Полный текст (6 264 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
الطائفتين خلق كثير منهم الأمير سودون الأسندمرىّ أتابك طرابلس وثلاثة عشرة نفسا من عسكر طرابلس، ثم انهزم الأمير برسباى المذكور بمن بقى معه من عسكر طرابلس عراة على أقبح وجه إلى طرابلس وحصل عليهم من الخوف مالا مزيد عليه.
فلما بلغ الملك المؤيد هذا الخبر غضب غضبا شديدا ورسم فى الحال بعزل برسباى المذكور عن نيابة طرابلس واعتقاله بقلعة المرقب، وكتب بإحضار الأمير سودون القاضى نائب الوجه القبلى من أعمال مصر ليستقرّ فى نيابة طرابلس عوضا عن برسباى هذا، وبرسباى المذكور هو الملك الأشرف الآتى ذكره فى محله، وخلع على الملطىّ واستقرّ فى نيابة الوجه القبلى عوضا عن سودون القاضى، وقدم سودون القاضى من الوجه القبلى فى يوم الاثنين ثامن شوال وقبّل الأرض بين يدى السلطان وهو بمخيّمه بسرحة سرياقوس، وبعد عوده من سرحة سرياقوس وغيرها خلع على سودون القاضى بنيابة طرابلس فى خامس عشر شوال، وخلع على الأمير كمشبغا الفيسى أحد الأمراء البطّالين بالقاهرة باستقراره أتابك طرابلس بعد قتل سودون الأسندمرىّ.
ثم ركب السلطان أيضا إلى الصّيد وعاد وقد عاوده ألم رجله ولزم الفراش.
وخلع فى سادس عشره على سيف الدين أبى بكر بن قطلوبك المعروف بابن المزوّق دوادار ابن أبى الفرج باستقراره أستادارا عوضا عن فخر الدين بن أبى الفرج بعد موته، ورسم السلطان بالحوطة على موجود «١» ابن أبى الفرج وضبطها، فاشتملت تركته على ثلاثمائة ألف دينار، وثلاث مساطير «٢» بسبعين ألف دينار، وغلال وفرو وقماش بنحو مائة ألف دينار، وأخذ السلطان جميع ذلك.
ثم فى حادى عشرينه خرج محمل الحاج صحبة أمير الحاج الأمير جلبّان أمير آخور
стр. 4552
ثان، وقد صار أمير مائة ومقدّم ألف، ورحل من البركة «١» فى يوم رابع عشرينه.
ثم فى يوم الخميس ثالث ذى القعدة أمسك السلطان الوزير بدر الدين بن محبّ الدين الطرابلسى وسلّمه إلى الأمير أبى بكر الأستادار بعد إخراق السلطان به ومبالغته فى سبّه لسوء سيرته، وتتبّعت حواشيه.
وخلع السلطان على بدر الدين حسن بن نصر الله الفوّى ناظر الخاص باستقراره وزيرا مضافا إلى نظر الخاص، وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف. ثم كتب السلطان بالقبض على قرمش الأعور أتابك حلب وحبسه بقلعتها.
وفى خامس ذى القعدة ركب السلطان من قلعة الجبل فى محفّة من ألم رجله ونزل إلى السّرحة وعاد فى يومه. ثم فى عاشره ركب السلطان أيضا ونزل إلى بيت كاتب السرّ ناصر الدين بن البارزىّ ببولاق المطل على النيل، وعدّت العساكر إلى برّ الجيزة، وبات السلطان هناك ليلته، ثم ركب من الغد فى يوم الجمعة إلى سرحة بركة الحاج، وعاد من يومه وغالب عساكره بالجيزة.
ثم ركب من الغد فى النيل يريد سرحة البحيرة، ونزل بالبر الغربى، ثم سار إلى أن انتهى إلى مريوط «٢» فأقام بها أربعة أيام، ورسم بعمارة بستان السلطان بها، وكان تهدّم، ثم استأجر السلطان مريوط من مباشرى وقف الملك المظفر بيبرس الجاشنكير على الجامع الحاكمى، ورسم بعمارة سواقيه، ومعاهد «٣» الملك الظاهر بيبرس البندقدارى به، وعاد ولم يدخل إلى الإسكندرية إلى أن نزل وردان «٤» فى يوم عيد الأضحى وصلّى
стр. 4553
به صلاة العيد، وخطب القاضى ناصر الدين بن البارزىّ كاتب السرّ، ثم ركب من الغد وسار حتى قدم برّ منبابة وعدّى النيل، ونزل فى بيت كاتب السرّ ببولاق، وأقام به إلى الغد وهو يوم الثلاثاء ثالث عشر ذى الحجة، وركب وطلع إلى القامة، كل ذلك وألم رجله يلازمه. وبعد طلوعه إلى القلعة رسم للأمراء بالتجهيز إلى سفر الشّام صحبة ولده المقام الصّارمى إبراهيم «١» ، كل ذلك والعرض لأجناد الحلقة مستمر، وعيّن منهم للسفر جماعة كبيرة، وألزم من يقيم منهم بالمال.
ثم قدمت إلى الديار المصرية الخاتون أم إبراهيم بن رمضان التّركمانى من بلاد الشرق، وقبّلت الأرض بين يدى السلطان فرسم بتعويقها فعوّقت.
ثم تكرر من الملك المؤيد التوجّه إلى الصّيد فى هذا الشهر غير مرة.
وفى هذه السنة هدمت المئذنة المؤيدية، وغلق باب زويلة ثلاثين يوما، وعظم ذلك على السلطان إلى الغاية، وكانت المئذنة المذكورة عمّرت على أساس البرج الذي كان على باب زويلة، وعملت الشعراء فى ذلك أبياتا كثيرة، وكان القاضى بهاء الدين [محمد بن] «٢» البرجى محتسب القاهرة متولى نظر عمارة الجامع المذكور، فقال بعض الشعراء فى ذلك:-[الطويل]
عتبنا على ميل المنار زويلة ... وقلنا تركت الناس بالميل فى هرج
فقالت قرينى برج نحس أمالها ... فلا بارك الرحمن فى ذلك البرج
قلت صح للشاعر ما قصده من التّورية فى البرج الذي عمّرت عليه، وفى بهاء الدين البرجى.
وقال الحافظ شهاب الدين بن حجر وقصد بالتّورية بدر الدين العينى.
[الطويل]
стр. 4554
لجامع مولانا المؤيد رونق ... منارته بالحسن تزهو والزّين «١»
تقول وقد مالت عن الوضع امهلوا «٢» ... فليس على حسنى أضر من العينى
فأجاب العينى:-[البسيط]
منارة كعروس الحسن قد جليت ... وهدمها بقضاء الله والقدر
قالوا أصيبت بعين قلت ذا خطأ ... ما أوجب الهدم إلا خسّة الحجر «٣»
قلت: ساعده قوله خسّة الحجر ما كان وقع بسبب هدم المنارة المذكورة فإنه كان بنى أساسها بحجر صغير، ثم عمّروا أعلاها بالحجر الكبير فأوجب ذلك ميلها وهدمها بعد فراغها.
وقال الشيخ تقي الدين أبو بكر بن حجة فى المعنى:-[الطويل]
على البرج من بابى زويلة أنشئت ... منارة بيت الله والمنهل المزجى
فأخنى بها البرج اللعين أمالها ... ألا صرّحوا يا قوم باللعن للبرجى
وقيل إن ذلك كان فى السنة الماضية- انتهى.
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٢٢]
وأخذ السلطان فى تجهيز ولده الصارمى إبراهيم إلى أن تهيّأ أمره، وأنفق على الأمراء المتوجّهين صحبته. فلما كان بكرة يوم الاثنين ثامن عشر المحرم من سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة ركب المقام الصارمى إبراهيم بن السلطان من قلعة الجبل فى أمراء الدولة، ومعه عدة من أمراء الألوف المعينة صحبته إلى السفر، ونزل بمخيّمه من الرّيدانية خارج القاهرة. ثم خرجت أطلاب الأمراء المتوجّهة صحبته وهم: الأمير قجقار القردمى أمير سلاح، والأمير ططر أمير مجلس، وجقمق الأرغون شاوى الدّوادار الكبير،
стр. 4555
وإينال الأرغزى، وجلبّان أمير آخور، وأركماس الجلبّانى، وهؤلاء من أمراء الألوف، وثلاثة من أمراء الطبلخانات، وخمسة عشر أميرا من العشرات، ومائتى مملوك من المماليك السلطانية، وأقام الصارمى إبراهيم بمخيّمه إلى أن ركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إليه بالرّيدانية فى عشرينه وبات عنده بالرّيدانية، ثم ودعه من الغد وركب إلى القلعة.
ثم رحل المقام الصارمى إبراهيم من الرّيدانية بمن معه من العساكر فى يوم الجمعة ثانى عشرينه وسار إلى البلاد الشامية.
ثمّ شرع السلطان فى بناء القبّة بالحوش «١» السّلطانىّ من قلعة الجبل المعروفة الآن بالبحرة المطلّة على القرافة، وجاءت فى غاية الحسن.
وأما الصارمىّ إبراهيم فإنّه سار إلى أن وصل دمشق فى يوم الاثنين سادس عشر صفر بعد أن خرج إلى تلقّيه النواب والعساكر، وأقام بدمشق أيّاما وخرج منها يريد البلاد الحلبيّة إلى أن نزل على تلّ السلطان فى يوم الثلاثاء أوّل شهر ربيع الأوّل، فخرج إليه نائب حلب الأمير يشبك اليوسفى المؤيّدى بعساكر حلب، وتلقّاه ونزل بظاهر حلب.
ثم بدأ الطاعون بالدّيار المصريّة. هذا والعرض لأجناد الحلقة مستمر، فتارة يعرضهم السلطان وتارة الأمير مقبل الحسامى الدّوادار الثانى «٢» ، وناظر الجيش علم الدين داود بن الكويز.
ثمّ فى يوم الخميس سابع عشر ربيع الأوّل نزل السلطان من القلعة إلى جامعه بالقرب من باب زويلة واستدعى به قاضى القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقينى وخلع عليه خلعة القضاء بعد عزل القاضى شمس الدين الهروى، ونزل البلقينى بالخلعة من
стр. 4556
باب الجامع الذي من تحت الربع «١» ، وشقّ القاهرة وكان له مشهد عظيم. هذا والطّاعون قد فشا بالديار المصرية وتزايد بها وبأعمالها.
