Полный текст (6 264 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
الوالد ويتضرّعون إليه، وهو يتبرّم من أمرهم والكلام فى حقهم، ويوبخهم بما فعله الأمير شيخ مع بكتمر جلّق بعد حلفه فى واقعة صرخد، فأخذ شيخ يعتذر ويحلف بالأيمان المغلظة أن بكتمر جلّق كان الباغى عليه والبادئ بالشرّ، وأنه هو دفع عن نفسه لا غير، وأنّه ما قصده فى الدّنيا سوى طاعة السّلطان، وأنت الأمير الكبير، وأكبر خشدا شيتنا، إن لم تتكلم بيننا فى الصلح «١» فمن يتكلم؟ ثمّ كاتبوا أيضا جماعة من الأمراء فى طلب العفو والصّلح، ولا زالوا حتى تكلم الوالد مع السّلطان فى أمرهم، فأبى السّلطان إلّا قتالهم وأخذهم، والوالد يمعن فى ذلك حتى ابترم الصّلح غير مرّة والسلطان يرجع عن ذلك.
ثمّ تردّدت الرسل بينهم وبين السّلطان أياما حتى انعقد الصلح، على أن يكون الوالد نائب الشام، وأن يكون الأمير شيخ نائب حلب، وأن يكون الأمير نوروز نائب طرابلس، وكان ذلك بإرادة شيخ ونوروز؛ فإنهما قالا: لا نرضى أن يكون بكتمر جلّق أعلى منا رتبة بأن يكون نائب الشّام- ونحن أقدم منه عند السّلطان- فإن كان ولا بدّ، فيكون الأمير الكبير تغرى بردى فى نيابة الشّام، ونكون نحن تحت أوامره، ونسير فى المهمّات السّلطانية تحت سنجقه، وأمّا بكتمر ودمرداش فلا، وإن فعل السّلطان ذلك لا يقع منّا بعدها مخالفة أبدا.
ولمّا بلغ الأمراء والعساكر هذا القول أعجبهم غاية الإعجاب، وقد ضجر القوم من الحصار، وملّوا من القتال، فلا زالوا بالسلطان حتى أذعن ومال إلى تولية الوالد نيابة الشّام، وكلّم الوالد فى ذلك، فأبى وامتنع غاية الامتناع، وكان السّلطان قد شرط على الأمراء شروطا كثيرة فقبلوها- على أن يكون الوالد نائب دمشق- وأخذ الملك الناصر يكلم الوالد فى ذلك
стр. 4307
والوالد مصمم على عدم القبول، وأرمى سيفه غير مرّة بحضرة السّلطان، وأراد التوجّه إلى القدس بطّالا.
وصار الوالد كلّما امتنع من الاستقرار وحنق يكفّ عنه السلطان، فإذا رضى كلّمه، ثمّ سلط عليه الأمراء فكلّموه من كلّ جهة [حتى قبل] «١» ، ثمّ قام إليه السّلطان واعتنقه، وطلب الخلعة فجىء بها فى الحال، وألبسها للوالد باستقراره فى نيابة دمشق عوضا عن بكتمر جلّق، واستقرّ الأمير شيخ فى نيابة حلب عوضا عن قرقماس سيّدى الكبير، والأمير نوروز فى نيابة طرابلس عوضا عن جانم من حسن شاه، واستقرّ جانم المذكور أمير مجلس بإمرة مائة وتقدمة ألف بالدّيار المصرية، واستقرّ تغرى بردى سيّدى الصّغير فى نيابة حماة على عادته، ورسم للأمير سودون من عبد الرحمن نائب صفد أن ينتقل من نيابة صفد إلى تقدمة ألف بالدّيار المصرية، وأن يكون الأمير يشبك بن أزدمر أتابك دمشق عند الوالد، فإنه كان من ألزامه، وعقد عقده بعد ذلك على إحدى بناته- ولها من العمر نحو ثلاث سنين- ويكون قانى باى المحمّدى أميرا بحلب عند الأمير شيخ، ثمّ شرط السّلطان على شيخ ونوروز ألا يخرجا إقطاعا، ولا إمرة، ولا وظيفة لأحد من النّاس إلا بمرسوم السّلطان، وأن يسلّما قلعة الكرك إلى السلطان، ويسلّم شيخ قلعد صهيون «٢» وصرخد أيضا، فرضوا بذلك جميعه، وحلفوا على طاعة السّلطان، وخلع السلطان عليهم خلعا جليلة، ومدّ لهم سماطا أكلوا منه.
ثمّ رحل السّلطان من الكرك بعساكره يريد القدس، فوصله وأقام به خمسة أيّام، ثمّ خرج منه وسار يريد القاهرة.
стр. 4308
[ما وقع من الحوادث سنة ٨١٤]
وأمّا الوالد فإنه سار من الكرك إلى نحو دمشق حتى دخلها فى يوم سادس المحرّم من سنة أربع عشرة وثمانمائة، ونزل بدار السّعادة وقد خمدت الفتنة، وسكن هرج النّاس، ثمّ خرج الأمير شيخ والأمير نوروز من الكرك إلى محلّ كفالتهما، وقدما إلى دمشق بمن معهما من الأمراء والمماليك لعمل مصالحهما بدمشق، فلمّا بلغ الوالد قدومهما خرج لتلقّيهما بقماش جلوسه فى خواصّه لا غير، فلمّا وقع بصرهما على الوالد نزلا عن خيولهما، فأقسم عليهما الوالد فى عدم النزول، فنزلوا قبل أن يسمعوا القسم، فعند ذلك نزل لهم الوالد أيضا عن فرسه وسلّموا عليه، فحلف عليهم الوالد بالنزول فى دار. السّعادة، فامتنعوا من ذلك، فأنزلهم بالمزّة، ثمّ ركب إليهم الوالد وأخذهم من وطاقهم غصبا.
وأنزل الأمير شيخا بالقرمانيّة، ونوروزا بدار الأمير فرج بن منجك، ونزل كلّ واحد من أصحابهما بمكان حتى عملت مصالحهم، وكثر تردادهم إلى الوالد بدار السّعادد فى تلك الأيام؛ فسرّ أهل الشّام بذلك غاية السّرور، وصار الأمير شيخ يتنزّه بدمشق، ويتوجّه إلى الأماكن ومعه قليل من مماليكه. حدّثنى بعض مماليك الوالد: أن الأمير شيخا كان يجيء فى تلك المدّة إلى الوالد فى دار السعادة ومعه شخص واحد من مماليكه، وينزل ويقيل بالبحرة «١» ، وينام بها نومة كبيرة إلى أن يطبخ له ما اقترحه من المآكل.
ثمّ خرج الأمير شيخ والأمير نوروز كلّ منهما إلى محلّ كفالته
стр. 4309
بعد أن أنعم الوالد فى يوم سفرهما على كلّ واحد بألف دينار، وقيّد له فرسا بسرج ذهب وكنبوش «١» زركش، وأشياء غير ذلك كثيرة.
وأمّا أمر السّلطان الملك النّاصر، فإنّه سار من القدس حتّى نزل بتربة والده بالصّحراء خارج القاهرة فى يوم الأربعاء ثانى عشر المحرّم من سنة أربع عشرة وثمانمائة، وخلع على الخليفة المستعين بالله العبّاس، وعلى القضاة والأمراء، وسائر أرباب الدّولة، وخلع على الأمير دمرداش المحمدىّ باستقراره أتابك العساكر بالدّيار المصرية، عوضا عن الوالد؛ بحكم انتقاله إلى نيابة دمشق حسبما تقدّم ذكره، ثمّ ركب السّلطان من التربة المذكورة وطلع إلى القلعة بعد ما خرج الناس للفرجة عليه، فكان لطلوعه يوما مشهودا، وزيّنت القاهرة أياما لقدومه، ثمّ بعد قدوم السّلطان باثنى عشر يوما قدم الأمير بكتمر جلّق المعزول عن نيابة دمشق، فركب السّلطان وتلقّاه وألبسه تشريفا، وخلع على الأمير الكبير دمرداش بنظر البيمارستان المنصورىّ «٢» ، ودخل السّلطان من باب النصر وشقّ القاهرة، ونزل بمدرسته التى أنشأها جمال الدين الأستادار له برحبة باب العيد المعروفة بالجمالية، وقد أثبت القضاة أنها له وسمّيت بالنّاصرية، ثمّ ركب السّلطان من المدرسة المذكورة، ونزل بمدرسة والده المعروفة بالبرقوقيّة «٣» ببين القصرين، ثمّ ركب منها وأمر الأتابك دمرداش بعبور البيمارستان المنصورىّ، وتوجّه السّلطان إلى جهة القلعة.
стр. 4310
ثمّ فى ثانى عشر صفر من سنة أربع عشرة وثمانمائة عيّن السّلطان اثنين وعشرين أميرا من الأمراء البطّالين ليتوجّهوا إلى الشّام على إقطاعات عيّنها السّلطان لهم، منهم: الأمير حزمان الحسنى، وتمان تمر النّاصرىّ، وسونجبغا، وشادى خجا، وألطنبغا، وقانى باى الأشقر، ومعهم مائتا مملوك؛ ليكونوا أعوانا للوالد بدمشق، وفى خدمته، وكان الوالد شفع فى هؤلاء المذكورين حتى أطلقهم السلطان- على عادتهم- من السجن، ثم أمر السّلطان بقتل جانبك القرمىّ، وأسندمر الحاجب، وسودون البجاسىّ، وقانى باى أخى بلاط، والجميع كانوا بسجن الإسكندرية.
ثمّ فى حادى عشرين صفر خلع السلطان على تقىّ الدين عبد الوهّاب ابن الوزير فخر الدين ماجد بن أبى شاكر باستقراره فى وظيفة نظر الخاصّ- وكانت شاغرة منذ توفّى مجد الدين عبد الغنى بن الهيصم فى ليلة الأربعاء العشرين من شعبان من سنة ثلاث عشرة وثمانمائة- ثمّ أمسك السّلطان بثلاثة أمراء من أمراء الألوف، وهم: قانى باى المحمّدى، ويشبك الموساوى الأفقم، وكمشبغا الفيسىّ، وقبض على جماعة أخر من الطبلخانات والعشرات، وهم: الأمير منجك، والأمير قانى باى الصّغير العمرى ابن بنت أخت الملك الظاهر برقوق- وقانى باى هذا جد خوند بنت جرباش الكريمىّ وزوجة السلطان الملك الظاهر جقمق لأمّها- وكان أمير عشرة، وعلى الأمير شاهين، وخير بك، ومأمور، وخشكلدى، وحملوا الجميع إلى سجن الإسكندريّة فسجنوا بها.
