← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

وتحدّثوا معه فى عدم سفرهم، فاعتذر إليهم، وبعثهم لسودون الماردانى رأس نوبة النوب «١» فحدّثوه فى ذلك، وما زالوا به حتى ركب للأمير يشبك الشعبانى الدوادار وحدّثه فى ألّا يسافروا، فأغلظ يشبك فى ردّ الجواب عليه، وهدّدهم بالتوسيط «٢» إن امتنعوا من «٣» السفر. ثم أمره أن يطلع إلى السلطان ويسأله فى [ذلك فطلع «٤» سودون الماردانىّ إلى السلطان] ، وسأله فى إعفائهم من السفر، وأعلمه أنه قد اتفق منهم نحو الألف تحت القلعة، وهم مجتمعون، فبعث السلطان إليهم بعض الخاصكيّة يقول لهم: نحن ما خلّيناكم بلا رزق بل عملناكم أمراء، فما هو إلّا أن نزل إليهم وكلّمهم فى ذلك «٥» ، ثاروا عليه وسبّوه ثم ضربوه حتى كاد يهلك، فبينما هم فى ضربه، وإذا بالأمير قطلوبغا الحسنى الكركى والأمير آقباى الكركى الخازندار نزلا من القلعة، فمال عليهم المماليك يضربونهم بالدّبابيس إلى أن سقط قطلوبغا الكركى، وتكاثر عليه مماليكه وحملوه إلى بيته، ونجا آقباى الكركى الخازندار والتجأ إلى بيت الأمير يشبك الدوادار، وماجت البلد وغلّقت الأسواق، فنودى بعد العصر من اليوم المذكور بطلوع الأمراء والمماليك السلطانيّة فى الغد إلى القلعة، ومن لم يطلع حلّ ماله ودمه للسلطان. ثم طلع الأمير يشبك، ونوروز الحافظى، وآقباى الكركى الخازندار، وقطلوبغا الكركى إلى القلعة بعد عشاء الآخرة، وباتوا بالقلعة إلّا نوروزا فإنّه أقام معهم ساعة عند السلطان.

стр. 4132

ثم نزل إلى داره وطلع أيضا فى الليل غالب المماليك السلطانية. وأصبحوا يوم الاثنين تاسع شوال، فطلع جميع الأمراء والمماليك إلا الأمير جكم من عوض، وسودون الطيّار، وقانّى باى العلائى، وقرقماس الأينالى، وجمق وتمربغا المشطوب، فى عدّة من المماليك السلطانية الأعيان، منهم يشبك العثمانى، وقمج وبرسبغا وطرباى وبقية خمسمائة مملوك، والجميع لبسوا السلاح وآلة الحرب ووقفوا تحت القلعة حتى تضحّى النهار. ثم مضوا إلى بركة الحبش «١» ونزلوا عليها. وأما أهل القلعة، فإن يشبك بعث فى الحال نقيب «٢» الجيش إلى الشيخ لاچين الجركسى أحد الأجناد، فقبض عليه وحمله إلى بيت آقباى حاجب الحجّاب، فوكّل به آقباى من أخرجه من القاهرة إلى بلبيس ليسافر إلى الشام. ثم قبض على سودون الفقيه، أحد دعاة الشيخ لاچين، وأخرج إلى الإسكندرية فسجن بها. واستمرّ الأمير جكم ورفقته ببركة الحبش إلى ليلة الأربعاء، فاستدعى الأمير يشبك سائر الأمراء، فلما صاروا بالقلعة وكّل بهم من يحفظهم، فاستمرّوا على ذلك حتى مضى جانب من الليل.

стр. 4133

ثم نزل الطلب إلى الأمير سودون طاز الأمير آخور «١» الكبير من السلطان ليطلع إلى عند الأمراء، وفى عزمهم أنه إذا طلع قبضوا عليه، فمّ لسودون طاز بعض الخاصكية يسمّى قانى باى، وقال له: فز بنفسك؛ فلم يكذّب سودون طاز الخبر، وأخذ الخيول السلطانية التى بالإسطبل السلطانى، وركب بمماليكه، وسار حتى لحق بالأمير جكم ببركة الحبش، وبلغ السلطان ذلك، فارتجّ القصر السلطانىّ، وقام كلّ أمير ونزل إلى داره ولبس آلة الحرب بمماليكه، ودقّت الكوسات وطلعوا إلى القلعة. فلما أصبح نهار الأربعاء نزل السلطان من القصر إلى الإسطبل، وبعث إلى الأمير جكم من عوض بأن يتوجّه إلى صفد نائبا بها، فزدّ جكم الجواب «٢» «نحن مماليك السلطان، وهو أستاذنا وابن أستاذنا، ولو أراد قتلنا ما خالفناه، غير أننا لنا غرماء يدعنا نحن وإيّاهم، ثم بعد ذلك مهما أراد السلطان يفعل فينا، فنحن بين يديه» . فلمّا عاد الرسول بذلك بكى الأمير يشبك الدوادار، وتكلم هو والأمير آقباى الكركى الخازندار وقطلوبغا الكركى مع السلطان، ودار بينهم كلام «٣» كثير، حتى بعث السلطان بالأمير نوروز الحافظى والقاضى الشافعى «٤» وناصر الدين المعلّم الرمّاح أمير آخور إلى الأمير جكم فى طلب الصلح، فنزلوا إليه وكلّموه فى ذلك، فامتنع جكم من الصلح هو ومن معه وقالوا: لابدّ لنا من غرمائنا، وأخذوا عندهم الأمير نوروز الحافظى، وعاد القاضى «٥» الشافعى وناصر الدين الرمّاح بالجواب، فعند ذلك قال السلطان ليشبك: دونك وغرماءك؛ فطلب يشبك المساعدة من السلطان عليهم، فلم يفعل، فنزل يشبك إلى داره وقد اختلّ أمره.

стр. 4134

ثم عاد إلى القلعة ليطلع إلى السلطان فلم يمكّن منها، وتخلّى عنه المماليك السلطانية؛ فلم تكن غير «١» ساعة حتى أقبل جكم وسودون طاز ونوروز فى عددهم وأصحابهم. وصاحب الموكب نوروز وجكم عن يساره، وسودون طاز عن يمينه، وساروا نحو يشبك، فنادى يشبك: «من قاتل معى من المماليك السلطانية فله عشرة آلاف درهم» فأتاه طائفة، وخرج من بيته وصفّ عساكره، فحمل عليه نوروز بمن معه، وصدمه صدمة واحدة كسره فيها؛ فانهزم إلى داره وقاتل بها ساعة، ثم هرب منها، فنهبت داره ودار قطلوبغا الكركىّ. وكان بيت يشبك دار منجك اليوسفى الملاصقة لمدرسة «٢» [السلطان «٣» ] حسن وهى الآن على ملك تمربغا الظاهرى الدوادار، ودار قطلوبغا [الكركى «٤» ] البيت الذي تجاهه، وقبض على آقباى الكركى الخازندار، فشفع فيه السلطان، فترك فى داره إلى يوم الخميس ثانى عشره، فركب الأمير جكم إليه، وأخذه وطلع به إلى الإسطبل السلطانىّ وقيّده. ثم قبض على الأمير قطلوبغا الكركى الحسنى من بيت الأمير يلبغا «٥» الناصرى وقيّده.

стр. 4135

ثم قبض على جركس القاسمى المصارع من عند سودون الجلب، وقيّده وبعث الثلاثة إلى الإسكندرية، والثلاثة أمراء ألوف من أصحاب يشبك، وسافروا إلى الإسكندرية فى ليلة السبت رابع عشر شوّال المذكور من سنة ثلاث وثمانمائة، وكتب جكم بإحضار سودون الفقيه من الإسكندرية. وسودون الفقيه هذا هو حمو الملك الظاهر ططر، وجدّ الملك الصالح محمد ابن ططر الآتى ذكرهما. وطلب جكم الأمير يشبك الشعبانى الدوادار فلم يقدر عليه إلى ليلة الاثنين سادس عشره دلّ عليه أنه فى تربة «١» بالقرافة، فنزل إليه جكم فلمّا أحيط بيشبك [وهو «٢» ] فى التربة المذكورة ألقى نفسه من مكان مرتفع، فشجّ جبينه، وقبض عليه الأمير جكم، وأحضره إلى بيت الأمير نوروز الحافظى، فقيّد وسيّر من ليلته إلى الإسكندرية فسجن بها. وفى يوم الاثنين خلع على سعد الدين إبراهيم بن غراب باستمراره [فى وظائفه «٣» ] وهو أحد أصحاب يشبك بعد أن اجتهد غاية الاجتهاد فى رضا جكم عليه فلم يقدر.

