Полный текст (6 264 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
ولما بلغ الأمير شيخ ما وقع ليشبك بعث بالأمير ألطنبغا حاجب الحجّاب بدمشق والأمير شهاب الدين أحمد بن اليغمورىّ، وجماعة أخر من الأعيان إلى الأمير يشبك، ومعهم أربعة أحمال قماش ومال، وكتب شيخ على أيديهم مطالعات للأمير يشبك يرغّبه فى القدوم عليه، وأنه يقوم بنصرته ويوافقه على غرضه.
فلمّا بلغ يشبك ذلك رحل من غزّة فى ليلة الاثنين خامس عشرينه، بعد ما أقام بها ثلاثة عشر يوما، وأخذ ما كان بها من حواصل الأمراء وعدّة خيول، وبعث إليه أهل الكرك «١» والشّوبك «٢» بعدّة تقادم، بعد ما كان عرض من معه من المقاتلة فكانوا ألفا وثلاثمائة وخمسة «٣» وعشرين فارسا، وتلقّاه بعد مسيره من غزّة بمشايخ بلاد الساحل «٤» ، وحمل إليه الأمير بكتمر جلق نائب صفد عدّة تقادم- وقدم عليه ابن بشارة فى عدّة من مشايخ العشير.
ثم جهز إليه الأمير شيخ نائب الشام جماعة لملاقاته طائفة بعد أخرى.
ثم خرج إليه شيخ المذكور من دمشق حتى وافاه، فلمّا تقاربا ترجّل الأمير شيخ عن فرسه، فلمّا عاينه يشبك ترجّل هو وأصحابه وسلّم عليه، ثم سلّم على الأمراء وجلسا قليلا.
стр. 4167
ثم ركبا، وسار يشبك المذكور وقد ألبسه شيخ هو وجميع من معه من الأمراء الخلع بالطّرز العريضة، وعدّتهم أحد وثلاثون أميرا من الطبلخانات والعشرات سوى من تقدّم ذكرهم من أمراء الألوف، ودخلوا [دمشق «١» ] يوم الثلاثاء رابع شهر رجب.
ولمّا طال جلوسهم بدمشق سألهم الأمير شيخ عن خبرهم، فأعلموه بما كان وذكروا له أنهم مماليك السلطان وفى طاعته، لا يخرجون عنها أبدا، غير أنّ إينال باى نقل عنهم للسلطان ما لا يقع منهم، فتغيّر خاطر السلطان عليهم حتى وقع ما وقع وأنهم ما لم ينصفوا منه ويعودوا لما كانوا عليه وإلّا فأرض الله واسعة، فوعدهم بخير، وقام لهم بما يليق بهم، حتى قيل إنه بلغت نفقته عليهم نحو مائتى ألف دينار مصريّة. ثم كتب شيخ إلى السلطان يسأله فى أمرهم.
وأمّا أمر السلطان الملك الناصر، فإنّه لما أصبح وقد انهزم يشبك بمن معه إلى جهة الشام، كتب بالإفراج عن الأمير سودون من زاده، وتمربغا المشطوب، وصرق وكتب [إلى الأمير نوروز «٢» بالحضور إلى الديار المصرية ليستقرّ على عادته] وكتب للأمير جكم أمانا توجّه به طغاى تمر مقدّم البريديّة.
ثم فى ثامن عشره خلع على عدّة من الأمراء بعدّة وظائف، فأخلع على سودون الماردانى «٣» أمير مجلس باستقراره دوادارا عوضا عن يشبك الشعبانى المقدّم ذكره، وعلى الأمير سودون الطّيار الأمير آخور الثانى، واستقرّ أمير مجلس عوضا عن سودون الماردانى «٤» ، وعلى آقباى حاجب الحجّاب باستقراره أمير سلاح عوضا
стр. 4168
عن تمراز الناصرى، وخلع على أبى كمّ، واستقرّ فى وظيفة نظر الجيش عوضا عن ابن غراب، وعلى ركن الدين عمر بن قايماز، باستقراره أستادارا عوضا عن ابن غراب أيضا.
ثم فى تاسع عشره، قدم سودون من زاده وتمربغا المشطوب وصرق من سجن الإسكندرية «١» وقبّلوا الأرض بين يدى السلطان ونزلوا إلى دورهم.
وفى حادى عشرينه خلع السلطان على الأمير يشبك بن أزدمر باستقراره رأس نوبة النّوب «٢» عوضا عن سودون الحمزاوى.
ثم ألزم السلطان مباشرى الأمراء المتوجّهين إلى الشام بمال، فقرّر على موجود الأمير يشبك مائة ألف دينار، وعلى موجود تمراز مائة ألف دينار، وعلى موجود سودون الحمزاوى ثلاثين ألف دينار، وعلى موجود قطلوبغا الكركىّ عشرين ألف دينار، ورسم السلطان أن يكون الدينار بمائة درهم، ثم افتقد السلطان المماليك السلطانية ممن توجه مع الأمير يشبك فكانوا مائتى مملوك.
ثم قدم الخبر على السلطان أنّ الأمير نوروز قدم إلى دمشق من قلعة الصّبيبة، فتلقّاه الأمير شيخ وأكرمه، وضربت البشائر لقدومه بدمشق، فعظم ذلك على السلطان.
ثم فى يوم الثلاثاء رابع شهر رجب طلب السلطان جمال الدين يوسف البيرى أستادار بجاس وأخلع عليه باستقراره أستادارا عوضا عن ابن قايماز، بعد ما رسم على جمال الدين المذكور فى بيت شادّ الدواوين محمد بن الطبلاوى يوما وليلة، واستمرّ يتحدّث فى استادارية الأتابك بيبرس فإنه كان خدم عنده ليحميه من الوزر والأستادارية، فلم ينهض بيبرس بذلك.
стр. 4169
ثم قدم الخبر بأن الأمير شيخا أفرج عن قرا يوسف.
وأما خبر جكم مع دمرداش وكيف ملك منه حلب، وقد قدّمنا ذكر ذلك مجملا من غير تفصيل، فإن جكم لما أطلقه دمرداش وأخذه صحبته إلى حلب، وقاتل معه التركمان ووقع لهما أمور حاصلها أن جكم تخوّف من دمرداش وفرّ منه إلى جهة التركمان، وانضم عليه سودون الجلب بعد مجيئه من بلاد الأفرنج، والأمير حمق نائب الكرك كان وغيره من المخامرين.
ثم وافقه ابن صاحب الباز أمير التركمان بتركمانه، فعاد جكم وقاتل دمرداش، ووقع بينهما أمور وحروب إلى أن ملك جكم طرابلس، وأرسل إليه الأمير شيخ نائب الشام، والأمير يشبك ورفقته يستميلونه ليقدم عليهم دمشق ويوافقهم على قتال المصريين، فأجابهم إلى ذلك، وخرج من طرابلس كأنه يريد التوجه إلى دمشق.
فلما وصل حماة أخذ نائبها الأمير علان بمن انضم عليه وتوجه بهم إلى دمرداش وقاتله حتى هزمه وأخذ منه مدينة حلب، وفرّ دمرداش بجماعة من أمراء حلب إلى بلاد التركمان.
ولما ملك جكم حلب أنعم بموجود دمرداش على علّان نائب حماة، وأقرّه على نيابة حماة على عادته، فصار مع جكم حلب وطرابلس وحماة، وأخذ يسير مع الرعية أحسن سيرة، فأحبه الناس وجرى على ألسنتهم «جكم حكم، وما ظلم» واستمرّ جكم بحلب إلى أن أرسل إليه الأمير شيخ نائب الشام الأمير سودون الحمزاوى، والأمير سودون الظريف، فتوجها إلى جكم على أنه بطرابلس.
ثم أرسل الأمير شيخ الأمير شرف الدين موسى الهيدبانى «١» حاجب دمشق إلى حلب رسولا إلى دمرداش يستدعيه إلى موافقته هو ومن عنده من الأمراء.
стр. 4170
وكان قد ورد كتاب دمرداش على شيخ ويشبك أنه معهما «١» ، ومتى دعواه حضر إليهما «٢» ؛ فهذا ما كان من أمر جكم، وبقية خبر قدومه يأتى إن شاء الله تعالى فيما بعد.
ثم إن الأمير شيخا نائب الشام عين جماعة من الأمراء ليتوجهوا لأخذ صفد، فخرج الأمير تمراز الناصرىّ أمير سلاح، والأمير چاركس القاسمى المصارع، والأمير سودون الظريف بعد عوده من طرابلس، وساروا بعسكرهم «٣» لأخذ صفد من بكتمر جلّق، بحيلة أنهم يسيرون إلى جشار «٤» الأمير بكتمر جلق كأنهم يأخذوه فإذا أقبل عليهم «٥» بكتمر ليدفعهم عن جشاره قاطعوا عليه وأخذوا مدينة صفد منه، فتيقظ بكتمر لذلك وترك لهم الجشار، فساقوه من غير أن يتحرك بكتمر من المدينة وعادوا إلى دمشق وأخبروا الأمراء بذلك، فاستعد شيخ لأخذ صفد وعمل ثلاثين «٦» مدفعا وعدّة مكاحل ومنجنيقين، وجمع الحجّارين والنقّابين وآلات الحصار، وخرج من دمشق يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان ومعه جمع كبير من عسكر مصر والشام من جملتهم قرا يوسف بجماعته، وجماعة السلطان أحمد بن أويس [متملك بغداد «٧» ] وجماعة من التركمان الجشارية، وأحمد بن بشارة بعشرانه «٨» وعيسى بن الكابولىّ بعشرانه، ونادى شيخ بدمشق قبل خروجه منها: من أراد النهب والكسب فعليه
стр. 4171
بمصر «١» ، فاجتمع عليه خلائق، وسار معه مائة جمل تحمل مكاحل ومدافع وآلات الحصار، وولى الأمير ألطنبغا العثمانى نيابة صفد كما كان أولا، وسار شيخ بمن معه من العساكر حتى وافى مدينة صفد، فأرسل شيخ بالأمير علّان إلى بكتمر جلّق يكلّمه فى تسليم مدينة صفد، فلم يذعن إليه بكتمر وأبى إلا قتاله، وقال: ماله عندى إلا السيف؛ فحينئذ ركب شيخ ويشبك بمن معهما وأحاطا بقلعة صفد «٢» ، وحصراها من جميع جهاتها، وقد حصنها بكتمر وشحنها بالرجال، وقام يقاتل شيخا أتم «٣» قتال فاستمر الحرب بينهم أياما كثيرة خرح فيها من أصحاب شيخ نحو ثلاثمائة رجل، وقتل أزيد من خمسين نفسا.
