Полный текст (6 264 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
لي السبيل إليك رفعتها؛ فأمره بذلك. فكان يدخل عليه كلما أراد ويرفع إليه النصائح في الأمور الحسنة الجميلة من أمور الثغور والولايات وبناء الحصون ونقوية الغزاة وتزويج العزاب وفكاك الأسرى والمحبسين والقضاء عن الغارمين والصدقة على المتعففين، فحظي عنده بذلك وتقدمت منزلته حتى سقطت منزلة أبي عبيد الله وحبس. وكتب المهدي توقيعاً بأنه اتخذه أخاً في الله ووصله بمائة ألف درهم.
ولما عزل عيسى هذا عن إمرة مصر قربه إلى المهدي فأكرمه غاية الإكرام.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٦١]
السنة التي حكم فيها عيسى بن لقمان على مصر وهي سنة إحدى وستين ومائة على أنه ولي في آخرها غير أننا نذكرها في ترجمته، ونذكر سنة اثنتين وستين ومائة في ترجمة غيره لأن كلاً منهما ترجمته غير مستوفاة لقلة اعتناء المؤرخين بهما قديماً.
فيها خرج المقنع الخارجي بخراسان واسمه عطاء، وقيل حكيم، بأعمال مرو وادّعى النبوّة، وكان يقول بتناسخ الأرواح، واستغوى خلقاً عظيماً وتوثب على بعض ما وراء النهر، فانتدب لحربه أمير خراسان معاذ بن مسلم والأمير جبريل بن يحيى وليث مولى المهدي وسعيد الحرسىّ، فجمع المقنّع الأقوات وتحصّن للحصار بقلعة من أعمال كش»
على ما يأتي ذكره. وفيها ظفر نصر بن [محمد «٢» بن] الأشعث الخزاعي بعبد الله ابن الخليفة مروان الحمار الأموي المكنى بأبي الحكم وهو أخو عبيد الله؛ وكانا وليّى عهد مروان، فلما قتل مروان حسبما ذكرناه بديار مصر هرب عبد الله هو وأخوه إلى الحبشة فقتل عبيد الله واختفى هذا إلى أن أتي به إلى المهدي فجلس له مجلسا
стр. 422
عاماً وقال: من يعرف هذا؟ فقام عبد العزيز العقيلي إلى جنبه، ثم قال له: أبو الحكم؟
قال: نعم، فسجنه المهدي. وفيها أمر المهدي بعمارة طريق مكة وبنى بها قصوراً «١» أوسع من القصور التي أنشأها عمه السفاح، وعمل البرك وجدد الأميال «٢» ودام العمل في ذلك حتى تم في عشر سنين. ثم أمر المهدي بترك المقاصير التي في الجوامع وقصر المنابر وصيرها على مقدار منبر رسول الله ﷺ . وفيها حج بالناس موسى الهادي ولي عهد المهدي وابنه الأكبر. وفيها زاد الخليفة المهدي في المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ . وفيها توفي أبو دلامة زند «٣» بن الجون الكوفي الشاعر المشهور مولى بني أسد، كان عبداً حبشياً فصيحاً خليعاً ماجناً، وهو ممن ظهر ذكره في الدولة العباسية من الشعراء. ومن شعره وهو من نوع المقابلة ثلاثة بثلاثة:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر على اختلاف يرد عليه في وفاتهم. قال: وفيها مات أرطاة بن الحارث النخعي، وإسرائيل بن يونس، وحرب بن شداد أبو الخطاب، ورجاء بن أبي سلمة بالرملة «٤» ، وزائدة بن قدامة في أولها، وسالم بن أبي المهاجر الرقي، وسعيد بن أبي «٥» أيوب المصري، وسفيان بن سعيد الثوري، وعبد الحكم بن أعين المصري، ونصر بن مالك الخزاعي الأمير، ويزيد «٦» بن إبراهيم التستري.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً وأربعة أصابع.
стр. 423
ذكر ولاية واضح المنصوري على مصر
هو واضح بن عبد الله المنصوري الخصي أمير مصر، وليها من قبل المهدي بعد عزل عيسى بن لقمان عن مصر في جمادى الأولى سنة اثنتين وستين ومائة. فدخلها واضح المذكور في يوم السبت لست بقين من جمادى الأولى سنة اثنتين وستين ومائة المذكورة؛ وجمع له المهدي صلاة مصر وخراجها معاً، ولما دخل مصر سكن المعسكر على عادة أمراء مصر وجعل على شرطته موسى بن زريق مولى بني تميم. وواضح هذا أصله من موالي صالح ابن الخليفة أبى جعفر المنصور. وكان خصيصاً عند المنصور إلى الغاية، وكان يندبه إلى المهمات لشجاعة كانت فيه وشدة. ولما ولي إمرة مصر شد على أهلها فشكوا منه فعزله المهدي عنهم في شهر رمضان من سنة اثنتين وستين ومائة المذكورة بمنصور بن يزيد. فكانت ولاية واضح هذا على مصر نحو أربعة أشهر.
وقال صاحب «البغية» : ثلاثة شهور. واستمر واضح هذا على بريد مصر إلى أن خرج إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁.
وكان واضح المذكور فيه ميل للعلوبّين فحمله واضح على البريد إلى الغرب فنزل إدريس بمدينة يقال لها وليلة «١» ، وكان إدريس هذا قد خرج أولاً مع الحسين صاحب فخ «٢» ، فلما قتل الحسين هرب إدريس هذا إلى مصر واختفى بها إلى أن وجهه واضح هذا إلى الغرب، فلما وصل إدريس هذا إلى الغرب دعا لنفسه فأجابه من كان بها
стр. 424
وبنواحيها من البربر وعظم أمره وبلغ ذلك الخليفة الهادي موسى، فطلب واضحاً هذا وقتله وصلبه في سنة تسع وستين ومائة، وقيل: الذي قتله هارون الرشيد لما تخلف بعد موت أخيه موسى الهادي في أول خلافته.
ذكر ولاية منصور بن يزيد على مصر
هو منصور بن يزيد بن منصور بن عبد الله بن شهر بن يزيد الزنجاني الحميري الرعيني أمير مصر وهو ابن خال المهدي؛ ولاه المهدي إمرة مصر بعد عزل واضح عنها في سنة اثنتين وستين ومائة على الصلاة، فقدم مصر يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة اثنتين وستين ومائة المذكورة، وسكن المعسكر على عادة أمراء مصر، وجعل على شرطته هاشم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية ابن حديج مدة يسيرة، ثم عزله وولى عبد الأعلى بن سعيد «١» الجيشاني، ثم عزله أيضاً وولى عسّامة بن عمرو؛ وكل ذلك في مدة يسيرة فإن ولاية منصور المذكور لم تطل على إمرة مصر وعزل عنها في النصف من ذي القعدة من سنة اثنتين وستين ومائة المذكورة بيحيى بن داود؛ فكانت مدة ولاية منصور بن يزيد هذا على مصر شهرين وثلاثة أيام، ولم أقف على وفاته بعد ذلك غير أنه ذكر في واقعة عبد السلام الخارجي أنه حضرها بقنسرين. وأمر عبد السلام بن هاشم اليشكري المذكور، [أنه] كان قد خرج بالجزيرة واشتدت شوكته وكثر أتباعه فلقي عدة من قوّاد المهدىّ فيهم عيسى «٢» ابن موسى القائد فقتله بعد أمور في عدة ممن معه وهزم جماعة من القواد فيهم شبيب ابن واج «٣» المرورّوذىّ، فندب المهدي إلى شبيب ألف فارس وأعطى كل رجل
стр. 425
منهم ألف درهم معونة فوافوا شبيباً، فخرج بهم في طلب عبد السلام المذكور فهرب منه فأدركه بقنّسرين وقتله.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٦٢]
السنة التي حكم فيها واضح مولى المنصور على مصر ثم من بعده منصور ابن يزيد الحميري الرعيني وهي سنة اثنتين وستين ومائة- فيها وضع الخليفة المهدي دواوين الأزمة وولى عليها عمرو «١» بن مربع، ولم يكن لبني أمية ذلك. (ومعنى دواوين الأزمة: أن يكون لكل ديوان زمام وهو رجل يضبطه، وقد كان قبل ذلك الدواوين مختلطة) . وفيها وصلت الروم إلى الحدث «٢» فهدموا سورها فغزا الناس غزوة لم يسمع بمثلها، وكان مقدم الغزاة الحسن بن قحطبة سار إليهم في ثمانين ألف مقاتل سوى المطوعة؛ فأغار على ممالك الروم وأحرق وأخرب ولم يلق بأساً. وفيها ولي اليمن عبد الله بن سليمان. وفيها ظهرت المحمّرة «٣» بجرجان ورأسهم عبد القهار فغلبوا على جرجان وقتلوا وأفسدوا؛ فسار لحربهم من طبرستان عمر بن العلاء فقتل عبد القهّار ورءوس أصحابه وتشتت باقي أصحابه. وفيها كان مقتل عبد السلام بن هاشم اليشكري الذي خرج بحلب وبالجزيرة، وكثرت جموعه وهزم الجيوش التي حاربته حتى انتدب لحربه شبيب بن واج في ألف فارس من الأبطال وأعطوا ألف ألف
стр. 426
درهم، ففر منهم اليشكري إلى حلب فلحقه بها شبيب وقتله. وفيها توفي أبو عتبة «١» عباد بن عباد الخواص كان من أهل المحبة وعنه أخذ مشايخ الطريقة، كان يمشي فى الأسواق ويصيح: وا شوقاه إلى من يراني ولا أراه! وكان صاحب أحوال وكرامات ﵀. وفيها توفي محمد بن جعفر بن عبيد «٢» الله بن العباس العباسي الهاشمي، كان صاحب فضل ومروءة وكان بمنزلة عظيمة عند الخليفة أبي جعفر المنصور، وكان المنصور يعجب به ويحادثه، وكان لبيباً لسناً فصيحاً.
وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر ممن تقدم ذكرهم وغيرهم على اختلاف يرد في وفاتهم، قال: وفيها توفي إبراهيم بن أدهم الزاهد، وإبراهيم بن نشيط المصري في قول، وخالد ابن أبي بكر العمري «٣» المدني، وداود بن نصير الطائي، وزهير بن محمد التميمي المروزي، وإسرائيل بن يونس بخلف، وعبد الله بن محمد بن أبي يحيى المدني سحبل، ويزيد بن إبراهيم التستري بخلف، ويعقوب بن محمد بن طحلاء المدني، وأبو بكر بن أبي سبرة القاضي، وأبو الأشهب العطاردي واسمه جعفر.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا.
стр. 427
ذكر ولاية يحيى بن داود على مصر
هو يحيى بن داود الشهير بابن ممدود الأمير أبو صالح الخرسي «١» من أهل خراسان.
وقال صاحب «البغية» : من أهل نيسابور. ولي مصر من قبل المهدي على الصلاة والخراج بعد عزل منصور بن يزيد عنها في ذي الحجة سنة اثنتين وستين ومائة، ولما قدم مصر سكن المعسكر على العادة، وجعل على شرطته عسامة بن عمرو، وكان أبو صالح المذكور تركياً وفيه شدة بأس وقوة جنان مع معرفة وتدبير؛ وكان لما قدم مصر وجد السبل بها مخيفة لكثرة المفسدين وقطاع الطريق، فأخذ أبو صالح هذا في أقماع المفسدين وأبادهم وقتل منهم جماعة كثيرة، فعظمت حرمته وتزايدت هيبته في قلوب الناس حتى تجاوز ذلك الحدّ؛ فكان يمنع الناس من غلق الدروب والأبواب وغلق الحوانيت حتى جعلوا عليها [شرائج «٢» ] القصب والشباك لمنع الكلاب من دخولها في الليل، وهو أول من صنع ذلك بمصر؛ فكان ينادي بمصر ويقول: من ضاع له شيء فعلي أداؤه، ومنع حراس الحمامات أن يجلسوا فيها، وقال: من راح له شيء فأنا أقوم له به من مالي؛ فكان الرجل يدخل الحمّام فيضع ثيابه فى المسلخ «٣» ثم يقول: يا أبا صالح احرس ثيابي ثم يدخل الحمام ولم يكن بها حارس ويقضي حاجته على مهل ويخرج فيلقى ثيابه كما هي لا يجسر أحد على أخذها من عظم حرمته، فإنه كان أشد الملوك حرمة وأعظمهم هيبة وأقدمهم على سفك الدماء وأنهكهم عقوبة؛ ثم إنه أمر أهل مصر من الأشراف والفقهاء والأعيان أن يلبسوا القلانس الطوال ويدخلوا بها عليه في يوم الاثنين والخميس بلا أردية؛ فقاسى أهل مصر منه شدائد، غير أن البلاد ومصر كانت
стр. 428
في أيامه في غاية الأمن. قيل: إن أبا جعفر المنصور كان إذا ذكره يقول: هو رجل يخافني ولا يخاف الله. واستمر على إمرة مصر إلى أن عزله الخليفة محمد المهدىّ بسالم بن سوادة في محرم سنة أربع وستين ومائة، وفرح المصريون بعزله عنهم؛ فكانت ولايته على مصر سنة وشهراً إلا أياماً. وقال صاحب «البغية» : سلتين وشهراً، والأول أثبت. وهو أحد من مهد الديار المصرية وأباد أهل الحوف من قيس ويمن وغيرهم من قطاع الطريق؛ وكان من أجل أمراء مصر لولا شدة كانت فيه.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٦٣]
السنة الأولى من ولاية أبي صالح يحيى بن داود على مصر وهي سنة ثلاث وستين ومائة- فيها جدّ الأمير سعيد الحرسىّ في حصار المقنع حتى أشرف على أخذ قلعته، فلما أحس المقنع بالهلاك مص سما وأسقى نساءه فتلف وتلفوا. وفيها عزل الخليفة محمد المهدي عبد الصمد بن علي عن إمرة الجزيرة وولاها زفر بن عاصم الهلالي. وفيها ولى المهدي ابنه هارون الرشيد بلاد المغرب كلها وأذربيجان وأرمينية، وجعل كاتبه على الخراج ثابت بن موسى، وعلى رسائله يحيى بن خالد بن برمك.
وفيها قدم المهدي إلى حلب وجهز البعوث لغزو الروم، وكانت غزوة عظيمة، أمر عليها ابنه هارون الرشيد وضم إليه الربيع الحاجب وموسى «١» بن عيسى بن موسى والحسن بن قحطبة، فافتتح المسلمون فتحاً كبيراً. وفيها قتل المهدي جماعة من الزنادقة وصلبهم وأحضرت كتبهم فقطعت. وفيها زار المهدي القدس، وحج بالناس علي بن
стр. 429
المهدي. وفيها توفي الخليل بن أحمد بن عبد الرحمن الازدي الفراهيدي البصري صاحب العربية والعروض، وقد تقدم ذكره من قول صاحب مرآة الزمان في سنة ثلاثين ومائة؛ والأصح وفاته في هذه السنة. وفيها توفي أرطاة بن المنذر بن الأسود أبو عدي السكوني «١» الحمصي، قال: أتيت عمر بن عبد العزيز فعرض لي في خيله وقال: يا أرطاة: ألا أحدثك بحديث هو عندنا من العلم المخزون؟ قلت: بلى، قال: إذا توضأت عند البحر فالتفت إليه وقل: يا واسع المغفرة اغفر لي، فإنه لا يرتد إليك طرفك حتى يغفر لك ذنوبك.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراع وأربعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وخمسة عشر إصبعا.
ذكر ولاية سالم بن سوادة على مصر
هو سالم بن سوداة التميمي أمير مصر، وليها من قبل محمد المهدي بعد عزل يحيى بن داود في أول المحرم سنة أربع وستين ومائة، فقدمها يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم، وجعل على شرطته الأخضر بن مروان، وقدم معه أيضاً أبو قطيفة «٢» إسماعيل بن إبراهيم على الخراج؛ ولما دخل سالم إلى مصر سكن بالمعسكر على العادة، ودام على إمرة مصر إلى أن مضت سنة أربع وستين ومائة ودخلت سنة خمس وستين ومائة؛ وورد عليه الخبر من قبل الخليفة محمد المهدي بصرفه عن إمرة مصر بإبراهيم بن صالح العباسي، فكانت ولايته على مصر نحو السنة.
стр. 430
وقال صاحب «البغية» : صرف في سلخ ذي الحجة فكان مقامه بمصر سنة إلا ثمانية عشر يوماً. وفي أيامه كانت حروب كثيرة بمصر وبلاد المغرب، وجهز عساكر مصر نجدة إلى من كان في برقة ثم عادوا من غير قتال لما بلغتهم الفتنة التي كانت بالمغرب بين بربر بلنسية «١» وبربر شنت «٢» برية من الأندلس وجرت بينهم حروب كثيرة قتل فيها خلق من الطائفتين، وكانت بينهم وقائع مشهورة دامت أشهرا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٦٤]
السنة التي حكم فيها سالم بن سوادة، على مصر وهي سنة أربع وستين ومائة- فيها حج بالناس صالح بن المنصور. وفيها غزا هارون الرشيد ابن الخليفة المهدي الصائفة فوغل في بلاد الروم ووقع له بالروم حروب وافتتح عدة حصون حتى بلغ خليج قسطنطينية، وصالح ملك الروم في العام على سبعين ألف دينار مدة ثلاث سنين بعد أن غنم وسبى واستنقذ خلقاً من المسلمين من الأسر، وغنم ما لا يوصف من المواشي حتى بيع البرذون بدرهم والزردية بدرهم وعشرون سيفاً بدرهم؛ وقتل من العدو نحو خمسين ألفاً؛ قاله الذهبي، ثم رجع فسر به أبوه المهدي. وقيل: إن هذه الغزوة كانت فى سنة خمس وسنتين ومائة. وفيها عزل المهدي محمد بن سليمان عن البصرة وفارس واستعمل عليها صالح بن داود بن علي. وفيها خرج المهدي حاجاً فوصل العقبة فعطش الناس وجهد الحجيج.
стр. 431
وأخذت المهدي الحمى فرجع من العقبة، وغضب على يقطين بن موسى حيث لم يصلح المصانع على الوجه، ولاقى الناس شدة من قلة الماء. وفيها توفي شبيب بن شيبة أبو معمر المنقري «١» ، كان خطيباً لسناً فصيحاً دخل على المنصور فقال: يا شبيب عظني وأوجر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله لم يرض أن يجعل أحداً من خلقه فوقك، فلا ترض لنفسك أن يكون أشكر له فى الأرض منك؛ فقال أحسنت وأوجرت!.
وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر في تاريخه مع خلاف يرد عليه، قال: وفيها توفي إسحاق بن يحيى بن طلحة التيمي، وسلام بن مسكين في قول، وسلام بن أبي مطيع في قول أيضاً، وعبد الله بن زيد بن أسلم العدوي، وعبد الله بن شعيب بن الحبحاب وعبد الله بن العلاء بن زئر؟؟؟ «٢» ، وعبد الرحمن بن عيسى بن وردان، وعبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون، وعبد المجيد بن أبي عبس «٣» الأنصاري، وعمر «٤» بن أبي زادة في قول الواقدي، وعمر بن «٥» عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع، والقاسم بن معن المسعودي في قول خليفة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراع وستة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وخمسة عشر إصبعاً.
стр. 432
ذكر ولاية إبراهيم بن صالح الأولى على مصر
هو إبراهيم بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي أمير مصر، وليها من قبل ابن عمه المهدىّ على الصلاة والخراج معا؛ وقدم إلى مصر لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرّم سنة خمس وستين ومائة ونزل المعسكر على عادة أمراء مصر في الدولة العباسية، ثم ابتنى دارا عظيمة بالموقف «١» من المعسكر، وجعل على شرطته عسامة بن عمرو، ودام إبراهيم بمصر إلى أن خرج دحية بن المعصب «٢» بن الأصبغ «٣» بن عبد العزيز ابن مروان بالصعيد ودعا لنفسه بالخلافة، فتراخى عنه إبراهيم هذا ولم يحفل بأمره حتى استفحل أمر دحية وملك غالب بلاد الصعيد وكاد أمره أن يتم ويفسد بلاد مصر وأمرها؛ فسخط المهدي عليه بسبب ذلك وعزله عزلاً قبيحا فى سابع ذى الحجّة سنة ١٦٧ هـ بموسى بن مصعب. فكانت ولاية إبراهيم بن صالح هذه على مصر ثلاث سنين إلا أياماً، وصادره المهدي بعد عزله وأخذ منه ومن عمّاله ثلثمائة وخمسين ألف دينار، ثم رضي عنه بعد ذلك وولاه غير مصر ثم أعاده الرشيد إلى عمل مصر ثانياً في سنة ست وسبعين ومائة. يأتي ذكر ذلك في ولايته الثانية ان شاء الله تعالى.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٦٥]
السنة الأولى من ولاية إبراهيم بن صالح الأولى على مصر وهي سنة خمس وستين ومائة- فيها كانت غزوة هارون الرشيد ابن الخليفة المهدي السابق ذكرها
стр. 433
على الأصح. وفيها حج بالناس صالح بن المنصور. وفيها توفي داود بن نصير أبو «١» سليمان الطائىّ العابد، كان كبير الشأن في العلم والورع والزهد وسمع الحديث كثيراً وتفقه على أبي حنيفة ﵁، وأحد أصحابه الكبار. وفيها توفي حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، كان أحد الأعلام تفقه بأبيه وكان إماماً كثير الورع فقيهاً صالحاً. وفيها توفي خالد بن برمك والد البرامكة ووالد يحيى بن خالد وجد جعفر والفضل، وكان جليل القدر خصيصاً عند المنصور وابنه المهدي وولي الأعمال الجليلة، وكان عاقلاً مدبراً سيوساً.
وذكر الذهبي وفاة جماعة على اختلاف فيهم، قال: وفيها توفي حماد «٢» بن أبي حنيفة وخالد بن برمك والد البرامكة، وخارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت المدني، وسليمان بن المغيرة البصري، وداود الطائي الزاهد بخلف- وقول الذهبي بخلف، يعني أنه على اختلاف وقع في وفياتهم انتهى- وعبد الرحمن بن ثابت ابن ثوبان، ومعروف بن مشكان «٣» قارئ مكة، ووهيب بن خالد بالبصرة، وأبو الأشهب العطاردي بخلف.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراع وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وإصبع واحد.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٦٦]
السنة الثانية من ولاية إبراهيم بن صالح الأولى على مصر وهي سنة ست وستين ومائة- فيها خرج موسى بن المهدي الخليفة إلى جرجان واستقضى أبا يوسف
стр. 434
يعقوب صاحب أبي حنيفة. وفيها أمر الخليفة محمد المهدي بإقامة البريد من اليمن «١» إلى مكة ومن مكة إلى بغداد، ولم يكن البريد قبل ذلك بقطر من الأقطار. وفيها توفي عاصم بن عبد الحميد الفهري شيخ ابن وهب، كان إماماً فاضلاً ﵀. وفيها عزل المهدي عن قضاء البصرة عبيد الله بن الحسن وولاها خالد بن طليق بن عمران ابن حصين. وفيها غضب الخليفة المهدي على وزيره يعقوب بن داود بن طهمان وكان خصيصاً بن فحسده موالي المهدي وسعوا به حتى قبض عليه، وكان الوزير يعقوب كثير الأنهماك في اللذات، وكان المهدي لا يحب النبيذ لكن يتفرج على غلمانه وهم يشربون، فلما عظم أمر الوزير يعقوب وصار الحل والعقد بيده مع انهماكه، قال في ذلك بشار بن برد:
بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فاطلبوا «٢» ... خليفة الله بين الدف والعود
وفيها اضطربت خراسان على المسيب بن زهير فصرفه المهدىّ عن إمرتها بالفضل ابن سليمان الطوسي وأضاف إليه سجستان. وفيها قدم وضاح الشروي بعبد الله «٣» ابن الوزير أبي عبيد الله يعقوب المقدم ذكره، وكان رمي بالزندقة فقتله المهدي بحضرة أبيه، وأباد المهدي الزنادقة في هذه السنة وقتل منهم خلائق.
стр. 435
الذين ذكرهم الذهبي في وفيات هذه السنة. قال: وفيها توفي خالد بن يزيد المري، وخليد بن دعلج السدوسي، وصدقة بن عبد الله السمين، وعقبة بن عبد الله الرفاعي الأصم بخلف، وعقبة بن أبي الصهباء الباهلي البصريان، وعفير بن معدان «١» الحمصي، وعقبة بن نافع المعافري الإسكندراني في قول؛ والصواب في سنة ثلاث وستين ومائة، وعاصم بن عبد الحميد الفهري شيخ ابن وهب، ومعقل بن عبيد الله الجزري «٢» . وفي أولها دفنوا أبا الأشهب العطاردي.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعاًن سواء، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبع واحد.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٦٧]
السنة الثالثة من ولاية إبراهيم بن صالح الأولى على مصر وهي سنة سبع وستين ومائة- فيها أمر المهدي بالزيادة الكبرى في المسجد الحرام، فدخلت في ذلك دور كثيرة وولّى البناء يقطين الأمير ومات المهدي ولم يتم بناؤه. وفيها أظلمت الدنيا ظلمة شديدة لليال بقين من ذي الحجة وأمطرت السماء رملاً أحمر، ثم وقع عقيبه وباء شديد هلك فيه معظم أهل بغداد والبصرة. وفيها حج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد أمير المدينة، ثم توفي بعد عوده إلى المدينة بأيام، وتولى المدينة من بعده إسحاق بن عيسى ابن علي. وفيها عزل المهدي عن ديوان الرسائل أبا عبيد الله الأشعري «٣» الذي كان وزيره
стр. 436
وقبض عليه في الماضية ثم أطلقه وولاه ديوان الرسائل فعزله في هذه السنة، وولى مكانه الربيع الحاجب، فاستناب الربيع فيه سعيد بن واقد «١» . وفيها جد المهدي في تتبع الزنادقة والبحث عنهم في الآفاق وقتل منهم خلائق. وفيها توفي بشار بن برد أبو معاذ العقيلي بالولاء، الضرير الشاعر المشهور، ولد أعمى جاحظ الحدقتين قد تغشاهما لحم أحمر. وكان ضخماً عظيم الخلقة والوجه مجدراً طويلا، وكان يرمى بالزندقة، ويروى عنه أنه كان يفضل النار على الأرض، ويصوب رأي إبليس في امتناعه من السجود لآدم صلوات الله عليه؛ وفى تفضيل النار يقول:
الأرض مظلمة والنار مشرقة ... والنار معبودة مذ كانت النار
ومن شعره في غير هذا:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بمن لا ترى تهذي «٢» فقلت لهم ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
وله فى المشورة:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيح أو فصاحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضةً ... فإن «٣» الخوافي قوة للقوادم
وله في التشبيهات قوله:
كأنّ مثار النّقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى «٤» كواكبه
وفيها توفي عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الأمير الهاشمي العباسي، وهو ابن أخي السفاح والمنصور، وجعله السفاح ولي عهده بعد أخيه
стр. 437
المنصور، فلا زال به المنصور في أيام خلافته حتى جعل المهدي ابنه قبله في ولاية العهد ثم خلعه المهدي من ولاية العهد بالكلية بعد أمور صدرت؛ وكان عيسى هذا يلقب في أيام ولاية العهد بالمرتضى، وولي عيسى المذكور أعمالاً جليلة إلى أن توفي.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراع واحد وأربعة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
ذكر ولاية موسى بن مصعب على مصر
هو موسى بن مصعب بن الربيع الخثعمي مولى خثعم أصله من أهل الموصل ولاه المهدي إمرة مصر- بعد عزل إبراهيم بن صالح عنها سنة سبع وستين ومائة- على الصلاة والخراج؛ وقدم مصر في يوم السبت سابع ذي الحجة من السنة المذكورة؛ وعند دخوله إلى مصر رد إبراهيم بن صالح معه إلى مصر بعد أن كان خرج منها، وقال:
أمرني الخليفة بمصادرتك فصادره وأخذ منه ومن عمّاله ثلثمائة ألف دينار، ثم أمر إبراهيم بالمسير إلى بغداد فسار إليها؛ ولما دخل موسى هذا الى مصر سكن بالمعسكر.