ثمّ رسم السّلطان للأمير تمراز الناصرىّ أن يكون طرخانا «١» لا يمشى
стр. 4311
فى الخدمة، ويقيم بداره أو يتوجّه إلى دمياط، وتمراز هذا هو الذي كان فرّ من السّلطان وصحبته الأمراء من بيسان إلى الأمير شيخ.
ثمّ خلع السّلطان على الأمير سنقر الرّومىّ باستقراره رأس نوبة النوب عوضا عن قانى باى المحمّدىّ المقبوض عليه قبل تاريخه.
ثمّ أرسل الوالد إلى السّلطان يعلمه برفع الطّاعون من دمشق وغيرها، وأنّه أحصي من مات من أهل دمشق فقط فكانوا خمسين ألفا سوى من لم يعرف.
وفى أوّل شهر ربيع الأوّل، قدم الأمير إينال المحمّدىّ السّاقىّ المعروف بضضع من سجن الإسكندريّة- بطلب من السّلطان- ورسم له أن يكون بطّالا بالقاهرة.
ثمّ أخرج السّلطان إقطاع الأمير جرباش كبّاشة، ورسم له بأن يتوجّه إلى دمياط بطّالا.
ثمّ بعده توجّه تمراز الناصرىّ المقدّم ذكره إلى دمياط أيضا بطّالا.
ثمّ قبض السّلطان على جماعة من كبار المماليك الظاهريّة- برقوق- وحبسهم بالبرج من القلعة.
ثمّ قدم الخبر على السّلطان بأنّ شيخا ونوروزا لم يمضيا حكم المناشير السّلطانيّة، وأنّهما أخرجا إقطاعات حلب وطرابلس لجماعتهما، وأنّ الأمير شيخا سيّر يشبك العثمانىّ لمحاصرة قلعة ألبيرة وقلعة الرّوم، وأنّ عزمهما العود لما كانا عليه من الخروج عن الطّاعة.
فعلم السّلطان عند ذلك أنّ الذي يحرّك هؤلاء على الخروج عن الطّاعة والعصيان إنّما هم المماليك الظّاهريّة الذين هم فى خدمة السّلطان، ووافقه على ذلك أكابر أمرائه، وحسّنوا له القبض عليهم، وكان الوالد ينهاه عن مسكهم، ويحذّره من الوقوع فى ذلك، فلمّا استقرّ الوالد فى نيابة دمشق خلا له الجوّ، وفعل ما حدّثته نفسه ممّا كان فيه ذهاب روحه، فقبض الملك النّاصر على
стр. 4312
جماعة كبيرة منهم، وحبسهم بالبرج من القلعة، ثمّ قتلهم بعد شهر، وكانوا جمعا كبيرا.
ثمّ أمسك السّلطان الأمير خير بك نائب غزّة، وهو يومئذ من أمراء الألوف بالدّيار المصريّة.
ثمّ ورد الخبر على السّلطان بحصار عسكر نوروز لحصن الأكراد «١» ، فاختبط السّلطان وكتب إلى شيخ ونوروز بالتّهديد والوعيد.
ثمّ فى أوّل شهر ربيع الآخر خلع السّلطان على الأمير أسنبغا الزّردكاش- أحد أمراء الألوف وزوج أخته خوند بيرم بنت الملك الظّاهر برقوق- باستقراره شاد الشّراب خاناة عوضا عن الأمير سودون الأشقر.
ثمّ فى ثالث عشره خلع السّلطان على فخر الدين عبد الغنىّ بن أبى الفرج كاشف الوجه البحرىّ باستقراره أستادارا عوضا عن تاج الدين عبد الرزّاق بن الهيصم؛ بحكم القبض عليه، وتسليمه وحواشيه إلى فخر الدين المذكور.
ثمّ فى أوّل جمادى الأولى رسم السّلطان بهدم مدرسة الملك الأشرف شعبان ابن حسين، التى كانت بالصّوّة تجاه الطبلخاناة السّلطانيّة، ومكانها اليوم بيمارستان «٢» الملك المؤيّد شيخ، فوقع الهدم فيها، وكانت من محاسن الدّنيا، ضاهى بها الملك الأشرف مدرسة عمّه السّلطان الملك الناصر حسن التى بالرّميلة تجاه قلعة الجبل.
ثمّ رسم السّلطان بهدم البيوت التى هى ملاصقة للميدان من مصلّاة المؤمنىّ «٣» إلى باب القرافة، فهدمت بأجمعها وصارت خرابا.
стр. 4313
ثمّ أمر السّلطان بالقبض على أقارب جمال الدين يوسف الأستادار وعقوبتهم، فأمسكوا وعوقبوا عقوبات كثيرة.
ثمّ خنق أحمد أبنه، وأحمد ابن أخته، وحمزة أخاه فى ليلة الأحد سادس عشر جمادى الأولى.
ثمّ كتب السّلطان ثانيا إلى الأمير شيخ يخوّفه ويحذّره، ويأمره أن يجهّز إليه الأمير يشبك العثمانىّ، وبردبك، وقانى باى الخازندار، ويرسل سودون الجلب إلى دمشق؛ ليكون من جملة أمرائها.
ثمّ بعد إرسال الكتاب تواترت الأخبار باتّفاق شيخ ونوروز على الخروج عن الطّاعة، وعزما على أخذ حماة، فوقع الشّروع والاهتمام لسفر السّلطان إلى البلاد الشّامية، وكتب إليها بتجهيز الإقامات.
ثمّ تكلّم الأستادار فخر الدين بن أبى الفرج مع السّلطان وحسّن له القبض على الوزير ابن البشيرىّ «١» ، وعلى ناظر الخاصّ ابن أبى شاكر «٢» ، فلمّا بلغهما ذلك بادرا واتّفقا مع السّلطان على مال يقومان به للسّلطان إن قبض على فخر الدين ابن أبى الفرج المذكور، فمال السّلطان إلى كلامهما وأمسك فخر الدين المذكور فى سلخ جمادى الآخرة، وسلّمه للوزير ابن البشيرىّ، فلم يدع ابن البشيرىّ نوعا من العقوبات حتى عاقب ابن أبى الفرج المذكور بها، فلم يعترف بشىء غير أنّه وجد له ستّة آلاف دينار، وجرار كثيرة قد ملئت خمرا، واستمرّ ابن أبى الفرج فى العقوبة أيّاما كثيرة.
ثمّ فى شهر رجب نزل السّلطان من القلعة إلى الصيّد، فبات ليلة وعزم على مبيت ليلة أخرى بسرياقوس، فبلغه أنّ طائفة من الأمراء والمماليك اتّفقوا
стр. 4314
على قتله، فعاد إلى القاهرة مسرعا، وأخذ يتتبّع ما قيل حتّى ظفر بمملوكين عندهما الخبر؛ فعاقبهما فى ثامن عشر شهر رجب المذكور، فأظهرا ورقة فيها خطوط جماعة كبيرة، كبيرهم الأمير جانم من حسن شاه نائب طرابلس- كان- وهو يوم ذاك أمير مجلس.
وكان جانم المذكور قد سافر قبل تاريخه إلى منية ابن سلسيل «١» ، وهى من جملة إقطاعه، فندب السّلطان الأمير بكتمر جلّق، والأمير طوغان الحسنىّ الدّوادار؛ لإحضار جانم المذكور، وخرجا فى يوم السّبت عشرين شهر رجب، على أنّ بكتمر جلّق يسير فى البرّ ويمسك عليه الطّريق، وطوغان يتوجّه إليه فى البحر، ويمسكه ويحضره إلى السّلطان، فساروا.
ومسك السّلطان بعد خروجهما جماعة كبيرة من الأمراء والمماليك الظّاهريّة، منهم: الأمير عاقل، والأمير سودون الأبويزيديّ.
وأمّا طوغان الدّوادار فإنّه سار فى البحر حتى وافى الأمير جانم، واقتتلا فى البرّ، ثمّ فى المراكب حتى تعيّن «٢» طوغان على جانم، فألقى جانم نفسه فى الماء لينجو فرماه أصحاب طوغان بالنّشّاب حتى هلك، وأخذ وقطع رأسه فى ثانى عشرينه، وقدم طوغان على السّلطان فى رابع عشرينه.
وكان السّلطان قد مسك فى يوم ثانى عشرينه فى القاهرة الأمير إينال الصّصلانىّ الحاجب، والأمير أرغز، والأمير سودون الظّريف، وجماعة من المماليك الظّاهريّة.
ثمّ قبض السّلطان فى يوم ثالث عشرينه أيضا على الأمير سودون الأسندمريّ أحد أمراء الألوف وأمير آخور ثانى، وعلى الأمير جرباش العمرىّ رأس نوبة، وأحد أمراء الألوف أيضا.
стр. 4315
ثمّ فى خامس عشرينه قبض السّلطان على جماعة من أكابر المماليك الظاهريّة، ووسّط منهم خمسة؛ فنفرت القلوب منه، ووجد شيخ ونوروز للوثوب عليه سبيلا لكمين كان فى نفسهما منه.
ثمّ خلع السّلطان على منكلى أستادار الخليلىّ باستقراره أستادارا عوضا عن فخر الدين بن أبى الفرج.
ثمّ كتب السّلطان للوالد بالقبض على الأمير يشبك بن أزدمر أتابك دمشق، وعلى إينال الخازندار، وعلى بردبك الخازندار، وعلى بردبك أخى طولو، وعلى سودون من إخوة الأتابك يشبك، وعلى تنبك من إخوة يشبك أيضا، والفحص عن نكباى الحاجب؛ فإن وجده من جملة المنافقين فليقبض عليه، ويعتقلهم، وسار البريد للوالد بذلك، وبعد خروج البريد بذلك، ذبح السلطان فى ليلة الأربعاء- مستهل شعبان- عشرين مملوكا ممّن قبض عليهم.