стр. 4136

ثم فى ثامن عشره أخلع السلطان على الأمير شيخ المحمودى نائب طرابلس باستمراره على نيابته، وهى خلعة السفر «١» ، وكان له من يوم قدم من أسر تيمور بالقاهرة فى عمل مصالحه، وكذلك الأمير دقماق نائب صفد خلع عليه خلعة السفر. وكان دقماق أولا نائب حماة، ثم صار الآن فى نيابة صفد، وأذن لهما بالسفر إلى محلّ كفالتهما «٢» . وفى تاسع عشره خلع السلطان الملك الناصر على الأمير جكم باستقراره دوادارا كبيرا عوضا عن يشبك الشعبانى، بحكم حبسه بالإسكندرية، وعلى سودون من زاده باستقراره خازندارا، عوضا عن آقباى الكركى، وعلى أرغون «٣» من يشبغا باستقراره شادّ الشراب «٤» خاناه، عوضا عن قطلوبغا الكركى، وأخلع على بيسق الشيخى خلعة إمرة الحاج على العادة، ورسم له أن يقيم بعد انقضاء الحجّ بمكّة لعمارة «٥» ما بقى من المسجد الحرام. ثم فى سادس عشرين شوّال أخلع السلطان على الأمير يونس الحافظى باستقراره فى نيابة حماة بعد عزل الأمير عمر بن الهيدبانى «٦» ، وفى هذا اليوم أنعم على

стр. 4137

الأمير جكم من عوض الدوادار بإقطاع يشبك الشعبانى الدوادار، وعلى سودون الطيّار بإقطاع الأمير جكم، وأنعم بإقطاع آقباى الكركىّ على قانى باى العلائى، وبإقطاع قطلوبغا الكركى على تمربغا من باشاه المعروف بالمشطوب، وبإقطاع جركس القاسمى المصارع على سودون من زاده بستّين فارسا. ثم فى أوّل ذى القعدة ألزم سعد الدين «١» بن غراب بتجهيز نفقة المماليك السلطانية، فالتزم أن يحمل منها مائة ألف دينار، وألزم الوزير ناصر الدين محمد بن سنقر، وتاج الدين عبد الرزاق بن أبى الفرج، ويلبغا السالمى بمائة ألف دينار، فشرع الجميع فى تجهيزها. ثم قبض على السالمى وصودر، وعذّب بأنواع العذاب، ثم أفرج عنه بعد مدّة، واستمرّ الحال على أن جكم صار متحدّثا فى المملكة. ثم فى رابع ذى الحجة اختفى سعد الدين بن غراب «٢» ، وأخوه فخر الدين ماجد، ولم يعرف خبرهما. فاستقرّ ناصر الدين محمد بن سنقر فى الأستداريّة، عوضا عن سعد الدين بن غراب، مضافا لما معه من الذخيرة والأملاك. ثم استعفى سودون من زاده من وظيفة الخازندارية «٣» ، وأخلع على الوزير علم الدين أبى كمّ باستقراره فى نظر «٤» الخاصّ مضافا على الوزر عوضا عن

стр. 4138

؟؟؟ الدين بن غراب، وأخلع على سعد الدين بن أبى الفرج بن بنت الملكى، صاحب ديوان «١» الجيش، واستقرّ فى نظر الجيش «٢» عوضا عن ابن غراب. ثم فى تاسع ذى الحجة ورد كتاب مشايخ تروجة «٣» يتضمن قدوم سعد بن غراب إليهم، ومعه مثال سلطانىّ باستخراج الأموال، ومسيرهم معه إلى الإسكندريّة لإخراج يشبك والأمراء من سجن الإسكندرية، وإحضارهم إلى القاهرة. فأخلع «٤» السلطان على رسولهم، وكتب على يده مثالا سلطانيّا بالقبض على ابن غراب ومن معه، وإرسالهم إلى القاهرة. ثم قدم كتاب نائب الإسكندرية بأن سعد الدين ابن غراب طلب زعران الإسكندرية، فخرج إليه أبو بكر المعروف بعلام «٥» الخدّام بالزّعر إلى تروجة، فأعطى لكل واحد منهم مبلغ خمسمائة درهم، وقرّر معهم قتل النائب، فبلغ ذلك النائب، فلما قدموا إلى الإسكندرية قبض على جماعة منهم وقتل بعضهم وقطع أيدى بعضهم، وضرب علّام الخدّام بالمقارع، وأنه أيضا ظفر بكتاب ابن غراب لبعض تجار الإسكندرية، وفيه أن يجتمع بالنائب ويؤكّد

стр. 4139

عليه ألّا يقبل ما يرد عليه من أمراء مصر فى أمر يشبك الدوادار ومن معه من الأمراء، وأن يجعل باله لا يجرى عليه مثل ما جرى على ابن عرّام فى قتله الأمير بركة. ثم وردت كتب مشايخ تروجة بسؤال الأمان لابن غراب، فكتب له السلطان أمانا، وكتب «١» الأمراء ما خلا الأمير جكم، فإنه كتب إليه كتابا ولم يكتب إليه أمانا، فقدم إلى القاهرة فى حادى عشرينه فى الليل، ونزل عند صديقه جمال الدين يوسف أستادار بجاس، وهو يومئذ أستادار الأمير سودون طاز أمير آخور، فتحدّث له مع سودون طاز وأوصله إليه، فأكرمه وأنزله عنده يومى الثلاثاء والأربعاء، حتى استرضى له الأمراء، وأحضره فى يوم الخميس ثالث عشرينه إلى مجلس السلطان، وخلع عليه باستقراره فى وظائفه القديمة: الأستادارية، ونظر الجيش، والخاص. ونزل إلى بيت الأمير جكم الدوادار، فمنعه جكم من الدخول إليه وردّه وما زال يسعى ابن غراب حتى دخل إليه مع الأمير سودون من زادة، وقبّل يده فلم يكلّمه كلمة، وأعرض عنه، فلم يزل حتى أرضاه بعد ذلك، ثم فى يوم الخميس سلخ ذى الحجة أنفق ابن غراب تتمّة النفقة على المماليك السلطانية. فأعطى كل واحد ألف درهم، وعند ما نزل من القلعة أدركه عدّة من المماليك السلطانية ورجموه بالحجارة يريدون قتله، فبادر إلى بيت الأمير نوروز واستجار به حتى أجاره.

стр. 4140

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٤] ثم فى محرم سنة أربع وثمانمائة، كتب الأمراء بمصر لأمراء دمشق بالقبض على الوالد «١» ، فكتب للوالد بذلك بعض أعيان أمراء مصر، فسبق ذلك المثال السلطانى، فركب الوالد من دار السعادة «٢» بدمشق فى نفر من مماليكه فى ليلة الجمعة ثانى عشرين المحرم وخرج إلى حلب، فتعين لنيابة «٣» دمشق عوضا عن الوالد، الأمير آقبغا الجمالى الأطروش أتابك دمشق وكتب بانتقال دقماق نائب صفد إلى نيابة حلب، عوضا عن دمرداش المحمّدى بحكم عصيانه وانضمامه على الوالد لمّا قدم عليه من دمشق، واستقر الأمير تمربغا المنجكى فى نيابة صفد عوضا عن دقماق. وأما الوالد ﵀ فإنه لمّا سار إلى حلب وجد الأمير دمرداش نائب حلب قد قبض على الأمير خليل بن قراجا بن دلغادر أمير التركمان «٤» ، فأمره الوالد

стр. 4141

بإطلاقه، فاطلقه، واتفق الجميع على الخروج عن طاعة السلطان بسبب من حوله من الأمراء، واجتمع عليهم خلائق من التركمان وغيرهم على ما سيأتى ذكره. ثم وقع بين أمراء مصر، وهو أن سودون الحمزاوى وقع بينه وبين أكابر الأمراء، مثل نوروز، وجكم، وسودون طاز، وتمربغا المشطوب، وقانى باى العلائى، فانقطعوا الجميع عن الخدمة السلطانية من أول صفر، وعزموا على إثارة فتنة، فلبس سودون الحمزاوى آلة الحرب فى داره، واجتمع عليه من يلوذ به. وكان الأمراء المذكورون، قد عيّنوا قبل ذلك للخروج من ديار مصر ثمانية انفس، وهم سودون الحمزاوى المذكور، وسودون بقجة وهما «١» من أمراء الطبلخانات ورءوس نوب، وأزبك الدوادار، وسودون بشتو وهما من أمراء العشرات، وقانى باى الخازندار، وبردبك وهما من الخاصكية، وآخرين «٢» ، ولما لبس الحمزاوى مشت الرسل بينهم فى الصلح إلى «٣» أن وقع الاتفاق على خروج سودون الحمزاوى إلى نيابة صفد، وإقامة الباقين بمصر من غير حضورهم إلى الخدمة السلطانية. ثم فى سابع عشرين صفر المذكور، أخلع على سودون الحمزاوى بنيابة صفد وبطل ولاية تمربغا المنجكى من صفد. وفى هذا الشهر، حضر الأمير ألطنبغا العثمانى نائب صفد كان «٤» ، والأمير عمر ابن الطحّان نائب غزّة كان، من أسر تيمور لنك، وذكرا أنّهما فارقاه من أطراف بغداد.