وبينما هم فى قتال صفد إذ ورد عليهم الخبر بقدوم جكم إلى دمشق، ففرحوا بذلك، ولم يمكنهم العود إلى دمشق إلا عن فيصل من أمر صفد.
وكان خروج جكم من حلب فى حادى عشر شهر رمضان، وسار حتى قدم دمشق، وقد حضر إليه شاهين دوادار الأمير شيخ يستدعيه، فإن شيخا كان أرسله إليه قبل خروجه إلى صفد بعد عود سودون الحمزاوى وسودون الظريف من طرابلس، وقبل خروج جكم من حلب سلّم قلعتها إلى الأمير شرف الدين موسى ابن يلدق، وعمل حجّابا وأرباب وظائف، وعزم على أنه يتسلطن ويتلقب بالملك العادل.
стр. 4172
ثم بدا له تأخير ذلك، وقدم دمشق لمرافقة شيخ ويشبك ومن معهما، ووصل إلى دمشق ومعه الأمير قانى باى وتغرى بردى القجقارى وجماعة كبيرة، فخرج من بدمشق من أمراء مصر والشام جميعهم إلى لقائه، وأنزل بالميدان، فسلم جكم على الأمراء سلام السلاطين على الأمراء، وأخذ يترفع عليهم ترفعا زائدا أوجب تنكرهم عليه فى الباطن، إلا أن الضرورة قادتهم إلى الانقياد إليه، فأكرموه على رغمهم، وأنزلوه وكلّموه فى القيام معهم، فأجاب، وأمرهم أن يكتبوا ليشبك وشيخ بقدومه إلى دمشق، فكتبوا إلى يشبك وشيخ بذلك، وأخذ جكم فى إظهار شعار السلطنة مع خدمه وأصحابه، فشق على الأمراء ذلك، وما زالوا به بالملاطفة حتى ترك ذلك إلى وقته، وأقام معهم بدمشق إلى ليلة الأحد سابع عشرين شهر رمضان من سنة سبع وثمانمائة المذكورة، فخرج من دمشق وتوجه مخفّا إلى طرابلس ليجمع عساكر طرابلس، وترك ثقله «١» بدمشق، وورد عليه الخبر أن دمرداش لما فر منه ركب البحر وتوجه إلى دمياط.
ثم قدم إلى مصر فى رابع عشرين شهر رمضان المذكور فهدأ سرّجكم بذلك عن أمر حلب.
وأما يشبك وشيخ بمن معهما من الأمراء والعساكر لما طال عليهم القتال على مدينة صفد، وعجزوا عن أخذها، تكلموا فى الصلح مع بكتمر حتى تم لهم ذلك، واصطلحوا وتحالفوا، ونزل إليهم بكتمر جلّق فى يوم الاثنين حادى عشرين شهر رمضان بعد أن كانت مدة القتال بينهم [على صفد «٢» ] اثنين وعشرين يوما، وعاد شيخ إلى دمشق وهو مجروح، ويشبك الشعبانى وهو مجروح أيضا، و چاركس المصارع وهو مجروح.
стр. 4173
وأما عساكرهم فغالبهم أثخنته الجراح، فعندما أقاموا بدمشق قدم عليهم الأمير جكم من طرابلس بعد أن أرسلوا يستحثونه على سرعة المجىء إليهم غير مرة فخرجوا لتلقّيه وسلّموا عليه، وعادوا به إلى دمشق وهما فى غاية الحنق من جكم، وهو أنه لما وافاهما جكم ترجّل إليه الأمير يشبك عن فرسه إلى الأرض، وسلّم عليه فلم يعبأ به جكم، ولا التفت إليه، لأنه كان غريمه فيما تقدّم ذكره، فشق ذلك على الأمير شيخ، ولام يشبك على ترجّله.
ثم عتب شيخ جكم على ما وقع منه فى عدم إنصاف يشبك، ونزل «١» جكم بالميدان وجلس فى صدر المجلس، وجلس يشبك عن يمينه، وشيخ عن يساره، فكاد شيخ ويشبك أن يهلكا فى الباطن، ولم يسعهما إلا الإذعان لتمام أمرهما.
ثم أمرهم جكم ألّا يفعلوا شيئا إلا بمشاورته، فاتفقوا على منع الدعاء للسطان الملك الناصر فرج بمنابر دمشق، فوقع ذلك للخطباء، وذكروا «٢» اسم الخليفة فى الخطبة فقط.
وكان الأمير شيخ قبل قدوم جكم إلى دمشق أفرج عن السلطان أحمد بن أويس صاحب بغداد من سجن دمشق، وأنعم عليه بمائة ألف درهم فضة وثلاثمائة فرس.
وأنعم أيضا على قرا يوسف بمائة ألف وثلاثمائة «٣» فرس، وأخرج عدة كبيرة من أمراء مصر إلى جهة غزة [بعد أن حمل إلى كل منهم مائة ألف درهم فضة «٤» ] وهم: الأمير تمراز الناصرىّ، وابنه الأمير سودون بقجة «٥» ، وسودون الحمزاوى،
стр. 4174
ويلبغا الناصرى، وإينال حطب، و چاركس المصارع بعد أن حمل شيخ أيضا إلى كل منهم مائة ألف درهم فضة، ولم يتأخر بدمشق من أعيان الأمراء إلّا الأمير يشبك الدوادار والأمير شيخ نائب الشام، وأقاما فى انتظار الأمير جكم [حتى قدم عليهما جكم «١» ] حسبما تقدّم ذكره، وبعد قدوم جكم أجمعوا على المسير إلى جهة مصر، وبرزوا بالخيام إلى قبة يلبغا فى يوم رابع عشر ذى القعدة.
ثم خرج الأمير شيخ والأمير يشبك وقرا يوسف من دمشق فى يوم عشرينه «٢» وساروا إلى الخربة «٣» فافترقوا منها. فتوجه يشبك وقرا يوسف إلى صفد لقتال نائبها بكتمر جلق ثانيا، فإنه بلغهم أنه مستمر على طاعة السلطان. وتوجه شيخ إلى قلعة الصّبيبة وبها ذخائره وحريمه.
فلما بلغ بكتمر جلق مجىء العسكر لقتاله استعد هو أيضا لقتالهم، وقد قوى قلبه، فإنه بلغه أن علّان نائب حماة دخل فى طاعة السلطان وخالف الأمراء، وكذلك شيخ السليمانى المسرطن نائب طرابلس، فإنه دخل فى طاعة السلطان، واستولى على طرابلس واستفحل أمره، وأن الأمير شيخا السليمانى نائب طرابلس بعد أخذ طرابلس قدم عليه البريد بولاية «٤» قانى باى على طرابلس، فخرج منها شيخ السليمانى إلى حماة، فأشار عليه علّان نائب حماة أنه لا يسلّم طرابلس لقانى باى حتى يراجع السلطان ويعلمه بما يترتب على عزله من الفساد، فعاد شيخ إلى طرابلس، فبهذه الأخبار ثبت بكتمر جلق على طاعة السلطان وقتال الأمراء.
стр. 4175
ولما قارب يشبك، وقرا يوسف صفد أخرج بكتمر كشّافته «١» بين يديه، ونزل جسر يعقوب «٢» ، فالتقى كشافته بأصحاب يشبك وقرا يوسف، فاقتتلوا قتالا شديدا ظهر فيه الصفديون «٣» ، وأخذوا من الشاميين عشرة أفراس، فعاد يشبك وقرا يوسف إلى طبرية «٤» ، ونزلوا بها حتى قدم عليهم الأمير شيخ نائب الشام.
ثم ساروا جميعا إلى غزة، وقد تقدّمهم الأمير جكم ونزل على الرملة «٥» .
وأما أمراء الديار المصرية فإن السلطان الملك الناصر لما تحقق اتفاق الأمير شيخ المحمودى نائب الشام مع يشبك ورفقته، وبلغه أخبارهم مفصّلا، استشار الأمراء فى أمرهم فأجمعوا على خروج السلطان لقتالهم، فتجهّز السلطان، وعلّق جاليش السفر فى ثانى ذى القعدة «٦» بالطبلخاناة السلطانية على العادة.
ثم أنفق فى رابعه على المماليك السلطانية على كل مملوك خمسة آلاف درهم.
وكان صرف الذهب يوم ذاك مائة درهم المثقال، فصرف لكل واحد منهم تسعة «٧» وأربعين مثقالا، واحتاج السلطان فى النفقة المذكورة حتى اقترض من مال أيتام الأمير قلمطاى الدوادار عشرة آلاف مثقال، ورهن عندهم جوهرا، وجعل كسب ذلك ألف دينار ومائتى دينار، وأخذ منهم أيضا نحو ستة عشر ألف مثقال وباعهم بها بلدة من أعمال الجيزة تسمى البراجيل «٨» ، وأخذ من [تركة «٩» ] التاجر برهان
стр. 4176
الدين المحلّى وغيره مالا كثيرا، ووزّع له قاضى القضاة شمس الدين الأخنائى الشافعى خمسمائة ألف درهم على تركات خارجة عن المودع، وكانت نفقة السلطان على خمسة آلاف مملوك.
ثم عزل السلطان الأخنائى عن قضاء «١» الشافعية بقاضى القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقينى، وعزل ابن خلدون بقاضى القضاة جمال الدين يوسف البساطىّ المالكى.
ثم قدم الخبر على السلطان بنزول الأمراء على مدينة غزة، وأخذهم الإقامات «٢» المجهّزة للعساكر السلطانية.
وكانت غزة قد غلابها الأسعار لقلّة الأمطار، وبلغت الويبة القمح مائة وعشرين درهما، فعند ذلك جد السلطان الملك الناصر فى حركة السفر، والاستعداد للحرب.
وأما أمر الأمراء فإنه خرج جاليشهم من مدينة غزة إلى جهة الديار المصرية فى يوم الأحد ثانى ذى الحجة.
ثم سار من الغد الأمير شيخ ويشبك وجكم ببقية عساكرهم، واستنابوا بغزة الأمير ألطنبغا العثمانى.