ثمّ وسّط من الأمراء فى يوم الأربعاء ثامنه عشرة أخر تحت القلعة، منهم:
الأمير حزمان نائب القدس، والأمير عاقل، وأرغز أحد أمراء الألوف بدمشق، والأمير سودون الظّريف، والأمير مغلباى، والأمير محمّد بن قجماس.
وفى ليلة الأربعاء المذكورة قتل السّلطان أيضا بالقلعة من المماليك الظّاهريّة زيادة على مائة مملوك من الجراكسة من مماليك أبيه.
ثمّ ركب سحر يوم الخميس إلى الصّيد بناحية بهتيت «١» - من ضواحى القاهرة- وأمر والى القاهرة أن يقتل عشرة من المماليك الظّاهريّة لتخلّفهم عن الرّكوب معه، فقتلوا.
وعاد السّلطان من الصّيد بثياب جلوسه، وشقّ القاهرة وهو سكران لا يكاد
стр. 4316
يثبت على فرسه من شدّة سكره، ومرّ فى أقلّ من مائة فارس، وسار على ذلك حتى طلع القلعة نصف النّهار.
وفى شعبان هذا، ابتدأ بالوالد مرض موته، ولزم الفراش بدار السّعادة، وقد لهجت الناس أنّ الملك النّاصر قد اغتاله بالسّمّ؛ فإن كان ما قيل حقيقة فقد التقيا بين يدى حاكم لا يحتاج إلى بيّنة، وسبب ذلك- على ما قيل- عدم مسك الوالد للأمير شيخ ونوروز لمّا دخلا عليه بدار السّعادة بدمشق، وأيضا أنّه لمّا أمره بمسك من تقدّم ذكرهم فأمسك منهم جماعة، وأعلم يشبك بن أزدمر بالخبر ففرّ إلى جهة شيخ ونوروز، وأشياء غير ذلك.
ولكن حدّثنى كريمتى خوند فاطمة زوجة الملك الناصر المذكور بخلاف ذلك، وهو أنّه لمّا قدم عليه الخبر بمرضه صار يتأسّف ويقول: إن مات أبوك تخربت مملكتى، وبقى كلّما ورد عليه الخبر بعافيته يظهر السّرور، وكلّما بلغه أنّه انتكس يظهر الكآبة، وأنّه ما أخذها صحبته فى التجريدة إلى الشّام إلّا حتى تعوده فى مرضه، وأشياء من ذلك.
ثمّ إنّ السّلطان نادى فى أوّل شهر رمضان من سنة أربع عشرة وثمانمائة بالقلعة بالأمان، وأنّهم عتقاء شهر رمضان.
ثمّ تتبّعهم «١» بعد الأمان وأمسك منهم جماعة كبيرة؛ حتى إنّه لم يخرج شهر رمضان حتى أمسك منهم أزيد من أربعمائة نفر وسجنهم بالبرج من القلعة.
وفى رابع شهر رمضان المذكور أفاق الوالد من مرضه، وزيّنت دمشق ودقّت البشائر بسائر البلاد الشّاميّة حتى حلب وطرابلس، وأرسل الأمير شيخ ونوروز إليه بالتّهنئة، فعظم ذلك أيضا على الملك الناصر.
وفى هذا الشهر تأكّد عند السّلطان خروج شيخ ونوروز عن طاعته، وبلغه أنّ نوروزا قتل آق سنقر الحاجب، فتحقّق السّلطان عصيان المذكورين.
стр. 4317
ثمّ ذبح السّلطان فى ليلة ثالث شوّال أزيد من مائة نفس من المماليك السّلطانية الظّاهريّة المحبوسين بالبرج، ثمّ ألقوا من سور القلعة إلى الأرض، ورموا فى جبّ ممّا يلى القرافة، واستمرّ الذبح فيهم.
ثمّ فى يوم الاثنين عاشر شوّال عدّى السلطان النيل إلى ناحية وسيم «١» للرّبيع «٢» وبات به، ورحل فى السّحر بعساكره يريد مدينة إسكندريّة، بعد ما نودى فى القاهرة بألّا يتأخّر أحد من المماليك السلطانيّة بالقاهرة، وأن يعدّوا إلى برّ الجيزة فعدّوا بأجمعهم، فمنهم من أمره السلطان بالسّفر، ومنهم من أمره بالإقامة.
ثمّ بعث السلطان الأمير طوغان الحسنىّ الدّوادار، والأمير جانبك الصّوفىّ، وسودون الأشقر، ويلبغا النّاصرىّ، وجماعة من المماليك إلى عدّة جهات من أراضى مصر؛ لأخذ الأغنام والخيول والجمال حيث وجدت لكائن من كان، فسار الأمراء وشنّوا الغارات فما عفّوا ولا كفّوا.
ثمّ سار السلطان ببقيّة أمرائه وعساكره إلى الإسكندريّة، فدخلها فى يوم الثلاثاء ثامن عشر شوّال من سنة أربع عشرة المذكورة، فقدم بها على السلطان مشايخ البحيرة بتقادمهم، فخلع عليهم ثمّ أمسكهم وساقهم فى الحديد، واحتاط على أموالهم، ففرّ باقيهم إلى جهة برقاء، ثم قدم الأمراء وقد ساقوا ألوفا من الأغنام التى انتهبوها من النواحى، وقد مات أكثرها، فسيقت إلى القاهرة مع الأموال والجاموس والخيول.
ثمّ رسم السلطان أن يؤخذ من تجار المغاربة العشر، وكان يؤخذ منهم قبل ذلك الثّلث، فشكر النّاس له ذلك.
ثمّ خرج من الإسكندرية عائدا إلى القاهرة، وسار حتى نزل على وسيم فى يوم السبت تاسع عشرينه.
стр. 4318
وقد مات بسجن الإسكندريّة الأمير خيربك نائب غزّة، فانّهم السلطان أنّه اغتاله بالسّم، والصحيح أنّه مات حتف أنفه.
ثمّ قدم كتاب الأمير نوروز الحافظىّ على السلطان على يد فقيه يقال له سعد الدّين، ومملوك آخر، ومعهما محضر شهد فيه ثلاثة وثلاثون رجلا من أهل طرابلس- ما بين قاض وفقيه وتاجر- بأنه لم يظهر منه بطرابلس منذ قدم إليها إلا الإحسان للرعيّة، والتمسك بطاعة السلطان، وامتثال مراسيمه، وأنّ أهل طرابلس كانوا قد خرجوا منها فى أيّام جانم لما نزل بهم من الضرر والظلم، فعادوا إليها أيّام نوروز المذكور، وأنّه كلّما ورد عليه مثال سلطانىّ يتكرّر منه تقبيل الأرض، وأنّه حلف- بحضرة من وضع خطّه- بالأيمان المغلّظة الجامعة لمعانى الحلف أنه مقيم على طاعة السّلطان، متمسّك بالعهد واليمين، فلم يغترّ السلطان بالمحضر ولا التفت إليه؛ لما ثبت عنده من عصيانهما «١» .
قلت: ولهذه الأيمان الحانثة ذهب الجميع على السيف فى أسرع مدّة، حتى إننى لا أعلم أن أحدا من هؤلاء «٢» الأمراء مات على فراشه، بل غالبهم تفانوا قتلا على أنواع مختلفة لتجرّئهم على الله تعالى، وكان يمكنهم الخروج على الملك النّاصر المذكور لسوء سيرته فيهم ثمّ يعودون إلى طاعته من غير أن يتعرّضوا للأيمان والعهود، والتلاعب بذلك فى كلّ قليل، وصار ذلك دأبا لهم إلى أن سلط الله بعضهم على بعض، فذهبوا كأنهم لم يكونوا- مع قوّتهم، وشدّة بأسهم، وفرط شجاعتهم- وملك بعدهم من لم يكن فى رتبتهم ولا يدانيهم فى معنى من المعانى، ودانت له البلاد، وأطاعته العباد، وصفا له الوقت من غير معاند ولا مدافع.
стр. 4319
«وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ»
«١» .
ثمّ إنّ السّلطان الملك الناصر بعد حضور هذا المحضر أخذ فى الاهتمام للسّفر.
ثمّ نزل من القلعة وعدّى النيل فى يوم الاثنين ثانى ذى القعدة، وتوجّه إلى الربيع، وعاد من يومه إلى القلعة وهو فى أناس قليلة، ثمّ بعد عوده رسم بقتل الأمير جرباش العمرىّ، والأمير خشكلدى بثغر الإسكندريّة، فقتلا بها ودفنا بالثّغر المذكور.
ثمّ فى رابع عشر من ذى القعدة، أنفق السّلطان على المماليك السّلطانية نفقة السفر؛ فأعطى لكلّ نفر سبعين دينارا ناصريّا، وبعث للأمير الكبير دمرداش المحمّدىّ ثلاثة آلاف دينار، ولكلّ من أمراء الألوف بألفى دينار، ولامراء الطّبلخانات ما بين سبعمائة دينار إلى خمسمائة دينار.
ثم فى ليلة الخميس رابع عشرين ذى القعدة، طلب السّلطان الأمير شهاب الدين أحمد بن محمد بن الطّبلاوىّ؛ فلما حضر إلى عنده ضرب عنقه بيده، بعد أن قتل مطلّقته بنت صرق بيده تهبيرا بالسّيف عند كريمتى بقاعة العواميد «٢» ، فإنها كانت يوم ذاك صاحبة القاعة.
وخبر ذلك: أن السّلطان الملك الناصر كان قد طلّق خوند بنت صرق المذكورة، ونزلت إلى دارها، وكان له إليها ميل، فوشى بها أنّ
стр. 4320
ابن الطّبلاوىّ المذكور وقع بينه وبينها اجتماع، وظهر له قرائن تدلّ على ذلك، منها أنّه وجد لها خاتم عنده.
فأرسل السّلطان خلفها، فلبست أفخر ثيابها ظنّا منها أنّ السّلطان يريد يعيدها لعصمته. قالت أختى خوند فاطمة: وكان السّلطان جالسا عندى بالقاعة، فلمّا قيل له جاءت خوند بنت صرق نهض من وقته وخرج إلى الدّهليز، وجلس به على مسطبة.
