← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

والبواطن مشغولة لما سيكون، ثم انفض الموكب وبات كلّ أحد على أهبة القتال. وأصبحوا يوم الثلاثاء سادسه فى تفرقة الأضاحى، فأخذ كلّ مملوك رأسين من الضأن. ثم تجمعوا أيضا تحت القلعة لطلب النّفقة، وأفحشوا فى الكلام على عادتهم، وتردّدت الرسل بينهم وبين الأتابك جانى بك الصّوفى، وطال النّزاع بينهم، حتى تراضوا [على] «١» أن ينفق فيهم بعد عشرة أيّام من غير أن يعيّن لهم مقدار ما ينفقه فيهم، فانفضّوا على ذلك، وسكن الأمر من جهة المماليك السّلطانية، وانفضّ الموكب من عند الأتابك جانى بك الصّوفى، وطلع الأمير برسباى الدّقماقىّ الدّوادار واللالا إلى طبقة الأشرفيّة هو والأمير طرباى والأمير قصروه، وبعد طلوعهم تكلّم [بعض] «٢» أصحاب جانى بك الصّوفى معه- لمّا رأوا أمره قد عظم- فى نزول الأمراء من القلعة إلى دورهم حتى يتمّ أمره، وتنفذ كلمته، وحسّنوا له ذلك. وقالوا له: إن لم يقع ذلك وإلا فأمرك غير منتظم؛ فمال الأتابك جانى بك الصّوفى إلى كلامهم- وكان فيه طيش وخفّة- فبعث فى الحال إلى الأمير برسباى الدقماقى أن ينزل من القلعة هو والأمير طرباى حاجب الحجّاب والأمير قصروه رأس نوبة النّوب، وأن يسكنوا بدورهم من القاهرة، ويقيم الأمير جقمق العلائى عند السلطان لا غير، فلما بلغ الأمراء ذلك أراد الأمير برسباى الإفحاش فى الجواب فنهره الأمير طرباى وأسكته، وأجاب بالسّمع والطاعة، وأنّهم ينزلون بعد ثلاثة أيّام، وعاد الرسول إلى الأتابك جانى بك الصّوفى بذلك، فسكت ولم تسكت حواشيه عن ذلك، وهم الأمير يشبك الجكمىّ الأمير آخور الكبير، والأمير قرمش الأعور الظاهرىّ وغيرهما، وعرّفوه أنهم يريدون بذلك إبرام أمره، وألحوا عليه فى أن يرسل إليهم بنزولهم فى اليوم المذكور قبل أن يستفحل أمرهم، فلم يسمع لكون أن الأمير

стр. 4692

طرباى نزل فى الحال من القلعة مظهرا أنه فى طاعة الأمير الكبير جانى بك الصّوفى، وأن برسباى وقصروه وغيرهما فى تجهيز أمرهم بعده إلى النزول، فمشى عليه ذلك. وكان أمر الامير طرباى فى الباطن بخلاف ما ظنه جانى بك الصوفى؛ فإنه أخذ فى تدبير أمره، وإحكام الأمر للأمير برسباى الدّقماقى ولنفسه، واستمال فى ذلك اليوم كثيرا من الأمراء والمماليك السلطانية، وساعده فى ذلك قلّة سعد جانى بك الصّوفى من نفور الأمراء عنه، وهو ما وعدنا بذكره من أمر سودون من عبد الرحمن مع جانى بك الصّوفى. وقد تقدّم أن سودون من عبد الرحمن وغيره ممن تقدّم ذكرهم صاروا حزبا يحضر كلّ واحد منهم الخدمة، ثم ينزل إلى داره ليرى ما يكون بعد ذلك، ثم بدا لهم أن يكونوا من حزب جانى بك الصّوفى؛ كونه أتابك العساكر ومرشحا إلى السلطنة، بعد أن يكلّموه فى أمر، فإن قبله كانوا من حزبه، وإن لم يفعل مالوا إلى برسباى وطرباى؛ والذي يكلّموه بسببه هو الأمير يشبك الجكمىّ الأمير آخور؛ فإنهم لمّا كانوا عند قرا يوسف بالشرق ثم جاءهم أمير يشبك المذكور أيضا فارا من الحجاز خوفا من الملك المؤيّد، أكرمه قرا يوسف زيادة على هؤلاء- تعطفا من الله- والذين كانوا قبله عند قرا يوسف، هم سودون من عبد الرحمن وطرباى وتنبك البجاسىّ وجانى بك الحمزاوى، وموسى الكركرى وغيرهم. وكل منهم ينظر يشبك المذكور فى مقام مملوكه، كونه مملوك خشداشهم جكم، فشقّ عليهم خصوصيته عند قرا يوسف وانفراده عنهم، ووقعت المباينة بينهم، ولم يسعهم يوم ذاك إلا السكات لوقته. فلمّا مات قرا يوسف- وبعده بقليل توفى الملك المؤيّد- قدموا الجميع على

стр. 4693

ططروهم فى أسوا حال، فقرّبهم ططر وأكرمهم، واختص أيضا بيشبك المذكور اختصاصا عظيما بحيث إنه ولّاه الأمير آخورية الكبرى، وعقد عقده على ابنته خوند فاطمة التى تزوّجها الملك الأشرف برسباى، فلم يسعهم أيضا إلا السكات، لعظم ميل ططر إليه. فلما مات ططر انضم يشبك المذكور على جانى بك الصّوفى وصار له كالعضد، فعند ذلك وجد الأمراء المقال فقالوا، وركب الأمير سودون من عبد الرحمن والأمير قرمش الأعور- وهو من أصحاب جانى بك الصّوفى- وواحد «١» آخر، وأظنّه بيبغا المظفرى، ودخلوا على جانى بك الصّوفى بالحرّاقة من باب السّلسلة، ومرّوا فى دخولهم على يشبك الأمير آخور وهو فى أمره ونهيه بباب السّلسلة، فقام إليهم فلم يسلّم عليه سودون من عبد الرحمن، وسلّم عليه قرمش والآخر، وعند ما دخلوا على الأتابك جانى بك الصّوفى وسلّموا عليه وجلسوا كان متكلم القوم سودون من عبد الرحمن، فبدأ بأن قال: أنا، والأمراء نسلم عليك، ونقول لك أنت كبيرنا [ورأسنا] «٢» وأغاتنا، ونحن راضون بك فيما تفعل وتريد، غير أن هذا الصبى يشبك مملوك خشداشنا جكم ليس هو منا، وقد وقع عنه قلة أدب فى حقنا ببلاد الشّرق عند قرا يوسف، ثم هو الآن أمير آخور كبير منزلته أكبر من منازلنا، ونحن لا نرضى بذلك، ثم إننا لا نريد من الأمير الكبير مسكه ولا حبسه لكونه انتمى إليه، غير أننا نريد إبعاده عنّا فيوليه الأمير الكبير بعض الأعمال بالبلاد الشاميّة، ثم نكون بعد ذلك جميعا تحت طاعة الأمير الكبير، ونقول قد عاش الملك الظاهر برقوق «٣» ونحن فى خدمته، لأنّنا قد مللنا من الشتات والغربة والحروب فيطمئن كل أحد على نفسه وماله ووطنه.

стр. 4694

فلما سمع جانى بك الصوفى كلام سودون من عبد الرحمن وفهمه، حنق منه واشتدّ عضبه، وأغلظ فى الجواب بكلام متحصله: رجل ملك ركن إلىّ وانضم علىّ كيف يمكننى إبعاده لأجل خواطركم؟ ثم أخذ فى الحط على خشداشيته الظاهرية [برقوق] «١» ومجيئهم لإثارة الفتن والشرور، فسكت عند ذلك سودون، وأخذ قرمش يراجعه فى ذلك ويحذّره المخالفة غير مرّة، مدلّا عليه كونه من حواشيه وهو لا يلتفت إلى كلامه، فلما أعياه أمره سكت، فأراد الآخر [أن] «٢» يتكلم فأشار عليه سودون من عبد الرحمن بالسكات، فأمسك عن الكلام. فتكلم سودون عند ذلك بباطن بأن قال: يا خوند نحن ما قلنا هذا الكلام إلا نظن أن الأمير الكبير ليس له ميل إليه، فلما تحققنا أنه من ألزام الأمير الكبير وأخصّائه فنسكت عن ذلك ونأخذ فى إصلاح الأمر بينه وبين الأمراء لتكون الكلمة واحدة، بحيث إننا نصير فى خدمته كما نكون فى خدمة الأمير الكبير، فانخدع جانى بك لكلامه وظنه [أنه] «٣» على جليّته، وقال: نعم، أما هذا فيكون. وقاموا عنه ورجع قرمش إلى حال سبيله، وعاد سودون من عبد الرحمن إلى رفقته الأمراء، وذكر لهم الحكاية برمتها، وعظم عليهم الأمر إلى أن قال لهم: تيقنوا جميعكم بأنكم تكونون فى خدمة يشبك الجكمىّ إن أطعتم جانى بك الصّوفى، فإنّ يشبك عنده مقام روحه، وربما إن تمّ له الأمر يعهد بالملك إليه من بعده، فلما سمع الأمراء ذلك قامت قيامتهم، ومالوا بأجمعهم إلى الأمير برسباى الدقماقى الدوادار الكبير والأمير طرباى حاجب الحجّاب، وقالوا: هذا تركنا ونحن خشداشيته لأجل يشبك فما عساه يفعل معنا إن صار الأمر إليه؟ لا والله لا نطيعه ولو ذهبت أرواحنا. وأخذ الجميع فى التدبير عليه فى الباطن، ولقد سمعت هذا القول من الأمير سودون من عبد الرحمن وهو يقول لى فى ضمنه: كان جانى بك الصّوفى مجنونا، أقول له: نحن بأجمعنا فى طاعتك،

