلام، وجلس تيمور مرّة لمعاقرة الخمر مع أصحابه وطلب ابن عثمان طلبا مزعجا، فحضر وهو يرسف «٢» فى قيوده وهو يرجف، فأجلسه بين يديه وأخذ يحادثه «٣» ، ثم [وقف تيمور «٤» ] وسقاه من يد جواريه اللّائى «٥» أسرهنّ تيمور، ثم أعاده إلى محبسه.
ثم قدم على تيمور إسفنديار «٦» أحد ملوك الروم بتقادم جليلة، فقبلها وأكرمه وردّه إلى مملكته [بقسطمونية «٧» ] ، هذا وعساكر تيمور تفعل فى بلاد الروم وأهلها تلك الأفعال المقدّم ذكرها.
стр. 4128
وأما أمر سليمان بن أبى يزيد بن عثمان، فإنه جمع المال الذي كان بمدينة برصا، وجميع ما كان فيها ورحل إلى أدرنة «١» وتلاحق به الناس، وصالح أهل إستانبول «٢» ، فبعث تيمور فرقة كبيرة من عساكره صحبة الأمير شيخ نور الدين إلى برصا فأخذوا ما وجدوا بها، ثم تبعهم هو أيضا بعساكره.
ثم أفرج تيمور عن محمد وعن أولاد ابن قرمان من حبس أبى يزيد بن عثمان، وخلع عليهما وولّاهما بلادهما، وألزم كلّ واحد منهما بإقامة الخطبة، وضرب السّكّة باسمه واسم السلطان محمود خان المدعو صرغتمش «٣» .
ثم شتا فى معاملة «٤» منتشا وعمل الحيلة فى قتل التتار الّذين أتوه من عسكر ابن عثمان حتى أفناهم عن آخرهم.
وأما أبو يزيد بن عثمان، فإنه استمر فى أسر تيمور من ذى الحجّة سنة أربع، إلى أن مات بكربته وقيوده، فى أيام من ذى القعدة سنة خمس وثمانمائة، بعد أن حكم ممالك الروم نحو تسع سنين.
وكان من أجلّ الملوك حزما وعزما وشجاعة، رحمه الله تعالى. وهو المعروف بيلدرم بايزيد.
ثم توجّه «٥» تيمور من بلاد الروم وقد تعلّقت آماله بأخذ بلاد الصين، فأخذه الله قبل أن يصل، ولولا خشية الإطالة لذكرنا أمره وما وقع له بطريق الصين إلى
стр. 4129
أن توفّى [لعنه الله «١» ] ولكن أضربنا عن ذلك خشية الإطالة، وأيضا قد ذكرناه فى ترجمته «٢» فى (المنهل الصافى) مستوفاة، فلتنظر هناك «٣» .
وكانت وفاة تيمور فى يوم «٤» الأربعاء سابع عشر شعبان سنة سبع وثمانمائة وهو نازل بالقرب من أترار «٥» ، وأترار بالقرب من آهنگران، ومعنى آهنگران باللغة العربية الحدّادون «٦» .
ولما مات لبسوا عليه المسوخ، ولم يكن معه أحد من أولاده سوى حفيده سلطان خليل بن ميران شاه بن تيمور، فتسلطن موضع جدّه تيمور فى حياة والده ميران شاه المذكور، فاستولى خليل المذكور على خزائن جدّه وبذل الأموال، وتم أمره. انتهى ما أوردناه من قصة تيمور لنك على سبيل الاختصار.
ولنعد إلى ما نحن بصدده من ترجمة السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق [﵀ «٧» ] .
ولما كان يوم الأحد أوّل شوّال أفرج السلطان عن الأمير يلبغا السالمى وهو متضعّف بعد ما عصر وأهين إهانة بالغة.
стр. 4130
وفى هذه الأيّام كثر احتراز الأمراء بعضهم من بعض، وتحدّث الناس بإثارة فتنة «١» .
ثم فى سابع شوّال المذكور استقرّ الأمير طولو من على باشاه الظاهرى فى نيابة إسكندرية عوضا عن الأمير أرسطاى، واستقر الأمير بشباى «٢» من باكى الظاهرى حاجبا ثانيا على خبز «٣» سودون الطيّار، إمرة طبلخاناه، واستقر كلّ من سودون الطيار وألطنبغا من سيدى حجّابا بحلب لأمر اقتضى ذلك.
