← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

ططر وقد خدعهم بتنميق كلامه وكثرة دهائه من أنه يقوم بنصرة ابن أستاذهم، ويكون مدبّر ملكه، وهو كواحد منهم والأمر كله إليهم، وهو معهم كيف ما شاءوا، ثم خوّفهم من وثوب قجقار القردمى وركوبه لما فى نفسه من الملك، فمالوا إليه وانخذعوا له، وصاروا من حزبه لا يخفون عنه أمرا من الأمور، هذا مع ما استمال ططر أيضا جماعة كبيرة من خشداشيّته الظاهريّة فى الباطن. وفرقة من أعيان الأمراء والمماليك السلطانية من جنس التّتر والسّيفيّة وكبيرهم قجقار القردمى، وهو ظنين «١» بنفسه مع ما اشتمل عليه من سلامة الباطن- كما هى عادة جنس التّتر- والجهل المفرط، مع انهما كه فى اللذات ليلا ونهارا. وفرقة صارت بمعزل عن الفريقين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وهم الظاهرية مماليك برقوق وكبيرهم الأمير تنبك ميق، على أن ميلهم فى الباطن مع خشداشهم ططر، غير أنهم يخافون عواقب الأمور- لعدم أهلية ططر لذلك- لكونه خلقه مثل الأتابك ألطنبغا القرمشى مع من معه من الأمراء وعظمته فى النفوس، ومثل جقمق الأرغون شاوىّ الدوادار نائب الشام، ومثل يشبك اليوسفى المؤيدى نائب حلب، وأيضا مثل قجقار القردمى أمير سلاح، هذا مع كثرة المماليك المؤيدية وشدّة بأسهم حتى لو أن ططر كفى همّ الجميع من الأمراء لا يستطيع الوثوب على الأمراء من هؤلاء المؤيدية، فلذلك كفّ عن موافقته كثير من خشداشيّته فى مبادئ الأمر، فلم يلتفت ططر إلى كلام متكلم، وأخذ فيما هو فيه من إبرام أمره، ولسان حاله يقول: «إما إكديش أو نشّابة للريش» فإنه كان فى بحبوحة «٢» من الفقر والإفلاس والخوف من الملك المؤيد، فلما وجد المقال قال، وانتهز الفرصة إمّا بها أو عليها، ولما عظم اضطراب الناس بالقاهرة أجمع الأمراء على تولية التّاج بن سيفة الشّوبكى أستادار الصحبة ولاية القاهرة على عادته أولا، فخلع عليه بحضرة الأمراء فى بعض دور القلعة باستقراره فى ولاية القاهرة بعد عزل ابن فرّى، فنزل التاج إلى القاهرة بخلعته، وشق الشوارع وأبرق

стр. 4587

وأرعد، وأكثر من الوعيد لأرباب الفساد، فلم يلتفت أحد إلى كلامه، ومضى إلى بيته. هذا وقد اشتدّ الأمر بالسلطان الملك المؤيّد من الآلام والأرجاف تتواتر بموته، والناس فى هرج إلى أن توفّى «١» قبيل الظّهر من يوم الاثنين تاسع المحرّم من سنة أربع المقدم ذكرها، فارتجّ الناس لموته ساعة ثم سكنوا، وطلع الأمراء القلعة وطلبوا الخليفة المعتضد بالله داود والقضاة والأعيان لإقامة الأمير أحمد بن السلطان فى السلطنة، فخلع عليه وتسلطن، وتمّ أمره حسبما سنذكره فى محلّه من هذا الكتاب فى حينه إن شاء الله تعالى. ثم أخذوا فى تجهيز السّلطان الملك المؤيّد وتغسيله [وتكفينه] «٢» . قال الشيخ تقىّ الدين المقريزى: وأخذ فى جهاز المؤيّد «٣» وصلّى عليه خارج باب القلعة، وحمل إلى الجامع المؤيّدى فدفن بالقبة قبيل العصر، ولم يشهد دفنه كثير أحد من الأمراء والمماليك لتأخّرهم بالقلعة، واتفق فى أمر المؤيّد موعظة فيها أعظم عبرة؛ وهو أنه لما غسّل لم توجد له منشفة ينشّف فيها، فنشّف بمنديل بعض من حضر غسله، ولا وجد له مئزر تستر به عورته حتى أخذ له مئزر صوف صعيدىّ من فوق رأس بعض جوار به فستر به، ولا وجد له طاسة يصبّ بها عليه الماء وهو يغسّل مع كثرة ما خلّفه من الأموال، ومات وقد أناف على الخمسين. وكانت مدّة ملكه ثمانى سنين وخمسة أشهر وثمانية أيام، وكان شجاعا مقداما يحبّ أهل العلم ويجالسهم، ويجلّ الشّرع النبوىّ ويذعن له، ولا ينكر على طلب من إذا تحاكم إليه أن يمضى من بين يديه إلى قضاة الشّرع، بل يعجبه ذلك، وينكر على أمرائه معارضة القضاة فى أحكامهم، وكان غير مائل إلى شىء من البدع، وله قيام

стр. 4588

فى الليل إلى التهجد أحيانا، إلا أنه كان بخيلا مسّيكا يشحّ حتى بالأكل، لحوحا غضوبا نكدا حسودا معيانا، يتظاهر بأنواع المنكرات، فحّاشا سبّابا، شديد المهابة، حافظا لأصحابه غير مفرّط فيهم ولا مطيع لهم. وهو أكبر أسباب خراب مصر والشّام؛ لكثرة ما كان يثيره من الشّرور والفتن أيّام نيابته بطرابلس ودمشق، ثم ما أفسده فى أيّام ملكه من كثرة المظالم ونهب البلاد وتسليط أتباعه على الناس يسومونهم الذّلّة، ويأخذون ما قدروا عليه بغير وازع من عقل ولا ناه من دين- انتهى كلام المقريزى برمته بعد تخبيط كثير. قلت: وكان يمكننى الرّدّ عليه فى جميع ما قاله بحق غير أننى لست مندوبا إلى ذلك، فلهذا أضربت عن تسويد الورق وتضييع الزمان، والذي أعرفه أنا من حاله أنه كان سلطانا جليلا مهابا شجاعا مقداما عاقلا نقّادا. حدثنى الأمير أرنبغا اليونسىّ «١» الناصرى- ﵀ قال: كان المؤيد ينظر إلى الرّجل وينقده بعينيه فيعرف من حاله ما يكتفى به عن السؤال عنه، ثم يعطيه من الرّزق والإقطاعات ما يليق بشأنه كما يصف الطبيب الحاذق إلى المريض من الدواء، فإن كان الرجل أعجبه رقّاه فى أقلّ مدّة إلى أعلى المراتب، وإن كان غير ذلك شحّ عليه حتى بالإقطاع الذي يعمل عشرة آلاف درهم فى السنة- انتهى كلام أرنبغا. قلت: هذا هو المطلوب من الملوك وإلّا يضيع الصّالح بالطّالح. وكان المؤيّد عالى الهمة، كثير الحركات والأسفار، جيّد التدبير، حسن السياسة، يباشر الأحكام بنفسه، مع معرفة تامة وحذق وفطنة وجودة حدس فى أموره، عظيم السّطوة على مماليكه وأمرائه، هيّنا مع جلسائه وندمائه، طروبا يميل إلى سماع الشعر والأصوات الطيّبة، على أنه كان يحسن أيضا أداء الموسيقى ويقوله فى مجالس أنسه، وكان يميل إلى الدّقّة الأدبيّة ويفهمها بسرعة. قيل: أنه نظر مرّة إلى اسمه وهو

стр. 4589

مكتوب على بعض الحيطان، وقد كتب الدّهّان الشّين من اسم شيخ بجرّة واحدة، فلما نظره المؤيّد قال: مسكين شيخ بلا سنينات، وله أشياء كثيرة من ذلك. وكان يشارك الفقهاء فى أبحاثهم ويتصوّر أقوالهم ويطرح عليهم المسائل المشكلة، هذا مع ميله لأرباب الكمالات من كل علم وفنّ، وتعجبه المداعبة اللطيفة. حدثنى القاضى كمال الدين بن البارزىّ كاتب السرّ الشريف بالديار المصرية- ﵀ قال: كان المؤيّد جالسا بالبارزيّة «١» على المقعد المطلّ على النيل، ومحمود بن الأمير قلمطاى الدّوادار واقفا بجانبه، ووالدى من جهة أخرى وهو يقرأ القصص على السّلطان، وكان فى جملة القصص قصة الشيخ عاشق محمود العجمى أحد ندماء السلطان، فلما قرأ الوالد قصة عاشق محمود قال: المملوك، وأشار بيده إلى نفسه، ثم قال: عاشق محمود، وأشار بإصبعه إلى محمود بن قلمطاى- وكان من أجمل الناس صورة- فلم يفطن لذلك أحد غير السلطان، فضحك وقال: تموت بهذه الحسرة. وحدّثنى بعض أعيان المؤيدية قال: كان الأمير طوغان الأمير آخور أرسل إلى جانى بك الساقى أحد خواصّ الملك المؤيد ألف دينار ليزوره، فعرّف جانى بك المذكور السلطان بذلك، فاشتدّ غضب السلطان وأرسل فى الحال خلف طوغان المذكور، فلما تمثّل بين يديه سأله السلطان عن ذلك، فقال طوغان: نعم أرسلت إليه ألف دينار، وو الله العظيم لو لم يكن مملوكك لكنت ترسل أنت إليه عشرة آلاف دينار، فتلومنى أن أرسلت إليه ألف دينار؟! - يقول ذلك وهو فى غاية الحنق- فزال غضب الملك المؤيّد وضحك حتى استلقى على قفاه، كل ذلك وهو محتفظ على ناموس الملك والسّير على ترتيب من تقدّمه من الملوك فى سائر أموره وحركاته. وقد تسلطن وأحوال المملكة غير مستقيمة مما جدّده الملك الناصر فرج من الوظائف والاستكثار من الخاصّكيّة، حتى إن خاصّكيّته زادت عدّتهم على ألف نفر.