стр. 4695

وقد مات الملك المؤيد بحسرة أن نكون فى طاعته، فيتركنا ويميل إلى يشبك الجكمىّ وهو رجل غريب ليس له شوكة ولا حاشية- انتهى. ولما خرج سودون من عبد الرحمن من عند جانى بك الصّوفى طلب جانى بك الصّوفى يشبك الأمير آخور المذكور، وعرّفه قول سودون من عبد الرحمن، واستشاره فيما يفعل معهم- وقد بلغه أن الأمراء تغيّروا عليه- فاتفق رأيهما على أنه يتمارض، فإذا نزل الأمراء لعيادته قبض عليهم، وافترقوا على ذلك. وباتوا تلك الليلة وقد عظم جمع طرباى وبرسباى من الأمراء والمماليك السلطانية، ولم ينضم على جانى بك الصّوفى غير جماعة من المماليك المؤيدية الصغار أعظمهم دولات باى المحمودى السّاقى. ولما أصبح يوم الأربعاء ثامن ذى الحجة أشيع أن الأمير الكبير جانى بك الصّوفى متوعك، فتكلم الناس فى الحال أنها مكيدة حتى ينزل إليه الأمير برسباى فيقبض عليه، فلم ينزل إليه برسباى وتمادى الحال إلى يوم الجمعة عاشره وهو يوم عيد النحر. فلما أصبح نهار الجمعة انتظر الأمير برسباى طلوع الأمير الكبير لصلاة العيد، فلم يحضر ولم يطلع، فتقدم الأمير برسباى وأخرج السلطان من الحريم وتوجّه به إلى الجامع ومعه سائر الأمراء والمماليك، فصلّى بهم قاضى القضاة الشافعى صلاة العيد، وخطب على العادة، ثم مضى الأميران برسباى وطرباى بالسلطان إلى باب السّتارة فنحر السلطان هناك ضحاياه من الغنم، وذبح الأمير برسباى ما هناك من البقر نيابة عن السلطان، ثم انفض الموكب، ونزل الأمير طرباى إلى بيته هو وجميع الأمراء وذبحوا ضحاياهم، وتوجه الأمير برسباى إلى طبقة الأشرفية، وبينما هو ينحر ضحاياه بلغه أن الأمير الكبير جانى بك الصّوفى لبس السلاح وألبس مماليكه، ولبس معه جماعة كبيرة من المؤيدية، وغيرهم، فاضطرب الناس، وأغلق باب القلعة ودقت الكؤوسات حربيا. وكان من خبر جانى بك الصّوفى أنه لمّا تمارض لم يأت إليه أحد ممن كان أراد مسكه، فأجمع رأيه حينئذ على الركوب، وجمع له الأمير يشبك جماعة من إنياته من الماليك المؤيدية ومن أصحابهم.

стр. 4696

حدثنى السّيفى جانى بك من سيدى بك البجمقدار المؤيدى، وهو أعظم إنيات يشبك الجكمى المذكور قال: لبسنا ودخلنا على الأتابك جانى بك الصّوفىّ وعنده الأمير يشبك أمير آخور وكلّمناه فى أنّه يقوم يصلّى العيد، ثم يلبس السلاح بعد الصلاة، فقال: صلاة العيد ما هى فرض علينا نتركها ونركب الآن قبل أن يبدءونا بالقتال، قال فقلت فى نفسى: بعيد أن ينجح «١» أمر هذا، قلت وقد وافق رأى جانى بك البجمقدار فى هذا القول قول من قال: «صلّ واركب ما تنكب» على أنه كان غتميّا لا يعرف ما قلته، فوقع لجانى بك الصّوفى أنه لم يصلّ وركب فنكب، ولما بلغ الأمير برسباى ركوب جانى بك الصّوفى لبس الأمير برسباى وحاشيته آلة الحرب، وتوجّه إلى القصر السّلطانى، وترامت الطائفتان بالنّشّاب ساعة فلم يكن غير قليل حتى خرج الأمير طرباى من داره فى عسكر كبير من الأمراء، وعليهم السلاح، ووقفوا تجاه باب السّلسلة، فلم يجدوا بباب السّلسلة ما يهولهم من كثرة العساكر، فأوقف الأمير طرباى بقيّة الأمراء، وسار هو والأمير قجق أمير مجلس، وطلعوا إلى باب السّلسله إلى الأمير الكبير جانى بك الصّوفى- على أنّ طرباى فى طاعته- ودخلا عليه وهو لابس، وعنده الأمير يشبك الأمير آخور، فأخذ طرباى يلومه على تأخّره عن صلاة العيد مع السّلطان، وما فعله من لبس السّلاح، وأنه يقاتل من؟! «٢» [فإنّ الجميع فى طاعة السلطان و] «٣» طاعة الأمير الكبير، فشكا الأمير الكبير جانى بك من الأمير برسباى الدّقماقىّ من عدم تأدّبه معه فى أمور المملكة، وأنه لا يمكن اجتماعنا أبدا فى بلد واحد، فقال له طرباى: السمع والطاعة، كلّم الأمراء فى ذلك فإنّهم فى طاعتك، فقال: وأين الأمراء، فقال ها هم وقوف تجاه باب السّلسلة، انزل أنت والأمير يشبك إلى بيت الأمير بيبغا المظفّرى أمير السلاح، واجلس به، واطلب الأمراء إلى عندك وكلمهم فيما تختار، فأخذ يشبك يقول له: كيف تنزل من باب السّلسلة إلى بيت من ليس هو معنا؟ فنهره الأمير طرباى فانقمع، ولا زال يخادع الأمير جانى بك الصّوفى حتى

стр. 4697

انخدع له وقام معه هو والأمير يشبك المذكور، وركبا ونزلا من باب السّلسلة، وسارا إلى بيت الأمير بيبغا المظفّرى- وهو تجاه مصلاة المؤمنىّ- المعرف ببيت الأمير نوروز، وبه الآن جكم خال الملك العزيز، فمشى وقد تحاوطه القوم. قلت: ما يفعل الأعداء فى جاهل ما يفعل الجاهل فى نفسه. فلمّا وصل الأمير جانى بك الصّوفىّ «١» إلى باب الدّار المذكورة ودخله بفرسه صاح الأمير أزبك المحمّدى الظاهرىّ: هذا غريم السّلطان قد دخل إلى عندكم أحترصوا عليه، وقبل أن يتكامل دخولهم أغلق الباب على جانى بك الصّوفى ومن معه فعند ذلك زاغ بصر جانى بك الصوفى، وشرع يترقّق لهم، ويقول: المروءة افعلوا معنا ما أنتم أهله، ودخلوا إلى الدّار المذكورة، وإذا بالأمير بيبغا المظفّرى عليه قميص أبيض ورأسه مكشوف، وقد أخرج يده اليمنى من طوق قميصه وهو جالس على دكّة صغيرة عند بوائك الخيل، وبين يديه منقل نار عليه أسياخ من اللّحم تشوى، وبكل «٢» فيها بوزا «٣» ، وعلى ركبته قوس تترى وعدّة سهام، فعند ما رأى الأمراء قام إليهم على هيئته، وقبل أن يصلوا إلى عنده ركس الأمير أزدمر شايا ثانى رأس نوبة، وأخذ خوذة الأمير يشبك الأمير آخور من على رأسه، فدمعت عينا يشبك، فشقّ ذلك على الأمير بيبغا وأخذ قوسه بيده، واستوفى عليه بفردة نشّاب ليقتله، فهرب أزدمر ودخل إلى بوائك الخيل بعد أن أوسعه بيبغا المذكور من السّب والتوبيخ، ويقول: الملك إذا نكب تروح حرمته ولو مات حرمته باقية، حتى سكن غضبه. وأنزل جانى بك الصّوفىّ ويشبك الأمير آخور، فتقدّم الأمراء وقيّدوهما فى الحال «٤» وأخذا أسيرين إلى القلعة وملك الأمير برسباى باب السلسلة من غير قتال ولا مانع، فإن الأمير الكبير جانى بك

