← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

تواتر الفتن واستمرارها بالشّام ومصر، وتكرار سفره إلى البلاد الشّامية، فما من سفرة سافر إليها إلا وينفق فيها أموالا عظيمة؛ زيادة على ألف ألف دينار، يجبيها من دماء أهل مصر ومهجهم «١» ، ثمّ يتقدّم إلى الشام فيخرّب الدّيار ويستأصل الأموال ويدمّر القرى. ثمّ يعود وقد تأكّدت أسباب الفتنة، وعادت أعظم ما كانت، فخربت الإسكندرية، وبلاد البحيرة، وأكثر الشرقيّة، ومعظم الغربية، وتدمّرت بلاد الفيّوم، وعمّ الخراب بلاد الصعيد بحيث بطل منها زيادة على أربعين خطبة «٢» ، ودثر ثغر أسوان وكان من أعظم ثغور المسلمين، وخرب من القاهرة وأملاكها وظواهرها زيادة عن نصفها، ومات من أهل مصر فى الغلاء والوباء نحو ثلثى النّاس، وقتل فى الفتن بمصر مدّة أيّامه خلائق لا تدخل تحت حصر. مع مجاهرته بالفسوق، من شرب الخمر، وإتيان الفواحش، والتجرّؤ العظيم على الله جلت قدرته. ومن العجيب أنّه لمّا ولد كان قد أقبل يلبغا الناصرىّ بعساكر الشّام لينزع أباه الملك الظاهر برقوق من الملك- وهو فى غاية الاضطراب من ذلك- فعند ما بشر به قيل له: ما تسميه؟ ... قال: بلغاق «٣» - يعنى فتنة- وهى كلمة تركيّة، فقبض على أبيه الملك الظّاهر وسجن بالكرك- كما تقدّم ذكره. فلمّا عاد إلى الملك عرض عليه فسمّاه فرجا، ولم يسمّه أحد لذلك اليوم إلّا بلغاق، وهو فى الحقيقة ما كان إلّا فتنة، أقامه الله- نقمة على النّاس ليذيقهم بعض الذي عملوا.

стр. 4342

ومن عجيب الاتّفاق أنّ حروف اسمه «ف ر ج» عددها ثلاثة وثمانون ومائتين وهى عدد جركس «١» ، وكان فناء طائفة الجركس على يديه. فإن حروفها تفنى إذا أسقطت بحروف اسمه» . قلت «٢» : كيف كان فناء الجركس على يديه، وهم إلى الآن ملوك زماننا وسلاطينها؟!. فهذا هو الخباط «٣» بعينه!. وإن كان يعنى الذين قتلهم، فهو قتل من كلّ طائفة- انتهى. قال «٤» : وكانت وفاته عن أربع وعشرين سنة وثمانية أشهر وأيّام، وكل هذه الأمور من سوء تدبير مماليك أبيه معه والفتنة فى بعضهم البعض، وهم الذين جسّروه على المظالم، وعلى قتل بعضهم، فاستمرّ على الظلم والقتل إلى أن كان من أمره ما كان- انتهى كلام المقريزى بتمامه وكماله. قلت: وكان يمكننى أن أجيب عن كلّ ما ذكره المقريزىّ- غير إسرافه على نفسه- غير أنى أضربت عن ذلك خشية الإطالة والملل، على أنى موافقه على أنّ الزّمان يصلح ويفسد بسلطانه وأرباب دولته، ولكن البلاء قديم وحديث- انتهى. وخلّف الملك الناصر عشرة أولاد- فيما أظنّ- ثلاثة ذكور وسبع إناث، فالذكور: فرج، ومحمد، وخليل، والإناث: ستيته التى زوّجها لبكتمر جلّق، وعائشة، وآسية، وزينب، وشقراء، وهاجر، ورحب، والجميع أمّهاتهم أمّ أولاد مولّدات. ما عدا عائشة وشقراء- والله أعلم.

стр. 4343

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٨] السنة الأولى من سلطنة الملك الناصر فرج بن برقوق الثانية على مصر وهى سنة ثمان وثمانمائة، على أنّ أخاه الملك المنصور عبد العزيز حكم منها سبعين يوما. فيها أمسك السلطان الملك الناصر الأتابك بيبرس ابن عمّته، والأمير سودون الماردانىّ الدّوادار الكبير بعد عوده إلى الملك- حسبما تقدّم ذكره. وفيها توفّى الشيخ علاء الدين علىّ بن محمد بن علىّ بن عصفور «١» المالكى، شيخ الكتّاب بالدّيار المصرية فى يوم الاثنين رابع عشرين شهر رجب، كان أحد موقعى الدّست بالقاهرة، وكان يجيد الخطّ المنسوب «٢» بسائر الأقلام، وكان ابن عصفور هذا هو الذي كتب عهد الملك المنصور عبد العزيز بالسلطنة، ومات بعد مدّة يسيرة، قال فيه بعض الأدباء. [السريع] قد نسخ الكتاب من بعده ... عصفور لما طار للخلد مذ كتب العهد قضى نحبه ... وكان منه آخر العهد وتوفى الخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عبد الله محمّد ابن الخليفة المعتصم بالله أبى بكر ابن الخليفة المستكفى بالله سليمان ابن الحاكم بأمر الله أحمد ابن الحسن بن أبى بكر بن علىّ بن الحسين ابن الخليفة الرّاشد بالله منصور ابن المسترشد بالله الفضل ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقتدى بالله عبد الله ابن الأمير ذخيرة الدين محمد ابن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله ابن القادر بالله أحمد ابن المقتفى بالله إبراهيم ابن المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد بالله أحمد ابن الأمير

стр. 4344

الموفّق طلحة ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد ابن الرشد بالله هارون ابن المهدى محمد ابن الخليفة أبى جعفر عبد الله المنصور بن محمّد ابن علىّ بن عبد الله بن عباس الهاشمىّ العباسىّ المصرىّ، يوم الثلاثاء ثامن شهر رجب، ودفن بالمشهد النّفيسى خارج القاهرة. بويع المتوكل بالخلافة بعد موت أبيه بعهد منه إليه، فى يوم سابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وستّين وسبعمائة، وتمّ أمره، إلى أن خلعه أينبك البدرى «١» فى ثالث صفر سنة تسع وسبعين وسبعمائة بزكريّا بن إبراهيم. ثمّ أعيد فى عشرين شهر ربيع الأول منها، فاستمرّ إلى أن خلعه الملك الظاهر برقوق فى أوّل شهر رجب سنة خمس وثمانين وسبعمائة بعمر ابن إبراهيم، ولقّب بالواثق. ثم أعاده فى عشرين شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. فاستمرّ فى الخلافة إلى أن مات، وتولىّ الخلافة بعده ابنه المستعين بالله العبّاس. قلت: ولا نعلم خليفة، تخلّف من أولاده لصلبه خمسة غير المتوكل هذا، وهم: المستعين العبّاس، ثمّ المعتضد داود، ثمّ المستكفى سليمان- وهما أشقّاء- ثمّ القائم بأمر الله حمزة- وهو شقيق المستعين بالله المتقدم ذكره- ثمّ المستنجد بالله يوسف، خليفة زماننا هذا، عامله الله باللطف. وتوفّى قاضى القضاة ولىّ الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد ابن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن خلدون «٢» الحضرمىّ الإشبيلىّ المالكىّ قاضى قضاة الدّيار المصرية بها،

стр. 4345

فى يوم الأربعاء خامس عشرين شهر رمضان فجاءة، وقد ولى القضاء غير مرّة، ومولده فى يوم الأربعاء أوّل شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، بمدينة تونس، وكان إماما عالما بارعا فى فنون من العلوم، وله نظم ونثر، وقد استوعبنا ترجمته فى «المنهل الصّافى» ، وذكرنا قدومه إلى القاهرة، ومشايخه وغير ذلك، ومن شعره من قصيدة [الكامل] . أسرفن فى هجرى وتعذيبى ... وأطلن «١» موقف عبرتى ونحيبى وأبين يوم البين وقفة ساعة ... لوداع مشغوف الفؤاد كئيب وتوفّى القاضى الأمير سعد الدين إبراهيم بن عبد الرزّاق بن غراب «٢» فى ليلة الخميس تاسع عشر شهر رمضان- ولم يبلغ من العمر ثلاثين سنة- بعد مرض طويل، وكان ولى نظر الخاصّ فى دولة الملك الظاهر برقوق، ثمّ الوزر، ونظر الجيش، وكتابة السّر، والاستاداريّة فى دولة الملك النّاصر فرج الأولى. ثمّ صار فى سلطنته الثّانية أمير مائة ومقدّم ألف بالدّيار المصريّة، وأمير مجلس، ولبس الكلفتاة وتقلد بالسيف، وحضر الخدمة السّلطانيّة مرّة واحدة، ونزل إلى داره فلزم الفراش إلى أن مات، وكان له مكارم وأفضال وهمّة عالية، لم يسمع بمثلها فى عصره، مع عدم ظلمه بالنّسبة إلى غيره من أبناء جنسه. وأمّا سفك الدّماء فلم يدخل فيه البتّة، وقد اقتدى جمال الدين يوسف البيرىّ طريقه فى المكارم والتّحشّم، غير أنّه أمعن فى سفك الدّماء حتى تجاوز الحدّ