стр. 4142

ثم فى يوم الاثنين نصف شهر ربيع الأوّل من سنة أربع وثمانمائة، طلع الأمير نوروز الخدمة السلطانية، بعد ما انقطع عنها زيادة على شهر، فخلع عليه خلعة الرضا. ثم فى ثامن عشره، طلع الأمير جكم من عوض الدوادار الخدمة بعد ما انقطع عنها مدّة شهرين وخلع عليه أيضا، هذا ودقماق نائب حلب، وأقبغا الأطروش نائب الشأم فى الاستعداد وجمع التركمان والعشير لقتال الوالد ودمرداش. ثم خرج الوالد ودمرداش من حلب إلى ظاهرها لانتظار دقماق وقتاله. ثم إن السلطان فى شهر ربيع الآخر أخلع على جمق رأس نوبة باستقراره دوادارا ثانيا عوضا عن چركس المصارع، وكانت شاعرة من يوم مسك چركس المذكور، واستقرّ مبارك شاه الحاجب وزيرا عوضا عن علم الدين يحيى المعروف بأبى كمّ، وقبض على أبى كم وسلّم لشادّ الدواوين «١» للمصادرة. وفى العشر الأخير من هذا الشهر استقر جلال الدين عبد الرحمن بن شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى قاضى قضاة الديار المصرية بعد عزل القاضى ناصر الدين الصالحى، وهذه أول ولاية جلال الدين البلقينى. ثم فى ثامن جمادى الأولى استقر الأمير ألطنبغا العثمانى نائب صفد كان، فى نيابة غزّة عوضا عن الأمير صرق بعد عزله. ثم ابتدأت الفتنة بين الأمراء، وطال الأمر وانقطع جكم ونوروز عن الخدمة السلطانية أياما كثيرة.

стр. 4143

ودخل شهر رمضان وانقضى، ولم يحضروا الهناء بالعيد، ولا صلّوا صلاة العيد مع السلطان. واستهلّ شوّال فقويت فيه القالة بين الأمراء، وأرجف بوقوع الحرب غير مرّة. فلما كان يوم الجمعة ثانى شوّال ركب الأمراء للحرب بالسلاح، ونزل الملك الناصر إلى الإسطبل السلطانىّ عند سودون طاز الأمير أخور، وركب الأمير نوروز وجكم وخصمهما سودون طاز، ووقع الحرب بينهم من بكرة النهار إلى العصر. فلما كان آخر النّهار بعث السلطان بالخليفة المتوكّل على الله والقضاة الأربعة إلى الأمير نوروز فى طلب الصّلح، فلم يجد نوروز بدّا من الصلح وترك القتال، وخلع عنه آلة الحرب، فكف الأمير جكم أيضا عن الحرب «١» ، وكان ذلك مكيدة من سودون طاز، فإنه خاف أن يغلب ويسلمه السلطان إلى أخصامه، فتمّت مكيدته بعد ما كاد أن يؤخذ، لقوّة نوروز وجكم بمن معهما من الأمراء والخاصكيّة، وسكنت الفتنة، وبات الناس فى أمن وسكون. فلما كان يوم السبت ركب الخليفة والقضاة، وحلّفوا الأمراء بالسمع والطاعة للسلطان، فطلع الأمير نوروز إلى الحدمة فى يوم الاثنين خامس شوّال، وخلع عليه السلطان، وأركبه فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش. ثم طلع الأمير جكم فى ثامنه وهو خائف ولم يطلع قانى باى ولا قرقماس، وطلبا فلم يوجدا فجهز إليهما خلعتان، على أن يكون قانى باى نائبا بحماه، وقرقماس حاجبا بدمشق، ونزل جكم بغير خلعة فكاد أن يهلك لكونه لم يخلع عليه.

стр. 4144

وعند ما جلس بداره نزل إليه جرباش الشيخى رأس نوبة، وبشباى الحاجب الثانى يطلبان قانى باى منه ظنا أنه اختفى عنده، فأنكر أن يكون عنده وصرفهما بجواب ملفّق. ثم ركب من ليلته بمن معه من الأمراء والمماليك وأعيانهم قمش الخاصكى الخازندار، ويشبك الساقى، وهو الذي صار أتابكا فى دولة الأشرف برسباى، ويشبك العثمانى، وألطنبغا جاموس، وجانيباى الطيبى، وبرسبغا الدوادار، وطرباى الدوادار، وساروا الجميع إلى بركة الحبش خارج القاهرة، ولحق بهم فى الحال قانى باى، وقرقماس الرماح، وأرغز، وقبجق، ونحو الخمسمائة مملوك من المماليك السلطانية، وغيرهم وأقاموا جميعا ببركة الحبش إلى ليلة السبت عاشر شوال فأتاهم الأمير نوروز، وسودون من زاده رأس نوبة، وتمربغا المشطوب، فى نحو الألفين من المماليك السلطانية وغيرهم، وأقاموا جميعا ببركة الحبش إلى ليلة الأربعاء رابع عشر شوال، وأمرهم فى زيادة وقوّة، بمن يأتيهم أوّلا بأوّل من الأمراء والمماليك السلطانية. وفى الليلة المذكورة، دبّر سودون طاز أمره وطلع إلى السلطان، وأنزله إلى الإسطبل السلطانىّ وبات به. فلمّا أصبح بكرة يوم الأربعاء المذكور، ركب السلطان فيمن معه من الأمراء والخاصكية ونزل من القلعة، وسار نحو بركة الحبش من باب «١» القرافة، بعد ما نادى فى أمسه بالعرض، واجتمع إليه جميع عساكره، وقد صف سودون طاز عساكر

стр. 4145

السلطان، فلما قارب بركة الحبش، ركب نوروز وجكم بمن معهما أيضا، من الأمراء والمماليك السلطانية، فصدمهم سودون طاز بالعسكر السلطانىّ صدمه كسرهم فيها، وأسر الأمير تمربغا المشطوب، وسودون من زاده، وعلى بن إينال وأرغز، وهرب نوروز وجكم فى عدّة كثيرة من الأمراء والمماليك إلى «١» بلاد الصعيد، وعاد السلطان ومعه الأمراء وسودون طاز مظفّرا منصورا، وقيّد سودون طاز الأمراء الممسوكين «٢» ، وبعثهم إلى الإسكندرية فى ليلة السبت سابع عشره، وسار نوروز وجكم إلى أن وصلا إلى منية القائد «٣» ، ثم عادوا إلى طموه «٤» ونزلوا على ناحية منبابة «٥» ، من برّ الجيزة تجاه بولاق، وطلب الأمير يشبك الشعبانى الدوادار من سجن الإسكندرية، فقدم يوم الاثنين تاسع عشره إلى قلعة الجبل، ومعه خلائق ممن خرج إلى لقائه، فقبّل الأرض ونزل إلى داره، كل ذلك والأمراء بالجيزة. فلما كان ليلة الثلاثاء عشرين شوّال ركب الأمير نوروز نصف الليل وعدّى النيل، وحصر إلى بيت الأمير الكبير بيبرس، وكان قد تحدّث هو وإينال باى من قجماس مع السلطان فى أمر نوروز حتى أمّنه ووعده بنيابة دمشق، وكان ذلك

стр. 4146

أيضا من مكر سودون طاز، فمشى ذلك على نوروز وحضر، فاختلّ عند ذلك أمر جكم، وتفرّق منه من كان معه، وصار فريدا، فكتب إلى الأمير بيبرس الأتابك يسأله «١» فى الحضور، فبعث إليه الأمير أزبك الأشقر رأس نوبة، والأمير بشباى الحاجب، وقدما به ليلة الأربعاء حادى عشرين شوّال إلى باب السلسلة «٢» من الإسطبل السلطانى؛ فتسلمه عدوّه الأمير سودون طاز، وأصبح وقد حضر الأمير يشبك وسائر الأمراء للسلام عليه، فلما كانت ليلة الخميس ثانى عشرينه، قيّد وحمل إلى الإسكندرية، فسجن بها فى البرج الذي كان سجن يشبك الدوادار فيه، وسكن يشبك مكانه وعلى إقطاعه بعد ما حبس بالإسكندرية نحوا من سنة، واستقرّ دوادارا على عادته عوضا عن جكم المذكور؛ على ما سيأتى ذكره. وأما أمر البلاد الشأميّة فإن دقماق جمع جموعه من العساكر والتركمان لقتال الوالد ودمرداش نائب حلب، وسار إلى جهة الوالد «٣» ، فخرج إليه الوالد وعلى مقدّمته دمرداش، وصدموه صدمة واحدة انكسر فيها بجموعه وولّوا الأدبار، ونهب ما معهم. وعاد دقماق منهزما إلى دمشق، واستنجد بنائبها الأمير آقبغا الجمالى الأطروش، وكتب أيضا دقماق لجميع نوّاب البلاد الشامية بالحضور والقيام بنصرة السلطان، وجمع من التركمان والعربان جمعا كبيرا، وخرج معه غالب العساكر

