← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وكان يزيد منع الناس من الحج في سنة خمس وأربعين ومائة، كما تقدم ذكره، فلم يحجّ فى تلك السنة أحد من مصر ولا من الشام لما كان بالحجاز من الاضطراب من أمر بني الحسن، ثم حج يزيد هذا في سنة سبع وأربعين ومائة فاستخلف على مصر عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج صاحب شرطته، ولما عاد من الحج بعث جيشاً لغزو الحبشة من أجل خارجي ظهر هناك، فتوجه إليه الجيش وقاتلوه وظفروا به وقدم رأس الخارجي المذكور إلى مصر في عدّة رءوس، فنصبت الرءوس أياماً بمصر ثم حملوها إلى بغداد، فضم الخليفة أبو جعفر المنصور عند ذلك ليزيد هذا برقة زيادة على عمل مصر؛ وهو أول من ضم له برقة على مصر، وكان ذلك في سنة تسع وأربعين ومائة. ثم خرج في أيام يزيد القبط بسخا بالوجه البحري، فجهز إليهم يزيد جيشاً كثيفاً فقاتله القبط وكسروه فرد الجيش منهزماً، فصرفه أبو جعفر المنصور عن إمرة مصر في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين ومائة، فكانت ولايته على مصر سبع سنين وأربعة أشهر. وتولى من بعده مصر عبد الله ابن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، ثم ولي يزيد بن حاتم هذا بعد ذلك إفريقية من بلاد المغرب، فتوجه إليها وغزا بها عدة غزوات، ولا زال بها حتى توفي سنة سبعين ومائة، واستخلف على إفريقية ابنه داود بن يزيد، فأقره الخليفة هارون الرشيد على ذلك، ودام إلى أن عزله في سنة اثنتين وسبعين ومائة بعمه روح بن حاتم. اهـ *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٤٥] السنة الأولى من ولاية يزيد بن حاتم المهلبي على مصر وهي سنة خمس وأربعين ومائة- فيها قتل الخليفة أبو جعفر المنصور محمداً وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب واحداً بعد واحد، فقتل محمد بالمدينة وبعده بمدة قتل إبراهيم؛ وكان إبراهيم خرج أيضاً بعد خروج أخيه محمد على المنصور بالبصرة، وانضم عليه

стр. 387

خلائق من العلماء والفقهاء وأعيان بني الحسن، فلما ورد عليه الخبر بقتل أخيه محمد عظم شأنه وكاد أمره أن يتم، ووقع بينه وبين جيش المنصور أمور ووقائع إلى أن قبض عليه وقتل. وفيها أيضاً مات والدهما عبد الله بن الحسن في حبس المنصور. قال الهيثم: حبسهم أبو جعفر المنصور في سرداب (يعني عبد الله المذكور وأقاربه من بني الحسن) - وقد قدمنا ذكر من حبس مع عبد الله من أقاربه بأسمائهم في سنة أربع وأربعين ومائة- قال: حبسهم في سرداب تحت الأرض لا يعرفون ليلاً ولا نهاراً- والسرداب عند قنطرة الكوفة وهو موضع يزار- ولم يكن عندهم بئر للماء ولا سقاية، فكانوا يبولون ويتغوطون في مواضعهم، وإذا مات منهم ميت لم يدفن بل يبلى وهم ينظرون إليه، فاشتد عليهم رائحة البول والغائط، فكان الورم يبدو في أقدامهم ثم يترقى إلى قلوبهم فيموتون. ويقال: إن أبا جعفر المنصور ردم عليهم السرداب فماتوا، وكان يسمع أنينهم أياماً. وذكر الذهبي وفاة جماعة في هذه السنة، قال: وفيها توفي محمد بن عبد الله ابن حسن وأخوه إبراهيم قتلاً، والأجلح الكندي، وإسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر، وأنيس بن أبي يحيى الأسلمي، وحبيب بن الشهيد، وحجاج بن أرطاة، والحسن بن ثوبان، والحسن بن الحسن بن الحسن في سجن المنصور، ورؤبة بن العجاج التميمي، وعبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، وعبد الملك «١» بن أبي سليمان الكوفي، وعمر بن عبد الله مولى غفرة (بالمعجمة والفاء) وعمرو بن ميمون

стр. 388

ابن مهران «١» الجزري، ومحمد بن عبد الله الديباج «٢» ، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وهشام ابن عروة فى قول، ونصر بن حاجب الخراساني، ويحيى بن سعيد أبو حيان التيمي. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وأربعة عشر إصبعاً. *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٤٦] السنة الثانية من ولاية يزيد بن حاتم على مصر وهي سنة ست وأربعين ومائة- فيها كان فراغ بناء بغداد وتحول إليها الخليفة أبو جعفر المنصور في صفر، وكان خالد بن برمك أشار على المنصور ببنائها، وقيل: إن حجاج بن أرطاة هو الذي اختط جامعها، وقبلتها منحرفة، ولما دخلها الخليفة أبو جعفر المنصور أمر أن يكتب إلى الآفاق أن يرد عليه الخطباء والعلماء والشعراء؛ وكان لا يدخل أحد المدينة راكباً، فشكا إلى المنصور عمه عيسى بن علي أن المشي يشق عليه، فلم يأذن له في الركوب؛ ثم بعد مدّة أمر المنصور بإحراج الأسواق من المدينة، خوفاً من مبيت صاحب خبر «٣» بها، فبنيت الكرخ «٤» وباب «٥» المحول وغير ذلك. وظهر شح المنصور في بناء بغداد، وبالغ في المحاسبة، حتى قال خالد بن الصلت، وكان على بناء ربع بغداد: رفعت إليه الحساب فبقيت علي خمسة عشر درهماً فحبسنى

стр. 389

حتى أدّيتها [وعند ما «١» دخل المنصور بغداد وقع بها الطاعون. وقد تقدم أن الطاعون غير الوباء، فالوباء هو الذي تتنوع فيه الأمراض، والطاعون هو الطعن الذي ذكر في الحديث «٢» ] . وفيها توفي ضيغم بن مالك العابد كان من الخائفين البكائين، وهو من الطبقة الخامسة من أهل البصرة؛ وكان ورده في كل يوم أربعمائة ركعة. وفيها توفي عمرو بن قيس الملائي من الطبقة الرابعة من أهل الكوفة، كان من الأبدال، وكان يقول: حديث أرقق [به] قلبي وأبلغ به إلى ربي أحب إلي من خمسين قضية من قضايا شريح. وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر، قال: وتوفي أشعث بن عبد الملك الحمراني، والحارث [بن عبد «٣» الرحمن] بن عبد الله بن أبي ذباب المدني، وحبيب «٤» بن الشّهيد، وسنان [بن يزيد التميمي «٥» أبو حكيم] الرهاوي، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند المدنى، وعوف الأعرابي، ومحمد بن السائب الكلبي، ومحمد بن أبى يحيى الأسلمىّ، وهشام ابن عروة على الصحيح، ويزيد بن أبي عبيد، ويحيى بن أبي أنيسة الجزري. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراع وستة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٤٧] السنة الثالثة من ولاية يزيد بن حاتم على مصر وهي سنة سبع وأربعين ومائة- فيها حج الخليفة أبو جعفر المنصور وعزم على قبض جعفر بن محمد بن علي بن الحسين

стр. 390

ابن على بن أبى طالب- أعنى جعفر الصادق- فلم يتم له ذلك. وفيها آنتثرت الكواكب من أول الليل إلى الصباح فخاف الناس عاقبة ذلك. وفيها خلع الخليفة أبو جعفر المنصور ابن أخيه عيسى بن موسى من ولاية العهد وولاها لابنه محمد المهدي، وجعل عيسى المذكور بعد المهدي؛ وكان السفاح قد عهد إلى أبي جعفر المنصور بالخلافة ثم من بعده إلى عيسى بن موسى هذا. وفيها أغارت الترك مع استرخان الخوارزمي على مدينة تفليس، وكان بها حرب بن عبد الله الريوندي «١» الذي تنسب إليه الحربية «٢» ببغداد، فخرج إليهم حرب المذكور وقاتلهم فقتلوه وقتلوا خلقاً كثيراً من المسلمين وسبوا. وفيها توفي عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي عم الخليفة أبي جعفر المنصور، وأمه بربرية «٣» يقال لها هنادة، ولد سنة ثلاث ومائة وقيل: آثنتين ومائة في آخر ذي الحجة. وهو الذي هزم مروان الحمار بالزاب وتبعه إلى دمشق وفتحها وهدم سورها وجعل جامعها سبعين يوماً لدوابه وجماله، وقتل من أعيان بني أمية ثمانين رجلاً بنهر أبي فطرس من أرض الرملة، ثم ولي دمشق للسفاح، فلما ولي المنصور خرج عليه عبد الله ودعا لنفسه فهزمه أبو مسلم الخراساني فشفع له إخوته وأخذوا له أمانا من الخليفة أبي جعفر المنصور،