стр. 4346

- عليه من الله ما يستحقّه- وكان أصل سعد الدين هذا من أولاد الكتبة الأقباط بالإسكندرية، ثمّ اتصل بخدمة الأمير محمود بن علىّ الأستادار «١» ، واختصّ به حتى صار عارفا بجميع أحواله، ثمّ بسفارته ولى نظر الخاص عوضا عن سعد الدّين بن أبى الفرج ابن تاج الدّين موسى، فى يوم الخميس تاسع عشر ذى الحجة سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، وعمره إذ ذاك دون العشرين سنة، ولما استفحل أمره أخذ فى المرافعة فى أستاذه محمود المذكور فى الباطن، ولا زال يسعى فى ذلك حتى كان زوال نعمة محمود المذكور على يديه. ثمّ ترقّى بعد ذلك حتى كان من أمره ما كان، فلم يعدّ له من المساوئ غير مرافعته فى محمود المذكور لا غير. وتوفّى الشيخ الإمام الأديب زين الدين طاهر بن الشيخ بدر الدين حسن بن حبيب «٢» الحلبىّ الموقّع الكاتب، فى ليلة سادس عشر ذى القعدة، وكان أديبا شاعرا مكثرا، ومن شعره: [دو بيت] أفدى رشا ما مرّ بى أو خطرا ... كالغصن رشيق إلّا لقيت «٣» فى هواه خطرا ... باللّحظ رشيق والسّالف والوجه حكى «٤» قمرا ... آس وشقيق مذ أسفر وجهه يحاكى قمرا ... للبدر شقيق

стр. 4347

وله أيضا فى الملك الظاهر لمّا أمسك منطاشا «١» . [السريع] الملك الظاهر فى عزّه ... أذلّ من ضلّ ومن طاشا وردّ فى قبضته طائعا ... نعيرا العاصى ومنطاشا وتوفّى الوزير الصاحب تاج الدين عبد الله ابن الوزير الصاحب سعد الدين ابن البقريّ القبطى المصرى تحت العقوبة، فى ليلة الاثنين ثامن عشرين ذى القعدة. وتوفّى الأمير سيف الدين قانى باى بن عبد الله العلائى الظاهرى، أحد أمراء الألوف بالدّيار المصريّة بها، فى ليلة الأحد حادى عشرين شوّال، بعد مرض طويل، وكان يعرف بالغطاس لكثرة هروبه واختفائه، وكان من شرار القوم، كثير الفتن. وهو أحد من كان سببا لأخذ تيمور لنك مدينة دمشق؛ لأنه اتّفق مع جماعة من الأمراء والخاصّكية، وعاد الجميع إلى مصر ليسلطنوا الشيخ لاجين الجندى الجركسىّ، فخاف من بقى من الأمراء أن يتمّ لهم ذلك، وأخذوا السلطان الملك الناصر فرجا وخرجوا من دمشق على حين غفلة، وساروا فى أثرهم حتى أدركوهم بمدينة غزة، وتركوا دمشق مأكلة لتيمور. قلت: الدّالّ على الخير كفاعله، فهو شريك لتيمور فيما اقتحمه من سفك الدّماء وغيره. وتوفّى الأمير سيف الدّين بلاط بن عبد الله السعدى، أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية- بطالا بها- فى رابع عشرين جمادى الأولى، وكان ساكنا عاقلا.

стр. 4348

وتوفّى الأمير سيف الدّين جقمق بن عبد الله الصفوى «١» ، حاجب حجاب دمشق- قتيلا- فى حادى عشر شهر ربيع الآخر، ضرب الأمير شيخ المحمودى عنقه، وكان من قدماء الأمراء، ولى حجوبيّة حلب فى دولة الملك الظاهر برقوق، ثمّ ولى نيابة ملطية، ثمّ تنقل فى عدة ولايات، إلى أن ولى حجوبيّة دمشق، ووقع بينه وبين الأمير شيخ وحشة، حتى كان من أمره ما كان. وتوفّى الأمير سيف الدين شيخ بن عبد الله السّليمانىّ الظاهرىّ المعروف بالمسرطن «٢» ، فى حادى عشر شهر ربيع الآخر حارج دمشق، بعد أن صار أمير مائة ومقدّم ألف بديار مصر، ثمّ نائب صفد، ثمّ نائب طرابلس، ووقع له أمور. وشيخ هذا، هو ثانى من سمّى بهذا الاسم واشتهر، والأوّل شيخ الصّفوىّ الخاصكىّ المقدم ذكره، والثالث هو شيخ المحمودىّ الملك المؤيد- انتهى. وتوفّى الوزير الصاحب تاج الدين عبد الرزّاق بن أبى الفرج بن نقولا الأرمنىّ الملكىّ فى رابع شهر ربيع الآخر، بعد ما ولى عدّة وظائف. كان أوّلا صيرفيّا بقطيا، ثمّ صار كاتبا بها، ثم ولى نظرها، ثمّ استقرّ وزيرا بالدّيار المصرية، ثم أستادارا، ثمّ ولى كشف الوجه البحرى. قال المقريزى: كان أولا يسمى بالمعلم، ثمّ سمّى بالقاضى، ثمّ نعت بالصاحب، ثمّ

стр. 4349

بالأمير، ثمّ بملك الأمراء، كلّ ذلك فى مدّة يسيرة من السنين- انتهى. وتوفّى الطاغية تيمورلنك كور كان، وقد تقدّم نسبه فى ترجمة الملك الناصر فرج الأولى «١» ، على اختلاف كبير فى نسبه. مات فى ليلة الأربعاء تاسع عشر شعبان فى هذه السنة- وقيل فى الماضية- وهو نازل بضواحى أترار «٢» بالقرب من آهنگران، ومعنى «آهنگران» باللغة العربية «الحدّادون» و «آهنگر» : الحداد، و «كوركان» معناه صهر الملوك، و «لنك» هو الأعرج باللغة العجميّة- انتهى. وكان سبب موته أنّه خرج من بلاده لأخذ بلاد الصّين- وقد انقضى فصل الصيف ودخل الخريف، وكتب إلى عساكره أن يأخذوا الأهبة لمدة أربع سنين، فاستعدوا لذلك وأتوه من كلّ جهة، وصنع له خمسمائة عجلة لحمل أثقاله. ثمّ خرج من سمرقند «٣» فى شهر رجب وقد اشتد البرد، ونزل على سيحون وهو جامد، فعبره ومرّ سائرا، فأرسل الله عليه من عذابه جبالا من الثلج التى لم يعهد بمثلها مع فوّة البرد الشديد، فلم يبق أحد من عساكره حتى امتلأت آذانهم وعيونهم وخياشيمهم، وآذان دوابهم وأعينها من الثلج، إلى أن كادت أرواحهم تذهب. ثمّ اشتدت تلك الرّياح، وملأ الثلج جميع الأرض- مع سعتها- فهلكت بهائمهم. وجمد كثير من النّاس، وتساقطوا عن خيولهم موتا.

стр. 4350

وجاء بعقب هذا الثّلج والرّيح أمطار كالبحار، وتيمور مع ذلك لا يرقّ لأحد، ولا يبالى بما نزل بالناس، بل يجدّ فى السّير، فما أن وصل تيمور إلى مدينة أترار حتى هلك خلق كثير من قوّة سيره. ثمّ أمر تيمور أن يستقطر له الخمر حتى يستعمله بأدوية حارّة وأفاويه لدفع البرد وتقوية الحرارة، فعمل له ما أراد من ذلك. فشرع تيمور يستعمله ولا يسأل عن أخبار عساكره وما هم فيه، إلى أن أثّرت حرارة ذلك وأخذت فى إحراق كبده وأمعائه، فالتهب مزاجه حتى ضعف بدنه، وهو يتجلد ويسير السّير السّريع، وأطبّاؤه يعالجونه بتدبير مزاجه إلى أن صاروا يضعون الثلج على بطنه؛ لعظم ما به من التلهب وهو مطروح مدة ثلاثة أيام، فتلفت كبده، وصار يضطرب ولونه يحمرّ، ونساؤه وخواصّه فى صراخ، إلى أن هلك إلى لعنة الله وسخطه، فلبسوا عليه المسوح، ومات ولم يكن معه أحد من أولاده سوى حفيده سلطان خليل ابن ميران شاه بن تيمور وسلطان حسين ابن أخته، فأرادا كتمان موته فلم يخف ذلك على الناس، فتسلطن خليل المذكور بعد جده تيمور، وبذل الأموال، وعاد إلى سمرقند برمّة جده تيمور. فخرج النّاس إلى لقائه لابسين المسوح بأسرهم، وهم يبكون وبصرخون، ودخل ورمّة تيمور بين يديه فى تابوت أبنوس «١» ، والملوك والأمراء وكافة النّاس مشاة بين يديه، وقد كشفوا رءوسهم وعليهم المسوح، إلى أن دفنوه على حفيده محمد سلطان بمدرسته وأقيم عليه العزاء