стр. 4590

فلا زال المؤيّد بهم حتى جعلهم ثمانين خاصّكيّا كما كانت أيام «١» أستاذه الملك الظاهر برقوق، وكانت الدّوادارية نحو ثمانين دوادارا، فلا زال حتى جعلهم ستّة، وكذلك الخازندارية والبجمقدارية والحجّاب، وكان يتأمّر الشخص فى أيامه ويقيم سنين ولم يسمح له بلبس تخفيفة «٢» على رأسه، كل ذلك مراعاة لأفعال السّلف، وكان عارفا بأنواع الملاعيب، رأسا فى لعب الرّمح وسوق البرجاس «٣» ، قويا فى ضرب السّيف والرّمى بالنّشّاب، ماهرا فى فنون كثيرة جدّ وهزل، لا يعجبة إلا الكامل فى فنه. دخلت إليه مرّة وأنا فى الخامسة فعلّمنى- قبل دخولى إليه- بعض من كان معى أن أطلب منه خبزا، فلما جلست عنده وكلّمنى سألته فى ذلك، فغمز من كان واقفا بين يديه وأنا لا أدرى، فأتاه برغيف كبير من الخبز السلطانى، فأخذه بيده وناولنيه وقال: خذ هذا خبز كبير مليح، فأخذته من يده وألقيته إلى الأرض، وقلت: أعط هذا للفقراء، أنا ما أريد إلا خبزا بفلّاحين يأتوننى بالغنم والأوز والدّجاج، فضحك حتى كاد أن يغشى عليه، وأعجبه منى ذلك إلى الغابة، وأمر لى بثلاثمائة دينار، ووعدنى بما طلبته وزيادة- انتهى. وكان يحسن تربية مماليكه إلى الغاية، ولا يرقّيهم إلا بعد مدّة طويلة، ولذلك لم يخمل منهم أحد بعد موته- فيما أعلم. وكان يميل إلى جنس التّرك ويقدّمهم، حتى إن غالب أمرائه كانوا أتراكا، وكان يكثر من استخدام السّيفيّة ويقول: هؤلاء قاسوا خطوب الدّهر، وتأدبوا؛ وما رسوا الأمور والوقائع، وكان عارفا بتعبئة العساكر فى القتال ثبّاتا فى الحروب،

стр. 4591

محجاجا فى الأجوبة، قيل له: إن الناس تقول عنك إنك قتلت من أعيان الملوك نحو ثمانين نفسا، فقال: ما قتلت واحدا منهم إلا وقد استحقّ القتل قبل ذلك، والسلطان له أن يقتل من اختار قتله، وشنّع عنه هذه المقالة من لا يعرف معناها من الأتراك الذين يقصر فهمهم عن إدراك المعانى. وأما فعله من وجوه البرّ فكثير، وله مآثر مشهورة به، وعمائر كثيرة، أعظمها: الجامع المؤيّدى الذي لم يبن فى الإسلام أكثر زخرفة منه بعد الجامع الأموى بدمشق، ثم تجديده لجامع المقياس، ثم لمدرسة الخرّوبية بالجيزة، وأشياء غير ذلك كثيرة. وأما ما خلّفه من الأموال والخيول والجمال والسلاح فكثير جدا لم أقف على تحرير قدره. وخلّف من الأولاد ستة- فيما أعلم- ذكرين أحدهما الملك المظفر أحمد، وأربع بنات، الجميع دون البلوغ- انتهى والله سبحانه أعلم.

стр. 4592

[ما وقع من الحوادث سنة ٨١٥] السنة الأولى من سلطنة الملك المؤيد شيخ على مصر وهى سنة خمس عشرة وثمانمائة، على أن السلطان الملك الناصر فرجا حكم منها إلى يوم السبت خامس عشرين المحرّم «١» ، ثم حكم من يومئذ الخليفة المستعين العباس «٢» إلى أن خلع من السّلطنة بالملك المؤيّد هذا فى يوم الاثنين مستهلّ شعبان، فحكم المؤيّد من مستهلّ شعبان إلى آخرها، فهى على هذا التقدير أوّل سنة حكمها من سلطنته. فيها: أعنى سنة خمس عشرة وثمانمائة توفّى قاضى قضاة دمشق شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن إسماعيل بن خليفة الدمشقى الشافعى، المعروف بابن الحسبانى «٣» ، فى يوم الأربعاء عاشر شهر ربيع الأوّل «٤» بها، عن خمس وسبعين سنة وأشهر، وكان معدودا من فقهاء الشّافعيّة، أفتى ودرّس سنين وتولى قضاء دمشق وقدم القاهرة غير مرّة. وتوفّى قاضى القضاة محبّ الدين محمد بن محمد بن محمد الحلبى الحنفى، المعروف بابن الشّحنة «٥» ، فى يوم الجمعة ثانى عشر شهر ربيع الآخر بحلب عن ست وستين سنة، وكان إماما عالما بارعا، أفتى ودرّس بحلب ودمشق والقاهرة، وولى القضاء بحلب ثم بدمشق، ثم ولّاه الملك الناصر [فرج «٦» ] قضاء الديار المصرية لمّا حوصر بدمشق، فى يوم الخميس

стр. 4593

ثالث عشرين المحرّم من هذه السّنة، عوضا عن ناصر الدّين بن العديم، بحكم توجّهه إلى شيخ ونوروز، فلم تطل مدّته، وعزل من قبل المستعين، وأعيد ابن العديم. وتوفّى الوالد «١» - وهو على نيابة دمشق بها- فى يوم الخميس سادس عشر المحرم، ونذكر التعريف به: فهو تغرى بردئ بن عبد الله من خواجا بشبغا، كان رومىّ الجنس، اشتراه الملك الظّاهر برقوق فى أوائل سلطنته، وأعتقه، وجعله فى يوم عتقه خاصّكيّا، ثم جعله ساقيا، وأنعم عليه بحصّة من شيبين القصر «٢» ، ثم جعله رأس نوبة الجمداريّة إلى أن نكب الملك الظاهر [برقوق] «٣» وخلع وحبس بسجن الكرك «٤» ، فحبس الوالد بدمشق؛ فإنه كان قد توجّه مع من توجّه من عسكر السلطان لقتال الناصرىّ «٥» ومنطاش «٦» ، فقبض عليه هناك، وسجن، ودام فى سجن دمشق إلى أن أخرجه الأمير بزلار العمرى نائب دمشق، وجعله بخدمته هو ودمرداش المحمدى ودقماق المحمدى. واستمر الوالد بدمشق إلى أن خرج الملك الظّاهر برقوق من سجن الكرك، فبادر الوالد بالتّوجّه إليه قبل أن يستفحل أمره، وحضر معه الوقعة المشهورة التى كانت بينه وبين منطاش، وحمل الوالد فى الوقعة المذكورة على شخص من أمراء منطاش يسمّى آقبغا اليلبغاوىّ، فقنطره عن فرسه، فسأل برقوق عنه، فقيل له تغرى بردى، فتفاءل برقوق باسمه، لأنّ معناه: الله أعطى، وأنعم عليه بإقطاع امرة طبلخاناه. دفعة واحدة، مع أنه كان أنعم عليه قبل خروجه للسفر بإمرة عشرة، غير أنه لم يباشر ذلك.