стр. 391

فلما قدم عليه حبسه مدة حتى مات في حبسه؛ قيل: إن أبا جعفر المنصور بنى له داراً حبسه فيها وجعل في أساسها ملحاً، فلما سكنها عبد الله وحبس فيها أطلق عليها ماء فذاب الملح فوقعت الدار عليه فمات. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان واثنان وعشرون إصبعا، مبلغ الزياده أربعة عشر ذراعاً وتسعة عشر إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٤٨] السنة الرابعة من ولاية يزيد بن حاتم على مصر وهي سنة ثمان وأربعين ومائة- فيها حج بالناس الخليفة أبو جعفر المنصور. وفيها توجه حميد بن قحطبة إلى ثغر أرمينية فلم يلق بأساً، وتوطأت الممالك لأبي جعفر المنصور وثبتت قدمه في الخلافة وعظمت هيبته في النفوس ودانت له الأمصار؛ ولم يبق خارجاً عنه سوى جزيرة الأندلس من بلاد المغرب فقط، فإنها تغلب عليها عبد الرحمن بن معاوية المرواني الأموي المعروف بالداخل لكونه دخل المغرب لما هرب من بني العباس، وقد تقدم ذكره في هذا الكتاب، لكنه لم يتلقب بأمير المؤمنين بل بالأمير فقط، وكذلك بنوه من بعده، ويأتى ذكرهم في محلهم من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وفيها توفي جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبى طالب ﵃، الإمام السيد أبو عبد الله الهاشمي العلوي الحسيني المدني، يقال: مولده سنة ثمانين من الهجرة؛ وهو من الطبقة الخامسة من تابعي أهل المدينة، وكان يلقب بالصابر، والفاضل، والطاهر، وأشهر ألقابه الصادق؛ وهو سبط القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فإن أمه هي أم فروة بنت القاسم بن محمد المذكور، وأمها أم أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ولهذا كان جعفر يقول: أنا ابن الصديق مرتين، وهو يروي عن جده لأمه القاسم بن محمد ولم يرو

стр. 392

عن جده لأبيه علي زين العابدين، وقد أدركه وهو مراهق، وروى عن أبيه وعروة ابن الزبير وعطاء ونافع والزهري، وحدث عنه أبو حنيفة وابن جريج وشعبة والسفيانان ومالك وغيرهم. وعن أبي حنيفة قال: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد. وروي عن علي بن الجعد عن زهير بن محمد قال: قال أبي لجعفر بن محمد- يعني الصادق-: إن لي جارا يزعم أنك تبرأ من أبي بكر بن أبي قحافة وعمر، فقال: جعفر: برئ الله من جارك، والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر. وذكر الذهبي بإسناد عن محمد بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي وابنه جعفراً عن أبي بكر وعمر، فقالا: يا سالم تولهما وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى ﵄. وقال لي جعفر: يا سالم، أيسب الرجل جده! أبو بكر جدي، فلا نالتنى شفاعة محمد ﷺ يوم القيامة إن لم أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما. قال الذهبي: هذا إسناد صحيح؛ وسالم وابن فضيل شيعيّان. هـ. قلت: * والفضل ما شهدت به الأعداء* وأي عذر أبقى جعفر الصادق بعد ذلك للرافضة! أخزاهم الله تعالى. وفيها توفي سليمان بن مهران الإمام أبو محمد الأسدي الكاهلي المحدث المعروف بالأعمش، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الكوفة، ولد بقرية أمه «١» من عمل طبرستان في سنة إحدى وستين.

стр. 393

قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: وقد رأى أنس بن مالك وهو يصلي، ولم يثبت أنه يمع منه، مع أن أنساً لما توفي كان للأعمش نيف وثلاثون سنة، وكان يمكنه السماع من جماعة من الصحابة. ثم ذكر الذهبي روايته عن جماعة كثيرة جدا، وذكر أيضاً من روى عنه أكثر وأمعن «١» ؛ ثم ذكر من خفة روحه ودعابته أشياء، منها: قال وقال عيسى بن يونس: خرج الأعمش فإذا بجندي فسخره ليعبر به نهراً، فلما ركبه- قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا الآية، فلما توسط به الأعمش في الماء قال: وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ثم رمى به. وقال محمد بن عبيد الطنافسي: جاء رجل نبيل كبير اللحية إلى الأعمش فسأله عن مسألة خفيفة من الصلاة، فالتفت إلينا الأعمش فقال: انظروا إليه، لحيته تحتمل حفظ أربعة آلاف حديث ومسألته مسألة صبيان الكتاب اهـ وذكر الذهبي في هذه السنة وفاة جماعة كثيرة، قال: وتوفي جعفر بن محمد الصادق، وسليمان الأعمش، وشبل بن عبّاد مقرئ مكة، وزكريا بن أبي زائدة في قول، وعمرو بن الحارث الفقيه بمصر، وعبد الله بن يزيد بن هرمز؛ وعبد الجليل بن حميد اليحصبي، وعمار بن سعد المصري، والعوام بن حوشب، ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبى ليلى القاضى- يأتى ذكره- قال: وحمد بن عجلان الفقيه المدني «٢» ، ومحمد بن الوليد الزبيدي الفقيه، ونعيم بن حكيم المدائني «٣» ، وأبو زرعة يحيى الشيباني. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم، ذراع وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.

стр. 394

*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٤٩] السنة الخامسة من ولاية يزيد بن حاتم على مصر وهي سنة تسع وأربعين ومائة- فيها حجّ بالناس محمد بن الإمام إبراهيم، وفيها ولي إمرة مكة عبد الصمد بن علي العباسي عم الخليفة المنصور ثم صرف عنها. وفيها غزا العباس بن محمد أرض الروم ومعه الحسن بن قحطبة ومحمد بن الأشعث، الذي كان ولي مصر قبل تاريخه، فمات ابن الأشعث في الطريق، وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمته. وفيها كمل بناء بغداد. وفيها توفي سلم بن قتيبة بن مسلم بن عمرو بن الحصين أبو عبد الله الباهلي الخراساني والد سعيد بن سلم، ولي سلم هذا إمرة البصرة ليزيد بن عمر بن هبيرة في أيام مروان الحمار، ثم وليها في أيام أبي جعفر المنصور، وكان أميرا عاقلا عادلا في الرعية. وفيها توفي عيسى بن عمر النحوي الثقفي العالم صاحب الإكمال والجامع، وفيهما يقول الخليل بن أحمد صاحب العربيّة والعروض: بطل النحو جميعاً كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع ... فهما للناس شمس وقمر وفيها توفي كرز بن وبرة الكوفي، كان يسكن جرجان، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الكوفة، كان زاهداً عابداً، سأل ربه أن يعطيه الاسم الأعظم على أن يسأل ربه به حاجة من الدنيا فأعطاه، فسأله الله أن يقويه على ختم القرآن، فكان يختم كل يوم وليلة ثلاث ختمات. وذكر الذهبي وفاة جماعة في هذه السنة، قال: وفيها توفى ثابت بن عمارة وزكرياء بن أبي زائدة في قول، وسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي الأمير،

стр. 395

وعبد الحميد بن يزيد الجذامي، وكهمس بن الحسن التميمي، والمثنى بن الصباح، ومحمد بن الأشعث الخزاعي القائد، وأبو جناب «١» الكلبي، ومعروف بن سويد الجذامي «٢» المصري، ويعقوب بن مجاهد في قول. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وإصبعان، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية أصابع ونصف. *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٥٠] السنة السادسة من ولاية يزيد بن حاتم على مصر وهي سنة خمسين ومائة- فيها خرج اسباديس «٣» في جموع كثيرة، يقال: كان في نحو ثلثمائة ألف مقاتل، وغلب على غالب خراسان؛ فخرج لقتالهم الأختم «٤» المروروذي بأهل مرو الروذ، فاقتتلوا فقتل الأختم في جيشه؛ ثم خرج لقتاله خازم بن خزيمة، وتقاتلا أشد قتال وثبت كل من الفريقين حتى نصر الله الإسلام وهزم اسباديس وكثر القتل في جيشه فقتل منهم سبعون ألفا وأسر بضعة عشر ألفا وهرب اسباديس في طائفة من عسكره إلى الجبل. وفيها عزل الخليفة أبو جعفر المنصور جعفر بن سليمان عن إمرة المدينة وولى الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي العلوى. وفيها حجّ بالناس عبد الصمد ابن علي العباسي. وفيها توفي الإمام الأعظم أبو حنيفة، واسمه النعمان بن ثابت بن زوطى، الفقيه الكوفي صاحب المذهب؛ ولد سنة ثمانين من الهجرة ورأى أنس