стр. 4351

أيّاما، وقرئت عنده الختمات، وفرّقت الصّدقات، ومدّت الحلاوات والأسمطة بتلك الهمم العظيمة، ونشرت أقمشته على قبره، وعلّقوا سلاحه وأمتعته على الحيطان حوالى قبره، وكلّها ما بين مرصع ومكلل ومزركش، فى تلك القبّة العظيمة، وعلّقت بالقبّة المذكورة قناديل الذّهب والفضّة، من جملتها قنديل من ذهب زنته أربعة آلاف مثقال- وهو رطل بالسّمرقندىّ، وعشرة أرطال بالدّمشقىّ، وأربعون رطلا بالمصرىّ- وفرشت المدرسة بالبسط الحرير والدّيباج. ثمّ نقلت رمّته إلى تابوت من فولاذ عمل بشيراز «١» ، وهو على قبره إلى الآن، وتحمل إليه النّذورة «٢» من الأعمال البعيدة، ويقصد قبره للزّيارة والتّبرّك به، ويأتى قبره من له حاجة ويدعو عنده. وإذا مرّ على هذه المدرسة أمير أو جليل خضع ونزل عن فرسه إجلالا لقبره، لما له فى صدورهم من الهيبة. وكان تيمور طويل القامة، كبير الجبهة، عظيم الهامة، شديد القوّة أبيض اللّون مشربا بحمرة، عريض الأكتاف، غليظ الأصابع، مسترسل اللّحية، أشلّ اليد، أعرج اليمنى، تتوقّد عيناه، جهير الصّوت، لا يهاب الموت، قد بلغ الثمانين، وهو متمتّع بحواسه وقوّته.

стр. 4352

وكان يكره المزّاح ويبغض الكذّاب، قليل الميل إلى اللهو، على أنّه كان يعجبه الصوت الحسن، وكان نقش خاتمه «رستى. رستى» ومعناه: صدقت نجوت، وكان له فراسات. عجيبة، وسعد عظيم، وحظ زائد فى رعيته، وكان له عزم ثابت، وفهم دقيق، محجاجا سريع الإدراك، متيقّظا يفهم الرّمز ويدرك اللّمحة، ولا يخفى عليه تلبيس ملبّس، وكان إذا عزم على شىء لا ينثنى عنه؛ لثلّا ينسب إلى قلة الثبات، وكان يقال له صاحب قران الأقاليم السبعة، وقهرمان «١» الماء والطين، وقاهر الملوك والسّلاطين، وكان مغرما بسماع التّاريخ وقصص الأنبياء ﵈ ليلا ونهارا، حتى صار- لكثرة سماعه للتّاريخ- يردّ على القارى إذا غلطّ فيها، وكان يحبّ العلم والعلماء، ويقرّب السّادة الأشراف، ويدنى أرباب الفنون والصّنائع. وكان انبساطه بهيبة ووقار، وكان يباحث أهل العلم وينصف فى بحثه، ويبغض الشّعراء والمضحكين، ويعتمد على أقوال الأطبّاء والمنجمين، حتى إنّه كان لا يتحرّك بحركة إلا باختيار فلكىّ. وكان يلازم لعب الشّطرنج- وقد خرجنا عن المقصود فى التّطويل فى ترجمة تيمور المذكور، استطرادا لكثرة الفائدة، وقد استوعبنا أحواله مستوفاة فى «المنهل الصّافى» فلينظر هناك- انتهى. أمر النّيل فى هذه السّنة: الماء القديم ذراعان سواء، مبلغ الزّيادة ثمانية عشر ذراعا وثلاثة وعشرون إصبعا.

стр. 4353

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٠٩] السنة الثانية من ولاية الملك الناصر فرج بن برقوق الثانية على مصر وهى سنة تسع وثمانمائة. فيها توفّى الشّريف بدر الدّين حسن بن محمد بن حسن الحسنىّ العلوىّ «١» النّسابة شيخ خانقاة بيبرس، فى ليلة السّبت سادس عشر شوال عن سبع وثمانين سنة. وتوفّى الشيخ الإمام العالم بدر الدّين أحمد بن محمد الطّنبذىّ «٢» الشافعىّ، فى حادى عشرين شهر ربيع الأول، وكان من أعيان الفقهاء الشافعية، معدودا من العلماء الأذكياء، غير أنّه كان مسرفا على نفسه، يميل إلى اللذّات التى تهواها النفوس، والتّهتكات. قلت: وهو من النوادر على قول الحافظ الذهبىّ؛ فإنه قال: النوادر ثلاثة: شريف سنى، ومحدّث صوفى، وعالم متهتّك. وتوفّى الشيخ الإمام العالم العلامة زادة الخرزبانىّ «٣» العجمىّ الحنفىّ، شيخ الشيوخ بخانقاة شيخون فى يوم الأحد آخر ذى القعدة، ودفن من يومه بخانقاة شيخون، وكان من أعيان السّادة الحنفيّة، وله اليد الطولى فى العلوم العقلية والأدبيّات، علّامة زمانه فى ذلك، استدعاه الملك الظّاهر برقوق من بغداد إلى الديّار المصرية لعظم صيته،

стр. 4354

وقدم القاهرة وتصدّى للإقراء والتّدريس سنين عديدة، وانتفع به عامّة الطلبة من كلّ مذهب- رحمه الله تعالى- وهو غير زادة والد الشيخ محبّ الدين الإمام ابن مولانا زادة، وقد تقدّم ذكر ذلك فى حدود سنة تسعين وسبعمائة، واسمه أحمد، وشهرته زادة، أمّا زادة هذا فإنّ اسمه زادة لا غير. وتوفّى الأمير ركن الدين عمر بن قايماز «١» الأستادار، فى يوم الاثنين أوّل شهر رجب، وقد تنقّل فى عدّة وظائف [هى] : شدّ الدّواوين، والوزر، والأستاداريّة- غير مرّة- وهو صاحب السّبيل خارج الحسينيّة، الذي جدّده زين الدين يحيى الأستادار فى زماننا هذا. وتوفّى ملك العرب سيف الدّين نعير بن حيّار بن «٢» مهنّا، قتله الأمير جكم من عوض نائب حلب بقلعة حلب، بعد أن أمسكه وسجنه، وكان من أجلّ ملوك العرب، وقد تقدّم ذكره فى عدّة مواضع من هذا التاريخ. وتوفّى الأمير ناصر الدّين محمد بن سنقر البكجرىّ أستادار السّلطان فى جمادى الآخرة بحلب، وبيت ابن سنقر بيت معروف بالرياسة والتّحشم. وتوفّى قاضى القضاة علاء الدّين على ابن قاضى القضاة بهاء الدّين أبى البقاء محمد بن عبد البر السبكى «٣» الشافعىّ، قاضى قضاة دمشق، فى ليلة الأحد ثانى عشر شهر ربيع الآخر بدمشق.

стр. 4355

وتوفّى الشيخ شهاب الدين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن الجواشنىّ «١» ، الحنفىّ بدمشق، فى ليلة الأحد سادس عشر جمادى الآخرة. وتوفّى الشيخ محمد بن أحمد بن محمد المعروف بابن فهيد «٢» المغربىّ، فى يوم الاثنين رابع عشرين جمادى الآخرة، وكان للناس فيه اعتقاد، وكان له تنسّك وعبادة، وصحب الشيخ عبد الله اليافعىّ «٣» وخدمه مدّة بمكة، ثمّ قدم القاهرة، وصحب الأمير طشتمر العلائىّ الدّوادار فى أيّام الأشرف شعبان، فنوّه طشتمر بذكره حتى صار يعدّ من الأعيان الأغنياء إلى أن مات. وتوفّى قاضى القضاة زين الدين أبو هريرة عبد الرحمن بن يوسف بن أحمد بن الحسن بن سليمان بن فزارة بن بدر بن محمد بن يوسف الكفرى «٤» - بفتح الكاف- الحنفىّ قاضى قضاة دمشق ثمّ الدّيار المصريّة، فى ثالث شهر ربيع الآخر، ومولده فى سنة خمسين وسبعمائة، وأحضر على محمد بن إسماعيل بن الخباز، وسمع على بشر بن إبراهيم بن محمود البعلبكىّ، وتفقّه بعلماء عصره حتى برع فى الفقه والأصلين والعربية وشارك فى عدّة فنون، وأفتى ودرّس، وتولّى قضاء دمشق هو وأبوه وأخوه وجدّه، ثم قدم القاهرة فى سنة ثلاث وثمانمائة أو بعدها بيسير، وولى قضاء الدّيار المصرية، وحمدت سيرته إلى أن مات- رحمه الله تعالى. أمر النّيل فى هذه السّنة: الماء القديم ذراعان ونصف، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا ونصف.