وجعل على شرطته عسامة بن عمرو، وأخذ موسى في أيام إمرته على مصر يتشدد على الناس في استخراج الخراج وزاد على كل فدان ضعف ما كان أولا، ولقي الناس منه شدائد وساءت سيرته وارتشى في الأحكام؛ ثم رتّب دراهم على أهل الأسهواق وعلى الدواب فكرهه الجند وتشغبوا عليه ونابذوه؛ وثارت قيس واليمانية وكاتبوا أهل مصر فاتفقوا عليه؛ ثم اشتغل موسى هذا بأمر دحية الأموي الخارج ببلاد الصعيد المقدم ذكره وجهز إليه جيوشا لقتاله؛ ثم خرج هو بنفسه في جميع جيوش مصر لقتال قيس واليمانية؛ فلما التقوا انهزم عنه أهل مصر بأجمعهم وأسلموه فقتل، ولم
стр. 438
يتكلم أحد من أهل مصر لأجله كلمة واحدة؛ وكان قتله لسبع خلون من شوال سنة ثمان وستين ومائة؛ فكانت ولايته على مصر عشرة أشهر، وولي بعده عسامة بن عمرو، وكان موسى استخلفه بعد خروجه للقتال. وكان موسى هذا من شر ملوك مصر، كان ظالماً غاشماً، سمعه الليث بن سعد يقرأ في خطبته: (إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها) فقال الليث: اللهم لاتقه منها.
ومن غريب الاتفاق: أن موسى بن كعب أمير مصر المقدم ذكره في موضعه لما عزله أبو جعفر المنصور عن إمرة مصر بمحمد بن الأشعث كتب إليه: إني قد عزلتك لا لسخط ولكن بلغني أن غلاما يقتل بمصر من أمرائها يقال له موسى فكرهت أن تكونه، فأخذ موسى كلام المنصور لغرض. وبقي أهل مصر يتذاكرون ذلك إلى أن قتل موسى هذا بعد ذلك بسبع وعشرين سنة.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٦٨]
السنة التي حكم فيها موسى بن مصعب على مصر وهي سنة ثمان وستين ومائة- فيها جهز المهدي سعيداً الحرشي لغزو طبرستان في أربعين ألفا. وفيها حج بالناس علي بن المهدي. وفيها نقضت الروم الصلح بعد «١» فراغه بثلاثة أشهر، فتوجّه إليهم يزيد بن بدر بن أبي محمد البطال في سرية فغنموا وظفروا. وفيها مات عمر «٢»
стр. 439
الكلواذاني عريف الزنادقة وتولى بعده حمدويه الميساني. وفيها توفي الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو محمد الهاشمي المدني، وأمه أم ولد كان عابداً ثقة، ولي المدينة لأبي جعفر المنصور خمس سنين، ثم غضب عليه أبو جعفر وعزله واستصفى أمواله وحبسه، فلم يزل محبوسا حتى مات المنصور فأخرجه المهدي ورد عليه كل شيء كان أخذ له؛ ولم يزل عند المهدي مقرباً إلى أن مات في هذه السنة.
وفيها توفي حماد بن سلمة أبو سلمة البصري مولى بني تميم، كان من أهل البصرة وهو ابن أخت حميد الطويل، كان ثقة عالماً زاهداً صالحاً كبير الشأن.
الذين ذكر وفاتهم الذهبي على اختلاف في وفاتهم، قال: وتوفى أبو أميّة [أيوب] ابن خوط «١» البصري، وجعفر الأحمر بخلف، وأبو الغصن «٢» ثابت بن قيس المدني، والأمير الحسن بن زيد بن السيد الحسن سبط النبي ﷺ .
قلت وهو الذي ذكرناه في هذه السنة. قال: وتوفي خارجة بن مصعب السرخسي «٣» ، وسعيد بن بشير بدمشق وقيل سنة تسع، وأبو مهدي سعيد بن سنان الحمصي، وطعمة بن عمرو الجعفري الكوفي، وعبيد الله بن الحسن العنبرىّ قاضي البصرة، وغوث بن سليمان بمصر، ومحمد بن صالح التمار، وأبو حمزة السكري في قول، ومفضل بن مهلهل «٤» في قول، ونافع بن يزيد الكلاعي بمصر ويحيى بن أيوب المصري وقيل سنة ثلاث.
стр. 440
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان سواء، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وخمسة عشر إصبعاً.
ذكر ولاية عسامة بن عمرو على مصر
هو عسامة بن عمرو بن علقمة بن معلوم بن جبريل «١» بن أوس بن دحية المعافري الأمير أبو داجن أمير مصر (وعسامة بفتح العين المهملة والسين المهملة مشددة وبعد الألف ميم مفتوحة وهاء ساكنة) وليها باستخلاف موسى بن مصعب له، فلما قتل موسى أقره المهدي على إمرة مصر عوضه؛ وكان ذلك في شوال سنة ثمان وستين ومائة، وكان ولى الشّرطة بمصر لعدة من أمراء مصر؛ ولما ولي إمرة مصر افتتح إمرته بحرب دحية الأموي الخارج ببلاد الصعيد في إمرة موسى، فبعث إليه جيوشا مع أخيه بكار بن عمرو فحارب بكار المذكور يوسف بن نصير مقدمة جيش دحية المذكور وتطاعنا فوضع يوسف الرمح في خاصرة بكار ووضع بكار الرمح في خاصرة يوسف فقتلا معاً ورجع الجيشان منهزمين؛ وكان ذلك في ذي الحجة سنة ثمان وستين ومائة. فلم يقم عسامة بعد ذلك إلا أياماً يسيرة وورد عليه الخبر من الفضل بن صالح العباسي أنه ولي مصر وقد استخلف عسامة المذكور على صلاتها حتى يحضر، فخلفه عسامة على الصلاة حتى حضر الفضل في سلخ المحرم سنة تسع وستين ومائة؛ فكانت ولاية عسامة على مصر ثلاثة أشهر إلا أياما. واستمر عسامة بمصر بعد ذلك سنين إلى أن استخلفه إبراهيم بن صالح لما ولي مصر قبل أن يدخلها على الصلاة فخلفه عسامة المذكور أياما يسيرة بها حتى حضر إبراهيم، ثم أقام عسامة بعد ذلك بمصر إلى أن مات بها يوم الجمعة لست أو لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين ومائة.
стр. 441
[ما وقع من الحوادث سنة ١٦٩]
السنة التي حكم فيها عسامة وغيره على مصر وهي سنة تسع وستين ومائة- فيها خرج المهدىّ من بغداد يريد ما سبذان «١» واستخلف الربيع الحاجب على بغداد، وسبب خروجه أنه رأى تقديم ولده هارون على أخيه موسى وكلاهما أمه الخيزران، فأرسل المهدي إلى ولده موسى وكلاء وهو بجرجان فامتنع من المجيء، ثم أرسل إليه ثانياً فلم يأت، فسار إليه المهدي فمات في طريقه.
ذكر وفاة المهدي ونسبه
هو محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي أمير المؤمنين، وهو الثالث من خلفاء بني العباس، بويع بالخلافة بعد وفاة أبيه في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة ومولده سنة سبع وعشرين ومائة، وأمه بنت منصور الحميرية، ومات في المحرم من هذه السنة. وسبب موته قيل؛
إنه ساق في مسيره خلف صيد فاقتحم الصيد خربة فدخلت الكلاب خلفه وتبعهم المهدي فدق ظهره في باب الخربة مع شدة سوق الفرس فمات من ساعته، وقيل: بل سمه بعض حواشيه. وقيل: بل أكل أبخاصاً «٢» فصاح: جوفي جوفي ومات من الغد بقرية من قرى ما سبذان، وقيل غير ذلك. فبويع موسى الهادي ولده بالخلافة، وركب البريد من جرجان إلى بغداد في عشرين يوما ولا يعرف خليفة ركب البريد سواه. وكان وصول الهادي إلى بغداد في عاشر صفر من سنة تسع وستين ومائة.
стр. 442
قلت: وينبغي أن نلحق قضية موسى الهادي في كتاب «الفرج بعد الشدة» فإنه كان أبوه يريد خلعه من ولاية العهد ويقدم الرشيد عليه فجاءته الخلافة دفعة واحدة.