стр. 396

ابن مالك الصحابي غير مرة بالكوفة لما قدمها أنس، قاله ابن سعد. وروى عن عطاء بن أبي رباح ونافع وسلمة وخلق كثير، وتفقه بحماد وغيره حتى برع في الفقه والرأي وساد أهل زمانه بلا مدافعة في علوم شتى. وقال عبد الله بن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس. وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحداً أورع ولا أعقل من أبي حنيفة. وعن أسد بن عمرو أن أبا حنيفة صلى العشاء والصبح بوضوء واحد أربعين سنة. قال الذهبي: وقد روي من وجهين أنه ختم القرآن في ركعة. وعن النضر بن محمد قال: كان أبو حنيفة جميل الوجه نقي الثوب عطر الرائحة. وعن ابن المبارك واسمه عبد الله قال: ما رأيت رجلاً أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتاً وحلماً من أبي حنيفة. وروى إبراهيم ابن سعيد «١» الجوهري عن المثنى أن رجلاً قال: جعل أبو حنيفة على نفسه إن حلف بالله صادقاً أن يتصدق بدينار. ويروى أن أبا حنيفة ختم القرآن في الموضع الذي مات فيه سبعة آلاف مرة. وروى محمد بن سماعة عن محمد بن الحسن عن القاسم بن معن: أن أبا حنيفة قام ليلة يردد قوله تعالى: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ويبكي ويتضرع إلى الفجر. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحداً أحلم من أبي حنيفة. وعن الحسن بن زياد: قال أبو حنيفة: إذا ارتشى القاضي فهو معزول وإن لم يعزل. وقال إسحاق بن إبراهيم الزهري عن بشر بن الوليد الكندىّ: طلب المنصور أبا حنيفة فأراده على القضاء وحلف ليلين، فأبى وحلف ألا يفعل ذلك؛ فقال الربيع حاجب المنصور: ترى أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف! قال: أمير المؤمنين على كفارة يمينه أقدر مني؛ فأمر به إلى السجن

стр. 397

فمات فيه ببغداد. وعن مغيث بن بديل قال: دعا المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فامتنع؛ فقال: أترغب عما نحن فيه؟ فقال: لا أصلح؛ قال: كذبت؛ قال أبو حنيفة: فقد حكم أمير المؤمنين على أني لا أصلح، فإن كنت كاذباً فلا أصلح، وإن كنت صادقاً فقد أخبرتكم أني لا أصلح، فحبسه؛ ووقع لأبي حنيفة بسبب القضاء أمور مع المنصور وهو على امتناعه إلى أن مات. وقال أحمد بن الصباح: سمعت الشافعي يقول: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته. وقال حبان «١» بن موسى: سئل ابن المبارك: أمالك أفقه أم أبو حنيفة؟ قال: أبو حنيفة. وقال الخريبي «٢» : ما يقع في أبي حنيفة إلا حاسد أو جاهل. وقال يحيى القطان: لا نكذب الله، ما سمعنا بأحسن من أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. وقال علي بن عاصم: لو وزن علم أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم. وقال حفص بن غياث: كلام أبي حنيفة في الفقه أرق من الشعر لا يعيبه إلا جاهل. وقال الحميدي: سمعت ابن عيينة يقول: شيئان ما ظننتهما يجاوزان قنطرة الكوفة: قراءة حمزة وفقه أبي حنيفة، وقد بلغا الآفاق. وعن الأعمش أنه سئل عن مسألة فقال: إنما يحسن هذا النعمان بن ثابت، وأظنه بورك له في علمه. وقال جرير: قال لي مغيرة: جالس أبا حنيفة تتفقه، فإن إبراهيم النخعي لو كان حياً لجالسه. وقال محمد بن شجاع سمعت علي بن عاصم يقول: لو وزن عقل أبي حنيفة بعقل نصف الناس لرجح بهم.

стр. 398

قلت: ومناقب أبي حنيفة كثيرة، وعلمه غزير وفي شهرته ما يغني عن الإطناب في ذكره، ولو أطلقت عنان القلم في كثرة علومه ومناقبه لجمع من ذلك عدة مجلدات؛ وكانت وفاته ﵁ في شهر رجب من هذه السنة، ودفن بمقابر بغداد، وأقام على ذلك سنين إلى أن بنى عليه شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور الخوارزمي مستوفي مملكة السلطان ملك شاه السلجوقي مشهداً في سنة تسع وخمسين وأربعمائة وبنى على القبر قبة ومدرسة كبيرة للحنفية، فلما فرغ من عمارة ذلك جمع الفقهاء والعلماء والأعيان ليشاهدوا ما بناه، فبينما هم في ذلك إذ دخل عليهم الشريف أبو جعفر مسعود «١» البياضىّ الشاعر وأنشد: ألم تر أن العلم كان مبدداً ... فجمعه هذا الموسد في اللحد كذلك كانت هذه الأرض ميتة ... فأنشرما فعل العميد أبي سعد قلت: وأحسن من هذا ما قاله عبد الله بن المبارك في مدح أبي حنيفة، القصيدة المشهورة التي أوّلها: لقد زان البلاد ومن عليها ... إمام المسلمين أبو حنيفة وفيها توفي عبد العزيز بن سليمان أبو محمد الراسبي من الطبقة السادسة من تابعي أهل البصرة، كان عابداً زاهداً، كانت رابعة «٢» تسميه سيد العابدين؛ كان إذا ذكر القيامة والموت صرخ كما تصرخ الثكلى ويصرخ الحاضرون من جوانب المسجد وربما وقع الميت والميتان من جوانب المسجد؛ قاله أبو المظفر في مرآة الزمان. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع سواء، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وعشرون إصبعاً ونصف.

стр. 399

*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٥١] السنة السابعة من ولاية يزيد بن حاتم على مصر وهي سنة إحدى وخمسين ومائة- وهي التي عزل فيها. وفيها عزل المنصور عمر بن حفص المهلبي عن السند بهشام بن عمرو التغلبي «١» ، وتولى المهلبي هذا إفريقية. وفيها ابتدأ الخليفة أبو جعفر المنصور بعمارة الرصافة بالجانب الشرقي وعمل لها سوراً وخندقاً وأجرى إليها الماء كما فعل ببغداد. وفيها جدد الخليفة أبو جعفر المنصور البيعة لولده محمد المهدي ثم لابن أخيه من بعده عيسى بن موسى، فكان من يبايعه يقبل يده ويد المهدي ثم يمسح على يد عيسى بن موسى ولا يقبلها. قلت: البلاء والرياء قديمان. وفيها توفي عبد الله بن عون بن أرطبان أبو عون مولى عبد الله بن درّة من الطبقة الرابعة من أهل البصرة؛ كان عثمانياً ثقة ورعاً كثير الحديث. ولد قبل الطاعون الجارف بثلاث سنين، وكان إذا مر بالقدرية «٢» لا يسلم عليهم. وذكر الذهبي وفاة جماعة آخرين في هذه السنة، قال: وفيها توفي حنظلة ابن أبي سفيان المكي، وداود بن يزيد الأودي، وسيف بن سليمان في قول، وعبد الله بن عون في رجب، وعبد الله بن عامر الأسلمي يقال فيها، وعلي بن صالح المكي، وعيسى بن أبي عيسى الخياط الخباط الحناط فإنه باشر الصنائع الثلاث: الخياطة وبيع الخبط «٣» وبيع الحنطة، ومحمد بن إسحاق بن يسار فيها على قول، وهو الأصح، ومعن بن زائدة الأمير، والوليد بن كثير المدني بالكوفة وصالح بن علىّ الأمير.

стр. 400

أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. ذكر ولاية عبد الله بن عبد الرحمن على مصر هو عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، وحديج (بضم الحاء المهملة وفي الآخر جيم) التجيبي [بضم التاء «١» المثناة من فوق] الأمير أبو عبد الرحمن أمير مصر وليها من قبل الخليفة أبي جعفر المنصور بعد عزل يزيد بن حاتم المهلبي عنها، على الصلاة في يوم السبت ثامن عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين ومائة، ولم يول على الشرطة أحداً وباشر هو ذلك بنفسه؛ وكان عبد الله هذا قد ولي الشرطة لغير واحد من أمراء مصر. ولما استقر في إمرة مصر سكن المعسكر على عادة الأمراء، وهو أول من خطب بالسواد بمصر، فأقام بمصر مدة ثم خرج منها ووفد على الخليفة أبي جعفر المنصور ببغداد في سنة أربع وخمسين ومائة واستخلف أخاه محمد بن عبد الرحمن على الصلاة ثم رجع إلى مصر في آخر السنة المذكورة؛ ودام بها إلى أن توفي وهو على إمرة مصر في مستهل صفر سنة خمس وخمسين ومائة، واستخلف أخاه محمداً على صلاة «٢» مصر فأقره الخليفة أبو جعفر المنصور على إمرة مصر بعده. فكانت ولاية عبد الله هذا على مصر ثلاث سنين تنقص أياماً. وعبد الله هذا وأبوه من أكابر المصريين من أعوان بني أمية غير أنه استأمن سليمان بن علي العباسي لما استأمنه عمرو بن معاوية بن عمرو بن سفيان بن عتبة ابن أبي سفيان. وسببه أنه لما قتل غالب بني أمية خاف عمرو المذكور فقال: اختفيت فكنت لا آتي مكاناً إلا عرفت به، فضاقت علي الدنيا فقصدت سليمان بن علي وهو