ثم قدم الخبر على جناح الطير من بلبيس بنزول الأمراء على قطيا، فكثرت حركات العسكر بالقاهرة، وخرجت مدوّرة «٣» السلطان إلى الرّيدانيّة خارج القاهرة، واختبط العسكر واضطرب لسرعة السفر.
стр. 4177
ثم ركب السلطان من قلعة الجبل بأمرائه وعساكره فى يوم السبت ثامن ذى الحجة من سنة سبع وثمانمائة، وسار حتى نزل بالريدانية خارج القاهرة، وبات بها، وقد أقام من الأمراء بباب السلسلة بكتمر الركنى رأس نوبة الأمراء وجماعة أخر بالقاهرة.
وبينما السلطان بالريدانية ورد عليه الخبر بنزول الأمراء بالصالحية فى يوم التّروية وأخذوا ما كان بها من الإقامات السلطانية، فرحل السلطان من الريدانية فى يوم الأحد تاسعه، ونزل العكرشة «١» ، ثم سار منها ليلا، وأصبح ببلبيس وضحّى بها، وأقام عليها يومى الاثنين والثلاثاء، ورحل من مدينة بلبيس بكرة نهار الأربعاء، ونزل على منزلة السعيدية «٢» ، فأتاه كتب الأمراء الثلاثة، وهم: جكم، وشيخ، ويشبك بأن سبب حركتهم ما جرى بين الأمير يشبك وبين إينال باى بن قجماس، وطلبوا منه أن يخرج إينال باى المذكور ودمرداش المحمدى نائب حلب من مصر، وأن يعطى لكلّ من يشبك وجكم وشيخ ومن معهم بمصر والشام ما يليق بهم من النيابات والإقطاعات لتخمد هذه الفتنة باستمرارهم على الطاعة، ولحقن «٣» الدماء ويعمر بذلك ملك السلطان، وإن لم يكن ذلك تلفت أرواح كثيرة، وخرّبت بيوت عديدة.
وكانوا أرادوا هذه المكاتبة من الشام، ولكن خشوا أن يظنّ بهم العجز، فإنه ما منهم إلا من جعل الموت نصب عينيه، فلم يلتفت السلطان إلى ذلك، ولم يأمر
стр. 4178
بكتابة جواب لهم، وكان ذلك مكيدة من الأمراء حتى كبسوا على السلطان فى ليلة الخميس وهم فى نحو ثلاثة آلاف فارس وأربعمائة تركمانى من أصحاب قرا يوسف.
وبينما السلطان على منزلة السعيدية ورد الخبر على الوالد من بعض أصحابه ممن هو صحبة الأمراء، أن الأمراء اتفقوا على تبييت السلطان والكبس عليه فى هذه الليلة، فأعلم الوالد السلطان وحرّضه على الركوب بعساكره من وقته، فمال إليه السلطان، فأخذ الأمير بيغوت وغيره يستبعد ذلك، ولا زالوا بالسلطان حتى فتر عزمه عن الركوب، فعاد الوالد إلى وطاقه «١» ، وأمر جميع مماليكه بالركوب بآلة الحرب.
وبينما هو فى ذلك إذ ثارث غبرة عظيمة وهجّة فى الناس، وقبل أن يسأل السلطان عن الخبر طرقه الأمراء على حين غفلة، فركب السلطان فى الليل بمن معه واقتتل الفريقان قتالا شديدا من بعد عشاء الآخرة إلى بعد نصف الليل، جرح فيه جماعة كثيرة من الطائفتين، وقتل الأمير صرق الظاهرى صبرا بين يدى الأمير شيخ المحمودى نائب الشام، لأن السلطان كان ولاه عوضه نائب الشام، وانهزم السلطان وركب وسار «٢» عائدا على الهجن إلى جهة الديار المصرية، ومعه سودون الطيار وسودون الأشقر، وساقوا إلى أن وصلوا إلى القلعة، وتفرقت العساكر السلطانية وانهزموا وتركوا أثقالهم وخيامهم، وسائر أموالهم غنمها الشاميون، ووقع فى قبضة الأمراء من المصريين الخليفة والقضاة، والأمير شاهين الأفرم، والأمير خير بك نائب غزة، ونحو ثلاثمائة مملوك من المماليك السلطانية وغيرهم، وقدم المنهزمون من السلطانية إلى القاهرة فى يوم الخميس ثالث عشر ذى الحجة، ولم يحضر السلطان
стр. 4179
ولا الأمراء الكبار، فكثر الإرجاف وماج الناس، وانتهبت عدة حوانيت حتى قدم السلطان قريب العصر ومعه الأمراء، وقد قاسى من [مرّ «١» ] العطش والتعب مالا يوصف، فسر الناس بقدومه، وطلع إليه الأمراء والعساكر وباتوا تلك الليلة، وأصبح السلطان يتهيأ للقاء الأمراء، وقبض على يلبغا السالمىّ وسلّمه لجمال الدين البيرىّ الأستادار، فعاقبه وصادره، وشرع أمر السلطان كل يوم فى زيادة لعدم قدوم العسكر الشامى إلى القاهرة.
فلما كان آخر نهار الأحد نزلت الأمراء بالريدانية خارج القاهرة.
ثم أصبحوا فى بكرة نهار الاثنين ركبوا وزحفوا على القاهرة، فأغلقت أبواب المدينة وتعطلت الأسواق عن المعايش، ومشوا حتى وصلوا قريبا من دار الضيافة «٢» بالقرب من قلعة الجبل، فقاتلهم السلطانية من بكرة نهار الاثنين المذكور إلى بعد الظهر، فلما أذّن الظهر أقبل جماعة كثيرة من الأمراء إلى جهة السلطان طائعين: منهم الأمير يلبغا الناصرى، وآسنباى أمير ميسرة الشام المعروف بالتركمانى، وسودون اليوسفى، وإينال حطب، وجمق، فلما وقع ذلك اختل أمر الأمراء، وعزم جماعة منهم على العود إلى البلاد الشامية فحمل ما خف من أثقاله وعاد، وفعل ذلك جماعة كبيرة بعد أن أفرج شيخ عن الخليفة والقضاة وغيرهم، فتسلّل عند ذلك الأمير يشبك الشعبانى الدوادار، والأمير تمراز الناصرى أمير سلاح، والأمير جاركس القاسمى المصارع، والأمير قطلوبغا الكركى فى جماعة أخر، واختفوا بالقاهرة وظواهرها.
فلما وقع ذلك ولى الأمير جكم والأمير شيخ والأمير طولو وقرا يوسف فى طائفة يسيرة، وقصدوا البلاد الشأمية، فلم يتبعهم أحد من عسكر السلطان.
стр. 4180
ثم نادى السلطان بالأمان لكل أحد، فطلع إليه جماعة، فقبض عليهم وقيّدهم وبعث بهم إلى سجن الإسكندرية، وخمدت الفتنة، وانجلت «١» هذه الواقعة عن إتلاف مال كثير من العسكرين، ذهب فيها من الخيل والبغال والجمال والسلاح والثياب ما لا يدخل تحت حصر من غير فائدة.
ثم أخذ الملك الناصر فى تمهيد أمور دولته وإصلاح الدولة والمفرد، فقبض على الصاحب تاج الدين بن البقرى، وسلّمه لجمال الدين الأستادار، واستقرّ عوضه فى الوزارة فخر الدين ماجد بن غراب.
وكان أخوه سعد الدين إبراهيم بن غراب مع العسكر الشامى، فلما قدم معهم اختفى بالقاهرة، ثم ترامى على الأمير إينال باى بن قجماس، فجمع بينه وبين السلطان ليلا، ووعده بستين ألف دينار.
وأصبح يوم الأربعاء تاسع عشر ذى الحجة طلع سعد الدين بن غراب إلى القلعة فخلع عليه السلطان وجعله مشيرا.
ثم فى ثالث عشرينه خلع السلطان على الأمير نوروز الحافظى، وكان ممن قدم مع العسكر، باستقراره فى نيابة دمشق عوضا عن الأمير شيخ المحمودى، وعلى بكتمر جلّق باستقراره على نيابة صفد، وعلى سلامش حاجب غزّة بنيابة غزّة.
وأما جكم وشيخ فإنهما قدما غزّة فى نحو خمسمائة فارس أكثرهم من التركمان أصحاب قرا يوسف، وقد غنموا شيئا كثيرا، وتفرّقت عساكر شيخ، وتلفت أمواله وخيوله، ومضى إلى دمشق، فخرج إليه الأمير بكتمر جلق والأمير شيخ السليمانى المسرطن نائب طرابلس، فهرب منهما، فتتبّعاه إلى عقبة «٢» فيق، فنجا بنفسه
стр. 4181
فلم يدركاه، ودخل دمشق وهو فى أسوأ حال، فوجد السلطان أحمد بن أويس صاحب بغداد قد فرّ من دمشق إلى جهة بلاده فى ليلة الأحد سادس عشر ذى الحجة، وكان قد تأخر بدمشق ولم يتوجه إلى نحو الديار المصرية صحبة الأمراء.
ثم إن شيخا أوقع الحوطة على بيوت الأمراء الذين خامروا عليه وتوجهوا إلى مصر، وأخذ فى إصلاح أمره ولمّ شعثه.
وأما جكم فإنه لما فارق حلب كان «١» بها عدّة من أمرائها، ورفعوا سنجق «٢» السلطان بقلعة حلب، فاجتمع إليهم العسكر، فحلف بعضهم لبعض على طاعة السلطان وقدم ابنا شهدى الحاجب ونائب القلعة من عند التركمان البياضية إلى حلب، وقام بتدبير أمور حلب الأمير يونس الحافظى، وامتدت أيدى عرب العجل ابن نعير وتراكمين ابن صاحب الباز إلى معاملة حلب، فقسموها، ولم يدعوا لأحد من الأمراء والأجناد شيئا، كل ذلك قبل قدوم جكم إليها من مصر.
وأما السلطان فإنه رسم فى أواخر ذى الحجة بانتقال الأمير علّان اليحياوى نائب حماة إلى نيابة حلب عوضا عن جكم، وحمل إليه التقليد والتشريف الأمير إينال الخازندار، واستقرّ الأمير دقماق المحمدى فى نيابة حماة عوضا عن علّان المذكور، واستقرّ الأمير بكتمرجلق نائب صفد فى نيابة طرابلس عوضا عن شيخ السليمانى المسرطن، وتوجه بتقليده الأمير جرباش العمرى، واستقر عوضه فى نيابة صفد الأمير بكتمر الركنى رأس نوبة الأمراء درجة إلى أسفل.
