← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٢] السنة الثانية من سلطنة الملك الناصر فرج ابن الظاهر برقوق- الأولى على مصر وهى سنة اثنتين وثمانمائة: فيها كانت وقعة أيتمش مع الملك الناصر، ثم وقعة تنم نائب الشام- وقد تقدم ذكرهما فى أول ترجمة الملك الناصر. وفيها توفّى خلائق من أعيان الأمراء بالسيف فى واقعة تنم: منهم الأمير الكبير أيتمش بن عبد الله الأسندمرى البجاسى الجرجاوى «١» ثم الظاهرى، أتابك «٢» العساكر بالديار المصرية، ذبح فى سجنه بقلعة دمشق، فى ليلة رابع عشر شعبان، وكان أصله من مماليك أسندمر البجاسى الجرجاوى، وترقّى إلى أن صار من جملة أمراء الألوف بديار مصر، بسفارة الأتابك برقوق فى دولة الملك الصالح حاجى، وأمير آخورا، ولما تسلطن الملك الظاهر برقوق جعله رأس نوبة كبيرا، ثم اشتراه من ورثة الأمير جرجى لما بلغه أنه إلى الآن فى الرّقّ- وقد مر ذلك كله- ثم جعله أتابك العساكر بالديار المصرية، ثم ندبه فيمن ندب من الأمراء لقتال الناصرى ومنطاش، فقبض عليه هناك، وحبس بقلعة دمشق مدة طويلة إلى أن أطلق بعد عود الملك الظاهر للملك وقدم القاهرة، وكان الأمير إينال اليوسفى يوم ذاك أتابك العساكر بالديار المصرية، فأنعم الملك الظاهر على أيتمش بإقطاع يضاهى إقطاع الأتابكية، وولّاه رأس نوبة الأمراء وجعله أتابكا، فدام على ذلك سنين إلى أن قبض الملك الظاهر على الأتابك كمشبغا الحموى، وأعاده إلى الأتابكيّة من بعده على عادته أولا، ثم جعله فى مرض موته وصيّه المتحدّث فى تدبير مملكة ولده الملك الناصر فرج، فأخذ أيتمش يدبر ملك الناصر

стр. 4202

بعد موت برقوق أحسن تدبير، فثار عليه الأمراء الأجلاب من مماليك برقوق، وقاتلوه وكسروه، وأخرجوه من مصر إلى الشام، فسار إلى دمشق، ووافق تنم نائبها على قتالهم هو ورفقته، مثل: الوالد، وأرغون شاه أمير مجلس، وغيرهم، فواقعوا الأمراء المذكورين بغزّة، وانكسروا ثانيا، وقبض على الجميع، وحبسوا بقلعة دمشق ثم قتلوا عن آخرهم، وكان كسر تنم وأيتمش هذا وقتلهما وتحكّم الأمراء الأجلاب أول وهن وقع بالديار المصرية، وكان أيتمش معظّما فى الدول، قليل الشّرّ كثير الخير، متجمّلا فى ملبسه ومركبه ومماليكه، هو وكمشبغا الحموى، كانا من عظماء الأتابكية فى الدولة التركية بعد يلبغا العمرى الخاصّكى، وشيخون العمرى. وتوفّى أيضا- قتيلا بقلعة دمشق فى التاريخ «١» المذكور مع الأتابك أيتمش- الأمير سيف الدين أرغون شاه البيدمرى الظاهرى «٢» - أمير مجلس، وكان من خواص مماليك الملك الظاهر برقوق، وأكابر مماليكه وخيارهم. وتوفّى قتيلا- أيضا- الأمير سيف الدين فارس بن عبد الله القطلقجاوى «٣» ، ثم الظاهرى، حاجب الحجّاب بالديار المصريّة- ذبحا- بقلعة دمشق، فى رابع عشر شعبان، وكان أصله من مماليك الأمير خليل بن عرام نائب الإسكندرية، اشتراه من شخص خباز بالإسكندريّة، وكان فارس هذا يبيع الخبز على حانوت أستاذه، فرآه ابن عرّام فأعجبه وابتاعه منه، ثم ملكه الملك الظاهر برقوق بعد ابن عرام، وما أعلم نسبته بالقطلقجاوى لأى قطلقجا، ولعله تاجره الذي جلبه من بلاده أولا- والله أعلم- وكان فارس يعرف أيضا بالأعرج، وكان من الشّجعان الفرسان الأقشيّة

стр. 4203

المعدودة، الذين يضرب برميهم المثل، وقد تقدم من ذكره فى واقعة أيتمش ما يكتفى بذكره «١» . وتوفى- قتيلا أيضا فى رابع عشر شعبان بقلعة دمشق- الأمير شهاب الدين أحمد- أمير مجلس- ابن الأتابك يلبغا العمرى الخاصكى صاحب الكبش «٢» ، وأستاذ برقوق وغيره من اليلبغاوية، ولد بالكبش، فى حياة والده الأتابك يلبغا، ثم نشأ بمصر، وصار من جملة الأمراء، فلما تسلطن الملك الظاهر برقوق ولّاه أمير مجلس، ثم ندبه لقتال الناصرى ومنطاش فيمن ندب من الأمراء، فلما وصل إلى دمشق عصى على برقوق، وانضم على الناصرى، وهو أيضا مملوك أبيه فأقرّه الناصرى على إمرته ووظيفته، إلى أن قبض عليه منطاش وحبسه مع الناصرى إلى أن أخرجهما الملك الظاهر برقوق فى سلطنته الثانية، وخلع عليه على عادته أمير مجلس، فدام على ذلك سنين عديدة إلى أن تنكّر عليه برقوق وحبسه، ثم أطلقه- بطّالا- بالبلاد الشامية إلى أن ثار الأمير تنم الحسنى نائب الشام، فقدم عليه أحمد هذا ووافقه، فقبض عليه مع من قبض عليه من الأمراء، وقتل، وكان مشهورا بالشّجاعة والإقدام. وتوفّى- قتيلا أيضا بقلعة دمشق فى رابع عشر شعبان- الأمير سيف الدين جلبان [بن عبد الله «٣» ] الكمشبغاوىّ الظاهرىّ، المعروف بقرا سقل نائب حلب، ثم أتابك دمشق، كان من أكابر مماليك الملك الظاهر برقوق، وأول من نال منهم الرّتب السنية، صار أمير مائة، ومقدّم ألف فى أوائل سلطنة

стр. 4204

الملك الظاهر برقوق الثانية، ثم رأس «١» نوبة النّوب، ثم ولى نيابة حلب بعد الأتابك قرا دمرداش الأحمدىّ، وهو الذي قام فى أمر منطاش حتى أخذه وتسلمه من نعير، ثم أمسكه الظاهر وحبسه، وولّى الوالد عوضه نيابة حلب، فحبس مدة ثم أطلق، واستقرّ أتابك دمشق، فدام على ذلك مدة، ثم قبض عليه برقوق ثانيا، وحبسه بقلعة دمشق إلى أن أطلقه الأمير تسنم بعد موت الظاهر برقوق، فدام من حزبه إلى أن أمسك وقتل مع من قتل، وكان جليل المقدار، عاقلا شجاعا، معدودا من رؤساء المماليك الظاهريّة. وتوفّى- قتيلا أيضا بقلعة دمشق فى التاريخ المذكور- سيف الدين يعقوب شاه [بن عبد الله] «٢» الظاهرىّ الخازندار، ثم الحاجب «٣» الثانى، وأحد مقدّمى الألوف بالديار المصرية، وكان أيضا من خواصّ الملك الظّاهر برقوق، وأجلّ مماليكه، وهو أيضا ممن انضم على أيتمش وتنم. وتوفّى- قتيلا أيضا بقلعة دمشق- الأمير سيف الدين آقبغا [بن عبد الله] «٤» الطولوتمرىّ الظاهرى، المعروف باللكّاش، أمير مجلس، وكان من جملة أمراء الألوف فى دولة أستاذه الملك الظاهر برقوق، ثم صار أمير مجلس، فلما ركب على باى على الملك الظاهر اتّهم آقبغا هذا بممالأة على باى فى الباطن فأخرج إلى الشّام، ودام به حتى وافق تنم، وقتل مع من قتل من الأمراء، وكان شجاعا مقداما، من وجوه المماليك الظاهريّة. وتوفّى- قتيلا أيضا بقلعة دمشق- الأمير بى خجا الشّرفىّ المدعوّ