ثم استدعى السلطان الأمراء بقلعة الجبل، وقال لهم: قد كتبنا مناشير جماعة من الخاصكية «٤» بأمريّات ببلاد الشام من أوّل شهر رمضان، فلم لا يسافروا؟ وكلّ ذلك بتعليم يشبك الدوادار، فقال الأمير نوروز الحافظى ما فى هذا مصلحة، إذا أرسل السلطان هؤلاء من يبقى عنده من مماليك أبيه الأعيان؟ ووافق نوروز سودون الماردانى. فقال السلطان: من ردّ مرسومى فهو عدوّى، فسكت الأمراء وأمر السلطان بالمناشير أن تبعث إلى أربابها.
فلما نزلت إليهم امتنعوا من السفر، ومنهم من ردّ منشوره، فغضب السلطان وأصبح الجماعة يوم الأحد، وقد اتفقوا مع الأمراء وساروا للأمير نوروز الحافظى
стр. 4131
وتحدّثوا معه فى عدم سفرهم، فاعتذر إليهم، وبعثهم لسودون الماردانى رأس نوبة النوب «١» فحدّثوه فى ذلك، وما زالوا به حتى ركب للأمير يشبك الشعبانى الدوادار وحدّثه فى ألّا يسافروا، فأغلظ يشبك فى ردّ الجواب عليه، وهدّدهم بالتوسيط «٢» إن امتنعوا من «٣» السفر.
ثم أمره أن يطلع إلى السلطان ويسأله فى [ذلك فطلع «٤» سودون الماردانىّ إلى السلطان] ، وسأله فى إعفائهم من السفر، وأعلمه أنه قد اتفق منهم نحو الألف تحت القلعة، وهم مجتمعون، فبعث السلطان إليهم بعض الخاصكيّة يقول لهم: نحن ما خلّيناكم بلا رزق بل عملناكم أمراء، فما هو إلّا أن نزل إليهم وكلّمهم فى ذلك «٥» ، ثاروا عليه وسبّوه ثم ضربوه حتى كاد يهلك، فبينما هم فى ضربه، وإذا بالأمير قطلوبغا الحسنى الكركى والأمير آقباى الكركى الخازندار نزلا من القلعة، فمال عليهم المماليك يضربونهم بالدّبابيس إلى أن سقط قطلوبغا الكركى، وتكاثر عليه مماليكه وحملوه إلى بيته، ونجا آقباى الكركى الخازندار والتجأ إلى بيت الأمير يشبك الدوادار، وماجت البلد وغلّقت الأسواق، فنودى بعد العصر من اليوم المذكور بطلوع الأمراء والمماليك السلطانيّة فى الغد إلى القلعة، ومن لم يطلع حلّ ماله ودمه للسلطان.
ثم طلع الأمير يشبك، ونوروز الحافظى، وآقباى الكركى الخازندار، وقطلوبغا الكركى إلى القلعة بعد عشاء الآخرة، وباتوا بالقلعة إلّا نوروزا فإنّه أقام معهم ساعة عند السلطان.
стр. 4132
ثم نزل إلى داره وطلع أيضا فى الليل غالب المماليك السلطانية.
وأصبحوا يوم الاثنين تاسع شوال، فطلع جميع الأمراء والمماليك إلا الأمير جكم من عوض، وسودون الطيّار، وقانّى باى العلائى، وقرقماس الأينالى، وجمق وتمربغا المشطوب، فى عدّة من المماليك السلطانية الأعيان، منهم يشبك العثمانى، وقمج وبرسبغا وطرباى وبقية خمسمائة مملوك، والجميع لبسوا السلاح وآلة الحرب ووقفوا تحت القلعة حتى تضحّى النهار. ثم مضوا إلى بركة الحبش «١» ونزلوا عليها.
وأما أهل القلعة، فإن يشبك بعث فى الحال نقيب «٢» الجيش إلى الشيخ لاچين الجركسى أحد الأجناد، فقبض عليه وحمله إلى بيت آقباى حاجب الحجّاب، فوكّل به آقباى من أخرجه من القاهرة إلى بلبيس ليسافر إلى الشام.
ثم قبض على سودون الفقيه، أحد دعاة الشيخ لاچين، وأخرج إلى الإسكندرية فسجن بها.
واستمرّ الأمير جكم ورفقته ببركة الحبش إلى ليلة الأربعاء، فاستدعى الأمير يشبك سائر الأمراء، فلما صاروا بالقلعة وكّل بهم من يحفظهم، فاستمرّوا على ذلك حتى مضى جانب من الليل.
стр. 4133
ثم نزل الطلب إلى الأمير سودون طاز الأمير آخور «١» الكبير من السلطان ليطلع إلى عند الأمراء، وفى عزمهم أنه إذا طلع قبضوا عليه، فمّ لسودون طاز بعض الخاصكية يسمّى قانى باى، وقال له: فز بنفسك؛ فلم يكذّب سودون طاز الخبر، وأخذ الخيول السلطانية التى بالإسطبل السلطانى، وركب بمماليكه، وسار حتى لحق بالأمير جكم ببركة الحبش، وبلغ السلطان ذلك، فارتجّ القصر السلطانىّ، وقام كلّ أمير ونزل إلى داره ولبس آلة الحرب بمماليكه، ودقّت الكوسات وطلعوا إلى القلعة.