فلما كان يوم الخميس ثامن شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وعشرين المذكورة نودى فى الناس من قبل المحتسب الشيخ صدر الدين بن العجمى أن يصوموا ثلاثة «٢» أيّام آخرها يوم الخميس خامس عشره ليخرجوا فى ذلك اليوم مع السلطان الملك المؤيّد إلى الصحراء فيدعو الله فى رفع الطاعون عنهم، ثم أعيد النداء فى ثانى عشره أن يصوموا من الغد، فتناقص عدد الأموات فيه، فأصبح كثير من الناس صياما، فصاموا يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس. فلمّا كان يوم الخميس المذكور نودى فى الناس بالخروج إلى الصّحراء من الغد، وأن يخرج العلماء والفقهاء ومشايخ الخوانق وصوفيّتها وعامّة الناس، ونزل الوزير بدر الدين حسن بن نصر الله، والتاج الشّوبكى أستادار الصحبة إلى تربة الملك الظاهر برقوق فنصبوا المطابخ بالحوش القبلى منها وأحضروا الأغنام والأبقار، وباتوا هناك فى تهيئة الأطعمة والأخباز، ثم ركب السلطان بعد صلاة الصبح ونزل من قلعة الجبل بغير أبّهة الملك بل عليه ملوطة «٣» صوف أبيض بغير شدّ فى وسطه، وعلى كتفيه مئزر صوف مستدل «٤» كهيئة الصّوفيّة، وعلى رأسه عمامة صغيرة ولها عذبة مرخاة من بين لحيته وكتفه الأيسر وهو بتخشّع وانكسار، ويكثر من التلاوة والتسبيح، وهو راكب فرسا بقماش ساذج ليس فيه ذهب ولا فضة ولا حرير.
هذا وقد أقبل الناس إلى الصحراء أفواجا، وسار شيخ الإسلام قاضى القضاة جلال
стр. 4557
الدين عبد الرحمن البلقينى الشّافعى من منزله بحارة بهاء الدين «١» ما شيا إلى الصحراء فى عالم كثير.
ثم سار غالب أعيان مصر إلى الصحراء ما بين راكب وماش حتى وافوا السلطان بالصحراء قريبا من قبة النصر ومعهم الأعلام والمصاحف، ولهم بذكر الله تعالى أصوات مرتفعة من التهليل والتكبير.
فلما وصل السلطان إلى مكان الجمع بالصحراء ونزل عن فرسه وقام على قدميه وعن يمينه وشماله الخليفة والقضاة وأهل العلم، ومن بين يديه وخلفه طوائف من الصّوفيّه ومشايخ الزّوايا وغيرهم لا يحصيهم إلا الله تعالى، فبسط السلطان يديه ودعا الله وهو يبكى وينتحب والجمّ الغفير يراه ويؤمّن على دعائه، وطال قيامه فى الدّعاء وكلّ أحد يدعو الله تعالى ويتضرّع إلى أن أستتمّ الدّعاء، وركب يريد الحوش «٢» الظاهرى حيث مدّ الطعام والناس فى ركابه وبين يديه من غير أن يمنعهم من ذلك مانع، وسار حتى نزل بالحوش المذكور من التربة الظاهريّة، وقدّم له الأسمطة فأكل منها وأكل الناس معه.
ثم ذبح بيده قربانا- قرّبه إلى الله تعالى- نحو مائة وخمسين كبشا سمينا من أثمان خمسة دنانير الواحد.
ثم ذبح عشر بقرات سمان وجاموستين وجملين كل ذلك وهو يبكى ودموعه تنحدر على لحيته بحضرة الملأ من الناس.
ثم ترك القرابين على مضاجعها كما هى للناس وركب إلى القلعة، فتولّى الوزير التاج تفرقتها صحاحا على أهل الجوامع المشهورة والخوانق وقبّة الإمام الشافعى والإمام
стр. 4558
الليث بن سعد والمشهد النّفيسى وعدة أخر من الزّوايا حملت إليها صحاحا، وقطع منها عدّة بالحوش فرّقت لحما على الفقراء، وفرّق من الخبز النقى فى اليوم المذكور عدّه ثمانية وعشرين ألف رغيف وعدّة قدور كبار مملوءة بالطعام الكثير، وأخذ الطعام الكثير، وأخذ الطاعون من يومئذ فى النقص بالتدريج.
ثم قدم على السلطان الخبر فى ثانى عشرين شهر ربع الآخر برحيل المقام الصّارمى إبراهيم من مدينة حلب بعساكره والعساكر الشّاميّة، وأنه دخل إلى مدينة قيساريّة «١» فحضر إليه أكابر البلد من القضاة والمشايخ والصّوفيّة فتلقّوه فألبسهم الخلع، وطلع قلعتها يوم الجمعة، وخطب فى جوامعها للسلطان، وضربت السّكة باسمه وأنّ شيخ جلبى نائب قيسارية تسحب منها قبل وصول العساكر إليها، وأن ابن السلطان خلع على محمد بك بن قرمان وأقرّه فى نيابة السلطنة بقيسارية، فدقت البشائر بقلعة الجبل لذلك، وفرح السلطان بأخذ قيسارية فرحا عظيما فإن هذا شىء لم يتّفق لملك من ملوك التّرك بالديار المصرية سوى الملك الظاهر بيبرس، ثم انتقض الصلح بينه وبين أهلها حسبما ذكرناه فى ترجمته من هذا الكتاب- انتهى.
ولمّا استهل جمادى الأولى تناقص فيه الطّاعون «٢» حتى كان الذي ورد اسمه فى أوله من الأموات سبعة وسبعين نفرا.
قال الشيخ تقىّ الدين المقريزى: وكان عدّة من مات بالقاهرة وورد اسمه الديوان- من العشرين من صفر وإلى سلخ شهر ربيع الآخر- سبعة آلاف وستمائة واثنتين وخمسين نفسا: الرجال [ألف] «٣» وخمسة وستون رجلا، والنساء ستمائة وتسع وستون امرأة، والصغار ثلاثة آلاف وتسعمائة وتسعة وستون، والعبيد خمسمائة وأربعة وأربعون،
стр. 4559
والإماء ألف وثلاثمائة وتسع وستون، والنصارى تسعة وستون، واليهود اثنان وثلاثون، وذلك سوى البيمارستان، وسوى ديوان مصر، وسوى من لا يرد اسمه الدّواوين، ولا يقصر ذلك عن تتمّة عشرة آلاف، ومات بقرى الشرقية والغربية مثل ذلك.
قلت: وقول الشيخ تقي الدين «ولا يقصر ذلك عن تتمّة عشرة آلاف» فقد مات فى طاعون سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة فى يوم واحد بالقاهرة وظواهرها نحو عشرة آلاف إنسان، واستمرّ ذلك أياما ما بين ثمانية آلاف وتسعة آلاف وعشرة آلاف حسبما يأتى ذكره إن شاء الله فى محله فى ترجمة الملك الأشرف برسباى الدّقماقى- انتهى.
وفى يوم الأحد ثانى جمادى الأولى المذكور ولد للسلطان الملك المؤيد ولده الملك المظفّر أحمد «١» من زوجته خوند سعادات بنت الأمير صرغتمش.
ثم فى سابع جمادى الأولى استدعى السلطان بطرك النصارى وقد اجتمع القضاة ومشايخ العلم عند السلطان، فأوقف البطرك على قدميه ووبّخ وقرّع، وأنكر عليه السلطان ما بالمسلمين من الذّلّ فى بلاد الحبشة تحت حكم الحطّى «٢» متملكها، وهدّد بالقتل، فانتدب له الشيخ صدر الدين أحمد بن العجمى محتسب القاهرة فأسمعه المكروه من أجل تهاون النّصارى فيما أمروا به فى ملبسهم وهيئاتهم، وطال كلام العلماء مع السلطان فى ذلك إلى أن استقرّ الحال بأن لا يباشر أحد منهم فى ديوان السلطان «٣» ولا عند أحد من الأمراء، ولا يخرج أحد منهم عما ألزموا به من الصّغار، ثم طلب السلطان الأكرم فضائل النّصرانىّ كاتب الوزير- وكان قد سجن من أيام- فضربه السلطان بالمقارع «٤» وشهّره بالقاهرة عريانا بين يدى المحتسب وهو ينادى عليه: هذا جزاء من
стр. 4560
يباشر من النصارى فى ديوان السلطان، ثم سجن أيضا بعد إشهاره، وصمّم السلطان فى ذلك حتى انكفّ النصارى عن المباشرة فى سائر دواوين الدّيار المصرية، ولزموا بيوتهم، وصغّروا عمائمهم وضيّقوا أكمامهم، والتزم اليهود مثل ذلك، وامتنعوا جميعهم من ركوب الحمير، بحيث إنّ العامة صارت إذا رأوا نصرانيا على حمار ضربوه وأخذوا حماره وما عليه، فصاروا لا يركبون الحمار إلا بخارج القاهرة، وبذل النصارى جهدهم فى السّعى إلى عودهم إلى المباشرة وأوعدوا بمال كبير، وساعدتهم كتّاب الأقباط، فلم يلتفت السلطان إلى قولهم، وأبى إلا ما رسم به من المنع.
قلت: ولعلّ الله أن يسامح الملك المؤيّد بهذه الفعلة عن جميع ذنوبه، فإنها من أعظم الأمور فى نصرة الإسلام، ومباشرة هؤلاء النصارى فى دواوين الديار المصرية من أعظم المساوئ الذي نوّل منه التعظيم إلى دين النصرانية؛ لأن غالب الناس من المسلمين يحتاج إلى التّردّد إلى أبواب أرباب الدّولة لقضاء حوائجهم، فمهما كان لهم من الحوائج المتعلقه بديوان ذلك الرئيس فقد احتاجوا إلى التواضع والترقق إلى من بيده أمر الديوان المذكور، نصرانيا كان أو يهوديا أو سامريا «١» ، وقد قيل فى الأمثال «صاحب الحاجة أعمى لا يريد إلا قضاءها» فمنهم من يقوم بين يدى ذلك النّصرانى على قدميه والنصرانى جالس ساعات كثيرة حتى يقضى حاجته بعد أن يدعو له ويتأدب معه تأدبا لا يفعله مع مشايخ العلم، ومنهم من يقبّل كتفه ويمشى فى ركابه إلى بيته إلى أن تقضى حاجته، وأما فلاحو القرى فإنه ربما النّصرانىّ المباشر يضرب الرجل منهم ويهينه ويجعله فى الزّنجير «٢» ، ويزعم بذلك خلاص مال أستاذه، وليس الأمر كذلك وإنما يقصد التحكّم فى المسلمين لا غير، فهذا هو الذي يقع للأسير من المسلمين فى بلاد الفرنج بعينه لا زيادة على ذلك غير أنه يملك رقّه.
стр. 4561
وقد حدثنى بعض الثقات من أهل صعيد مصر قال: كان غالب مزارعى بلدنا أشرافا علويّة، والعامل بالبلد نصرانيا، فإذا قدم العامل إلى البلد خرجت الفلاحون لتلقيّه، فمنهم من يسلّم ﵇ المعتاد، ومنهم من يفشى السلام عليه ويمعن فى ذلك، ومنهم من يمشى فى ركابه إلى حيث ينزل من البلد، ومنهم من يقبّل يده- وهو الفقير المحتاج أو الخائف من صاحب البلد- ويسأله إصلاح شأنه فيما هو مقرّر عليه من وزن الخراج حتى يسمح له بذلك، فلما منع الملك المؤيد هؤلاء النّصارى عن المباشرة بطل ذلك كلّه؛ فيكون الملك المؤيد على هذا الحكم فتح مصر فتحا ثانيا، وأعلى كلمة الإسلام وأخذل كلمة الكفر، ولا شىء عند الله أفضل من ذلك.