стр. 4356

[ما وقع من الحوادث سنة ٨١٠] السنة الثالثة من ولاية الملك الناصر فرج بن برقوق الثانية على مصر وهى سنة عشر وثمانمائة. فيها تجرّد السلطان إلى البلاد الشامية سفرته الرّابعة التى أمسك فيها الأمير شيخا المحمودىّ، والأتابك يشبك الشّعبانىّ، ثم فرّا من سجن قلعة دمشق حسبما تقدم. وفيها توفّى الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله الظاهرىّ «١» المعروف بالطّيار، أمير سلاح، فى ليلة الثلاثاء ثامن عشرين شوّال، وحضر السّلطان الملك النّاصر الصلاة عليه بمصلاة المؤمنى، وكان مشكور السيرة، شجاعا، يندب للمهمّات، وله محبة فى أهل العلم والصلاح، وسمّى بالطيّار لأنه خرج من ديار مصر فى ليلة موكب ووصل إلى دمشق، ثمّ عاد إلى مصر فى ليلة موكب آخر على خيل البريد، ومعه دواداره الأمير أسنبغا الطّيارى، وهذا السّير لم يسمع بمثله فيما مضى من الأعصار من أنه يقطع ثمانين بريدا فى نحو أربعة أيّام. وهذا الخبر مستفاض بين النّاس يعرفه كل أحد، غير أننى لم أسأل عن ذلك من الأمير أسنبغا الطّيارىّ المذكور تهاونا حتى مات، غير أنّ ولده الشهابى أحمد أخبرنى بذلك هو وغيره- انتهى.

стр. 4357

وتوفّى الشيخ الإمام العالم العلّامة فريد عصره سيف الدين يوسف ابن محمد بن عيسى السيرامىّ «١» العجمىّ الحنفىّ شيخ الشيوخ بالمدرسة الظاهرية البرقوقيّة ببين القصرين، فى ليلة السبت حادى عشرين شهر ربيع الأوّل بالقاهرة، وكان منشؤه بتبريز «٢» ، وأقام بها حتى طرقها تيمورلنك، فخرج منها وسار إلى حلب وأقام بها إلى أن استدعاه الملك الظّاهر برقوق، وقرّره فى مشيخة مدرسة البرقوقية ببين القصرين بعد وفاة العلّامة علاء الدين السيرامىّ [فى جمادى الأولى] «٣» فى سنة تسعين وسبعمائة، فدام بها إلى أن مات فى هذه السّنة، وتولى المشيخة بعده ولده العلّامة نظام الدين يحيى، الآتى ذكر وفاته فى سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. وتوفّى الأمير سيف الدين شاهين بن عبد الله الظاهرىّ، أحد مقدمى الألوف بالديار المصريّة- المعروف بقصقا بن قصير- فى ليلة الجمعة ثامن ذى القعدة، وكان من أشرار القوم القائمين فى الفتن، وفرح السلطان بموته. وتوفّى الأمير الطواشىّ زين الدين مقبل بن عبد الله [الظّاهرى المعروف] «٤» بالرومىّ، زمام الدّار السلطانىّ، فى يوم السبت أوّل ذى الحجة، وترك مالا كثيرا، وهو صاحب المدرسة بخط البندقيّين من القاهرة، ويقام بها خطبة وجمعة. وتوفّى شمس الدّين محمد الشّاذلىّ الإسكندرىّ محتسب القاهرة ومصر فى يوم الجمعة ثانى صفر. قال الشيخ تقي الدين المقريزىّ: وكان عاريا من العلوم، كان

стр. 4358

خرد فوشيّا «١» بالإسكندرية فترّقى بالبذل والبرطيل- انتهى. وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير جمال الدين محمود الأستادار- فتيلا- بالقاهرة، وكان من جملة أمراء الطبلخانات فى حياة والده، وولى نيابة الإسكندريّة، ثمّ نكب مع والده، وصودر، وأطلق بعد مدّة إلى أن اختفى بعد واقعة على باى لأمر أوجب ذلك، وهرب إلى الشّام، وأقام به مدّة، ثمّ قدم إلى القاهرة متنكّرا، فدلّ عليه فأخذ وقتل، وكان غير مشكور السّيرة. وتوفّى الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله الحمزاوى «٢» الظاهرى الدّوادار الكبير بسيف الشّرع بالقاهرة، وكان أصله من مماليك الملك الظّاهر برقوق وخاصكيته، ثمّ ترّقى بعد موته إلى أن ولى نيابة صفد بعد أمور وقعت له بمصر، فدام بصفد مدّة إلى أن طلب إلى مصر. واستقرّ خازندارا، ثمّ شادّ الشراب خاناة، ثمّ صار دوادارا كبيرا بعد خروج الملك النّاصر فرج من بيته وعوده إلى الملك، عوضا عن سودون الماردانى، ودام على ذلك إلى أن خرج الملك الناصر إلى البلاد الشّامية وعاد، فتخلف عنه سودون الحمزاوى هذا مغاضبا له. ودام بالبلاد الشّاميّة إلى أن قدم غزّة هو وجماعة من الأمراء وطرقهم الأمير شيخ المحمودىّ فواقعوه فقتل إينال باى بن قجماس وغيره

стр. 4359

من الأمراء، وقبض على سودون هذا بعد أن قلعت عينه، وسجنه شيخ إلى أن تجرّد الملك النّاصر إلى الشّام أخذه وعاد به إلى مصر، وطلب القضاة وأثبت عندهم إراقة دمه لقتله إنسانا ظلما. فقتل فى شهر ربيع الآخر، وقتل معه دواداره بربغا، وسودون الحمزاوى هذا هو أستاذ الأمير قانى باى الحمزاوى نائب دمشق الآن. ثمّ قتل السلطان جماعة من الأمراء ممن كان قبض عليهم وهم: الأمير آقبردى، والأمير جمق، والأمير أسنباى التركمانى، والأمير أسنباى أمير آخور، وقد تقدّم ذكر قتل الجميع فى ترجمة الملك الناصر غير أنّنا نذكرهم هنا ثانيا كون هذا المحل مظنّة الكشف عن ذلك. وتوفّى الأمير سيف الدين منطوق نائب قلعة دمشق- قتيلا- وسبب قتله أنّ الملك الناصر لمّا أمسك شيخا ويشبك وحبسهما عنده بقلعة دمشق أطلقهما ونزل الجميع إلى مدينة دمشق؛ فاختفى شيخ بالمدينة وخرج منطوق هذا ويشبك، فندب إليهم الملك الناصر الأمير بيغوت، فلحق بيغوت منطوقا هذا لثقل بدنه، وفر يشبك، فقطع بيغوت رأسه وحمله إلى الملك الناصر. وفيها أيضا قتل الأتابك يشبك الشّعبانىّ، والأمير جركس القاسمىّ المصارع، قتلهما الأمير نوروز الحافظىّ على بعلبكّ فى شهر ربيع الآخر، وقد مرّ كيفيّة قتلهما مفصّلا فى ترجمة الملك النّاصر فلا حاجة للتكرار هنا ثانيا، وكلّ منهما قد مرّ ذكره فى ترجمة الملك النّاصر فى غير موضع، وأيضا ففى شهرتهما ما يغنى عن ذكرهما- انتهى. أمر النّيل فى هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع ونصف، مبلغ الزّيادة تسعة عشر ذراعا وعشرة أصابع.

стр. 4360

[ما وقع من الحوادث سنة ٨١١] السنة الرابعة من ولاية الملك الناصر فرج بن برقوق الثانية على مصر وهى سنة إحدى عشرة وثمانمائة. فيها توفّى قاضى القضاة كمال الدين أبو حفص عمر بن إبراهيم بن محمد [بن عمر ابن عبد العزيز] «١» الحلبىّ الحنفى ابن أبى جرادة، المعروف بابن العديم، قاضى قضاة حلب ثمّ الدّيار المصريّة بها- وهو قاض- فى ليلة السبت ثانى عشر جمادى الآخرة، ومولده بحلب فى سنة إحدى «٢» وسبعين وسبعمائة، ودفن بالحوش المجاور لتربة طشتمر حمّص أخضر بالصّحراء. وتولّى القضاء من بعده ابنه قاضى القضاة ناصر الدين محمد بسفارة الوالد؛ لكونه كان متزوّجا بإحدى أخواتى، وكان القاضى كمال الدّين المذكور رئيسا عالما فاضلا حشما، وجيها عند الملوك وقورا، وله مكارم وأفضال، وقد ثلبه الشيخ تقىّ الدّين المقريزىّ بأمور هو برىء عنها؛ لأمر كان بينهما- عفى الله عنهما. وتوفّى الأمير سيف «٣» الدّين يلبغا بن عبد الله السّالمىّ الظّاهرىّ الأستادار- خنقا- بعد عصر يوم الجمعة بسجن الإسكندريّة. قال المقريزىّ: «وكان مخلّطا خلط العمل الصّالح بعمل سيّئ» وساق حكاياته فى عدّة أسطر، وقد ذكرنا معنى كلامه وأزيد فى حقّ السّالمىّ فى ترجمة الملك الظّاهر برقوق، ثمّ فى ترجمة الملك النّاصر مفصّلا إلى يوم وفاته، وفى ذلك كفاية عن الإعادة.