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٨]
ثم فى ثالث المحرم سنة ثمان وثمانمائة قدم مبشر الحاج وأخبر بأنه كان أشيع بمكة المشرفة قدوم تيمور لنك إليها، فاستعد صاحب مكة لذلك، فلم يصحّ ما أشيع.
стр. 4182
ثم قدم رسل الأمير شيخ نائب الشام إلى السلطان بديار مصر، وهم شهاب الدين أحمد بن حجّى أحد خلفاء الحكم بدمشق، والشريف ناصر الدين محمد بن على نقيب الأشراف، والشيخ المعتقد محمد بن قويدار، والأمير يلبغا المنجكى، ومعهم كتبه تتضمن الترقق والاعتذار عما وقع منه، وتسأل استقراره على عادته فى نيابة دمشق، فلم يلتفت السلطان إلى قوله، ومنع رسله من الاجتماع بأحد.
ثم فى رابع عشرين المحرم سار الأمير نوروز الحافظى إلى نيابة دمشق وخرج الأمراء لوداعه، ونزل بالريدانية ومعه متسفرّه «١» الأمير برد بك الخازندار.
ثم وقعت الوحشة بين السلطان وبين الأمير إينال باى بن قجماس الأمير آخور، فقبض السلطان فى يوم الاثنين سادس صفر على الأمير يشبك بن أزدمر رأس نوبة النوب، وعلى الأمير تمر، وعلى الأمير سودون، وهما من إخوة سودون طاز، فاختفى الأمير إينال باى أمير آخور ومعه الأمير سودون الجلب، وأحاط السلطان بدورهم، ثم قيّد الأمراء وأرسلهم إلى سجن الإسكندرية.
وأما إينال باى فإنه دار على جماعة من الأمراء ليركبوا معه، فلم يؤهّله أحد لذلك، فاختفى إلى يوم الجمعة عاشره، فظهر، وطلع به الأتابك بيبرس إلى القلعة، فكثر الكلام بين الأمراء حتى آل الأمر إلى مسك إينال باى وإرساله إلى ثغر دمياط بطّالا.
ثم فى خامس عشرين صفر فرّق السلطان إقطاعات الأمراء الممسوكين، فأنعم بإقطاع إينال باى على الوالد، وزاده إمرة طلبخاناه، وأنعم بإقطاع الوالد على الأمير دمرداش المحمدى نائب حلب كان، وبإقطاع دمرداش على الأمير أزبك الإبراهيمى.
стр. 4183
وجميع هذه الإقطاعات تقادم ألوف، لكن شيئا أحسن من شىء فى كثرة المغلّ.
وأنعم على الأمير بيبرس الصغير الدوادار بتقدمة ألف قبل أن تكمل لحيته، وعلى الأمير بشباى الحاجب بتقدمة ألف، وعلى الأمير علّان بتقدمة ألف، وعلى الأمير قراجا بإمرة عشرين، وأنعم بطبلخانات سودون الجلب على الأمير أيتمش الشعبانى.
ثم أخلع على الأمير جرباش الشيخى رأس نوبة ثانى باستقراره أمير آخورا كبيرا عوضا عن إينال باى.
وأما الأمير شيخ فإنه توجه صحبة الأمير جكم وقرا يوسف لحرب نعير.
ثم اختلفوا، فمضى جكم إلى طرابلس، وتوجه قرا يوسف إلى جهة الشرق عائدا إلى بلاده، وعاد الأمير شيخ من البقاع ونزل سطح المزّة «١» ومعه خواصّه فقط.
ثم توجه إلى الصّبيبة «٢» هاربا من نوروز الحافظى، فدخل نوروز إلى دمشق فى يوم الثلاثاء ثانى عشرين صفر من غير مدافع لضعف الأمير شيخ عن مقاومته وقتاله.
وأما السلطان، فإنه أخلع على الأمير بشباى الحاجب باستقراره رأس نوبة النوب عوضا عن يشبك بن أزدمر، وأخلع على الأمير أرسطاى باستقراره حاجب الحجّاب بعد بشباى.
стр. 4184
ثم فى يوم الثلاثاء وقع بالديار المصرية فتنة، وكثر الكلام بين الأمراء إلى أن اتفق جماعة من المماليك الچركسية وسألوا السلطان القبض على الوالد وعلى الأمير دمرداش المحمدى، وعلى الأمير أرغون من بشبغا وجماعة أخر من كون السلطان اختص بهم، وتزوّج بكريمتى على كره من الوالد، وكونه أيضا أعرض عن الچراكسة وأمسك إينال باى، فخافوا أن تقوى شوكة هؤلاء عليهم، واتفقوا واجتمعوا على الأتابك بيبرس، وتأخروا عن الخدمة السلطانية، وكثر كلام القوم فى ذلك إلى أن طلب السلطان الأمراء واستشارهم فيما يفعل، فقال له دمرداش:
المصلحة [تقتضى] قتالهم «١» ، وأنا كفء هؤلاء الچراكسة، والسلطان لا يتحرك من مجلسه فنهره الوالد وقال له ما معناه: نقاتل من؟ نقاتل خشداشيّتك «٢» ، كلّنا مماليك السلطان ومماليك أبيه مهما شاء السلطان فعل «٣» فينا وفيهم.
هذا وقد ظهر الملل على السلطان من كثرة الفتن، ولحظ الوالد منه ذلك، فإنه قال فيما بعد: سمعته يقول فى ذلك اليوم: وددت لو كنت كما كنت ولا أكون سلطانا.
ثم أمر السلطان الوالد أن يختفى حتى ينظر السلطان فى مصلحته، وأمر دمرداش أيضا بذلك، وانفض المجلس من غير إبرام أمر.
ثم أصبح الناس يوم الأربعاء سابع شهر ربيع الأول من سنة ثمان المذكورة، وقد ظهر الأمير يشبك الشعبانى الدوادار، والأمير تمراز الناصرى أمير سلاح، والأمير جاركس القاسمى المصارع، والأمير قانى باى العلائى، وكانوا مختفين بالقاهرة من يوم واقعة السعيدية.
стр. 4185
وخبر ظهورهم أن الأتابك بيبرس ركب إلى السلطان، وأخبره بمواضع الأمراء المذكورين، ووافقه على مصالحة الچراكسة وإحضار الأمراء من اختفائهم، والإفراج عن إينال باى وغيره، فرضى السلطان بذلك، وتقرر الحال على ذلك، وطلع الأمراء المذكورون من الغد فى يوم الخميس ثامن شهر ربيع الأوّل المذكور، فأخلع «١» السلطان على الأمير سودون المحمّدى باستقراره أمير آخورا كبيرا عوضا «٢» عن جرباش الشيخى، وعوده إلى إقطاعه إمرة طبلخاناة ووظيفنه رأس نوبة.
ثم فى عاشره طلع الأمير يشبك الدوادار والأمير تمراز الناصرى أمير سلاح والأمير جاركس القاسمى المصارع وجماعة أخر إلى القلعة، وقبّلوا الأرض بين يدى السلطان، فأخلع عليهم خلع الرضا، ونزل كل واحد إلى داره.
ثم فى خامس عشرة قدم الأمير قطلوبغا الكركى، وإينال حطب، وسودون الحمزاوى، ويلبغا الناصرى، وأسندمر الناصرى، وتمر من سجن الإسكندرية، وهؤلاء الذين كان السلطان نادى لهم بالأمان بعد وقعة السعيدية، فلما طلعوا له قبض عليهم وسجنهم بالإسكندرية وهم رفقة يشبك وشيخ و چكم.
ثم قدم الأمير إينال باى بن قجماس من ثغر دمياط ومعه تمان تمر الناصرى.
ثم قدم الأمير يشبك بن أزدمر أيضا من سجن الإسكندرية.
ثم أمسك السلطان القاضى فتح الدين فتح الله كاتب «٣» السرّ، وولّى عوضه سعد الدين إبراهيم بن غراب، وألزم فتح الدين بحمل ألف ألف درهم.
ثم ظهر الأمير دمرداش [نائب حلب «٤» ] من اختفائه، فأخلع السلطان عليه نيابة غزّة، فسار فى يوم السبت رابع عشرينه، وخلع السلطان أيضا على يشبك بن
стр. 4186
أزدمر بنيابة ملطيّة، فامتنع من ذلك، فأكره حتى لبس الخلعة «١» ، ووكّل به الأمير أرسطاى الحاجب والأمير محمد بن جلبان الحاجب حتى أخرجاه من فوره إلى ظاهر القاهرة.
ثم بعث السلطان إلى الأمير أزبك الإبراهيمى الظاهرى المعروف بخاص خرجى «٢» ،- وكان تأخّر عن طلوع الخدمة- بأن يستقرّ فى نيابة طرسوس «٣» ، فأبى أن يقبل والتجأ إلى بيت الأمير إينال باى، فاجتمع طائفة من المماليك ومضوا إلى يشبك بن أزدمر، وردّوه فى ليلة الجمعة ثالث عشرين شهر ربيع الأوّل وقد وصل قريبا من سرياقوس، وضربوا الحاجب المرسّم عليه، وصار العسكر فرقتين، وأظهر المماليك الجراكسة الخلاف، ووقفوا تحت القلعة يمنعون من يقصد الطلوع إلى السلطان، وجلس الأتابك بيبرس بجماعة من الأمراء فى بيته، وصار السلطان بالقلعة وعنده عدّة أمراء، وتمادى الحال على ذلك يوم الخميس والجمعة والسبت والسقالة بينهم.
فلما كان يوم السبت نزل السلطان من القلعة إلى باب السلسلة، واجتمع عنده بعض الأمراء لإصلاح الأمر، فلم يفد ذلك، وباتوا على ما هم عليه، وأصبحوا يوم الأحد خامس عشرينه وقد كثروا وطلبوا من السلطان الوالد أرغون من بشبغا.
وكان الوالد قد ظهر من يوم أخرج دمرداش إلى نيابة غزة، فلم يستجر أحد يتكلم فى خروجه من القاهرة، واستمر على إمرته، فأبى الملك الناصر أن يرسله إليهم،
стр. 4187
فقال الوالد: هذا أمر يطول، ولا بدّ من النزول، فنزل إليهم ومعه أرغون، وكلّم الأمراء فى سبب طلبهم إياه، وخشّن للأتابك بيبرس فى القول، فإنه كان مسفّر الوالد لما ولى نيابة حلب فى أيام الملك الظاهر برقوق، فلم يتكلّم بيبرس ولا غيره بكلمة واحدة، وسكت الجميع.