стр. 4205

طيفور [بن عبد الله الظاهرى «١» ] نائب غزّة، ثم حاجب حجّاب دمشق، وهو أيضا من مماليك الظاهر برقوق، وممّن صار فى أيامه أمير طبلخاناة، وأمير آخور ثانيا. فهؤلاء قتلوا جميعا فى ليلة واحدة، ومعهم جماعة أخر مثل الأمير بيغوت اليحياوىّ الظاهرى، والأمير مبارك المجنون، والأمير بهادر العثمانى نائب ألبيرة «٢» ، ولم يبق من أعيان من قتل فى هذه الواقعة- صبرا- إلّا تنم [الحسنى] «٣» ويونس بلطا، أخّروهما حتى استصفوا أموالهما، ثم قتلوهما حسبما يأتى ذكره الآن. وتوفّى- أيضا قتيلا- الأمير تنبك الحسنىّ الظاهرىّ، المدعو تنم نائب الشام، وقد مر من ذكره فى واقعته مع الملك الناصر فرج ما فيه غنية عن التكرار، غير أننا نذكر مبادئ أمره وترقّيه إلى انتهائه على سبيل الاختصار، فنقول: هو من أعيان خاصّكية أستاذه الظاهر برقوق، ثم أمّره إمرة عشرة فى سلطنته الثانية، ثم أخرجه إلى دمشق، وجعله أتابكا بها بعد إياس الجرجاوى، ثم نقله بعد مدة يسيرة إلى نيابة دمشق، بعد موت الأمير كمشبغا الأشرفى الخاصكى، فدام على نيابة دمشق نحو سبع سنين، إلى أن مات الظاهر، وخرج عن الطاعة، وانضم عليه سائر نواب البلاد الشامية، ثم جاءه أيتمش والوالد، وغيرهما من أمراء مصر، وواقع الملك الناصر على غزة، وانكسر مع كثرة عساكره- خذلانا من الله- وأمسك، وحبس بقلعة دمشق، وعوقب على المال، ثم خنق فى ليلة الخميس رابع شهر رمضان، وخنق معه الأمير يونس [بن عبد الله] «٤» الظاهرى المعروف ببلطا [وبالرماح] «٥» نائب

стр. 4206

طرابلس. وكان يونس أيضا من كبار المماليك الظاهرية وأمرائها. وقد ولى نيابة صفد وحماة وطرابلس. إلا أنه كان ظالما جبارا متكبرا، سفا كاللدماء، قتل بطرابلس من القضاة والعلماء والأعيان خلائق لا تدخل تحت حصر، وقد مر ذكر هذه الوقائع كلّها فى أوائل ترجمة الملك الناصر فرج الأولى، فلينظر هناك. وتوفّى قاضى القضاة مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن علىّ [بن موسى] «١» قاضى قضاة الحنفيّة بالديار المصريّة- وهو معزول- فى خامس جمادى الأولى، وكان فقيها مفتنّا فاضلا، أفتى ودرّس سنين بحلب وغيرها، إلى أن طلب إلى مصر، وولّى القضاء بها، إلى أن عزل لثقل بدنه من السّمن، وقلّة حركته؛ فإنّه كان إذا طلع للسلام على السلطان وجلس عنده لا يستطيع القيام إلّا بعد جهد من السّمن. وتوفّى قاضى القضاة برهان الدين إبراهيم ابن قاضى القضاة ناصر الدين نصر الله بن أحمد بن محمّد بن أبى الفتح الحنبلىّ «٢» ، قاضى قضاة الديار المصريّة بها- وهو قاض- فى ثامن شهر ربيع الأوّل، وتولّى القضاء بعده أخوه موفّق الدين أحمد. وتوفّى المعلّم شهاب الدين أحمد بن محمّد الطولونىّ المهندس، بطريق مكّة فى صفر، وقد توّجه لعمارة المناهل «٣» بطريق الحجاز. وتوفّى شيخ شيوخ خانقاة «٤» سرياقوس جلال الدين أبو العبّاس أحمد ابن شيخ الشيوخ نظام الدين إسحاق بن عامر الأصبهانىّ الحنفىّ «٥» ، بخانقاة سرياقوسن، فى خامس عشر شهر ربيع الآخر.

стр. 4207

وتوفّى الأمير الطّواشى زين الدين بهادر الشهابىّ «١» ، مقدّم المماليك السلطانيّة، فى سابع عشر شهر رجب، وكان من عظماء الخدّام، وغالب أعيان مماليك الظاهر برقوق من أنياته. وتوفّى الشيخ المعتقد المجذوب سليم السّوّاق القرافىّ «٢» بالقرافة، فى تاسع عشر شهر ربيع الأوّل، وكان للناس فيه اعتقاد، ويقصد للزيّارة. وتوفّى الأمير سيف الدين قجماس بن عبد الله المحمّدىّ الظاهرىّ، شادّ السّلاح خاناة- قتيلا-[فى ثامن شهر ربيع الأول] «٣» فى الواقعة التى كانت بين الأتابك أيتمش وبين الأمراء الذين كانوا بالقلعة. وتوفّى أيضا الأمير سيف الدين قشتمر بن قجماس أخو إينال باى، الأمير آخور، فى ثامن شهر ربيع الأوّل- قتيلا- فى الواقعة. وتوفّى الأمير سيف الدين قطلوبغا بن عبد الله الحسامىّ المنجكىّ «٤» بالينبع «٥» بطريق الحجاز. وتوفّى الأمير سيف الدين قرابغا بن عبد الله الأسنبغاوىّ «٦» أحد أمراء الطبلخانات، كان من قدماء الأمراء بديار مصر. وتوفّى الأمير جمال الدين عبد الله ابن الأمير بكتمر الحاجب «٧» ، فى خامس عشرين شهر ربيع الآخر، بداره خارج باب النصر «٨» من القاهرة.

стр. 4208

وتوفّيت خوند شيرين [بنت عبد الله الرومية] «١» والدة الملك الناصر فرج بن برقوق، بعد مرض طويل، فى ليلة السبت أوّل ذى الحجّة، ودفنت بالمدرسة الظاهريّة البرقوقية «٢» بين القصرين، وحضر ولدها الملك الناصر الصّلاة عليها، بباب القلّة «٣» من القلعة، ومشى سائر أمراء الدولة وأعيانها أمام نعشها من القلعة إلى بين القصرين، وكانت أمّ ولد للملك الظّاهر برقوق، روميّة الجنس، وهى بنت عمّ الوالد، وكانت من خيار نساء عصرها حشمة ورياسة وعقلا. أمر النّيل فى هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع سواء، مبلغ الزّيادة ثمانية عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.

стр. 4209

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٣] السنة الثالثة من سلطنة الملك الناصر فرج ابن الظاهر برقوق- الأولى على مصر وهى سنة ثلاث وثمانمائة: فيها كان ورود تيمور لنك إلى البلاد الشّاميّة، ومات بسيفه ولقدومه خلائق لا يعلمها إلا الله تعالى كثرة، حسبما ذكرناه مفصّلا. وفيها تجرّد «١» السّلطان الملك النّاصر فرج إلى البلاد الشّامية بسبب تيمورلنك- وقد مرّ ذلك أيضا- وهى تجريدته الثانية إلى البلاد الشّامية. وفيها قتل الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله الظاهرىّ، قريب الملك الظّاهر برقوق، المعروف بسيّدى سودون، نائب الشّام، فى أسر تيمور بظاهر دمشق، ودفن بقيوده من غير أن يتولّاه «٢» ، واختلفت الأقوال فى موتته، فمن الناس من قال: ذبحا، ومنهم من قال: ألقاه تيمور إلى فيل كان معه فداسه برجله حتى مات، وكان ذلك فى أواخر شهر رجب، وتولّى نيابة دمشق بعده الوالد؛ وهى نيابته الأولى على دمشق، وكان سودون المذكور قدم من بلاد الجركس «٣» صغيرا مع جدّته لأمّه أخت الملك الظاهر برقوق، ومع خالة أمّه أمّ الأتابك بيبرس، والجميع صحبة الأمير أنص والد الملك الظّاهر برقوق، فربّاه الظّاهر ورقّاه إلى أن جعله أمير آخور كبيرا بعد القبض على الأمير نوروز الحافظىّ، ثمّ وقع له

стр. 4210

أمور، وقبض عليه بعد موت الملك الظّاهر برقوق، وسجن بالإسكندريّة إلى أن أخرج بعد واقعة الأتابك أيتمش، ثمّ ولى نيابة دمشق بعد مسك الأمير تنم الحسنىّ نائب الشّام، ودام بدمشق إلى أن ورد عليه قاصد تيمورلنك فوسّطه فكان ذلك أكبر الأسباب فى قتله، فإن تيمور لم يقتل أحدا من نوّاب البلاد الشّاميّة سواه. وتوفّى قاضى القضاة موفّق الدين أحمد ابن قاضى القضاة ناصر الدين نصر الله بن أحمد ابن محمد بن أبى الفتح العسقلانىّ الحنبلىّ، فى ثامن عشر شهر رمضان، وكان مشكور السيرة، ولم تطل مدّته فى القضاء، فإنه ولى القضاء بعد أخيه برهان الدين إبراهيم فى السنة الماضية. وتوفّى قاضى القضاة تقىّ الدين عبد الله بن يوسف [بن الحسين بن سليمان ابن فزارة بن بدر بن محمد بن يوسف] «١» الكفرىّ- بفتح الكاف- الحنفىّ الدمشقىّ، قاضى قضاة دمشق، فى العشرين من ذى القعدة فى أسر تيمور. وتوفّى قاضى القضاة شهاب الدين أحمد [بن عبد الله] «٢» النّحريرىّ المالكىّ، قاضى قضاة الديار المصريّة، وهو معزول فى ثانى شهر رجب. وتوفّى الأمير شهاب الدين أحمد بن عمر بن الزّين «٣» ، والى القاهرة فى ثانى عشر شهر ربيع الأوّل، بعد أن ولى شدّ الدّواوين، وولاية القاهرة غير مرّة، وكان من الظّلمة. وتوفّى الأمير سيف الدين أسنبغا بن عبد الله العلائىّ الدّوادار الظاهرىّ، فى سادس عشر جمادى الأولى، وكان من جملة الدّواداريّة الصّغار فى دولة الملك الظّاهر برقوق.