стр. 4594

ثم أرسله الملك الظاهر [برقوق] «١» إلى مصر يبشّر من بها بسلطنته ونصرته على منطاش، ودخل الظّاهر فى أثره إلى مصر، وبعد قليل أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالدّيار المصرية، ثم جعله رأس نوبة النّوب، ثم ولّاه نيابة حلب بعد جلبّان قراسقل «٢» ، ثم عزله، وأنعم عليه بتقدمة ألف بمصر على خبز شيخ الصّفوىّ الخاصّكىّ أمير مجلس، وقبل أن يخلع عليه بإمرة مجلس نقله إلى إمرة سلاح عوضا عن بكلمش العلائى بحكم مسكه، واستمر على ذلك إلى أن كانت وقعة الأتابك أيتمش «٣» مع الملك الناصر [فرج] «٤» فى سنة اثنتين وثمانمائة. وكان الوالد قد انضم على أيتمش هو وجماعة من الأمراء- حسبما ذكرناه فى ترجمة الملك الناصر فرج- وانهزم الجميع بعد الوقعة، وخرجوا من مصر إلى الأمير تنم «٥» نائب الشّام، وعادوا صحبته، فانكسر تنم أيضا، وقبض على الجميع، وقتلوا بقلعة دمشق إلّا الوالد لشفاعة أم الملك الناصر «٦» فيه وآقبغا الأطروش «٧» ، وقتل من عداهما، ودام الوالد بسجن قلعة دمشق إلى أن أطلق، وتوجّه إلى القدس بطّالا بسفارة أم الملك النّاصر أيضا، فدام بالقدس إلى أن طلبه الملك الناصر بغزّة وخلع عليه بنيابة دمشق،

стр. 4595

عوضا عن سودون «١» قريب الملك الظّاهر برقوق، بحكم أسره مع تيمور. فحكم الوالد دمشق مدّة، ثم انهزم مع الملك الناصر [فرج] «٢» إلى الديار المصرية، واستولى تيمور على دمشق، وأنعم [الملك الناصر فرج] «٣» على الوالد بتقدمة ألف بالقاهرة، فدام مدّة يسيرة، وخلع عليه [أيضا] «٤» بإعادته لنيابة دمشق، بعد خروج تيمور منها، كل ذلك فى سنة ثلاث وثمانمائة، فتوجّه [الوالد] «٥» إليها، وأقام بها إلى أن بلغه [خبر] «٦» القبض عليه، ففرّ منها وتوجّه إلى دمرداش نائب حلب، وعصيا معا، ووقع لهما أمور وحروب إلى أن انهزما. وتوجّه الوالد إلى بلاد التّركمان، فأقام بها مدّة إلى أن طلب إلى الدّيار المصريّة، وأنعم عليه بتقدمة ألف، وأجلس رأس الميسرة أتابكا، واستمرّ على ذلك إلى أن اختفى الملك الناصر [فرج] «٧» وخلع بأخيه المنصور عبد العزيز «٨» ، فخرج الوالد من الديار المصريّة على البريّة بجماعة من مماليكه إلى أن توجّه إلى القدس، فدام فى برّية القدس إلى أن عاد الملك الناصر [فرج] «٩» إلى السّلطنة ودخل على الأخت، وكان الناصر عقد عقده عليها قبل خلعه بحضرة الوالد، فلما تسلطن ثانيا دخل بها فى غيبة الوالد. ثم أرسل [الناصر فرج] «١٠» بطلب الوالد، فخضر الوالد على حاله أوّلا إلى أن خلع عليه الملك الناصر باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن يشبك الشّعبانى فى سنة عشر

стр. 4596

وثمانمائة، فدام على ذلك إلى أن نقل إلى نيابة دمشق فى أواخر سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، على كره منه بعد واقعة الكرك. وقد ذكرنا سبب ولايته فى ترجمة الملك الناصر، لما كان على حصار الكرك، فدام على نيابة دمشق إلى أن مات فى ولايته هذه، وهى الثالثة لنيابة دمشق، ودفن بتربة الأمير تنم «١» معه فى فسقية واحدة، ولا أعلم من أخباره شيئا لصغر سنّى فى حياته؛ فإن كان مشكور السّيرة فالله تعالى ينفعه بفعله، وإن كان غير ذلك فالله [تعالى] «٢» يرحمه بفضله. وخلّف الوالد عشرة أولاد، ستة ذكور وأربع إناث، أسنّ الجميع خوند «٣» فاطمة توفّيت سنة ستّ وأربعين، ثم الزّينى قاسم فى قيد الحياة، ومولده قبل القرن، ثم الشّرفىّ حمزة توفّى سنة تسع وأربعين بالطاعون، ثم بيرم ماتت فى سنة ستّ وعشرين، ثم هاجر توفّيت سنة خمس وأربعين، ثم إبراهيم توفّى سنة ست وعشرين، ثم محمد [مات] «٤» سنة تسع عشرة وثمانمائة، ثم إسماعيل مات سنة ثلاث وثلاثين بالطاعون، ثم شقراء فى قيد الحياة، ثم كاتبه «٥» عفا الله [تعالى] «٦» عنه، وأنا أصغر الجميع ومولدى بعد سنة إحدى عشرة وثمانمائة تخمينا. وخلف الوالد من الأموال والسلاح والخيول والجمال شيئا كثيرا إلى الغاية، استولى على ذلك كلّه الملك النّاصر فرج لما عاد إلى دمشق منهزما من الأمير شيخ ونوروز، ثم قتل الملك النّاصر بعد أيّام، وتركنا فقراء من فقراء المسلمين، فلم يضيّعنا الله ، وأنشأنا على أجمل وجه من غير مال ولا عقار، ولله الحمد.

стр. 4597

وتوفّى الأمير سيف الدين بكتمر بن عبد الله الظّاهرىّ المعروف بجلّق بالقاهرة فى ثامن جمادى الآخرة من مرض تمادى به نحو الشهرين، وأصل ضعفه أن عقربا لسعته بطريق دمشق فى عوده إلى القاهرة صحبة الخليفة المستعين بالله، وبموته خلا الجو للملك المؤيد [شيخ] «١» حتى تسلطن، فإنه كان أمرّ عليه من نوروز الحافظىّ، وكان بكتمر أميرا جليلا شجاعا مهابا كريما متجمّلا فى مماليكه ومركبه ومأكله، وقد ولى نيابة صفد ثم نيابة طرابلس ثم نيابة دمشق غير مرّة، ووقع له حروب مع الملك المؤيّد شيخ أيّام إمرته حسبما ذكرنا ذلك كله مفصلا فى ترجمة الملك الناصر فرج- ﵀. وقتل فى هذه السّنة جماعة كبيرة فى واقعة الملك الناصر مع الأمراء فى اللّجّون «٢» وغيره، وممن قتل فى هذه الوقعة الأمير سيف الدين مقبل بن عبد الله الرّومى الظاهرىّ أحد مقدمى الألوف بالدّيار المصرية، وهو الذي كان زوّجه السلطان الملك الناصر بأخته خوند سارة زوجة «٣» الأمير نوروز الحافظىّ، والأمير سيف الدين ألطنبغا بن عبد الله المعروف بشقل «٤» ، والأمير سيف الدين بلاط بن عبد الله الناصرى الأعرج شاد الشراب خاناه، وكان ممّن قبض عليه فى وقعة اللّجّون ووسّطه الأمير شيخ المحمودى بعد أيام، وكان بلاط المذكور من مساوئ الدّهر، فاسقا متهتّكا زنديقا يرمى بعظائم فى دينه، قيل إنّه كان يقول للملك الناصر فرج: أنت أستاذى وأبى وربّى ونبيّى، أنا لا أعرف أحدا غيرك، وكان يسخر ممّن يصلّى، ويضحك عليه، وعدّ قتله من حسنات الملك المؤيّد [شيخ] «٥» انتهى.

стр. 4598

والأمير بلاط الظاهرىّ أمير علم «١» ، وكان أيضا ممن يباشر قتل خشداشيّته المماليك الظاهريّة، فوسّطه أيضا المؤيد، كل ذلك قبل سلطنته والملك الناصر محصور بدمشق. وتوفّى الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله الظاهرىّ المعروف بسودون الجلب «٢» ، بعد أن ولى نيابة طرابلس ولم يدخلها، ثم ولى نيابة حلب، فتوجّه إليها وهو مريض من جرح أصابه فى حصار الملك الناصر فرج، فمات منه فى شهر ربيع الآخر. وكان من الشّجعان، يحكى عنه أعاجيب من خفّته وشجاعته وسرعة حركته، وقد تقدّم ذكره فى عدة مواطن، وهو أستاذ الأمير الكبير يشبك السّودونى المشدّ أتابك العساكر بديار مصرفى دولة الملك الظاهر جقمق. وتوفّى الأمير سيف الدين يشبك بن عبد الله العثمانى الظاهرى، أحد مقدّمى الألوف بالديار المصرية فى يوم الجمعة أول صفر، من جرح أصابه فى أمسه عند حصار دمشق، وكان من أعيان المماليك الظاهرية، وممّن انضمّ مع الملك المؤيد شيخ أيّام تلك الفتن. وتوفّى السلطان ملك الهند صاحب بنجالة «٣» ، غياث الدين أبو المظفر ابن السلطان إسكندر شاه، وكان من أجلّ ملوك الهند، وممالكه متسعة جدا. وتوفّى الأمير سيف الدين قطلوبغا بن عبد الله الخليلى، نائب إسكندرية بها فى هذه السنة.

стр. 4599

وتوفّى الشيخ جمال الدين عبد الله بن محمد بن طيمان «١» ، المعروف بالطّيمانى الشافعى، قتل بدمشق فى الفتنة ليلة الجمعة ثامن صفر، وكان من الفضلاء، انتقل من القاهرة إلى دمشق وسكنها. وتوفّى الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عماد بن على بن الهائم «٢» المصرىّ الشافعىّ بالقدس، وكان فقيها بارعا فى الحساب والفرائض، وله مشاركة فى فنون. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع سواء، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.