قالت: فخرجت خلفه ولا علم لى بقصده، فجاءت بنت صرق وقبّلت يده، فقال لها: يا قحبة، مراكيب الملوك تركبها البلّاصية؟!
وقبل أن تتكلم ضربها بالنّمجاة «١» قطع أصابعها- وكانت مقمعة بالحناء- فصاحت وهربت، فقام خلفها وضربها ضربة ثانية قطع من كتفها قطعة، وصارت تجرى وهو خلفها- وقد اجتمع جميع الخوندات عندى بالقاعة للسّلام على بنت صرق المذكورة- ولا زال يضربها بالنّمجاة وهى تجرى إلى أن دخلت المستراح، فتمّم قتلها فى صحن المستراح، ثمّ قطع رأسها وأخذها بدبّوقتها «٢» - وفى آذانها الحلق البلخش «٣» الهائلة- وخرج إلى قاعة الدّهيشة «٤» ، ووضعها بين يديه وغطّاها بفوطة، ثمّ طلب ابن الطبلاوىّ المقدّم ذكره وأجلسه وكشف له عن الفوطة، وقال له: تعرف هذه الرأس؟ فأطرق.
стр. 4321
فضربه بالنّمجاة طيّر رقبته. ولفهما معا فى لحاف وأمر بدفنهما فى قبر واحد. قالت أختى [خوند فاطمة] «١» : وصار دم بنت صرق فى حيطان القاعة ودهليزها.
وقالت: فوالله لمّا دخل الفداويّة «٢» بقلعة دمشق على الملك الناصر ليقتلوه- وكان استصحبنى معه لأعود الوالد فى مرضه- فصارت الفداويّة تضربه بالسكاكين، وهو يفرّ من بين أيديهم كما كانت تفرّ بنت صرق أمامه وهو يضربها بالنّمجاة. وبقى دمه بحيطان البرج شبه دم بنت صرق بحيطان القاعة. قلت: فانظروا إلى هذا الجزاء الذي من جنس العمل- انتهى.
ثمّ أصبح السلطان أمر بخروج الجاليش من الأمراء إلى البلاد الشّامية، فخرجوا بتجمّل عظيم- وعليهم آلة الحرب هم ومماليكهم- وعرضوا على السّلطان وهم مارّون من تحت القلعة والسّلطان ينظر إليهم من أعلى القصر السلطانىّ. وساروا حتى نزلوا بالرّيدانيّة خارج القاهرة فى يوم الخميس رابع عشرين ذى القعدة من سنة أربع عشرة وثمانمائة.
وهم: الأمير بكتمر جلّق رأس نوبة الأمراء وصهر السلطان زوج ابنته، وشاهين الأفرم أمير سلاح، وطوغان الحسنىّ الدّوادار الكبير، وشاهين الزّردكاش، بمضافيهم.
وكان السّلطان قبل خروج الأمراء المذكورين- من عظم غضبه وحنقه على الأمير نوروز الحافظىّ- جمع القضاة، وطلّق أخته خوند سارة بنت الملك الظاهر
стр. 4322
برقوق من زوجها الأمير نوروز، وزوّجها للأمير مقبل الرّومىّ- على كره منها، بعد أن هدّدها بالقتل- بعقد ملفق من قضاة الجاه والشوكة.
فعظم ذلك على الأمير نوروز إلى الغاية، ولم يحسن ذلك ببال أحد- انتهى.
ودام الأمراء بالرّيدانيّة إلى يوم السّبت خامس ذى الحجّة فرحلوا منها يريدون الشّام.
ثمّ ركب السلطان فى يوم الثلاثاء ثامن ذى الحجّة ونزل من قلعة الجبل ببقيّة أمرائه وعساكره- والجميع عليهم آلة السّلاح- بزىّ لم ير أحسن منه، بطلب هائل جرّفيه ثلاثمائة جنيب من خواصّ الخيل بالسّروج الذّهب التى بعضها مرصّع بالفصوص المجوهرة المثمّنة «١» ، ومياثرها «٢» المخمل المطرّز بالزركش، وعلى أكفالها العبى «٣» الحرير المثمنة، وفيها العبى المزركشة بالذهب، وفيها بالكنابيش «٤» الزّركش، والكنابيش المثلّثة بالزّركش والرّيش واللؤلؤ، وكلّها باللّجم المسقّطة «٥» بالذّهب والفضّة، والبذلات المينة «٦» ، والبذلات الذّهب الثّقيلة، ومن وراء الجنائب المذكورة ثلاثة آلاف
стр. 4323
فرس ساقها جشارا «١» ثمّ عدد كبير من العجل التى تجرّها الأبقار وعليها آلات الحصار؛ من مكاحل النّفط الكبار ومدافع النّفط المهولة، والمناجيق «٢» العظيمة ونحو ذلك، ثمّ خرجت خرانة السّلاح- أعنى الزّردخاناة- على أكثر من ألف جمل تحمل القرقلات «٣» ، والخوذ، والزّرديّات، والجواشن «٤» ، والنّشّاب، والرّماح، والسّيوف وغير ذلك.
ثمّ خرجت خزانة المال فى الصّناديق المغطّاة بالحرير الملوّن، وفيها زيادة على أربعمائة ألف دينار، وجميع الطّبّال والزّمّار- مماليكه مشتراواته- بالكلفتات، وعليهم ططريّات «٥» صفر، وغالبهم قد ناهز الحلم، بأشكال بديعة من الحسن، وقد تعلموا صناعة ضرب الطبل والزّمر وأتقنوه إلى الغاية، وهذا شىء لم يفعله ملك قبله.
ثمّ خرج حريم السّلطان فى سبع محفّات «٦» قد غشّيت بالحرير المخمّل الملوّن، ما خلا محفّة الأخت فإنها غشّيت بالزّركش؛ كونها كانت خوند الكبرى صاحبة القاعة، ومن ورائهم نحو الثلاثين حملا من المحاير»
المغشّاة بالحرير والجوخ.
ثمّ خرج المطبخ السّلطانىّ، وقد ساق الرّعيان برسمه ثمانية وعشرين
стр. 4324
ألف رأس من الغنم الضّأن، وكثيرا من البقر والجاموس لحلب ألبانها، فبلغت عدّة الجمال التى صحبة السّلطان إلى ثلاثة وعشرين ألف جمل، وهذا شىء كثير إلى الغاية.
ثمّ سار السلطان من القاهرة حتى نزل بمخيّمه من الرّيدانيّة تجاه مسجد التّبن «١» وهذه تجريدة السلطان الملك النّاصر السّابعة إلى البلاد الشّاميّة، وهى التى قتل فيها حسبما يأتى ذكره، وهذه التّجاريد خلاف تجريدة السّعيديّة التى انكسر فيها الملك النّاصر من الأمراء وعاد إلى الدّيار المصرية، ولم يصل إلى قطيا، على أنّه تكلّف فيها إلى جمل مستكثرة، وذهب له من الأثقال والقماش والسّلاح أضعاف ما تكلّفه فى النّفقة وغيرها. وكانت تجريدته الأولى إلى قتال الأمير تنم الحسنىّ الظّاهرىّ نائب الشّام فى سنة اثنتين وثمانمائة.
وتجريدته الثانية لقتال تيمورلنك فى سنة ثلاث وثمانمائة.
والثالثة لقتال جكم من عوض فى سنة تسع وثمانمائة بعد واقعة السّعيدية.
والرابعة فى سنة عشر وثمانمائة، التى مسك فيها الأمير شيخا المحمودىّ نائب الشّام والأتابك يشبك الشّعبانىّ، وحبسهما بقلعة دمشق، وأطلقهما منطوق نائب قلعة دمشق.
والخامسة فى محرّم سنة اثنتى عشرة وثمانمائة، وهى التى حصر فيها شيخا ونوروزا بصرخد.
والسادسة سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وهى التى حصر فيها أيضا شيخا ونوروزا بقلعة الكرك.
والتجريدة السابعة هذه.
فجملة تجاريده ثمانى سفرات بواقعة السعيدية- انتهى.
стр. 4325
ثمّ خرج الخليفة المستعين بالله أبو الفضل العبّاس، والقضاة الأربعة، وهم:
قاضى القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقينىّ الشّافعىّ، وقاضى القضاة ناصر الدين محمّد بن العديم الحنفىّ، وقاضى القضاة المالكىّ «١» ، وقاضى القضاة الحنبلىّ «٢» ، ونزل الجميع بالرّيدانيّة، وتردّد السّلطان فى مدّة إقامته بالرّيدانيّة إلى التّربة التى أنشأها على قبر أبيه بالصّحراء خارج باب النّصر، وبات بها ليالى، ونحر بها ضحاياه، وجعل الأمير يلبغا الناصرىّ نائب الغيبة بالقاهرة، وجعل فى باب السّلسلة الأمير ألطنبغا العثمانىّ، وبقلعة الجبل الأمير أسنبغا الزّردكاش شادّ الشّراب خاناة، وزوج أخته خوند بيرم، وولّى نيابة القلعة للأمير شاهين الرّومىّ عوضا عن كمشبغا الجمالىّ، وبعث كمشبغا الجمالىّ صحبة حريمه، وقدّمهم بين يديه بمرحلة.
ثمّ رحل السّلطان من تربة أبيه قبيل الغروب من يوم الجمعة ثانى عشر ذى الحجّة من سنة أربع عشرة وثمانمائة، لطالع اختاره له الشيخ برهان الدين إبراهيم بن زقاعة، وقد حزر ابن زقاعة وقت ركوبه، وعوّق السّلطان عن الركوب- والعساكر واقفة- حتى دخل الوقت الذي اختاره له، فأمره فيه بالرّكوب، فركب السّلطان وسار يريد البلاد الشّاميّة، ونزل بمخيّمه من الرّيدانيّة، وفى ظنّه أنّه منصور على أعدائه؛ لعظم عساكره، ولطالع اختاره له ابن زقاعة، فكانت عليه أيشم «٣» السّفرات، فلعمرى هل رجع الشيخ برهان الدين بن زقاعة المذكور بعد ذلك عن معرفة هذا العلم أم استمرّ على دعواه؟!.
وأنا أتعجّب من وقاحة أرباب هذا الشّأن حيث يقع لهم مثل هذا الغلط الفاحش وأمثاله، ثم يعودون إلى الكلام فيه والعمل به- انتهى.