وفيها توفي الربيع الحاجب، كان من عظماء الدولة العباسية ونالته السعادة وطالت أيامه وولي حجوبية المنصور والمهدي، وولي نيابة بغداد وغيرها. وفيها حج بالناس سليمان بن أبي جعفر المنصور. وفيها توفي إبراهيم بن عثمان أبو شيبة قاضي واسط مولى بني عبس، كان كاتبه يزيد بن هارون، وكان عادلا في أحكامه حسن السيرة. وفيها توفي إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، كان خرج مع الحسين صاحب فخ فلما قتل الحسين هرب إدريس هذا إلى مصر، وكان على بريد مصر واضح، فحمله واضح المذكور إلى المغرب فنزل بمدينة وليلة وبايعه الناس والبربر وكاد أمره أن يتم؛ فدس عليه الهادي أو الرشيد الشماخ اليماني مولى المهدي، فخرج الشماخ إلى المغرب في صفة طبيب، فشكا إدريس من أسنانه فأعطاه الشماخ سنوناً «١» مسموماً وقال له: بعد صلاة الفجر استعمله وهرب الشماخ من يومه، فمات إدريس بعد أن استعمل السنون بيوم. وقد تقدم أيضاً ذكر إدريس هذا في ولاية واضح على مصر. وفيها قتل الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، صاحب فخ الذي كان خرج قبل هذه المرة، ثم ظهر ثانيا في هذه السنة بالمدينة، وكان متولي المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقاتله عمر المذكور، وآخر الأمر أن الحسين هذا قتل وقتل معه أصحابه، وكانت عدّة الرءوس التي حملت إلى الخليفة مائة رأس.
وفيها توفي محمد بن عبد الرحمن بن هشام أبو خالد القاضي المكي، ولي قضاء مكة
стр. 443
وكان قصيرا دميما، وكان عنقه داخلاً في بدنه؛ سمعته امرأته يوماً وهو يقول:
اللهم أعتق رقبتي من النار، فقالت: وأي رقبة لك! وقيل: إن أمه قالت له:
يا ولدي، إنك قد خلقت خلقة لا تصلح معها لمعاشرة الفتيان، فعليك بالدّين والعلم فانّهما يتمّان النقائص، [ويرفعان «١» الخسائس؛ فنفعني الله بما قالت فتعلمت العلم حتى وليت القضاء] .
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وخمسة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وخمسة عشر إصبعاً.
ذكر ولاية الفضل بن صالح على مصر
هو الفضل بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس الأمير أبو العباس الهاشمي العباسي، ولاه المهدي إمرة مصر بعد عزل عسامة بن عمرو على الصلاة والخراج؛ وقبل خروجه مات محمد المهدي في أول المحرم سنة تسع وستين ومائة، وولي الخلافة ابنه موسى الهادي فأقر الهادي الفضل هذا على عمل مصر وسفره، فسار الفضل حتى دخل إلى مصر في يوم الخميس سلخ المحرم المذكور؛ وكان الفضل استعمل عسامة المعزول عن إمرة مصر على الصلاة إلى أن حضر، فلما قدم الفضل استعمل عسامة أيضاً على عادته الأولى قبل أن يلي الإمرة؛ ولما دخل الفضل إلى مصر وجد أمر مصر مضطربا من عصيان أهل جزيرة الحوف، بالوجه البحري، وأيضاً من خروج دحية الأموي بالصعيد وقد طال أمره على أمراء مصر، وكان مع الفضل جيوش الشأم فحال قدومه جهز العساكر لحرب دحية المذكور. فقاتله العسكر وهزموه، وأسر دحية بعد أمور وحروب، وقدموا به إلى الفسطاط، فضرب
стр. 444
الفضل عنقه وصلب جثته وبعث برأسه إلى الهادي. وكان قتل دحية المذكور في جمادى الآخرة سنة تسع وستين ومائة، فكان الفضل يقول: أنا أولى الناس بولاية مصر لقيامي في أمر دحية وهزيمته وقتله وقد عجز عنه غيري، وكاد أمره أن يتم لطول مدته ولاجتماع الناس عليه لولا قيامي في أمره، وكان الفضل لما قدم مصر سكن المعسكر و [بنى «١» ] به الجامع، فلم يكن بعد قتله لدحية بمدة يسيرة إلا وقدم عليه البريد بعزله عن إمرة مصر بعلي بن سليمان؛ فلما سمع الفضل خبر عزله ندم على قتل دحية ندماً عظيماً فلم يفده ذلك. وكان عزل الفضل عن إمرة مصر في أواخر سنة تسع وستين ومائة المذكورة؛ فكانت ولايته على مصر دون السنة.
وقد ولي الفضل هذا إمرة دمشق مدة. ولا أعلم ولايته على دمشق قبل ولايته على مصر أو بعدها. وهو الذي عمر أبواب جامع دمشق والقبة التي في الصحن وتعرف بقبة المال في أيام إمرته على دمشق. وكانت وفاة الفضل هذا في سنة اثنتين وسبعين ومائة وهو ابن خمسين سنة، وكان أميراً شجاعاً مقداماً شاعراً فصيحاً أديباً صاحب خطب وشعر، من ذلك قوله:
عاش الهوى واستشهد الصبر ... وعاث في الحزن والضر
وسهل التوديع يوم نوى ... ما كان قد وعّره الهجر
ذكر ولاية علي بن سليمان على مصر
هو علي بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، الأمير أبو الحسن الهاشمي العباسي، ولي إمرة مصر بعد عزل الفضل بن صالح عنها؛ ولاه موسى الهادي على إمرة مصر وجمع له الصلاة والخراج معاً، ودخل علي بن سليمان هذا إلى مصر
стр. 445
في شوال سنة تسع وستين ومائة وسكن المعسكر، وجعل على شرطته عبد الرحمن ابن موسى اللخمي ثم عزله وولى الحسن بن يزيد الكندي. ولما قدم علي المذكور إلى مصر أقام مدة يسيرة وورد عليه الخبر بموت موسى الهادي في نصف شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وولاية هارون الرشيد الخلافة من بعده وأن الرشيد أخاه أقر علياً على عمل مصر على عادته؛ وكان علي بن سليمان المذكور عادلاً وفيه رفق بالرعية آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ومنع في أيامه الملاهي والخمور، وهدم الكنائس بمصر وأعمالها، فتكلم القبط معه في تركها وأن يجعلوا له في مقابلة ذلك خمسين ألف دينار، فامتنع من ذلك وهدم الكنائس؛ وكان كثير الصدقة في الليل فمالت الناس إليه، فلما رأى ميل الناس إليه أظهر ما في نفسه من أنه يصلح للخلافة، وطمع في ذلك وحدثته نفسه بالوثوب، فكتب بعض أهل مصر إلى هارون الرشيد وعرفه بذلك، فسخط عليه هارون وعاجله بعزله؛ فعزله عن إمرة مصر في يوم الجمعة لأربع بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين ومائة؛ وولى مصر بعده موسى بن عيسى. فكانت ولاية علي بن سليمان هذا على مصر نحو سنة وثلاثة أشهر، وقيل أكثر من ذلك. وتوجه علي بن سليمان إلى الرشيد فندبه لقتال يحيى بن عبد الله بالديلم وصحبته الفضل بن يحيى البرمكي- ويحيى بن عبد الله هو يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ كان خرج بالديلم واشتدت شوكته وكثرت جموعه وأتاه الناس من الأمصار، فاغتمّ الرشيد لذلك، وندب إليه علي بن سليمان هذا بعد عزله وجعل أمر الجيش للفضل بن يحيى، وولاه جرجان وطبرستان والري وغيرها وسيرهما في خمسين ألفاً، وحمل معهما الأموال؛ فكاتبا يحيى بن عبد الله وتلطفا به وحذراه المخالفة وأشارا
стр. 446
عليه بالطاعة؛ ونزل الفضل بن يحيى بالطالقان بمكان يقال له: آشب «١» ؛ ووالى كتبه إلى يحيى بن عبد الله العلوي المذكور، حتى أجاب يحيى إلى الصلح على أن يكتب له الرشيد أمانا بخطه يشهد عليه فيه القضاة والفقهاء وجلة بني العباس ومشايخهم، منهم عبد الصمد بن علي؛ فأجاب الرشيد إلى ذلك وسرّبه وعظمت منزلة الفضل عنده، وسير الرشيد الأمان إلى يحيى بن عبد الله مع هدايا وتحف فقدم يحيى مع الفضل وعلي بن سليمان إلى بغداد، فلقيه الرشيد بما أحب وأمر له بمال كثير، ثم بعد مدة قبض عليه وحبسه حتى مات في الحبس؛ وكان الرشيد قد عرض كتاب أمان يحيى بن عبد الله المذكور على الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وعلى أبي البختري «٢» القاضي؛ فقال محمد بن الحسن: الأمان صحيح، فحاجه الرشيد وأغلظ له فلم يرجع حتى حنق منه الرشيد وكاد يسطو عليه. وقال أبو البختري: هذا أمان منتقض من وجه كذا، فمزقه الرشيد. واستمر علي بن سليمان معظماً إلى أن مات.
وتوفي بعد عزله عن مصر في سنة اثنتين وسبعين ومائة قاله الذهبي وقيل: سنة ثمان وسبعين ومائة.