ولما لم يجب النصارى إلى عودهم إلى ما كانوا عليه من المباشرات بالديار المصرية وأعياهم أمر السلطان وثباته، وانقطع عنهم ما ألفوه من التحكّم فى المسلمين- ويقال:
إنّ العادة طبع خامس- شقّ عليهم ذلك، فتتابع عدّة منهم فى إظهار دين الإسلام وتلفظوا بالشهادتين فى الظاهر والله متولى السرائر.
قال المقريزى- بعد أن ذكر نوعا مما قلناه بغير هذه العبارة- قال: فصاروا من ركوب الحمير إلى ركوب الخيل والتعاظم على أعيان أهل الإسلام والانتقام منهم بإذلالهم وتعويق تعاملهم ورواتبهم حتى يخضعوا لهم ويتردّدوا إلى دورهم ويلحّوا فى السّؤال- فلا قوة إلا بالله- انتهى كلام المقريزى باختصار.
قلت: ويمكن إصلاح هذا الشّأن الثانى أيضا- إن صلح الراعى ونظر فى أحوال الرّعيّة وانتصر لدينه- بسهولة، هو أنه يكفّ من كان قريب عهد منهم من دين النصرانيّة عن المباشرة- انتهى.
ثم قدم الخبر على السّلطان بتوجه ابن السلطان من مدينة قيساريّة إلى مدينة قونيّة «١» فى خامس عشر شهر ربيع الآخر بعد ما مهّد أمور قيسارية ونقش اسم
стр. 4562
السلطان على بابها، وأن الأمير تنبك ميق نائب الشّام لمّا وصل إلى العمق حضر إليه الأمير حمزة بن رمضان بجماعة من التّركمان وتوجّه معه هو وابن أوزر إلى قريب مصيصه «١» وأخذ أدنة «٢» وطرسوس فسرّ السلطان بذلك سرورا عظيما.
ثم نادى محتسب القاهرة على النّصارى واليهود بتشديد ما أمرهم به من الملبس والعمائم وشدّد عليهم فى ذلك، فلما اشتدّ الأمر عليهم سعوا فى إبطال ذلك سعيا كبيرا فلم ينالوا غرضا.
ثم قدم الخبر على السلطان بأن ابن السلطان وصل إلى نكدة «٣» فى ثامن عشر شهر ربيع الآخر فتلقّاه أهلها وقد عصت عليه قلعتها، فنزل عليها وحاصرها وركب عليها المنجنيق، وعمل النّقّابون فيها، وأن محمد بن قرمان تسحّب من نكدة فى مائة وعشرين فارسا هو وولده مصطفى.
كلّ ذلك والسلطان ملازم الفراش من ألم رجله، والأسعار مرتفعة.
ثم فى ثانى عشر جمادى الآخرة ورد الخبر بأن ابن السلطان حاصر قلعة نكدة سبعة وعشرين يوما إلى أن أخذها عنوة فى رابع عشر جمادى الأولى، وقبض على من كان فيها وقيّدهم، وهم مائة وثلاثة عشر رجلا.
ثم توجّه فى سادس عشر جمادى الأولى إلى مدينة لارندة «٤» .
ثم فى سابع عشرين جمادى الأولى ركب السلطان من القلعة وأراد النّزول بدار ابن
стр. 4563
البارزىّ على النيل ببولاق فلم يطق ركوب الفرس وحركته؛ لما به من ألم رجله، فركب فى محفّة إلى البحر، وحمل منها إلى الدّار المذكورة وصارت الطبلخاناة تدقّ هناك، وتمدّ الأسمطة وتعمل الخدمة على ما جرت به العادة بقلعة الجبل، ونزل الأمراء فى الدّور التى حول بيت [ابن] «١» البارزىّ وغيرها، واستمرّ السلطان فى بولاق إلى أن استهلّ شهر رجب الفرد فى بيت ابن البارزىّ وهو يتنقّل منه- وهو محمول على الأعناق- تارة إلى الحمّام التى بالحكر وتارة يوضع فى الحرّاقة وتسير به على ظهر النيل، فيسير فيها إلى رباط الآثار «٢» .
ثم يحمل من الحرّاقة إلى [رباط] «٣» الآثار المذكور، ثم يعود إلى بيت ابن البارزىّ، وتارة يسير فيها إلى القصر ببرّ الجيزة بحرىّ ممبابة، وتارة يقيم بالحرّاقة وهو بوسط النيل نهاره كلّه.
وقدم عليه الخبر فى ثانى عشر شهر رجب المذكور أن ابن السلطان لما تسلّم نكدة استناب بها على بك بن قرمان.
ثم توجّه بالعساكر إلى مدينة أركلى «٤» فوصلها ثم رحل منها إلى مدينة لارندة فقدمها فى ثانى عشرين جمادى الآخرة، وبعث بالأمير يشبك اليوسفىّ نائب حلب فأوقع بطائفة من التّركمان، وأخذ أغنامهم وجمالهم وخيولهم وموجودهم، وعاد فبعث الأمير ططر والأمير سودون القاضى نائب طرابلس، والأمير شاهين الزّردكاش نائب حماة، والأمير مراد خجا نائب صفد، والأمير إينال الأرغزى، والأمير جلبّان رأس نوبة
стр. 4564
سيدى [المقام الصارمى إبراهيم] «١» وجماعته من التّركمان، فكبسوا على محمد بن قرمان «٢» بجبال لارندة فى ليلة الجمعة سادس جمادى الآخرة، ففرّ محمد بن قرمان منهم فأخذ جميع ما كان فى وطاقه «٣» من خيل وجمال وأغنام وأثقال وقماش وأوانى فضة وبلّور، وعاد الأمراء بتلك الغنائم، فاقتضى عند ذلك رأى ابن السلطان ومن معه الرجوع إلى حلب «٤» ، فعادوا فى تاسع شهر رجب، فجّهز السلطان إلى ولده بحلب ستة آلاف دينار ليفرقها على الأمراء، ورسم له بأن يقيم بحلب لعمارة سورها، وسار البريد بذلك.
ثم ركب السلطان فى رابع عشر شهر رجب من بيت ابن البارزىّ ببولاق بالحرّاقة إلى بيت التاجر نور الدين الخروبى ببرّ الجيزة تجاه المقياس، وكان فى مدّة إقامته فى بيت ابن البارزىّ قد أحضر الحراريق من ساحل مصر «٥» إلى ساحل بولاق «٦» وزيّنت بأفخر زينة وأحسنها، وصار السلطان يركب فى الحرّاقة الذّهبيّة وبقية الحراريق سائرة معه مقلعة ومنحدرة، وتلعب بين يديه، كما كانت العادة فى تلك الأيام عند وفاء النيل، ودوران المحمل فى نصف شهر رجب.
ولما كان أيّام دوران المحمل على العادة فى كل سنة رسم السلطان إلى معلّم الرّمّاحة «٧» أن يسوقوا المحمل بساحل بولاق، وكان ساحل بولاق يوم ذاك برّا وسيعا ينظر الجالس فى بيت ابن البارزىّ مدد عينه من جهة فم الخور، «٨»
стр. 4565
فتوجّه المعلّم بالرّمّاحة هناك فى يوم المحمل، وساقوا بين يديه كما يسوقون فى بركة الحبش «١» أيّام أزمانهم وبالرّميلة «٢» فى يوم المحمل، وتفرّجت الناس على المحمل فى بولاق، ولم يقع مثل ذلك فى سالف الأعصار، فصار الشخص يجلس بطاقته فيتفرّج على المحمل وعلى البحر معا، فلمّا كان قريب الوفاء ركب فى الحرّاقة الذهبيّة والحراريق بين يديه بعد أن أقاموا بالزّينة أيّاما والناس تتفرّج عليهم، وسار حتى نزل بالخرّوبيّة فأرست الحراريق المزينّة على ساحل مصر بدار النّحاس «٣» ، كما هى عادتها فى السنين الماضية إلى أن كان يوم الوفاء وهو يوم سادس عشر رجب ركب السلطان من الخرّوبيّة فى الحرّاقة، وسار إلى المقياس ومعه الأمراء وأرباب الدّولة حتى خلّق المقياس على العادة.
ثم سار فى خليج السّدّ حتى فتحه، وركب فرسه فى عساكره وعاد إلى القلعة، فكانت غيبته عن القلعة فى نزهته ثلاثين يوما بعد ما انقضى للناس بساحل بولاق فى تلك الأيّام من الاجتماعات والفرج أوقات طيّبة إلى الغاية لم يسمع بمثلها، ولم يكن فيها- بحمد الله- شىء مما ينكر كالخمور وغيرها، وذلك لإعراض السلطان عنها من منذ لازمه وجع رجله.
ثم قدم الخبر على السّلطان بوصول ولده المقام الصارمى بعساكره إلى حلب فى ثالث شهر رجب، وأن الأمير تنبك العلائى ميق نائب الشام واقع مصطفى وأباه محمد ابن قرمان وإبراهيم بن رمضان على أدنة فانهزموا منه أقبح هزيمة.
ثم فى عشرين شعبان تزايد ألم السلطان ولم يحمل إلى القصر السلطانى، ولزم
стр. 4566
الفراش، واشتد به المرض، وخلع على التاج ابن سيفه باستقراره أمير حاج المحمل، ثم نصل السلطان من مرضه قليلا فركب فى يوم سابع عشرين شعبان من القلعة ونزل للفرجة على سباق الخيل، فسار بعساكره سحرا ووقف بهم تحت قبّة النّصر «١» وقد أعدّ للسباق أربعين فرسا فأطلق أعنتها من بركة الحاج فأجريت منها حتى أتته ضحى النهار، فحصل له برؤيتها النّشاط، ورجع من موقفه إلى تربة الملك الظّاهر برقوق، ووقف قريبا منها دون الساعة، ثم بعث المماليك والجنائب والشطفة «٢» إلى القلعة وتوجّه إلى خليج الزّعفران «٣» ، فنزل بخاصته وأقام به إلى آخر النهار، وركب إلى القلعة.
ثم فى سلخ شعبان ركب السلطان أيضا من قلعة الجبل إلى بركة الحبش وسابق بالهجن، ثم عاد إلى القلعة.