стр. 401

لا يعرفني فقلت له: لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك؛ فإما قتلتني فاسترحت، وإما رددتني سالماً فسلمت «١» ؛ فقال: [ومن أنت؟ فعرفته نفسي، فقال «٢» ] : مرحباً بك، [ما «٣» ] حاجتك؟ فقلت له: إن الحرم اللواتي أنت أولى [الناس «٤» ] بهن وأقربهم إليهن قد خفن تخوفنا ومن خاف خيف عليه. قال: فبكى سليمان كثيراً ثم قال: بل يحقن الله دمك ويوفر مالك ويحفظ حرمك؛ ثم كتب إلى السفاح: يا أمير المؤمنين، إنه قد «٥» دفت دافة من بني أمية علينا وإنا إنما قتلناهم على عقوقهم، لا على أرحامهم، فإننا يجمعنا وإياهم عبد مناف؛ فالرحم تبل «٦» ولا تقتل وترفع ولا توضع؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يهبهم لي فليفعل، وإن فعل فليجعل كتاباً عاماً إلى البلدان شكر الله تعالى على نعمه. فأجابه إلى ما سأل. وكان هذا أول أمان لبني أمية ودخل فيه صاحب الترجمة وغيره. *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٥٢] السنة الأولى من ولاية عبد الله بن عبد الرحمن على مصر وهي سنة اثنتين وخمسين ومائة- فيها حج بالناس الخليفة أبو جعفر المنصور. وفيها وثب الخوارج ببست «٧» على عاملها معن بن زائدة الشيباني فقتلوه لجوره وعسفه. وفيها غزا حميد بن قحطبة كابل «٨» وولاه المنصور إقليم خراسان. وفيها ولي البصرة يزيد بن

стр. 402

المنصور «١» . وفيها توفي «٢» معن بن زائدة بن عبد الله بن زائدة بن مطر بن شريك الشيباني الأمير أبو الوليد وقيل أبو يزيد. كان أحد الأجواد وكان شجاعاً مقداماً ممدحاً. وحكاياته في الجود والكرم مشهورة. وكان أولاً مع ابن هبيرة ثم اختفى حتى كانت وقعة الراوندية مع المنصور المقدم ذكرها؛ فلما كانت الوقعة خرج معن وقاتل بين يدي المنصور قتالاً عظيماً، فولاه المنصور اليمن ثم سجستان؛ وقيل: إن معناً دخل مرة على الخليفة أبي جعفر المنصور: فقال له المنصور: هيه يا معن! تعطي مروان ابن أبي حفصة مائة ألف درهم على قوله: معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفاً على شرف بنو شيبان فقال: كلا يا أمير المؤمنين، إنما أعطيته على قوله في هذه القصيدة: ما زلت يوم الهاشمية «٣» معلنا ... بالسيف دون خليفة الرحمن فمنعت حوزته وكنت وقاءه ... من وقع كل مهند وسنان فقال: أحسنت يا معن، ما أكثر وقوع الناس في قومك! فقال: يا أمير المؤمنين: إن العرانين تلقاها محسدة ... ولا ترى للئام الناس حسادا ودخل عليه يوماً وقد أسن فقال: كبرت يا معن، فقال: في طاعتك يا أمير المؤمنين؛ قال: وإنك لجلد [قال «٤» ] : على أعدائك يا أمير المؤمنين؛ قال: وفيك بقية، قال: هي لك يا أمير المؤمنين. وعرض هذا الكلام على عبد الرحمن ابن يزيد» زاهد أهل البصرة فقال: ويح هذا! ما ترك لربه شيئاً.

стр. 403

وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر في هذه السنة، قال: وتوفى أبو عامر صالح ابن رستم الخزاز، وعبد الله «١» بن أبي يحيى الأسلمي، وعمر بن سعيد بن أبي الحسين المكي، وطلحة بن عمرو المكي، وعباد بن منصور الناجىّ، ويونس بن يزيد الأيلي في قول. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراع وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وإصبع واحد ونصف إصبع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٥٣] السنة الثانية من ولاية عبد الله بن عبد الرحمن على مصر وهي سنة ثلاث وخمسين ومائة- فيها قتل متولي إفريقية عمر بن حفص بن عثمان بن أبي صفرة الأزدي، خرجت عليه أمم من البربر وعليهم أبو حاتم الأباضي وأبو عاد فيقال: إنهم كانوا في خمسة وثمانين «٢» ألف فارس ومائتي ألف راجل، وكانوا بايعوا أبا قرة الصفري بالخلافة. وفيها ألزم الخليفة أبو جعفر المنصور رعيته بلبس القلانس الطوال المعروفة بالمدينة، وكانوا يعملونها بالقصب والورق ويلبسونها السواد، وفيها يقول أبو دلامة: وكنا نرجي من إمام زيادة ... فزاد الإمام المصطفى في القلانس تراها على هام الرجال كأنّها ... دنان يهود جلّلت بالبرانس وفيها غزا مسعود «٣» بن عبد الله الجحدري الصائفة وفتح حصناً بالروم عنوة. وفيها ولي بكار «٤» بن مسلم أرمينية. وفيها أغارت الحبشة على جدة فجهز إليهم الخليفة

стр. 404

أبو جعفر المنصور المراكب. وفيها سخط المنصور على وزيره أبي أيوب المورياني «١» واستأصله وحبس معه أولاد أخيه سعيداً ومسعوداً ومحمداً ومخلداً؛ وقتل في السنة الآتية. وكان الذي سعى بأبي أيوب هذا هو كاتبه أبان بن صدقة. وفيها توفي شقيق بن ابراهيم الزاهد أبو علي البلخي الأزدي، كان من كبار مشايخ خراسان وله لسان في التوكل «٢» ، وهو أوّل من تكلّم فئ التصوف وعلوم الأحوال بكورة خراسان؛ وهو أستاذ حاتم الأصم وكان لشقيق دنيا واسعة خرج عنها وتزهد وصحب إبراهيم بن أدهم. وفيها توفي وهيب بن الورد مولى بني مخزوم من الطبقة الثالثة من أهل مكة، وكان اسمه عبد الوهاب فصغر وهيباً؛ وكانت له أحاديث ومواعظ. روى عنه عبد الله بن المبارك وغيره، وكنيته أبو عثمان وقيل أبو أمية، وكان زاهداً ينظر في دقائق الورع. قال بشر الحافي «٣» : أربعة رفعهم الله بطيب المطعم: وهيب بن الورد وإبراهيم ابن أدهم ويوسف بن أسباط وسلم «٤» الخواص. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وثلاثة أصابع مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وعشرة أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٥٤] السنة الثالثة من ولاية عبد الله بن عبد الرحمن النّجيبى على مصر وهي سنة أربع وخمسين ومائة- فيها قدم الخليفة أبو جعفر المنصور الشام وزار بيت المقدس، ثم جهز يزيد بن حاتم في خمسين ألفاً لحرب الخوارج بإفريقية، وأنفق

стр. 405

المنصور على الجيش المذكور، مع شحه بالمال، ستين ألف ألف درهم وزيادة؛ ثم ولى قضاء دمشق ليحيى بن حمزة، فاعتل يحيى بأنه شاب؛ فقال: إني أرى أهل بلدك قد أجمعوا عليك فإياك والهدية، فبقي يحيى على قضاء دمشق ثلاثين سنة. قال الواقدي: وفيها نزلت صاعقة بالمسجد الحرام فأهلكت خمسة نفر. وفيها مات الوزير أبو أيوب المورياني، وكان المنصور صادره وسجنه وأخاه خالداً وبني أخيه في السنة الماضية، فلما مات ضرب المنصور أعناق بني أخيه. وفيها حج بالناس محمد بن الإمام إبراهيم العباسي أمير مكة. وفيها توفى الحكم بن أبان العدنىّ، هو من الطبقة الثالثة من أهل اليمن؛ كان سيد أهل اليمن في الزهد والعبادة والصلاح، كان يصلي الليل كله فإذا غلبه النوم ألقى نفسه في الماء وقال لنفسه: سبحي الله مع الحيتان. وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر، قال: وتوفي أشعب الطماع، وجعفر بن برقان، والحكم بن أبان العدني، وربيعة بن عثمان التيمي، وعبد الله بن نافع مولى ابن عمر، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر الدمشقي، وعبيد الله بن عبد الله بن موهب «١» ، وعلي بن صالح بن حي الكوفي، وعمر بن إسحاق بن يسار المدنىّ، وقرّة ابن خالد السدوسي، ومحمد بن عبد الله بن مهاجر الشعيثي، وأبو عمرو بن العلاء المازني، ومعمر في قول. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراع وستة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وخمسة عشر إصبعا.