стр. 4147

الشأمية، وعاد إلى جهة حلب بعساكر عظيمة، والوالد ودمرداش فى مماليكهم لا غير؛ مع جدب البلاد الحلبية، وخراب قراها، فإنه عقيب توجه تيمور بسنة واحدة وأشهر. فلما قارب دقماق بعساكره حلب أشار دمرداش على الوالد بالتوجه إلى بلاد التركمان من غير قتال، فقال الوالد لا بدّ من قتالنا معه، فإن انتصرنا وإلا توجهنا إلى بلاد التركمان بحق، فتوجّها «١» لدقماق بمماليكهما، وقد صف دقماق عساكره واقتتلا قتالا شديدا، وثبت كل من الفريقين وقد أشرف دقماق على الهزيمة. وبينما هو فى ذلك خرج من عسكر الوالد ودمرداش جماعة إلى دقماق، فانكسرت عند ذلك الميمنة. ثم انهزم الجميع إلى نحو بلاد التركمان، فلم يتبعهم أحد من عساكر دقماق، وملك دقماق حلب، واستمرّ الوالد ودمرداش ببلاد التركمان؛ على ما سيأتى ذكره. وأما ما وقع بمصر فإنه لما حبس جكم من عوض بالإسكندرية، أخلع على نوروز الحافظى فى بيت بيبرس فى يوم الأربعاء بنيابة دمشق، وتوجه إلى داره. فلما كان من الغد فى يوم الخميس قبض عليه وحمل إلى باب السلسلة فقيد به وحمل من ليلته، وهى ليلة الجمعة ثالث عشرين شوال إلى الإسكندرية، فسجن بها، وغضب لذلك الأميران بيبرس الأتابك، وإينال باى من «٢» قجماس، وتركا طلوع الخدمة السلطانية أياما. ثم أرضيا وطلعا إلى الخدمة، وراحت على نوروز، واختفى الأمير قانى باى العلائى وقرقماس الرمّاح، فلم يعرف خبرهما.

стр. 4148

فلما كان يوم الاثنين ثالث ذى القعدة، أنعم السلطان بإقطاع الأمير نوروز على الأمير إينال العلائى المعروف بحطب رأس نوبة بعد أن أخرجوا منه النحريرية. وأنعم السلطان بإقطاع قانى باى العلائى على الأمير علّان جلّق، وبإقطاع تمربغا المشطوب على الأمير بشباى الحاجب الثانى، فلم يرض به، فاستقر باسم قطلوبغا الكركى، وكان إقطاعه قبل حبسه بالإسكندرية، وهو إلى الآن لم يحضر من سجن الإسكندرية. وبقى بشباى على طبلخانته. وأنعم بإقطاع جكم من عوض على الأمير يشبك الشعبانى الدوادار، وهو إقطاعه أيضا قبل حبسه بالإسكندرية. وأنعم على الأمير بيغوت بإمرة طبلخاناة، وعلى أسنبغا المصارع بإمرة طبلخاناة وعلى سودون بشتا «١» بإمرة طبلخاناة. ثم فى سادس ذى القعدة، قدم الأمراء من سجن الإسكندرية من أصحاب يشبك، وهم الأمير آقباى طاز الكركى الخازندار، وقطلوبغا الحسنى الكركى و چركس القاسمى المصارع، وصعدوا إلى القلعة، وقبّلوا الأرض بين يدى السلطان ثم نزلوا إلى بيوتهم، ثم رسم السلطان بانتقال الأمير شيخ المحمودى الساقى من نيابة طرابلس إلى نيابة دمشق، بعد عزل الأمير آقبغا الجمالى الأطروش، وتوجّهه إلى القدس بطّالا. ولما كان يوم الثلاثاء ثامن عشر ذى القعدة لعب الأمراء الكرة فى بيت الأتابك بيبرس، فاجتمع على باب بيبرس من المماليك السلطانية نحو الألف مملوك يريدون الفتك بسودون طاز.

стр. 4149

وعند ما خرج سودون طاز من بيت بيبرس هموا به، فتحاوطته أصحابه ومماليكه، وساق سودون حتى لحق بباب السلسلة، وامتنع بالإسطبل السلطانى حيث هو سكنه، ووقع كلام كثير. ثم خمدت الفتنة. فلما كان رابع عشرينه، خلع السلطان على الأمير يشبك الشعبانى باستقراره دوادارا على عادته، عوضا عن الأمير جكم من عوض بحكم حبسه. ثم فى يوم السبت رابع عشر ذى الحجة خلع السلطان على الأمير آقباى الكركى باستقراره خازندارا على عادته. ثم فى سلخ ذى الحجة استقر الأمير جمق الدوادار الثانى فى نيابة الكرك، واستقر الأمير علّان جلّق أحد مقدّمى الألوف بديار مصر فى نيابة حماة، بعد عزل يونس الحافظى، فشقّ ذلك على سودون طاز. ثم كتب للأمير دمرداش أمانا، وأنه يستقر فى نيابة طرابلس عوضا عن الأمير شيخ المحمودى المنتقل إلى نيابة دمشق، وكتب للأمير على بك بن دلغادر بنيابة عين تاب، وللأمير عمر بن الطحان بنيابة ملطية. وكانت الأخبار وردت بجمع التركمان ونزولهم مع دمرداش إلى حلب، وأن دقماق نائب حلب اجتمع معه نائب حماة والأمير نعير، وأن تيمور لنك نازل على مدينة سيواس، ولم يحجّ أحد فى هذه السنة من الشام ولا من العراق. [ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٥] وفى يوم ثالث «١» المحرم من سنة خمس وثمانمائة أنعم السلطان بإقطاع علان جلّق المستقر فى نيابة حماة على الأمير چركس القاسمى المصارع، وبإقطاع جمق المستقر فى نيابة الكرك على آقباى الكركىّ الخازندار، وزيد عليه قرية سمسطا «٢» .

стр. 4150

هذا والكلام يكثر بين الأمراء والمماليك، والناس فى تخوّف من وقوع فتنة. فلما كان سابع المحرم نزل الأمير سودون طاز الأمير آخور الكبير من الإسطبل السلطانى بأهله ومماليكه إلى داره، وعزل نفسه عن الأمير آخوريّة، وصار من جملة الأمراء. ثم فى هذا الشهر قدم الوالد إلى دمشق بأمان كان كتب له من قبل السلطان مع كتب جميع الأمراء. فلما وصل إلى دمشق خرج الأمير شيخ المحمودى إلى تلقّيه، حتى عاد معه إلى دمشق وأنزله بالقرمانية، وأكرمه غاية الإكرام بحيث إنه جاءه فى يوم واحد ثلاث مرات. ثم خرج الوالد بعد أيام من دمشق يريد الديار المصرية، فخرج الأمير شيخ أيضا لوداعه، وسار حتى وصل [إلى «١» ] مصر فى سلخ المحرم. بعد ما خرج الأمراء إلى لقائه، وطلع إلى القلعة، وقبّل الأرض بين يدى السلطان، فأخلع السلطان عليه كاملّية بمقلب سمّور، وأركبه فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش. ثم نزل إلى داره ومعه سائر الأمراء؛ وظهر الأمير قرقماس الرّماح، فشفع فيه الوالد، فإنه كان أنّبه «٢» ، فقبل السلطان شفاعته. وأما أمر سودون طاز، فإنه أقام بداره إلى ليلة الاثنين ثالث عشر صفر من سنة خمس وثمانمائة المذكورة، خرج من القاهرة بمماليكه وحواشيه إلى المرج «٣»