ثم فى يوم الخميس أوّل شهر رمضان قدم الخبر أن ابن السلطان رحل من حلب فى رابع عشرين «٤» شعبان، وأنّ محمد بن قرمان وولده مصطفى وإبراهيم بن رمضان وصلوا إلى قيساريّة فى سادس عشرين «٥» شعبان وحصروا بها الأمير ناصر الدين محمد ابن دلغادر نائبها فقاتلهم حتى كسرهم «٦» ونهب ما كان معهم، وقتل مصطفى وحملت رأسه، وقبض على أبيه محمد بن قرمان- فسجن بها، ثم قدم رأس مصطفى ابن محمد بن على بك بن قرمان إلى القاهرة فى يوم الجمعة سادس عشر شهر رمضان، فطيف به بشوارع القاهرة على رمح ثم علّق على باب النّصر أحد أبواب القاهرة، وقدم
стр. 4567
الخبر أيضا بمسير ابن السلطان من حلب وقدومه إلى دمشق فى خامس شهر رمضان، فأرسل السلطان الإقامات إلى ولده إلى أن كان يوم سابع عشرين شهر رمضان المذكور من سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة فركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إلى لقاء ولده المقام الصّارمى «١» إبراهيم وقد وصل إلى قطيا، فسار السلطان إلى بركة الحاج، واصطاد بها، ثم ركب ومضى إلى جهة بلبيس فقدم عليه الخبر بنزول ابن السلطان الصالحيّة- فتقدّم الأمراء عند ذلك وأرباب الدّولة حتى وافوه بمنزلة الخطّارة «٢» ، فلما عاينته الأمراء ترجّلوا عن خيولهم وسلّموا عليه واحدا بعد واحد حتى قدم عليه القاضى ناصر الدين بن البارزىّ كاتب السّرّ نزل له المقام الصّارمىّ عن فرسه ولم ينزل لأحد قبله؛ لما يعلمه من تمكّنه وخصوصيته عند أبيه الملك المؤيّد، وركب الجميع فى خدمته وعادوا بين يديه إلى العكرشة «٣» والسلطان واقف بها على فرسه، فنزل الأمراء المسافرون وقبّلوا الأرض بين يدى السلطان، ثم قبّلوا يده واحدا بعد واحد إلى أن انتهى سلامهم نزل المقام الصارمى عن فرسه وقبّل الأرض، ثم قام ومشى حتى قبّل الرّكاب السّلطانى، فبكى السلطان من فرحه بسلامة ولده، وبكى الناس لبكائه، فكانت ساعة عظيمة.
ثم سارا بموكبيهما الشامى والمصرى إلى سرياقوس وباتا بها ليلة الخميس تاسع عشرين شهر رمضان المذكور، وتقدّمت الأثقال والأطلاب ودخلوا القاهرة، وركب السلطان آخر الليل ورمى الطّير بالبركة، فقدم عليه الخبر بكرة يوم الخميس بوصول الأمير تنبك ميق نائب الشام، وكان قد طلب، فوافى ضحى، وركب فى الموكب السلطانى، ودخل السلطان من باب النصر فشقّ القاهرة- وقد زينت لقدوم ولده- والأمراء عليها
стр. 4568
التشاريف، وعلى المقام الصارمى أيضا تشريف عظيم إلى الغاية وخلفه الأسراء الذين أخذوا من قلعة نكدة وغيرها فى الأغلال والقيود، وهم نحو المائتين كلهم مشاة إلا أربعة فإنهم على خيول، منهم نائب نكدة وثلاثة من أمراء ابن قرمان، وكلهم فى الحديد، فسار الموكب إلى أن وصل السلطان وولده إلى القلعة «١» ، فكان يوما مشهودا إلى الغاية لم ينله أحد من ملوك مصر، فلهجت الناس بأن الملك المؤيّد قد تمّ سعده، كل ذلك والسلطان لا يستطيع المشى من ألم رجله.
وأصبح يوم السبت أوّل شوال صلّى صلاة العيد بالقصر لعجزه عن المضىّ إلى الجامع؛ لشدة ألم رجله وامتناعه من النهوض على قدميه.
ثم فى ثالث شوال خلع على الأمير جقمق الأرغون شاوىّ الدّوادار الكبير باستقراره فى نيابة الشام عوضا عن تنبك العلائى ميق [بحكم عزله] «٢» ، وخلع على الأمير مقبل الحسامىّ الدّوادار الثانى باستقراره دوادارا كبيرا على إمرة طبلخاناه «٣» ، وأنعم السلطان بإقطاع جقمق الدّوادار على الأمير تنبك ميق.
ثم فى رابع شوال المذكور خلع السلطان أيضا على الأمير قطلوبغا التّنمىّ أحد مقدّمى الألوف بالديار المصرية واستقرّ فى نيابة صفد عوضا عن الأمير قرامراد خجا، ورسم بتوجّه قرامراد خجا إلى القدس بطّالا، وأنعم بإقطاع قطلوبغا التّنمىّ على الأمير جلبّان الأمير آخور الثانى، وأنعم بإقطاع جلبّان ووظيفته على الأمير آقبغا التّمرازىّ، فتجهّز جقمق بسرعة وخرج فى يوم سابع عشره من القاهرة متوجّها إلى محلّ كفالته بدمشق.
ثم فى يوم الجمعة حادى عشرينه نزل السلطان إلى جامعه بالقرب من باب زويلة وقد هيّئت به المطاعم والمشارب فمدّ بين يديه سماط عظيم فأكل السلطان منه والأمراء
стр. 4569
والقضاة والعسكر، وملئت الفسقيّة التى بصحن الجامع سكّرا مذابا، فشرب الناس منه، ثم أحضرت الحلاوات؛ كل ذلك لفراغ الجامع المذكور ولإجلاس قاضى القضاة شمس الدين محمد بن الدّيرى الحنفى فى مشيخة الصّوفيّة وتدريس الحنفية، وفرشت السّجادة لابن الدّيرى فى المحراب، وقرّر خطابة الجامع المذكور للقاضى ناصر الدين محمد بن البارزىّ كاتب السرّ، ثم عرض السلطان الفقهاء وقرّر منهم من اختاره فى الوظائف والتصوّف، ثم استدعى قاضى القضاة شمس الدين بن الديرى وألبسه خلعة باستقراره فى المشيخة، وجلس بالمحراب والسّلطان وولده الصّارمى إبراهيم عن يساره، والقضاة عن يمينه، ويليهم مشايخ العلم وأمراء الدولة، فألقى ابن الديرى درسا عظيما وقع فيه أبحاث ومناظرات [بين الفقهاء] «١» والملك المؤيد يصغى لهم ويعجبه الصواب من قولهم، ويسأل عما لا يفهمه حتى يفهمه.
قلت: هذا هو المطلوب من الملوك، الفهم والذّوق لينال كلّ ذى رتبة رتبته، وينصف أرباب الكمالات- بين يديه- من كلّ فن، فوا أسفاه على ذلك الزمان وأهله.
واستمرّ البحث بين الفقهاء إلى أن قرب وقت الصلاة ثم انفضّوا، واستمر السلطان جالسا بمكانه إلى أن حان وقت الصلاة، وتهيأ السلطان وكلّ أحد للصلاة، فخرج القاضى ناصر الدين بن البارزىّ من بيت الخطابة وصعد المنبر وخطب خطبة بليغة فصيحة من إنشائه، ثم نزل وصلّى بالناس صلاة الجمعة، فلما انقضت الصلاة خلع السلطان عليه باستقراره فى خطابة الجامع المذكور ووظيفة خازن الكتب.
ثم ركب السلطان من الجامع المذكور وعدّى النيل إلى برّ الجيزة فأقام به إلى يوم الأحد ثالث عشرينه، وعاد إلى القلعة، ثم ركب من القلعة فى يوم الأحد أول ذى القعدة للصيد وعاد من يومه.
وفى يوم ثالثه سار الأمير الكبير ألطنبغا القرمشى والأمير طوغان الأمير آخور الكبير للحج على الرّواحل من غير ثقل.
стр. 4570
ثم فى يوم الجمعة سادس ذى القعدة خلع السلطان على القاضى زين الدين عبد الرحمن ابن على بن عبد الرحمن التّفهنى الحنفى باستقراره قاضى قضاة الحنفيّة عوضا عن قاضى القضاة شمس الدين محمد بن الديرى المستقرّ فى مشيخة الجامع المؤيدى برغبة ابن الديرى؛ فإنه كان من حادى عشرين شوال قد انجمع عن الحكم بين الناس ونوّابه تقضى.
وفيه أيضا عدى السلطان النيل يريد سرحة البحيرة، وجعل نائب الغيبة الأمير إينال الأرغزى، وسار السلطان حتى وصل مريوط وعاد فأدركه عيد الأضحى بمنزلة الطّرّانة، فصلى بها العيد، وخطب كاتب سرّه القاضى ناصر الدين بن البارزى.
قلت: هكذا يكون كتّاب سرّ الملوك أصحاب علم «١» وفضل ونظم ونثر وخطب وإنشاء، لا مثل جمال الدين الكركى وشهاب الدين بن السفّاح.
ثم ارتحل السلطان من الغد وسار حتى نزل على برّ منبابة بكرة يوم الأحد ثالث عشر ذى الحجة، وعدّى النيل من الغد ونزل ببيت كاتب السرّ ابن البارزىّ، وبات به، ودخل الحمام التى أنشأها كاتب السرّ بجانب داره، ثم عاد السلطان فى يوم الاثنين رابع عشر ذى الحجة إلى القلعة، وخلع على الأمراء والمباشرين على العادة، ثم نزل السلطان فى يوم الجمعة ثامن عشره إلى الجامع المؤيدى، وصلى به الجمعة، وخطب به كاتب السرّ ابن البارزى، ثم حضر من الغد الأمير محمد بك بن على بك بن قرمان صاحب قيساريّة وقونية ونكدة ولا رندة وغيرها من البلاد وهو مقيد محتفظ به، فأنزل فى دار الأمير مقبل الدّوادار ووكّل به إلى ما سيأتى ذكره «٢» .
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٢٣]
ثم فى يوم الجمعة ثالث المحرم وصل الأمير الكبير ألطنبغا القرمشى والأمير طوغان أمير آخور من الحجاز، فكانت غيبتهما عن مصر تسعه وخمسين يوما، وفيه استقرّ الأمير شاهين الزّرد كاش نائب حماة فى نيابة طرابلس عوضا عن سودون القاضى، واستقرّ فى نيابة حماة عوضا عن شاهين المذكور الأمير إينال الأرغزى
стр. 4571
النّوروزى نائب غزّة، واستقر عوضه فى نيابة غزّة الأمير أركماس الجلبّانى أحد مقدمى الألوف بالديار المصرية، ثم أفرج السلطان عن الأمير نكباى حاجب دمشق من سجنه بقلعة دمشق واستقر فى نيابة طرسوس، وأحضر نائبها الأمير تنبك أميرا إلى حلب، واستقر الأمير خليل الدّشارى أحد أمراء الألوف بدمشق فى حجوبية الحجاب بدمشق وكانت شاغرة منذ أمسك نكباى، واستقر الأمير سنقر نائب قلعة دمشق، واستقر الأمير آفبغا الأسندمرى الذي كان ولى نيابة سيس ثم حمص حاجبا بحماة عوضا عن الأمير سودون السّيفى علّان بحكم عزله واعتقاله، وكان بطلا بالقدس.
ثم فى سادس عشر المحرم نقل الشيخ عز الدين عبد العزيز البغدادى من تدريس الحنابلة بالجامع المؤيدى إلى قضاء الحنابلة بدمشق، واستقر عوضه فى التدريس بالجامع المذكور العلامة محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادى.
ثم فى يوم الاثنين خامس صفر ركب السلطان من القلعة وعدّى النيل ونزل بناحية وسيم على العادة فى كل سنة، وأقام بها إلى عشرين صفر، فركب وعاد من وسيم إلى أن عدى النيل ونزل ببيت كاتب السروبات به، وعمل الوقيد فى ثانى عشرينه، ثم ركب من الغد إلى الغد إلى القلعة.