стр. 4698

الصّوفىّ تركه ونزل من غير [أمر] «١» أوجب نزوله، على أنه لما ركب وأراد النزول مع طرباى قال له بعض مماليكه أو حواشيه: يا خوند، هذا باب السّلسلة الذي تروح عليه الأرواح، أين تنزل وتخليه؟ فقال له: لمصلحة نراها، فقال له: فاتتك المصلحة بنزولك، والله لا تعود إليه أبدا، فلم يلتفت إليه جانى بك وتمادى فى غيّه لقلة سعادته، ولأمر سبق، ولمقاساة نالته بعد هروبه من سجن الإسكندرية ونالت أيضا خلائق بسبب هروبه [من سجن الإسكندرية «٢» ] على ما يأتى ذكر ذلك فى ترجمة الملك الأشرف برسباى- إن شاء الله تعالى. ولمّا ملك الأمير برسباى والأمير طرباى باب السّلسلة [فى الحال] «٣» نودى بالقاهرة بنفقة المماليك السلطانية، فلما سمع المماليك هذه المناداة سكنوا بإذن الله، وذهب كلّ واحد إلى داره، وفتحت الأسواق، وشرع الناس فى بيعهم وشرائهم، بعد ما كان فى ظنّ الناس أن الفتنة تطول بين هؤلاء أيّاما كثيرة؛ لأن كل [واحد] «٤» منهم مالك جهة من جهات القلعة، ومع كل طائفة خلائق لا تحصى، فجاء الأمر بخلاف ما كان فى ظنهم، ويأبى الله إلّا ما أراد. واستبدّ من يومئذ الأمير برسباى بالأمر، وبتدبير المملكة مع مشاركة الأمير طرباى له فى ذلك. فلما كان يوم السبت حادى عشر ذى الحجة استدعى الأمير أرغون شاه النّوروزىّ الأعور وخلع عليه باستقراره أستادارا بعد عزل الأمير صلاح الدين محمد بن نصر الله، وكان أرغون شاه المذكور قد قدم إلى القاهرة صحبة الملك الظاهر ططر من دمشق. وفيه رسم بحمل الأميرين جانى بك الصّوفىّ ويشبك الجكمىّ الأمير آخور إلى ثغر الإسكندرية، وسجنا بها.

стр. 4699

ثم فى يوم الاثنين ثالث عشر ذى الحجة خلع على الأمير آق خجا الحاجب الثانى باستقراره فى كشف الوجه القبلى، ثم عملت الخدمه السلطانية فى يوم الخميس سادس عشره بالقصر السلطانى، وحضر الخليفة والقضاة الموكب، فخلع على الأمير برسباى الدّقماقىّ الدّوادار الكبير واللالا باستقراره نظام الملك ومدبّر المملكة، كما كان الملك الظاهر ططر فى دولة الملك المظفر أحمد بن [المؤيد] «١» شيخ عوضا عن جانى بك الصوفى، وخلع على الأمير طرباى حاجب الحجاب باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن جانى بك الصوفى أيضا، وخلع على الأمير سودون من عبد الرحمن باستقراره دوادارا كبيرا عوضا عن برسباى الدّقماقى، وخلع على الأمير قصروه من تمراز رأس نوبة النّوب باستقراره أمير آخور كبيرا عوضا عن يشبك الجكمى، وخلع على الأمير جقمق العلائى «٢» نائب القلعة باستقراره حاجب الحجاب عوضا عن طرباى، وعلى الأمير أزبك المحمدىّ باستقراره رأس نوبة النّوب عوضا عن قصروه. ثم فوض الخليفة المعتضد بالله للأمير برسباى الدّقماقىّ نظام الملك أمور الدولة بأسرها، ليقوم بتدبير ذلك عن السلطان الصالح محمد إلى أن يبلغ رشده، وحكم بصحة ذلك قاضى القضاة زين الدين عبد الرحمن التّفهنى الحنفىّ؛ ومع هذا كله تقرر الحال على أن يكون تدبير الدولة وسائر أمور المملكة بين الأمير برسباى وبين الأمير طرباى، وأن يسكن الأمير برسباى بطبقة الأشرفية على عادته، ويسكن الأمير طرباى الأتابك بداره تجاه باب السّلسلة، وهو بيت قوصون «٣» ، وأنّ طرباى يحضر الخدمة عند الأمير برسباى بالأشرفية، وانفض الموكب، وخرج جميع الأمراء وسائر أرباب الدّولة من الخدمة السلطانية بالقصر مشاة فى خدمة الأمير برسباى نظام الملك حتى دخل الأشرفيّة التى صارت سكنه من يوم مات الملك الظاهر ططر، وعملت بها الخدمة ثانيا بين يديه، وصرّف أمور الدولة على حسب اختياره ومقتضى رأيه،

стр. 4700

واستمر على هذا، فعند ذلك كثر تردد الناس إلى بابه لقضاء حوائجهم، وعظم وضخم. ولما كان يوم ثامن عشر ذى الحجة [المذكورة] «١» ورد الخبر بأن الأمير تغرى بردى المؤيّدىّ نائب حلب خرج عن طاعة السلطان، وقبض على الأمراء الحلبيّين، واستدعى التّركمان والعربان، وأكثر من استخدام المماليك. وسبب خروجه عن الطاعة أنّه بلغه أن الملك الظّاهر ططر عزله، وأقرّ عوضه فى نيابة حلب الأمير تنبك البجاسىّ نائب طرابلس، فلما تحقّق ذلك خرج عن الطّاعة وفعل ما فعل، فشاور الأمير برسباى الأمراء فى أمره، فوقع الاتفاق على أن يكتب للأمير تنبك البجاسىّ بالتوجّه إليه وصحبته العساكر وقتاله، وأخذ مدينة حلب منه، وباستقراره فى نيابتها كما كان الملك الظّاهر ططر أقرّه، وكتب له بذلك. ثم فى يوم ثالث عشرين ذى الحجّة: خلع الأمير برسباى على القاضى صدر الدين أحمد بن العجمى باستقراره فى حسبة القاهرة على عادته، بعد عزل قاضى القضاة جمال الدين يوسف البساطى. ثم فى يوم سابع عشرينه ابتدأ الأمير برسباى نظام الملك فى نفقة المماليك السلطانية، وهو والأمراء على تخوّف من المماليك السّلطانية أن يمتنعوا من أخذها؛ وذلك أنّهم وعدوا المماليك فى نوبة الأمير الكبير جانى بك الصّوفى لكل واحد بمائة دينار، فلم يصرّ لكل واحد سوى خمسين دينارا من أجل قلّة المال؛ فإن الملك الظاهر ططر فرّق الأموال التى خلّفها الملك المؤيد [شيخ] «٢» جميعها، حتى إنه لم يبق منها بالخزانة السّلطانية غير ستين ألف دينار، ومع ما فرّقه من الأموال زاد فى جوامك المماليك بالدّيوان المفرد فى كل شهر ما ينيف على عشرة آلاف دينار، ولذلك استعفى صلاح الدين بن نصر الله من وظيفة الأستاداريّة، بعد أن قام هو وأبوه الصاحب بدر الدين

стр. 4701

حسن بن نصر الله ناظر الخواصّ الشريفة بعشرة آلاف دينار فى ثمن الأضحية، وبعشرين ألف دينار مساعدة فى نفقة المماليك السلطانية، ثم تقرّر على كلّ من مباشرى الدّولة شىء من الذّهب حتى تجمع من ذلك كلة نفقة المماليك. ولما جلس السلطان والأمراء لنفقة المماليك أخذ الأمير برسباى نظام الملك الصّرّة من النفقة بيده، وكلّم المماليك السلطانية بما معناه: إن الملك الظاهر ططر لم يدع فى بيت المال من الذّهب سوى ما هو كيت وكيب، وأنّهم عجزوا فى تحصيل المال لتكملة النفقة، ولم يقدروا إلا على هذا الذي تحصّل معهم، ثم وعدهم بكلّ خير، وأمر كاتب المماليك فاستدعى اسم أوّل من هو بطبقة الرّفرف «١» ، وكانت المماليك قبل أن يدخلوا الحوش السّلطانى اتفقوا على أنه إذا استدعى كاتب المماليك اسم أحد فلا يخرج إليه، ولا يأخذ النفقة إلا إن كانت مائة دينار، وتوعّدوا من أخذ ذلك بالقتل والإخراق، فلمّا استدعى كاتب المماليك اسم ذلك الرجل خرج بعد أن سمع كلام الأمير [برسباى] «٢» نظام الملك من العذر الذي أبداه، وقال: إن أعطانا السلطان كفّ تراب أخذناه، فشكره نظام الملك على ذلك، ورمى له الصّرّة فأخذها، وقبّل الأرض وخرج، ولم يجسر أحد على أن يكلّمه الكلمة الواحدة بعد ذلك التهديد والوعيد، ثم صاح كاتب المماليك باسم غيره فخرج وأخذ، وتداول ذلك منه وكل من استدعى «٣» اسمه خرج وأخذ إلى آخرهم، فأخذ الجميع النفقة، وانفضّوا بغير شرّ. قلت: وهذه عادة المماليك يطلعون من ألف وينزلون إلى درهم، وكان الذي أخذ النفقة فى هذه النّوبة ثلاثة آلاف ومائتى مملوك، والمبلغ مائة وستّين ألف دينار.