стр. 4151

والزيات «١» بالقرب من خانقاه سرياقوس «٢» ليقيم هناك حتى يأتيه من وافقه ويركب على أخصامه ويقهرهم ويعود إلى وظيفته. وكان خبر سودون طاز أنه لما وقع بينه وبين يشبك أولا وصار من حزب نوروز وجكم وقبضوا على يشبك وأصحابه من الأمراء وسجنوا بثغر الاسكندرية حسبما تقدم ذكره، صار تحكّم مصر له ويشاركه فى ذلك نوروز وجكم فثقلا عليه، وأراد أن يستبدّ بالأمر والنهى وحده، فدبّر فى إخراجهما حتى تم له ذلك، ظنا منه أنه ينفرد بالأمر بعدهما، فانتدب إليه يشبك الشعبانى الدوادار وأصحابه لما كان فى نفوسهم منه قديما بعد مجيئهم من حبس الاسكندرية، لأنه كان انحصر لخروجهم من الحبس. وكان الملك الناصر يميل إلى يشبك وقطلوبغا الكركى، لأنّ كل واحد منهما كان لالته «٣» . وكان الأمير آقباى طاز الكركى الخازندار يعادى سودون طاز قديما ويقول «طاز واحد يكفى بمصر، فأنا طاز وهو طاز ما تحملنا مصر» واتفقوا الجميع عليه، وظاهرهم السلطان فى الباطن، فتلاشى أمر سودون طاز لذلك، وما زالوا فى التدبير عليه حتى نزل من الإسطبل السلطانى، خوفا على نفسه من كثرة جموع يشبك الدوادار، وجرأة آقباى الخازندار الكركى؛ فعندما نزل ظن أن السلطان يقوم بناصره، فلم يلتفت السلطان إليه، وأقام هذه المدّة من جملة الأمراء،

стр. 4152

فشق عليه عدم تحكمه فى الدولة، وكفه عن الأمر والنهى، وكان اعتاد ذلك، فخرج لتأتيه المماليك السلطانية وغيرهم، فإنه كان له عليهم أياد وإحسان زائد عن الوصف- ليحارب بهم يشبك وطائفته، ويخرجهم من الديار المصرية، أو يقبض عليهم كما فعل أوّلا ويستبدّ بعدهم بالأمر، فجاء حساب الدهر غير حسابه، ولم يخرج إليه أحد غير أصحابه الذين خرجوا معه، وأخلع السلطان على الأمير إينال باى من قجماس باستقراره عوضه أمير آخورا كبيرا فى يوم الاثنين عشرين صفر، وبعث السلطان إلى سودون طاز بالأمير قطلوبغا الكركى يأمره بالعود على إقطاعه وإمرته من غير إقامة فتنة، وإن أراد البلاد الشأمية فله ما يختاره من النيابات بها، فامتنع من ذلك وقال: لا بدّ من إخراج آقباى طاز الكركى الخازندار أوّلا إلى بلاد الشام، فلم يوافق السلطان على إخراج آقباى، وبعث إليه ثانيا بالأمير بشباى الحاجب الثانى فلم يوافق، فبعث إليه مرة ثالثة فلم يرض، وأبى إلا ما قاله أوّلا من إخراج آقباى، فلما يئس السلطان منه ركب بالعساكر من قلعة الجبل «١» ، ونزل

стр. 4153

جميع عساكره بالسلاح وآلة الحرب فى يوم الأربعاء سادس شهر ربيع الأوّل، فلم يثبت سودون طاز، ورحل بمن معه وهم نحو الخمسمائة من المماليك السلطانية ومماليكه، وقد ظهر الأمير قانى باى العلائى ولحق به من نحو عشرة أيام، وصار من حزبه، فتبعه السلطان بعساكره وهو يظن أنه توجه إلى بلبيس. وكان سودون عند ما وصل إلى سرياقوس نزل من الخليج ومضى إلى جهة القاهرة وعبر من باب «١» البحر بالمقس، وتوجّه إلى الميدان، وهجم قانى باى العلائى فى عدّة كبيرة على الرّميلة «٢» تحت القلعة ليأخذ باب السلسلة، فلم يقدر على ذلك، ومر السلطان الملك الناصر وهو سائق على طريق بلبيس، وتفرّقت عنه العساكر وتاهوا فى عدّة طرق. وبينما السلطان فى ذلك بلغه أن سودون طاز توجه إلى نحو القاهرة وهو يحاصر قلعة الجبل، فرجع بأمرائه مسرعا يربد القلعة حتى وصل إليها بعد العصر، وقد بلغ منه ومن عساكره التعب مبلغا عظيما، ونزل السلطان بالمقعد المطلّ على الرّميلة من الإسطبل بباب السلسلة، وندب الأمراء والمماليك لقتال سودون طاز، فقاتلوه فى الأزقّة طعنا بالرّماح ساعة فلم يثبت، وانهزم بمن معه، وقد جرح من الفريقين جماعة كثيرة، وحال الليل بينهم، وتفرّق أصحاب سودون طاز عنه، وتوجّه كلّ واحد إلى داره، وبات السلطان ومن معه على تخوّف، وأصبح من الغد فلم يظهر لسودون طاز ولا قانى باى خبر، ودام ذلك إلى الليل، فلم يشعر الأمير يشبك وهو جالس بداره بعد عشاء الآخرة إلا وسودون طاز دخل عليه فى ثلاثة

стр. 4154

أنفس، وترامى عليه، فقبله وزاد «١» فى إكرامه وأنزله عنده، وأصبح يوم الجمعة كتب سودون طاز وصيّته وأقام بدار يشبك إلى ليلة الأحد عاشره، فأنزل فى حرّاقة وتوجه إلى [ثغر «٢» ] دمياط «٣» بطّالا بغير قيد، ورتّب له بها ما يكفيه، بعد أن أنعم عليه الأمير يشبك بألف دينار مكافأة له على ما كان سعى فى أمره حتّى أخرجه من حبس الإسكندرية وعوّده إلى وظيفته وإبقائه فى قيد الحياة، فإن جكم الدوادار كان أراد قتله عند ما ظفر به، وحبسه بالإسكندرية لولا سودون طاز هذا. وأمّا قانى باى هذا «٤» فإنه اختفى ثانيا فلم يعرف له خبر، وسكنت الفتنة. فلمّا كان خامس عشرين شهر ربيع الأوّل قدم الأمير سودون الحمزاوى نائب صفد إلى القاهرة باستدعاء من السلطان صحبة الطواشى عبد اللطيف اللّالا بسعى الأمير آقباى طاز الكركى الخازندار فى ذلك لصداقة كانت بينهما. واخلع السلطان على الأمير شيخ السليمانى شاد الشراب خاناه، واستقرّ فى نيابة صفد عوضا عن سودون الحمزاوى، وأنعم السلطان على سودون الحمزاوى بإمرة مائة وتقدمة ألف بالقاهرة.

стр. 4155

ثم أنعم السلطان على الوالد بإمرة مائة وتقدمة [ألف «١» ] ، وأزيد مدينة أبيار «٢» من الديوان المفرد، ورسم له أن يجلس رأس ميسرة. ثم أخرج «٣» الأمير قرقماس الرمّاح إلى دمشق على إقطاع الأمير صرق. وأخلع «٤» السلطان على سودون الحمزاوى المعزول عن نيابة صفد باستقراره شادّ الشراب خاناه عوضا عن شيخ السليمانى المسرطن المنتقل إلى نيابة صفد، فلم يقم سودون الحمزاوى فى المشدية إلا أياما، ومرض صديقه الأمير آقباى الكركى الخازندار ومات، فولّى الخازندارية عوضه فى يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة. ثم فى ليلة الأربعاء ثالث عشرين [جمادى الآخرة «٥» ] غمز على قانى باى العلائى فى دار فكبس عليها «٦» ، وأخذ منها، وقيّد وحمل إلى الإسكندرية. وفى هذه الأيام ورد الخبر أن سودون طاز خرج من ثغر دمياط يوم الخميس رابع عشرين جمادى الآخرة فى طائفة، وأنه اجتمع عليه جماعة كبيرة من العربان والمماليك، فندب السلطان لقتاله الوالد والأمير تمراز الناصرى أمير مجلس وسودون الحمزاوى فى عدة أمراء أخر، وخرجوا من القاهرة، فبلغهم أنه عند الأمير [علم «٧» الدين سليمان بن] بقر بالشرقية جاءه ليساعده على غرضه، فعند ما أتاه أرسل [ابن «٨» ] بقر إلى الأمراء يعلمهم بأن سودون طاز عنده، فطرقه الأمراء وقبضوا عليه وأحضروه إلى القلعة فى يوم الأربعاء سلخ جمادى الآخرة.