ثم فى سادس عشرينه نزل السلطان من القلعة إلى بيت الأمير أبى بكر الأستادار وعاده فى مرضه، فقدّم له أبو بكر تقدمة هائلة، واستمرّ أبو بكر مريضا إلى أن مات وتولّى الأستادارية بعده الأمير يشبك المؤيدى المعروف بأنالى- أى له أمّ- فى يوم الخميس ثالث عشر شهر ربيع الأوّل.
ثم فى هذا الشهر تحرّك عزم السلطان على السّفر إلى بلاد الشّرق لقتال قرا يوسف، وأخذ فى الأهبة لذلك وأمر الأمراء بعمل مصالح السّفر، فشرعوا فى ذلك، هذا وهو لا يستطيع الرّكوب ولا النّهوض من شدّة ما به من الألم الذي تمادى برجله وكسّحه، ولا ينتقل من مكان إلى آخر إلا على أعناق المماليك، وهو مع ذلك له حرمة ومهابة فى
стр. 4572
القلوب لا يستطيع أخصّاؤه النظر إلى وجهه إلا بعد أن يتلطّف بهم ويباسطهم حتى يسكن روعهم منه.
ثم فى أوّل شهر ربيع الآخر وقع الشروع فى بناء منظرة الخمس وجوه «١» بجوار التّاج «٢» الخراب خارج القاهرة بالقرب من كوم الرّيش»
لينشئ السلطان حوله بستانا جليلا ودورا، ويجعل ذلك عوضا عن قصور سرياقوس، ويسرح إليها كما كانت الملوك نسرح إلى سرياقوس منذ أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاوون.
ثم فى ثالث عشر شهر ربيع الآخر المذكور ابتدأ بالسّلطان ألم تجدّد عليه من حبسة الإراقة «٤» ، مع ما يعتريه من ألم رجله، واشتدّ به وتزايد ألم رجله.
فلما كان يوم الأربعاء رابع عشرين الشّهر المذكور نادى السلطان بإبطال مكس الفاكهة البلدية والمجلوبة، وهو فى كل سنة نحو ستة آلاف دينار سوى ما يأخذه الكتبة والأعوان، فبطل ونقش ذلك على باب الجامع المؤيدى.
ثم فى يوم الخميس ثانى جمادى الأولى ابتدأ بالمقام الصارمى إبراهيم ابن السلطان الملك المؤيد مرض موته، ولزم الفراش بالقلعة إلى يوم الثلاثاء رابع عشره ركب من القلعة فى محفّة لعجزه عن ركوب الفرس ونزل إلى بيت القاضى زين الدين عبد الباسط ابن خليل ناظر الخزانة ببولاق، وأقام به، ثم ركب من الغد فى النّيل وعدّى إلى الخرّوبيّة ببرّ الجيزة، وأقام بها وقد تزايد مرضه.
стр. 4573
وأما السلطان فإنه ركب من القلعة فى يوم ثانى عشر جمادى الأولى المذكور وتوجّه إلى منظرة الخمس وجوه وشاهد ما عمل هناك، ورتب ما اقتضاه نظره من ترتيب البناء، وعاد إلى بيت صلاح الدين خليل بن الكويز ناظر الدّيوان المفرد المطلّ على بركة الرّطلى، فأقام فيه نهاره وعاد من آخره إلى القلعة.
ثم فى يوم السبت خامس عشرينه خلع السلطان على الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان البساطىّ المالكى شيخ الخانقاه الناصرية فرج باستقراره قاضى قضاة المالكية بعد وفاة القاضى جمال الدين عبد الله بن مقداد الأقفهسى.
ثم فى يوم الأربعاء تاسع عشرينه نزل السلطان من القلعة وتوجّه إلى الميدان الكبير الناصرى بمردة الجبس، وكان قد خرب وأهمل أمره منذ أبطل الملك الظاهر برقوق الرّكوب إليه، ولعب الكرة فيه، وتشعثت قصوره وجدرانه، وصار منزلا لركب الحاج من المغاربة، فرسم السلطان فى أوّل هذا الشهر للصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله بعمارته، فلما انتهى نزل السلطان إليه فى هذا اليوم وشاهد ما عمّر به فأعجبه، ومضى منه إلى بيت ابن البارزىّ ببولاق وقد تحوّل المقام الصارمى إبراهيم من الخرّوبية «١» إلى قاعة الحجازية «٢» فزاره السلطان غير مرّة بالحجازية، وأنزل بالحريم السلطانىّ إلى بيت ابن البارزىّ فأقاموا عنده.
فلما كان يوم الجمعة أوّل جمادى الآخرة صلّى السلطان صلاة الجمعة بالجامع الذي جدّده ابن البارزى تجاه بيته، وكان هذا الجامع يعرف قديما بجامع
стр. 4574
الأسيوطى «١» ، وخظب به وصلى قاضى القضاة جلال الدين البلقينىّ.
ثم ركب السلطان من الغد فى يوم السبت ثانى جمادى الآخرة إلى الميدان المقدم ذكره وعمل به الخدمة السلطانية، ثم توجه إلى القلعة وأقام بها إلى يوم الأربعاء سادسه فركب منها ونزل إلى بيت ابن البارزى وأقام به أياما، ثم عاد إلى القلعة.
ثم فى يوم الأربعاء ثالث عشره حمل المقام الصارمى إبراهيم من الحجازية إلى القلعة على الأكتاف لعجزه عن ركوب المحفّة، فمات ليلة الجمعة خامس عشره «٢» فارتجّت القاهرة لموته، فجهّز من الغد وصلّى عليه ودفن بالجامع المؤيّدى، وشهد السلطان الصلاة عليه ودفنه، مع عدم نهضته للقيام من شدّة مرضه وللوجد الذي حصل له على ولده، وأقام السلطان بالجامع المؤيّدى إلى أن صلى به الجمعة، وخطب القاضى
стр. 4575
ناصر الدين بن البارزى على العادة، وخطب خطبة بليغة من إنشائه، وسبك فى الخطبة الحديث الذي ذكره النّبيّ- ﷺ عند موت ولده إبراهيم «إنّ العين لتدمع وإنّ القلب ليخشع وإنّا لمحزنون على فراقك يا إبراهيم ... الخ» فلما ذكر ذلك ابن البارزى على المنبر بكى السلطان وبكى الناس لبكائه فكانت ساعة عظيمة، ثم ركب السلطان بعد الصلاة من الجامع المؤيّدى وعاد إلى القلعة، وأقام القرّاء يقرءون القرآن على قبره سبع ليال.
وفى هذه الأيام توقّف النيل عن الزّيادة، وغلا سعر الغلال، ونودى بالقاهرة بالصّيام ثلاثة أيام، ثم بالخروج إلى الصحراء للاستسقاء «١» ، فصام أكثر الناس وصام السلطان، فنودى بزيادة إصبع ممّا نقصه، ثم نودى فى يوم الأحد رابع عشرينه بالخروج من الغد للصحراء خارج القاهرة، فلما كان الغد يوم الاثنين خرج شيخ الإسلام قاضى القضاة جلال الدين البلقينى وسار حتى جلس فى فم الوادى قريبا من قبّة النّصر- وقد نصب هناك منبر- فقرأ سورة الأنعام، وأقبل الناس أفواجا من كل جهة حتى كثر الجمع ومضى من شروق الشمس نحو الساعتين أقبل السلطان بمفرده على فرس وقد تزيّا بزىّ أهل التّصوّف، واعتمّ على رأسه بمئزر صوف لطيف، ولبس على بدنه ثوب صوف أبيض، وعلى عنقه مئزر صوف [بعذبة] «٢» مرخاة على بعض ظهره، وليس فى سرجه ولا شىء من قماش فرسه ذهب ولا حرير، فأنزل عن الفرس وجلس على الأرض من غير بساط ولا سجّادة مما يلى يسار المنبر، فصلّى قاضى القضاة ركعتين كهيئة صلاة العيد والناس وراءه يصلّون بصلاته، ثم رقى المنبر فخطب خطبتين حثّ الناس فيهما على التّوبة والاستغفار وأعمال البرّ وحذّرهم ونهاهم، وتحوّل فوق المنبر واستقبل القبلة ودعا فأطال الدعاء، والسلطان فى ذلك كلّه يبكى وينتحب وقد باشر فى سجوده التّراب بجبهته، فلما انقضت الخطبة ركب السلطان فرسه مع عدم قدرته على القيام،
стр. 4576
وإنما يحمل على الأكتاف حتى يركب، ثم يحمل حتى ينزل، وسار إلى جهة القلعة والعامة محيطة به يدعون له، فكان هذا اليوم من الأيام المشهودة، ومن أحسن ما نقل عنه فى هذه الرّكبة أن بعض العامة دعا له حالة الاستسقاء أنّ الله ينصره، فقال لهم الملك المؤيد: اسألوا الله فيما نحن بصدده، وإنما أنا واحد منكم- لله درّه فيما قال.
ثم فى غده نودى على النيل بزيادة اثنى عشر إصبعا بعد ما ردّ النقص، وهو قريب سبعة وعشرين إصبعا، فتباشر الناس باستجابة دعائهم.
ثم قدم الخبر على السلطان بنزول قرا يوسف على بغداد وقد عصاه ولده شاه محمد «١» بها، فحاصره ثلاثة أيام حتى خرج إليه، فأمسكه أبوه قرا يوسف واستصفى أمواله وولّى عوضه على بغداد ابنه أميرزة أصبهان، ثم عاد قرا يوسف إلى مدينة تبريز لحركة شاه رخّ بن تيمور لنك عليه.
ثم فى يوم الاثنين سابع عشر شهر رجب ركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إلى بيت كاتب السرّ ابن البارزىّ على عادته ليقيم به ونزل الأمراء بالدّور من حوله، وصارت الخدمة تعمل هناك، وكان السلطان قد انقطع عن النزول إليه من يوم مات ابنه.
ثم فى يوم الأربعاء تاسع عشره جمع السلطان خاصّته ونزل إلى البحر وسبح فيه «٢» ، وعام من بيت كاتب السرّ إلى منية الشّيرج ثم عاد فى الحرّاقة، وكثر تعجّب الناس من قوّة سبحه مع زمانة رجله وعجزه عن الحركة والقيام، ولمّا أراد أن ينزل للسّباحة أقعد فى تخت من خشب كهيئة مقعد المحفّة، وأرخى من أعلى الدار بجبال وبكر إلى الماء، فلمّا عاد فى الحرّاقة رفع فى التخت المذكور من الحرّاقة إلى أعلى الدّار حتى جلس على مرتبته، فنودى من الغد على النّيل بزيادة ثلاثين إصبعا، ولم يزد فى هذه السنة مثلها، فتيامن الناس بعوم السلطان فى النيل، وعدّوا ذلك من جملة سعادته، وقالت العامة: الزيادة ببركته.