стр. 406

ذكر ولاية محمد بن عبد الرحمن على مصر هو محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج التجيبي أمير مصر، وليها باستخلاف أخيه عبد الله بن عبد الرحمن له بعد موته، فأقره الخليفة أبو جعفر المنصور على ذلك وولاه مصر على الصلاة والخراج وذلك في سنة خمس وخمسين ومائة، فجعل على شرطته العباس «١» بن عبد الرحمن بن ميسرة؛ وسكن المعسكر وسار في الناس سيرة مشكورة غير أنه لم تطل أيامه، ومرض ولزم الفراش حتى مات في النصف من شوال من سنة خمس وخمسين ومائة. فكانت ولايته على إمرة مصر استقلالاً بعد موت أخيه عبد الله ثمانية أشهر ونصفاً. وتولى إمرة مصر من بعده موسى بن علي بن رباح باستخلاف محمد هذا له. وفي أيام ولايته على مصر خرجت عساكر مصر إلى إفريقية صحبتها يزيد بن حاتم، فقام محمد هذا بأمرهم أتم قيام وجهزهم وحمل إلى يزيد الأموال والخيل والسلاح والرواتب حتى سار إلى جهة المغرب وقاتل من بها وقتل أبا عاد وأبا حاتم وملك القيروان وسائر الغرب، وبعث إلى محمد هذا ليعرف الخليفة بذلك فوجده الرسول قد مات قبل وصوله بأيام. وقد تقدم ذكر نسب محمد هذا في ترجمة أخيه عبد الله بن عبد الرحمن فلا حاجة للإعادة. اهـ *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٥٥] السنة التي حكم فيها محمد بن عبد الرحمن وغيره من الأمراء على مصر وهي سنة خمس وخمسين ومائة- فيها استنقذ يزيد بن حاتم المعزول عن إمرة مصر قبل تاريخه بلاد المغرب من يد الخوارج بعد حروب عظيمة، وقتل أبا عاد وأبا حاتم

стр. 407

ملكي الخوارج، ومهد إقليم المغرب وأصلح أموره، وبقي على إمرة المغرب خمسة عشر عاماً أميراً. وفيها عزل الخليفة أبو جعفر المنصور عن إمرة المدينة الحسن بن زيد العلوي بعبد الصمد بن علي العباسي عم الخليفة المنصور. وفيها بنى المنصور أسوار الكوفة والبصرة ونيسابور وأدار عليها الخندق من أموال أهلها. وفيها عزل الخليفة أبو جعفر المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة وصادره وحبسه لشكوى أهل الجزيرة عليه. وفيها توفي أشعب «١» بن جبير الطماع، وأمه جعدة «٢» وقيل أم حميد. وقيل إنه كان مولى عثمان بن عفان «٣» ﵁، وقيل مولى سعيد بن العاص، وقيل مولى عبد الله بن الزبير، وقيل مولى فاطمة بنت الحسين؛ وكان أزرق العينين أحول أقرع نشأ بالمدينة، وقيل ولد سنة تسع من الهجرة وعاش دهراً طويلاً. وكان أشعب قد تعبد وقرأ القرآن وتنسك وروى الحديث، وكان حسن الصوت، وله أخبار كثيرة مستظرفة في الطمع وغيره. روى الأصمعي قال: عبث الصبيان بأشعب فقال: ويحكم! اذهبوا، سالم يقسم تمراً فعدوا، فعدا «٤» معهم وقال: ما يدريني لعله حق.

стр. 408

وقال أبو أمية الطرسوسي حدثنا ابن أبي عاصم النبيل عن أبيه قال: قلت لأشعب الطماع: أدركت التابعين فما كتبت شيئاً، فقال: حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال: «لله على عبده نعمتان» ثم سكت؛ فقلت: اذكرهما، فقال: الواحدة نسيها عكرمة، والأخرى نسيتها أنا. وروى ابن أبي عبد الرحمن الغزي عن أبيه قال أشعب: ما خرجت في جنازة فرأيت اثنين يتساران إلا ظننت أن الميت أوصى لي «١» بشيء. وعن ابن أبي عاصم قال: مررت يوماً فإذا أشعب ورائي فقلت: مالك؟ قال: رأيت قلنسوتك قد مالت فقلت: لعلها تقع فآخذها، فأخذتها عن رأسي فدفعتها إليه. وحكايات أشعب في الطمع كثيرة مشهورة؛ وقيل إنه كان يجيد الغناء. وفيها توفي مسعر بن كدام بن ظهير بن عبيدة بن الحارث أبو سلمة الهلالي الكوفي الأحول الحافظ الزاهد. قال سفيان بن عيينة: رأيت مسعراً وربّما يحدثه الرجل بشيء هو أعلم به منه فيستمع له وينصت، وما لقيت أحداً أفضله عليه. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ذكر ولاية موسى بن علي على مصر هو موسى بن علي «٢» بن رباح الأمير أبو عبد الرحمن اللخمي المصري أمير مصر، ولي إمرة مصر باستخلاف محمد بن عبد الرحمن التجيبي إليه، فأقره الخليفة أبو جعفر

стр. 409

المنصور على إمرة مصر [و] على الصلاة، وذلك في شوال سنة خمس وخمسين ومائة فجعل على شرطته أبا الصهباء محمد بن حسان الكلبي، وباشر إمرة مصر إلى سنة ست وخمسين ومائة؛ [وفي ولايته «١» ] خرج عليه قبط مصر وتجمعوا ببعض البلاد فبعث موسى هذا بعسكر فقاتلوهم حتى هزموهم وقتل منهم جماعة وعفا عن جماعة، ومهد أمور مصر؛ وكان فيه رفق بالرعية وتواضع، وكان يتوجه إلى المسجد ماشياً وصاحب شرطته بين يديه يحمل الحربة، وكان إذا أقام صاحب الشرطة الحدود بين يديه يقول له موسى هذا: أرحم «٢» أهل البلاد؛ وكان يحدث فيكتب الناس عنه. قال الذهبي في «تذهيب التهذيب» : ولي الديار المصرية ست سنين وحدث عن أبيه، وعن الزهري، وعن ابن المنكدر، وجماعة؛ وحدث عنه أسامة بن زيد الليثي، والليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، وابن المبارك، وابن وهب، ووكيع، وأبو عبد الرحمن المصري، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن سنان العوقى، وروح بن صلاح الموصلي ثم المصري، وطائفة، آخرهم موتا القاسم بن هانئ الأعمى بمصر، ووثقه أحمد وابن معين والعجلي والنسائي. وقال أبو حاتم: كان رجلاً صالحاً يتقن حديثه لا يزيد ولا ينقص، صالح الحديث، من الثقات. وقال الحافظ أبو سعيد بن يونس: ولد بإفريقية سنة تسعين ومات بالإسكندرية سنة ثلاث وستين ومائة. اهـ. وقال غيره: أقام على إمرة مصر إلى أن توفي الخليفة أبو جعفر المنصور في سادس ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وولي الخلافة من بعده ابنه محمد المهدي فأقرّ

стр. 410

المهدىّ موسى هذا على إمرة مصر، فاستمر على ذلك إلى أن عزله المهدي بعد ذلك في سابع عشر ذي الحجة سنة إحدى وستين ومائة وولى بعده على مصر عيسى بن لقمان، فكانت ولايته على مصر ست سنين وشهرين. وقال صاحب «البغية» : ثم صرفه المهدي يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة إحدى وستين ومائة، ومدة ولايته ست سنين وشهران. قلت: وافقنا صاحب «البغية» في المدة والسنة وخالفنا في شهر عزله. قلت: وفي أيامه كان خروج يوسف بن إبراهيم المعروف بالبرم «١» خرج ملتزماً بخراسان هو ومن معه منكراً على الخليفة محمد المهدي ونقم عليه في سيرته التي يسير بها، وكتب إلى موسى هذا ليوافقه فنهر قاصده وقبض عليه وكتب بذلك للمهدىّ، واجتمع مع البرم بشر كثير، فوجه إليه المهدي يزيد بن مزيد الشيباني، وهو ابن أخى معن ابن زائدة الشيباني، فلقيه يزيد فاقتتلا حتى صارا إلى المعانقة، فأسره يزيد المذكور وبعث به وبأصحابه إلى المهدي؛ فلما بلغوا النهروان حمل يوسف البرم على بعير قد حول وجهه إلى ذنبه وكذلك أصحابه، فأدخلوهم إلى الرصافة على تلك الحالة، وقطعت يدا يوسف ورجلاه ثم قتل هو وأصحابه وصلبوا على الجسر «٢» . وقيل: إن يوسف المذكور كان حرورياً فتغلب على بوشنج «٣» وعليها مصعب «٤» جد طاهر بن الحسين فهرب منه، وكان تغلب أيضاً على مرو الروذ والطالقان وجوزجان «٥» ، وقد كان من جملة أصحابه أبو معاذ الفاريابىّ فقبض عليه معه.