стр. 4600

[ما وقع من الحوادث سنة ٨١٦] السنة الثانية من سلطنة الملك المؤيد شيخ على مصر وهى سنة ست عشرة وثمانمائة. فيها توفّى الشيخ الإمام فخر الدين عثمان بن إبراهيم بن أحمد البرماوىّ «١» الشافعىّ، شيخ القراء بمدرسة الملك الظاهر برقوق، فى يوم الاثنين تاسع عشر شعبان فجأة بعد خروجه من الحمّام، وكان بارعا فى الفقه والحديث والقراءات والعربية وغير ذلك، وتصدّى للإقراء سنين. وتوفّى قاضى القضاة صدر الدين على ابن أمين الدين محمد بن محمد الدمشقى الحنفى المعروف بابن الأدمىّ «٢» ، قاضى قضاة دمشق، وكاتب سرّها، ثم قاضى [القضاة] «٣» بالديار المصرية، فى يوم السبت ثامن شهر رمضان بالقاهرة وهو قاض، ومولده بدمشق فى سنة سبع وستين وسبعمائة، وكان إماما بارعا أديبا فصيحا ذكيّا، ولى نظر جيش دمشق، ثم كتابة سرّها، ثم قضاءها، ثم نقله الملك المؤيد إلى الدّيار المصرية، وولّاه قضاءها بعد عزل قاضى القضاة ناصر الدين بن العديم «٤» ، ثم جمع له بين القضاء وحسبة القاهرة، إلى أن مات، ولما ولى كتابة السرّ بدمشق بعد عزل الشريف علاء الدين قال فيه العلامة شهاب الدين أحمد بن حجى: [الطويل] تهن بصدر الدّين يا منصبا سما ... وقل لعلاء الدّين أن يتأدبا له شرف عال وبيت ومنصب ... ولكن رأينا السّرّ للصّدر أنسبا

стр. 4601

وفيه يقول الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم المزيّن» الدمشقى: [الطويل] ولاية صدر الدّين للسرّ كاتبا ... لها فى النّفوس المطمئنّة موقع فإن يضعوا الأشيا إذا فى محلّها ... فلم يك غير السّر للصّدر موضع قلت: وهجاه أيضا بعضهم فقال: [الرجز] كتابة السّرّ غدت ... وجودها كالعدم وأصبحت بين الورى ... مصفوعة بالأدم ومن شعر قاضى القضاة صدر الدين المذكور أنشدنى الشيخ شمس الدين محمد النّفيسى قال: أنشدنى قاضى القضاة صدر الدين بن الأدمى من لفظه لنفسه، وهو مما يقرأ على قافيتين: [السريع] يا متهمى بالسّقم «٢» كن مسعفى ... ولا تطل رفضى فإنّى على ل أنت خليلى فبحقّ الهوى ... كن لشجونى راحما يا خلى ل وله: [السريع] قد نمّق العاذل يا منيتى ... كلامه بالزّور عند الملام وما درى جهلا بأنّى فتى ... لم يرع سمعى عاذلا فيك لام وله القصيدة الطنّانة التى أولها: [الطويل] عدمت غداة البين قلبى وناظرى ... فيامقلتى حاكى السّحاب وناظرى - انتهى. وتوفّى الشيخ الإمام العالم شهاب الدين أحمد بن علاء الدين حجّى بن موسى

стр. 4602

السّعدى، الحسبانى «١» الأصل، الدّمشقى الشافعى بدمشق، وكان فقيها بارعا، أفتى ودرس سنين، وخطب بجامع دمشق، وقدم القاهرة فى دولة الملك الناصر [فرج] «٢» فى الرّسلية عن الأمير شيخ، أعنى الملك المؤيد، وكان معدودا من فقهاء دمشق وأعيانها. وتوفّى قاضى القضاة شهاب الدين أحمد بن ناصر بن خليفة الباعونى «٣» ، الشافعى الدمشقى، بدمشق فى رابع المحرم، ومولده بقرية باعونة من قرى عجلون «٤» فى سنة إحدى وخمسين وسبعمائة تخمينا، ونشأ بدمشق وطلب العلم، وتولى قضاء دمشق وخطابة بيت المقدس، ودرّس وأفتى، وقال الشّعر، ولما ولى قضاء دمشق هجاه بعضهم بقوله: [مجزوء الوافر «٥» ] قضاء الشّام أنشدنى ... بدينى «٦» لا تبيعونى صفعت بكلّ مصفعة ... وبعد الكلّ باعونى وهجاه آخر عند توليته خطابة القدس بكلام مزعج، الإضراب عنه أليق. وتوفّى قاضى القضاة شهاب الدين أحمد الحمصى الشّافعى، المعروف بابن

стр. 4603

الشّنبلىّ «١» ، فى هذه السنة، وكان فقيها بارعا عالما، إلّا أنه لما ولى قضاء دمشق لم تحمد سيرته. وتوفّى قاضى القضاة شمس الدين محمد بن محمد بن عثمان الدّمشقىّ، الشافعى المعروف بابن الإخنائىّ «٢» ، بدمشق فى نصف شهر رجب عن نحو ستين سنة، بعد أن أفتى ودرّس، وولى قضاء غزّة وحلب ودمشق وديار مصر عدّة سنين، وكان معدودا من رؤساء دمشق وأعيانها، وله مكارم وأفضال- ﵀. وتوفّى الأمير الوزير سيف الدين مبارك شاه بن عبد الله المظفّرىّ الظّاهرىّ، فى شهر رمضان، كان يخدم الملك الظاهر [برقوق «٣» ] أيام جنديته تبعا، فلما تسلطن رقّاه وأمّره، ثم جعله من جملة الحجّاب، ثم ولى الوزارة، ثم الأستادارية، وأقام بعد عزله سنين إلى أن مات. وتوفّى قاضى المدينة النبويّة زين الدين أبو بكر بن حسين بن عمر بن عبد الرحمن العثمانى المراغى الشافعى المعروف بابن الحسين «٤» فى سادس عشر ذى الحجة، وكان من الفقهاء الفضلاء. وتوفّى الشيخ الإمام المفنّن العلّامة، برهان الدين إبراهيم بن محمد بن بهادر بن أحمد القرشىّ الغزى «٥» النّوفلىّ الشّافعى، المعروف بابن زقّاعة، فى ثانى عشر

стр. 4604

ذى الحجّة بالقاهرة، عن اثنتين وتسعين سنة، وزقّاعه «١» - بضم الزاى المعجمة وفتح القاف وتشديدها وبعد الألف عين مهملة مفتوحة وهاء ساكنة- وكان إماما عارفا بفنون كثيرة، لا سيّما علم النجوم، والأعشاب، وله نظم كثير، وكانت له وجاهة عند الملوك، بحيث إنه كان يجلس فوق القضاة، ومن شعره أنشدنا قاضى القضاة جمال الدين محمد أبو السعادات بن ظهيرة قاضى مكّة من لفظه قال: أنشدنى الإمام العلّامة برهان الدين إبراهيم بن زقّاعة من لفظه لنفسه: [الوافر] رأى عقلى ولبّى فيه حارا ... فأضرم فى صميم القلب نارا وخلّانى أبيت اللّيل ملقى ... على الأعتاب أحسبه نهارا إذا لام العواذل فيه جهلا ... أصفه لهم فينقلبوا حيارى وإن ذكروا السّلوّ يقول قلبى ... تصامم عن أباطيل النّصارى وما علم العواذل أنّ صبرى ... وسلوانى قد ارتحلا وسارا فيا لله من وجد تولّى ... على قلبى فأعدمه القرارا ومن حبّ تقادم فيه عهدى ... فأورثنى عناء وانكسارا قضيت هواكمو عشرين عاما ... وعشرينا ترادفها استتارا فنمّ الدّمع من عينى فأبدى ... سرائر سرّ ما أخفى جهارا إذا ما نسمة البانات مرّت ... على نجد وصافحت العرارا وصافحت الخزام وعنظوانا ... وشيحا ثمّ قبّلت الجدارا «٢»

стр. 4605

جدار ديار من أهوى قديما ... رعى الرّحمن هاتيك الدّيارا ألا يا لائمى دعنى فإنّى ... رأيت الموت حجّا واعتمارا فأهل الحبّ قد سكروا ولكن ... صحا «١» كلّ وفرقتنا سكارى ومن شعره أيضا فى فنّ التصوّف: [الوافر] سألتك بالحواميم «٢» العظيمه ... وبالسّبع المطوّلة «٣» القديمه وباللامين والفرد المبدّا ... به قبل الحروف المستقيمه وبالقطب الكبير وصاحبيه ... وبالأرض المقدّسة الكريمه وبالغصن الذي عكفت عليه ... طيور قلوب أصحاب العزيمه وبالمسطور فى رقّ المعانى ... وبالمنشور فى يوم «٤» الوليمه وبالكهف الذي قد حل فيه ... أبو فتيانها ورأى رقيمه وبالمعمور من زمن النصارى ... بأحجار بحجرتها مقيمه ففجّر فى فؤادى عين حبّ ... تروّى من مشاربها صميمه قلت: وبعض تلامذته من الصّوفيه يزعمون أن هذه الأبيات فيها الاسم الأعظم. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع سواء، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.