فلما طال المجلس قال الوالد: ما تتكلموا، فعندها «١» تكلّم شخص من الخاصكية الظاهرية يقال له: قرمش الأعور، وهو الذي قطع رأسه فى دولة الملك الأشرف برسباى من أجل جانى بك الصوفى حسبما يأتى ذكره، وقال قرمش: ياخوند، المقصود أنك تخرج من الديار المصرية حتى تسكن هذه الفتنة، ثم تعود بعد أيام أو يعطيك السلطان ما تختار من البلاد. فقال الوالد: بسم الله حتى أشاور السلطان ثم أسافر، وخرج فلم يجرؤ أحد أن يقبضه ولا يرسّم عليه، وعاد إلى بيته ولم يطلع إلى السلطان.
وكان سكنه بالبيت الذي بباب الرّميلة تجاه مصلّاة المؤمنىّ «٢» ، وأقام به يومه وتجهّز وخرج فى الليل فى نحو مائة مملوك من خواصّه، فلم يقف له أحد على خبر، وسار من البرّية إلى القدس الشريف فى دون الخمسة أيام، ولم يجتز بقطيا خوفا من تسليط العربان عليه.
وكان لما خرج من بيت بيبرس أرسل إليه السلطان يعلمه أنه أيضا يريد يختفى ويترك السلطنة، فلهذا جدّ الوالد فى السير لئلا يخرج القوم فى أثره ويقبضون عليه.
стр. 4188
فلما كان وقت الظهر من يوم خروج الوالد من مصر وهو يوم الأحد خامس عشرين شهر ربيع الأوّل فقد السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق من قلعة الجبل ولم يعرف له خبر.
وسبب تركه السلطنة أنه كان فى يوم النوروز جلس السلطان مع جماعة من الأمراء والخاصكية من مماليك أبيه، وشرب معهم حتى سكر، ثم ألقى بنفسه إلى فسقيّة هناك، فألقى الجماعة أنفسهم معه، وقد غلب على السلطان السكر، وصار يسبح معهم فى الماء ويمازحهم، وترك الوقار، فجاء من خلفه الأمير أزبك الإبراهيمى المعروف بخاصّ خرجى، وقيل غيره، وأزبك الأشقر «١» ، وأغمّه فى الماء مرارا وهو يمرق من تحته كأنه يمازحه حتى قبض عليه وغرّقه فى الماء حتى كادت نفسه تزهق، ففطن به بعض مماليك أبيه من الأروام ممن كان معهم أيضا فى الفسقية، وخلّصه منه، وأفحش فى سبّ أزبك المذكور، وأراد قتله، فمنعه السلطان من ذلك، وقال: كان يلعب معى، وأسرّها فى نفسه.
ثم طلع السلطان من الفسقيّة، وذهب كل واحد إلى حال سبيله، فذكر السلطان بعد ذلك للوالد ما وقع له مع أزبك المذكور، وأمره أن يكتم ذلك لوقته، فأخذ الوالد يزوّل عنه ذلك ويهوّنه عليه.
ثم عرّف السلطان جماعة من أكابر أمراء الجراكسة بذلك، فلم يلتفتوا لقوله وقالوا: لم يرد بذلك إلّا مباسطة السلطان، فعند ذلك تحقّق السلطان أنهم يريدون قتله، وكان ذلك بعد خروج الأمراء من السجن وظهور يشبك ورفقته، وقد كثروا وعظم جمعهم، فلم يجد الملك الناصر بدّا من أن يفوز بنفسه ويترك لهم ملك مصر.
стр. 4189
ولما أراد النزول من القلعة ليختفى بالقاهرة قام ومعه بكتمر مملوك القاضى سعد الدين بن غراب، ويوسف بن قطلوبك صهر ابن غراب، ونزلوا من باب السرّ الذي يلى القرافة، وساروا على بركة الحبش «١» ، ونزلوا منها فى مركب، وتركوا الخيل وتغيّبوا نهارهم كلّه فى البحر حتى دخل الليل، فساروا بالمركب إلى بيت سعد الدين ابن غراب وهو فيما بين الخليج «٢» وبركة الفيل «٣» بالقرب من قنطرة طقزدمر «٤» ، فلم يجدوه فى داره، فمروا على أقدامهم حتى باتوا فى بيت بالقاهرة لبعض معارف بكتمر.
ثم بعثوا لابن غراب بمجيء السلطان إلى عنده، فهيأ له سعد الدين مكانا من داره، وأنزله فيه من غير أن يعلم أحد به.
وأما الأمراء، فإنه لمّا بلغهم ذهاب السلطان الملك الناصر [خرج المذكور «٥» ] فى يوم الأحد خامس عشرين شهر ربيع الأوّل من سنة ثمان وثمانمائة، بادروا بالطلوع إلى القلعة، وهم طائفتان: الطائفة التى كانت خالفت السلطان الملك الناصر، وركبوا عليه وقاتلوه أياما، ثم توجهوا إلى الشام وعادوا إلى الديار المصرية وصحبتهم جكم وشيخ وقرا يوسف وواقعوه بالسعيدية «٦» ، وكسروه. ثم اختفوا؛ ورأسهم يشبك الشعبانى الدوادار بمن كان معه من الأمراء وقد مر ذكرهم فى عدّة مواضع، والطائفة الأخرى كبيرهم بيبرس الأتابك، وسودون الماردانى الدوادار الكبير، وإينال باى وغيرهم.
فلما طلعوا الجميع إلى القلعة، منعهم الأمير سودون تلى المحمدى الأمير آخور الكبير من الطلوع إلى القلعة، فصاروا يتضرّعون إليه من نصف النهار إلى بعد
стр. 4190
غروب الشمس، حتى مكّنهم من العبور من باب السلسلة، فطلعوا ومعهم الخليفة المتوكل على الله والقضاة الأربعة، وتكلموا فيمن ينصّبوه سلطانا، حتى اتّفقوا على سلطنة الأمير عبد العزيز بن الملك الظاهر برقوق، فإنه ولى عهد أخيه فى السلطنة حسبما قرّره والده الملك الظاهر برقوق قبل وفاته، فطلبوه من الدّور السلطانية، فمنعته أمه خوند قنّق باى أوّلا، ثم دفعته لهم فأحضروه، وتم أمره، وتسلطن حسبما نذكره فى محلّه من ترجمته، وخلع الملك الناصر فرج من السلطنة وسنّه نحو سبع عشرة سنة تخمينا، فكانت مدّة تحكم الملك الناصر على مصر من يوم مات أبوه الملك الظاهر برقوق إلى يوم خلع ست سنين وخمسة أشهر وأحد عشر يوما [والله أعلم «١» ] .
«انتهى الجزء الثانى عشر من النجوم الزاهرة، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث عشر، وأوّله: السنة الأولى من سلطنة الملك الناصر فرج بن الظاهر برقوق الأولى على مصر» .
النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، المقدمةج ١٣، ص: ١
[الجزء الثالث عشر]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
كتاب النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة لأبى المحاسن يوسف بن تغرى بردى المتوفى فى أخريات سنة أربع وسبعين وثمانمائة هجرية من الكتب القلائل التى جعلت الأحداث فى مصر وما يدور فى فلكها من الأقاليم والأطراف مدار بحثها، إلا أنه ينفرد من بينها بأنه أجمعها وأسلسها لغة، وأبعدها عن الحشو، وأكثرها تنظيما، وأشدها اهتماما بألوان الحضارة المختلفة وتطورها على مدارج التاريخ فى الدولة العربية.
ثم هو يعدّ فى أجزائه من الأوّل إلى الثانى عشر- وهى التى تعالج الحقبة التاريخية من سنة عشرين من الهجرة إلى سنة إحدى وثمانمائة- واسطة بين الكتب والموسوعات التاريخية التى اهتمت بمعالجة الأحداث فى تلك الحقبة، فهو وإن اعتمد عليها فى تأليف مادته فإنه تميز عليها فى كثير من المواطن بأحكامه الصادقة واستنباطاته السليمة. ثم هو فيما بعد ذلك إلى سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة من الهجرة يعتبر عمدة فى تاريخ مصر والأطراف إذا ما قورن بغيره من الكتب التى تعرضت لأحداث ما بعد السنة الحادية والثمانمائة من الهجرة.
النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، المقدمةج ١٣، ص: ٢
ومن هنا لقى هذا الكتاب اهتماما بالغا من العلماء العرب والمستشرقين ابتداء من سنة ١٨٥٥ م قشروا منه أجزاء تكاد تشمله كله. ومن قبل أمر السلطان سليم الأول العثمانى بترجمته إلى اللغة التركية. بل ترجم إلى اللغة اللاتينية وغيرها.
وكان لاهتمام القسم الأدبى بدار الكتب بتحقيق أجزاء منه ونشرها فضل كبير فى تيسير الاستفادة به، ولقد بدأ فى نشره سنة ١٩٢٩ م ثم توقف عن الاستمرار فى نشره بعد أن أخرج الجزء الثانى عشر سنة ١٩٥٦ م.
ثم أخذت المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر على عاتقها مسئولية تحقيق الأجزاء الأربعة الباقية منه والتى لم يسبق نشرها فى مصروفنا للمنهج الذي نهجه القسم الأدبى.
وأسند تحقيق هذا الجزء الثالث عشر إلى العالم الجليل الأستاذ/ حسن عبد الوهاب ولكنه توفى إلى رحمة الله قبل أن يبدأ فى التحقيق، وتعثرت بقية الأجزاء أيضا فى مرحلة التحقيق لأسباب مختلفة.
ولما توليت منصب رئيس مجلس إدارة المؤسسة، وأطل علينا عام الاحتفالات بالعيد الألفى لمدينة القاهرة وجهت اهتمامى إلى دفع الأجزاء الباقية فى مراحل التحقيق والنشر.
فأسندت المؤسسة تحقيق هذا الجزء الثالث عشر إلى الأستاذ/ فهيم محمد شلتوت، وطلبت منه أن يفرغ جهده كله لتحقيقه وعمل فهارسه بحيث يكون بداية فى طبع الأجزاء الأربعة الباقية. وقد قام السيد/ المحقق بواجبه فى إخلاص وأمانة وأنجز التحقيق والفهارس على خير وجه.
النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، المقدمةج ١٣، ص: ٣
والجزء الثالث عشر هذا يعالج حقبة من تاريخ العالم العربى والأطراف الدائرة فى فلكه، وهى حقبة سلطنة الملك الناصر فرج بن برقوق (٨٠١ هـ- ٨١٥ هـ) وما تخللها من سلطنة أخيه الملك المنصور عبد العزيز. ثم سلطنة الخليفة المستعين بالله العباس، وقد شهدت فيها مصر وما والاها أحداثا لم تشهد مثلها من قبل.
شهدت فيها غزو تيمورلنك لسوريا (٨٠٢- ٨٠٣ هـ) وما كان من عجز السلطان وولاته عن دفع هذا الغزو، ثم ما كان من تلك المذابح التى تميز بها الغزو التترى المغولى والتى لم يسجل مثلها التاريخ بشاعة وقسوة.
وشهدت هذه الحقبة أيضا أسوأ صورة للخلاف والصراع بين سلطان وكبار رجال دولته بحيث فنى كثير منهم تحت عقوبته وبحد سيفه. ومع ذلك استمروا فى صراعه حتى تغلبوا عليه وقتلوه بقلعة دمشق سنة ٨١٥ هـ.
وشهدت فيها قيضاصور فن النيل (٨٠٦- ٨٠٧ هـ) مما أدى إلى الجدب العظيم الذي شمل البلاد وأصابها بسنة من السنين العجاف التى حلت بالدولة الإسلامية على مدارج التاريخ.
وشهدت هذه الفترة أيضا انتشار الطاعون (٨٠٨ هـ، ٨١٣ هـ) والموتان المنتشر بين السكان شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.
كما شهدت الغلاء الفاحش والفقر المدقع والجوع الشامل.
وانعكس أثر ذلك كله فى الحياة السياسية والاقتصادية والعمرانية ففسدت الأحوال وتولى الأمور من لا يحسن أداءها، وتوصل كل طالب وظيفة إليها بالرشوة والبذل، ثم تسلط بعد ذلك على رقاب ذوى الحرف والتجار والزراع يفرض عليهم أنواع الضرائب والإتاوات، ولا يكف عن طلبها ولا يعف
النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، المقدمةج ١٣، ص: ٤
فى تحصيلها، وابتلى أهل الريف خاصة بكثرة المغارم وتنوّع المظالم، فاختلت أحوالهم، وجلوا عن أوطانهم.
وكما يقول تقي الدين المقريزى «١» : «فاقتضى الحال من أجل ذلك ثورة أهل الريف، وانتشار الزّعّار وقطاع الطريق ... وتزايدت غباوة أهل الدولة، وأعرضوا عن مصالح العباد ... ثم إن قوما ترقوا فى خدم الأمراء يتولّفون إليهم بما جبوا من الأموال ... فأحبوا مزيدا من القربة منهم- ولا وسيلة أقرب إليهم من المال- فتعدوا إلى الأراضى الجارية فى إقطاعات الأمراء، وأحضروا مستأجريها من الفلاحين وزادوا فى مقادير الأجر ... وجعلوا الزيادة ديدنهم فى كل عام حتى بلغ الفدان- لهذا العهد- نحوا من عشرة أمثاله قبل هذه الحوادث» .
ولقد كان ذلك الخراب الذي نزل بالديار المصرية، وقضى على كثير من المنشآت العمرانية نتيجة للإهمال، ولاستحواز السلطان وبطانته على أوقافها وتوجيه أرياعها إلى مصارف أخرى، وأصبح الحديث عن سنة ٨٠٦ هـ- فيما تلاها من الأزمان- يعطى صورة لأفدح ما أصيبت به الآثار العمرانية- التى وصلت إلى قمة الفن المعمارى للعصر المملوكى والأيوبى والفاطمى- من الهدم والخراب والاندثار.
وإنى إذ أقدم هذا الجزء الثالث عشر للقارئ فإننى أرجو أن يجد بقية
النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، المقدمةج ١٣، ص: ٥
الأجزاء الأربعة من الكتاب بين يديه تباعا بإذن الله، حيث إنه قد تم تحقيقها وأخذت طريقها إلى المطابع.
ولعل نشر هذه الأجزاء من هذا الكتاب يكون بمثابة تحية من الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر للقاهرة فى عام أعيادها الألفية.
والله ولى التوفيق.
شوال سنة ١٣٨٩ هـ. دكتورة ديسمبر سنة ١٩٦٩ م. سهير القلماوى
стр. 4191
تراثنا النّجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة تأليف جمال الدين أبى المحاسن يوسف بن تغرى بردى الاتابكى الجزء الثالث عشر تحقيق فهيم محمّد شلتوت الهيئة للمصرية العامة للتأليف والنشر ١٣٨٩ هـ- ١٩٧٠ م
стр. 4192
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠١]
السنة الأولى من سلطنة الملك الناصر فرج ابن الظاهر برقوق- الأولى على مصر وهى سنة إحدى وثمانمائة، على أنّ والده الملك الظاهر برقوق حكم منها إلى نصف شوّال، ثمّ حكم فى باقيها الملك النّاصر هذا.
فيها توفّى قاضى القضاة عماد الدين أحمد بن عيسى بن سليم بن جميل الأزرقىّ العامرىّ الكركىّ الشافعىّ، قاضى قضاة الكرك «١» ، ثم الدّيار المصرية بالقدس فى سادس شهر ربيع الأوّل، وكان فاضلا رئيسا نبيلا، وهو أحد من قام مع الملك الظّاهر برقوق عند خروجه من سجن الكرك، وخدمه فى أيّام حبسه بها- وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه فى ترجمة الملك الظّاهر برقوق- ولمّا عاد الملك الظّاهر إلى ملكه عرف له ذلك، وطلبه إلى الدّيار المصريّة، وولّاه قضاء الشّافعيّة بالدّيار المصريّة، وولّى أخاه علاء الدين كاتب سرّ الكرك كتابة «٢» سرّ مصر، ثم صرف القاضى
стр. 4193
عماد الدين هذا عن القضاء برغبة منه، وولى مشيخة الصلاحية «١» بالقدس الشّريف إلى أن مات به.
وتوفّى الأمير سيف الدين أرغون شاه بن عبد الله الإبراهيمىّ الظّاهرىّ- يرقوق- نائب حلب بها، فى ليلة خامس عشرين صفر، وكان من أخصّاء مماليك الملك الظّاهر برقوق؛ رقّاه إلى أن ولّاه نيابة صفد «٢» ، ثم طرابلس، ثم تقله إلى نيابة حلب بعد عزل الوالد عنها فى سنة ثمانمائة، فدام بها إلى أن مات، وكان أميرا عاقلا ساكنا، مشكور السيرة، وتولّى بعده نيابة حلب الأمير آقبغا الجمالى الأطروش.
وتوفّى الأمير زين الدين أمير حاج بن مغلطاى، أحد الأمراء بالدّيار المصريّة.
فى شهر ربيع الأول، وكان له رياسة ووجاهة.
وتوفّى الشيخ الإمام العلّامة قنبر بن محمد العجمىّ السّيرامىّ «٣» الشافعى، العالم المشهور بالقاهرة، فى شعبان، وكان قدومه إليها من بلاد العجم فى حدود سنة سبع وثمانين وسبعمائة، ونزل بجامع الأزهر، وكان متفنّنا فى عدّة فنون من العلوم، درّس، واشتغل، وانتفع به الطلبة، وكان تاركا للدّنيا، متقشّفا فى ملبسه، قد قنع بجبّة من لبد «٤» ، وطاقيّة من لبد- صيفا وشتاء- وقال العينىّ بعدما أثنى على علمه: وكان يميل إلى سماع المغانى واللهو والرقص، وكان يتّهم بالمسح على رجليه من غير خفّ «٥» - انتهى.
стр. 4194
وتوفّى الأمير سيف الدين بكلمش بن عبد الله العلائىّ. أمير سلاح»
كان- بطّالا- بالقدس فى صفر، وأصله من مماليك الأمير طيبغا الحسنىّ الناصرىّ، المعروف بالطويل، وترقّى بعده حتى صار من جملة الأمراء، ثمّ أنعم عليه الملك الظاهر برقوق بإمرة طبلخاناة «٢» قبل خلعه من الملك، ثمّ جعله فى سلطنته الثانية أمير آخورا كبيرا «٣» مدّة سنين، ثمّ نقله- بعد أن أمسكه وحبسه- إلى إمرة سلاح، فدام على ذلك سنين إلى أن قبض عليه فى تاسع عشرين المحرم من سنة ثمانمائة، وقبض- معه أيضا- على الأمير الكبير كمشبغا الحموىّ، وحملا إلى سجن الإسكندرية، وتولّى الأمير آخورية بعده الأمير تنبك الظاهرى، فدام بكلمش هذا فى السجن إلى أن أفرج عنه، وبعثه إلى القدس بطّالا، فدام به إلى أن مات، وكان أميرا شجاعا مقداما، ذا كلمة نافذة فى الدولة، إلا أنه كان فيه كبر وجبروت، وخلق سيئ مع كرم وإنعام، وكان سبب القبض عليه أنّه ضرب موقّعه القاضى صفىّ الدين الدميرى وصادره، فشكا صفىّ الدين حاله إلى السلطان فى أبيات مدح السلطان فيها، وذمّ بكلمش المذكور، من جملتها قوله:
يأكلنى ذئب وأنت ليث «٤»
فسمع بذلك بكلمش، فطلبه وضربه ثانيا بالمقارع، وكلما ضربه رشّ عليه الملح، فكان كلّما صاح يقول له بكلمش قل للّيث يخلّصك من الذئب، فأقام بعد
стр. 4195
ذلك مدة، ومات من تلك العقوبة، وبلغ السلطان ذلك فأمهله مدة ثم قبض عليه.
وفيها توفّى الأمير حسام الدين حسن الكجكنّىّ «١» نائب الكرك، ثم أحد مقدمى الألوف بالديار المصرية، وهو الذي أخرج الملك الظاهر يرقوق من سجن الكرك، ولما أرسل إليه منطاش الشهاب البريدىّ بقتله فقام حسام الدين هذا بنصرته، فلما عاد الملك الظاهر إلى ملكه كافأه وأنعم عليه بإمرة مائة «٢» ، وتقدمة ألف بديار مصر، وصار من أعظم أمرائه إلى أن مات- ﵀ وكان عارفا، عاقلا، سيوسا، وعنده فضيلة، وفهم جيد ومذاكرة.