[ما وقع من الحوادث سنة ١٧٠]
السنة التي حكم فيها علي بن سليمان على مصر وهي سنة سبعين ومائة- فيها توفي الخليفة موسى الهادي ابن الخليفة محمد المهدي ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس العباسي الهاشمي، أمير المؤمنين أبو جعفر وقيل أبو محمد، وقيل أبو موسى، الرابع من خلفاء بني العباس ببغداد، ولد سنة خمس
стр. 447
وأربعين ومائة، وقيل سنة ست وأربعين ومائة، وقيل سنة ثمان وأربعين ومائة؛ وأمه أم ولد تسمى الخيزران، وهي أم الرشيد أيضا؛ وكان موته من قرحة أصابته، وقيل: إن أمه الخيزران سمته لما أجمع على قتل أخيه هارون الرشيد، وكانت الخيزران مستبدة بالأمور الكبار حاكمة، وكانت المواكب تغدو إلى بابها فزجرهم الهادي ونهاهم عن ذلك وكلمها بكلام فج، وقال لها: متى وقف ببابك أمير ضربت عنقه، أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك، أو سبحة! فقامت الخيزران وهي ما تعقل من الغضب، وقيل: إنه بعث إليها بسم أو طعام مسموم فأطعمت الخيزران منه كلباً فمات من وقته فعملت على قتله حتى قتلته: وقيل في وفاته غير ذلك، وكانت وفاته في نصف شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، فكانت خلافته سنة واحدة وثلاثة أشهر وقيل سنة وشهراً، وبويع أخوه هارون الرشيد بالخلافة. وكان الهادي طويلاً جسيماً أبيض، بشفته العليا تقلص، وكان أبوه قد وكل به في صغره خادماً، فكلما رآه مفتوح الفم قال: موسى أطبق، فيضيق على نفسه ويضم شفته.
حكى مصعب الزبيري عن أبيه قال: دخل مروان بن أبي حفصة شاعر وقته على الهادي فأنشد قصيدة فيها:
تشابه يوما بأسه ونواله ... فما أحد يدري لأيهما الفضل
فقال له الهادي: أيما أحب إليك، ثلاثون ألفاً معجلة أو مائة ألف درهم تدون في الدواوين؟ قال: تعجل الثلاثون، وتدون المائة ألف؛ قال: بل تعجلان لك. وفيها ولد للرشيد ابنه الأمين محمد من بنت عمه زبيدة وابنه المأمون عبد الله وأمه أم ولد- يأتي ذكرها في ترجمته-، وفيها عزل الرشيد عمر بن عبد العزيز [العمرىّ]
стр. 448
عن إمرة المدينة وولاها لإسحاق بن سليمان بن علي العباسي. وفيها فوض الرشيد أمور الخلافة إلى يحيى بن خالد بن برمك وقال له: قد قلدتك أمور الرعية وأخرجتها من عنقي فول من رأيت وافعل ما تراه، وسلم إليه خاتم الخلافة وكان الهادي قد حجر على أمه الخيزران فردها الرشيد إلى ما كانت عليه وزادها، فكان يحيى بن خالد يشاورها في الأمور. وفيها فرق الرشيد في أعمامه وأهله أموالاً لم يفرقها أحد من الخلفاء قبله. وفيها خرج من الطالبيين إبراهيم بن إسماعيل ويقال له طباطبا؛ وخرج أيضاً على الرشيد علي بن الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن. وفيها حج الرشيد ماشيا كان يمشي على اللبود، كانت تبسط له من منزلة إلى منزلة؛ وسبب حجه ماشياً أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام فقال له: يا هارون، إن هذا الأمر صائر إليك فحج ماشياً، واغز «١» ووسع على أهل الحرمين. فأنفق فيهم الرشيد أموالاً عظيمة ولم يحج خليفة قبله ولا بعده ماشياً ﵀، ولقد كان من أحاسن «٢» الخلفاء. وفيها توفيت جوهرة العابدة «٣» الزاهدة زوجة أبي عبد الله البراثي الزاهد، كان زوجها أبو عبد الله منقطعا بقرية براثى غربي بغداد. وفيها توفى فتح بن محمد ابن وشاح أبو محمد الأزدي الموصلي الزاهد العابد، كان صاحب كرامات وأحوال.
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وتوفي إسحاق بن سعيد بن عمرو الأموي، وعبد الله بن جعفر المخرمي المدني، وجرير بن حازم البصرىّ، والربيع ابن يونس الحاجب، وسعيد بن حسين الأزدي، وعبد الله بن المسيب أبو السوار المدني- بمصر يروي عن عكرمة-، وعبد الله بن المؤمل المخزومي، وعبد الله
стр. 449
ابن الخليفة مروان الأموي في السجن، وعمرو بن ثابت الكوفي. وفي «التذهيب» قال: مات سنة اثنتين وسبعين ومائة. وغطريف بن عطاء متولي اليمن، ومحمد بن أبان بن صالح الجعفي «١» ، ومحمد بن الزبير المعيطي إمام مسجد حران، ومحمد بن مسلم، أبو سعيد المؤدب بخلف، ومحمد بن مهاجر الأنصاري الحمصي، ومهدي بن ميمون في قول، وموسى الهادي بن المهدي الخليفة، وأبو معشر نجيح السندي المدني، ويزيد بن حاتم الأزدي متولي إفريقية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع.
ذكر ولاية موسى بن عيسى الأولى على مصر
هو موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، الأمير أبو عيسى العباسي الهاشمي، «٢» ولاه الخليفة هارون الرشيد إمرة مصر على الصلاة بعد عزل علي بن سليمان عنها؛ فقدم موسى إلى مصر في أحد الربيعين من سنة إحدى وسبعين ومائة وسكن بالمعسكر، وجعل على شرطته أخاه إسماعيل ثم عزله وولى عسامة بن عمرو، ثم وقع من موسى هذا أمور غير مقبولة، منها: أنه أذن للنصارى في بنيان الكنائس التي كان هدمها علي بن سليمان فبنيت بمشورة الليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، وقالا: هى عمارة البلاد، واحتجا بأن الكنائس التي بمصر لم تبن إلا في الإسلام في زمان الصحابة والتابعين. وهذا كلام يتأول. وكان موسى المذكور عاقلاً جواداً ممدحاً ولي الحرمين لأبي جعفر المنصور والمهدي مدة طويلة، ثم ولي اليمن للمهدي أيضا، ثم ولي مصر لهارون الرشيد، وكان فيه رفق بالرعية
стр. 450
وتواضع؛ قيل: إنه دخل اليه ابن السمّاك الواعظ وذكره ثم وعظه حتى بكى بكاء شديداً، فقال ابن السماك: لتواضعك في شرفك أحب إلينا من شرفك؛ وقيل: إنه جلس يوماً بميدان مصر فأطال النظر في النيل ونواحيه، فقيل له: ما يرى الأمير؟
فقال «١» : أرى ميدان رهان، وجنان نخل، وبستان شجر، ومنازل سكنى، ودور خيل «٢» وجبان أموات، ونهراً عجاجاً، وأرض زرع، ومرعى ماشية، ومرتع خيل، ومصايد بحر، وقانص «٣» وحش، وملاح سفينة، وحادي إبل، ومفازة رمل، وسهلاً وجبلاً في أقل من ميل في ميل.
قلت: لله دره فيما وصف من كلام كثرت معانيه وقل لفظه. واستمر موسى بعد ذلك على إمرة مصر إلى أن عزله الرشيد عنها بمسلمة بن يحيى لأربع عشرة خلت من شهر رمضان سنة اثنتين وسبعين ومائة. فكانت ولايته على مصر سنة واحدة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوماً. وتوجه إلى الرشيد فلما قدم عليه ولاه الكوفة مدة ثم صرفه عن الكوفة وولاه دمشق، فأقام بها مدة أيضاً وصرف عنها وأعيد إلى إمرة مصر ثانياً كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى- لما «٤» كانت الفتنة بدمشق بين المضرية «٥» واليمانية، وهذه الفتنة هي سبب العداوة بين قيس وبين اليمن إلى يومنا هذا. وكان أول الفتنة بين المضرية واليمانية. وكان رأس المضرية أبا الهيذام «٦»
стр. 451
واسمه عامر بن عمارة المري أحد فرسان العرب. وكان سبب الفتنة أموراً: منها أن أحد غلمان الرشيد بسجستان قتل أخاً لأبي الهيذام، فرثى أبو الهيذام أخاه وجمع جمعاً وخرج إلى الشام، فاحتال عليه الرشيد بأخ له وأرغبه «١» حتى قبض عليه وكتفه، وأتى به إلى الرشيد فمن عليه وأطلقه؛ وقيل: إن أول ما هاجت الفتنة بالشام، أن رجلاً من القين خرج بطعام له يطحنه في الرحى بالبلقاء فمر بحائط رجل من لخم أو جذام وفيه بطيخ فتناول منه، فشتمه صاحبه وتضاربا، وسار القينىّ، فجمع صاحب البطيخ قوماً ليضربوه إذا عاد من اليمن، فلما عاد ضربوه، فقتل رجل من اليمانية فطلبوا بدمه واجتمعوا لذلك، فخاف الناس أن يتفاقم ذلك؛ فاجتمع الناس ليصلحوا بينهم فأتوا بني القين فكلموهم فأجابوهم، فأتوا اليمانية فقالوا: انصرفوا عنا حتى ننظر في أمرنا؛ ثم ساروا وبيتوا للقين فقتلوا منهم ستمائة وقيل ثلثمائة، فاستنجدت القين قضاعة وسليحاً «٢» فلم ينجدوهم، فاسنجدت قيسا فأجابوهم، وساروا معهم فقتلوا من اليمانية ثمانمائة؛ وكثر القتال بينهم والتقوا غير مرة نحو سنتين ثم آصطلحوا ثم تقاتلوا؛ وتعصب لكل طائفة آخرون ودام ذلك إلى يومنا هذا بسائر بلاد الشام «٣» .