стр. 4361

وهو ممّن قتله جمال الدّين الأستادار، وكان يلبغا المذكور له همّة عالية، ومعرفة تامّة، وعقل وتدبير مع دين وعبادة هائلة، وعفّة عن المنكرات والفروج، وقد ولى الأستاداريّة غير مرّة، ونفذ الأمور على أعظم وجه وأتمّ حرمة حسبما تقدّم ذكره. وتوفّى الأمير سيف الدّين بشباى بن عبد الله من باكى الظّاهرىّ «١» رأس نوبة النّوب فى ليلة الأربعاء رابع عشرين جمادى الآخرة، ودفن بالقرافة، وهو أحد أعيان المماليك الظّاهريّة الخاصّكيّة، وترقّى من بعده إلى أن صار حاجبا بدمشق، ثمّ حاجبا ثانيا بمصر، ثمّ ولى حجوبيّة الحجّاب بها، ثمّ نقل إلى رأس نوبة النّوب، وكان من أعيان الأمراء وأكابر المماليك الظّاهرية، غير أنّ المقريزىّ لمّا ذكر وفاته قال: وكان ظالما غشوما غير مشكور السّيرة- انتهى. وتوفّى الأمير سيف الدين أرسطاى بن عبد الله [الظاهرى] «٢» رأس نوبة النّوب- كان- ثمّ نائب إسكندريّة بها، فى نصف شهر ربيع الآخر، وكان جليل القدر، عاقلا سيوسا، طالت أيّامه فى السعادة إلّا أنه كان يرتفع ثمّ ينحطّ، وقع له ذلك غير مرّة. وتوفّى الأمير الكبير ركن الدين بيبرس بن عبد الله «٣» ، وابن أخت الملك الظّاهر برقوق- قتيلا- بسجن الإسكندريّة، وقتل معه الأمير سودون الماردانىّ الدّوادار الكبير، والأمير بيغوت نائب الشّام- كان- وقد مرّ من ذكر هؤلاء الثّلاثة نبذة كبيرة تعرف منها أحوالهم لا سيّما عند خلع الملك النّاصر فرج وسلطنة أخيه المنصور عبد العزيز.

стр. 4362

وتوفّى الشّريف ثابت بن نعير بن منصور بن جمّاز بن شيحة الحسينىّ «١» ، أمير المدينة النبويّة- على ساكنها أفضل الصّلاة والسلام- فى صفر، وتولّى إمرة المدينة من بعده أخوه عجلان «٢» بن نعير. وتوفّى الوزير الصّاحب فخر الدّين ماجد- ويسمّى أيضا محمد- بن عبد الرّزّاق «٣» ابن غراب فى عشر ذى الحجّة- مقتولا- بيد جمال الدين الأستادار. وكان فخر الدّين هذا أسنّ من سعد الدين أخيه، غير أنّ سعد الدين كان نوعا وهذا نوع آخر، كان فيه حدّة مزاج، وشراسة خلق، بضدّ ما كان فى أخيه سعد الدين، وكان يلثغ بالجيم، يجعلها زايا، فكان إذا طلب أحدا يقول: «جبّوا» إلىّ ويكرّرها، وهو يبدّل الجيم بالزّاى فتضحك الناس من ذلك أوقاتا، وقد تنقّل فى عدّة وظائف كالوزر، ونظر الجيش، والخاصّ فيما أظنّ. وتوفّى الأديب شمس الدين محمد بن إبراهيم بن بركة العبدلىّ الدّمشقىّ الشّهير بالمزيّن [صنعته] «٤» الشاعر المشهور، فى شعبان، ومولده فى سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة بدمشق. قال لى غير واحد من أصحابه: كان شيخا ظريفا فاضلا أديبا، معاشرا للأكابر والأعيان، ورأى الشّيخ جمال الدين محمد بن نباتة «٥» ، وابن الوردىّ «٦» ،

стр. 4363

والصّفدىّ «١» وغيرهم، وكان له شعر رائق، من ذلك أنشدنا الشيخ جمال الدين عبد الله الدّمشقىّ قال: أنشدنى الأديب شمس الدين المزيّن من لفظه لنفسه [الوافر] تقول مخدّتى لمّا اضطجعنا ... ووسدّنى حبيب القلب زنده قصدتم عند طيب الوصل هجرى ... خذونى تحت رأسكم مخدّه وله فى دواة: [السريع] أنا دواة يضحك الجود من ... بكا يراعى جلّ من قد براه دلّوا على جودى من مسّه ... داء من الفقر فإنّى دواه قلت: وهذا يشبه قول القائل، ولم أدر من السّابق لهذا المعنى: هذى دواة للعطا والسّخا ... ومنبع الخير وبحر الحياه قد فتحت فاها وقالت لنا ... من مسّه الفقر فإنّى دواه أمر النّيل فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع سواء، مبلغ الزّيادة سبعة عشر ذراعا وإصبع واحد.

стр. 4364

[ما وقع من الحوادث سنة ٨١٢] السنة الخامسة من ولاية الملك الناصر فرج بن برقوق الثانية على مصر وهى سنة اثنتى عشرة وثمانمائة. فيها تجرّد الملك النّاصر إلى البلاد الشامية تجريدته الخامسة التى حصر فيها الأمير شيخا ورفقته بصرخد. وفيها كانت قتلة جمال الدين يوسف بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن قاسم البيرىّ البجاسىّ «١» الأستادار، فى ليلة الثلاثاء حادى عشر جمادى الآخرة، بعدما أخذ منه نيّف على ألف ألف دينار فى أيّام مصادرته، وهو تحت العقوبة على نقذات «٢» متفرّقة. وقد تقدم ذكر مسكه فى ترجمة الملك الناصر فرج عند قدومه من الشّام بمدينة بلبيس، وكان ظالما جبّارا سفّاكا الدّماء مقداما، وكان أعور قصيرا دميما كره المنظر. وكان أوّلا يتزيّا بزىّ الفقهاء، ثمّ تزيّا بزىّ الجند، وخدم بلاصيّا [عند الشيخ على كاشف، ثمّ عند غيره] «٣» ولا زال يترقّى حتى كان من أمره ما كان، وهو أحد من كان سببا لخراب البلاد؛ من كثرة ما قتل من مشايخ العربان وأرباب الأدراك، واستولى على أموالهم، وأمّا من قتله من الكتّاب والأعيان فلا يحصى ذلك كثرة، وحسابه على الله تعالى. وتوفّى الشيخ الإمام العالم العلّامة نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر الشّشترى

стр. 4365

البغدادىّ «١» الحنبلىّ مدرس المدرسة الظاهرية- برقوق- بالقاهرة فى حادى عشرين صفر. وكان إماما عالما فقيها محدّثا، أفتى ودرّس سنين ببغداد، ثمّ بالقاهرة، وهو والد قاضى القضاة عالم زماننا محبّ الدين أحمد بن نصر الله الآتى ذكره فى محله إن شاء الله تعالى. وتوفّى الأمير سيف الدين آقباى بن عبد الله الطّرنطائىّ الظاهرى رأس نوبة الأمراء، المعروف بآقباى الحاجب- لطول مكثه فى الحجوبيّة- فى ليلة الأربعاء سابع عشر جمادى الآخرة. ونزل السّلطان الملك النّاصر إلى داره، ثمّ تقدّم راكبا إلى مصلّاة المؤمنىّ فصلّى عليه، ثمّ شهد دفنه، وترك آقباى مالا كثيرا، أخذ الملك النّاصر غالبه، وكان آقباى المذكور عاقلا، سيوسا عفيفا عن المنكرات إلّا أنّه كان بخيلا شرها فى جمع المال. وتوفّى الأمير سيف الدين طوخ بن عبد الله [الظاهرى] «٢» الخازندار، وهو أمير مجلس، فى آخر جمادى الآخرة بالقاهرة، والعامّة تسمّى طوخ هذا «طوق الخازندار» وكان من أعيان الأمراء، وله الكلمة فى الدّولة. وتوفّى الأمير سيف الدين بلاط بن عبد الله، أحد مقدّمى الألوف بالدّيار المصريّة- مقتولا بالإسكندرية- لم أقف له على ترجمة ولم أعرف من حاله شيئا غير ما ذكرت. وتوفّى السّيّد الشّريف جمّاز بن هبة الله بن جمّاز بن منصور الحسينىّ أمير المدينة النّبويّة- مقتولا- فى جمادى الآخرة بالفلاة، وهو فى عشر السّتين، وكان ولى إمرة المدينة ثلاث مرار، آخرها فى سنة خمس وثمانمائة.