стр. 4702

ثم فى يوم الخميس تاسع عشرين ذى الحجة قدم مبشّر الحاج، وأخبر بسلامة الحاج، وأن الوقفة كانت يوم الجمعة. ثم فى يوم الأحد ثالث المحرّم من سنة خمس وعشرين وثمانمائة ورد الخبر إلى الدّيار المصريّة بفرار الأمير تغرى بردى المؤيّدى المعروف بأخى قصروه نائب حلب منها، بعد وقعة كانت بينه وبين تنبك البجاسىّ المنتقل عوضه إلى نيابة حلب، فدقّت البشائر لذلك. وكان من خبر تنبك البجاسىّ المذكور أنه لمّا قدم على الملك الظاهر ططر من بلاد الشّرق مع من قدم من الأمراء- وقد تقدّم ذكرهم فى عدّة مواضع- ولّاه نيابة حماة كما كان أوّلا فى دولة المؤيد [شيخ] «١» ، ثم خرج الملك الظاهر ططر من دمشق يريد الديار المصريّة بعد ما رسم بانتقاله من نيابة حماة إلى نيابة طرابلس، فلما بلغ تنبك البجاسىّ ذلك وهو بحماة ركب الهجن من وقته، وساق خلف الملك الظاهر ططر إلى أن أدركه بالغور، فنزل وقبّل الأرض بين يديه، ولبس التّشريف بنيابة طرابلس عوضا عن الأمير أركماس الجلبّانىّ، ثم خرج وسار إلى جهة ولايته، وقبل أن يسافر الأمير تنبك المذكور أسرّ له الأمير برسباى الدّقماقىّ الدّوادار الكبير بأن الملك الظاهر [ططر «٢» ] يريد توليته نيابة حلب عوضا عن تغرى بردى المؤيّدى- وكان بينهما صداقة؛ أعنى بين برسباى الدّقماقى وبين تنبك البجاسىّ، ثم أمره برسباى أن يكتم ذلك لوقته، وكان ذلك فى شهر رمضان، فاستمرّ تنبك فى نيابة طرابلس إلى يوم عرفة من السّنة فورد عليه مرسوم شريف من الملك الظّاهر [ططر] «٣» بنيابة حلب عوضا عن تغرى بردى المؤيّدى المعروف بأخى قصروه بحكم عصيانه، وبالتوجّه لقتال تغرى بردى المذكور، فخرج تنبك

стр. 4703

من طرابلس بالعساكر فى رابع عشر ذى الحجة من سنة أربع وعشرين [وثمانمائة] «١» إلى ظاهر طرابلس، وأقام يتجهز بالمكان المذكور إلى سادس عشر ذى الحجة، وبينما هو فى ذلك ورد عليه الخبر بموت الملك الظاهر ططر، فأمسك عند ذلك الأمير تنبك [البجاسىّ] «٢» عن المسير إلى حلب حتى ورد عليه مرسوم الملك الصالح محمد ابن الملك الظاهر ططر باستمراره على نيابة حلب، وصحبة المرسوم الخلعة والتشريف بنيابة حلب، وبالمسير إلى حلب، فسار إليها لإخراج تغرى بردى منها، وعند مسيره إلى جهة حلب وافاه الأمير إينال النّوروزىّ نائب صفد بعسكرها، وتوجّه الجميع إلى حلب، فلما سمع تغرى بردى بقدومهم فرّ من حلب قبل أن يقاتلهم، وتوجّه نحو بلاد الرّوم، وقيل قاتلهم وانكسر، وسار الأمير تنبك البجاسىّ خلفه من ظاهر حلب إلى الباب «٣» فلم يدركه، ورجع إلى حلب وأقام بها إلى ما يأتى ذكره. وفى رابع عشرين المحرّم قدم أمير حاج المحمل بالمجمل، وهو الأمير تمرباى اليوسفىّ المؤيدى المشدّ كان، وهو يومئذ من جملة أمراء الألوف بالديار المصرية، وقد كثر ثناء الناس عليه بحسن سيرته فيهم، فخلع عليه ونزل إلى داره، فلما كان يوم الخميس ثامن عشرين المحرم طلع المذكور إلى الخدمة السلطانية، فقبض عليه وعلى الأمير قرمش الأعور الظاهرىّ برقوق أحد مقدمى الألوف، وكان قرمش أحد أعيان أصحاب جانى بك الصوفىّ، وأخرج هو وتمرباى إلى ثغر دمياط، وأنعم على الأمير يشبك الساقى الظاهرى الأعرج بإمرته دفعة واحدة من الجندية. وكان من خبر قرمش هذا مع الأمير برسباى الدّقماقى أن الأمير الكبير جانى بك الصوفى، لما صار أمر المملكة إليه بعد موت الملك الظاهر ططر أمره بالجلوس بباب السّتارة ليكون عينا على الأمير برسباى الدّقماقى، فأخذ الأمير برسباى [الدّقماقى] «٤»

стр. 4704

يستميله بكل ما وصلت القدرة إليه، فلم يقدر يحوّله عن جانى بك الصوفى، واعتذر بأنه ربّاه فى بلاد الچركس، وأنه كان يحمل جانى بك الصوفى على كتفه، فكيف يمكنه مفارقته؟ فلمّا وقع من أمر جانى بك الصوفى ما وقع، وتمّ أمر الأمير برسباى الدقماقى التفت إلى قرمش، وأخرج إقطاعه، ونفاه إلى دمياط لما كان فى نفسه منه. ثم فى يوم الاثنين ثانى صفر أمسك الأمير الكبير برسباى الأمير أيتمش الخضرى الظاهرى أحد أمراء العشرات، ونفاه إلى القدس بطّالا «١» . ثم فى يوم الأربعاء ثامن عشر صفر جمع الأمير الكبير برسباى الدقماقى الصّيارف بالإصطبل السلطانى للنظر فى الدّراهم المؤيدية، فإنه كثر هرش الدراهم منها، ومعنى الهرش أن يبرد من الدّرهم الذي زنته نصف درهم حتى يخفّ ويصير وزنه ربع درهم، فأضرّ ذلك بحال الناس، فأمر الأمير الكبير بإبطال المعاملة بالعدد، واستقرت المعاملة بها وزنا لا عددا، ورسم بأن يكون وزن الدرهم منها بعشرين درهما فلوسا، وأن يكون الدينار الإفرنتىّ بمائتين وعشرين درهما فلوسا، وبأحد عشر درهما من الفضة الموازنة، فشقّ ذلك على الناس كونهم كانوا يتعاملون بالفضة معاددة فصارت الآن بالميزان، واحتاج كل بائع أن يأخذ عنده ميزانا وتشكّوا من ذلك، فلم يلتفت الأمير برسباى إلى كلامهم وهدّدهم، فمشى الحال. وفى هذا الشهر ابتدأت الوحشة بين الأمير برسباى الدقماقى نظام الملك وبين الأمير الكبير طرباى أتابك العساكر، وتنكر الحال بينهما فى الباطن، وسببه أن الأمير طرباى شقّ عليه استبداد الأمير برسباى الدقماقى بأمور المملكة وحدة، وتردّد الناس إلى بابه، وخاف إن دام ذلك ربما يصير من أمر برسباى ما أشاعه الناس، وكان طرباى يقول فى نفسه: إنه هو الذي مهّد الديار المصرية، ودبّر على قبض جانى بك الصوفى حتى كان من أمره ما كان، ولولاه لم يقدر برسباى على جانى بك الصوفى ولا غيره، وكان الاتفاق بينهما أن يكون أمر المملكة بينهما نصفين بالسّويّة لا يختص أحدهما عن الآخر بأمر

стр. 4705

من الأمور، وكان الأمير طرباى فى الأصل من يوم مات الملك الظاهر برقوق «١» متميّزا على برسباى، ويرى أنه هو الأكبر والأعظم فى النّفوس، وأنه هو الذي أقام برسباى فى هذه المنزلة من كونه استمال المماليك السلطانيّة إليه، ونفّرهم عن الأمير الكبير جانى بك الصوفى حتى تمّ له ذلك، وأنه هو الذي خدع جانى بك الصوفى حتى أنزله من باب السلسلة، وقام مع الأمير برسباى إلى أن رضيه الناس بأن يكون مدبّر المملكة، كل ذلك ليكون برسباى تحت أوامره، ولا يفعل شيئا إلا بمشاورته؛ فلما رأى طرباى أن الأمر بخلاف ما أمّله ندم على ما كان من أمره فى حقّ جانى بك الصوفى حيث لا ينفعه النّدم، وتكلّم مع حواشيه فيما يفعله مع الأمير برسباى، وكان له شوكة كبيرة من خشداشيته المماليك الظاهرية [برقوق] «٢» وغيرهم، فأشاروا عليه أن ينقطع عن طلوع الخدمة أياما لينظروا فيما يفعلونه، وكان طرباى مطاعا فى خشداشيته ولهم فيه «٣» محبة زائدة، وتعصّب عظيم له على برسباى، فاغترّ طرباى بكلامهم، وعدى بمماليكه إلى برّ الجيزة حيث هو مربط خيوله على الرّبيع كالمتنزّه، وأقام به بقيّة صفر. وأما الأمير برسباى لما علم أن الأمير طرباى توغّر خاطره منه، وعلم أنه لا يتم له أمر مع وجوده، أخذ يدبر عليه فيما يفعله معه حتى يمكنه القبض عليه، ثم يفعل ما بدا له، هذا وقد انضم عليه جماعة كبيرة من أمراء الألوف، أعظمهم الأمير سودون من عبد الرحمن الدّوادار الكبير، والأمير قصروه من تمراز رأس نوبة النّوب، والأمير يشبك الساقى الأعرج- وكان أعظمهم دهاء ومعرفة، وله دربة بالأمور- والأمير تغرى بردى المحمودى الناصرى وغيرهم، وباقى الأمراء هم أيضا فى خدمة الأمير برسباى فى الظاهر، غير أنهم فى الباطن جميعهم مع طرباى، ولكنهم حيثما ما أمكنهم الكلام مع برسباى أو طرباى قالوا له: أنت خشداشنا وأغاتنا؛ لأن كليهما من مماليك برقوق، بهذا المقتضى صار الأمير برسباى لا يعرف من هو معه من خشداشيته الظاهرية،