стр. 4326
ثمّ استقلّ السّلطان بالمسير فى سحر يوم السبت ثالث عشر ذى الحجّة.
وفى هذا الشّهر انتكس الوالد ثالث مرّة، ولزم الفراش إلى أن مات «١» حسبما يأتى ذكره.
وأمّا السّلطان الملك الناصر فإنّه قبل المسير حذّر عسكره من الرّحيل قبل النّفير، فبلغه وهو بالرّيدانيّة أنّ طائفة رجلت، فركب بنفسه وقبض على واحد ووسّطه، ونصب مشنقة، فما وصل إلى غزّة حتى قتل عدّة من الغلمان؛ من أجل الرّحيل قبل النّفير، فتشاءم الناس بهذه السّفرة.
ثمّ سار حتى نزل مدينة غزّة، فوسّط بها تسعة عشر نفرا من المماليك الظاهريّة وهو لا يعقل من شدّة السّكر، وعقيب ذلك بلغه أنّ الأمراء الذين بالجاليش توجّهوا بأجمعهم إلى شيخ ونوروز، وكان من خبرهم أنّهم لمّا وصلوا إلى دمشق دخلوا إلى الوالد وقد ثقل فى الضّعف وسلّموا عليه، وأخبره بكتمر جلّق وطوغان أنهما بمن معهما يريدون التّوجّه إلى شيخ ونوروز، فرجّعهم الوالد عن ذلك، فذكروا له أعذارا فسكت عنهم، فقاموا عنه وخرجوا بأجمعهم وتوجّهوا إلى شيخ ونوروز- ما خلا شاهين الزّردكاش- فإنّه لم يوافقهم على الذّهاب، فمسكوه وذهبوا به إلى شيخ ونوروز.
ولمّا بلغ الملك الناصر ذلك، ركب وسار من غزّة مجدّا فى طلبهم، وقد نفرت منه القلوب، حتى نزل بالكسوة فى يوم الثلاثاء سلخ ذى الحجّة، فألبس من معه من العساكر السّلاح ورتبهم بنفسه.
ثمّ سار بهم قاصدا دمشق حتى دخلها من يومه وقت الزّوال، وقد خرج أعيان دمشق وعوامّها لتلقّيه وللفرجة عليه، وزيّنت لقدومه دمشق، ونزل بالقلعة
стр. 4327
بعد أن نزل عند الوالد بدار السّعادة وسلّم عليه، وأمر زوجته خوند [فاطمة «١» ] بالإقامة عند الوالد.
[ما وقع من الحوادث سنة ٨١٥]
ثمّ أصبح يوم الأربعاء أوّل محرّم سنة خمس عشرة وثمانمائة خلع على القاضى شهاب الدين أحمد بن الكشك وأعاده إلى قضاء الحنفيّة بدمشق.
ثمّ شفع الوالد فى القاضى ناصر الدين محمّد بن البارزىّ، فطلبه السّلطان بدار السّعادة وأطلقه من سجنه بقلعة دمشق.
ثمّ أفرج السّلطان أيضا عن الأمير نكباى الحاجب، وكان الوالد قبض عليه وحبسه.
ثمّ دخل السّلطان للوالد واستشاره فى الملأ من النّاس فيما يفعل مع هؤلاء الأمراء العصاة، فقال له الوالد: يا خوند تذبح فى سنتك خمسمائة نفس، وتتجرّد فى سنتك؟! فرسك الذي تحتك عاص عليك، فقال له الملك الناصر: الكلام فى الفائت فائت، أيش تشير علىّ الآن؟ فقال: عندى رأى أقوله، إن فعله السّلطان انصلح به حاله، قال: وما هو؟ قال: ترجع من هنا إلى مصر، فمن كان له إليك ميل عاد صحبتك، ومن كان قد داخله الرّعب منك فهو يفارقك من هنا ويتوجّه إلى القوم، فإذا دخلت إلى مصر ناد بالأمان، وكفّ عن قتل مماليك أبيك وغيرهم، وأغدق عليهم بالإحسان، وأكثر إليهم من الاعتذار فيما وقع منك فى حقّ غيرهم، واسلك معهم قرائن تدلّ على صفو النّيّة، فبهذا تطمئنّ قلوب رعيتّك، ويعودون لطاعتك، فإذا صار معك منهم ألف مملوك قهرت بهم جميع أعدائك؛ لما شاع من إقدامك وشجاعتك، ولعظم ما فى قلب أعدائك من الرّعب منك، وأيضا فإنّ هؤلاء الأمراء العصاة قد كثروا إلى الغاية، فالبلاد الشّاميّة لا تقوم بأمرهم، فإمّا أن يقع بينهم الخلف على البلاد فيفترقوا، وإمّا أن يتّفقوا ويجتمعوا على قتالك ويأتوك إلى مصر، فاخرج إليهم
стр. 4328
والقهم برأس الرّمل، فإن انتصرت عليهم فافعل ما بدالك، وإن كانت الأخرى فاخرج إلى البلاد؛ فمن قرا يوسف صاحب العراق إلى والى قطيا فى طاعتك، فما عندى غير هذا. فاستحسن جميع عسكره هذا الرأى إلّا هو؛ فإنّه لم يعجبه، وسكت طويلا، ثمّ رفع رأسه وقال: يا أطا «١» ، أنا قتلت هذه الخلائق لتعظّم حرمتى، فإذا رجعت من هنا أيش يبقى لى حرمة، وأنا أعرف بحال هؤلاء من غيرى، والله ما صفتهم قدّامى إلّا كالصّيد المجروح، والله إذا بقى معى عشرة مماليك قاتلتهم بهم، ولا أطلب إلّا أن يثبتوا ويقفوا، ويقاتلونى حتى أنتصف منهم، فقال له الوالد: اعلم أنّهم الآن يقاتلونك.
ثمّ طلبنا الملك النّاصر [أنا وإخوتى] «٢» فأحضرونا بين يديه، وكنّا ستّة ذكور، فقبّلنا يده- وأنا أصغر الجميع- فسأل عن. سمائنا، فقيل له ذلك، ثمّ تكلّم الأتابك دمرداش المحمّدىّ عن لسان الوالد بالوصيّة علينا، فقال [السّلطان] «٣» : هؤلاء أولادى وأصهارى وإخوتى، ما هذه الوصيّة فى حقّهم؟
كلّ ذلك والوالد ساكت قد أسنده مماليكه لا يتكلّم، فلمّا قام الملك النّاصر قال الوالد: أودعت أولادى إلى الله تعالى، واستعنت به فى أمرهم، فنفعنا ذلك غاية النّفع- ولله الحمد- مع ما أخذ لنا من الأموال التى لا تدخل تحت حصر عند هزيمة الملك النّاصر من الأمراء، ودخوله إلى دمشق.
ثمّ خرج السّلطان الملك الناصر من دمشق بعساكره فى يوم الاثنين سادس المحرّم، ونزل برزة، ثمّ رحل منها يريد محاربة الأمراء، ونزل حسيا بالقرب من حمص، فبلغه رحيل القوم من قارا إلى جهة بعلبك، فترك أثقاله بحسيا وساق فى أثرهم إلى بعلبك، فوجدهم قد توجّهوا إلى البقاع «٤» فقصدهم، فمضوا نحو الصّبيبة
стр. 4329
فتبعهم حتى نزلوا باللّجّون، فساق خلفهم وهو سكران لا يعقل، فما وصل إلى اللّجّون حتى تقطّعت عساكره عنه من شدّة السّوق، ولم يبق معه غير من ثبت على سوقه، وهم أقلّ ممّن تأخّر.
وكان قد وصل وقت العصر من يوم الاثنين ثالث عشر المحرّم من سنة خمس عشرة وثمانمائة، فوجد الأمراء قد نزلوا باللّجّون وأراحوا، وفى ظنّهم أنّه يتمهّل ليلته ويلقاهم من الغد، فإذا جنّهم الليل ساروا بأجمعهم من وادى عارة «١» إلى جهة الرّملة، وسلكوا البرّيّة عائدين إلى حلب، وليس فى عزمهم أن يقاتلوه أبدا، لا سيّما الأمير شيخ فإنّه لا يريد ملاقاته بوجه من الوجوه، فحال وصول الملك النّاصر إلى اللّجّون أشار عليه الأتابك دمرداش المحمدىّ أن يريح خيله وعساكره تلك اللّيلة، ويقاتلهم من الغد، فأجابه السّلطان بأنّهم يفرّون اللّيلة، فقال له دمرداش المذكور: إلى أين «بقوا» يتوجّهوا يا مولانا السّلطان بعد وقوع العين فى العين؟ يا مولانا السّلطان مماليكك فى جهد وتعب من السّوق، والخيول كلّت، والعساكر منقطعة، فلم يلتفت إلى كلامه، وحرّك فرسه ودقّ بزخمته على طبله، وسار نحو القوم، وحمل عليهم بنفسه من فوره حال وصوله، فارتضمت «٢» طائفة من مماليكه فى وحل كان هناك.
ثمّ قبل اللّقاء خرج الأمير قجق أحد أمراء الألوف بطلبه من مماليكه وعسكره، وذهب إلى الأمراء، وتداول ذلك من المماليك الظّاهرية واحدا بعد واحد، والملك الناصر لا يلتفت إليهم، ويشجّع من بقى معه حتى التقاهم وصدمهم صدمة هائلة، قتل فيها من عسكره الأمير مقبل الرّومىّ أحد أمراء الألوف، الذي زوّجه الملك النّاصر بأخته- زوجة الأمير نوروز-
стр. 4330
ثمّ قتل أحد خواصّه من الأمراء [وهو] الأمير ألطنبغا شقل، وتقهقر عسكره مع قلّتهم، فانهزم السّلطان عند ذلك، بعد أن قاتل بنفسه، وساق يريد دمشق- وكان الرّأى توجّهه إلى مصر- وتبعه سودون الجلب، وقرقماس ابن أخى دمرداش، ففاتهما الملك النّاصر ومضى إلى دمشق، وأحاط القوم بالخليفة المستعين بالله، وفتح الدّين فتح الله كاتب السّر، وناظر الجيش بدر الدين حسن بن نصر الله، وناظر الخاصّ ابن أبى شاكر، واستولوا على جميع أثقال الملك النّاصر وأمرائه.