стр. 4366

وتوفّى الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الله بن أبى بكر القليوبىّ الشّافعىّ شيخ شيوخ خانقاة سرياقوس- بها- فى يوم الخميس ثانى عشرين جمادى الأولى، وكان فقيها فاضلا، وله مشاركة فى فنون. وتوفّى السيّد الشّريف أحمد بن ثقبة بن رميثة بن أبى نمىّ الحسنىّ المكّىّ بمكة فى المحرم. وكان الشريف عنان بن مغامس فى ولايته الأولى على مكة أشركه معه، ثمّ وقع له أمور حتى مات وهو مكحول، وكان ابن أخته الشريف محمد بن عجلان، وكبيش بن عجلان قد خافا منه فأكحلاه، وقتل ابن أخته المذكور بعد ثلاثة أشهر، وكبيش المذكور بعد ستة أشهر. وتوفّى أمير زة محمد بن أمير زة عمر شيخ ابن الطاغية تيمور لنك فى المحرّم- مقتولا- على يد بعض وزرائه، وكان مشكور السّيرة، وقام من بعده بمملكة جغتاى أخوه أمير زة إسكندر شاه بن عمر شيخ بن تيمور لنك. ومن غريب الاتّفاق أنّ إسكندر شاه المذكور، لمّا ملك بعد قتل أخيه محمد المقدّم ذكره أحضر من كان عمل على قتله، ووبخه فى الملأ، فأجابه الرجل بأن قال: وما عملت معك إلّا خيرا، لولا قتلته ما نابك الملك، فأسرع إسكندر شاه بقتله خوفا من أن يتّهمه أحد بقتل أخيه المذكور فى الباطن. أمر النّيل فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع سواء، مبلغ الزّيادة عشرون ذراعا سواء.

стр. 4367

[ما وقع من الحوادث سنة ٧١٣] السنة السادسة من ولاية الملك الناصر فرج بن برقوق الثانية على مصر وهى سنة ثلاث عشرة وثمانمائة. فيها كان الطاعون بالديار المصريّة، ومات منه عدة كبيرة من الناس. وفيها تجرّد السّلطان الملك الناصر إلى البلاد الشّامية تجريدته السادسة، وحاصر شيخا ونوروزا بالكرك بعد أن وصل فيها إلى أبلستين وعاد. وفيها استقرّ الوالد فى نيابة الشّام ثالث مرّة، واستقرّ شيخ فى نيابة حلب، ونوروز فى نيابة طرابلس. وفيها توفّى الرئيس مجد الدين عبد الغنى بن الهيصم «١» ناظر الخواصّ الشريفة بالدّيار المصرية فى ليلة الأربعاء العشرين من شعبان بعد قدومه من دمشق بأيّام، وهو والد الصّاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيضم، وأخو الصّاحب تاج الدّين عبد الرّزّاق الآتى ذكرهما فى محلهما. وتوفّى الأمير سيف الدين قجاجق بن عبد الله [الظاهرى] «٢» الدّوادار الكبير فى سادس المحرم، ودفن بتربته التى أنشأها بالصّحراء، وكان من أصاغر خاصّكيّة الملك الظاهر برقوق ومماليكه، وترقّى فى الدولة الناصرية حتى ولى الدّواداريّة الكبرى بعد الأمير سودون الحمزاوىّ، وكان مليح الشكل، لم يشهر بشجاعة ولا إقدام، ولهذا المعنى، ولعدم شرّه رقّاه الملك الناصر واختصّ به. حضر مرّة عند جمال الدين البيرىّ الأستادار، وكان بينهما صحبة أكيدة، وكان بإحدى عينى جمال الدين خلل، فجلس قجاجق بعد أن سلّم على جمال الدين من

стр. 4368

جهة عينه الذّاهبة، واشتغل جمال الدين بمباشرته بسرعة لأجل قجاجق المذكور، وأخذ يكتب على القصص ويرميها لينهى أمره، فأخذ قجاجق قصّة منها ورمّل عليها، فعرف أصحاب جمال الدين ما فعله قجاجق المذكور فقام إليه وأهوى على يده ليقبّلها ثمّ قدّم له تقدمة هائلة. وتكلّم الناس بهذه الحكاية، فصار من هو أجنبي عن الرياسة ومداخلة الملوك، وعديم المعرفة برتب أرباب الوظائف يقول: كان قجاجق يرمّل على جمال الدين، وكيف ذلك والدّوادار الكبير لا يرمّل على السّلطان وإنما يرمّل على كتابة السلطان رأس نوبة النّوب؟! وفى هذا كفاية. وبالجملة فإنّ هذه الحكاية تدلّ على أنّ قجاجق كان ساقط المروءة لأنّ قردم الخازندار كان أنزل رتبة من قجاجق ولم يدخل إلى جمال الدين ولم يسأله حاجة فى عمره، وعجز جمال الدين فى ترضّيه فلم يرض ولم يدخل إليه، فأين هذا من ذاك؟! - انتهى. وتوفّى قاضى القضاة تقىّ الدين عبد الرحمن ابن تاج الرّياسة محمد بن عبد الناصر المحلّىّ الدّميرىّ الزّبيرىّ «١» الشافعىّ فى يوم الأحد أوّل شهر رمضان، ومولده فى سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. ولى قضاء الديار المصرية بعد الصّدر المناوىّ نحو ثلاث سنين، وحسنت سيرته لمعرفته بالشروط والأحكام، ولعفّته أيضا عن كلّ قبيح. وكان نشأ ببلده بالزّبيريّات من قرى الغربية من أعمال القاهرة، وسلك النواحى، وطلب العلم، وسمع على أبى الفتح الميدومىّ وغيره، وقرأ على أبيه القراءات وغيره، وتفقّه بجماعة.

стр. 4369

ثمّ قدم القاهرة، وتزوّج بابنة قاضى القضاة موفّق الدين عبد الله الحنبلىّ، وباشر توقيع الحكم مدّة طويلة. ثمّ ناب فى الحكم عن القضاة بالقاهرة دهرا، وعلا سنّه، وعرف بالديانة والصّيانة، إلى أن طلبه الملك الظاهر برقوق فى يوم الخميس ثالث عشرين جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وسبعمائه على حين غفلة، وفوّض إليه قضاء القضاة الشافعية عوضا عن المناوىّ بحكم عزله. ودام فى القضاء حتى صرف أيضا بالمناوىّ فى شهر رجب سنة إحدى وثمانمائة، فلزم المذكور داره، وترك ركوب البغلة وصار يمشى فى الطّرقات، وطرح الاحتشام إلى أن مات- ﵀ ودفن بتربة الصّوفيّة خارج القاهرة. وتوفّى ملك الروم سليمان بن أبى يزيد بن عثمان «١» - مقتولا- وملك بعده أخوه موسى الجزيرة الرّومية وأعمالها؛ وملك محمد بن عثمان العزبة «٢» الخضراء وأعمالها، ويقال لها بالرّومية برصا. وتوفّى الأمير زين الدين قراجا بن عبد الله الظاهرىّ «٣» الدوادار الكبير بمنزلة الصالحية- متوجّها مع السّلطان الملك الناصر إلى دمشق- فى يوم الأربعاء ثالث عشر شهر ربيع الآخر، ودفن بها، وكان أصله من خاصّكيّة الملك الظاهر برقوق، ثمّ صار بجمقدارا «٤» ، وعرف بقراجا البجمقدار. ثمّ تأمّر فى الدولة الناصرية- فرج- وترقّى حتى صار شاد الشّراب خاناة.

стр. 4370

ثمّ ولى الدوادارية الكبرى بعد موت قجاجق، فلم تطل مدّته فيها، ولزم الفراش إلى أن خرج صحبة السّلطان فى محفّة ومات بالصالحية، وكان أميرا عاقلا ساكنا مشكور السيرة. وتوفّى شمس الدين محمد بن عبد الخالق المناوىّ «١» ، المعروف ببدنة وبالطّويل أيضا فى شهر رجب بعد ما ولى حسبة القاهرة، ووكالة بيت المال، ونظر الكسوة، ونظر الأوقاف؛ الجميع بالسّعى والبذل، وكان عاريا من العلم. وتوفّى الأمير سيف الدين قراتنبك بن عبد الله الظاهرىّ الحاجب، أحد أمراء الطّبلخانات بالديار المصرية- بها- فى أوّل شوّال، وكان ممّن ترقّى فى الدولة الناصرية فى أيام الفتن. وتوفّى القان غياث الدين أحمد ابن الشيخ أويس ابن الشيخ حسن ابن الشيخ حسين بن آقبغا بن إيلكان «٢» ، صاحب بغداد والعراق- مقتولا- فى ليلة الأحد آخر شهر ربيع الآخر. وكان أول سلطنته بعد وفاة أبيه فى صفر سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وقد نكب فى ملكه غير مرّة، وقدم القاهرة فى دولة الملك الظّاهر برقوق وقد تقدّم ذكر قدومه إلى القاهرة، وتلقى الملك الظّاهر له، وأيضا ذكر خروجه وسفر السّلطان معه إلى البلاد الشّامية، كلّ ذلك فى ترجمة الملك الظّاهر برقوق الثانية، فلينظر هناك «٣» فإن فيه ملحا. ثمّ إنّ السّلطان أحمد هذا قدم إلى دمشق ثانيا فى الدّولة النّاصريّة- فرج- فقبض عليه الأمير شيخ المحمودىّ نائب الشّام وحبسه بقلعة دمشق مدّة إلى أن أطلقه وعاد إلى بلاده.