стр. 4156

ثم أصبح السلطان فى يوم الخميس أول شهر رجب، سمّر خمسة من المماليك السلطانية ممن كان مع [الأمير «١» ] سودون طاز، أحدهم سودون الجلب الآتى ذكره فى عدة أماكن، ثم جانبك القرمانى حاجب حجّاب زماننا هذا، فاجتمع المماليك السلطانية لإقامة الفتنة بسببهم: وتكلّم الأمراء مع السلطان فى ذلك، فخلّى عنهم، وقيّدوا وسجنوا بخزانة شمائل، ونفى سودون الجلب إلى قبرس بلاد الفرنج من الإسكندرية. ثم فى ثالث شهر رجب حمل سودون طاز مقيّدا إلى الإسكندرية، وسجن بها عند غريمه الأمير جكم من عوض الدوادار. وفى هذا الشهر ورد الخبر من دمشق أنه أقيمت الجمعة بالجامع الأموى وهو خراب، وكان بطّل منه صلاة الجمعة من بعد كائنة تيمور، وأن الأمير شيخا المحمودى نائب دمشق سكن بدار السعادة بعد أن عمرت، وكانت حرقت أيضا فى نوبة تيمور، وأن سعر الذهب زاد عن الحدّ، فأجيب: بأن الذهب [قد «٢» ] زاد سعره بمصر أيضا، حتى صار سعر المثقال الهرجة «٣» بخمسة وستين درهما، والدينار المشخّص «٤» ، بستّين درهما. ثم عقد السلطان للأمير «٥» سودون الحمزاوى على أخته خوند زينب بنت الملك الظاهر برقوق، وعمرها نحو الثمان سنين، فصارت أخوات السلطان الثلاث

стр. 4157

كل واحدة مع أمير من أمرائه، فخوند سارّة زوجة الأمير نوروز الحافظى، وخوند بيرم زوجة الأمير إينال باى بن قجماس، وخوند زينب وهى أصغر هن مع سودون الحمزاوى هذا. ثم فى يوم الاثنين سادس عشرين شهر رجب أخلع السلطان على قاضى القضاة كمال الدين عمر بن العديم باستقراره فى قضاء الحنفية بالديار المصرية بعد أن عزل القاضى أمين الدين عبد الوهاب الطرابلسى بسفارة الوالد لصحبة كانت بينهما من حلب. ثم فى ليلة الثلاثاء سابع عشرين شهر رجب المذكور أرسل السلطان إلى الإسكندرية الأمير أقبردى والأمير تنبك من الأمراء العشرات فى ثلاثين مملوكا من المماليك السلطانية، فوصلوها فى تاسع شعبان، وأخرجوا الأمير نوروز الحافظى، وجكم من عوض، وسودون طاز، وقانى باى العلائى من سجن الإسكندرية وأنزلوهم فى البحر المالح، وساروا بهم إلى البلاد الشأمية، فحبس نوروز وقانى باى فى قلعة الصّبيبة «١» من عمل دمشق. وحبس جكم فى حصن الأكراد «٢» من عمل طرابلس، وحبس سودون طاز فى قلعة المرقب «٣» ، ولم يبق بسجن الإسكندرية من الأمراء غير سودون من زاده، وتمربغا المشطوب.

стр. 4158

ثم حوّل جكم بعد مدّة إلى قلعة المرقب عند غريمه سودون طاز. ثم فى ثامن عشر شوّال خلع السلطان على الأمير بكتمر الرّكنى أمير سلاح باستقراره رأس نوبة الأمراء عوضا عن نوروز الحافظى، واستقرّ الأمير تمراز الناصرىّ أمير مجلس عوضه أمير سلاح، واستقرّ سودون الماردانى رأس نوبة النّوب أمير مجلس عوضا عن تمراز، واستقرّ سودون الحمزاوى رأس نوبة النوب عوضا عن سودون الماردانى، وأخلع السلطان على الأمير طوخ باستقراره خازندارا عوضا عن سودون الحمزاوى. ثم فى خامس عشرين ذى القعدة أفرج عن سعد الدين إبراهيم بن غراب وأخيه فخر الدين ماجد، وكان السلطان قبض عليهما من شهر رمضان، وولّى وظائفهما جماعة، واستمرّا فى المصادرة إلى يومنا هذا، وكان الإفراج عنهما بعد ما التزم سعد الدين بن غراب بحمل ألف ألف درهم [فضة «١» ] وفخر الدين بثلاثمائة ألف درهم، ونقلا إلى السالمىّ ليستخرج الأموال منهما ثم يقتلهما «٢» . وكان ابن قايماز أهانهما وضرب فخر الدين وأهانه، فلم يعاملهما السالمىّ [بمكروه «٣» ] ولم ينتقم منهما، وخاف سوء العاقبة، فعاملهما من الاحسان والإكرام بما لم يكن ببال أحد، وما زال يسعى فى أمرهما حتى نقلا من عنده لبيت شادّ الدّواوين ناصر الدين محمد بن جلبان الحاجب، وهذا بخلاف ما كانا فعلا مع السالمىّ، فكان هو المحسن وهم المسيئون. ثم أخلع السلطان على يلبغا السالمىّ باستقراره أستادارا، وعزل ابن قايماز، وهذه ولاية يلبغا السالمىّ الثانية.

стр. 4159

ثم فى سابع ذى الحجّة من سنة خمس أخرج السلطان الأمير أسنبغا المصارع، والأمير نكباى الأزدمرى وهما من أمراء الطبلخاناه بمصر إلى دمشق، وإينال المظفّرى وآخر. وهما من الأمراء العشرات، ورسم للاربعة بإقطاعات هناك، لأمر اقتضى ذلك، فساروا إلى «١» القلعة «٢» . فلما كان يوم تاسع عشرين ذى الحجّة أغلق المماليك السلطانيّة باب القصر من قلعة الجبل على من حضر من الأمراء، وعوّقوهم بسبب تأخّر جوامكهم، فنزل الأمراء من باب السرّ «٣» ، ولم يقع كبير أمر، وأمر السلطان ليلبغا السالمىّ أن ينفق عليهم فنفق عليهم. [ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٦] ثم فى يوم الثلاثاء رابع المحرّم من سنة ستّ وثمانمائة عزل يلبغا السالمى عن الأستادارية، وأعيد إليها ركن الدين عمر بن قايماز، وقبض على السالمى وسلّم إليه. ثم فى ثامنه أخلع السلطان على الصاحب علم الدين يحيى أبى كمّ واستقرّ فى الوزارة ونظر الخاصّ معا عوضا عن تاج الدين بن البقرى واستقر ابن البقرى على ما بيده من وظيفتى نظر الجيش ونظر ديوان المفرد «٤» ، فلم يباشر أبو كمّ الوزر غير ثمانية أيام وهرب واختفى، فأعيد تاج الدين بن البقرى إليها، هذا والسالمىّ فى المصادرة.

стр. 4160

وفى هذه السنة كان الشراقى العظيم «١» بمصر، وعقبه الغلاء المفرط ثم الوباء، وهذه السنة هى أوّل سنين الحوادث والمحن التى خرّب فيها معظم الديار المصرية وأعمالها، من الشراقى، واختلاف الكلمة، وتغيير الولاة بالأعمال وغيرها. ثم فى شهر ربيع الأول كتب بإحضار دقماق نائب حلب، وفيه اختفى الوزير تاج الدين بن البقرى، فخلع على سعد الدين بن غراب واستقر فى وظيفتى الأستادارية ونظر الجيش، وصرف ابن قايماز، وخلع على تاج الدين رزق الله وأعيد إلى الوزارة. وفى خامس صفر كتب باستقرار الأمير آقبغا الجمالى الأطروش فى نيابة حلب عوضا عن دقماق، فلما بلغ دقماق أنه طلب إلى مصر هرب من حلب. ثم قدم الخبر على السلطان بأنّ قرا يوسف بن قرا محمد قدم إلى دمشق. فأنزله الأمير شيخ المحمودى بدار السعادة وأكرمه. وكان من خبر قرا يوسف أنه حارب السلطان غياث الدين أحمد بن أويس وأخذ منه بغداد. فلما بلغ تيمور ذلك بعث إليه عسكرا، فكسرهم قرا يوسف، فجهّز إليه تيمور جيشا ثانيا فهزموه، ففرّ بأهله وخاصّته إلى الرّحبة، فلم يمكّن منها ونهبته العرب، فسار إلى دمشق، فوافى بها السلطان أحمد بن أويس وقد قدمها أيضا قبل

стр. 4161

تاريخه، وأخبر الرسول أيضا أن قانى باى العلائى هرب من سجن الصّبيبة، فتأخر نوروز بالسجن ولم يعرف أين ذهب. ثم فى يوم الثلاثاء خلع السلطان على بدر الدين حسن بن نصر الله الفوّى «١» واستقرّ فى نظر الخاص عوضا عن ابن البقرى، وهذه أوّل ولاية الصاحب بدر الدين ابن نصر الله للوظائف الجليلة. ثم فى عاشره اختفى الوزير تاج الدين، وفى ثالث عشره أعيد ابن البقرى للوزر على عادته ونظر الخاص، وصرف ابن نصر الله، هذا والموت فاش بين الناس وأكثر من كان يموت الفقراء من الجوع. ثم فى آخر جمادى الآخرة رسم بالقبض على السلطان أحمد بن أويس، وقرا يوسف بدمشق، فقبض عليهما الأمير شيخ وسجنهما. ثم فى يوم الاثنين ثامن عشر شهر رجب قدم إلى القاهرة سيف الأمير آقبغا الجمالى الأطروش نائب حلب بعد موته، فرسم السلطان بانتقال الأمير دمرداش المحمدى نائب طرابلس إلى نيابة حلب، وحمل إليه التقليد «٢» والتشريف الأمير سودون المحمدى المعروف تلى.