стр. 4211

وتوفّى الأمير زين الدّين فرج الحلبىّ «١» نائب الإسكندريّة بها، فى آخر شهر ربيع الأوّل، وقد ولى شدّ الدّواوين «٢» بالقاهرة، ثمّ صار من جملة الحجاب، ثمّ ولى أستادارية «٣» الذخيرة والأملاك، ثم ولى نيابة الإسكندريّة، فدام بها إلى أن مات. وتوفّى الأمير زين الدين [وقيل سيف الدّين] » أبو بكر بن سنقر ابن أخى بهادر الجمالى، فى ثالث عشر جمادى الآخرة، وكان ولى الحجوبية الثانية بالدّيار المصرية بتقدمة ألف، وتوجّه أمير حاجّ المحمل، وتنقّل فى عدّة وظائف، وطالت أيامه فى السعادة، وهو من بيت رئاسة وإمرة. وتوفّى الأمير سيف الدين بجاس بن عبد الله النّوروزىّ [العثمانى اليلبغاوىّ] «٥» أحد مقدّمى الألوف بالدّيار المصرية بها- بطّالا- بعد ما كبرت سنّه، فى ثانى عشر شهر رجب، وكان لمّا استعفى من الإمرة بعد موت الملك الظاهر برقوق، أنعم بإقطاعه على الأمير شيخ المحمودىّ: أعنى الملك المؤيد، فرعاه أستاداره جمال الدّين يوسف البيرى البجاسىّ، فعرف له ذلك الملك المؤيد شيخ لمّا تسلطن، وأحسن لذرّيته. وتوفّى الوزير كريم الدّين عبد الكريم بن عبد الرزّاق بن إبراهيم بن مكانس «٦» القبطى المصرى، أخو الشّاعر فخر الدين، فى خامس عشر جمادى الآخرة، وهو معزول عن الوزر، وقد ولى الوزر بالديار المصرية، ونكب وصودر غير مرّة، وجمع فى

стр. 4212

بعض الأحيان بين وظيفتى الوزر ونظر الخاص معا، وكان سيّىء السيرة، كثير الظلم والرّمايات، وولّى مشيرا «١» فى سلطنة الملك الظاهر برقوق، ثمّ نكب هو وإخوته، ومات- بعد خطوب قاساها- يوم الثلاثاء رابع عشرين جمادى الآخرة، وكان من أعاجيب الزّمان من الخفّة، والطيش، وسرعة الحركة، يقال إنه قال لبعض حواشيه- وهو نازل فى موكبه بخلعة الوزارة، لمّا أعيد إليها، والناس بين يديه: يا فلان ما هذه الركبة غالية بعلقة مقارع. وتوفّى قاضى قضاة الدّيار المصرية نور الدين على بن يوسف بن مكى الدميرى «٢» المالكىّ المعروف بابن الجلال، باللجون «٣» من طريق دمشق فى جمادى الأولى، وهو مجرّد صحبة السلطان. وتوفّى الشيخ الإمام الفقيه سيف الدين قطلوبغا بن عبد الله الحنفى، فى نصف جمادى الأولى، وكان فقيها فاضلا مستحضرا لمذهبه، معدودا من فقهاء الحنفية. وتوفّى قاضى القضاة بدر الدين محمد بن أبى البقاء الشافعى قاضى قضاة الدّيار المصرية، وهو معزول عن القضاء، فى سابع عشرين شهر ربيع الآخر. وتوفّى قاضى القضاة شرف الدّين محمد بن محمد الدّمامينى المالكى الإسكندرى، قاضى الإسكندرية، ثم ناظر الجيش والخاص بالدّيار المصرية، فى سابع عشرين المحرم، كان رئيسا فاضلا، ولى قضاء الإسكندرية، ثم وكالة بيت المال «٤» ، ونظر الكسوة «٥» ،

стр. 4213

ثم نظر ديوان المفرد «١» ، ثم نظر الأسواق «٢» ، وولى حسبة «٣» القاهرة غير مرة، ثمّ ولى نظر «٤» الجيش بالدّيار المصرية بعد موت القاضى جمال الدين محمود العجمى- مضافا إلى وكالة بيت المال فى سنة تسع وتسعين إلى أن صرف بسعد الدين إبراهيم بن غراب واستمر على وكالة بيت المال- ثم أعيد إلى نظر الجيش والخاصّ معا، فلم تطل مدته فيهما، وعزل وأعيد إليهما ابن غراب، وتولى قضاء الإسكندرية، فدام بها إلى أن مات فى التاريخ المذكور. وتوفّى قاضى القضاة جمال الدين يوسف بن موسى بن محمد الملطىّ الحنفى «٥» ، قاضى قضاة الدّيار المصرية- وهو قاض- فى تاسع عشر شهر ربيع الآخر، وكان بارعا فى الفقه والأصول، والعربيّة، وعلمى المعانى والبيان، وكان تفقّه فى مبادئ أمره على العلّامة الشيخ قوام الدين الأترارىّ الحنفىّ شارح الهداية «٦» ، ثم على العلامة أرشد الدين

стр. 4214

السرائى «١» ، وغيرهما بالدّيار المصرية، ثم انتقل إلى حلب، واشتغل بها أيضا إلى أن برع وأفتى ودرّس، وتفقّه به جماعة كبيرة من العلماء إلى أن طلب إلى قضاء الديار المصرية بعد وفاة القاضى شمس الدين الطرابلسى سنة ثمانمائة، فدام قاضيا إلى أن مات، وقد ناهز الثمانين سنة. وتوفّى قاضى قضاة الحنابلة- بدمشق- تقي الدين إبراهيم ابن العلامة شمس الدين محمد بن مفلح «٢» ، الحنبلىّ الدّمشقى بها، فى شعبان. وتوفّى قاضى القضاة صدر الدين أبو المعالى محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم ابن عبد الرحمن السلمى المناوى «٣» الشافعى، قاضى قضاة الديار المصرية، وهو فى أسر تيمور غريقا بنهر «٤» الزّاب، بعد ما مرّت به محن وشدائد، بعد أن ولى قضاء الدّيار المصرية غير مرّة. وتوفّى قاضى القضاه الحنفية- بدمشق- بدر الدين محمد بن محمد بن مقلد «٥» القدسىّ الحنفىّ، بمدينة غزّة، فى شهر ربيع الأوّل، فارّا من تيمورلنك إلى الديار المصرية، وكان فاضلا بارعا، أفتى ودرّس وناب فى الحكم، ثمّ استقلّ بالقضاء مدّة. وتوفّى السلطان الملك الأشرف إسماعيل ابن الملك الأفضل عباس ابن الملك المجاهد علىّ ابن الملك المؤيّد داود ابن الملك المظفّر يوسف ابن الملك المنصور عمر بن علىّ ابن رسول «٦» ، صاحب اليمن، فى ليلة السبت ثامن عشر شهر ربيع الأول، بمدينة

стр. 4215

تعز «١» من بلاد اليمن، عن سبع وثلاثين سنة، وكان ولى سلطنة اليمن بعد موت أبيه فى سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، فدام فى الملك إلى أن مات فى التاريخ المذكور فى هذه السنة، وكان ملكا جليلا سخيّا، مقبلا على أهل العلم، وصنّف تاريخا حسنا، وجمع كتبا كثيرة، وتولى مملكة اليمن من بعده ابنه الملك الناصر أحمد. وتوفّى السّلطان الأعظم ملك دلّى «٢» من بلاد الهند فيروز شاه بن نصرة شاه، وكان من أجلّ الملوك، ومملكته متّسعة جدا، ذكر عنها القاضى شهاب الدين أحمد بن فضل الله أشياء عظيمة فى كتابه مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار، من ذلك أن له ألف مغنّ، وألف نديم، وذكر عن سماطه أشياء خارجة عن الحد، وأظنّ أن فيروز شاه هو حفيد الملك الذي ترجمه القاضى شهاب الدين أحمد بن فضل الله، قلت ولما سمع تيمور لنك بموت فيروز شاه بادر وتوجه إلى الهند، واستولى على ممالكه حسبما تقدم ذكره فى ترجمة الملك الناصر فرج هذا، وقام بممالك الهند بعده ابنه محمد شاه، وجميع مملكته حنفيّة، بل غالب ممالك الهند. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع سواء، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا، وهى سنة تحويل «٣» .