وامتدّت أيدى أصحاب الأمراء إلى النهب والأسر فى أصحاب الملك النّاصر، وما غربت الشمس حتى انتصر الأمراء وقوى أمرهم، وأذّن المغرب فتقدّم إمام الأمير شيخ، شهاب الدين أحمد الأذرعىّ، وصلى بهم المغرب، وقرأ فى الرّكعة الأولى بعد الفاتحة:
«وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»
«١» .
فوقعت هذه الآية الموقع الحسن، كونهم كانوا فى خوف وجزع وصاروا إلى الأمن والتّحكم، وباتوا تلك اللّيلة بمخيّماتهم- وهى ليلة الثلاثاء- وأصبح الأمراء وليس فيهم من يرجع إليه، بل كلّ واحد منهم يقول: أنا رئيس القوم وكبيرهم، فنادى شيخ بأنّه الأمير الكبير، ورسم بما شاء، ونادى نوروز أيضا بأنه الأمير الكبير، ورسم بما أراد، ونادى سودون المحمّدىّ بأنه الأمير الكبير، وقد استولى على الإسطبل السّلطانىّ بما فيه لنفسه، ونادى بكتمر جلّق بأنه الأمير الكبير.
стр. 4331
قال الشيخ تقىّ الدين المقريزىّ- ﵀: حدّثنى فتح الله كاتب السرّ قال: بعث إلىّ الأمير شيخ ونوروز، قالا لى: أكتب بما جرى إلى الدّيار المصريّة، وأعلم الأمراء به، فقال لهما: من السّلطان الذي أكتب عنه؟ ... فأطرق كلّ منهما ساعة ثم قالا: ابن أستاذنا ما هو هنا حتى نسلطنه- يريدان الأمير فرج ابن الملك النّاصر فرج.
فلمّا رأى انقطاعهما قال: الرأى أن يتقدّم كلّ منكما إلى موقّعه بأن يكتب عنه إلى الأمراء بمصر كتابا بصورة الحال، ويأمرهم بحفظ القلعة والمدينة، ويعدهم بالخير، ثمّ يكتب الخليفة كذلك. فوقع هذا منهما الموقع الحسن، وكتب كلّ منهما كتابا، وندب قجقار القردمىّ لحمل الكتب، وجهّز إلى مصر، فمضى من يومه، ونودى بالرّحيل فى يوم الأربعاء خامس عشره، وليس عندهم خبر عن الملك النّاصر ولا أين ذهب- انتهى.
قلت: وأما الملك النّاصر، فإنه لمّا انكسر سار نحو دمشق حتى دخلها ليلة الأربعاء فى ثلاثة نفر، ونزل بالقلعد وسأل عن الوالد فقيل له محتضر.
ومات الوالد فى يوم الخميس سادس عشر المحرّم، ودفن من يومه بتربة الأمير تنم الحسنىّ نائب الشّام، خارج دمشق بميدان الحصى «١» .
وأمّا الملك الناصر فإنه أصبح يوم الأربعاء استدعى القضاة والأعيان ووعدهم بكلّ خير، وحثّهم على نصرته والقيام معه، فانقادوا له، فأخذ فى تدبير أموره، وتلاحقت به عساكره شيئا بعد شىء.
стр. 4332
ثمّ قدم عليه الأتابك دمرداش، فأصبح خلع عليه فى عصر يوم الخميس سادس عشر المحرّم بولايته نيابة دمشق- بعد موت الوالد- ﵀.
وأخذ السلطان فى الاستعداد، وأخرج الأموال، ثمّ استولى على جميع ما للوالد من خيل وجمال وقماش وزردخاناة ومال؛ من كونه وصيّا، وأيضا وكيل زوجته، فكان من جملة ما أخذه نحو الألف فرس ما بين مراكيب وجشار «١» ، واستخدم جميع مماليك الوالد المشتروات ومماليك الخدمه، وكانوا أيضا نحو الألف مملوك، وخلع على طوغان دوادار الوالد باستقراره على تقدمة ألف بدمشق على عادته، وعلى أرغون شاه شادّ شراب خاناته باستقراره على إمرة طبلخاناة وكذلك رأس نوبة، فكلّموه فيما أخذ للوالد من الخيول والقماش، فوعدهم برد ما أخذ وأضعافه.
ثمّ أحضر السّلطان الأموال وصبّها بين يديه، فأشار عليه دمرداش بالخروج إلى حلب فلم يوافقه، وأبى إلا الإقامة فى دمشق، فأشار عليه ثانيا بالعود إلى الدّيار المصرية فلم يرض، وأقام بدمشق، وكان رأى دمرداش فيه غاية الجودة، فإنّ جميع أمراء التركمان كانت مع الملك الناصر مثل قرايلك، وابن قرمان، وبنى دلغادر وغيرهم، فحبّب إليه الإقامة بدمشق لأمر سبق فى القدم، ولما أخرج السلطان الأموال أتاه الناس من كلّ فجّ من التّركمان والعربان والعشير «٢» وغيرهم، فكتب أسماءهم وأنفق عليهم وقوّاهم بالسلاح، وأنزل كلّ طائفة منهم بموضع يحفظه، فكان عدّة من استخدمه من المشاة زيادة على ألف رجل، وحصّن القلعة بالمناجيق
стр. 4333
والمدافع الكبار؛ وجعل بين كلّ شرفتين من شرفات «١» سور المدينة جنويّة «٢» ؛ ومن ورائها الرّماة بالسّهام الخلنج «٣» ، والأسهم الخطائية، ونصب على كلّ برج من أبراج السور شيطانيا «٤» يرمى به الحجارة.
وأتقن تحصين القلعة بحيث إنه لم يبق سبيل للتوصّل إليها بوجه من الوجوه.
ثمّ خلع على نكباى الحاجب بنيابة حماة، ثمّ ركب قاضى القضاة جلال الدين البلقينى، ومعه بقيّة قضاة مصر ودمشق؛ وجماعة من أرباب الدّولة، ونودى بين أيديهم عن لسان السلطان أنه قد أبطل المكوس، وأزال المظالم فادعوا له؛ فعظم ميل الشّاميّين إليه وتعصبوا له، وصار غالبهم من حزبه، وغنّوا عن لسانه:
أنا سلطان ابن سلطان وأنت يا شيخ أمير وأكثروا من الدّعاء له والوقيعة فى شيخ ونوروز، ووعدوه القتال معه حتى الممات.
واستمرّ ذلك إلى بكرة يوم السّبت ثامن عشر المحرّم، فنزل الأمراء على قبة يلبغا خارج دمشق، فندب السّلطان عسكرا فتوجّهوا إلى القبيبات «٥»
стр. 4334
فبرز لهم سودون المحمّدى، وسودون الجلب، واقتتلوا حتّى تقهقر السّلطانيّة منهم مرّتين، ثمّ انصرف الفريقان.
وفى يوم الأحد تاسع عشر المحرّم ارتحل الأمراء عن قبّة يلبغا، ونزلوا غربىّ دمشق من جهة الميدان، ووقفوا من جهة القلعة إلى خارج البلد، فتراموا بالنّشّاب نهارهم وبالنّفط، فاحترق ما عند باب الفراديس من الأسواق، فلمّا كان الغد من يوم الاثنين عشرين المحرّم اجتمع الأمراء للحصار، فوقفوا شرقىّ البلد وقبليّة، ثمّ كرّوا راجعين ونزلوا ناحية القنوات «١» إلى يوم الأربعاء ثانى عشرينه، ووقع القتال من شرقىّ البلد، ونزل الأمير نوروز بدار الطعم «٢» ، وامتدّت أصحابه إلى العقيبة «٣» ، ونزل طائفة بالصالحيّة والمزّة، ونزل شيخ بدار غرس الدين خليل أستادار الوالد تجاه جامع كريم الدّين الذي بطرف القبيبات ومعه الخليفة وكاتب السرّ فتح الله، ونزل بكتمر جلّق وقرقماس- سيّدى الكبير- فى جماعة من جهة بساتين معين الدّين «٤» ومنعوا الميرة عن الملك النّاصر، وقطعوا نهر دمشق؛ فقد الماء من البلد، وتعطّلت الحمّامات وغلّقت الأسواق.
واشتدّ الأمر على أهل دمشق، واقتتلوا قتالا شديدا، وتراموا بالسّهام والنّفوط، فاحترق عدّة حوانيت بدمشق. وكثرت الجراحات فى أصحاب
стр. 4335
الأمراء من الشّاميّين، وأنكاهم السلطانية بالرّمى من أعلى السّور، وعظم الأمر، وكلّوا من القتال.
تمّ إن الأمير شيخا أرسل إلى شهاب الدّين الحسبانىّ «١» ، والباعونى «٢» ، وقاضى القضاة ناصر الدين بن العديم الحنفىّ قاضى قضاة الدّيار المصرية- وكان قد انقطع بالشّبلية «٣» لمرض به- فأحضر شيخ الثلاثة وأنزلهم عنده، ثم لحق ناصر الدّين بن البارزىّ، وصدر الدّين الأدمىّ الحنفى قاضى قضاة دمشق بالأمير شيخ.
ولمّا بلغ الملك الناصر توجّه ابن العديم إلى شيخ أرسل خلف محبّ الدّين ابن الشّحنة قاضى حلب وولّاه قضاء الحنفيّة بالدّيار المصرية عوضه.
ثمّ فى يوم الجمعة رابع عشرينه أحضر الأمير شيخ الأمير بلاط الأعرج شادّ الشّراب خاناة- وكان ممّن قبض عليه بعد انهزام الملك النّاصر- ووسّطه، ثمّ أحضر أيضا الأمير بلاط أمير علم- وكان ممّن قبض عليه أيضا يوم الواقعة؛ من أجل أنّه كان يتولّى ذبح خشداشيّته من المماليك الظّاهريّة- فلما حمل للتّوسيط صاح: يا ظاهريّة الجيرة، أنا خشداشكم، قالوا له: الآن أنت خشداشنا، وأيّام الذبح كنت عدوّنا!! فلم يقم إليه أحد.