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٧١]
السنة الأولى من ولاية موسى بن عيسى الأولى على مصر وهي سنة إحدى وسبعين ومائة- فيها أخرج الرشيد من كان ببغداد من العلويين إلى المدينة.
وفيها في شهر رمضان حجت الخيزران أم الرشيد وكان أمير الموسم عبد الصمد بن علي العباسي، وأقامت بمكة شهراً وتصدقت بأموال كثيرة. وفيها توفي اسماعيل بن
стр. 452
محمد بن زيد «١» بن ربيعة، أبو هاشم ويلقب بالسيد الحميري؛ كان شاعراً مجيداً وله ديوان شعر. وفيها توفي عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب أبو الوليد التيمي «٢» المدني، كان راوية العرب وافر الأدب عالماً بالنسب، أعطاه الخليفة موسى الهادي مرة ثلاثين ألف دينار. وفيها توفي المفضل «٣» بن محمد بن يعلى الضبي، كان أحد الأئمة الفضلاء الثقات، وكان علامة في النسب وأيام العرب. قال جحظة: اجتمعنا عند الرشيد فقال للمفضل: أخبرني بأحسن ما قالت العرب في الذئب ولك هذا الخاتم وشراؤه ألف وستمائة دينار، فقال: أحسن ما قيل فيه:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان نائم
فقال الرشيد: ما ألقى الله هذا على لسانك إلا لذهاب الخاتم ورمى به إليه؛ فبلغ زبيدة فبعثت إلى المفضل بألف وستمائة دينار وأخذت الخاتم منه وبعثت به إلى الرشيد، وقالت: كنت أراك تعجب به؛ فألقاه إلى المفضل ثانياً وقال له: خذه وخذ الدنانير ما كنت لأهب شيئاً وأرجع فيه.
الذين ذكر الذهبي وفاتهم على اختلاف في وفاتهم، قال: وفيها توفي إبراهيم بن سويد المدنىّ «٤» ، وحبّان «٥» بن علي بخلف، وحديج بن معاوية فيها أو بعدها، وأبو المنذر سلام القارئ، وعبد الله بن عمر العمري المديني، وعبد الرحمن بن الغسيل وله مائة
стр. 453
وست سنين، وعدي بن الفضل البصري، وعمر بن ميمون بن الرمّاح، ومهدىّ ابن ميمون البصري بخلف، ويزيد بن حاتم المهلبي، في قول، وأبو الشهاب الحناط «١» عبد ربه بن نافع فيها أو فى الآتية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٧٢]
السنة الثانية من ولاية موسى بن عيسى الأولى على مصر وهي سنة اثنتين وسبعين ومائة- فيها حج بالناس يعقوب بن المنصور. وفيها عزل الرشيد عن أرمينية يزيد بن مزيد الشيباني وولى أخاه عبيد الله بن المهدي. وفيها زوج الرشيد أخته العباسة بنت المهدي بمحمد بن سليمان العباسي الهاشمي أمير البصرة.
وفيها توفي عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو المطرف الأموي المعروف بالداخل؛ مولده بدير حنين من عمل دمشق في سنة ثلاث عشرة ومائة ونشأ بالشام، فلما زال ملك بني أمية وقتلوا وتفرقوا فر عبد الرحمن هذا إلى المغرب بحواشيه وملك جزيرة الأندلس وتم أمره بها غير أنه لم يلقب بأمير المؤمنين، وقيل: إنه لقب به، والأول أصح لأن جماعة كثيرة ملكوا الأندلس من ذريته وليس فيهم من لقب بأمير المؤمنين، يأتي ذكرهم الجميع في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى؛ وولادة بنت المستكفي صاحبة ابن زيدون الشاعر هي من ذريته أيضاً.
стр. 454
الذين ذكرهم الذهبي في الوفيات، قال: وفيها توفي الحسن بن عياش أخو أبي بكر بن عياش بالكوفة، وروح بن مسافر البصري، وسليمان بن بلال، وصالح المري بخلف، وصاحب الأندلس عبد الرحمن الداخل الأموي، وابن عم المنصور علي بن سليمان بن علي، وابن عمه الآخر الفضل بن صالح بن علي، والوليد بن أبي ثور، والوليد بن المغيرة المصري «١» ، ويحيى بن سلمة «٢» بن كهيل بخلف.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وإصبعان ونصف.
ذكر ولاية مسلمة بن يحيى على مصر
هو مسلمة بن يحيى بن قرة بن عبيد الله بن عتبة البجلي الخراساني أمير مصر، أصله من أهل خراسان وقيل من جرجان وخدم بني العباس وكان من أكابر القواد؛ ولاه هارون الرشيد على إمرة مصر على الصلاة والخراج معاً بعد عزل موسى بن عيسى العباسي في سنة اثنتين وسبعين ومائة، وقدم إلى مصر في شهر رمضان من السنة المذكورة في عشرة آلاف من الجند، وسكن المعسكر على عادة أمراء بني العباس؛ وجعل على الشرطة ابنه عبد الرحمن، فلم تطل مدته على مصر ووقع في ولايته على مصر أمور وفتن حتى عزله الخليفة هارون الرشيد في شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة بمحمد بن زهير الأزدي؛ فكانت ولايته على إمرة مصر أحد عشر شهراً، وكانت أيامه مع قصرها كثيرة الفتن؛ ووقع له أمور مع أهل الحوف ثم أخرج العساكر لحفظ البحيرة من الفتن التي كانت بالمغرب: منها خروج سعيد بن الحسين بن
стр. 455
يحيى الأنصاري بالأندلس وتغلبه على أقاليم طرطوشة «١» في شرق الأندلس، وكان قد التجأ إليها حين قتل أبوه الحسين ودعا إلى اليمانية وتعصب لهم، فاجتمع له خلق كثير وملك مدينة طرطوشة وأخرج عاملها يوسف القيسي «٢» فعارضه موسى بن فرتون «٣» وقام بدعوة هشام الأموي ووافقته جماعة؛ وخرج أيضاً مطروح بن سليمان بن يقظان بمدينة برشلونة وخرج معه جمع كبير، فملك مدينة سرقسطة ومدينة وشقة وتغلب على تلك الناحية وقوي أمره. وكان هشام مشغولاً بمحاربة أخويه سليمان وعبد الله، ولم تزل الحرب قائمة بالغرب، وأمير مصر يتخوف من هجوم بعضهم إلى أن عزل مسلمة عن مصر.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٧٣]
السنة التي حكم فيها مسلمة بن يحيى على مصر وهي سنة ثلاث وسبعين ومائة- فيها عزل الرشيد عن إمرة خراسان جعفر بن محمد بن الأشعث وولى عوضه ولده العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث. وفيها حج الرشيد بالناس ولما عاد أخذ معه موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وحبسه إلى أن مات. وفيها توفيت الخيزران جارية المهدي وأم ولديه موسى الهادي وهارون الرشيد، كان اشتراها المهدي وأعتقها وتزوجها، ذكرنا ذلك في وقته من هذا الكتاب في محله، وكانت عاقلة لبيبة دينة؛ كان دخلها في السنة ستة آلاف وستين ألف ألف درهم، فكانت تنفقها في الصدقات وأبواب البر، وماتت ليلة الجمعة
стр. 456
لثلاث بقين من جمادى الآخرة، ومشى ابنها الرشيد في جنازتها وعليه طيلسان أزرق وقد شد وسطه وأخذ بقائمة التابوت حافياً يخوض في الطين والوحل من المطر الذي كان في ذلك اليوم حتى أتى مقابر قريش فغسل رجليه وصلى عليها ودخل قبرها ثم خرج وتمثل بقول متمم [بن نويرة] الأبيات المشهورة، التى أوّلها:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
ثم تصدق عنها بمال عظيم ولم يغير على جواريها وحواشيها شيئاً مما كان لهم.