стр. 4371

ووقع له أمور حكيناها فى ترجمته فى تاريخنا «المنهل الصّافى والمستوفى بعد الوافى» مفصلا إلى أن مات. وكان القان أحمد هذا ملكا جليلا شجاعا كريما، فصيحا باللّغات الثلاث: العربية والعجمية والتركية، وينظم فيها الشعر الحسن، وكان يحبّ اللهو والطّرب، ويحسن تأدّى الموسيقى إلى الغاية، وله فيه أيضا التصانيف اللطيفة، غير أنّه كان مسرفا على نفسه جدا، سفّاكا للدّماء، منعكفا على المعاصى- سامحه الله تعالى- ومما ينسب إليه من الشّعر باللغة العربية قوله- ﵀ فى محموم: [الكامل] حمّك ما قربت حماك لعلّة ... إلّا تروم وتشتهى ما أشتهى لو لم تكن مشغوفة بك فى الهوى ... ما عانقتك وقبّلت فاك الشهى أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع سواء، مبلغ الزّيادة تسعة عشر ذراعا وأحد وعشرون إصبعا.

стр. 4372

[ما وقع من الحوادث سنة ٧١٤] السنة السابعة من ولاية الملك الناصر فرج بن برقوق الثانية على مصر وهى سنة أربع عشرة وثمانمائة. فيها تجرد السّلطان إلى البلاد الشّامية تجريدته السّابعة، وهى التى قتل فيها فى أوائل سنة خمس عشرة وثمانمائة- حسبما تقدّم ذكره. وفيها قتل الأمير سيف الدين تمراز بن عبد الله النّاصرىّ «١» الظاهرىّ نائب السّلطنة بالدّيار المصرية بسجنه بثغر الإسكندريّة، وكان من أجلّ الأمراء، كان تركى الجنس اشتراه الملك الظاهر برقوق وهو أتابك، ورقّاه بعد سلطنته حتى جعله أمير مائة ومقدّم ألف بالدّيار المصرية. ثمّ حبس بعد عزله بثغر الإسكندرية مدّة ثمّ أطلق، وصار على عادته أمير مائة ومقدّم ألف، وولى نيابة الغيبة لما خرج السلطان لقتال تيمور. ثمّ استقرّ بعد ذلك أمير مجلس، وانضمّ على الأتابك يشبك الشعبانى، وحبس معه ثانيا. ثمّ أطلق واستقر أمير سلاح، ثم خرج مع يشبك أيضا إلى البلاد الشاميّة وواقع السّلطان بالسعيدية، ثمّ أعيد إلى رتبته أيضا بمصر مدّة، ثمّ استقرّ فى نيابة السلطنة بالديار المصرية مدّة طويلة، ثمّ فرّ من السّلطان فى ليلة بيسان وتوجّه إلى الأمير شيخ ونوروز فدام عندهما مدة. ثمّ عاد إلى طاعة الملك الناصر بعد أمور حكيناها فى ترجمة الملك الناصر، فأكرمه الملك الناصر وأعاده إلى رتبته مدّة، ثمّ قبض عليه وحبسه بثغر الإسكندريّة إلى أن أراد السلطان السفر إلى البلاد الشامية فأمر بقتله،

стр. 4373

فقتل بالإسكندريّة، وكان تمراز رأسا فى لعب الرّمح، ونسبته بالنّاصرى لتاجره الذي جلبه الخواجا ناصر الدين، وقيل إنّ الملك المؤيد شيخا قال يوما: إن كان الملك الناصر فرج يدخل الجنة فيدخلها بقتل تمراز، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لأن تمراز عصى على الملك النّاصر غير مرّة وهو يقابله بالإحسان ويترضيه بكل ما يمكن حتى خلع عليه باستقراره فى نيابة السّلطنة بالدّيار المصرية؛ كل ذلك حتى يثبت على طاعته، فلم يثبت تمراز بعد ذلك إلا نحو السنة أو أكثر، وفرّ من الملك الناصر فى ليلة بيسان، وقدم علينا ووافقنا على الخروج على السّلطان، فقلت فى نفسى: وما عسى أن أفعل معه وقد ترك نيابة السّلطنة لأجلى؟ فلم أجد بدّا من أن أجلسه مكانى وأكون فى خدمته، ففعلت ذلك فأبى وأقسم إلا أن يكون من جملة أصحابى، ودام معنا مدّة طويلة، ثمّ تركنا وعاد إلى طاعة الملك النّاصر، فتلقّاه الملك الناصر وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف، وقد تفكّر فى نفسه أنّه كان ولّاه نيابة السلطنة فما قنع بذلك فبماذا يرضيه الآن؟ فلم يجد بدّا من القبض عليه وقتله، فكان هذا جزاءه- انتهى. وفيها قتل أيضا الأمير سيف الدّين خيربك بن عبد الله الظّاهرى نائب غزّة، ثمّ أحد مقدّمى الألوف بالدّيار المصرية بثغر الإسكندرية فى تاسع شوّال، وقد مرّ من ذكره ما يعرف به أحواله، على أنّه كان من أوساط الأمراء الظّاهريّة. وفيها أيضا قتل الأمير سيف الدين جانم [بن عبد الله] «١» من حسن شاه الظاهرىّ نائب طرابلس، ثمّ أمير مجلس- على سمنود، قتله الأمير طوغان الحسنى الدّوادار

стр. 4374

بأمر الملك الناصر حسبما تقدم ذكره مفصلا فى ترجمة الملك الناصر، وكان شجاعا مقداما كريما، معدودا من أعيان الأمراء- رحمه الله تعالى. وفيها قتل الأمير سيف الدين يشبك بن عبد الله الموساوىّ الظاهرى، [المعروف ب] «١» الأفقم، أحد مقدّمى الألوف بالديار المصرية، بعد أن ولى عدّة أعمال، وكان كثير الشّرور، محبّا لإثارة الفتن، لا يثبت على حالة مع الظلم والعسف. وفيها قتل الأمير سيف الدّين قردم «٢» بن عبد الله الخازندار الظاهرىّ أحد مقدّمى الألوف بالدّيار المصرية، والخازندار الكبير بثغر الإسكندرية، وهو صاحب النربة بباب القرافة. وفيها قتل الأمير سيف الدين قانى بك بن عبد الله الظاهرىّ «٣» ، رأس نوبة النّوب بثغر الإسكندرية، وكان من أصاغر المماليك الظّاهرية، رقّاه الملك الناصر، فلم يسلم من شرّه، فقبض عليه وحبسه مدّة ثمّ قتله، وكان من سيّئات الزّمان جهلا وظلما وفسقا. وفيها قتل أيضا بسيف الملك الناصر فرج بن برقوق- صاحب الترجمة- من المماليك الظاهرية وغيرهم ستمائة وثلاثون رجلا- قاله المقريزىّ. وفيها توفّى الأمير علاء الدين آقبغا بن عبد الله القديدىّ دوادار الأتابك يشبك، ثمّ دوادار السّلطان، فى ليلة ثالث عشر شوّال، وكان خصيصا عند السّلطان الملك الناصر، وتزوّج الملك الناصر بابنته، وكان لديه معرفة وعقل بحسب الحال.

стр. 4375

وتوفّى الأمير الشريف علاء الدين علىّ محمد البغدادىّ «١» ، ثمّ الإخميمىّ، ولى نيابة ثغر دمياط، ثمّ الوزر بالدّيار المصريّة. وتوفّى الطّواشىّ زين الدّين فيروز بن عبد الله الرّومىّ «٢» فى يوم الأربعاء تاسع شهر رجب، وكان فيروز المذكور خصيصا عند أستاذه الملك النّاصر. وكان شرع فيروز قبل موته فى بناء مدرسته يخط الغرابليين «٣» داخل بابى زويلة، ووقف عليها عدّة أوقاف، فمات قبل فراغها، فدفنه السّلطان بحوش التربة الظاهرية، وأخذ الملك النّاصر ما وقفه من المصارف على الفقهاء والأيتام وغيرهم، وأقرّه على التربة الظاهرية المذكورة بالصحراء. ثمّ أنعم السلطان بالمدرسة المذكورة على الأمير الكبير دمرداش المحمدى فهدمها دمرداش وشرع فى بنائها قيساريّة، وقبل أن تكمل خرج دمرداش فى صحبة السلطان إلى التّجريدة. فقتل الملك الناصر، ثمّ قتل دمرداش المذكور أيضا بعد مدّة، فاستولى عبد الباسط بن خليل الدّمشقىّ ناظر الخزانة على القيساريّه المذكورة وكملها وجعل بأعلاها ربعا، وهى سوق الباسطية «٤» الآن. قلت: وهى إلى الآن مدرسة على نيّة فيروز وله أجرها، وقيساريّة على زعم من جعلها قيساريّة وعليه وزرها.