فلما أصبح نهار الأربعاء نزل السلطان من القصر إلى الإسطبل، وبعث إلى الأمير جكم من عوض بأن يتوجّه إلى صفد نائبا بها، فزدّ جكم الجواب «٢» «نحن مماليك السلطان، وهو أستاذنا وابن أستاذنا، ولو أراد قتلنا ما خالفناه، غير أننا لنا غرماء يدعنا نحن وإيّاهم، ثم بعد ذلك مهما أراد السلطان يفعل فينا، فنحن بين يديه» . فلمّا عاد الرسول بذلك بكى الأمير يشبك الدوادار، وتكلم هو والأمير آقباى الكركى الخازندار وقطلوبغا الكركى مع السلطان، ودار بينهم كلام «٣» كثير، حتى بعث السلطان بالأمير نوروز الحافظى والقاضى الشافعى «٤» وناصر الدين المعلّم الرمّاح أمير آخور إلى الأمير جكم فى طلب الصلح، فنزلوا إليه وكلّموه فى ذلك، فامتنع جكم من الصلح هو ومن معه وقالوا: لابدّ لنا من غرمائنا، وأخذوا عندهم الأمير نوروز الحافظى، وعاد القاضى «٥» الشافعى وناصر الدين الرمّاح بالجواب، فعند ذلك قال السلطان ليشبك: دونك وغرماءك؛ فطلب يشبك المساعدة من السلطان عليهم، فلم يفعل، فنزل يشبك إلى داره وقد اختلّ أمره.
стр. 4134
ثم عاد إلى القلعة ليطلع إلى السلطان فلم يمكّن منها، وتخلّى عنه المماليك السلطانية؛ فلم تكن غير «١» ساعة حتى أقبل جكم وسودون طاز ونوروز فى عددهم وأصحابهم.
وصاحب الموكب نوروز وجكم عن يساره، وسودون طاز عن يمينه، وساروا نحو يشبك، فنادى يشبك: «من قاتل معى من المماليك السلطانية فله عشرة آلاف درهم» فأتاه طائفة، وخرج من بيته وصفّ عساكره، فحمل عليه نوروز بمن معه، وصدمه صدمة واحدة كسره فيها؛ فانهزم إلى داره وقاتل بها ساعة، ثم هرب منها، فنهبت داره ودار قطلوبغا الكركىّ.
وكان بيت يشبك دار منجك اليوسفى الملاصقة لمدرسة «٢» [السلطان «٣» ] حسن وهى الآن على ملك تمربغا الظاهرى الدوادار، ودار قطلوبغا [الكركى «٤» ] البيت الذي تجاهه، وقبض على آقباى الكركى الخازندار، فشفع فيه السلطان، فترك فى داره إلى يوم الخميس ثانى عشره، فركب الأمير جكم إليه، وأخذه وطلع به إلى الإسطبل السلطانىّ وقيّده.
ثم قبض على الأمير قطلوبغا الكركى الحسنى من بيت الأمير يلبغا «٥» الناصرى وقيّده.
стр. 4135
ثم قبض على جركس القاسمى المصارع من عند سودون الجلب، وقيّده وبعث الثلاثة إلى الإسكندرية، والثلاثة أمراء ألوف من أصحاب يشبك، وسافروا إلى الإسكندرية فى ليلة السبت رابع عشر شوّال المذكور من سنة ثلاث وثمانمائة، وكتب جكم بإحضار سودون الفقيه من الإسكندرية.
وسودون الفقيه هذا هو حمو الملك الظاهر ططر، وجدّ الملك الصالح محمد ابن ططر الآتى ذكرهما. وطلب جكم الأمير يشبك الشعبانى الدوادار فلم يقدر عليه إلى ليلة الاثنين سادس عشره دلّ عليه أنه فى تربة «١» بالقرافة، فنزل إليه جكم فلمّا أحيط بيشبك [وهو «٢» ] فى التربة المذكورة ألقى نفسه من مكان مرتفع، فشجّ جبينه، وقبض عليه الأمير جكم، وأحضره إلى بيت الأمير نوروز الحافظى، فقيّد وسيّر من ليلته إلى الإسكندرية فسجن بها.
وفى يوم الاثنين خلع على سعد الدين إبراهيم بن غراب باستمراره [فى وظائفه «٣» ] وهو أحد أصحاب يشبك بعد أن اجتهد غاية الاجتهاد فى رضا جكم عليه فلم يقدر.
следующие страницы →