стр. 4706

ولا من هو عليه غير من ذكرنا من الأمراء؛ فإنهم باينوا طرباى، وانضموا على برسباى ظاهرا وباطنا. فلما علم برسباى أن هؤلاء الأمراء معه حقيقة قوى قلبه بهم، وألقى مقاليد أمر طرباى فى رقبة الأمير يشبك السّاقى الأعرج أن ينزل إليه، ويعمل جهده فى طلوعه إلى الخدمة السلطانية، ثم سلّط أيضا جماعة أخر على الأمير طرباى يحسّنون له الحضور من الربيع، هذا مع ما يقوى جأشه الأمير تغرى بردى المحمودى فى الإقدام على طرباى ويهوّن عليه أمره، والأمير برسباى يجبن عن ذلك حتى استهل شهر ربيع الأوّل. فلما كان يوم الثلاثاء ثانية قدم الأمير الكبير طرباى من الربيع، ونزل بداره تجاه باب السلسلة، وتردّد إليه الأمير يشبك الساقى الأعرج، وحسّن له الطلوع بأن قال له: إن كل خشداشيته من الظاهرية [برقوق] «١» معه، وأنهم لا يؤثرون عليه أحدا، وأنه بطلوعه يستفحل أمره، وبعدم طلوعه ربما يجبّن ويضمحلّ أمره؛ فإن الناس مع القائم، وإذا حضرت أنت تلاشى أمر برسباى، وهوّن عليه أمر برسباى، ولا زال به حتى انخدع له وأذعن بالطلوع. فلما أصبح يوم الأربعاء ثالثه أمسك الأمير برسباى الأمير سودون الحموىّ أحد أمراء الطلبخانات، والأمير قانصوه النّوروزىّ أحد أمراء الطبلخانات أيضا، وكانا من [جملة] «٢» أصحاب طرباى، فعظم ذلك على طرباى، وقامت قيامة أصحابه وحذّروه عن الطلوع فى غده- فإنه كان قرّر مع الأمير يشبك الأعرج الطلوع إلى الخدمه فى يوم الخميس رابعه- فلما وقع مسك هؤلاء نهاه أصحابه عن الطلوع، فأبى إلّا الطلوع ليتكلّم مع الأمير برسباى بسبب مسكه لهؤلاء ويطلقهما منه، فألحوا عليه فى عدم الطلوع، وأكثروا من ذلك، وهو لا يصغى إلى قولهم، وفى ظنه أن

стр. 4707

الأمير برسباى لا ينهض بأمر يفعله فى حقه، وأيضا لا يقابله بسوء لماله عليه من الإيادي قديما وحديثا. فلما أصبح نهار الخميس رابع شهر ربيع الأوّل ركب الأمير الكبير طرباى من داره ومعه جماعة كبيرة من حواشيه، وطلع إلى القلعة، وكان لقلة سعده غالب من هو معه من خشداشيته رءوس نوب، ليس فى أوساطهم سيوف، فما هو إلا أن دخل فى «١» الخدمة، واستقرّ به الجلوس فى منزلته وقرىء الجيش «٢» على السّلطان، وانتهت العلامة «٣» ، وأحضر السّماط وقام الجميع على أقدامهم، أبتدأ الأمير [الكبير] «٤» برسباى الدّقماقى نظام الملك بأن قال: الحال ضائع، والكلمة متفرّقة، وأحوال الناس متوقّفة لعدم اجتماع الناس على كبير يرجع إليه فيما يرسم به، ولابدّ للناس من كبير يرجع إليه فى أمور الرّعية، فأجابه فى الحال- قبل أن يتكلّم طرباى- الأمير قصروه رأس نوبة النّوب، وقال: أنت كبيرنا ومع وجودك من يكون خلافك؟ افعل ما شئت، فقال الأمير برسباى عند ذلك: اقبضوا على هذا وعنى الأمير الكبير طرباى، فلما سمع طرباى ذلك جذب سيفه ليدفع عن نفسه، وأراد القيام فسبقه الأمير برسباى نظام الملك، وضربه بالسيف ضربة جاءت فى يده كادت تبينها- وهى على ظاهر كفه حيث كان قابضا بها على سيفه- ثم بادره الأمير قصروه وأعاقه عن تمام القيام، وتقدّم إليه الأمير تغرى بردى المحمودىّ وقبض عليه من خلفه كالمعانق له، وحمل من وقته إلى أعلى القصر، وقيّد فى الحال، وقد تضمّخ بدمه، ووقعت الهجّة بالقصر، وتسللت

стр. 4708

السيوف من حواشى طرباى بعد أن فات الأمر وقد خطف الأمير برسباى التّرس الفولاذ من يد السلطان الملك الصالح محمد وتترّس به، وأعطى ظهره إلى الشّباك وسيفه مسلول بيده فلم يجسر أحد على التقدّم إليه لكثرة حاشيته، ولقوة شوكته، ثم سكتت الهجّة فى الحال، وردّ كلّ واحد من أصحاب طرباى سيفه إلى غمده عندما رأوا أن الأمر فاتهم، وقالوا: نحن من أصحاب برسباى، فعرف برسباى الجميع ولم يؤاخذ أحدا منهم بعد ذلك، وتكسّر بعض صينىّ مما كان فيه الطعام للسّماط السلطانى لضيق المكان، فإن الحركة المذكورة كانت بالقصر الصغير السلطانى «١» حيث فيه الشرابخاناه، وطلب الأمير برسباى فى الحال المزيّن وأرسله إلى طرباى فخاط جراحه بعد ما قيّده، ثم أصبح من الغد حمله إلى الإسكندرية فسجن بها، إلى أن أطلقه فى أيّام سلطنته حسبما نذكره فى محلّه فى ترجمد الملك الأشرف برسباى إن شاء الله تعالى. وخلا الجوّ للأمير برسباى بمسك الأمير طرباى هذا. قلت: وكان فى أمر الأمير طرباى هذا عبرة لمن اعتبر، وهو أن طرباى لا زال بجانى بك الصّوفىّ حتى خدعه وغدر به عند ما أنزله من الحرّاقة بباب السّلسلة وتحيّل عليه حتى قبضه وحمله مقيّدا إلى سجن الإسكندرية وسجن بها، وقد ظنّ أن الأمر صفا له وأنه لا يعدل عنه إلى غيره لاستخفافه بالأمير برسباى فأتاه الله من حيث لم يحتسب، وعمل عليه الأمير برسباى حتى خدعه وأطلعه إلى القلعة، وصار فى يده بعد ما امتنع ببرّ الجيزة أيّاما، والناس تترقّب حركته ليكونوا فى خدمته، وفى قتال عدوّه، إلى أن عدّى من برّ الجيزة ومشى لحتفه بقدميه، فكان حاله فى ذلك كقول الإمام أبى الفتح البستىّ حيث قال [رحمه الله تعالى] «٢» . أرى قدمى أراق دمى وإن كان طرباى لم يهلك- فى هذه- الموتة المكتوبة فقد مات معنى، وحمل