стр. 4577
ثم فى يوم الجمعة حادى عشرين «١» شهر رجب المذكور ركب السلطان من بيت ابن البارزىّ فى الحرّاقة وتنزّه على ظهر النيل، وتوجّه إلى [رباط] «٢» الآثار النبوية فزاره، وبرّ من هناك من الفقراء والخدام وغيرهم، ثم عاد إلى المقياس بجزيرة الرّوضة فصلّى الجمعة بجامع المقياس، ورسم بهدمه وبنائه «٣» ثانيا وتوسعته، ففعل ذلك، ورسم أيضا بترميم بلاط [رباط] «٤» الآثار النبوية، ثم عاد إلى الجزيرة الوسطى وركب منها إلى الميدان الناصرى «٥» وبات به، وركب من الغد فى يوم السبت إلى القلعة.
ثم فى سابع عشرين شهر رجب المذكور من سنة ثلاث وعشرين قدم الخبر على السلطان من الأمير عثمان بن طرعلى المدعو قرايلك «٦» صاحب آمد أنه كبس على بير عمر حاكم أرزنكان «٧» من قبل قرا يوسف وأمسكه وقيّده هو وأربعة وعشرين نفسا من أهله وأولاده، وأنه قتل من أعوانه ستين رجلا وغنم شيئا كثيرا، فسرّ السلطان بذلك، ثم إنه قتل بير عمر المذكور، وأرسل برأسه إلى السلطان، فوصل الرأس إلى القاهرة فى يوم الاثنين أول شعبان.
وكان السلطان قد كتب محاضر بكفر قرا يوسف وولده حاكم بغداد، فأفتى مشايخ العلم بوجوب قتاله، ورسم السلطان للأمراء بالتّجهيز للسفر «٨» ، وحملت إليهم النّفقات، فوقع التّجهيز فى أمور السفر، ونودى فى رابع شعبان المذكور بالقاهرة بين يدى
стр. 4578
الخليفة والقضاة الأربعة بجميع نوّابهم وبين يديهم القاضى بدر الدين حسن البردينى أحد نوّاب الحكم الشافعية، وهو راكب على بغلته وبيده ورقة يقرأ منها استنفار الناس لقتال قرا يوسف وتعداد قبائحه ومساوئه.
قلت: هو كما قالوه وزيادة، عليه وعلى ذرّيته اللعنة، فإنهم كانوا سببا لخراب بغداد وأعمالها، وكانت بغداد منبع العلم ومأوى الصالحين حتى ملكها هؤلاء التّركمان رعاة الأغنام فساءوا السّيرة، وسلبوا الناس أموالهم، وأخربوا البلاد، وأبادوا العباد من الظلم والجور والعسف- ألا لعنة الله على الظالمين.
ثم فى يوم الاثنين ثامن شعبان- ويوافقه خامس عشرين مسرى أحد شهور القبط- أو فى النيل فركب السلطان إلى المقياس حتّى خلّقه على العادة، ثم ركب الحرّاقة حتى فتح خليج السّدّ على العادة.
ثمّ فى يوم الجمعة عقد السلطان عقد الأمير الكبير ألطنبغا القرمشى على ابنته «١» بصداق مبلغه «٢» خمسة عشر ألف دينار هرجه «٣» بالجامع المؤيّدى بحضرة القضاة والأمراء والأعيان، هذا وقد تهيّأ القرمشىّ للسّفر إلى البلاد الشّاميّة مقدّم العساكر، وأصبح من الغد فى يوم السبت ثالث عشر شعبان المذكور برّز الأمير الكبير ألطنبغا القرمشى طلبه من القاهرة إلى الرّيدانيّة خارج القاهرة، ومعه من الأمراء مقدّمى الألوف جماعة: الأمير ألطنبغا من عبد الواحد المعروف بالصّغير رأس نوبة النّوب، والأمير طوغان الأمير آخور الكبير، والأمير ألطنبغا المرقبىّ حاجب الحجّاب، والأمير جلبّان أمير آخور- كان- والأمير جرباش الكريمىّ قاشق، والأمير آقبلاط السّيفى دمرداش، والأمير أزدمر الناصرى، وندبهم السلطان للتوجّه إلى حلب خشية من حركة قرا يوسف.
стр. 4579
وفيه نزل السلطان من القلعة إلى بيت ابن البارزىّ وأقام به إلى يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان، فتوجّه إلى الميدان لعرض المماليك الرّماحة، فتوجّه إليه وجلس ولعبت مماليك السلطان بالرّمح بين يديه مخاصمة، ولعّب حتى المعلمين، جعل لكلّ معلّم خصما مثله ولعبّهما بين يديه، فوقع بين الرّمّاحة أمور ومخاصمات، وأبدوا غرائب فى فنونهم، كل ذلك لمعرفة الملك بهذا الشّأن ومحبّته لأرباب الكمالات من كلّ فنّ، فلمّا انتهى لعبهم والإنعام عليهم- كل واحد بحسب ما يليق به- ركب آخر النهار من الميدان المذكور على ظهر النيل فى الحرّاقة الى بيت [ابن] «١» البارزىّ ببولاق، وأقام به وعمل الخدمة به إلى أن ركب منه إلى الميدان ثانيا فى نهار السبت العشرين من شعبان، ولعبت الرّمّاحة بين يديه، وهم غير من تقدم ذكرهم؛ فإنه رسم أنّ فى كل يوم من يومى السبت والثلاثاء يلعب معلّمان هما وصبيانهما- لا غير- مخاصمة.
قلت: وهذه عادة الملوك، لمّا تعرض المماليك بين يديهم، لا يخاصم فى كل يوم غير صبيان معلّم مع صبيان معلّم آخر، لكن زاد الملك المؤيّد بأن لعّب المعلمين أيضا، فصار المعلّم يقف يمينا [ويقف] «٢» صبيانه صفا واحدا تحته، ويقف تجاهه معلّم آخر آخر وصبيانه تحته، فيخرج المعلّم للمعلّم ويتخاصمان إلى أن ينجزا أمرهما، ثم يخرج النائب للنائب الذي يقابله من ذلك المعلّم، ثم يخرج كلّ واحد لمن هو مقابله إلى أن يستتم العرض بين الظّهر والعصر أو قبل الظهر أو بعده بحسب قلّة الصّبيان وكثرتهم، ولمّا تمّ العرض فى نهار السّبت المذكور بالميدان لم يتحرّك السلطان من الميدان وبات به، وأصبح يوم الأحد ركب الحرّاقة وتوجّه فى النيل إلى [رباط] «٣» الآثار النبويّة وزاره وتصدق به، ثم عاد إلى المقياس بالرّوضة، وكشف عمارة جامع المقياس بالرّوضة، ثم عاد فى الحرّاقة الى الميدان، فبات به وعرض فى يوم الاثنين أيضا، أراد بذلك انجاز أمرهم
стр. 4580
فى العرض، ولما انتهى العرض فى ذلك اليوم ركب الحرّاقة وتوجّه إلى [رباط] «١» الآثار ثانيا وزاره، ثم عاد إلى جزيرة أروى المعروفة بالجزيرة الوسطانية، ونزل بها فى مخيمه، فأقام بها يومه وعاد إلى الميدان وبات به ليلتين، ثم رجع فى النيل إلى بيت كاتب السّرّ ببولاق فى يوم الخميس فبات به وصلّى الجمعة بجامع كاتب السّرّ، وخطب وصلّى به قاضى القضاة جلال الدين البلقينىّ، ثم ركب الحرّاقة بعد الصّلاة وتوجّه إلى الميدان وبات به وركب إلى القلعة بكرة يوم السبت سابع عشرين شعبان، كل ذلك والسلطان صائم فى شهر رجب وشعبان لم يفطر فيهما إلا نحو عشرة أيّام عندما يتناول الأدوية بسبب ألم رجله، هذا مع شدّة الحرّ فإنّ الوقت كان فى فصل الصّيف وزيادة النّيل.
ولما استهلّ شهر رمضان بيوم الثلاثاء انتقض على السلطان ألم رجله ولزم الفراش وصارت الخدمة السلطانية تعمل بالدّور السلطانية من قلعة الجبل لقلّة حركة السلطان مما به من الألم، وهو مع ذلك صائم لا يفطر إلا يوم يتناول فيه الدّواء.
ثم فى رابع عشر شهر رمضان المذكور خلع السلطان على الصاحب تاج الدين عبد الرّزاق بن الهيصم باستقراره ناظر ديوان المفرد بعد موت صلاح الدين خليل بن الكويز.
ثم فى هذا الشهر أيضا ابتدأ مرض القاضى ناصر الدين بن البارزى «٢» كاتب السّر الذي مات به، واستمرّ السلطان ضعيفا شهر رمضان كله، فلما كان يوم الأربعاء أوّل شوال صلى السلطان صلاة العيد بالقصر الكبير من قلعة الجبل عجزا عن المضى إلى الجامع.
ثم فى رابعه ركب السلطان المحفّة من قلعة الجبل ونزل إلى جهة «منظرة الخمس وجوه» التى استجدها بالقرب من التّاج وقد كملت، والعامة تسميها «التاج والسبع وجوه» وليس
стр. 4581
هو كذلك، وإنما هى ذات «خمس وجوه» ، وأما التاج فإنه خراب، وقد أنشأ به عظيم الدّولة الصاحب جمال الدين بن يوسف ناظر الجيش والخاص عمائر «١» هائلة وسبيلا ومكتبا وبستانا وغير ذلك- انتهى.
ولمّا توجّه السلطان إلى «الخمس وجوه» أقام به نهاره ثم عاد إلى القلعة، وأقام بها إلى يوم الأربعاء خامس عشر شوال فغضب على الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله ناظر الخواص وضربه بين يديه ضربا مبرّحا، ثم أمر به فنزل إلى داره على وظائفه من غير عزل، كل ذلك والسلطان مريض ملازم للفراش، غير أنه يتنقّل من مكان إلى مكان محمولا على الأكتاف.
فلما كان يوم الاثنين عشرين شوال أشيع بالقاهرة موت السلطان، فاضطرب الناس، ثم أفاق السلطان فسكنوا، فطلع أمير حاج المحمل الأمير تمرباى المشدّ وقبّل الأرض وخرج بالمحمل إلى بركة الحاج من يومه، وسافر الحاج وهو على تخوّف من النّهب بسبب الإشاعات بموت السلطان.
ثم فى يوم الاثنين المذكور طلب السلطان الخليفة والقضاة الأربعة والأمراء والأعيان وعهد إلى ولده الأمير أحمد «٢» بالسلطنة من بعده، وعمره سنة واحدة ونحو خمسة أشهر وخمسة أيام؛ فإن مولده فى جمادى الأولى من السنة الخالية، وجعل الأمير الكبير ألطنبغا القرمشى القائم بتدبير ملكه إلى أن يبلغ الحلم، وأن يقوم بتدبير الدّولة مدّة غيبة الأتابك ألطنبغا القرمشى إلى أن يحضر الأمراء الثلاثة وهم: قجقار القردمىّ أمير سلاح، وتنبك العلائى ميق المعزول عن نيابة الشام، والأمير ططر أمير مجلس، وحلّف السلطان الأمراء على العادة، وأخذ عليهم الأيمان والعهود بالقيام فى طاعة ولده وطاعة مدبّر مملكته، ثم حلّف المماليك من الغد، ثم أفاق السلطان وحضرت الأمراء الخدمة على العادة.