وتوفّى الشيخ المعتقد خلف بن حسن بن حسين الطّوخى «٣» ، فى ثانى عشرين شهر ربيع الأول، وكان للناس فيه اعتقاد ومحبّة.
وتوفّى الشيخ المعتقد الصالح خليل بن عثمان بن عبد الرحمن بن عبد الجليل المغربىّ، ويعرف بابن المشيّب، فى سادس عشرين شهر ربيع الأول «٤» .
وتوفّى الشيخ الإمام العالم العامل شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبى بكر ابن محمد العبّادىّ الحنفىّ الفقيه المشهور، فى ليلة الأحد تاسع عشر شهر ربيع الآخر، وكان من فضلاء الحنفيّة، أفتى ودرّس فى عدة فنون.
وتوفّى الشيخ الإمام الأديب البليغ علاء الدين أبو الحسن علىّ بن أيبك [التقصباوى الناصرى] «٥» الدّمشقىّ الشاعر المشهور، فى ثالث عشر ربيع الأول بدمشق، وكان بارعا فى النّظم، وله شعر رائق، ذكرنا منه قطعة جيدة فى ترجمته فى
стр. 4196
تاريخنا «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» ومولده فى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بدمشق، ومن شعره- ﵀ قوله: (الكامل)
قم زفّ بنت الكرم ثمّ استجلها ... بكرا لها فى الكأس رأس أشمط
فالطّير شاد والنّسيم مشبّب ... والغصن يرقص والغمام ينقّط
وله أيضا: (الوافر)
كأنّ الرّاح لمّا راح يسعى ... بها فى الرّاح ميّاس القوام
سنا المرّيخ فى كفّ الثّريّا ... يحيّينا به بدر التّمام
وله الموشح المشهور الذي أوله:
يا من حكى خدّه الشّقائق ... وماله فى اليها «١» شقيق
تركتنى بالدموع شارق ... لمّا بدا خدّك الشّريق
سللت من ناظريك صارم ... للفتك يا شادن الصّريم
وسرت يوم الفراق سالم ... وقد تركت الحشا سليم
متى أراك الغداة قادم ... يا من حديثى به قديم
شيّبت من أجلك المفارق ... وسرت مع جملة الفريق
ما بين حاد حدا وسائق ... حملى بمن ساقه وسيق
وهو أطول من ذلك.
وتوفّى العارف بالله شمس الدين محمد بن أحمد بن علىّ، المعروف بابن نجم الصوفىّ بمكة المشرّفة، فى صفر بعد أن جاور بها عدة سنين.
стр. 4197
وتوفّى الخليفة أمير المؤمنين المعتصم بالله زكريا بن إبراهيم بن محمد بن أحمد- وهو مخلوع من الخلافة- فى رابع عشرين جمادى الأولى، وقد تقدم ذكر ولايته للخلافة فى أيام أينبك البدرى «١» ، بعد قتل الملك الأشرف شعبان بن حسين فى سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، ثم خلع حتى ولاه الملك الظاهر برقوق ثانيا بعد موت أخيه الواثق، فلم تطل مدته أيضا، وخلعه الملك الظاهر من الخلافة فى أول جمادى الأولى من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وأعاد المتوكل على الله، فاستمرّ المعتصم هذا معزولا طول عمره إلى أن مات فى هذه السنة، وخلافته الأولى والثانية لم تطل مدته فيهما- انتهى.
وتوفّى الأمير سيف الدين شيخ بن عبد الله الصّفوىّ الخاصّكىّ «٢» ، أمير مجلس، وهو مسجون بسجن المرقب «٣» ، وكان ممن رقاه الملك الظّاهر برقوق إلى أن جعله أمير مائة ومقدّم ألف فى سلطنته الثانية، وجعله أمير مجلس، ثمّ قبض عليه فى سنة ثمانمائة، وأنعم بإقطاعه على الوالد بعد عزله عن نيابة حلب، وأخرجه الملك الظاهر إلى القدس بطّالا، فساءت سيرته بها، وكان مسرفا على نفسه منغمسا فى اللذات، فأمر الملك الظاهر به فنقل من القدس إلى حبس المرقب إلى أن مات به، قلت: وشيخ هذا هو أول أمير عظيم فى دولة الملك الظاهر برقوق ممن سمّى بهذا الاسم، ثم بعده شيخ المحمودىّ الساقىّ، أعنى الملك المؤيد، ثم بعده شيخ السّليمانىّ المسرطن نائب طرابلس، فهؤلاء الثلاثة هم أعظم من سمّى بهذا الاسم، ثم جاء بعدهم فى الدولة الأشرفيّة- برسباى- اثنان: شيخ الأمير آخور الثانى مملوك بيبرس الأتابك، وشيخ الحسنىّ الحسنىّ الظاهرىّ أمير عشرة ورأس نوبة، وهما كلا شىء بالنسبة إلى هؤلاء الثلاثة- انتهى.
стр. 4198
وتوفّى العبد الصالح الأمير الطواشىّ الرّومىّ صندل بن عبد الله المنجكىّ «١» ، خازندار «٢» الملك الظاهر برقوق، وعظيم دولته، وصاحب الطّبقة- بالقلعة- المعروفة بالصّندليّة، فى ثالث شهر رمضان، ووجد الملك الظاهر عليه وجدا عظيما، ومات ولم يخلّف من المال إلا النّزر اليسير إلى الغاية، هذا مع تمكّنه فى الدولة، وطول مدته فى وظيفة الخازنداريّة فى تلك الأيام، وأنياته «٣» جماعة كبيرة من المماليك الظاهريّة، ومنهم جماعة فى قيد الحياة يحكون عن زهده وصلاحه وعبادته أشياء عظيمة إلى الغاية، وكان الشيخ تقىّ الدين المقريزىّ إذا حدّث عنه يقول: حدّثنى من لا أتّهمه العبد الصالح المنجكىّ- انتهى.
وتوفّى الأمير الكبير- أتابك العساكر بالدّيار المصريّة، وعظيم المماليك اليلبغاويّة- كمشبغا بن عبد الله الحموىّ اليلبغاوىّ، بسجن الإسكندرية، فى العشرين من شهر رمضان، وهو أحد من قام بنصرة الملك الظّاهر برقوق عند خروجه من سجن الكرك، وكان كمشبغا يوم ذلك يلى نيابة حلب، وقد تقدم ذكر كمشبغا هذا فى مواطن كثيرة من أواخر دولة الملك الأشرف شعبان بن حسين إلى أن أمسك وحبس، ومات، وكان من أجلّ الملوك وأعظمها قدرا، قيل للوالد لما ولى الأتابكيّة بالديار المصرية: يا خوند امش على قاعدة الأمير كمشبغا، فقال الوالد:
стр. 4199
أيش أنا حتى أمشى على طريق كمشبغا! كمشبغا فى مقام أستاذى، وكان بخدمة الوالد يومئذ أزيد من ثلاثمائة مملوك، ورأيت سماطه ومرتّباته تسعمائة رطل من اللحم فى كل يوم، وفى هذا كفاية فى التعريف بحال كمشبغا- ﵀.
وتوفّى قاضى القضاة ناصر الدين أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عطاء الله ابن عواض بن نجا بن أبى الثّناء محمود بن نهار بن مؤنس بن حاتم بن نيلى ابن جابر بن هشام بن عروة بن الزّبير بن العوّام- رضى الله عنه- المعروف بابن التّنسىّ [السكندرى] «١» المالكىّ، قاضى قضاة الإسكندرية، ثم الديار المصرية- بها- وهو قاض، فى أول شهر رمضان، وكان مشكور السيرة- ﵀ وهو والد القاضى بدر الدين محمد بن التّنسىّ الآتى ذكره.
وتوفّى الأمير سيف الدين قديد بن عبد الله القلمطاوىّ، أحد أمراء الطّبلخانات- بطّالا- بالقدس، فى شهر ربيع الأول، وكان من قدماء الأمراء، وولى نيابة الكرك فى بعض الأحيان.
وتوفّى الشيخ المعتقد المجذوب العجمى، المعروف بالزهورىّ «٢» فى أول صفر، وكان شيخا عجميّا، وللناس فيه اعتقاد كبير لا سيما الملك الظاهر برقوق؛ فإنه كان له فيه اعتقاد كبير إلى الغاية.
أخبرنى بعض حواشى الملك الظاهر: أن الزهورىّ هذا كان إذا جلس عند الملك الظاهر برقوق وكلّمه يأخذ الملك الظاهر كلامه على سبيل المكاشفة، وكان يقيم عنده غالبا فى الدور السّلطانيّة عند الخوندات «٣» ، ووقع له مع
стр. 4200
الظاهر خوارق ومكاشفات، منها: أنه قال له يوما- وقد حان أجلهما- يا برقوق أنا آكل فراريج وأنت تأكل بعدى دجاجا ثم تروح، ففطن برقوق أنه يقيم بعد موت الزّهورىّ بمقدار ما يكبر فيه الفرّوج، ومرض الزهورىّ ومات، وضاق صدر برقوق حتى كلمه جماعة فى عدم ما ظنه، فلم يقم بعده الظاهر إلا ثمانية أشهر ومات.
وتوفّى العلامة القاضى بدر الدين محمود بن عبد الله الكلستانىّ السّرّائىّ «١» الحنفىّ، كاتب السرّ الشريف بالديار المصرية، وأحد العلماء الأعيان فى عاشر جمادى الأولى بالقاهرة، وولى بعده كتابة السرّ فتح الدين فتح الله رئيس الأطباء- وقد تقدم ذكر ولاية الكلستانىّ هذا لوظيفة كتابة السرّ بعد موت بدر الدين بن فضل الله بدمشق فى ترجمة الملك الظاهر برقوق الثانية- وكان إماما بارعا مفتنّا فى علوم كثيرة، عارفا باللغة العربية والعجمية والتركية، وسمّى بالكلستانىّ لكثرة قراءته كتاب السعدىّ العجمىّ الشاعر، وكان الكتاب المذكور يسمى كلستان «٢» .
أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وأربعة عشر أصبعا، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وخمسة أصابع- والله أعلم.
стр. 4201
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٢]
السنة الثانية من سلطنة الملك الناصر فرج ابن الظاهر برقوق- الأولى على مصر وهى سنة اثنتين وثمانمائة:
فيها كانت وقعة أيتمش مع الملك الناصر، ثم وقعة تنم نائب الشام- وقد تقدم ذكرهما فى أول ترجمة الملك الناصر.