стр. 4376

وتوفّى الأديب الفاضل البارع المفتن أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن أبى الوفاء «١» الشاذلىّ المالكىّ- غريقا ببحر النّيل بين الروضة ومصر- فى يوم تاسوعاء، وغرق معه جمال الدّين [ابن قاضى القضاة ناصر الدّين أحمد] «٢» ابن التّنسىّ المالكىّ، ومات أبو الفضل المذكور وهو فى عنفوان شبيبته، وكان شاعرا بارعا بليغا، وهو أشعر بنى الوفاء بلا مدافعة، وله ديوان شعر، وشعره فى غاية الحسن. ومن شعره، وهو من اختراعاته البديعة- رحمه الله تعالى وعفا عنه: على وجنتيه جنّة ذات بهجة ... ترى لعيون النّاس فيها تزاحما حمى ورد خدّيه حماة عذاره ... فيا حسن ريحان الخدود حمى حمى وله مضمّنا: [الوافر] وخلّ سمته صفعا بمال ... فقال توازعوه يا صحابى إذا الحمل الثّقيل توازعته ... أكفّ القوم هان على الرّقاب وله فى مزيّن [المجتثّ] حبّى المزيّن وافى ... بعد البعاد بنشطه وفشّ دمّل قلبى ... بكاس راح وبطّه وله، وهو فى غاية الحسن والظرف [الرمل] عبدك الصّبّ المعنّى ... عرف الفقر وذاقه فلكم فاخر محتا ... جاشكى فقرا وفاقه

стр. 4377

وله أيضا [الكامل] فى ليل شعر أو بصبح جبين ... ما زال حين يضلّنى يهدينى هو بى خبير مثل ما أنّى به ... فسلوه عنّى أو فعنه سلونى لا تملك العذّال منّى فى الهوى ... من سلوة عنه ولا تلوينى يا دولة الأشواق خلّى دينهم ... لهم وفى حكم الهوى لى دينى أشكو فيشكو ما شكاه حنينه ... فيفى حنينهما ببعض حنينى لمّا جننت عليه سلسلنى الهوى ... لا تعجبوا لتسلسل المجنون بحواجب وسوالف وضفائر ... كالياء أو كالواو أو كالسين طالبت مرشفه الملىّ فقال قم ... واستوف ذا المكتوب فوق جبينى حاربت يا جيش المحاسن مهجتى ... وكسرت قلبى عنوة بكمين وقد ذكرنا من مقطّعاته نبذة غير ذلك فى ترجمته فى «المنهل الصافى» - رحمه الله تعالى. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ستّة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزّيادة ثمانية عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا- والله أعلم.

стр. 4378

[ما وقع من الحوادث سنة ٨١٥] ذكر سلطنة الخليفة المستعين بالله العباس على مصر السّلطان أمير المؤمنين المستعين بالله أبو الفضل العباس ابن الخليفة المتوكل على الله أبى عبد الله محمد ابن الخليفة المعتصم بالله أبى بكر ابن الخليفة المستكفى بالله أبى الرّبيع سليمان ابن الخليفة الحاكم بأمر الله أبى العبّاس أحمد بن الحسن بن أبى بكر بن على بن الحسين- وهؤلاء غير خلفاء- ابن الخليفة الراشد بالله منصور ابن الخليفة المسترشد بالله الفضل ابن الخليفة المستظهر بالله أحمد ابن الخليفة المقتدى بالله. عبد الله ابن الأمير ذخيرة الدين محمد ابن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله ابن الخليفة القادر بالله أحمد ابن الخليفة المقتفى بالله إبراهيم ابن الخليفة المقتدر بالله جعفر ابن الخليفة المعتضد بالله أبى العبّاس أحمد ابن الأمير الموثّق طلحة ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر ابن الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليفة الرشيد بالله هارون ابن الخليفة المهدىّ بالله محمد ابن الخليفة أبى جعفر عبد الله المنصور ابن الإمام محمد ابن الإمام علىّ بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، العباسىّ الهاشمىّ المصرىّ الخليفة، ثم سّلطان الدّيار المصريّة، ولى الخلافة بعد موت أبيه فى يوم الاثنين مستهلّ شعبان سنة ثمان وثمانمائة، وذلك بعد وفاة أبيه المتوكل بأربعة أيّام، واستمرّ فى الخلافة إلى أن تجرّد صحبة الملك الناصر فرج إلى البلاد الشّامية فى أواخر سنة أربع عشرة وثمانمائة، ووقع المصافّ بين الملك الناصر المذكور وبين الأمراء: الأمير شيخ المحمودىّ، والأمير نوروز الحافظىّ بمن معهم، وانكسر الناصر وانحاز إلى دمشق، واستولى الأمراء على الخليفة هذا

стр. 4379

واستفحل أمرهم، وقدموا إلى دمشق وحصروا الناصر بها، بعد أمور ذكرناها مفصّلة فى أواخر ترجمة الملك النّاصر المذكور. ثمّ اتفق الأمراء على إقامة الخليفة هذا فى السلطنة، عوضا عن الملك الناصر فرج المذكور؛ لتجتمع الكلمة فى رجل واحد، ويجدوا بذلك سبيلا لقتال الملك الناصر وانفلال الناس عنه، وأرسلوا إليه فتح الله كاتب السرّ فكلّمه فى ذلك وهو على ظاهر دمشق، والملك الناصر داخلها، فأبى الخليفة المذكور أن يقبل ذلك، وصمّم على عدم القبول، فألحّ عليه فتح الله فى ذلك وتلطّف به، فلم يزدد إلا تمنّعا، كل ذلك خوفا من الملك الناصر، فلما رأى فتح الله شدّة تمنّعه، وعدم موافقته، رجع إلى الأمراء وأعلمهم بذلك وقال لهم: لا يمكن قبوله أبدا ممّا رأيت من تمنّعه، فاعملوا عليه حيلة حتى يقبل، فدبّروا عليه حيلة من أنهم أرسلوا خلف أخيه لأمه الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك شاء الطازىّ، وأعطوه ورقة تتضمن القدح فى الملك الناصر وفى تعداد أفعاله وماوئه، وندبوا ناصر الدين المذكور بعد أن أوعدوه بإمرة طبلخاناة، ودوادارية السّلطان حتى ركب فرسا من غير علم الخليفة، ونودى أمامه: إن الخليفة قد خلع السلطان الملك الناصر من السلطنة، ولا يحلّ لأحد متابعته ولا القيام بنصرته، وقرئت الورقة على الناس. وبلغ الخليفة المستعين بالله ذلك، فقامت قيامته، وعظم عليه ذلك إلى الغاية، وتحقّق عند ذلك أنّ الملك الناصر إذا ظفر به لا يبقيه، ودخل عليه فتح الله بعد ذلك ثانيا وكلّمه فى السّلطنة، فقبل على شروط عديدة شرطها على الأمراء، فقبلوا جميع الشروط، وفرح الأمراء بذلك وبايعوه بأجمعهم، وقبّلوا يده، وحلفوا له- على الطّاعة والوفاء- بالأيمان المغلّظة التى لا يمكن التّورية فيها.

стр. 4380

ثمّ نصبوا له كرسيّا خارج باب الدار تجاه جامع كريم الدين «١» ، وجلس فوقه وعليه خلعة سوداء خليفتيّة، أخذوها من الجامع المذكور من ثياب الخطيب، ووقفوا بين يديه على مراتبهم، الجميع ما عدا الأمير نوروز الحافظىّ، فإنّه لم يقدر على الحضور لاشتغاله بحفظ الجهة التى هو فيها لحصار الملك النّاصر فرج، غير أنّه يعلم بالخبر، وعنده من السّرور لذلك مالا مزيد عليه. ثمّ قبّلت الأمراء الأرض بين يديه على العادة، وكان ذلك فى آخر الساعة الخامسة من نهار السبت الخامس والعشرين من محرّم سنة خمس عشرة وثمانمائة، والطّالع برج الأسد. وفى الحال، عند تمام أمره تقدّم الأمير بكتمر جلّق فخلع عليه بنيابة دمشق عوضا عن دمرداش المحمّدىّ، فإنه كان الملك الناصر قد ولّاه نيابة دمشق- بعد كسرته- عوضا عن الوالد- ﵀ بحكم وفاته. وخلع على سيّدى الكبير قرقماس- ابن أخى دمرداش المذكور- باستقراره فى نيابة حلب، عوضا عن الأمير شيخ المحمودىّ. وخلع على سودون الجلب باستقراره فى نيابة طرابلس عوضا عن الأمير نوروز الحافظىّ. ثمّ ركب أمير المؤمنين وهو السّلطان، وبين يديه جميع الأمراء، ونادى مناد: إن الملك الناصر فرج بن برقوق خلع من السّلطنة بالخليفة أمير المؤمنين المستعين بالله، ولا يحلّ لأحد بعد ذلك مساعدته ولا القيام بنصرته، ومن حضر إلى الخليفة من جماعته فهو آمن على نفسه وماله، وقد أمهلكم أمير المؤمنين فى المجىء إليه إلى يوم الخميس.
следующие страницы →