وفى يوم السّبت خامس عشرين المحرّم، خلع الخليفة المستعين بالله الملك النّاصر فرج من السّلطنة، واتّفق الأمراء على إقامة الخليفة المستعين بالله المذكور فى
стр. 4336
السّلطنة لتستقيم بسلطنته الأحوال، وتنفذ الكلمة، وتجتمع النّاس على سلطان، وثبت خلع الملك النّاصر على القضاة، وأجمعوا على إقامة الخليفة سلطانا، فامتنع الخليفة من ذلك غاية الامتناع، وخاف ألّا يتمّ له ذلك فيهلك، وصمّ على الامتناع، وخاف من الملك النّاصر خوفا شديدا، فلمّا عجز عنه الأمراء دبّروا عليه حيلة، وطلبوا الأمير ناصر الدّين محمّد بن مبارك شاه الطّازىّ- وهو أخو الخليفة المستعين بالله لأمه- وندبوه بأن يركب ومعه ورقة تتضمّن مثالب الملك النّاصر ومعايبه، وأن الخليفة قد خلعه من الملك وعزله من السّلطنة، ولا يحلّ لأحد معاونته ولا مساعدته.
فلمّا بلغ الخليفة ذلك لام أخاه ناصر الدين بن مبارك شاه المذكور على ذلك، وأيس الخليفة عند ذلك من الصلاح الملك النّاصر له، فأذعن لهم حينئذ بأن يتسلطن، فبايعوه بأجمعهم، وحلفوا له بالأيمان المغلّظة والعهود على الوفاء له وعلى القيام بنصرته ولزوم طاعته.
وتمّ أمره على ما يأتى ذكره فى أوائل ترجمته من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وأمّا الملك النّاصر، فإنّه لمّا تسلطن الخليفة، وخلع هو من الملك، نفر النّاس عنه، وصاروا حزبين: حزبا يرى أنّ مخالفة الخليفة كفر، والنّاصر قد عزل من الملك، فمن قاتل معه فقد عصى الله ورسوله، وحزبا يرى أنّ القتال مع الملك الناصر واجب، وأنه باق على سلطنته، ومن قاتله إنما هو باغ عليه وخارج عن طاعته.
ومن حينئذ أخذ أمر الملك النّاصر فى إدبار، إلى أن قتل فى ليلة السبت سادس عشر صفر من سنة خمس عشرة وثمانمائة بالبرج من قلعة دمشق بعد ما حوصر أياما، كما سيأتى ذكره مفصلا فى ترجمة المستعين بالله، إلى أن حبس بقلعة دمشق.
وخبره: أنه لمّا حبس بقلعة دمشق- بعد أمور يأتى ذكرها فى سلطنة المستعين
стр. 4337
وأقام محبوسا بالبرج إلى ليلة السبت سادس عشر صفر المذكور- دخل عليه ثلاثة نفر [هم] «١» الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك شاه الطازىّ أخو الخليفة المستعين بالله لأمّه، وآخر من ثقات شيخ، وآخر من أصحاب نوروز، ومعهم رجلان من المشاعلية «٢» ، فعند ما رآهم الملك النّاصر فرج قام إليهم فزعا، وعرف فيما جاءوا ودافع عن نفسه، وضرب أحد الرّجلين بالمدوّرة صرعه، ثمّ قام الرجل هو ورفيقه ومشوا عليه وبأيديهم السكاكين، ولا زالوا يضربونه بالسكاكين المذكورة وهو يعاركهم بيديه وليس عنده ما يدفع عن نفسه به حتى صرعاه بعد ما أثخنا جراحه فى خمس مواضع من بدنه، وتقدّم إليه بعض صبيان المشاعلية فخنقه وقام عنه، فتحرّك الملك الناصر، فعاد إليه وخنقه ثانيا حتى قوى عنده أنه مات، فتحرّك، فعاد إليه ثالثا وخنقه، وفرى أو داجه بخنجر كان معه، وسلبه ما عليه من الثياب، ثمّ سحب برجليه حتى ألقى على مزبلة مرتفعة من الأرض تحت السّماء، وهو عارى البدن، يستر عورته وبعض فخذيه سراويله، وعيناه مفتوحتان، والنّاس تمرّ به ما بين أمير وفقير ومملوك وحر. قد صرف الله قلوبهم عن دفنه ومواراته. وبقيت الغلمان والعبيد والأوباش تعبث بلحيته وبدنه.
واستمرّ على المزبلة المذكورة طول نهار السبت المذكور، فلما كان الليل من ليلة الأحد حمله بعض أهل دمشق وغسّله وكفّنه. ودفنه بمقبرة باب الفراديس»
احتسابا لله تعالى. بموضع يعرف بمرج الدحداح، ولم تكن جنازته مشهودة، ولا عرف من تولّى غسله ومواراته.
стр. 4338
قلت: وما وقع للملك النّاصر من قتله وإلقائه على المزبلة ممّا يدلّ على قلة مروءة القوم، وعدم حفظهم ومراعاتهم لسوابق نعمه عليهم، ولحقوق تربية والده الملك الظاهر برقوق عليهم، ونفرض أنّه أساء لهم وأراد قتلهم، وكان مجازاته عن ذلك بالقتل، وهو غاية المجاراة، فكان الأليق بعد قتله إخفاء أمره ومواراته، كما فعل غيرهم بمن تقدّم من الملوك، فإنّه قد حصل مقصودهم بقتله وزيادة. حتىّ إنّ الذي- والعياذ بالله تعالى- يقع فى الكفر تضرب عنقه ثمّ يؤخذ ويدفن، وأيضا فمراعاة السّلطنة وناموس الملك مطلوب من كلّ واحد، والملوك لهم غيرة على الملوك ولو كان بينهم العداوة والخصومة، وقد رأيت فى تاريخ الإسلام فى ترجمة الخليفة محمد المهدىّ بن الرّشيد هارون العبّاسىّ أنه سأل بعض جلسائه عن أحوال الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان الأموىّ، فقال له بعض من حضر:
وما السّؤال عنه يا أمير المؤمنين؟! كان رجلا فاسقا زنديقا.
فلمّا سمع الخليفة المهدىّ كلامه نهره وقال له: صه، خلافة الله أجلّ أن يجعلها فى زنديق، وأقامه من مجلسه.
وكان الوليد كما قال الرّجل، غير أنّ المهدىّ غار على منصب الخلافة فقال ذلك مع علمه بحال الوليد، فلعمرى أين فعل هؤلاء من قول المهدىّ؟! ...
مع أنّ خلفاء بنى العبّاس كانوا أشدّ بغضا لخلفاء بنى أميّة من بغض هؤلاء للملك النّاصر، غير أنّ العقول تتفاوت وتتفاضل، والأفعال تدلّ على شيم الفاعل- انتهى.
ومات الملك الناصر وله من العمر أربع وعشرون سنة وثمانية أشهر وأيام،
стр. 4339
فكانت مدّة ملكه من يوم مات أبوه الملك الظاهر برقوق إلى أن خلع بأخيه الملك المنصور عبد العزيز- حسبما تقدم ذكره- ستّ سنين وخمسة أشهر وأحد عشر يوما، وخلع من السّلطنة بأخيه المذكور سبعين يوما، ومن يوم أعيد إلى السّلطنة بعد خلع أخيه المذكور فى يوم السّبت خامس جمادى الآخرة من سنة ثمان وثمانمائة إلى يوم خلعه المستعين بالله من السلطنة فى يوم السبت خامس عشرين المحرّم من سنة خمس عشرة وثمانمائة ستّ سنين وعشرة أشهر سواء.
فجميع مدة سلطنته الأولى والثانية- سوى أيّام خلعه- ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما.
وكان الملك النّاصر من أشجع الملوك وأفرسها وأكرمها، وأكثرها احتمالا وأصبرها على العصاة من أمرائه.
حدّثنى بعض أعيان المماليك الظاهريّة: أنه ما قتل أحدا من الظاهريّة ولا غيرهم حتى ركب عليه وآذاه غير مرّة وهو يعفو عنه، وتصديق ذلك أنّه لمّا قبض على الأمير شيخ، والأتابك يشبك الشّعبانىّ بدمشق فى سنة عشر [وثمانمائة] «١» وحبسهما بقلعة دمشق كان يمكنه قتلهما؛ فإنّ ذلك كان بعد ما حارباه فى واقعة السّعيدية وكسراه أقبح كسرة، وأمّا شيخ فإنه كان تكرّر عصيانه عليه قبل ذلك غير مرّة. وقد رأينا من جاء بعده من الملوك إذا ركب عليه أحد مرّة واحدة وظفر به لم يبقه، والكلام فى بيان ذلك من وجوه عديدة يطول الشّرح فيه وليس تحت ذلك فائدة.
ولم أرد بما قلته التعصّب للملك الناصر المذكور؛ فإنه أخذ مالنا وجميع موجود الوالد وتركنا فقراء- يعلم ذلك كلّ أحد- غير أن الحقّ يقال على أى وجه كان.
стр. 4340
وكان صفته شابّا معتدل القامة، أشقر، له لثغة فى لسانه بالسّين، غير أنّه كان أفرس ملوك التّرك بعد الملك الأشرف خليل بن قلاون بلا مدافعة.
قلت: ولنذكر هنا من مقالة الشيخ تقىّ الدين المقريزى فى حقّه من المساوى نبذة برمتها، وللنّاظر فيها التّأمل قال:
«وكان النّاصر أشأم ملوك الإسلام؛ فإنّه خرّب بسوء تدبيره جميع أراضى مصر وبلاد الشّام من حيث يصبّ النّيل إلى مجرى الفرات، وطرق الطاغية تيمور بلاد الشّام فى سنة ثلاث وثمانمائة، وخرّب حلب وحماة وبعلبكّ ودمشق، حتىّ صارت دمشق كوما ليس بها دار.