стр. 4216

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٤] السنة الرابعة من سلطنة الملك الناصر فرج بن برقوق- الأولى على مصر وهى سنة أربع وثمانمائة: فيها توفّى الأمير سيف الدين جنتمر بن عبد الله التّركمانىّ الطّرخانىّ، كاشف الوجه القبلى، فى صفر، كان له مع الأعراب أمور ووقائع، وكان شجاعا، أبادهم وأفنى منهم خلائق إلى أن مهد بلاد الصعيد وقراها. وتوفى الشيخ الإمام المقرئ فخر الدين عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان البلبيسىّ «١» الشافعى، الضرير، إمام جامع الأزهر، وشيخ القراءات، فى ثانى ذى القعدة. وتوفّى الشيخ سيف الدين لاجين بن عبد الله الچركسىّ «٢» ، فى شهر ربيع الآخر، عن ثمانين سنة، وكان معظّما عند طائفة الجراكسة، يزعمون أنه يملك الديار المصرية، ويشيعون ذلك، ولأجله هرب جماعة من الأمراء من دمشق فى واقعة تيمور، وعادوا إلى الديار المصرية ليسلطنوه، فكان ما حصل على أهل الشّام من تيمور بسبب هذا المشؤوم الطلعة، وكان لاجين المذكور لا يكتم ذلك، بل كان يعد الناس أنه إذا ملك مصر يبطل الأوقاف التى على المساجد والجوامع، ويحرّق كتب الفقه، ويعاقب الفقهاء، ويولّى بمصر قاضيا واحدا من الحنفيّة، وهو من الأتراك لا من الفقهاء، فسلبه الله ما أمّله قبل أن يتأمّر عشرة، بل مات وهو على جنديّته، وكان يتمعقل ويدعى العرفان، مع جهل مفرط، وخفة عقل، وهو مع ذلك مقبول الكلام عند

стр. 4217

الطائفة إلى الغاية، وببعض كلامه يتمثّل بعضهم إلى يومنا هذا، وممن أدركناه من أتباعه سودون الفقيه حمو الملك الظاهر ططر، وسودون الأعرج الظاهرىّ، وطرباى الأتابك نائب طرابلس، وكانوا يحكون عنه أمورا يقصدون بذلك تعظيمه؛ لو تأملوها لعلموا أنه رفع عنه وعنهم القلم. وتوفّى الشيخ المعتقد الصالح شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن الناصح «١» فى سابع عشر شهر رمضان، ودفن بالقرافة. أمر النيل فى هذه السنة؛ الماء القديم أربعة أذرع وأربعة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأحد وعشرون إصبعا.

стр. 4218

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٥] السنة الخامسة من سلطنة الملك الناصر فرج بن برقوق- الأولى على مصر وهى سنة خمس وثمانمائة: فيها كانت وقعة تيمور لنك مع أبى يزيد بن عثمان متملّك بلاد الروم، وقد مرّ ذكر ذلك، وأسره تيمور ومات فى أسره. وفيها توفّى قاضى القضاة تاج الدين بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز الدميرىّ المالكىّ، فى يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة، عن سبعين سنة، وقد انتهت إليه رئاسة السّادة المالكية فى زمانه. وتوفّى شيخ الإسلام سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير بن صالح «١» - وصالح أول من سكن بلقينة «٢» - بن شهاب بن عبد الخالق بن مسافر بن محمد البلقينىّ الكنانىّ الشافعى، فى يوم الجمعة، عاشر ذى القعدة، وصلى عليه بجامع الحاكم «٣» ، ثم دفن بمدرسته التى أنشأها تجاه داره بحارة بهاء الدين قراقوش من القاهرة، ومولده ببلقينة، فى ليلة الجمعة ثانى عشر شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة. وأجاز له من دمشق الحافظ أبو الحجاج «٤» المزّى، والحافظ الذهبى «٥» ، والمسند أحمد

стр. 4219

ابن الجزرىّ «١» - فى آخرين- ثم حفظ المحرّر فى الفقه، والكافية لابن مالك فى النحو، ومختصر ابن الحاجب فى الأصول والشّاطبيّة فى القراءات، وأقدمه أبوه إلى القاهرة، وله اثنتا عشرة سنة، وطلب العلم واشتغل على علماء عصره، مثل: أثير الدين أبى حيّان «٢» ، وأبى الثّناء «٣» محمود الأصبهانىّ، وتفقّه بجماعة كثيرة، وبرع فى الفقه وأصوله، والعربية والتفسير، وغير ذلك، وأفتى ودرّس سنين، وانفرد فى أواخر عمره برئاسة مذهبه، وولى إفتاء دار العدل، ودرّس بزاوية الشافعى المعروفة بالخشّابيّة «٤» من جامع عمرو بن العاص، وولى قضاء دمشق فى سنة سبع وتسعين وسبعمائة عوضا عن تاج الدين عبد الوهاب السّبكىّ، فباشر مدة يسيرة، ثم تركه وعاد إلى مصر، واستمر بمصر يقرئ ويشتغل ويفتى بقية عمره، وانتفع به عامة الطلبة إلى أن مات، وقد استوعبنا ترجمته فى المنهل الصافى بأوسع من هذا- فلينظر هناك. وتوفّى شيخ الشيوخ بدر الدين حسن بن على بن الآمدى خارج القاهرة، فى أول شعبان وكان يعتقد فيه الخير، ويقصد للزيارة. وتوفّى السيد الشريف عنان بن مغامس بن رميثة «٥» المكىّ الحسنىّ بالقاهرة، فى أول شهر ربيع الأول.

стр. 4220

وتوفّى الأمير سيف الدين آقباى بن عبد الله الكركىّ «١» الظاهرى، الخازندار، وأحد مقدمى الألوف، المعروف بالطّاز، فى ليلة السبت رابع عشر جمادى الأولى بعد مرض طويل، ودفن بالحوش «٢» الظاهرى بالصحراء، وهو أحد المماليك الصغار الأربعة الذين توجهوا صحبة الملك الظاهر برقوق إلى سجن الكرك، ولذلك سمى بالكركىّ، وكان من الأشرار، كثير الفتن، وقد مرّ من ذكره نبذة كبيرة فى ترجمة الملك الناصر فرج، هذا وكان بينه وبين سودون طاز الأمير آخور الكبير عداوة، فكان يقول له: أنت طاز وأناطاز ما تسعنا مصر، فأراح الله الناس منهما فى مدة يسيرة. وتوفّى الأمير سيف الدين يلبغا [بن عبد الله] «٣» السّودونىّ حاجب حجّاب دمشق، وتولى الحجوبيّة من بعده الأمير جركس المعروف بوالد تنم الحسنى، نقل إليها من حجوبيّة طرابلس. وتوفى الأمير سيف الدين قرقماس الإينالى الرّمّاح «٤» - قتيلا بدمشق- فى أواخر شهر رمضان، بأمر السلطان، وكان أصله من مماليك الأتابك إينال اليوسفى، وصار من بعده أميرا بديار مصر من جملة الطّبلخانات، وكان رأسا فى لعب الرّمح، ووقع له أمور بديار مصر حتى أخرجه السلطان الملك الناصر منها إلى دمشق، على إقطاع الأمير صرق، فثار بدمشق أيضا وهرب منها، فقبض عليه عند مدينة بعلبكّ فقتل بها فى عدة مماليك أخر. وتوفّى خوند كار أبو يزيد بن مراد بك بن أورخان بن عثمان «٥» ملك الروم.

стр. 4221

وصاحب برصا «١» ، فى أسر تيمور- بعد أن واقعه- ومات فى ذى القعدة، وكان من أجلّ ملوك بنى عثمان حزما وعزما وجلالة وشجاعة وإقداما، وقد تقدم ذكر واقعته مع تيمور فى ضمن ترجمة الملك الناصر، هذا وكان أبو يزيد هذا يعرف بيلدرم بايزيد، [ويلدرم] «٢» هو باللغة التركية اسم للبرق، وهو بكسر الياء آخر الحروف، وسكون اللام، وكسر الدال المهملة، والراء المهملة، وسكون الميم- انتهى. وتوفّى قاضى قضاة المالكيّة- بدمشق- علم الدين محمد القفصى «٣» المالكى، فى حادى عشر المحرم، وكان من فضلاء المالكية. وتوفّى السلطان محمود خان، وكان يعرف بصر غتمش، الذي كان تيمور لنك يدبّر مملكته، وليس له من الأمر مع تيمور إلا مجرد الاسم فقط، وهو من ذرّية جنكز خان، ولهذا كان سلطنه تمر وصار مدبّر مملكته؛ لكون القاعدة عند التتار لا يتسلطن إلا من يكون من ذرية الملوك. وتوفّى الأمير شهاب الدين أحمد ابن الوزير ناصر الدين محمد بن رجب أحد أمراء العشرات «٤» بديار مصر. وتوفى سيف الدين سودون بن عبد الله بن على بك الظّاهرى، الأمير آخور الكبير، المعروف بسودون طاز «٥» ، أحد أعيان المماليك الذين مر ذكرهم فى عدة مواضع، لا سيما واقعته مع يشبك، ففيها ذكرنا أحواله مفصّلا، قتل فى سجن المرقب

стр. 4222

بالبلاد الشامية بعد ما نقل إليها من سجن الإسكندرية، وكان سودون طاز رأسا فى لعب الرّمح، يضرب بقوّة طعنه، وشدة ثباته على فرسه المثل. وأما سرعة حركته، وحسن تسريحه لفرسه فى ميادين اللّعب بالرمح فإليه المنتهى فى ذلك، وكان أحد الأشرار الذين يثيرون الفتن والوقائع، وقد مرّ من ذكره ما فيه كفاية عن ذكره هنا ثانيا. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا سواء.