стр. 4709

إلى الإسكندرية، فأدخل به عند أخصامه الأمير الكبير جانى بك الصّوفىّ وغيره. قلت: لتجزى كلّ نفس بما كسبت. ولما تمّ أمر الأمير برسباى فيما أراد من القبض على الأمير طرباى والاستبداد بالأمر أخرج الأمير سودون الحموىّ منفيا إلى ثغر دمياط، ثم أخذ فى إبرام أمره ليترقّى إلى أعلى المراتب، فلم يلق فى طريقه من يمنعه من ذلك، وساعده فى ذلك موت الأمير حسن بن سودون الفقيه خال الملك الصالح محمد هذا فى يوم الجمعة ثالث عشر صفر؛ فإنه كان أحد مقدمى الألوف وخال السلطان الملك الصالح، وسكناه بقلعة الجبل، وكان جميع حواشى الملك الظاهر ططر يميلون إليه فكفى الأمير برسباى همّه أيضا بموته، فلما رأى برسباى أنه ما ثمّ عنده مانع يمنعه من بلوغ غرضه بالديار المصرية، خشى عاقبة الأمير تنبك ميق نائب الشّام، وقال لا بدّ من حضوره ومشورته فيما نريد نفعله، فندب لإحضاره الأمير ناصر الدين محمدا بن الأمير إبراهيم ابن الأمير منجك اليوسفىّ فحضر، فخرج المذكور مسرعا من الديار المصرية إلى دمشق لإحضار [الأمير] «١» تنبك المذكور، وأخذ الأمير برسباى فيما هو فيه من عمل مصالح الناس وتنفيذ الأمور، فرسم بإحضار الأمير أيتمش الخضرى من القدس «٢» . ثم فى يوم الاثنين ثانى عشرين شهر ربيع الأوّل أمسك الأمير الطواشىّ مرجان الهندى الزّمّام المعروف بالخازندار، وسلمه للأمير أرغون شاه النّوروزىّ الأعور الأستادار ليصادره، ويستخلص منه الأموال، وطلب الأمير الطواشىّ كافور الرومىّ الصّرغتمشىّ وخلع عليه باستقراره زمّاما على عادته أوّلا، ثم قدم أيتمش الخضرى إلى القاهرة «٣» فرسم له الأمير برسباى بلزوم داره بطّالا، واستمر مرجان عند الأمير أرغون شاه المذكور إلى أن قرّر عليه حمل عشرين ألف دينار فحملها، وضمنه جماعة أخر فى حمل عشرة آلاف دينار أخرى، وأطلق فى يوم الأربعاء ثامن عشر شهر ربيع الآخر.

стр. 4710

ثم فى سادس عشر [شهر] «١» ربيع الآخر المذكور قدم الأمير تنبك ميق نائب الشام إلى الديار المصرية، بعد أن تلقّاه جميع أعيان الدولة، وطلع إلى القلعة، فخرج الأمير الكبير برسباى لتلقّيه خارج باب القصر السلطانى، ونثر على رأسه خفايف الذّهب والفضة، وعاد معه إلى داخل القصر بعد أن اعتذر له عن عدم نزوله إلى تلقّيه مخافة من المماليك الأجلاب، فقبل الأمير تنبك عذره، ثم قدّمت خلعة جليلة فلبسها الأمير تنبك [نائب الشام «٢» ] المذكور وهى خلعة الاستمرار له على نيابة دمشق على عادته، ثم خلا به الأمير برسباى وتكلّم معه واستشاره فيمن يكون سلطانا؛ لأن الديار المصرية لابد لها من سلطان تجتمع الناس على طاعته، ثم قال له: وإن كان ولابد فيكون أنت، فإنك أغاتنا وكبيرنا وأقدمنا هجرة، فاستعاذ الأمير تنبك من ذلك وقام فى الحال، وقبّل الأرض بين يديه وقال: ليس لها غيرك، فشكر له الأمير برسباى على ذلك، ثم اتّفق جميع الأمراء على سلطنته، وخلع الملك الصالح محمد من السّلطنة، فوقع ذلك فى يوم الأربعاء ثامن شهر ربيع الآخر [من] » سنة خمس وعشرين وثمانمائة حسبما يأتى ذكره فى أوّل ترجمة الملك الأشرف برسباى. قلت: وكما تدين تدان جوزى الملك الظاهر ططر فى ولده كما فعل [هو] «٤» بابن الملك المؤيد [شيخ] «٥» الملك المظفر أحمد، غير أن الأمير ططر كانت له مندوحة بصغر ابن الملك المؤيد [شيخ] «٦» من أنه كان [بقى] «٧» لبلوغه الحلم سنين طويلة، وأما الملك الصالح هذا فكان مراهقا، غير أنهم احتجوا أيضا بأنه كان فى عقله شىء شبه الخلل. قلت: وإن توقّف الأمر على أنّ كلّ واحد من هؤلاء يخلع بأمر من الأمور، ويكون ذلك حجّة لمن خلعه، فيلزم الخالع من ذلك أمور كثيرة لا يطيق التخلّص منها أبدا، ليس لإبدائها هنا محلّ، وقد دار هذا الدّور على أناس أخر بعدهما، والكأس ممزوج لمن

стр. 4711

يشربه من يد ساقيه، كما جرت به العادة؛ والعادة لها حكم، وهى تثبت عند الشافعية بمرّة واحدة- انتهى. ولمّا خلع الملك الصالح من السلطنة أدخل إلى أمّه خوند بنت سودون الفقيه ببعض الدّور السلطانية، ودام بها سنين عديدة من غير ترسيم ولا حرج حتى إنه بعد سنين صار يركب وينزل صحبة الناصرى محمد ابن السلطان الملك الأشرف برسباى إلى القاهرة من غير أن يحتفظ به أحد، وحضر معه مرّة مأتم والدته خوند زوجة الملك الأشرف بالمدرسة الأشرفية بخط العنبريّين «١» ، وجلسا فى الملأ بصدر المدرسة، فتعجّب الناس من ذلك غاية العجب؛ كون الملك الصالح المذكور كان سلطانا ثمّ خلع من الملك وبعد مدّة يسيرة صار يركب وينزل إلى القاهرة، ودام الملك الصالح [محمد] «٢» بقلعة الجبل سنين حتى بلغ الحلم، وزوّجه الملك الاشرف [برسباى] «٣» بابنة الأتابك يشبك السّاقى الأعرج، ودامت معه حتى مات عنها فى الطاعون بقلعة الجبل فى ليلة الخميس ثامن عشرين جمادى الآخرة من سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وهو فى حدود العشرين سنة من العمر تخمينا، وكان أهوج وعنده بعض بله وسذاجة، مع خفّة وسرعة حركة، وسلامة باطن، وعدم تجمّل فى ملبسه، ولم يكن عنده شىء من الكبر والتّرفّع ولم يتأسّف على الملك أبدا، وكان غالب حواشى الملك الأشرف [برسباى] «٤» يسمّونه فى وجهه سيدى محمد، ويصيحون له بذلك، ومما ينسب إليه من السّذاجة أنّه ركب مرة فرسا ثم طلبه ثانيا فقال: هاتوا فرسى الأبيض، فنهره بعض حواشيه وقال [له] «٥» : لم لا تقول فرسى البوز، ثم أتى بعد ذلك بمشروب من السّكّر فقال: ما أشرب إلّا فى سلطانيتى البوز، فنهره ذلك الرّجل بعينه وقال [له] «٦» : لم لا تقول سلطانيّتى البيضاء،

стр. 4712

فقال: والله تحيرّت بينكم، تارة تقولون لا تقل أبيض وقل بوز، وتارة تقولون بالعكس، كيف يكون عملى معكم؟ وله أشياء من ذلك كثيرة، على أنه كان يحفظ القرآن، ويعرف بلسان الچاركسى، ولبلوهيّته حلاوة وطلاوة مع خفّة روح- انتهى والله تعالى أعلم.

стр. 4713

السنة التى حكم فيها أربعة سلاطين وهى سنة أربع وعشرين وثمانمائة. حكم فى أوّلها إلى يوم الاثنين ثامن المحرّم الملك المؤيدّ شيخ، ثم ابنه الملك المظفّر أحمد إلى تاسع عشرين شعبان، ثمّ الملك الظاهر ططر إلى رابع ذى الحجة، ثمّ ابنه الملك الصالح محمد إلى آخرها وإلى [شهر ربيع الآخر] «١» من سنة خمس وعشرين وثمانمائة. وفيها- أعنى سنة أربع وعشرين وثمانمائة- توفّى الأمير زين الدين فرج ابن الأمير شكر باى الطاهرىّ أحد أمراء العشرات وخواصّ الملك المؤيدّ شيخ فى رابع صفر بعد مرض طويل، وكان شابّا مليح الشكل، بهىّ المنظر، متجمّلا فى ملبسه ومركبه، ولم يبلغ من العمر خمسا وعشرين سنة- فيما أظنّ- وكان الملك المؤيدّ [شيخ] «٢» ربّاه واختصّ به، فلما تسلطن رقّاه وأمّره. وتوفّى القاضى بهاء الدين محمد ابن بدر الدين حسن بن عبد الله المعروف بالبرجىّ «٣» فى يوم الخميس عاشر صفر عن ثلاث وسبعين سنة، بعد أن ولى حسبة القاهرة غير مرّة، ووكالة بيت المال ونظر الكسوة، وباشر عمارة الجامع المؤيّدىّ، وكان من أصحاب الملك الظاهر ططر. وتوفّى علم الدين سليمان بن جنيبة رئيس الأطبّاء فى سادس عشرين صفر، وقد أناف على ثمانين سنة، وكان أبوه يهوديّا ثم أسلم، ونشأ سليمان هذا مسلما. وفيها قتل الأمير يشبك بن عبد الله اليوسفىّ المؤيّدىّ نائب حلب فى واقعة كانت بينه وبين الأمير ألطنبغا القرمشىّ الأتابك بظاهر حلب فى يوم الثلاثاء ثالث عشرين المحرّم.