стр. 4162

وفى أثناء ذلك ورد الخبر بأن الأمير دقماق نزل على حلب ومعه جماعة من التركمان فيهم الأمير على بك بن دلغادر، وفرّ منه أمراء حلب، فملك دقماق حلب، ورسم السلطان بانتقال الأمير شيخ السليمانى المسرطن نائب صفد إلى نيابة طرابلس، وحمل إليه التقليد والتشريف الأمير أقبردى، ورسم باستقرار الأمير بكتمر جلّق أحد أمراء دمشق فى نيابة صفد «١» عوضا عن شيخ السليمانى المسرطن، وخرج الأمير إينال المأمور «٢» بقتل الأمراء المسجونين بالبلاد الشامية، وقبل وصول إينال المذكور أفرج الأمير دمرداش نائب طرابلس عن الأمير جكم وعن سودون طاز، وكانا ببعض حصون طرابلس وسار بهما إلى حلب، وهذا أوّل أمر جكم وظهوره بالبلاد الشامية على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ثم فى يوم الخميس سابع عشر ذى الحجة قبض السلطان على الأمير بيبرس الدوادار الثانى، وعلى الأمير جانم من حسن شاه، وعلى الأمير سودون المحمدى تلى، وحملوا إلى سجن الإسكندرية، واستقر الأمير قرقماس أحد أمراء الطبلخانات دوادارا ثانيا عوضا عن بيبرس المذكور. [ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٧] ثم فى صفر من سنة سبع وثمانمائة، وقع بين الأمير يشبك الشعبانى وبين الأمير إينال باى بن قجماس الأمير آخور كبير وسبب ذلك: أن الأمير يشبك الشعبانى الدوادار صار هو مدبّر الدولة وبيده جميع أمورها من الولاية والعزل، فصار له بذلك عصبة كبيرة، فأحبوا عصبته عزل إينال باى من الأمير اخورية، لاختصاصه بالسلطان الملك الناصر لقرابته منه ثم لمصاهرته، فإنه كان تزوج بخوند

стр. 4163

بيرم بنت الملك الظاهر برقوق، وسكن بالإسطبل السلطانى «١» على عادة الأمير اخورية، فصار السلطان ينزل عنده ويقيم ببيت أخته ويعاقره الشراب، فعظم أمر إينال باى لذلك، فخافه حواشى يشبك، وأحبوا أن يكون چركس القاسمى المصارع عوضه أمير اخورا، واتفقوا مع يشبك على ذلك، فانقطعوا عن حضور الخدمة السلطانية من جمادى الأولى، فاستوحش السلطان منهم. وتمادى الحال إلى يوم الجمعة، فأمر السلطان لإينال باى أن ينزل للأمراء المذكورين ويصالحهم، فمنع جماعة من المماليك السلطانية إينال باى أن ينزل، واشتد ما بينهم من الشر حتى خاف السلطان عاقبة ذلك، وباتوا مترقبين وقوع الحرب بينهما، وكان السلطان رسم للأمير يشبك أن يتحول من داره قبل تاريخه، فإنها مجاورة لمدرسة السلطان «٢» حسن، فامتنع يشبك من ذلك

стр. 4164

فساء ظن السلطان به، ثم استدعى السلطان القضاة فى يوم السبت ثانى صفر إلى بيت الأمير الكبير بيبرس ليصلحوا بين إينال باى وبين يشبك ورفقته، فلم يقع صلح بين الطائفتين، وتسوّر بعض أصحاب يشبك على مدرسة السلطان حسن، فتحقّق السلطان عند ذلك ما كان يظنّه بيشبك، ويحذّره منه إينال باى وغيره، وأخذ كلّ أحد من الطائفتين فى أهبة الحرب، والسلطان من جهة إينال باى، وأصبحوا جميعا يوم الأحد لابسين السلاح، وطلع أعيان الأمراء إلى السلطان، وهم الأتابك بيبرس، والوالد، وبكتمر رأس نوبة الأمراء، وسودون الماردانى أمير مجلس، وآقباى حاجب الحجّاب، وطوخ الخازندار فى آخرين من مقدّمى الألوف والطبلخانات والعشرات والمماليك السلطانيّة. وكان مع يشبك من أمراء الألوف سبعة «١» ، وهم الأمير تمراز الناصرى أمير سلاح، ويلبغا الناصرى، وإينال حطب العلائى، وقطلوبغا الكركى، وسودون الحمزاوى رأس نوبة النوب، وطولو، و چركس المصارع، وانضم معهم سعد الدين إبراهيم بن غراب الأستادار، ومحمد بن سنقر البكجرىّ، وناصر الدين محمد بن على ابن كلبك «٢» ، فى جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية، وتجهّز يشبك للحرب، وأعدّ بأعلى مدرسة السلطان حسن مدافع النفط والمكاحل والأسهم للرمى على الإسطبل السلطانىّ وعلى من يقف تحته من الرميلة، واجتمع عليه خلائق، ونزل السلطان أيضا من القصر إلى الإسطبل السلطانى، وجلس بالمقعد واجتمع عليه أكابر أمرائه وخاصّكيته، ووقع القتال بين الطائفتين والحصار والرمى بالمدافع من بكرة يوم الأحد إلى ليلة الخميس سابعه، وقد ظهر أصحاب السلطان على البشبكيّة، وحصروهم والقتال مستمرّ بينهم، وأمر يشبك فى إدبار، وحال السلطان فى استظهار، إلى أن

стр. 4165

كانت ليلة الخميس المذكورة، فاتفق الأمير يشبك مع أصحابه، وركب نصف الليل، وخرج بمن معه من الأمراء من الرميلة على حميّة، ومرّوا من تحت الطبلخاناه إلى جهة الشام، فلم يتبعهم أحد من السلطانيّة، ونودى بالقاهرة فى آخر الليلة المذكورة بالأمان، ومنع أهل الفساد والزّعر من النّهب، ومرّ يشبك بمن معه من الأمراء والمماليك إلى قطيا، فتلقّاه مشايخ عربان العائذ «١» بالتقادم، وسار إلى العريش وقد بلغ خبره إلى غزّة، فتلقّاه نائب غزّة الأمير خير بك بعساكر غزّة، فدخلها يوم الأربعاء ثالث عشر صفر «٢» ونزل بها. ثم بعث الأمير طولو إلى الأمير شيخ المحمودى نائب الشام يعلمه الخبر، وسار طولو يريد دمشق حتى قدم دمشق يوم الأحد ثامن عشره، فخرج الأمير شيخ إليه، وتلقّاه وأعلمه طولو الخبر، فشقّ ذلك عليه، ووعده بالقيام بنصرته ليشبك «٣» . وكان فى ثامن عشر الشهر الخارج «٤» قدم الأمير دقماق المحمّدى دمشق فأكرمه الأمير شيخ. وخبر دقماق وسبب قدومه إلى دمشق، أنه لمّا فرّ من حلب، وجمع التركمان وأخذ حلب، وقدم الأمير دمرداش المحمّدى نائب طرابلس عليه وقد ولى نيابة حلب بعد أن أطلق دمرداش وسودون طاز وجكم، وسار بهما من طرابلس إلى حلب لقتال التركمان، وواقع التركمان بعد أن قتل سودون طاز، فانكسر دمرداش، وملك جكم حلب منه بعد أمور صدرت يطول شرحها، فكتب السلطان إلى دقماق يخيّره فى أىّ بلد يقيم؟ فاختار الشام، فقدمها.

стр. 4166

ولما بلغ الأمير شيخ ما وقع ليشبك بعث بالأمير ألطنبغا حاجب الحجّاب بدمشق والأمير شهاب الدين أحمد بن اليغمورىّ، وجماعة أخر من الأعيان إلى الأمير يشبك، ومعهم أربعة أحمال قماش ومال، وكتب شيخ على أيديهم مطالعات للأمير يشبك يرغّبه فى القدوم عليه، وأنه يقوم بنصرته ويوافقه على غرضه. فلمّا بلغ يشبك ذلك رحل من غزّة فى ليلة الاثنين خامس عشرينه، بعد ما أقام بها ثلاثة عشر يوما، وأخذ ما كان بها من حواصل الأمراء وعدّة خيول، وبعث إليه أهل الكرك «١» والشّوبك «٢» بعدّة تقادم، بعد ما كان عرض من معه من المقاتلة فكانوا ألفا وثلاثمائة وخمسة «٣» وعشرين فارسا، وتلقّاه بعد مسيره من غزّة بمشايخ بلاد الساحل «٤» ، وحمل إليه الأمير بكتمر جلق نائب صفد عدّة تقادم- وقدم عليه ابن بشارة فى عدّة من مشايخ العشير. ثم جهز إليه الأمير شيخ نائب الشام جماعة لملاقاته طائفة بعد أخرى. ثم خرج إليه شيخ المذكور من دمشق حتى وافاه، فلمّا تقاربا ترجّل الأمير شيخ عن فرسه، فلمّا عاينه يشبك ترجّل هو وأصحابه وسلّم عليه، ثم سلّم على الأمراء وجلسا قليلا.