стр. 4223

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٦] السنة السادسة من سلطنة الملك الناصر فرج بن برقوق- الأولى على مصر وهى سنة ست وثمانمائة: فيها توفّى قاضى القضاة ناصر الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن الصالحى الشافعىّ، قاضى قضاة الشافعية بالديار المصرية- وهو قاض- فى يوم الأربعاء ثانى عشر المحرم بالقاهرة، وكان رئيسا نبيلا كريما كثير البرّ والإحسان، إلّا أنه كانت بضاعته مزجاة من العلم. وتوفّى شمس الدين محمد بن البجانسىّ الصعيدى، محتسب القاهرة، فى يوم الثلاثاء رابع جمادى الأولى، بعد أن ولى حسبة القاهرة غير مرّة بالسعى والبذل. وتوفّى الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن أبى بكر العراقىّ «١» الشافعىّ، شيخ الحديث بالدّيار المصرية، فى يوم الأربعاء ثامن شعبان بها، ومولده فى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وسمع الكثير ورحل [فى] «٢» البلاد، وكتب وألف وصنّف وأملى سنين كثيرة، وكان ولى قضاء المدينة النبويّة، وعدّة تداريس، وانتهت إليه رئاسة علم الحديث فى زمانه، ومن شعره فيمن كان يشبه النبي- ﷺ أنشدنا حافظ العصر شهاب الدين أحمد بن حجر- إجازة- أنشدنا الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقىّ رحمه الله تعالى- إجازة إن لم يكن سماعا. [البسيط] وسبعة شبّهوا بالمصطفى قسما ... لهم بذلك قدر قد زكا ونما

стр. 4224

سبط النّبيّ، أبو سفيان، سائبهم ... وجعفر وابنه ذو الجود والقثما «١» وله بالسّند فى الصحابة العشرة المشهود لهم بالجنة فقال: [الطويل] وأفضل أصحاب النّبيّ مكانة ... ومنزلة من بشّروا بجنان سعيد زبير سعد عثمان عامر ... علىّ ابن عوف طلحة العمران وقد استوعبنا مسموعه ومصنفاته فى المنهل الصافى، حيث هو محلّ الإطناب. وتوفّى الأمير سيف الدين أزبك بن عبد الله الرمضانىّ الظاهرى، أحد أمراء الطبلخانات بديار مصر، فى ليلة الثلاثاء رابع عشر شهر ربيع الأول، وكان من أعيان المماليك الظاهرية. وتوفّى الأمير سيف الدين قطلوبك بن عبد الله، أستادار الأمير الكبير أيتمش البجاسىّ، فى يوم الأربعاء سابع شهر ربيع الآخر، كان ولى أستاداريّة السلطان فى بعض الأحيان مدة يسيرة، فلم ينجح أمره، وعزل وعاد إلى حاله أوّلا، وكان له ثروة ومال، غير أنه لم يعظم إلا بصهارته لسعد الدين بن غراب. وتوفّى التاجر برهان الدين إبراهيم بن عمر بن على المحلّى المصرىّ «٢» التاجر المشهور بكثرة المال، فى يوم الأربعاء ثانى عشرين شهر ربيع الأول.

стр. 4225

وتوفّى الأمير شهاب الدين أحمد ابن الأمير شيخ على، فى ذى القعدة بدمشق، بعد ما ولى نيابة صفد وغيرها، ثم صار أمير مائة، ومقدّم ألف بدمشق حتى مات، وكان من أعيان الأمراء. وتوفّى القاضى علاء الدين على بن خليل الحكرىّ الحنبلىّ «١» ، فى يوم السبت ثامن المحرم. وتوفّى الأمير سيف الدين آقبغا [بن عبد الله] «٢» الجمالىّ الظاهرىّ، المعروف بالأطروش والهيدبانىّ «٣» نائب حلب بها، فى ليلة الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة، وكان من أعيان المماليك الظاهريّة- برقوق- وممن صار فى دولة أستاذه حاجب حجّاب حلب، ثم ولى نيابة صفد، ثم ولى نيابة طرابلس بعد الأمير دمرداش المحمّدى، بحكم توجّه دمرداش أتابكا بحلب، ثم نقله الملك الظاهر إلى نيابة حلب بعد موت أرغون شاه الإبراهيمى، فى سنة إحدى وثمانمائة، ودام على نيابة حلب إلى أن خرج تنم نائب الشام عن طاعة الملك الناصر، فوافقه آقبغا هذا، وصار من حزبه، إلى أن قبض عليه مع من قبض عليه من الأمراء، وحبس مدّة ثم أطلق، وولى نيابة طرابلس ثانيا بعد الأمير شيخ المحمودى، بحكم أسره مع تيمور، فلم يتم أمره، وأعيد شيخ إلى نيابة طرابلس، واستقر آقبغا هذا أتابكا بدمشق مدّة، ثم ولى نيابة دمشق بعد الوالد؛ بحكم خروجه من دمشق إلى حلب، فلم تطل أيامه بدمشق، وعزل بالأمير شيخ المحمودى، وتوجّه- بطّالا- إلى القدس إلى أن أعيد إلى نيابة حلب بعد دقماق المحمدى، فتوجّه إليها، وأقام بها إلى أن مات فى التّاريخ المذكور. وتوفّى الأمير سيف الدين دمشق خجا بن سالم الدّوكارى «٤» التركمانىّ، نائب

стр. 4226

قلعة جعبر «١» - قتيلا بيد الأمير نعير بن حيّار- فى سابع عشر شهر رمضان. وتوفّى الشّيخ شمس الدّين محمد بن مبارك شيخ الرّباط النبوىّ- المعروف بالآثار- فى المحرم. وتوفّى الشيخ محمد المعروف بالحرفىّ «٢» فى شوال من السنة، وكان عالما بعلم الحرف، وله مشاركة فى غيره. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة عشر إصبعا، والوفاء خامس توت.

стр. 4227

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٧] السنة السابعة من سلطنة الملك الناصر فرج بن برقوق- الأولى على مصر وهى سنة سبع وثمانمائة: فيها كان الشراقى العظيم بالديار المصرية. وفيها كانت واقعة السعيديّة «١» بين الملك الناصر فرج صاحب الترجمة، وبين يشبك، وشيخ، وجكم، وقرا يوسف، حسبما تقدّم ذكره. وفيها توفّى الشيخ الإمام العالم عبيد الله الأردبيلىّ الحنفىّ، فى آخر شهر رمضان، وكان من الفضلاء، معدودا من فقهاء الحنفيّة. وتوفّى الوزير الصاحب بدر الدين محمد بن محمد الطوخىّ «٢» ، وزير الديار المصرية، تنقّل فى الخدم الدّيوانية حتى ولى ناظر الدولة «٣» ، ثم نقل إلى الوزر سنة تسع وتسعين بعد مسك ابن البقرىّ «٤» ، وتولّى بعده نظر الدولة سعد الدين الهيصم، ثم باشر الوزر بعد ذلك غير مرّة، ووقع له أمور ومحن إلى أن مات- بطّالا- فى هذه السنة. وتوفّى الأمير سيف الدين قانى باى بن عبد الله الظاهرى، رأس نوبة، وأحد أمراء العشرات بديار مصر، فى يوم الخميس أول جمادى الآخرة، وكان من خاصكيّة الملك الظاهر برقوق الصّغار.

стр. 4228

وتوفّى الشيخ الإمام العالم الفقيه عبد المنعم بن محمد بن داود «١» البغدادى الحنبلىّ، ثم المصرىّ بها، فى يوم السبت ثامن عشر شوال، وقد انتهت إليه رئاسة مذهب الإمام أحمد بن حنبل، بعد ما كتب على الفتوى، ودرّس عدة سنين، وكان لما قدم من بغداد إلى الدّيار المصرية تفقّه بقاضى الفضاة موفق الدين الحنبلى، وهو جدّ صاحبنا قاضى القضاة بدر الدين محمد بن محمد بن عبد المنعم- ﵀. وتوفّى القاضى ناصر الدين محمد ابن صلاح الدين صالح «٢» الحلبىّ، الموقع الشافعى، المعروف بابن السّفّاح، موقّع الأمير يشبك الشّعبانىّ الدّوادار، فى يوم الثلاثاء ثانى عشرين المحرم. وتوفّى الشيخ نور الدين على ابن الشيخ الإمام سراج الدين عمر البلقينىّ» ، فى يوم الاثنين سلخ شعبان فجاءة بمدينة بلبيس، وحمل منها إلى القاهرة، ودفن بتربة «٤» الصوفية، خارج باب النّصر عند أبيه، وكان مولده فى شوال سنة ثمان وستين وسبعمائة، وكان بارعا فى الفقه والعربية، ودرّس بعد موت أبيه بعدّة مدارس. وتوفّى القاضى شمس الدين محمد بن عباس بن محمد بن حسين بن محمود بن عباس الصّلتىّ، فى مستهل جمادى الأولى، بعد ما ولى القضاء بعدّة بلاد من معاملة دمشق وغيرها، ولى قضاء بعلبك، وحمص، وغزّة، وحماة، ثم عمل مالكيّا وولى قضاء المالكيّة بدمشق، ثم ترك ذلك بعد مدة وولى قضاء الشافعية بدمشق، ولم تحمد سيرته فى مباشرته القضاء، وكيف تحمد سيرته وهو ينتقل فى كلّ قليل إلى مذهب لأجل المناصب! فلو كان يرجع إلى دين ما فعل ذلك، ومن لم يحترز على دينه يفعل ما يشاء. قلت- والشيء بالشيء يذكر- وهو أننى اجتمعت مرة بالقاضى كمال الدين بن