стр. 411

*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٥٦] السنة الأولى من ولاية موسى بن علي على مصر وهي سنة ست وخمسين ومائة- فيها عزل الخليفة أبو جعفر المنصور الهيثم بن معاوية عن إمرة البصرة بسوار بن عبد الله، فاستقر سوار على إمرتها والقضاء، جمع له بينهما؛ ولما عزل الهيثم قدم بغداد فأقام [بها] أيامأ ومات فجأة على صدر سريته وهو يجامع، فخرج المنصور في جنازته وصلى عليه ودفن في مقابر قريش. وفيها توفي حمزة بن حبيب بن عمارة أبو عمارة الزيات أحد القراء السبعة؛ كان الأعمش إذا رآه يقول: هذا حبر القرآن. وفيها توفي عبد الرحمن بن زياد أبو خالد الإفريقي المعافري قاضي إفريقية، كان فقيهاً زاهداً ورعاً؛ وهو أول مولود ولد بالإسلام بإفريقية، وهو من الطبقة الخامسة من أهل المغرب وفد على خلفاء بني أمية، وكان قوالاً بالحق مشكور السيرة عدلاً ﵀. وفيها توفي حماد الراوية أبو القاسم بن أبي ليلى، ولاؤه لبكر بن «١» وائل. وقيل اسم أبيه سابور بن مبارك الديلمي الكوفي، وكان إخبارياً عالماً علامة خبيراً بأيام العرب وشعرها؛ وامتحنه الوليد بن يزيد الخليفة في حفظ الشعر فتعب، فوكل به من يستوفي عليه فأنشد ألفين وسبعمائة «٢» قصيدة مطولة، فأمر له الوليد بمائة ألف درهم. وفيها توفي أيضاً حماد عجرد، واسمه حماد بن يونس «٣» بن كليب أبو يحيى «٤» الكوفي وقيل: الواسطي، كان أيضاً إخبارياً علامة، وكان بينه وبين بشار بن برد الشاعر الأعمى الآتي ذكره أهاج ومفاوضات؛ وكان بالكوفة في عصر واحد الحمادون

стр. 412

الثلاثة: حماد الراوية المقدم ذكره وحماد عجرد هذا، وحماد بن «١» الزبرقان، فكانوا يشربون الخمر ويتهمون بالزندقة. قال خلف بن المثنى: كان يجتمع بالبصرة عشرة «٢» في مجلس لا يعرف مثلهم: الخليل بن أحمد صاحب العروض سني، والسيد محمد» الحميري الشاعر رافضي «٤» ، وصالح بن عبد القدوس ثنوي «٥» ، وسفيان بن مجاشع صفري «٦» ، وبشار بن برد خليع ماجن، وحماد عجرد زنديق، وابن رأس الجالوت الشاعر يهودي، وابن نظير النصراني متكلم، وعمرو ابن أخت المؤيد «٧» مجوسي، وابن سنان الحراني الشاعر صابئي «٨» ؛ فيتناشد الجماعة أشعاراً وأخباراً؛ فكان بشار يقول: أبياتك هذه يا فلان أحسن من سورة «٩» كذا وكذا، وبهذا المزاح ونحوه كفروا بشاراً، وقيل: وفاة حماد عجرد سنة خمس وخمسين ومائة وقيل: سنة إحدى وستين ومائة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وخمسة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً واثنان وعشرون إصبعا.

стр. 413

*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٥٧] السنة الثانية من ولاية موسى بن علي اللخمي على مصر وهي سنة سبع وخمسين ومائة- فيها أنشأ الخليفة أبو جعفر المنصور قصره الذي سمّاه الخلد على شاطئ دجلة. وفيها عرض المنصور جيوشه في السلاح والخيل وخرج وهو عليه درع وقلنسوة سوداء مصرية وفوقها الخوذة. وفيها نقل المنصور الأسواق من بغداد، وعملت بظاهرها بباب الكرخ، ووسع شوارع بغداد وهدم دوراً كثيرة لذلك. وفيها غزا الروم يزيد بن أسيد، فوجه على بعض جيشه سناناً مولى البطال، فسبى وقتل وغنم. وفيها توفي سوار بن عبد الله قاضي البصرة، كان عادلاً في حكمه، شكاه أهل البصرة إلى المنصور فاستقدمه المنصور، فلما قدم عليه جلس فعطس المنصور فلم يشمّته سوّار، فقال له المنصور: مالك لم تشمتني؟ فقال: لأنك لم تحمد الله، فقال المنصور: أنت ما حابيتني في عطسة تحابي غيري! ارجع إلى عملك. وفيها توفي عبد الوهاب ابن الإمام إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي ابن أخي المنصور، ولاه عمه المنصور دمشق وفلسطين والصائفة ولم تحمد ولايته وولي عدة أعمال غير ذلك. وكان أبوه إبراهيم بويع بالخلافة بعد موت أبيه فلم يتم أمره وقبض عليه مروان الحمار وحبسه حتى مات فعدل الناس بعده إلى أخيه السفاح وبايعوه فتم أمره. وفيها توفي عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد «١» الفقيه أبو عمرو الاوزاعي فقيه الشام وصاحب المذهب المشهور الذي ينسب إليه الأوزاعية قديماً، والأوزاع: بطن من همدان وقيل: من حمير الشام «٢» وقيل قرية بدمشق، وقيل:

стр. 414

إنما سمي الأوزاعي لأنه من أوزاع القبائل، ومولده ببعلبك، ونشأ بالبقاع، ونقلته أمه إلى بيروت فرابط بها إلى أن مات بها فجأة، فوجدوه يده اليمنى تحت خده وهو ميت؛ وكان فقيهاً ثقة فاضلاً عالماً كثير الحديث حجة ﵀. وفيها توفي محمد ابن طارق المكي من الطبقة الثالثة «١» من أهل مكة، كان من الزهاد العباد. قال محمد بن فضل «٢» : رأيته في الطواف وقد انفرج له أهل الطواف فحزر «٣» طوافه في اليوم والليلة فكان عشرة فراسخ. وبه ضرب ابن شبرمة المثل حيث قال: لو شئت كنت ككرز في تعبده ... أو كابن طارق حول البيت في الحرم قد حال دون لذيذ العيش خوفهما ... وسارعا في طلاب الفوز فالكرم وذكر الذهبي وفاة جماعة مختلف فيهم، فقال: وفيها توفى- قاضى مرو- الحسين ابن واقد، وسعيد بن أبي عروبة في قول، وطلحة بن أبي سعيد الإسكندراني، وعامر بن اسماعيل المسلى «٤» الأمير، وفقيه الشام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعىّ، ومحمد بن عبد الله بن أخي الزهري، ومصعب بن ثابت «٥» بن الزبير فى قول، ويوسف ابن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي (بفتح السين) ، وأبو محنف «٦» لوط في قول. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وثمانية عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٥٨] السنة الثالثة من ولاية موسى بن علي اللخمي على مصر وهي سنة ثمان وخمسين ومائة- فيها حج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد العباسى بن أخي الخليفة أبي جعفر

стр. 415

المنصور وهو شاب أمرد. وفيها مات طاغية الروم. وفيها ولى الخليفة خالد بن برمك الجزيرة، وكان ألزمه الخليفة المنصور بثلاثة آلاف ألف درهم. وفيها توفي زفر بن الهذيل العنبري، الإمام الفقيه صاحب أبي حنيفة ومولده سنة عشر ومائة؛ روى علىّ بن المدرك عن الحسن بن زياد قال: كان زفر وداود الطائي متحابين، فأما داود فترك الفقه وأقبل على العبادة، وأما زفر فجمعهما. قال أبو نعيم: كنت أعرض الحديث على زفر فيقول: هذا ناسخ وهذا منسوخ، وهذا يؤخذ وهذا يرفض. وقال الحسن بن زياد: ما رأيت أحداً يناظر زفر إلا رحمته. قلت: يعني لكثرة علومه وبلاغته وقدرته على العلم. وهو أول أصحاب أبي حنيفة موتاً ﵀. وفيها توفي شيبان الراعي، وكان من كبار الفقهاء من الزّهاد والعبّاد، كان من أكابر أهل دمشق ثم ترك الدنيا وخرج إلى جبل لبنان، فانقطع به وأكل المباحات وصحب سفيان الثوري وغيره. قيل: إنه كان إذا حصل له جنابة أتته سحابة مطر فيغتسل منها؛ وكان إذا ذهب إلى الجمعة يخط على غنمه خطاً فيجيء فلم يجدها تتحرك. قال الهيثم: حج شيبان وسفيان الثوري فعرض لهما سبع، فقال سفيان: أما ترى السبع؟ فقال شيبان لا تخف غير الله ، فلما سمع السبع صوت شيبان جاء إليه وبصبص «١» فعرك شيبان أذنه بعد أن بصبص السبع، فقال له: اذهب. وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أبو جعفر المنصور الهاشمي العباسي، ولد فى سنة خمس وتسعين أو فى حدودها، وأمه أم ولد اسمها سلامة البربرية؛ وروى عن أبيه وجده، وروى عنه ولده محمد المهدي؛ وكان قبل أن يلي الخلافة يقال له: عبد الله الطويل؛ ولي الخلافة بعد