وفيها توفيت غادر جارية الهادي وكانت بارعة الجمال، وكان الهادي مشغوفاً بحبها فبينما هي تغنيه يوما فّكر وتغيّر لونه وقال: وقع في نفسي أني أموت ويتزوجها أخي هارون من بعدي، فأحضر هارون واستحلفه بالأيمان المغلظة من الحج ماشياً وغيره [أنه لا يتزوجها «١» ] ، ثم استحلفها أيضاً كذلك، ومكث الهادي بعد ذلك أقل من شهر ومات وتخلف هارون الرشيد فأرسل هارون الرشيد خطبها «٢» ، فقالت له: وكيف يميني ويمينك؟ فقال: أكفر عن الكلّ، فتزوجته فزاد حب الرشيد لها على حب الهادي أخيه حتى إنها كانت تنام فتضع رأسها على حجره فلا يتحرك حتى تنتبه؛ فبينما هي ذات يوم نائمة [ورأسها «٣» ] على ركبته انتبهت فزعة تبكي وقالت: رأيت الساعة أخاك الهادي وهو يقول وأنشدت أبياتاً منها:
ونكحت عامدة أخي ... صدق الذي سماك غادر
فلم تزل تبكي وتضطرب حتى ماتت وتنغص عليه عيشه بموتها. وقيل: إن الرشيد ما حج ماشياً إلا بسبب اليمين التي كانت حلفه [إياها] أخوه الهادي بسببها. وفيها توفي محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، كان من وجوه بني العباس وتولّى
стр. 457
الأعمال الجليلة، وهو الذي تزوج العباسة بنت المهدي أخت هارون الرشيد، وكان له خمسون ألف عبد، منهم عشرون ألفاً عتقاً. قاله أبو المظفر في مرآة الزمان.
ذكر الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي اسماعيل ابن زكرياء الخلقاني، وجويرية بن أسماء الضبعي، وأم الرشيد الخيزران، وسعيد ابن عبد الله المعافري، وسلام بن أبي مطيع، والسيد الحميري الشاعر، وزهير ابن معاوية بن كامل اللخمي المصري، وعبد الرحمن بن أبي الموالي مولى بني هاشم، والأمير محمد بن سليمان بن علي.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وثلاثة أصابع.
ذكر ولاية محمد بن زهير على مصر
هو محمد بن زهير الأزدي أمير مصر ولاه هارون الرشيد على إمرة مصر وجمع له بين الصلاة والخراج معاً، وذلك بعد عزل مسلمة بن يحيى لخمس خلون من شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة، وسكن المعسكر على عادة أمراء بني العباس واستعمل على خراج مصر عمر بن غيلان وعلى الشرطة حنك «١» بن العلاء ثم صرفه وولّى حبيب ابن أبان البجلي؛ ولما ولي عمر بن غيلان خراج مصر شدد على الناس وعلى أهل الخراج، فنفرت القلوب منه وثار عليه الجند وقاتلوه وحصروه في داره فلم يدافع عنه محمد بن زهير صاحب الترجمة، فانحطّ قدر عمر بن غيلان وتلاشى أمره مع الجند وغيرهم؛ وبلغ الخليفة هارون الرشيد ذلك فعظم عليه عدم قيام محمد بن زهير بنصرة عمر بن غيلان المذكور فعزله عن إمرة مصر بداود بن يزيد بن حاتم المهلبي فى سلخ
стр. 458
ذى الحجّة من سنة ثلاث وسبعين ومائة؛ فكانت ولاية محمد بن زهير على إمرة مصر خمسة أشهر تنقص أياماً، وتوجه إلى الرشيد فزجره ثم جعله من جملة القواد وندبه للاستيلاء على مال محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بالبصرة بعد موته، وكانت تركة محمد بن سليمان عظيمة: من المال والمتاع والدواب، فحملوا منها ما يصلح للخلافة وتركوا ما لا يصلح؛ وكان من جملة ما أخذوا له ستون ألف ألف درهم؛ فلما قدموا بذلك على الرشيد أطلق منه للندماء والمغنين شيئاً كثيراً ورفع الباقي إلى خزانته.
وكان سبب أخذ الرشيد تركته أن أخاه جعفر بن سليمان كان يسعى به إلى الرشيد حسداً له ويقول: إنه لا مال له ولا ضيعة إلا وقد أخذ أكثر من ثمنها ليتقوى به على ما تحدثه به نفسه- يعني الخلافة- وأن أمواله حل طلق «١» لأمير المؤمنين. وكان الرشيد يأمر بالاحتفاظ بكتبه، فلما توفي محمد بن سليمان أخرجت الكتب الواردة من جعفر أخيه واحتج الرشيد عليه بها في أخذ أمواله ولم يكن له أخ لأبيه وأمه غيره، فأقر جعفر بالكتب، فأخذ الرشيد جميع المال ولم يعط جعفراً منها الدرهم الواحد.
قلت: انظر إلى شؤم الحسد وسوء عاقبته، ولله در القائل: الحاسد ظالم في صفة مظلوم، مبتلى غير مرحوم. ودام محمد بن زهير عند الرشيد إلى أن كان ما سيأتى ذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر ولاية داود بن يزيد على مصر
هو داود بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة المهلبي أمير مصر، ولاه الخليفة هارون الرشيد على إمرة مصر على الصلاة بعد عزل محمد بن زهير الأزدي، فقدم مصر لأربع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة أربع وسبعين ومائة،
стр. 459
وقدم معه إبراهيم بن صالح بن علي العباسىّ على الخراج؛ فدخلا مصر معا وسكن داود المعسكر على العادة وجعل على شرطته عمّار بن مسلم الطائي، ثم أخذ داود في إصلاح أمر مصر وأخرج الجند الذين كانوا ثاروا على عمر بن غيلان صاحب خراج مصر في أيام محمد بن زهير المعزول عن إمرة مصر إلى بلاد المغرب، وأخرج بعضهم أيضاً إلى بلاد المشرق وكانوا عدة كبيرة. ثم ورد عليه الأمر من الرشيد أن يأخذ المصريين ببيعة ابنه الأمير محمد بن زبيدة ففعل ذلك. وكان الرشيد عقد لابنه محمد المذكور بولاية العهد ولقبه بالأمين وأخذ له البيعة من الناس وعمره خمس سنين وكتب بذلك إلى الأقطار. وكان سبب البيعة للأمين أن خاله عيسى بن جعفر بن المنصور جاء إلى الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك وسأله في ذلك وقال له:
إنه ولدك وخلافته لك، وإن أختي زبيدة تسألك في ذلك، فوعده الفضل بذلك وسعى فيه عند الرشيد حتى بايع له الناس بولاية العهد وترك ولده المأمون وهو أسن من ولده محمد الأمين بشهر، ثم بعد ذلك عهد الرشيد للمأمون بولاية العهد بعد الأمين على ما سيأتي ذكره.
وأما جند مصر الذين أخرجوا من مصر فإنهم ساروا إلى المغرب في البحر فأسرهم الفرنج بعد حروب، وسكن الحال بديار مصر وأمن الناس، واستمر داود على إمرة مصر إلى أن صرفه الرشيد عنها بعيسى بن موسى بن عيسى العباسي المعزول عن إمرة مصر قديماً، وذلك لست خلون من المحرم سنة خمس وسبعين ومائة، فكانت ولايته على مصر سنة واحدة ونصف شهر.
وأما أمر الجند الذين أسرهم الفرنج فإن داود بن يزيد المذكور جهزهم نجدة إلى هشام بن عبد الرحمن الأموي فيما قيل، وسببه أن هشام بن عبد الرحمن صاحب الأندلس لما فرغ من حرب أخويه سليمان وعبد الله وأجلاهما عن الأندلس وخلا
стр. 460
سره منهما انتدب لمطروح بن سليمان بن يقظان الذي كان خرج عليه وسير إليه جيشاً كثيفاً وجعل عليهم أبا عثمان عبيد الله بن عثمان، فساروا إلى مطروح، وهو بسرقسطة، فحصروه بها فلم يظفروا به، فرجع أبو عثمان ونزل بحصن طرطوشة بالقرب من سرقسطة وبث سراياه على أهل سرقسطة، ثم إن مطروحاً خرج في بعض الأيام يتصيد وأرسل البازي على طائر فاقتنصه، فنزل مطروح ليذبحه ومعه صاحبان له قد انفرد بهما فقتلاه وأتيا برأسه إلى أبي عثمان فأرسله أبو عثمان الى هشام.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٧٤]
السنة التي حكم فيها داود بن يزيد على مصر وهي سنة أربع وسبعين ومائة- فيها حج بالناس هارون الرشيد على طريق البصرة ودخل البصرة ووسع في جامعها من ناحية القبلة. وفيها وقعت العصبية وثارت الفتن بين أهل السنة والرافضة. وفيها ولى الرشيد إسحاق بن سليمان العباسي إمرة السند ومكران. وفيها استقضى الرشيد يوسف ابن القاضي أبي يوسف يعقوب صاحب أبي حنيفة في حياة والده. وفيها توفي روح بن حاتم بن؟؟؟ صة بن المهلب بن أبي صفرة المهلبي الأمير، كان هو وأخوه من وجوه دولة بني العباس. ولي روح هذا إفريقية والبصرة وغيرهما، وكان جليلاً شجاعاً جواداً. وفيها توفي عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان الإمام الحافظ عالم الديار المصرية وقاضيها ومحدثها أبو عبد الرحمن الحضرمىّ المصري، مولده سنة سبع وتسعين وقيل سنة ست وتسعين؛ ومات في يوم الأحد نصف شهر ربيع الأول من السنة وصلى عليه الأمير داود بن يزيد ودفن بالقرافة من جبّانة مصر وقبره معروف بها يقصد للزيارة. قال الذهبي: وكان ابن لهيعة من الكتابين للحديث والجماعين للعلم والرحالين فيه، ولقد حدثني شكر «١» أخبرنا يوسف بن مسلم عن بشر بن المنذر
следующие страницы →