стр. 4229

البارزى، كاتب السر الشريف بالدّيار المصرية- رحمه الله تعالى- فدفع إلىّ كتابا من بعض أهل غزّة، ممن هو فى هذه المقولة، فوجدت الكتاب يتضمّن السعى فى بعض وظائف غزّة، وهو يقول فيه: يا مولانا، المملوك منذ عزل من الوظيفة الفلانية بغزّة خاطره مكسور، والمسؤول من صدقات المخدوم أن يوليه قضاء الشّافعية بغزّة، فإن لم يكن فقضاء الحنفيّة، فإن لم يكن فقضاء المالكية، وإلا فقضاء الحنابلة، فكتبت على حاشية الكتاب بخطى: فإن لم يكن، فمشاعلىّ «١» ملك الأمراء- انتهى. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ذراع واحد وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وثلاثة أصابع.

стр. 4230

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٨] ذكر سلطنة الملك المنصور عبد العزيز على مصر السلطان الملك المنصور عز الدين عبد العزيز ابن السلطان الملك الظاهر سيف الدين أبى سعيد برقوق ابن الأمير أنص العثمانىّ، سلطان الديار المصرية، وهو السلطان السابع والعشرون من ملوك التّرك بالديار المصرية، والثالث من الجراكسة، تسلطن بعهد من أبيه له بعد أخيه الملك الناصر فرج، وباتفاق الأمراء من أعيان مماليك أبيه؛ بعد ما اختفى أخوه الملك الناصر فرج ابن الملك الظّاهر برقوق، بعد عشاء الآخرة من ليلة الاثنين سادس عشرين شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانمائة، وقد ناهز الاحتلام، بعد أن حضر الخليفة والقضاة والأعيان من الأمراء، وطلب عبد العزيز من الدور السلطانية إلى الإسطبل «١» السلطانى، وبويع بالسلطنة، وفوّض عليه الخلعة الخليفتية، وركب فرس النوبة فى الفوانيس والشموع، والأمراء مشاة بين يديه حتى طلع إلى القصر، وجلس على تخت الملك، وقبّلت الأمراء الأرض بين يديه، ولقّب بالملك المنصور أبى العز عبد العزيز، ودقت البشائر- على العادة- وأصبح نودى من الغد بالأمان والدعاء للسلطان الملك المنصور عبد العزيز. وأمّ الملك المنصور هذا أم ولد تترية، تسمّى قنّق باى، صارت خوند بسلطنة ولدها هذا، وعاشت إلى حدود سنة خمس وثلاثين وثمانمائة. ولما تسلطن الملك المنصور هذا فى الليلة المذكورة، أصبح الناس فى هدوء وأمان، وتحيّرت الناس فى أمر السلطان الملك الناصر فرج، ولم يشكّ أحد فى أن الوالد أخذه ومضى إلى البلاد الشامية؛ لأنه كان عقد على الأخت قبل تاريخه بمدة يسيرة ولم يدخل بها، فاطمأنّ بذلك قلب من هو من أصحاب الملك الناصر، وكان ممّن اختفى بعد خروج الوالد من مصر من أعيان الأمراء، دمرداش المحمّدىّ نائب حلب، والأمير

стр. 4231

بيغوت، وهمّ كثير من حواشى الملك الناصر فرج باللحاق بهما إلى البلاد الشامية، لولا أن أشاع آخرون قتل الملك الناصر المذكور، ثمّ أشيع بعد ذلك أنه اختفى بالقاهرة، وأعرض أكابر الأمراء عن الفحص فى أخبار الملك الناصر، والتفتيش عليه. وقام بتدبير مملكة الملك المنصور، القاضى سعد الدين إبراهيم بن غراب، وهو يوم ذاك كاتب سرّ مصر، وصار الملك المنصور تحت كنف أمه، ليس له من السلطنة سوى مجرد الاسم فقط، وهى كثيرة التخوّف عليه من أخيه الملك الناصر فرج، وكانت امتنعت عن سلطنته، وحجبته عن الأمراء حين طلبوه للسلطنة، حتى أخذ منها بحيلة، دبّروها عليها، واستقرّ الأمير بيبرس الصغير لا لا «١» السلطان الملك المنصور. ثمّ فى يوم الخميس تاسع عشرين شهر ربيع الأوّل المذكور، عملت الخدمة بالإيوان من قلعة الجبل على العادة، وجلس الملك المنصور على تخت الملك، وحضر الأمراء، والقضاة، وسائر أعيان الدّولة، وخلع الملك المنصور على جماعة كبيرة من الأمراء باستمرارهم على وظائفهم، وبتجديد وظائف أخر، فخلع على بيبرس باستقراره أتابك العساكر على عادته، وعلى الأمير آقباى باستقراره أمير سلاح على عادته، وعلى سودون الطيّار باستقراره على عادته أمير مجلس، وعلى سودون تلى المحمّدىّ الأمير آخور باستمراره على عادته، وعلى بشباى رأس نوبة النوب على عادته، وعلى الأمير أرسطاى حاجب الحجّاب على عادته، وعلى سودون الماردانىّ الدّوادار الكبير على عادته، وعلى سعد الدّين بن غراب على عادته كاتب السرّ، وعلى أخيه فخر الدين ماجد وزيرا على عادته، وعلى فخر الدين ماجد بن المزوّق ناظر الجيش على عادته، وعلى جمال الدّين يوسف البيرىّ الأستادار على عادته، وأنعم بإقطاعات الأمراء المنهزمين، مثل الوالد وغيره، على الأمير إينال باى بن قجماس، ومن كان قدم من الحبوس.

стр. 4232

وأخذ من هذا اليوم أمر يشبك الشّعبانىّ الدّوادار- كان- ورفقته يضعف، وأمر الأتابك بيبرس ورفقته يقوى، حتى صار يشبك والأمراء يطلعون إلى بيبرس ويأكلون على سماطه، وإذا كان لهم حاجة سألوا بيبرس فيها، ولم يعهدوا قبل ذلك لبيبرس فى الدولة كلاما، فعزّ ذلك على يشبك وحاشيته إلى الغاية، وندموا على ما وقع منهم فى حقّ الملك الناصر فرج، وتساعوا فى عوده، ولم يعرفوا للناصر خبرا، كلّ ذلك وسعد الدين بن غراب لا يعرّف أحدا بأمر الملك الناصر فرج، لكنه يدبّر فى إخراجه، وعوده إلى ملكه من حيث لا يعلم بذلك أحد، وأخذ يدبّر أيضا على قبض إينال باى بن قجماس فى الباطن، فلم يتمّ له ذلك؛ لكثرة حاشيته وعصبته، واضطراب الدولة، وعدم اجتماع الكلمة فى واحد بعينه. ثمّ فى يوم الأربعاء ثامن عشر شهر ربيع الآخر، أفرج عن فتح الدين فتح الله كاتب السرّ- كان- على أنه يحمل خمسمائة ألف درهم ثمنها يوم ذاك ثلاثة آلاف وثلاثة وثلاثون مثقالا ذهبا وثلث مثقال، كلّ ذلك والدولة غير مستقيمة، وأحوال الناس متوقفة؛ لترقّبهم وقوع فتنة، غير أنّ أخبار الناصر لا تظهر، مع علمهم أنه مختف بالقاهرة، لما يظهر من أمر بيبرس ورفقته من الاحتراز من الناصر، وإصلاح أمر الملك المنصور عبد العزيز فيما يثبّت به ملكه. ثم فى حادى عشر جمادى الأولى، توجه الطواشى شاهين الحسنىّ، رأس نوبة الجمداريّة، ولالا السلطان الملك المنصور، ومعه نحو عشرة أنفس، إلى البلاد الشامية لإحضار الأمير شيخ المحمودىّ الساقى نائب الشام- كان- إلى الديار المصرية، وكان يوم ذاك الأمير نوروز الحافظىّ ولى نيابة الشام عوضا عن شيخ المذكور، وخرج لقتال شيخ وكسره، وحصره بقلعة الصّبيبة «١» ، ولإحضار الأمير جكم من عوض نائب حلب، ثمّ ورد كتاب الأمير شيخ المذكور، وكتاب جكم