стр. 416

موت أخيه عبد الله السفاح، أتته البيعة وهو بمكة، فإنه كان حج تلك السنة بعهد السفاح إليه لما احتضر في سنة ست وثلاثين ومائة، فدام فيها اثنتين وعشرين سنة إلى أن مات في ذي الحجة. وولي الخلافة من بعده ابنه محمد المهدي بعهد منه إليه. وقال الربيع بن يونس الحاجب: سمعت المنصور يقول: الخلفاء أربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والملوك أربعة: معاوية وعبد الملك وهشام وأنا. قال شباب «١» : أقام الحج للناس أبو جعفر المنصور سنة ست وثلاثين ومائة وسنة أربعين ومائة وسنة أربع وأربعين ومائة وسنة اثنتين وخمسين ومائة. وزاد الفسوي «٢» أنه حج أيضاً سنة سبع وأربعين ومائة. قال أبو العيناء حدثنا الأصمعي: أن المنصور صعد المنبر فشرع في الخطبة؛ فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين، اذكر من أنت في ذكره، فقال له: مرحباً، لقد ذكرت جليلاً، وخوفت عظيماً، وأعوذ بالله أن أكون ممن إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم؛ والموعظة منا بدت ومن عندنا خرجت، وأنت يا قائلها فأحلف بالله ما الله أردت، إنما أردت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر، فأهون بها ويلك «٣» ! وإياك وإياكم معشر الناس وأمثالها؛ ثم عاد إلى الخطبة وكأنما يقرأ من كتاب. وقال الربيع: كان المنصور يصلي الفجر ثم يجلس [وينظر] في مصالح الرعية إلى أن يصلي الظهر، ثم يعود إلى ذلك إلى أن يصلي العصر، ثم يعود إلى أن يصلي

стр. 417

المغرب؛ فيقرأ ما بين المغرب والعشاء الآخرة «١» ، ثم يصلي العشاء ويجلس مع سماره إلى ثلث الليل الأول، فينام الثلث الأوسط ثم ينتبه إلى أن يصلي الفجر، ويقرأ في المصحف إلى أن ترتفع الشمس فيجلس للناس، فكان هذا دأبه. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان سواء، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبعان ونصف. *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٥٩] السنة الرابعة من ولاية موسى بن علي اللخمي على مصر وهي سنة تسع وخمسين ومائة. فيها خرج الخليفة محمد المهدي من بغداد فنزل البردان «٢» وجهز الجيوش إلى الصائفة، وجعل على الجيوش عمه العباس بن محمد العباسي وبين يديه الحسن «٣» بن وصيف في الموالي وقواد خراسان وغيرهم؛ فساروا إلى الروم حتى بلغوا أنقرة وفتحوا مدينة يقال لها: المطمورة «٤» وعادوا سالمين غانمين. وفيها فتح الخليفة المهدي الخزائن وفرق الأموال. وذكر الربيع الحاجب قال: مات المنصور وفي بيت المال مائة ألف ألف درهم وستون ألف درهم فقسم ذلك المهدي وأنفقه. وفيها أمر المهدي بإطلاق من كان في حبس أبيه إلا من كان عليه دم وأشباه ذلك. وفيها أعتق المهدي جاريته الخيزران وتزوجها، وهي أم الهادي والرشيد. وفيها عزم المهدي

стр. 418

على خلع ابن عمه عيسى بن موسى من ولاية العهد وتولية ولده موسى الهادي [فكتب «١» إلى عيسى بن موسى بالقدوم عليه] فامتنع عيسى من ذلك. وفيها توفي عبد العزيز مولى المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة من الطبقة الرابعة من أهل مكة، وكان معروفاً بالعبادة والورع وله أحاديث. وفيها أطلق المهدي الحسن وأخاه ولدي إبراهيم بن عبد الله بن حسن وسلم الحسن إلى أمير يحتفظ به، فهرب الحسن فتلطف المهدي حتى وقع به بعد مدّة. وفيها عزل المهدي إسماعيل الثقفي عن الكوفة بعثمان ابن لقمان الجمحي وقيل بغيره. وفيها عزل المهدي خاله يزيد بن منصور عن اليمن وولاها رجاء بن روح. وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر في هذه السنة، قال: وتوفي أصبغ بن زيد الواسطي، وحميد بن قحطبة الأمير، وعبد العزيز بن أبي رواد «٢» بمكة، وعكرمة بن عمار اليمامي، وعمار بن رزيق «٣» الضبي، ومالك بن مغول قيل في أولها، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وأبو بكر الهذلي واسمه سلمى. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وإصبعان. *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٦٠] السنة الخامسة من ولاية موسى بن علي اللّخمىّ على مصر وهى سنة سئين ومائة. فيها عزل المهدي أبا عون عن إمرة خراسان وولاها بعده معاذ بن

стр. 419

مسلم. وفيها حج بالناس الخليفة محمد المهدي ونزع المهدي كسوة البيت الحرام وكساه كسوة جديدة، فقيل: إن حجبة الكعبة أنهوا إليه أنهم يخافون على الكعبة أن تهدم لكثرة ما عليها من الأستار، فأمر بها فجردت عنها الستور، فلما انتهوا إلى كسوة هشام بن عبد الملك بن مروان وجدوها ديباجاً غليظاً إلى الغاية. ويقال: إن المهدي فرق في حجته هذه في أهل الحرمين ثلاثين ألف ألف درهم منها دنانير كثيرة، ووصل إليه من اليمن أربعمائة «١» ألف دينار فقسمها أيضاً في الناس، وفرق من الثياب الخام مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب؛ ووسع في مسجد النبي ﷺ وقرر في حرسه خمسمائة رجل من الأنصار ورفع أقدارهم. وفيها خلع المهدي ابن عمه عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس من ولاية العهد وجعلها في ولده موسى الهادي. وفيها توفي إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر التميمي العجلي أبو إسحاق البلخي، وأصله من كورة بلخ من أبناء الملوك، حج أدهم ومعه امرأة فولدت بمكة إبراهيم هذا، فطاف به أبوه حول الكعبة ودار به على الخلق في المسجد وقال: ادعوا له. قال ابن مندة: سمعت عبد الله بن محمد البلخي، سمعت عبد الله بن محمد العابد، سمعت يونس بن سليمان البلخي يقول: كان إبراهيم بن أدهم من الأشراف، وكان أبوه شريفاً كثير المال والخدم والجنائب «٢» والبزاة، فبينما إبراهيم يأخذ كلابه وبزاته للصيد وهو على فرسه يركضه إذ هو بصوت يناديه: يإبراهيم، ما هذا العبث! أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً. اتق الله وعليك بالزاد ليوم الفاقة، قال: فنزل عن دابته ورفض الدنيا.

стр. 420

وذكر الذهبي بإسناد عن إبراهيم بن أدهم أنه قيل لإبراهيم بن أدهم: ما كرامة المؤمن على الله؟ قال: أن يقول للجبل تحرك فيتحرك، قال: فتحرك الجبل، فقال: ما إياك عنيت. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا سواء. ذكر ولاية عيسى بن لقمان على مصر هو عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب الجمحي (بضم الجيم وتقدمها نسبة إلى جمح) أمير مصر، وليها بعد عزل موسى بن علي اللخمي من قبل أمير المؤمنين محمد المهدىّ على الصلاة والخراج معاً في سنة إحدى وستين ومائة، وكان دخوله إلى مصر في يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقين من ذي الحجة سنة إحدى وستين ومائة؛ فجعل على الشرطة الحارث بن الحارث الجمحي وهو من بني عمه، ثم سكن عيسى هذا المعسكر على عادة أمراء مصر ودام على إمرة مصر مدة يسيرة، ثم جاءه الخبر بعزله عن إمرة مصر في جمادى الآخرة «١» لاثنتي عشرة بقيت منها من سنة اثنتين وستين ومائة، وولاية واضح مولى أبي جعفر المنصور. فكانت ولاية عيسى هذا على مصر نحو خمسة أشهر، وهي بسفارة يعقوب بن داود. وكان سبب تقدم يعقوب بن داود عند المهدي لما أحضره المهدي عنده في أمر الحسن بن إبراهيم العلوي فقال يعقوب: يا أمير المؤمنين، إنك قد بسطت عدلك لرعيتك وأنصفتهم وأحسنت إليهم فعظم رجاؤهم، [وانفسحت آمالهم «٢» ] ؛ وقد بقيت أشياء لو ذكرتها [لك «٣» ] لم تدع النظر فيها، وأشياء خلف بابك يعمل فيها ولا تعلم بها، فإن جعلت