стр. 4167

ثم ركبا، وسار يشبك المذكور وقد ألبسه شيخ هو وجميع من معه من الأمراء الخلع بالطّرز العريضة، وعدّتهم أحد وثلاثون أميرا من الطبلخانات والعشرات سوى من تقدّم ذكرهم من أمراء الألوف، ودخلوا [دمشق «١» ] يوم الثلاثاء رابع شهر رجب. ولمّا طال جلوسهم بدمشق سألهم الأمير شيخ عن خبرهم، فأعلموه بما كان وذكروا له أنهم مماليك السلطان وفى طاعته، لا يخرجون عنها أبدا، غير أنّ إينال باى نقل عنهم للسلطان ما لا يقع منهم، فتغيّر خاطر السلطان عليهم حتى وقع ما وقع وأنهم ما لم ينصفوا منه ويعودوا لما كانوا عليه وإلّا فأرض الله واسعة، فوعدهم بخير، وقام لهم بما يليق بهم، حتى قيل إنه بلغت نفقته عليهم نحو مائتى ألف دينار مصريّة. ثم كتب شيخ إلى السلطان يسأله فى أمرهم. وأمّا أمر السلطان الملك الناصر، فإنّه لما أصبح وقد انهزم يشبك بمن معه إلى جهة الشام، كتب بالإفراج عن الأمير سودون من زاده، وتمربغا المشطوب، وصرق وكتب [إلى الأمير نوروز «٢» بالحضور إلى الديار المصرية ليستقرّ على عادته] وكتب للأمير جكم أمانا توجّه به طغاى تمر مقدّم البريديّة. ثم فى ثامن عشره خلع على عدّة من الأمراء بعدّة وظائف، فأخلع على سودون الماردانى «٣» أمير مجلس باستقراره دوادارا عوضا عن يشبك الشعبانى المقدّم ذكره، وعلى الأمير سودون الطّيار الأمير آخور الثانى، واستقرّ أمير مجلس عوضا عن سودون الماردانى «٤» ، وعلى آقباى حاجب الحجّاب باستقراره أمير سلاح عوضا

стр. 4168

عن تمراز الناصرى، وخلع على أبى كمّ، واستقرّ فى وظيفة نظر الجيش عوضا عن ابن غراب، وعلى ركن الدين عمر بن قايماز، باستقراره أستادارا عوضا عن ابن غراب أيضا. ثم فى تاسع عشره، قدم سودون من زاده وتمربغا المشطوب وصرق من سجن الإسكندرية «١» وقبّلوا الأرض بين يدى السلطان ونزلوا إلى دورهم. وفى حادى عشرينه خلع السلطان على الأمير يشبك بن أزدمر باستقراره رأس نوبة النّوب «٢» عوضا عن سودون الحمزاوى. ثم ألزم السلطان مباشرى الأمراء المتوجّهين إلى الشام بمال، فقرّر على موجود الأمير يشبك مائة ألف دينار، وعلى موجود تمراز مائة ألف دينار، وعلى موجود سودون الحمزاوى ثلاثين ألف دينار، وعلى موجود قطلوبغا الكركىّ عشرين ألف دينار، ورسم السلطان أن يكون الدينار بمائة درهم، ثم افتقد السلطان المماليك السلطانية ممن توجه مع الأمير يشبك فكانوا مائتى مملوك. ثم قدم الخبر على السلطان أنّ الأمير نوروز قدم إلى دمشق من قلعة الصّبيبة، فتلقّاه الأمير شيخ وأكرمه، وضربت البشائر لقدومه بدمشق، فعظم ذلك على السلطان. ثم فى يوم الثلاثاء رابع شهر رجب طلب السلطان جمال الدين يوسف البيرى أستادار بجاس وأخلع عليه باستقراره أستادارا عوضا عن ابن قايماز، بعد ما رسم على جمال الدين المذكور فى بيت شادّ الدواوين محمد بن الطبلاوى يوما وليلة، واستمرّ يتحدّث فى استادارية الأتابك بيبرس فإنه كان خدم عنده ليحميه من الوزر والأستادارية، فلم ينهض بيبرس بذلك.

стр. 4169

ثم قدم الخبر بأن الأمير شيخا أفرج عن قرا يوسف. وأما خبر جكم مع دمرداش وكيف ملك منه حلب، وقد قدّمنا ذكر ذلك مجملا من غير تفصيل، فإن جكم لما أطلقه دمرداش وأخذه صحبته إلى حلب، وقاتل معه التركمان ووقع لهما أمور حاصلها أن جكم تخوّف من دمرداش وفرّ منه إلى جهة التركمان، وانضم عليه سودون الجلب بعد مجيئه من بلاد الأفرنج، والأمير حمق نائب الكرك كان وغيره من المخامرين. ثم وافقه ابن صاحب الباز أمير التركمان بتركمانه، فعاد جكم وقاتل دمرداش، ووقع بينهما أمور وحروب إلى أن ملك جكم طرابلس، وأرسل إليه الأمير شيخ نائب الشام، والأمير يشبك ورفقته يستميلونه ليقدم عليهم دمشق ويوافقهم على قتال المصريين، فأجابهم إلى ذلك، وخرج من طرابلس كأنه يريد التوجه إلى دمشق. فلما وصل حماة أخذ نائبها الأمير علان بمن انضم عليه وتوجه بهم إلى دمرداش وقاتله حتى هزمه وأخذ منه مدينة حلب، وفرّ دمرداش بجماعة من أمراء حلب إلى بلاد التركمان. ولما ملك جكم حلب أنعم بموجود دمرداش على علّان نائب حماة، وأقرّه على نيابة حماة على عادته، فصار مع جكم حلب وطرابلس وحماة، وأخذ يسير مع الرعية أحسن سيرة، فأحبه الناس وجرى على ألسنتهم «جكم حكم، وما ظلم» واستمرّ جكم بحلب إلى أن أرسل إليه الأمير شيخ نائب الشام الأمير سودون الحمزاوى، والأمير سودون الظريف، فتوجها إلى جكم على أنه بطرابلس. ثم أرسل الأمير شيخ الأمير شرف الدين موسى الهيدبانى «١» حاجب دمشق إلى حلب رسولا إلى دمرداش يستدعيه إلى موافقته هو ومن عنده من الأمراء.

стр. 4170

وكان قد ورد كتاب دمرداش على شيخ ويشبك أنه معهما «١» ، ومتى دعواه حضر إليهما «٢» ؛ فهذا ما كان من أمر جكم، وبقية خبر قدومه يأتى إن شاء الله تعالى فيما بعد. ثم إن الأمير شيخا نائب الشام عين جماعة من الأمراء ليتوجهوا لأخذ صفد، فخرج الأمير تمراز الناصرىّ أمير سلاح، والأمير چاركس القاسمى المصارع، والأمير سودون الظريف بعد عوده من طرابلس، وساروا بعسكرهم «٣» لأخذ صفد من بكتمر جلّق، بحيلة أنهم يسيرون إلى جشار «٤» الأمير بكتمر جلق كأنهم يأخذوه فإذا أقبل عليهم «٥» بكتمر ليدفعهم عن جشاره قاطعوا عليه وأخذوا مدينة صفد منه، فتيقظ بكتمر لذلك وترك لهم الجشار، فساقوه من غير أن يتحرك بكتمر من المدينة وعادوا إلى دمشق وأخبروا الأمراء بذلك، فاستعد شيخ لأخذ صفد وعمل ثلاثين «٦» مدفعا وعدّة مكاحل ومنجنيقين، وجمع الحجّارين والنقّابين وآلات الحصار، وخرج من دمشق يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان ومعه جمع كبير من عسكر مصر والشام من جملتهم قرا يوسف بجماعته، وجماعة السلطان أحمد بن أويس [متملك بغداد «٧» ] وجماعة من التركمان الجشارية، وأحمد بن بشارة بعشرانه «٨» وعيسى بن الكابولىّ بعشرانه، ونادى شيخ بدمشق قبل خروجه منها: من أراد النهب والكسب فعليه
следующие страницы →