стр. 4233

أيضا إلى الديار المصرية بعد ذلك بعشرة أيام، يخبران بأنهما حاربا الأمير نوروزا الحافظىّ وهزماه، وأنه لحق بطرابلس، وأنهما دخلا دمشق وأقاما بها أياما، ثم إن جكم خرج من دمشق لقتال نوروز الحافظى بطرابلس، وتبعه شيخ، فلما بلغ نوروزا ذلك خرج من طرابلس إلى حماة، ونزل جكم وشيخ على حمص، ثم سارا إلى طرابلس، ففرّ منها نائبها الأمير بكتمر جلّق، فوصل جكم وشيخ إلى طرابلس، وبلغ الأمير علّان جلق نائب حلب نزول نوروز وبكتمر جلّق إلى حماة، فخرج بعساكره من حلب، وقدم عليهما ووافقهما على قتال جكم وشيخ. ولما وصل هذا الخبر إلى الديار المصرية، عظم على الأتابك بيبرس وحاشيته انهزام نوروز من جكم وشيخ إلى الغاية، وسر بذلك يشبك وحاشيته فى الباطن، وكثر قلق يشبك وأصحابه من الأمراء على الملك الناصر فرج، لاسيما لما مرض الملك المنصور عبد العزيز فى يوم الثلاثاء أول جمادى الآخرة، فلما رأى سعد الدين إبراهيم ابن غراب أمر يشبك الشعبانىّ فى إدبار عزّ عليه ذلك، لأن يشبك المذكور كان هو الذي أقامه بعد موت الملك الظاهر برقوق، وقام بمساعدته أعظم قيام، حتى كان من أمر ابن غراب ما كان، فعند ذلك أعلمه ابن غراب بأمر الملك الناصر مفصلا، وأنه عنده مقيم من يوم تسحب من قلعة الجبل، وقال له: أى وقت تشتهى الاجتماع به فعلت لك ذلك، فسرّ يشبك بذلك غاية السرور، وأعلم إخوته وحواشيه بما وقع، وأخذ من يومه فى تدبير أمر الملك الناصر فرج، وظهوره وعوده إلى ملكه فى الباطن، حتى استحكم أمرهم، ووافق ذلك مرض الملك المنصور عبد العزيز، فقويت حركتهم، وكثرت القالة بين الناس فى أمر الملك الناصر وعوده إلى الملك، وتحقّق كلّ أحد أنه مقيم بالديار المصرية، وصارت أخباره تأتى يشبك وأصحابه مياومة ومساعاة، هذا بعد أن اجتمع عليه يشبك وغيره من الأمراء فى اللّيل غير مرة، وواعدوه، وتردّدوا إليه فى أماكن عديدة، كلّ ذلك وبيبرس ورفقته لا يعرفون ما الخبر، بل يتحقّقون أنه مقيم بالقاهرة لاغير، وأنّ له عصبية كبيرة من الأمراء، ومع ذلك

стр. 4234

قلوبهم مطمئنة أنّ القلعة بيدهم والسلطان عندهم، وأن الناصر أمره تلاشى واضمحل. فلما كان يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة من سنة ثمان وثمانمائة المذكورة، سعى المماليك بعضهم إلى بعض، وكثر هرجهم، وعادت خيول كثيرة من الربيع، وصاروا يركبون جمعا كبيرا ويتسارّون بالكلام، وبلغ ذلك بيبرس ورفقته، فأمرهم بيبرس وإينال باى بن قجماس بالفحص عن أخبارهم، فخرج جماعه كبيرة منهم وداخلوا المماليك المذكورة فى كلام الناصر، فلم يقفوا له على خبر، وعمّى عليهم جميع أحوال الملك الناصر، غير أنهم علموا أنّ الملك الناصر يريد الظهور والعود إلى الملك فاضطرب أمرهم، وحرّضوا بعضهم بعضا على قتاله إن خرج، وتهيئوا لذلك، وحصنوا القلعة، وطلبوا جماعة كبيرة من المماليك السلطانية، ووعدوهم بالأمريّات والإقطاعات والوظائف، وحذروهم من عود الملك الناصر إلى الملك؛ أنه لا يبقى على أحد منهم، وتواصوا على القيام مع الملك المنصور عبد العزيز وإتمام أمره، كلّ ذلك وأحوالهم مفلولة، لعدم أهلية بيبرس بتنفيذ الأمور، ومعرفة الحروب، والقيام بأعباء الملك؛ لانهماكه فى اللذات، ولانعكافه على اللهو والطرب عمره كلّه، لا يميل لغير ذلك، ومنذ مات خاله الملك الظاهر برقوق لم يدخل بنفسه فى أمر غير هذا المعنى المذكور، ولسان حاله ينشد ويقول: [موشح] خلّى الملوك تسطو بالملك والسلاح ... إنى قنعت منهم بالراح والملاح. قلت: وليته دام على ما كان عليه من لهوه وطربه، ولم يدخل بنفسه فى هذه المضايق التى ذهبت فيها روحه، وأما رفيقه إينال باى فإنه كان فيه طيش وخفة مع عدم تدبير ومعرفة، وأيضا لو علم ذلك كله، لم يكن أهلا إلى القيام بمثل هذا الأمر مع وجود من هو أعظم منه فى النفوس، وأكبر منه قدرا، وهم جماعة كبيرة، فلهذا كله لم ينتج أمرهم، وزال ملك الملك المنصور عبد العزيز بعد ما كان تمّ أمره، وقطع الناصر آماله من الملك.

стр. 4235

واستمرّ الأمر على ذلك، وباتوا ليلة السبت المذكورة، والحال على ما هو عليه، إلى أن كان نصف الليل، فخرج الملك الناصر فرج بن برقوق من بيت القاضى سعد الدين إبراهيم بن غراب، كاتب السرّ، فى جماعة كبيرة، من غير تستّر، بل فى موكب عظيم سلطانىّ، ومضى بعساكره إلى بيت الأمير سودون الحمزاوىّ ونزل به، وأرسل استدعى الأمراء والمماليك السلطانية، وتسامعت به الناس، فأتوه من كلّ فج بالسلاح وآلة الحرب، ثم لبس الملك الناصر سلاحه وركب فى أمرائه وعساكره، وقصد قلعة الجبل، وقد استعدّ بيبرس وإينال، وغيرهما من الأمراء الذين بالقلعة لقتاله، وحصّنوا القلعة، فلما حضر إليها الملك الناصر فرج بعساكره ناوشوه بالقتال، ورموا عليه، وتقاتل الفريقان قتالا ليس بذاك، فلما رأى الملك الناصر أمر أهل القلعة مفلولا، توجّه إلى نحو باب القلعة، وكان به الأمير صوماى الحسنىّ الظاهرىّ- رأس نوبة-[و] قد وكّل بباب المدرّج «١» ، فعندما رأى صوماى الملك الناصر فتح له باب القلعة، فطلع منه الملك الناصر بأمرائه، وملك القلعة وجلس بالقصر السلطانى، هذا وبيبرس وإينال باى يقاتلان أمراء السلطان من باب «٢» السلسلة من الإسطبل السلطانى. فبينما هم فى ذلك، وإذا بالرمى عليهم من القصر، فالتفتوا وإذا بالناصر جالس بالقصر السلطانى، فلم يثبت بيبرس عند ذلك ساعة واحدة، وانهزم من وقته، ونزل بمن معه فارّا إلى خارج القاهرة، فأرسل السلطان فى أثره الأمير سودون الطيّار- أمير مجلس- فى جماعة، فأدركه خارج القاهرة، فلم

стр. 4236

يدفع عن نفسه، فقبض عليه سودون الطيّار، وأتى به إلى الملك الناصر، فقيّد فى الحال، وأرسل إلى الإسكندرية، فسجن بها، واختفى إينال باى، وسودون الماردانىّ، وطلب السلطان الملك الناصر فرج أخاه السلطان الملك المنصور عبد العزيز، وطيّب خاطره، وأرسله إلى أمه بالدّور السلطانيّة، وتم أمر الملك الناصر، وأعيد إلى ملكه بعد أن خلع من الملك هذه المدة، وزال ملك الملك المنصور كأنه لم يكن، فكانت مدّة سلطنة الملك المنصور عبد العزيز المذكور على مصر شهرين وعشرة أيام، ليس له فيها إلا مجرد الاسم لا غير، وأقام عند أمه بالدور السلطانية من قلعة الجبل إلى أن أخرجه أخوه الملك الناصر فرج إلى ثغر الإسكندرية، ومعه أخوه إبراهيم بن الملك الظاهر برقوق، صحبة الأمير قطلوبغا الحسنىّ الكركىّ، والأمير إينال حطب العلائىّ، فى حادى عشرين صفر من سنة تسع وثمانمائة المذكورة، فأقام الملك المنصور عبد العزيز المذكور وأخوه إبراهيم بالإسكندرية مدة يسيرة، ومرضا معا، فمات الملك المنصور هذا فى ليلة الاثنين سابع شهر ربيع الآخر من سنة تسع وثمانمائة المذكورة، بعد أن لزم الفراش واحدا وعشرين يوما، ومات أخوه إبراهيم بعده فى ليلته، فاتهم الملك الناصر أنه أمر باغتيالهما بالسّم قبل سفره إلى الشام- حسبما يأتى ذكره. قلت: لا يبعد ذلك من وجوه عديدة ليس لإبدائها محل- والله أعلم.