وقتل من أهل الشام مالا يحصى عدده، وطرق ديار مصر الغلاء من سنة ست وثمانمائة، فبذل أمراء دولته جهدهم فى ارتفاع الأسعار؛ بخزنهم الغلال وبيعهم لها بالسّعر الكثير، ثم زيادة أطيان أراضى مصر حتى عظمت كلفته، وأفسدوا مع ذلك النّقود بإبطال السكّة الإسلامية من الذّهب، والمعاملة بالدّنانير المشخّصة التى هى ضرب النّصارى، ورفعوا سعر الذّهب حتى بلغ إلى مائتين وأربعين [درهما] «١» كلّ مثقال، بعد ما كان بعشرين درهما، ومكّسوا كل شىء، وأهمل عمل الجسور بأراضى مصر، وألزم النّاس أن يقوموا عنها بالأموال التى تجبى منهم، وأكثر وزراؤه من رمى البضائع على التجّار ونحوهم بأغلى الأثمان، وكلّ ذلك من سعد الدين بن غراب، وجمال الدين يوسف الأستادار وغيرهما؛ فكانا يأخذان الحقّ والباطل ويأتيان له به لئلا يعزلهم من وظائفهم، ثمّ ماتوا، فتمّ هو على ذلك يطلب المال من المباشرين فيسدون بالظلم، فخربت البلاد لذلك، وفشا أخذ أموال النّاس. هذا مع
стр. 4341
تواتر الفتن واستمرارها بالشّام ومصر، وتكرار سفره إلى البلاد الشّامية، فما من سفرة سافر إليها إلا وينفق فيها أموالا عظيمة؛ زيادة على ألف ألف دينار، يجبيها من دماء أهل مصر ومهجهم «١» ، ثمّ يتقدّم إلى الشام فيخرّب الدّيار ويستأصل الأموال ويدمّر القرى.
ثمّ يعود وقد تأكّدت أسباب الفتنة، وعادت أعظم ما كانت، فخربت الإسكندرية، وبلاد البحيرة، وأكثر الشرقيّة، ومعظم الغربية، وتدمّرت بلاد الفيّوم، وعمّ الخراب بلاد الصعيد بحيث بطل منها زيادة على أربعين خطبة «٢» ، ودثر ثغر أسوان وكان من أعظم ثغور المسلمين، وخرب من القاهرة وأملاكها وظواهرها زيادة عن نصفها، ومات من أهل مصر فى الغلاء والوباء نحو ثلثى النّاس، وقتل فى الفتن بمصر مدّة أيّامه خلائق لا تدخل تحت حصر. مع مجاهرته بالفسوق، من شرب الخمر، وإتيان الفواحش، والتجرّؤ العظيم على الله جلت قدرته.
ومن العجيب أنّه لمّا ولد كان قد أقبل يلبغا الناصرىّ بعساكر الشّام لينزع أباه الملك الظاهر برقوق من الملك- وهو فى غاية الاضطراب من ذلك- فعند ما بشر به قيل له: ما تسميه؟ ... قال: بلغاق «٣» - يعنى فتنة- وهى كلمة تركيّة، فقبض على أبيه الملك الظّاهر وسجن بالكرك- كما تقدّم ذكره.
فلمّا عاد إلى الملك عرض عليه فسمّاه فرجا، ولم يسمّه أحد لذلك اليوم إلّا بلغاق، وهو فى الحقيقة ما كان إلّا فتنة، أقامه الله- نقمة على النّاس ليذيقهم بعض الذي عملوا.
стр. 4342
ومن عجيب الاتّفاق أنّ حروف اسمه «ف ر ج» عددها ثلاثة وثمانون ومائتين وهى عدد جركس «١» ، وكان فناء طائفة الجركس على يديه.
فإن حروفها تفنى إذا أسقطت بحروف اسمه» .
قلت «٢» : كيف كان فناء الجركس على يديه، وهم إلى الآن ملوك زماننا وسلاطينها؟!. فهذا هو الخباط «٣» بعينه!. وإن كان يعنى الذين قتلهم، فهو قتل من كلّ طائفة- انتهى.
قال «٤» : وكانت وفاته عن أربع وعشرين سنة وثمانية أشهر وأيّام، وكل هذه الأمور من سوء تدبير مماليك أبيه معه والفتنة فى بعضهم البعض، وهم الذين جسّروه على المظالم، وعلى قتل بعضهم، فاستمرّ على الظلم والقتل إلى أن كان من أمره ما كان- انتهى كلام المقريزى بتمامه وكماله.
قلت: وكان يمكننى أن أجيب عن كلّ ما ذكره المقريزىّ- غير إسرافه على نفسه- غير أنى أضربت عن ذلك خشية الإطالة والملل، على أنى موافقه على أنّ الزّمان يصلح ويفسد بسلطانه وأرباب دولته، ولكن البلاء قديم وحديث- انتهى.
وخلّف الملك الناصر عشرة أولاد- فيما أظنّ- ثلاثة ذكور وسبع إناث، فالذكور: فرج، ومحمد، وخليل، والإناث: ستيته التى زوّجها لبكتمر جلّق، وعائشة، وآسية، وزينب، وشقراء، وهاجر، ورحب، والجميع أمّهاتهم أمّ أولاد مولّدات. ما عدا عائشة وشقراء- والله أعلم.
стр. 4343
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٨]
السنة الأولى من سلطنة الملك الناصر فرج بن برقوق الثانية على مصر وهى سنة ثمان وثمانمائة، على أنّ أخاه الملك المنصور عبد العزيز حكم منها سبعين يوما.
فيها أمسك السلطان الملك الناصر الأتابك بيبرس ابن عمّته، والأمير سودون الماردانىّ الدّوادار الكبير بعد عوده إلى الملك- حسبما تقدّم ذكره.
وفيها توفّى الشيخ علاء الدين علىّ بن محمد بن علىّ بن عصفور «١» المالكى، شيخ الكتّاب بالدّيار المصرية فى يوم الاثنين رابع عشرين شهر رجب، كان أحد موقعى الدّست بالقاهرة، وكان يجيد الخطّ المنسوب «٢» بسائر الأقلام، وكان ابن عصفور هذا هو الذي كتب عهد الملك المنصور عبد العزيز بالسلطنة، ومات بعد مدّة يسيرة، قال فيه بعض الأدباء. [السريع]
قد نسخ الكتاب من بعده ... عصفور لما طار للخلد
مذ كتب العهد قضى نحبه ... وكان منه آخر العهد
وتوفى الخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عبد الله محمّد ابن الخليفة المعتصم بالله أبى بكر ابن الخليفة المستكفى بالله سليمان ابن الحاكم بأمر الله أحمد ابن الحسن بن أبى بكر بن علىّ بن الحسين ابن الخليفة الرّاشد بالله منصور ابن المسترشد بالله الفضل ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقتدى بالله عبد الله ابن الأمير ذخيرة الدين محمد ابن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله ابن القادر بالله أحمد ابن المقتفى بالله إبراهيم ابن المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد بالله أحمد ابن الأمير
стр. 4344
الموفّق طلحة ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد ابن الرشد بالله هارون ابن المهدى محمد ابن الخليفة أبى جعفر عبد الله المنصور بن محمّد ابن علىّ بن عبد الله بن عباس الهاشمىّ العباسىّ المصرىّ، يوم الثلاثاء ثامن شهر رجب، ودفن بالمشهد النّفيسى خارج القاهرة.
بويع المتوكل بالخلافة بعد موت أبيه بعهد منه إليه، فى يوم سابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وستّين وسبعمائة، وتمّ أمره، إلى أن خلعه أينبك البدرى «١» فى ثالث صفر سنة تسع وسبعين وسبعمائة بزكريّا بن إبراهيم.
ثمّ أعيد فى عشرين شهر ربيع الأول منها، فاستمرّ إلى أن خلعه الملك الظاهر برقوق فى أوّل شهر رجب سنة خمس وثمانين وسبعمائة بعمر ابن إبراهيم، ولقّب بالواثق.
ثم أعاده فى عشرين شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وتسعين وسبعمائة.
فاستمرّ فى الخلافة إلى أن مات، وتولىّ الخلافة بعده ابنه المستعين بالله العبّاس.
قلت: ولا نعلم خليفة، تخلّف من أولاده لصلبه خمسة غير المتوكل هذا، وهم:
المستعين العبّاس، ثمّ المعتضد داود، ثمّ المستكفى سليمان- وهما أشقّاء- ثمّ القائم بأمر الله حمزة- وهو شقيق المستعين بالله المتقدم ذكره- ثمّ المستنجد بالله يوسف، خليفة زماننا هذا، عامله الله باللطف.
وتوفّى قاضى القضاة ولىّ الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد ابن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن خلدون «٢» الحضرمىّ الإشبيلىّ المالكىّ قاضى قضاة الدّيار المصرية بها،
стр. 4345
فى يوم الأربعاء خامس عشرين شهر رمضان فجاءة، وقد ولى القضاء غير مرّة، ومولده فى يوم الأربعاء أوّل شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، بمدينة تونس، وكان إماما عالما بارعا فى فنون من العلوم، وله نظم ونثر، وقد استوعبنا ترجمته فى «المنهل الصّافى» ، وذكرنا قدومه إلى القاهرة، ومشايخه وغير ذلك، ومن شعره من قصيدة [الكامل] .
أسرفن فى هجرى وتعذيبى ... وأطلن «١» موقف عبرتى ونحيبى
وأبين يوم البين وقفة ساعة ... لوداع مشغوف الفؤاد كئيب
وتوفّى القاضى الأمير سعد الدين إبراهيم بن عبد الرزّاق بن غراب «٢» فى ليلة الخميس تاسع عشر شهر رمضان- ولم يبلغ من العمر ثلاثين سنة- بعد مرض طويل، وكان ولى نظر الخاصّ فى دولة الملك الظاهر برقوق، ثمّ الوزر، ونظر الجيش، وكتابة السّر، والاستاداريّة فى دولة الملك النّاصر فرج الأولى.
ثمّ صار فى سلطنته الثّانية أمير مائة ومقدّم ألف بالدّيار المصريّة، وأمير مجلس، ولبس الكلفتاة وتقلد بالسيف، وحضر الخدمة السّلطانيّة مرّة واحدة، ونزل إلى داره فلزم الفراش إلى أن مات، وكان له مكارم وأفضال وهمّة عالية، لم يسمع بمثلها فى عصره، مع عدم ظلمه بالنّسبة إلى غيره من أبناء جنسه.
وأمّا سفك الدّماء فلم يدخل فيه البتّة، وقد اقتدى جمال الدين يوسف البيرىّ طريقه فى المكارم والتّحشّم، غير أنّه أمعن فى سفك الدّماء حتى تجاوز الحدّ
следующие страницы →