стр. 421

لي السبيل إليك رفعتها؛ فأمره بذلك. فكان يدخل عليه كلما أراد ويرفع إليه النصائح في الأمور الحسنة الجميلة من أمور الثغور والولايات وبناء الحصون ونقوية الغزاة وتزويج العزاب وفكاك الأسرى والمحبسين والقضاء عن الغارمين والصدقة على المتعففين، فحظي عنده بذلك وتقدمت منزلته حتى سقطت منزلة أبي عبيد الله وحبس. وكتب المهدي توقيعاً بأنه اتخذه أخاً في الله ووصله بمائة ألف درهم. ولما عزل عيسى هذا عن إمرة مصر قربه إلى المهدي فأكرمه غاية الإكرام. *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٦١] السنة التي حكم فيها عيسى بن لقمان على مصر وهي سنة إحدى وستين ومائة على أنه ولي في آخرها غير أننا نذكرها في ترجمته، ونذكر سنة اثنتين وستين ومائة في ترجمة غيره لأن كلاً منهما ترجمته غير مستوفاة لقلة اعتناء المؤرخين بهما قديماً. فيها خرج المقنع الخارجي بخراسان واسمه عطاء، وقيل حكيم، بأعمال مرو وادّعى النبوّة، وكان يقول بتناسخ الأرواح، واستغوى خلقاً عظيماً وتوثب على بعض ما وراء النهر، فانتدب لحربه أمير خراسان معاذ بن مسلم والأمير جبريل بن يحيى وليث مولى المهدي وسعيد الحرسىّ، فجمع المقنّع الأقوات وتحصّن للحصار بقلعة من أعمال كش» على ما يأتي ذكره. وفيها ظفر نصر بن [محمد «٢» بن] الأشعث الخزاعي بعبد الله ابن الخليفة مروان الحمار الأموي المكنى بأبي الحكم وهو أخو عبيد الله؛ وكانا وليّى عهد مروان، فلما قتل مروان حسبما ذكرناه بديار مصر هرب عبد الله هو وأخوه إلى الحبشة فقتل عبيد الله واختفى هذا إلى أن أتي به إلى المهدي فجلس له مجلسا

стр. 422

عاماً وقال: من يعرف هذا؟ فقام عبد العزيز العقيلي إلى جنبه، ثم قال له: أبو الحكم؟ قال: نعم، فسجنه المهدي. وفيها أمر المهدي بعمارة طريق مكة وبنى بها قصوراً «١» أوسع من القصور التي أنشأها عمه السفاح، وعمل البرك وجدد الأميال «٢» ودام العمل في ذلك حتى تم في عشر سنين. ثم أمر المهدي بترك المقاصير التي في الجوامع وقصر المنابر وصيرها على مقدار منبر رسول الله ﷺ . وفيها حج بالناس موسى الهادي ولي عهد المهدي وابنه الأكبر. وفيها زاد الخليفة المهدي في المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ . وفيها توفي أبو دلامة زند «٣» بن الجون الكوفي الشاعر المشهور مولى بني أسد، كان عبداً حبشياً فصيحاً خليعاً ماجناً، وهو ممن ظهر ذكره في الدولة العباسية من الشعراء. ومن شعره وهو من نوع المقابلة ثلاثة بثلاثة: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر على اختلاف يرد عليه في وفاتهم. قال: وفيها مات أرطاة بن الحارث النخعي، وإسرائيل بن يونس، وحرب بن شداد أبو الخطاب، ورجاء بن أبي سلمة بالرملة «٤» ، وزائدة بن قدامة في أولها، وسالم بن أبي المهاجر الرقي، وسعيد بن أبي «٥» أيوب المصري، وسفيان بن سعيد الثوري، وعبد الحكم بن أعين المصري، ونصر بن مالك الخزاعي الأمير، ويزيد «٦» بن إبراهيم التستري. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً وأربعة أصابع.

стр. 423

ذكر ولاية واضح المنصوري على مصر هو واضح بن عبد الله المنصوري الخصي أمير مصر، وليها من قبل المهدي بعد عزل عيسى بن لقمان عن مصر في جمادى الأولى سنة اثنتين وستين ومائة. فدخلها واضح المذكور في يوم السبت لست بقين من جمادى الأولى سنة اثنتين وستين ومائة المذكورة؛ وجمع له المهدي صلاة مصر وخراجها معاً، ولما دخل مصر سكن المعسكر على عادة أمراء مصر وجعل على شرطته موسى بن زريق مولى بني تميم. وواضح هذا أصله من موالي صالح ابن الخليفة أبى جعفر المنصور. وكان خصيصاً عند المنصور إلى الغاية، وكان يندبه إلى المهمات لشجاعة كانت فيه وشدة. ولما ولي إمرة مصر شد على أهلها فشكوا منه فعزله المهدي عنهم في شهر رمضان من سنة اثنتين وستين ومائة المذكورة بمنصور بن يزيد. فكانت ولاية واضح هذا على مصر نحو أربعة أشهر. وقال صاحب «البغية» : ثلاثة شهور. واستمر واضح هذا على بريد مصر إلى أن خرج إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁. وكان واضح المذكور فيه ميل للعلوبّين فحمله واضح على البريد إلى الغرب فنزل إدريس بمدينة يقال لها وليلة «١» ، وكان إدريس هذا قد خرج أولاً مع الحسين صاحب فخ «٢» ، فلما قتل الحسين هرب إدريس هذا إلى مصر واختفى بها إلى أن وجهه واضح هذا إلى الغرب، فلما وصل إدريس هذا إلى الغرب دعا لنفسه فأجابه من كان بها

стр. 424

وبنواحيها من البربر وعظم أمره وبلغ ذلك الخليفة الهادي موسى، فطلب واضحاً هذا وقتله وصلبه في سنة تسع وستين ومائة، وقيل: الذي قتله هارون الرشيد لما تخلف بعد موت أخيه موسى الهادي في أول خلافته. ذكر ولاية منصور بن يزيد على مصر هو منصور بن يزيد بن منصور بن عبد الله بن شهر بن يزيد الزنجاني الحميري الرعيني أمير مصر وهو ابن خال المهدي؛ ولاه المهدي إمرة مصر بعد عزل واضح عنها في سنة اثنتين وستين ومائة على الصلاة، فقدم مصر يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة اثنتين وستين ومائة المذكورة، وسكن المعسكر على عادة أمراء مصر، وجعل على شرطته هاشم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية ابن حديج مدة يسيرة، ثم عزله وولى عبد الأعلى بن سعيد «١» الجيشاني، ثم عزله أيضاً وولى عسّامة بن عمرو؛ وكل ذلك في مدة يسيرة فإن ولاية منصور المذكور لم تطل على إمرة مصر وعزل عنها في النصف من ذي القعدة من سنة اثنتين وستين ومائة المذكورة بيحيى بن داود؛ فكانت مدة ولاية منصور بن يزيد هذا على مصر شهرين وثلاثة أيام، ولم أقف على وفاته بعد ذلك غير أنه ذكر في واقعة عبد السلام الخارجي أنه حضرها بقنسرين. وأمر عبد السلام بن هاشم اليشكري المذكور، [أنه] كان قد خرج بالجزيرة واشتدت شوكته وكثر أتباعه فلقي عدة من قوّاد المهدىّ فيهم عيسى «٢» ابن موسى القائد فقتله بعد أمور في عدة ممن معه وهزم جماعة من القواد فيهم شبيب ابن واج «٣» المرورّوذىّ، فندب المهدي إلى شبيب ألف فارس وأعطى كل رجل

стр. 425

منهم ألف درهم معونة فوافوا شبيباً، فخرج بهم في طلب عبد السلام المذكور فهرب منه فأدركه بقنّسرين وقتله. *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٦٢] السنة التي حكم فيها واضح مولى المنصور على مصر ثم من بعده منصور ابن يزيد الحميري الرعيني وهي سنة اثنتين وستين ومائة- فيها وضع الخليفة المهدي دواوين الأزمة وولى عليها عمرو «١» بن مربع، ولم يكن لبني أمية ذلك. (ومعنى دواوين الأزمة: أن يكون لكل ديوان زمام وهو رجل يضبطه، وقد كان قبل ذلك الدواوين مختلطة) . وفيها وصلت الروم إلى الحدث «٢» فهدموا سورها فغزا الناس غزوة لم يسمع بمثلها، وكان مقدم الغزاة الحسن بن قحطبة سار إليهم في ثمانين ألف مقاتل سوى المطوعة؛ فأغار على ممالك الروم وأحرق وأخرب ولم يلق بأساً. وفيها ولي اليمن عبد الله بن سليمان. وفيها ظهرت المحمّرة «٣» بجرجان ورأسهم عبد القهار فغلبوا على جرجان وقتلوا وأفسدوا؛ فسار لحربهم من طبرستان عمر بن العلاء فقتل عبد القهّار ورءوس أصحابه وتشتت باقي أصحابه. وفيها كان مقتل عبد السلام بن هاشم اليشكري الذي خرج بحلب وبالجزيرة، وكثرت جموعه وهزم الجيوش التي حاربته حتى انتدب لحربه شبيب بن واج في ألف فارس من الأبطال وأعطوا ألف ألف
следующие страницы →