стр. 4714

قال المقريزى: وكان غير مشكور السّيرة ظالما عسوفا مع كبر وجبروت، فأراح الله منه. وفيها قتل الأمير الكبير سيف الدين «١» ألطنبغا بن عبد الله القرمشىّ الظاهرىّ أتابك العساكر بالديار المصريّة فى خامس عشر «٢» جمادى الأولى بقلعة دمشق بسيف الأمير ططر حسبما تقدّم ذكر القبض عليه، وكان القرمشىّ من محاسن الدنيا لما اشتمل عليه من السؤدد، وكان أصله من مماليك الظاهر برقوق، وترقى فى الدّولة الناصرية [فرج] «٣» إلى أن صار من جملة أمراء البلاد الشاميّة، ثمّ انضم على الأمير شيخ ولم يبرح عنه فى السّرّاء «٤» والضراء إلى أن ملك الديار المصريّة، فولاه نيابة صفد، ثم الأمير آخوريّة الكبرى، ثم نقله إلى الأتابكية بديار مصر بعد انتقال ألطنبغا العثمانى إلى نيابة دمشق بعد خروج قانى باى المحمدى عن الطاعة، فدام على ذلك إلى أن جرّده الملك المؤيّد [شيخ] «٥» إلى البلاد الشاميّة وصحبته جماعة من مقدّمى الألوف تقدّم ذكرهم فى عدّة مواضع من ترجمة الملك المظفّر [أحمد] «٦» والملك الظاهر ططر، ولمّا أشرف الملك المؤيّد [شيخ] «٧» على الموت عهد لولده أحمد بالملك وجعل القرمشىّ هذا أتابكه لثقته به من أنّه كان يفعل مع ولده كما فعل الأتابك يلبغا العمرىّ مع أولاد السلاطين، ولم يتسلطن أبدا؛ فإنه كان من جنس يلبغا- أعنى أنه كان تركىّ الجنس- فوثب الأمير ططر على الأمر حسبما حكيناه، وخرج بالملك المظفّر أحمد إلى دمشق، فأطاعه القرمشىّ المذكور وقد قنع بأن يكون فى نيابة دمشق فلم يكذّب ططر الخبر وقبض عليه من وقته وحبسه بقلعة دمشق ثم قتله. قلت: أمّا القبض عليه فيمكن ططر الاعتذار عنه، وأما قتله فلا أقبل له فيه عذرا؛

стр. 4715

فإنه كان يمكنه حبسه إلى الأبد كما فعل ذلك بعدّة من الملوك، فإنه كان عاقلا ساكنا عديم الشّر ليّن الجانب متواضعا كريما حشيما، ولم يكن فيه ما يعاب، غير أنه كان من غير جنس القوم لا غير. وتوفّى الأمير الوزير المشير بدر الدين حسن ابن محبّ الدين عبد الله الطرابلسىّ تحت العقوبة- فى سابع عشر جماد الآخر بدمشق- بأمر الأمير الكبير ططر، وكان أبو بدر الدين هذا من مسالمة نصارى طرابلس وبها ولد بدر الدين هذا ونشأ، وتعانى قلم الدّيونة «١» ، وتولى شدّ الدواوين بها، ثم غير زيّه، وولى كتابة سرّ طرابلس، ثمّ تعلّق بخدمة الملك المؤيّد شيخ المحمودى لمّا ولى نيابة طرابلس وعمل أستاداره، وغيّر زيّه ولبس زىّ الأمراء، ودام فى خدمته إلى أن تسلطن وولاه الأستادارية ثم الوزر، ثم نيابة الإسكندرية، ثم الكشف بالوجه القبلى، ثم أعيد إلى الأستادارية، ثم أمسكه وصادره وعاقبه. قال المقريزى: وكان يكتب الخطّ المنسوب، ويتظاهر بالمعاصى، وينوّع الظلم فى أخذ الأموال، فعاقبه الله بيد ناصره الملك المؤيد شيخ أشدّ عقوبة، ثم قبض عليه ططر وصادره وعاقبه حتى هلك تحت الضّرب، وعاقبه ميّتا، فأراح الله منه عباده. وتوفّى قاضى القضاة شيخ الإسلام جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير بن صالح البلقينىّ «٢» الشافعى قاضى الديار المصريّة وعالمها، فى ليلة الخميس حادى عشر شوّال عن ثلاث وستين سنة، بعد مرض طويل تمادى به فى دمشق لمّا كان مسافرا صحبة السّلطان إلى مصر، وصلّى عليه بالجامع الحاكمى، وأعيد إلى حارة بهاء الدين، ودفن على أبيه بمدرسته «٣» التى أنشأها تجاه داره- وهو صهرى زوج كريمتى والذي تولّى تربيتى- رحمه الله تعالى، ومات ولم يخلف بعده مثله فى كثرة علومه وعفته عما يرمى به قضاة السّوء، وكان مولده بالقاهرة فى جمادى

стр. 4716

الأولى سنة اثنتين وستين وسبعمائة، هكذا سمعته من لفظه غير مرّة؛ وأمّه بنت قاضى القضاة بهاء الدين بن عقيل الشافعى النحوى، ونشأ بالقاهرة، وحفظ القرآن العزيز وعدّة متون، وتفقّه بوالده وبغيره إلى أن برع فى الفقه والأصول والعربيّة والتفسير وعلمى المعانى والبيان، وأفتى ودرّس فى حياة والده، وولى قضاء العسكر بالديار المصرية، ثم ولى قضاء القضاة بها فى إحدى الجمادتين من سنة أربع وثمانمائة فى حياة والده عوضا عن قاضى القضاة ناصر الدين محمد الصّالحىّ، وذلك أوّل ولايته، وعزل ثم ولّى غير مرة- حرّرنا ذلك فى تاريخنا المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى- وكانت جنازته مشهورة إلى الغاية، وحمل نعشه على رءوس الأصابع، وكان ذكيّا مستحضرا، عارفا بالفقه ودقائقه، مستقيم الذّهن، جيّد التصور، حافظا فصيحا بليغا جهورىّ الصّوت، مليح الشكل، للطول أقرب، أبيض مشربا بحمرة، صغير اللحية مدوّرها، منوّر الشّيبة، جميلا وسيما، ديّنا عفيفا مهابا جليلا، معظّما عند الملوك والسلاطين، حلو المحاضرة، رقيق القلب سريع الدّمعة، على أنّه كان فيه بادرة وحدّة مزاج، غير أنها كانت تزول عنه بسرعة، ويأتى يعد ذلك من محاسنه ما ينسى معه كل شىء، وكان محبّبا للرّعية، متجملا فى ملبسه ومركبه، ومدحه خلائق من العلماء والشعراء، أنشدنى قاضى القضاة جلال الدين أبو السعادات محمد بن ظهيرة قاضى مكة وعالمها، من لفظه لنفسه بمكة المشرفة مديحا فى قاضى القضاة جلال الدين المذكور فى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة [قال ﵀] «١» [الطويل] هنيئا لكم يا أهل مصر جلالكم ... عزيز فكم من شبهة قدّ جلالكم ولولا اتّقاء الله ﷻ ... لقلت لفرط الحبّ جلّ جلالكم وتوفّى السلطان غياث الدين محمد «٢» المعروف بكر شجى بن بايزيد بن مراد بن أرخان بن عثمان متملّك بلاد الرّوم فى شهر رجب، وملك بعده ابنه مراد بك صاحب

стр. 4717

الفتوحات والغزوات المشهورة الآتى ذكره فى محله، وتفسير كرشجى أى صاحب الوتر؛ لأن كرش باللغة التركية هو الوتر الذي يوتر به القوس وكان قبل سلطنته خنق بوتر ثم أطلق فسمى بذلك، وهو بكسر الكاف والراء المهملة وسكون الشين المعجمة وكسر الجيم. وفيها قتل الأمير علاء الدين ألطنبغا «١» من عبد الواحد الظّاهرى المعروف بالصّغير رأس نوبة النّوب، ثم نائب حلب بعد انهزامه من حلب فى واقعة كانت بينه وبين التّركمان فى تاسع عشرين شعبان «٢» ، وكان أصله من مماليك الظّاهر برقوق، وصار خاصّكيّا فى دولة الناصر فرج، ثم ترقى فى الدّولة المؤيّدية [شيخ] «٣» إلى أن صار أمير مائة ومقدّم ألف، ثم رأس نوبة النّوب، ثم أخرجه الملك المؤيد [شيخ] «٤» إلى البلاد الشاميّة مجرّدا لصحبة الأمير الكبير ألطنبغا القرمشىّ، فلما قتل يشبك نائب حلب المقدّم ذكره ولّاه القرمشىّ نيابة حلب، فدام بها إلى أن قبض الأمير ططر على القرمشىّ فخرج هو عن الطاعة، ووقع له ما حكيناه إلى أن قتل، وكان أميرا جليلا، مليح الشّكل ليّن الجانب، كريما شجاعا محبّبا للناس- رحمه الله تعالى. وفيها قتل الأمير سيف الدين قجقار «٥» بن عبد الله القردمىّ أمير سلاح بثغر الإسكندرية فى سادس عشرين شعبان بأمر الأمير ططر، وكان أصله من مماليك الأمير قردم الحسنى رأس نوبة النّوب فى دولة الملك الظاهر برقوق، ثم انضمّ على الملك المؤيد [شيخ] «٦» وهو من جملة أمراء العشرات، ولا زال معه إلى أن تسلطن، فعند ذلك رقّاه الملك المؤيد إلى أن ولّاه إمرة سلاح، ثم نيابة حلب مدّة يسيرة، ثم عزله وأعاده إلى وظيفته إلى أن مات المؤيّد وجعله من جملة أوصيائه على ولده، فقبض عليه