стр. 4582
وخلع فى يوم السبت خامس عشرينه على القاضى كمال الدين محمد بن البارزى «١» باستقراره كاتب السّر الشريف بالديار المصرية بعد وفاة والده القاضى ناصر الدين محمد ابن البارزى، ونزل إلى بيته فى موكب جليل، وبعد يومين خلع السلطان على القاضى بدر الدين محمد بن محمد بن أحمد الدّمشقى المعروف بابن مزهر ناظر الإسطبل باستقراره فى نيابة كتابة السر عوضا عن كمال الدين بن البارزى المذكور.
ثم فى تاسع عشرين شوّال المذكور نصل السلطان من مرضه، ونقص ما كان به من الألم، ودخل الحمّام، وتخلّق الناس بالزّعفران وتداولت التهانى بالقلعة وغيرها، ونودى بزينة القاهرة ومصر، وفرّق السلطان مالا كثيرا فى الفقراء والفقهاء والناس، وخلع على الأطبّاء وأصحاب الوظائف.
وكان السلطان لمّا مات القاضى ناصر الدين بن البارزى طلب الذي خلّفه من المال فلم يجد ولده شيئا، فظنّ السلطان أنه أخفى ذلك، فحلّفه ثم خلع عليه، ونزل على أن يقوم للسلطان من ماله بأربعين ألف دينار، فلما كان يوم [الخميس] «٢» سلخ شوال حضر إلى [القاضى «٣» ] كمال الدين المذكور شخص من الموقعين يعرف بشهاب الدين أبى درّابة وقال له: أنا أعرف لوالدك ذخيرة «٤» فى المكان الفلانى، فلما سمع القاضى كمال الدين كلامه أخذه فى الحال وطلع به إلى السلطان وعرّفه مقالة شهاب الدين المذكور، فأرسل السلطان فى الحال الطواشى مرجان الهندى الخازندار وصحبته جماعة، ومعهم شهاب الدين المذكور إلى بيت القاضى كمال الدين المذكور، فدخلوا إلى المكان وفتحوه فوجدوا فيه سبعين ألف دينار فأخذوها وطلعوا إلى السلطان، وقد سألت أنا القاضى كمال الدين المذكور عن هذه الذخيرة، وقلت له: كان لك بها علم؟ فقال: لا والله، ولا أعرف مكانها، فإنى لم أحضرها حين جعلها الوالد بهذا المكان، ولا عند
стр. 4583
أخذها أيضا، ولا عرّفنى بها قبل موته، غير أنه أوصى شهاب الدين المذكور وشخصا بحماة «١» أنه إذا مات يعرفانى بها، فلما عرّفنى شهاب الدين بها لم أجد بدّا من إعلام السلطان بها للأيمان التى كان حلّفنى أننى مهما وجدته من مال الوالد أعرّفه به.
قلت: لله درّه من كمال الدين، ما كان أعلى همته وأحشمه وأسمحه.
ثم فى يوم الاثنين رابع ذى القعدة ركب السلطان من قلعة الجبل وشقّ القاهرة من باب زويلة وخرج من باب القنطرة، وتوجه إلى «الخمس وجوه» وأقام بها إلى يوم الأربعاء سابع ذى القعدة، فركب منها وشقّ القاهرة من باب القنطرة إلى أن خرج من باب زويلة وطلع إلى القلعة بعد ما انقضى له ب «الخمس وجوه» أوقات طيبة، وعمل بها الخدمة، وتردّدت الناس إليه بها لقضاء حوائجهم وللفرجة أيضا.
ولما طلع السلطان إلى القلعة أقام بها يوم الأربعاء والخميس والجمعة، ثم نزل إليها ثانيا فى يوم السبت تاسع ذى القعدة بخواصّه وبات بها.
ثم ركب من الغد فى يوم الأحد، وتصيّد ببرّ الجيزة وأقام هناك، وأمر بأخذ خزانة الخاص من عند ناظر الخاص الصّاحب بدر الدين بن نصر الله، فنزل إليه زين الدين عبد الباسط بن خليل الدّمشقى ناظر الخزانة والطواشى مرجان الهندى الخازندار، وأخذا منه خزانة الخاص وهو ملازم للفراش من يوم ضرب، وسلّمت للطواشى مرجان المذكور، فتحدّث مرجان فى وظيفة نظر الخاص عن السلطان من غير أن يخلع عليه، وأنفق كسوة المماليك السلطانية نحو ثمانية آلاف دينار، وأقام السلطان بمنظرة «الخمس وجوه» إلى يوم الثلاثاء ثانى عشر ذى القعدة فعاد إلى القلعة فى محفّة، فأقام بالقلعة إلى يوم الجمعة خامس عشره وركب أيضا وتوجّه إلى منظرة «الخمس وجوه» فأقام بها إلى سابع عشر، وعاد إلى القلعة بعد أن ألزم أعيان الدّولة أن يعمّروا لهم بيوتا بالقرب من «الخمس وجوه» المذكورة لينزلوا فيها إذا توجّهوا فى
стр. 4584
ركاب السلطان، فشرع بعضهم فى رمى الأساس، واختط بعضهم أرضا، ثم ركب السلطان من القلعة بثياب جلوسه وشقّ القاهرة، وعبر من باب زويلة، وخرج من باب القنطرة، وتوجّه إلى منظرة «الخمس وجوه» وأقام بها بخواصّه إلى يوم الجمعة ثانى عشرين ذى القعدة فركب منها وعدى النيل إلى الجيزة، يريد سرحة البحيرة على العادة فى كل سنة، وقد تهيأ الناس لذلك وخرجوا على عادتهم.
وقبل أن يعدّى السلطان النيل نزل بدار على شاطىء نيل مصر، ودخل الحمام التى بجوار الجامع الجديد، واغتسل طهر الجمعة، ثم خرج إلى الجامع الجديد وصلى به الجمعة، ثم عدّى النيل وهو فى كل ذلك يحمل على الأكتاف، والذي يتولى حمله من خاصّكيته جماعه منهم: خجا سودون «١» السّيفى بلاط الأعرج، وتنبك من سيدى بك الناصرى البجمقدار المصارع، ثم جانى بك من سيدى بك المؤيّدى.
وأقام السلطان يومه بالجيزة ثم ركب المحفة وسار بأمرائه وعساكره إلى أن وصل إلى الطّرّانة اشتدّ به المرض فتجلّد اليوم الأوّل والثانى، فأفرط به الإسهال حتى أرجف بموته، وكادت تكون فتنة من كثرة كلام الناس واختلاف أقوالهم، إلى أن ركب السلطان من الطّرّانة فى النيل عجزا عن ركوب المحفّة، وعاد إلى جهة القاهرة حتى نزل برّ منبابة، فأقام بها حتى نحر قليلا من ضحاياه، ثم ركب النيل فى الحرّاقة وعدّى إلى بولاق فى آخر نهار العيد، ونزل فى بيت كاتب السرّ ابن البارزىّ على عادته، وبات فى تلك الليلة، وأصبح من الغد ركب فى المحفة وطلع إلى قلعة الجبل فى يوم الثلاثاء حادى عشر ذى الحجة، وهو شديد المرض من الإسهال والزحير «٢» والحصاة والحمّى والصداع والمفاصل، وهذه آخر ركبة ركبها الملك المؤيد، ثم لزم الفراش إلى أن مات حسبما نذكره.
стр. 4585
ولما كان ثامن عشر ذى الحجة قدم كتاب الملك العادل سليمان الأيّوبى صاحب حصن كيفا من ديار بكر على السلطان يتضمّن موت الأمير قرا يوسف «١» بن قرا محمد صاحب تبريز والعراق فى رابع عشر ذى القعدة مسموما فيما بين السّلطانيّة وتبريز، وهو متوجّه لقتال القان معين الدين شاه رخّ بن تيمورلنك، فلم يتمّ سرور السلطان بموته لشغله بنفسه.
ثم فى ثامن عشرين ذى الحجة وصل مبشّر الحاج فطلبه السلطان وسأله عن أمور الحجاز، كل ذلك والسلطان صحيح العقل بل ربما دبّر أمور مملكته فى بعض الأحيان.
ثم فى يوم السبت تاسع عشرينه أرجف فى باكر النهار بموت السلطان، وكان أغمى عليه، فلما أفاق قيل له إن بعض الناس يقول: سيّدى أحمد ولد السلطان صغير صغرا لا تصحّ سلطنته، وشاوروه فى إثبات عهده فرسم لهم بذلك، فأثبت عهده على قاضى القضاة زين الدين عبد الرحمن التّفهنى الحنفى بالسلطنة، ثم نفّذ العهد على بقيّة القضاة، فكثر عند ذلك اضطراب الناس بالقاهرة واختلفت الأقوال فى ضعف السلطان وأمره، وتوقّعوا فتنة، واشتد خوف خواصّ السلطان، ونقلوا ما فى دورهم من القماش المثمّن وغير ذلك.
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٢٤]
واستهلّ المحرّم من سنة أربع وعشرين وثمانمائة والسلطان ملازم للفراش، وقد أفرط به الإسهال الدّموىّ مع تنوّع الأسقام وتزايد الآلام، بحيث إنه لم يبق مرض من الأمراض حتى اعثراه فى هذه الضّعفة، غير أنه صحيح العقل والفهم طلق اللسان.
فلما كان يوم الخميس خامس المحرّم سنة أربع وعشرين المذكورة طلع الأمراء والأعيان إلى قلعة الجبل وجلسوا على باب السّتارة، فخرج إليهم بعض الخدّام واعتذر لهم عن دخولهم بشدة ضعف السلطان، فانصرفوا، وكانوا على هذا مدّة أيام، يطلعون فى كل يوم موكب، ويجلسون بباب الدور، ثم ينزلون من غير أن يجتمعوا بالسلطان.
هذا وقد افترقت الأمراء والعساكر فرقا: فرقة من أعيان المؤيديّة وكبيرهم الأمير
стр. 4586
ططر وقد خدعهم بتنميق كلامه وكثرة دهائه من أنه يقوم بنصرة ابن أستاذهم، ويكون مدبّر ملكه، وهو كواحد منهم والأمر كله إليهم، وهو معهم كيف ما شاءوا، ثم خوّفهم من وثوب قجقار القردمى وركوبه لما فى نفسه من الملك، فمالوا إليه وانخذعوا له، وصاروا من حزبه لا يخفون عنه أمرا من الأمور، هذا مع ما استمال ططر أيضا جماعة كبيرة من خشداشيّته الظاهريّة فى الباطن.
وفرقة من أعيان الأمراء والمماليك السلطانية من جنس التّتر والسّيفيّة وكبيرهم قجقار القردمى، وهو ظنين «١» بنفسه مع ما اشتمل عليه من سلامة الباطن- كما هى عادة جنس التّتر- والجهل المفرط، مع انهما كه فى اللذات ليلا ونهارا.