стр. 4606

[ما وقع من الحوادث سنة ٨١٧] السنة الثالثة من سلطنة الملك المؤيد شيخ على مصر وهى سنة سبع عشرة وثمانمائة فى محرمها تجرد الملك المؤيد [شيخ] «١» إلى البلاد الشامية، لقتال الأمير نوروز الحافظى «٢» ومن معه من الأمراء وظفر به، وقتله حسبما نذكره. وفيها قتل الأمير سيف الدين نوروز بن عبد الله الحافظى بدمشق، فى ليلة ثامن عشرين شهر ربيع الآخر، وحملت رأسه إلى الدّيار المصرية، وطيف بها ثم علّقت على باب زويلة، وكان أصل نوروز المذكور من مماليك الملك الظاهر برقوق، ومن أعيان خاصّكيته، ثم رقّاه إلى أن جعله أمير مائة ومقدّم ألف [بالقاهرة] «٣» ، ثم ولّاه رأس نوبة النّوب بعد الوالد لما ولى نيابة حلب، ثم جعله أمير آخور كبيرا بعد الأمير تنبك اليحياوى فى سنة ثمانمائة، ثم أمسكه بعد فتنة على باى لأمر حكيناه فى وقته فى ترجمة الملك الظاهر برقوق، وحبسه بالإسكندرية، إلى أن أطلقه الملك الناصر [فرج] «٤» وولاه رأس نوبة الأمراء، وصار نوروز هو المشار إليه فى المملكة وذلك بعد خروج أيتمش والأمراء من مصر، ثم وقع له أمور إلى أن ولى نيابة الشام، ومن حينئذ ظهر أمر نوروز وانضمّ عليه شيخ، فصار تارة يقاتل شيخا، وتارة يصطلحان، وقد تقدّم ذكر ذلك كله فى ترجمة الملك الناصر [فرج] «٥» إلى أن واقعا الملك الناصر بمن معهما فى أوائل المحرّم سنة خمس عشرة «٦» ، وانكسر الناصر،

стр. 4607

وحوصر بدمشق إلى أن أخذ وقتل، وتقاسم شيخ ونوروز الممالك والخليفة المستعين هو السّلطان، فأخذ شيخ الديار المصرية وصار أتابكا بها، وأخذ نوروز البلاد الشاميّة، وصار نائب الشام، فلما تسلطن الملك المؤيد [شيخ] «١» خرج نوروز عن طاعته، ووقعت أمور حكيت فى أوّل ترجمة الملك المؤيد، إلى أن خرج الملك المؤيد لقتاله، فظفر به وقتله. وكان نوروز ملكا جليلا، كريما شجاعا، مقداما عارفا عاقلا مدبّرا، وجيها فى الدّول، وهو أحد أعيان مماليك الظّاهر برقوق، معدودا من الملوك، طالت أيّامه فى الرياسة، وعظمت شهرته، وبعد صيته فى الأقطار، وكان متجمّلا فى مماليكه وحشمه، بلغت عدّة مماليكه زيادة على ألف مملوك، وكانت جامكيّة مماليكه بالشّام من مائة دينار إلى عشرة دنانير، ومات عن مماليك كثيرة، وترقّوا بعده إلى المراتب السّنيّة، حتى إنّ كلّ من ذكرناه من بعده، ونسبناه بالنّورزىّ فهو مملوكه وعتيقه، وفى هذا كفاية. وقتل معه جماعة من أعيان الأمراء حسبما نذكرهم أوّلا بأوّل. وفيها قتل من أصحاب نوروز الأمير سيف الدين يشبك بن أزدمر الظاهرى «٢» ، رأس نوبة النّوب، ثم نائب حلب، وكان ممّن انضم مع نوروز بعد وفاة الوالد، فإنّ الوالد كان أخذه عنده. بدمشق لمّا ولى نيابتها، وجعله الملك النّاصر أتابكا بها، وعقد الوالد عقده على ابنته، وسنّها نحو أربع سنين لئلا يصل إليه من الملك النّاصر سوء. ودام مع نوروز إلى أن قبض عليه وقتل بدمشق حسبما تقدّم ذكره، وكان رأسا فى الشجاعة والإقدام، شديد القوّة فى الرّمى بالنّشّاب، إليه المنتهى فيه.

стр. 4608

وفيها قتل الأمير سيف الدين طوخ بن عبد الله الظّاهرى «١» المعروف بطوخ بطّيخ نائب حلب «٢» ، وهو أحد أصحاب نوروز، ذبح بدمشق مع نوروز وغيره. وفيها قتل الأمير سيف الدين قمش بن عبد الله الظّاهرىّ «٣» نائب طرابلس، وهو أيضا من أصحاب نوروز. والجميع قتلوا فى ليلة ثانى عشرين شهر ربيع الآخر، حسبما تقدم ذكره. وفيها توفّى «٤» الأمير الكبير سيف الدين يلبغا النّاصرىّ الظّاهرى «٥» أتابك العساكر بالدّيار المصرّية، فى ليلة الجمعة ثانى شهر رمضان بالقاهرة، بعد عوده من الشام صحبة السلطان وهو أيضا من أصحاب نوروز، ومن أعيان خاصّكيّة الملك الظاهر برقوق، وأحد مماليكه، وترقّى فى الدولة الناصرية إلى أن صار أمير مائة ومقدّم ألف بالديار المصرّية، وقد مرّ من ذكره نبذة كبيرة فى دولة الناصر، ثم المؤيّد، وهو ثالث من ولى الأتابكيّة بديار مصر، ونعت بيلبغا الناصرى فى الدّولة التركيّة، فالأوّل منهم يلبغا العمرى الناصرى صاحب الكبش «٦» ، وأستاذ برقوق، والثانى الأتابك يلبغا النّاصرى اليلبغاوىّ صاحب الوقعة مع الملك الظاهر برقوق، ونسبته بالناصرى إلى تاجره خواجا ناصر الدين، وهو مملوك يلبغا السابق ذكره- انتهى. والثالث يلبغا الناصرى هذا، وهو من مماليك برقوق. ونسبته بالناصرى إلى

стр. 4609

تاجره خواجا ناصر الدين، وقد ذكرنا هؤلاء الثلاثة فى تاريخنا المنهل الصافى، فى محل واحد فى حرف الياء؛ كون الاسم والشهرة واحدة. وتوفّى «١» الأمير سيف الدين شاهين بن عبد الله الظاهرى الأفرم أمير سلاح، برملة لدّ «٢» ، وهو عائد إلى مصر صحبة السلطان إلى حلب من جرح أصابه، وكان أميرا شهما شجاعا، رأسا فى ركوب الخيل وفنّ الفروسيّة، وقد تقدّم أن الفروسيّة نوع آخر غير الشجاعة والإقدام، فالشّجاع هو الذي يلقى غريمه بقوّة جنان، وفارس الخيل هو الرجل الذي يحسن تسريح الفرس فى كرّه وفرّه، ويدرى ما يلزمه من أمور فرسه وسلاحه، وتدبير ذلك كلّه، بحيث إنه يسير فى ذلك على القوانين المقررة المعروفة بين أرباب هذا الشأن. قلت: نادرة أخرى، وشاهين هذا هو أيضا ثالث أفرم من أعيان الملوك فى دولة التركيّة. فالأول منهم: الأفرم الكبير، صاحب الرّباط «٣» فى بركة الحبش والأملاك الكثيرة، وهو الأمير عز الدين أيبك أمير جاندار الظاهر بيبرس، والمنصور قلاوون «٤» . والثانى آقوش الدّوادارىّ المنصورى الأمير جمال الدين نائب الشام «٥» ، والثالث شاهين هذا. فهؤلاء من الملوك، وأما غير الملوك فكثير لا يعتدّ بذكرهم.

стр. 4610

وتوفّى «١» الأمير سيف الدين جانى بك بن عبد الله المؤيدى الدّوادار بمدينة حمص، وهو متوجّه صحبة السلطان إلى حلب من جرح أصابه فى محاربة نوروز، وكان من أعيان مماليك المؤيد أيّام إمرته، فلما تسلطن رقّاه وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه، وجعله دوادارا ثانيا، ثم ولّاه الدّواداريّة الكبرى بعد مسك طوغان الحسنى، فلم تطل مدّته، وخرج إلى التّجريدة وجرح ومات، وكان عنده شجاعة وإقدام مع تيه وشمم وتكبر، وتولّى خشداشه الأمير آقباى المؤيدى الخازندار عوضه الدّواداريّة الكبرى. وتوفّى قاضى مكّة، ومفتيها، وخطيبها، جمال الدين أبو حامد محمد ابن عفيف الدين عبد الله بن ظهيرة «٢» القرشىّ المخزومى المكىّ الشافعىّ بمكّة فى ليلة سابع عشرين شهر رمضان عن نحو سبع وستين سنة، ومات ولم يخلف بعده بالحجاز مثله. وتوفّى قاضى الحنفيّة بالمدينة النّبويّة الشيخ زين الدين عبد الرحمن ابن نور الدين على المدنىّ الحنفى «٣» بها، وقد أناف على سبعين سنة، بعد أن ولى قضاء المدينة ثلاثا وثلاثين سنة مع حسبتها، وشكرت سيرته. وتوفّى بالقاهرة الشريف سليمان بن هبة الله بن جمّاز بن منصور الحسينى المدنى، أمير المدينة النبويّة، وهو معزول بسجن قلعة الجبل، وقد ناهز الأربعين سنة من العمر. وتوفّى العلامة فريد عصره قاضى قضاة زبيد «٤» ، مجد الدين أبو طاهر محمد بن