стр. 4237

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٩] ذكر سلطنة الملك الناصر فرج الثانية على مصر «١» ولما كان صبيحة يوم السبت خامس جمادى الآخرة، طلع الملك الناصر فرج إلى قلعة الجبل وملكها، وقبض على الأتابك بيبرس، ثم على من يأتى ذكره، ثم طلب الخليفة والقضاة فحضروا، وجدّدت له بيعة السّلطنة ثانيا، وثبت خلع الملك المنصور عبد العزيز، وتسلطن وعاد إلى ملك مصر، وخلع على الخليفة والقضاة، وتمّ أمره، وانفضّ الموكب، ونزل الجميع إلى دورهم، وسكن أمر الناس. فلما كان يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة المذكورة، خلع السلطان على الأمير يشبك الشّعبانىّ الظاهرىّ الدّوادار- كان- باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية، عوضا عن بيبرس ابن أخت السّلطان الملك الظاهر برقوق، وخلع على الأمير سودون الحمزاوىّ الظاهرىّ باستقراره دوادارا كبيرا، عوضا عن سودون الماردانىّ، وعلى الأمير جركس القاسمىّ المصارع باستقراره أمير آخور كبيرا، عوضا عن سودون تلى «٢» المحمدىّ، ثم أمسك السلطان الأمير جارقطلو- رأس نوبة- وقانى باى- أمير آخور- وآقبغا- رأس نوبة- والثلاثة أمراء عشروات، وأمسك بردبك وصمغار- رأس نوبة- أحد أمراء الطبلخانات- ثم خلع على القاضى سعد الدين إبراهيم ابن غراب، واستقر رأس «٣» مشورة، وأنعم عليه بإمرة مائة، وتقدمة ألف بالدّيار

стр. 4238

المصريّة، وصار أميرا بعدما كان مباشرا، ولبس الكلفتاة «١» ، وتقلّد بالسيف، وكان فى أمسه قد ركب مع السلطان الملك الناصر بقرقل «٢» وعليه آلة الحرب- كاملا- وصار بعد من جملة المقاتلين، وتزيّا بزىّ الأتراك، وطلع إلى الخدمة من جملة الأمراء، ثمّ نزل إلى داره بقماش الموكب- على عادة الأمراء- فلم يركب بعدها، ولزم الفراش حتى مات، حسبما يأتى ذكره فى محله. وخلع السلطان على فخر الدين ماجد بن المزوّق- ناظر الجيش- باستقراره فى كتابة السرّ، عوضا عن سعد الدين بن غراب المذكور؛ بحكم انتقاله إلى إمرة مائة، وتقدمة ألف بالديار المصريّة، ثم أمر السلطان فكتب بتقليد الأمير شيخ المحمودىّ باستقراره فى نيابة دمشق على عادته، عوضا عن الأمير نوروز الحافظىّ، وأن يتوجّه نوروز المذكور إلى القدس بطّالا، وحمل التقليد والتّشريف إلى الأمير شيخ الأمير إينال المنقار شادّ «٣» الشّراب خاناة، وكتب بتقليد الأمير جكم بنيابة حلب، عوضا عن علّان، وحمل إليه التقليد والتّشريف سودون السّاقى، وكتب للأمير دمرداش المحمدىّ نائب حلب- كان- بالحضور إلى مصر، ثم قبض السلطان الملك الناصر على سودون المحمدىّ المعروف بتلى الأمير آخور الكبير، وأخرج إلى دمشق على إقطاع الأمير سودون اليوسفىّ، ثمّ خلع السلطان على الأمير سودون من زادة باستقراره فى نيابة غزّة عوضا عن سلامش. ثمّ فى حادى عشرين جمادى الآخرة المذكورة، خلع السّلطان على الأمير تمراز الناصرىّ باستقراره نائب السّلطنة الشّريفة بالدّيار المصرية، وكانت شاغرة سنين

стр. 4239

عديدة، من يوم تركها سودون الفخرىّ الشيخونىّ، فى دولة الملك الظاهر برقوق، وخلع على الأمير آقباى أمير سلاح، واستقر رأس نوبة الأمراء، واستقرّ سودون الطّيّار أمير سلاح عوضا عن آقباى المذكور، واستقرّ يلبغا الناصرىّ أمير مجلس عوضا عن سودون الطّيّار. وأما البلاد الشّاميّة، فإنه لمّا بلغ أعيان الأمراء بها عود الملك الناصر فرج إلى ملكه، وتولية شيخ ثانيا نيابة دمشق عوضا عن نوروز، فرحوا بذلك فرحا عظيما، ودقّت البشار لذلك أياما، وخرج نوروز الحافظىّ، وعلّان جلّق «١» من حماة، وتوجّها إلى حلب بمن معهما، وكان الأمير دمرداش المحمّدىّ قد فرّ منها، وتوجّه إلى بلاد التّركمان، فمضيا إليه، ثم فارقاه وعادا إلى جهة أخرى حسبما يأتى ذكره، وأقام بحلب الأمير دقماق المحمّدىّ، فلما قدم جكم إلى حلب امتنع دقماق بحلب، وقاتله وانكسر، وأخذ دقماق وقتل بين يدى جكم صبرا- على ما يأتى ذكره فى محلّه. وأما السّلطان الملك الناصر فرج، فإنه لمّا كان يوم الخميس رابع شهر رجب، قبض على الأمير أزبك الرّمضانىّ، وقيّده وبعثه إلى الإسكندرية فسجن بها، ثم ورد عليه الخبر بأنّ الأمير جكم سار إلى حلب ومعه الأمير شيخ نائب الشام، ونوروز بحلب، فلمّا وصلا إلى المعرّة كتب إليهما نوروز يعتذر بأنّه لم يعلم بولاية الأمير جكم لحلب، وخرج بمن معه منها إلى البرّيّة، فدخل جكم حلب من غير قتال، وعاد شيخ إلى الشّام، فلما بلغ السلطان ذلك كتب إلى الأمير جكم بنيابة طرابلس مضافا على ما بيده من نيابة حلب بمثال سلطانى من غير تقليد، وتوجّه بالمثال الأمير مغلباى، وكتب إلى نوروز بالحضور إلى القدس- بطّالا- كما كتب له أولا، وكتب إلى الأمير بكتمر جلّق نائب طرابلس بأن يكون أميرا كبيرا بدمشق. وأمّا جكم فإنّه لمّا استقرّ بحلب ما زال يكاتب نوروزا وعلّان [جلّق] «٢»

стр. 4240

حتى قدما عليه، فأكرمهما وصارا من جملة أصحابه، ثمّ وقع له مع شيخ وغيره أمور نذكرها فى محلّها. وفى يوم الاثنين أول شعبان، استدعى السّلطان الملك الناصر أبا الفضل العبّاس ولد الخليفة المتوكل على الله أبى عبد الله محمد، وبايعه بالخلافة بعد موت أبيه المذكور، ولبس التّشريف، ولقّب بالمستعين بالله، ونزل إلى داره. وكانت وفاة المتوكل على الله فى سابع عشرين شهر رجب، ثمّ كتب السّلطان باستقرار الأمير طولو من علىّ باشاه فى نيابة صفد عوضا عن بكتمر الرّكنىّ، المعروف بكتمر باطيا، وجهّز تشريف طولو على يد الأمير آقبردى رأس نوبة، وكتب باستقرار الأمير دمرداش المحمّدىّ فى نيابة حماة، ثم ورد الخبر بوصول الأمير علّان جلّق إلى دمشق مفارقا لجكم نائب حلب. ومات سعد الدين إبراهيم بن غراب فى يوم الخميس تاسع عشر شهر رمضان- كما سيأتى ذكره فى الوفيات- ثم أمسك السلطان الأمير إينال الأشقر وأرسله إلى سجن الإسكندرية لأمر بلغه عنه، ثمّ فى أواخر شهر رمضان قبض على الأمير سودون الماردانىّ من بيت بالقاهرة، فقيّد وحمل إلى سجن الإسكندرية، ثمّ كتب السلطان أمانا لكلّ من جمق، وأسنباى، وأرغز، وسودون اليوسفىّ، وبرسباى الدّقماقىّ، أعنى الملك الأشرف، وجهّزه إليهم بالشام، ثمّ قبض السلطان على الوزير فخر الدين ماجد بن غراب فى سابع ذى القعدة، وسلّمه إلى جمال الدين يوسف البيرىّ الأستادار، ثم كتب السلطان إلى الأمير نوروز لحافظىّ- وهو عند جكم بحلب- أنه قد قدّمت مكاتبة السلطان له أنّه يتوجّه إلى القدس بطّالا، وأنه أيضا ساعة وصول هذا المرسوم إليه يحضر إلى الدّيار المصريّة، فلم يلتفت جكم إلى مرسوم السلطان، ونهر القاصد، وخشّن له فى الكلام. ثمّ فى سابع من ذى الحجّة، خلع السلطان على القاضى فتح الدين فتح الله بإعادته إلى وظيفة كتابة السّر، بعد عزل فخر الدين بن المزوّق عنها، ثم أفرج السّلطان عن فخر الدين بن غراب، وخلع عليه، واستقرّ وزيرا ومشيرا وناظر الخاص- على عادته أوّلا- بعد أن حمل عشرين ألف دينار.
следующие страницы →