وفرقة صارت بمعزل عن الفريقين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وهم الظاهرية مماليك برقوق وكبيرهم الأمير تنبك ميق، على أن ميلهم فى الباطن مع خشداشهم ططر، غير أنهم يخافون عواقب الأمور- لعدم أهلية ططر لذلك- لكونه خلقه مثل الأتابك ألطنبغا القرمشى مع من معه من الأمراء وعظمته فى النفوس، ومثل جقمق الأرغون شاوىّ الدوادار نائب الشام، ومثل يشبك اليوسفى المؤيدى نائب حلب، وأيضا مثل قجقار القردمى أمير سلاح، هذا مع كثرة المماليك المؤيدية وشدّة بأسهم حتى لو أن ططر كفى همّ الجميع من الأمراء لا يستطيع الوثوب على الأمراء من هؤلاء المؤيدية، فلذلك كفّ عن موافقته كثير من خشداشيّته فى مبادئ الأمر، فلم يلتفت ططر إلى كلام متكلم، وأخذ فيما هو فيه من إبرام أمره، ولسان حاله يقول:
«إما إكديش أو نشّابة للريش» فإنه كان فى بحبوحة «٢» من الفقر والإفلاس والخوف من الملك المؤيد، فلما وجد المقال قال، وانتهز الفرصة إمّا بها أو عليها، ولما عظم اضطراب الناس بالقاهرة أجمع الأمراء على تولية التّاج بن سيفة الشّوبكى أستادار الصحبة ولاية القاهرة على عادته أولا، فخلع عليه بحضرة الأمراء فى بعض دور القلعة باستقراره فى ولاية القاهرة بعد عزل ابن فرّى، فنزل التاج إلى القاهرة بخلعته، وشق الشوارع وأبرق
стр. 4587
وأرعد، وأكثر من الوعيد لأرباب الفساد، فلم يلتفت أحد إلى كلامه، ومضى إلى بيته.
هذا وقد اشتدّ الأمر بالسلطان الملك المؤيّد من الآلام والأرجاف تتواتر بموته، والناس فى هرج إلى أن توفّى «١» قبيل الظّهر من يوم الاثنين تاسع المحرّم من سنة أربع المقدم ذكرها، فارتجّ الناس لموته ساعة ثم سكنوا، وطلع الأمراء القلعة وطلبوا الخليفة المعتضد بالله داود والقضاة والأعيان لإقامة الأمير أحمد بن السلطان فى السلطنة، فخلع عليه وتسلطن، وتمّ أمره حسبما سنذكره فى محلّه من هذا الكتاب فى حينه إن شاء الله تعالى.
ثم أخذوا فى تجهيز السّلطان الملك المؤيّد وتغسيله [وتكفينه] «٢» .
قال الشيخ تقىّ الدين المقريزى: وأخذ فى جهاز المؤيّد «٣» وصلّى عليه خارج باب القلعة، وحمل إلى الجامع المؤيّدى فدفن بالقبة قبيل العصر، ولم يشهد دفنه كثير أحد من الأمراء والمماليك لتأخّرهم بالقلعة، واتفق فى أمر المؤيّد موعظة فيها أعظم عبرة؛ وهو أنه لما غسّل لم توجد له منشفة ينشّف فيها، فنشّف بمنديل بعض من حضر غسله، ولا وجد له مئزر تستر به عورته حتى أخذ له مئزر صوف صعيدىّ من فوق رأس بعض جوار به فستر به، ولا وجد له طاسة يصبّ بها عليه الماء وهو يغسّل مع كثرة ما خلّفه من الأموال، ومات وقد أناف على الخمسين.
وكانت مدّة ملكه ثمانى سنين وخمسة أشهر وثمانية أيام، وكان شجاعا مقداما يحبّ أهل العلم ويجالسهم، ويجلّ الشّرع النبوىّ ويذعن له، ولا ينكر على طلب من إذا تحاكم إليه أن يمضى من بين يديه إلى قضاة الشّرع، بل يعجبه ذلك، وينكر على أمرائه معارضة القضاة فى أحكامهم، وكان غير مائل إلى شىء من البدع، وله قيام
стр. 4588
فى الليل إلى التهجد أحيانا، إلا أنه كان بخيلا مسّيكا يشحّ حتى بالأكل، لحوحا غضوبا نكدا حسودا معيانا، يتظاهر بأنواع المنكرات، فحّاشا سبّابا، شديد المهابة، حافظا لأصحابه غير مفرّط فيهم ولا مطيع لهم.
وهو أكبر أسباب خراب مصر والشّام؛ لكثرة ما كان يثيره من الشّرور والفتن أيّام نيابته بطرابلس ودمشق، ثم ما أفسده فى أيّام ملكه من كثرة المظالم ونهب البلاد وتسليط أتباعه على الناس يسومونهم الذّلّة، ويأخذون ما قدروا عليه بغير وازع من عقل ولا ناه من دين- انتهى كلام المقريزى برمته بعد تخبيط كثير.
قلت: وكان يمكننى الرّدّ عليه فى جميع ما قاله بحق غير أننى لست مندوبا إلى ذلك، فلهذا أضربت عن تسويد الورق وتضييع الزمان، والذي أعرفه أنا من حاله أنه كان سلطانا جليلا مهابا شجاعا مقداما عاقلا نقّادا. حدثنى الأمير أرنبغا اليونسىّ «١» الناصرى- ﵀ قال: كان المؤيد ينظر إلى الرّجل وينقده بعينيه فيعرف من حاله ما يكتفى به عن السؤال عنه، ثم يعطيه من الرّزق والإقطاعات ما يليق بشأنه كما يصف الطبيب الحاذق إلى المريض من الدواء، فإن كان الرجل أعجبه رقّاه فى أقلّ مدّة إلى أعلى المراتب، وإن كان غير ذلك شحّ عليه حتى بالإقطاع الذي يعمل عشرة آلاف درهم فى السنة- انتهى كلام أرنبغا.
قلت: هذا هو المطلوب من الملوك وإلّا يضيع الصّالح بالطّالح.
وكان المؤيّد عالى الهمة، كثير الحركات والأسفار، جيّد التدبير، حسن السياسة، يباشر الأحكام بنفسه، مع معرفة تامة وحذق وفطنة وجودة حدس فى أموره، عظيم السّطوة على مماليكه وأمرائه، هيّنا مع جلسائه وندمائه، طروبا يميل إلى سماع الشعر والأصوات الطيّبة، على أنه كان يحسن أيضا أداء الموسيقى ويقوله فى مجالس أنسه، وكان يميل إلى الدّقّة الأدبيّة ويفهمها بسرعة. قيل: أنه نظر مرّة إلى اسمه وهو
стр. 4589
مكتوب على بعض الحيطان، وقد كتب الدّهّان الشّين من اسم شيخ بجرّة واحدة، فلما نظره المؤيّد قال: مسكين شيخ بلا سنينات، وله أشياء كثيرة من ذلك.
وكان يشارك الفقهاء فى أبحاثهم ويتصوّر أقوالهم ويطرح عليهم المسائل المشكلة، هذا مع ميله لأرباب الكمالات من كل علم وفنّ، وتعجبه المداعبة اللطيفة.
حدثنى القاضى كمال الدين بن البارزىّ كاتب السرّ الشريف بالديار المصرية- ﵀ قال: كان المؤيّد جالسا بالبارزيّة «١» على المقعد المطلّ على النيل، ومحمود بن الأمير قلمطاى الدّوادار واقفا بجانبه، ووالدى من جهة أخرى وهو يقرأ القصص على السّلطان، وكان فى جملة القصص قصة الشيخ عاشق محمود العجمى أحد ندماء السلطان، فلما قرأ الوالد قصة عاشق محمود قال: المملوك، وأشار بيده إلى نفسه، ثم قال: عاشق محمود، وأشار بإصبعه إلى محمود بن قلمطاى- وكان من أجمل الناس صورة- فلم يفطن لذلك أحد غير السلطان، فضحك وقال: تموت بهذه الحسرة.
وحدّثنى بعض أعيان المؤيدية قال: كان الأمير طوغان الأمير آخور أرسل إلى جانى بك الساقى أحد خواصّ الملك المؤيد ألف دينار ليزوره، فعرّف جانى بك المذكور السلطان بذلك، فاشتدّ غضب السلطان وأرسل فى الحال خلف طوغان المذكور، فلما تمثّل بين يديه سأله السلطان عن ذلك، فقال طوغان: نعم أرسلت إليه ألف دينار، وو الله العظيم لو لم يكن مملوكك لكنت ترسل أنت إليه عشرة آلاف دينار، فتلومنى أن أرسلت إليه ألف دينار؟! - يقول ذلك وهو فى غاية الحنق- فزال غضب الملك المؤيّد وضحك حتى استلقى على قفاه، كل ذلك وهو محتفظ على ناموس الملك والسّير على ترتيب من تقدّمه من الملوك فى سائر أموره وحركاته.
وقد تسلطن وأحوال المملكة غير مستقيمة مما جدّده الملك الناصر فرج من الوظائف والاستكثار من الخاصّكيّة، حتى إن خاصّكيّته زادت عدّتهم على ألف نفر.
стр. 4590
فلا زال المؤيّد بهم حتى جعلهم ثمانين خاصّكيّا كما كانت أيام «١» أستاذه الملك الظاهر برقوق، وكانت الدّوادارية نحو ثمانين دوادارا، فلا زال حتى جعلهم ستّة، وكذلك الخازندارية والبجمقدارية والحجّاب، وكان يتأمّر الشخص فى أيامه ويقيم سنين ولم يسمح له بلبس تخفيفة «٢» على رأسه، كل ذلك مراعاة لأفعال السّلف، وكان عارفا بأنواع الملاعيب، رأسا فى لعب الرّمح وسوق البرجاس «٣» ، قويا فى ضرب السّيف والرّمى بالنّشّاب، ماهرا فى فنون كثيرة جدّ وهزل، لا يعجبة إلا الكامل فى فنه.
دخلت إليه مرّة وأنا فى الخامسة فعلّمنى- قبل دخولى إليه- بعض من كان معى أن أطلب منه خبزا، فلما جلست عنده وكلّمنى سألته فى ذلك، فغمز من كان واقفا بين يديه وأنا لا أدرى، فأتاه برغيف كبير من الخبز السلطانى، فأخذه بيده وناولنيه وقال: خذ هذا خبز كبير مليح، فأخذته من يده وألقيته إلى الأرض، وقلت: أعط هذا للفقراء، أنا ما أريد إلا خبزا بفلّاحين يأتوننى بالغنم والأوز والدّجاج، فضحك حتى كاد أن يغشى عليه، وأعجبه منى ذلك إلى الغابة، وأمر لى بثلاثمائة دينار، ووعدنى بما طلبته وزيادة- انتهى.
وكان يحسن تربية مماليكه إلى الغاية، ولا يرقّيهم إلا بعد مدّة طويلة، ولذلك لم يخمل منهم أحد بعد موته- فيما أعلم.
وكان يميل إلى جنس التّرك ويقدّمهم، حتى إن غالب أمرائه كانوا أتراكا، وكان يكثر من استخدام السّيفيّة ويقول: هؤلاء قاسوا خطوب الدّهر، وتأدبوا؛ وما رسوا الأمور والوقائع، وكان عارفا بتعبئة العساكر فى القتال ثبّاتا فى الحروب،
следующие страницы →