стр. 4611

يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الفيروزابادى «١» الشيرازى الشافعىّ، اللّغوىّ النّحوى، صاحب كتاب «القاموس» فى اللغة، فى ليلة العشرين من شوال عن ثمان وثمانين سنة وأشهر، وهو متمتّع بحواسّه، وكان إماما بارعا نحويّا لغويّا مصنّفا، طاف البلاد، ورأى المشايخ، وأخذ عن العلماء، وقدم مصر وأقرأ بها، ثم توجّه إلى اليمن، وولى قضاء زبيد نحو عشرين سنة حتى مات. أنشدنا الشيخ أبو الخير المكىّ من لفظه قال: أنشدنى الأديب الفاضل على بن محمد بن حسين بن عليّف المكى العكىّ العدنانى من لفظه لنفسه فى كتاب الشيخ مجد الدين [المسمى بالقاموس] «٢» [الكامل] مذ مدّ مجد الدّين فى أيّامه ... من بعض أبحر علمه القاموسا ذهبت صحاح الجوهرىّ كأنّها ... سحر المدائن يوم ألقى موسى وقد استوعبنا مصنّفاته فى تاريخنا المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى «٣» ، إذ هو محل الإطناب فى التراجم. وأمّا ما أثبت له من الشعر: أنشدنا الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر إجازة، قال أنشدنا العلّامة مجد الدين الفيروزابادى لنفسه إجازة إن لم يكن سماعا: [الوافر] أحبّتنا الأماجد إن رحلتم ... ولم ترعوا لنا عهدا وإلّا نودّعكم ونودعكم قلوبا ... لعلّ الله يجمعنا وإلّا أعترض عليه فى «وإلا» الثانية فإنها من غير توطئة- انتهى. أخبرنى الشيخ تقىّ الدين المقريزى ﵀ قال: أخبرنى الشيخ الإمام مجد الدين محمد بن يعقوب الشّيرازىّ الفيروزابادىّ من لفظه بمكة فى ذى الحجّة سنة تسعين وسبعمائة

стр. 4612

أنّه حضر بستانا بدمشق وقد جمع فيه الإمام العلّامة جمال الدين أحمد بن محمد الشّريشىّ الشّافعى وجماعة من أعيان دمشق لمأدبة فى يوم الثلاثاء العشرين من شعبان سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وكان ممن حضر المجلس العلّامة بدر الدين محمد ابن الشيخ جمال الدين الشّريشى المذكور، ومعه ما ينيف على أربعين سفرا من كتب اللغة منها صحاح الجوهرى، فأخذ كلّ من الحاضرين- وهم: الشيخ عماد الدين بن كثير، والشيخ صلاح الدين الصّفدى، وشمس الدين الموصلىّ، وصدر الدين بن العزّ، وجماعة أخر- فى يده سفرا من تلك الأسفار، وامتحن البدر بن الشّريشى فى السؤال عن الأبيات المستشهد بها، فأنشد كلّ ما وقع فى تلك الكتب، وتكلّم على الموادّ اللغوية من غير أن يشذّ عنه شىء منها، وتكلم عليها بكلام مفيد متقن، فجزم الحاضرون أنه يحفظ جميع شواهد اللغة، وكتبوا له أجائز بذلك، ومن جملة من كتب له الشيخ مجد الدين هذا- انتهى. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع سواء، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وخمسة أصابع.

стр. 4613

[ما وقع من الحوادث سنة ٨١٨] السنة الرابعة من سلطنة الملك المؤيد شيخ على مصر وهى سنة ثمانى عشرة وثمانمائة. فيها فى شهر رجب تجرّد السلطان الملك المؤيد [شيخ] «١» إلى البلاد الشامية لقتال الأمير قانى باى نائب الشام ومن معه «٢» حسبما تقدّم ذكره من قتاله لهم، وقتله إياهم- يأتى ذكر الجميع فى هذه السنة- وأول من قتله منهم الأمير قانى باى المحمدىّ الظاهرىّ نائب الشام فى العشر الأوسط من شعبان بحلب، وحملت رأسه إلى القاهرة، وطيف بها ثم علّقت أياما، وكان أصل قانى باى هذا من مماليك الملك الظاهر برقوق وأعيان خاصّكيته، ثم تأمّر فى الدّولة الناصرية [فرج] «٣» إمرة مائة وتقدمة ألف، ثم صار فى دولة الملك المؤيد شيخ رأس نوبة النّوب، ثمّ أمير آخور كبيرا، وسكن باب السّلسلة على العادة وعمّر مدرسته برأس سويقة «٤» منعم من الصّليبة بالشارع الأعظم، ثم ولى نيابة دمشق بعد الأمير نوروز الحافظىّ بعد خروجه عن الطاعة، فباشر نيابة دمشق إلى أن أشيع عنه الخروج عن الطاعة «٥» وطلبه الملك المؤيد شيخ إلى القاهرة ليستقرّ أتابكا بها، وولّى عوضه نيابة دمشق الأتابك ألطنبغا العثمانى، فلما بلغ قانى باى ذلك خرج عن الطاعة «٦» بعد أيام، وقاتل أمراء دمشق، وملك دمشق، ووافقه الأمير إينال الصّصلانىّ نائب حلب، والأمير سودون من عبد الرحمن نائب طرابلس، والأمير تنبك البجاسى نائب حماة، والأمير طرباى نائب غزّة، وخرج إليه الملك المؤيد مخفا، وقاتله بظواهر حلب، حسبما ذكرنا ذلك كلّه فى أصل ترجمة الملك المؤيد من هذا الكتاب، فظفر به بعد أيام وقتله، وكان من

стр. 4614

أجلّ خاصّكيّة الملك الظاهر برقوق، وعنده رياسة وحشمة وتجمّل، ومات وسنّة دون الأربعين. وفيها قتل الأمير سيف الدين إينال بن عبد الله الصّصلانى «١» الظاهرىّ نائب حلب أحد أصحاب قانى باى المقدّم ذكره، فى العشر الأوسط من شعبان، وكان أصله أيضا من أعيان خاصّكيّة الملك الظاهر برقوق ومماليكه، وتأمّر أيضا فى دولة الملك الناصر فرج إلى أن صار أمير مائة ومقدّم ألف، وحاجب الحجّاب، ثم صار فى دولة المؤيد أمير مجلس، ثم نقل إلى نيابة حلب بعد قتل نوروز الحافظىّ، إلى أن خرج قانى باى نائب الشّام عن الطاعة، ووافقه إينال هذا إلى أن كان من أمرهم ما كان، وقتل وحملت رأسه أيضا إلى القاهرة مع رأس قانى باى، وكان إينال المذكور أميرا شجاعا، مقداما كريما، عاقلا سيوسا، معدودا من الفرسان- رحمه الله تعالى. وفيها قتل الأمير سيف الدين ثمان تمر اليوسفيّ الظاهرىّ، أتابك حلب- المعروف بأرق- معهما فى التاريخ المقدّم ذكره، وحملت رأسه أيضا إلى مصر، وكان تمان تمر أيضا من أعيان المماليك الظاهرية، وترقّى بعد موت الملك الظاهر حتى ولى إمرة مائة وتقدمة ألف بديار مصر، ثم صار أمير جاندار، إلى أن قبض عليه الملك المؤيّد شيخ وحبسه مدّة، ثم أطلقه وولّاه أتابكيّة حلب، فلما خرج قانى باى وإينال نائب حلب وافقهما مع من وافقهما من الأمراء والنوّاب، حتى قبض عليهم، ووقع من أمرهم ما وقع، وكان أيضا من الشجعان، وكان تركىّ الجنس. وفيها قتل أيضا الأمير سيف الدين جرباش بن عبد الله الظاهرىّ المعروف بكبّاشة حاجب حجّاب حلب، وحملت رأسه إلى القاهرة، وكان أيضا من المماليك الظاهرية، [برقوق] «٢» وتأمّر فى الدولة الناصرية [فرج] «٣» ، والمؤيّدية [شيخ] «٤» إلى أن أخرجه الملك المؤيد منفيّا إلى القدس، ثم استقرّ به فى حجوبيّة حلب، إلى أن كان

стр. 4615

من أمر قانى باى وإينال ما كان، فقتل معهما، وقتل غير هؤلاء أيضا خلائق فى الوقعة وغيرها. وفيها توفّى قاضى القضاة شمس الدين محمد ابن العلّامة جلال الدين رسولا بن يوسف التّركماني الحنفى، المعروف بابن التّبانىّ «١» ، قاضى قضاة دمشق بها، فى يوم الأحد ثامن عشرين شهر رمضان، وكان إماما عالما فاضلا، معدودا من فقهاء الحنفية. وتوفّى الوزير الصّاحب سعد الدين إبراهيم بن بركة المعروف بابن البشيرىّ «٢» بالقاهرة فى يوم الأربعاء رابع عشر صفر، ومولده فى ليلة السبت سابع ذى القعدة سنة ستّ وستين وسبعمائة بالقاهرة، وكان معدودا من رؤساء الأقباط، تنقّل فى عدّة وظائف إلى أن ولى الوزر غير مرة، ونظر الخاص. وتوفّى الشيخ زين الدين حاجى الرّومى «٣» الحنفى شيخ التّربة الناصرية التى أنشأها الملك الناصر [فرج] «٤» على قبر أبيه الملك الظّاهر برقوق بالصحراء «٥» ، فى ليلة الخميس رابع شوال، واستقر عوضه فى مشيختها الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد البساطى المالكى، بعناية الأمير ططر نائب الغيبة. وتوفّى الشيخ المعتقد الصالح، محمد الدّيلمىّ فى رابع ذى الحجة، ودفن بالقرافة، وكان للناس فيه اعتقاد، ويقصد للزيارة للتبرك به. وتوفّى الملك أميرزة إسكندر ابن أميرزة عمر شيخ بن تيمور لنك، صاحب بلاد فارس، وكان ملكها بعد قتل أخيه أميرزة محمد، ودام إسكندر على ملك فارس سنين إلى أن بدا له مخالفة عمّه شاه رخّ بن تيمور لنك، فسار إليه شاه رخّ المذكور،