وفيها توفّى خلائق من أعيان الأمراء بالسيف فى واقعة تنم: منهم الأمير الكبير أيتمش بن عبد الله الأسندمرى البجاسى الجرجاوى «١» ثم الظاهرى، أتابك «٢» العساكر بالديار المصرية، ذبح فى سجنه بقلعة دمشق، فى ليلة رابع عشر شعبان، وكان أصله من مماليك أسندمر البجاسى الجرجاوى، وترقّى إلى أن صار من جملة أمراء الألوف بديار مصر، بسفارة الأتابك برقوق فى دولة الملك الصالح حاجى، وأمير آخورا، ولما تسلطن الملك الظاهر برقوق جعله رأس نوبة كبيرا، ثم اشتراه من ورثة الأمير جرجى لما بلغه أنه إلى الآن فى الرّقّ- وقد مر ذلك كله- ثم جعله أتابك العساكر بالديار المصرية، ثم ندبه فيمن ندب من الأمراء لقتال الناصرى ومنطاش، فقبض عليه هناك، وحبس بقلعة دمشق مدة طويلة إلى أن أطلق بعد عود الملك الظاهر للملك وقدم القاهرة، وكان الأمير إينال اليوسفى يوم ذاك أتابك العساكر بالديار المصرية، فأنعم الملك الظاهر على أيتمش بإقطاع يضاهى إقطاع الأتابكية، وولّاه رأس نوبة الأمراء وجعله أتابكا، فدام على ذلك سنين إلى أن قبض الملك الظاهر على الأتابك كمشبغا الحموى، وأعاده إلى الأتابكيّة من بعده على عادته أولا، ثم جعله فى مرض موته وصيّه المتحدّث فى تدبير مملكة ولده الملك الناصر فرج، فأخذ أيتمش يدبر ملك الناصر
стр. 4202
بعد موت برقوق أحسن تدبير، فثار عليه الأمراء الأجلاب من مماليك برقوق، وقاتلوه وكسروه، وأخرجوه من مصر إلى الشام، فسار إلى دمشق، ووافق تنم نائبها على قتالهم هو ورفقته، مثل: الوالد، وأرغون شاه أمير مجلس، وغيرهم، فواقعوا الأمراء المذكورين بغزّة، وانكسروا ثانيا، وقبض على الجميع، وحبسوا بقلعة دمشق ثم قتلوا عن آخرهم، وكان كسر تنم وأيتمش هذا وقتلهما وتحكّم الأمراء الأجلاب أول وهن وقع بالديار المصرية، وكان أيتمش معظّما فى الدول، قليل الشّرّ كثير الخير، متجمّلا فى ملبسه ومركبه ومماليكه، هو وكمشبغا الحموى، كانا من عظماء الأتابكية فى الدولة التركية بعد يلبغا العمرى الخاصّكى، وشيخون العمرى.
وتوفّى أيضا- قتيلا بقلعة دمشق فى التاريخ «١» المذكور مع الأتابك أيتمش- الأمير سيف الدين أرغون شاه البيدمرى الظاهرى «٢» - أمير مجلس، وكان من خواص مماليك الملك الظاهر برقوق، وأكابر مماليكه وخيارهم.
وتوفّى قتيلا- أيضا- الأمير سيف الدين فارس بن عبد الله القطلقجاوى «٣» ، ثم الظاهرى، حاجب الحجّاب بالديار المصريّة- ذبحا- بقلعة دمشق، فى رابع عشر شعبان، وكان أصله من مماليك الأمير خليل بن عرام نائب الإسكندرية، اشتراه من شخص خباز بالإسكندريّة، وكان فارس هذا يبيع الخبز على حانوت أستاذه، فرآه ابن عرّام فأعجبه وابتاعه منه، ثم ملكه الملك الظاهر برقوق بعد ابن عرام، وما أعلم نسبته بالقطلقجاوى لأى قطلقجا، ولعله تاجره الذي جلبه من بلاده أولا- والله أعلم- وكان فارس يعرف أيضا بالأعرج، وكان من الشّجعان الفرسان الأقشيّة
стр. 4203
المعدودة، الذين يضرب برميهم المثل، وقد تقدم من ذكره فى واقعة أيتمش ما يكتفى بذكره «١» .
وتوفى- قتيلا أيضا فى رابع عشر شعبان بقلعة دمشق- الأمير شهاب الدين أحمد- أمير مجلس- ابن الأتابك يلبغا العمرى الخاصكى صاحب الكبش «٢» ، وأستاذ برقوق وغيره من اليلبغاوية، ولد بالكبش، فى حياة والده الأتابك يلبغا، ثم نشأ بمصر، وصار من جملة الأمراء، فلما تسلطن الملك الظاهر برقوق ولّاه أمير مجلس، ثم ندبه لقتال الناصرى ومنطاش فيمن ندب من الأمراء، فلما وصل إلى دمشق عصى على برقوق، وانضم على الناصرى، وهو أيضا مملوك أبيه فأقرّه الناصرى على إمرته ووظيفته، إلى أن قبض عليه منطاش وحبسه مع الناصرى إلى أن أخرجهما الملك الظاهر برقوق فى سلطنته الثانية، وخلع عليه على عادته أمير مجلس، فدام على ذلك سنين عديدة إلى أن تنكّر عليه برقوق وحبسه، ثم أطلقه- بطّالا- بالبلاد الشامية إلى أن ثار الأمير تنم الحسنى نائب الشام، فقدم عليه أحمد هذا ووافقه، فقبض عليه مع من قبض عليه من الأمراء، وقتل، وكان مشهورا بالشّجاعة والإقدام.
وتوفّى- قتيلا أيضا بقلعة دمشق فى رابع عشر شعبان- الأمير سيف الدين جلبان [بن عبد الله «٣» ] الكمشبغاوىّ الظاهرىّ، المعروف بقرا سقل نائب حلب، ثم أتابك دمشق، كان من أكابر مماليك الملك الظاهر برقوق، وأول من نال منهم الرّتب السنية، صار أمير مائة، ومقدّم ألف فى أوائل سلطنة
стр. 4204
الملك الظاهر برقوق الثانية، ثم رأس «١» نوبة النّوب، ثم ولى نيابة حلب بعد الأتابك قرا دمرداش الأحمدىّ، وهو الذي قام فى أمر منطاش حتى أخذه وتسلمه من نعير، ثم أمسكه الظاهر وحبسه، وولّى الوالد عوضه نيابة حلب، فحبس مدة ثم أطلق، واستقرّ أتابك دمشق، فدام على ذلك مدة، ثم قبض عليه برقوق ثانيا، وحبسه بقلعة دمشق إلى أن أطلقه الأمير تسنم بعد موت الظاهر برقوق، فدام من حزبه إلى أن أمسك وقتل مع من قتل، وكان جليل المقدار، عاقلا شجاعا، معدودا من رؤساء المماليك الظاهريّة.
وتوفّى- قتيلا أيضا بقلعة دمشق فى التاريخ المذكور- سيف الدين يعقوب شاه [بن عبد الله] «٢» الظاهرىّ الخازندار، ثم الحاجب «٣» الثانى، وأحد مقدّمى الألوف بالديار المصرية، وكان أيضا من خواصّ الملك الظّاهر برقوق، وأجلّ مماليكه، وهو أيضا ممن انضم على أيتمش وتنم.
وتوفّى- قتيلا أيضا بقلعة دمشق- الأمير سيف الدين آقبغا [بن عبد الله] «٤» الطولوتمرىّ الظاهرى، المعروف باللكّاش، أمير مجلس، وكان من جملة أمراء الألوف فى دولة أستاذه الملك الظاهر برقوق، ثم صار أمير مجلس، فلما ركب على باى على الملك الظاهر اتّهم آقبغا هذا بممالأة على باى فى الباطن فأخرج إلى الشّام، ودام به حتى وافق تنم، وقتل مع من قتل من الأمراء، وكان شجاعا مقداما، من وجوه المماليك الظاهريّة.
وتوفّى- قتيلا أيضا بقلعة دمشق- الأمير بى خجا الشّرفىّ المدعوّ
стр. 4205
طيفور [بن عبد الله الظاهرى «١» ] نائب غزّة، ثم حاجب حجّاب دمشق، وهو أيضا من مماليك الظاهر برقوق، وممّن صار فى أيامه أمير طبلخاناة، وأمير آخور ثانيا.
فهؤلاء قتلوا جميعا فى ليلة واحدة، ومعهم جماعة أخر مثل الأمير بيغوت اليحياوىّ الظاهرى، والأمير مبارك المجنون، والأمير بهادر العثمانى نائب ألبيرة «٢» ، ولم يبق من أعيان من قتل فى هذه الواقعة- صبرا- إلّا تنم [الحسنى] «٣» ويونس بلطا، أخّروهما حتى استصفوا أموالهما، ثم قتلوهما حسبما يأتى ذكره الآن.
وتوفّى- أيضا قتيلا- الأمير تنبك الحسنىّ الظاهرىّ، المدعو تنم نائب الشام، وقد مر من ذكره فى واقعته مع الملك الناصر فرج ما فيه غنية عن التكرار، غير أننا نذكر مبادئ أمره وترقّيه إلى انتهائه على سبيل الاختصار، فنقول: هو من أعيان خاصّكية أستاذه الظاهر برقوق، ثم أمّره إمرة عشرة فى سلطنته الثانية، ثم أخرجه إلى دمشق، وجعله أتابكا بها بعد إياس الجرجاوى، ثم نقله بعد مدة يسيرة إلى نيابة دمشق، بعد موت الأمير كمشبغا الأشرفى الخاصكى، فدام على نيابة دمشق نحو سبع سنين، إلى أن مات الظاهر، وخرج عن الطاعة، وانضم عليه سائر نواب البلاد الشامية، ثم جاءه أيتمش والوالد، وغيرهما من أمراء مصر، وواقع الملك الناصر على غزة، وانكسر مع كثرة عساكره- خذلانا من الله- وأمسك، وحبس بقلعة دمشق، وعوقب على المال، ثم خنق فى ليلة الخميس رابع شهر رمضان، وخنق معه الأمير يونس [بن عبد الله] «٤» الظاهرى المعروف ببلطا [وبالرماح] «٥» نائب
следующие страницы →