стр. 4616

وقاتله وأسره وسمل «١» عينيه بعد أمور وحروب، وأقام شاه رخّ عوضه أخاه رستم ابن أميرزة عمر شيخ، فجمع إسكندر المذكور جمعا ليس بذلك، وقدّم عليهم ابنه، وجهّزهم إلى أخيه رستم، فخرج إليهم رستم المذكور وقاتلهم وهزمهم، وأخذ إسكندر هذا أسيرا، ثم قتله بأمر عمّه شاه رخّ، وكان إسكندر المذكور ملكا فاضلا ذكيا فطنا، يكتب المنسوب «٢» إلى الغاية فى الحسن، وبخطه ربعة عظيمة بمكة المشرفة، وكان حافظا للشعر ويقوله باللغة العجمية والتركية، وكانت لديه فضيلة ومشاركة فى فنون. وفيها قتل الأمير الكبير سيف الدين دمرداش بن عبد الله المحمّدىّ الظاهرىّ بسجن الإسكندرية فى يوم السبت ثامن عشر المحرّم. وكان دمرداش هذا من أعيان مماليك الظاهر برقوق، وترقّى فى أيّام أستاذه إلى أن ولى أتابكيّة دمشق، ثم نيابة حماة، ثم نيابة طرابلس، ثم أمسكه وحبسه ساعة، وأطلقه بسفارة الوالد لمّا ولى نيابة حلب، فجعله الظاهر أتابك العساكر بحلب، ثم نقله ثانيا إلى نيابة حماة، ثم نقله إلى نيابة حلب بعد واقعة تنم الحسنى نائب الشّام، وقدم تيمور لنك البلاد الشاميّة فى نيابته، ثم خرج عن الطاعة مع الوالد، ووقع له بعد ذلك أمور وحروب وخطوب- تقدّم ذكرها فى ترجمة الملك الناصر فرج، ثم فى ترجمة الملك المؤيد شيخ- ومحصول هذا كله، أنه ولى أتابكيّة العساكر بالديار المصرية بعد الوالد، ثم ولى نيابة الشّام بعده أيضا بحكم وفاته، ثم فرّ من الملك الناصر [فرج] «٣» لمّا حوصر بدمشق إلى البلاد الحلبيّة، ودام بها، إلى أن كانت فتنة نوروز، وتولّى ابن أخيه قرقماس سيدى الكبير نيابة الشّام عوضا نوروز، وطلبه الملك

стр. 4617

المؤيّد فقدم عليه من البحر، وقد عاد قرقماس إلى مصر، فقبض الملك المؤيّد عليهما، وأرسل قبض على ابن أخيه تغرى بردى سيدى الصغير من صالحية بلبيس، وقال: هؤلاء أهمّ من الأمير نوروز، وقتل تغرى بردى سيدى الصغير فى يوم عيد الفطر سنة ستّ عشرة، ثمّ قتل أخاه قرقماس سيدى الكبير بسجن الإسكندرية، وأبقى عمّهما دمرداش هذا إلى هذا اليوم فقتله، وقد تقدم من ذكر دمرداش ما فيه غنية عن ذكره هنا ثانيا. وفيها قتل الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله المحمدىّ الظاهرىّ المعروف بسودون تلّى- أى مجنون- فى يوم السبت ثامن عشر المحرّم بسجن الإسكندرية، مع الأمير دمرداش المقدّم ذكره، وكان سودون أيضا من أعيان المماليك الظاهريّة [برقوق] «١» ، وترقّى فى دولة الملك الناصر فرج إلى أن صار أمير آخور كبيرا، ثم خرج عن طاعة الملك الناصر، ووقع له أمور، وانضم على الأميرين شيخ ونوروز، ودام معهما سنين إلى أن انكسر الملك الناصر وقتل، فقدم القاهرة- صحبة الأمير الكبير شيخ فى خدمة الخليفة- على أعظم إقطاعات مصر، وكان يميل إلى نوروز أكثر من شيخ، غير أن نوروز أرسله مع الأمير شيخ هو والأمير بكتمر جلّق صفة التّرسيم ليمنعاه «٢» من الوثوب على السّلطنة، فمات بكتمر بعد أشهر، فتلاشى أمر سودون المذكور، فأخذ الملك المؤيد يخادعه إلى أن استفحل أمره، فقبض عليه وحبسه بالإسكندرية إلى أن قتله فى التاريخ المذكور. وفيها أيضا قتل الأمير سيف الدين أسنبغا الزّرد كاش أحد المماليك الظاهريّة [برقوق] «٣» أيضا، بسجن الإسكندرية مع دمرداش وسودون المحمدى، وكان ممّن صار أمير مائة ومقدّم ألف بالديار المصرية فى دولة الملك الناصر فرج، وجعله بديار مصر

стр. 4618

فى سفرته التى قتل فيها، ودام بمصر إلى أن قبض عليه الملك المؤيد وحبسه بالإسكندرية ثمّ قتله فى التاريخ المقدم ذكره. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع ونصف، مبلغ الزيادة عشرون ذراعا سواء.

стр. 4619

[ما وقع من الحوادث سنة ٨١٩] السنة الخامسة من سلطنة الملك المؤيد على مصر وهى سنة تسع عشرة وثمانمائة. فيها توفّى الأمير سيف الدين تنبك بن عبد الله المؤيّدى، شاد الشراب خاناه، وأحد أمراء الطّبلخانات، فى سادس عشرين صفر، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلّاة المؤمنى «١» ، وكان من أكابر المماليك المؤيّدية، خصيصا عند السلطان، مشكور السّيرة. وتوفّى أستادار الوالد الأمير الوزير شهاب الدين أحمد ابن الحاج عمر بن قطينة، فى يوم الأحد ثانى عشرين المحرّم، وكان يباشر فى بيوت الأمراء، واتصل بخدمة الوالد سنين، ثم ولى الوزارة فى الدّولة الناصرية دون الأسبوع فى سنة اثنتين وثمانمائة، وعزل وعاد إلى أستادارية الوالد، وتصرّف مع ذلك فى عدة أعمال، وكان معدودا من أعيان المصريين. وتوفّى الشيخ الإمام نجم الدين [بن فتح الدين] «٢» ، أبو الفتح محمد بن محمد بن عبد الدايم الحنبلى، فى هذه السنة، وكان من أعيان فقهاء الحنابلة. وتوفّى الشيخ الإمام العلّامة همام الدين محمد بن محمد الخوارزمىّ «٣» ، الشّافعى، شيخ المدرسة الناصرية المعروفة بالجمالية، برحبة باب العيد بالقاهرة، وكان عالما فى عدة فنون.

стр. 4620

وتوفّى القاضى شهاب الدين أحمد الصّفدى «١» ناظر البيمارستان المنصورى بالقاهرة وناظر الأحباس، فى ثانى عشر شهر ربيع الأوّل، وكان أولا يباشر التّوقيع بخدمة الملك المؤيّد شيخ فى أيام إمرته، فلما رشح للسلطنة خلع عليه بنظر البيمارستان، واستقرّ القاضى ناصر الدين ابن البارزىّ عوضه فى توقيع الأمير شيخ، فوصل بذلك إلى وظيفة كتابة السّرّ. وتوفّى قاضى القضاة أمين الدين عبد الوهاب ابن قاضى القضاة شمس الدين محمد بن أبى بكر الطرابلسىّ «٢» الحنفى، قاضى قضاة الدّيار المصرية، فى ليلة السبت سادس عشرين شهر ربيع الأول، وقد تجاوز أربعين سنة، وكان مشكور السّيرة قليل البضاعة. وتوفّى الأمير سيف الدين قمارى «٣» بن عبد الله، شادّ السلاح خاناه «٤» ، وأمير الرّكب الأوّل من الحاج، فى رابع عشرين شوّال، فى وادى القباب «٥» ، وهو متوجّه إلى الحج. وتوفّى الشيخ الإمام المحدّث تقىّ الدين أبو بكر بن عثمان بن محمد الجيتى «٦» ، الحنفى قاضى العسكر بالدّيار المصرية بها، وكان من الفضلاء، معدودا من فقهاء الحنفية ونحاتهم، وكان وجيها فى الدّولة المؤيدية [شيخ] «٧» إلى الغاية.

стр. 4621

وتوفّى الأمير سيف الدين أرغون بن عبد الله من بشبغا «١» الظاهرى، الأمير آخور- كان- فى الدولة الناصرية فرج بالقدس بطالا فى يوم الجمعة ثالث ذى القعدة، وكان ديّنا خيرا، عفيفا عن المنكرات والفروج، وهو أحد أعيان المماليك الظاهريّة وخشداش الوالد، كلاهما جلبه خواجا بشبغا، وقد تقدّم من ذكره نبذة كبيرة فى ترجمة الملك الناصر فرج. وتوفّى الطواشى زين الدين مقبل بن عبد الله الأشقتمرىّ «٢» رأس نوبة الجمدارية فى ليلة الاثنين رابع عشر شهر ربيع الآخر، ودفن بمدرسته التى بخط التّبانة، وكان رومى الجنس، ولديه فضيلة. وتوفّى قاضى القضاة ناصر الدين محمد ابن قاضى القضاة كمال الدين عمر بن إبراهيم بن محمد المعروف بابن أبى جرادة، وابن العديم «٣» الحلبى الحنفى قاضى قضاة الدّيار المصرية بها، بعد مرض طويل، فى ليلة السبت تاسع شهر ربيع الآخر، عن سبع وعشرين سنة، بعد ما ولى القضاء نحو ثمانى سنين، على أنه صرف منها مدّة، وكان عالما ذكيّا فطنا، مع طيش وخفّة، ومهابة وحرمة، وثروة وحشم، وقد ثلمه الشيخ تقي الدين المقريزى بقوادح ليست فيه، والإنصاف فى ترجمته ما ذكرناه، وأنا أعرف بحاله من الشيخ تقي الدين وغيره؛ لكونه كان زوج كريمتى، ومات عنها، وتولى القضاء بعده الشيخ شمس الدين محمد الدّيرىّ [الحنفى] «٤» القدسى بعد أشهر. وتوفّى الشيخ الإمام العالم العلامة عزّ الدين محمد ابن شرف الدين أبى بكر ابن قاضى القضاة عز الدين عبد العزيز ابن قاضى القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن

стр. 4622

جماعة «١» - مطعونا- فى يوم الأربعاء العشرين من شهر ربيع الأول، ومولده بمدينة الينبع «٢» بأرض الحجاز سنة تسع وخمسين وسبعمائة، وكان بارعا، مفنّنا، إماما فى العلوم العقليّة، مشاركا فى عدّة فنون، وبه تخرج غالب علماء عصرنا، وكان احترز على نفسه من الطاعون، واحتمى عن المغلّظات، وسلك طريق الحكماء، واستعمل الأشياء الدافعة للطاعون والخمّ، وأكثر من ذلك إلى أن طعن وهو أعظم ما يكون من الاحتراز، فما شاء الله كان. وتوفّى الصاحب الوزير تقي الدين عبد الوهاب ابن الوزير الصاحب فخر الدين عبد الله ابن الوزير الصاحب تاج الدين موسى ابن علم الدين أبى شاكر ابن تاج الدين أحمد ابن شرف الدولة إبراهيم ابن الشيخ سعيد الدّولة بالقاهرة فى يوم الخميس حادى عشر ذى القعدة، وكان مشكور السيرة، يتنصّل من صحبة الأقباط أبناء جنسه، ويتديّن ويصحب الصّلحاء من المسلمين، ولا يدخل فى بيته أحدا من نسوة النصارى البتّة- رحمه الله تعالى. وتوفّيت خوند أخت الملك الظاهر برقوق، بنت الأمير آنص الجاركسية، أم الأتابك بيبرس، فى ليلة الأحد رابع عشر ذى القعدة، بعد سن عال، وهى الصّغرى من أخوة برقوق. وتوفّى الشيخ زين الدين أبو هريرة عبد الرحمن ابن الشيخ شمس الدين أبى أمامة محمد ابن على بن عبد الواحد بن يوسف بن عبد الرحيم الدّكالىّ الشّافعىّ، المعروف بابن النّقاش «٣» ،

стр. 4623

خطيب جامع أحمد بن طولون، فى يوم عيد النحر، وكان يعظ، ولكلامه موقع فى القلوب، مع فضيلة تامّة، ودين متين، وقيام فى ذات الله [تعالى] «١» . وتوفّى قاضى القضاة شمس الدّين محمد بن على بن معبد المقدسىّ، المعروف بالمدنى «٢» المالكى، فى يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الأوّل عن سبعين سنة، وكان مشكور السّيرة فى ولايته بالعفة، على أن بضاعته من العلم كانت مزجاة. وتوفّيت «٣» خوند بنت الملك الناصر فرج، زوجة المقام الصّارمى إبراهيم ابن الملك المؤيدى شيخ، فى شهر ربيع الأوّل، وهى أكبر أولاد الناصر، وهى التى كان تزوّجها بكتمر جلّق فى حياة والدها، وسنها دون عشر سنين. وفيها كان الطاعون والغلاء بالديار المصرية حسبما تقدم ذكره: أمر النيل فى هذه السنه: الماء القديم سبعة أذرع ونصف، مبلغ الزيادة عشرون ذراعا سواء كالعام الماضى.

стр. 4624

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٢٠] السنة السادسة من سلطنة الملك المؤيد شيخ على مصر وهى سنة عشرين وثمانمائة. فيها تجرّد السلطان الملك المؤيد المذكور إلى البلاد الشامية، وفتح عدّة قلاع ببلاد الروم مثل كختا وكركر وبهسنا وغيرها، وهى تجريدته الثالثة، وأيضا آخر سفراته إلى الشام. وفيها توفّى الأمير زين الدين فرج ابن السلطان الملك الناصر فرج ابن السلطان الملك الظاهر برقوق ابن الأمير آنص الجاركسىّ بسجن الإسكندرية فى ليلة الجمعة سادس عشرين [شهر] «١» ربيع الأوّل، ودفن بالإسكندرية، ثم نقلت جثته إلى القاهرة، ودفنت بتربة والده التى بناها الملك الناصر على قبر أبيه الملك الظاهر [برقوق] «٢» بالصحراء خارج القاهرة، ومات ولم يبلغ الحلم، وهو أكبر أولاد الملك الناصر فرج من الذكور، وبموته خمدت نفوس الظاهرية. وتوفّى الأمير سيف الدين آقبردى بن عبد الله المؤيدى المنقار، أحد أمراء الألوف بالديار المصرية، فى ليلة الخميس سابع عشرين صفر بدمشق، وكان توجه إليها صحبة أستاذه الملك المؤيد، وهو أحد أعيان مماليك [الملك] «٣» المؤيد شيخ، اشتراه أيام إمرته وقاسى معه تلك الحروب والفتن والتشتت فى البلاد، فلما تسلطن أمّره عشرة، ثم نقله إلى إمرة طبلخاناه، وجعله رأس نوبة ثانيا، وهو أول من حكم ممّن ولى هذه الوظيفة، وقعدت النّقباء على بابه، ثم أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بديار مصر، ثم ولى نيابة إسكندرية مدّة، ثم عزله وأقرّه على إقطاعه، وأخذه صحبته إلى التجريدة وهو مريض فى محفّة فمات بالبلاد الشاميّة، وكان شجاعا مقداما كريما، مع جهل

стр. 4625

وظلم وجبروت، وخلق سيّئ، وبطش وحدّة مزاج، وقبح منظر. قلت: وعلى كل حال مساوئه أكثر من محاسنه. وتوفّى القاضى تاج الدين عبد الوهاب بن نصر الله بن حسن الفوى الحنفى «١» . أخو الصاحب بدر الدين بن نصر الله، كان وكيل بيت المال، وناظر الكسوة، وأحد نواب الحكم الحنفيّة، وهو والد صاحبنا القاضى تقي الدين بن نصر الله، فى ليلة السبت ثالث عشر جمادى الآخرة بالقاهرة، وكان مولده فى سنة ستين وسبعمائة، ومات فى حياة والده، وكان من أعيان الديار المصرية ورؤسائها. وتوفّى الشيخ الإمام العالم الزاهد الورع شرف الدين موسى بن على المناوىّ «٢» المالكى الفقيه العابد، بمكة المشرفة فى ثانى شهر رمضان، وكان من الأبدال، جاور بمكة والمدينة سنين، وكان أوّلا بالقاهرة فى طلب العلم، وحفظ الموطّأ حفظا جيّدا، وبرع فى الفقه والعربيّة، وشارك فى فنون، ثم تزهد فى الدنيا، وترك ما كان بيده من الوظائف من غير عوض يعوّضه فى ذلك، وانفرد بالصحراء مدّة، ثم خرج إلى مكّة فى سنة تسع وتسعين وسبعمائة، وأقبل على العبادة متخلّيا من كلّ شىء من أمور الدّنيا، معرضا عن جميع الناس حتى صار أكثر إقامته بمكّة فى الجبال، لا يدخلها إلّا فى يوم الجمعة، أو فى النّادر، وكان يقصد للزّيارة والتّبرّك به، وكان ممّن لا يريد الشّهرة. وتوفّى الأمير سيف الدين آقباى «٣» بن عبد الله المؤيّدى نائب الشّام بها فى قلعة
следующие страницы →