стр. 4718

الأمير ططرّ وحبسه بثغر الإسكندرية إلى أن قتله بها، وكان تركىّ الجنس، قصيرا بطينا، له شعرات بحنكه، كبير الوجه، مشهورا بالشّجاعة والإقدام مع الكرم والتجمّل فى مركبه ومماليكه وسماطه، وكان منهمكا فى اللّذّات مسرفا على نفسه، فكان فى غالب اللّيالى يسكر إلى الصّباح ويغلب عليه النّوم فينام عن الخدمة السلطانية، فلما يقوم من نومه يتأسّف على عدم طلوعه إلى الخدمة، فيجعل نفسه متوعّكا فينزل إليه وجوه الدّولة لعيادته، فيجدونه مخمورا لا يكاد يتكلّم، فلما تكرّر منه ذلك علم السلطان والناس حاله، فصار أمره مثلا، يقول بعضهم للآخر كيف حال فلان فيقول مريض، فيقول لا يكون مثل مرض قجقار القردمى، وتداول ذلك بين الناس. وفيها قتل الأمير سيف الدين جقمق بن عبد الله» الأرغون شاوىّ الدّوادار ثم نائب الشام بعد عقوبة شديدة لأجل المال فى ليلة الأربعاء سادس عشرين شعبان بعد عود الأمير ططر من حلب، وكان أصل جقمق هذا چاركسيّا، أخذ من بلاده مع والدته وهو ابن ثلاث سنين، وجلبا إلى مصر فاشتراهما بعض أمراء مصر، فأقاما عنده مدّة يسيرة وقبض على الأمير المذكور، فاشتراهما أمير آخر، ثمّ انتقلا من ملكه إلى ملك الأمير ألطنبغا الرّجبىّ، ثم ابتاعهما من ألطنبغا الرّجبىّ [المذكور] «٢» الأمير قردم الحسنىّ رأس نوبة النّوب، وأنعم بوالدته على زوجته وأنعم بولدها جقمق هذا على ابنه صاحبنا العلائى على بن قردم، فاستمرّا عندهما إلى أن توفّى الأمير قردم، وبعده بمدّة انتقل جقمق هذا إلى ملك الأمير أرغون شاه الظّاهرىّ أمير مجلس، فأعتقه أرغون شاه وجعله بخدمته إلى أن قتل فى سنة اثنتين وثمانمائة، فاتصل بعده بخدمة الملك المؤيد شيخ، وهو من جملة الأمراء، وصار عنده رأس نوبة الجمداريّة، ثم جعله دوادارا ثانيا، إلى أن تسلطن الملك المؤيّد شيخ فأنعم عليه بإمرة عشرة، وأرسله إلى الأمير نوروز الحافظىّ فى الرّسليّة، فقبض عليه نوروز وحبسه، إلى أن ظفر المؤيّد بنوروز، وأطلق جقمق هذا

стр. 4719

من قلعة دمشق وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه، وجعله دوادارا ثانيا، ثم نقله إلى الدّواداريّة الكبرى بعد سنين بحكم انتقال آقباى المؤيّدى إلى نيابة حلب فباشر الدّواداريّة بحرمة وافرة، ونالته السعادة، إلى أن ولى نيابة دمشق بعد عزل الأمير تنبك ميق فى سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، فدام بدمشق إلى أن مات الملك المؤيد [شيخ] «١» فخرج عن طاعة الأمير ططر واتفق مع الأمير الكبير ألطنبغا القرمشىّ، ثم وقع بينهما [خلاف] «٢» وتحاربا فهزم جقمق وتوجّه إلى صرخد، ولا زال به حتى استقدمه ططر منها بالأمان، وقبض عليه وقتله، ودفن بمدرسته التى بناها بدمشق، وكان أميرا عارفا بأمور دنياه، عاريا عن العلوم والفضيلة وفنون الفروسية، وكان فصيحا باللغة العربية، وعنده مكر وشيطنة وخديعة، وانهماك فى اللّذات، وإسراف على نفسه مع بادرة وحدّة وسفه ووقاحة، ورأيته غير مرّة، كان للقصر أقرب، وعنده سمن، مدوّر اللحية أسودها، وعنده فصاحة فى حديثه على طريق عوام مصر لا على طريق الفقهاء- انتهى. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وإصبع واحد- والله أعلم بالصواب.

стр. 4720

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٢٥] ذكر سلطنة الملك الأشرف برسباى على مصر السلطان الملك الأشرف سيف الدين أبو النصر برسباى الدّقماقى الظاهرىّ «١» سلطان الديار المصريّة، جلس على تخت الملك يوم خلع الملك الصالح محمد ابن الملك الظاهر ططر فى يوم الأربعاء ثامن شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثمانمائة، بعد أن حضر الخليفة والقضاة وجميع الأمراء والأمير تنبك ميق نائب الشام، وبويع بالسلطنة، ولبس الخلعة الخليفتيّة السّوداء، وركب من طبقة الأشرفية بقلعة الجبل والأمراء مشاة بين يديه إلى أن نزل على باب القصر، ودخل وجلس على تخت الملك، وقبّلت الأمراء الأرض بين يديه، وخلع على الخليفة المعتضد بالله داود، وعلى من له عادة بالخلع فى مثل هذا اليوم، وتمّ أمره ونودى باسمه وسلطنته بالقاهرة ومصر، من غير أن يأمر للمماليك السلطانية بنفقة كما هى عادة الملوك، وهذا كان من أوائل سعد ناله [فإننا] «٢» لم نعلم أحدا من الملوك التركية تسلطن ولم ينفق إلا برسباى هذا- انتهى. قلت: والأشرف هذا هو السلطان الثانى والثلاثون من ملوك التّرك وأولادهم بالدّيار المصريّة، والثامن من الچراكسة وأولادهم، وأصل الملك الأشرف هذا چاركسى الجنس، وجلب من البلاد فاشتراه الأمير دقماق المحمدى الظاهرىّ نائب ملطية، وأقام عنده مدّة. ثم قدّمه إلى الملك الظاهر برقوق فى عدّة مماليك أخر، ولتقدمته سبب، وهو أن الأمير تنبك اليحياوىّ الأمير آخور الكبير بلغه أن الأمير دقماق اشترى أخاه من بعض التّجّار، وكان أخوه يسمّى طيبرس، فوقف الأمير تنبك إلى الملك الظّاهر

стр. 4721

برقوق وطلب منه أن يرسل يطلب أخاه من دقماق، فرسم السلطان بذلك، وكتب لدقماق مرسوما شريفا «١» بإحضار طيبرس المذكور، وقبل أن يخرج القاصد إلى دقماق وقف الأمير على باى الظاهرىّ الخازندار صاحب الوقعة أيضا، إلى السلطان وذكر له أن أخته أيضا عند الأمير دقماق، فكتب السلطان بإحضارها أيضا، وسار البريدىّ من مصر إلى دقماق بذلك، فامتثل دقماق المرسوم الشّريف، وأراد إرسال طيبرس المذكور، فقال له دواداره: «٢» [ما تريد تفعل؟ فقال: أرسل المملوك الذي طلبه أستاذى إليه، فقال دواداره] «٣» : لا يمكن إرساله وحده، جهّز معه عدّة مماليك وتقدمة هائلة، وأبعث بالمطلوب فى ضمنها، فأعجب دقماق ذلك وجهّز نحو ثمانية عشر مملوكا صحبة طيبرس المذكور من جملتهم برسباى هذا وتمراز القرمشىّ أمير سلاح، وأشياء أخر من أنواع الفزو والقماش والخيل والجمال، ثمّ اعتذر دقماق عن إرسال الجارية أنها حامل منه، والجارية هى السّت أردباى أمّ ولد دقماق، وزوجة الأمير تمراز القرمشىّ أمير سلاح فى دولة الملك الظّاهر جقمق المتوفى سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة، وتوفّيت هى أيضا بعده بأيّام، وكلاهما بالطّاعون. فسار البريدىّ بالمماليك والتقدمة من ملطية إلى الديار المصرية، فوصلها بعد موت الأمير تنبك اليحياوىّ المذكور، وقد استقرّ عوضه فى الأمير آخوريّة الأمير نوروز الحافظىّ، فقبل الملك الظاهر [برقوق] «٤» التقدمة، وفرّق المماليك على الأطباق، فوقع برسباى هذا بطبقة الزّمّاميّة إنيا للأمير چاركس القاسمىّ المصارع، وتمراز القرمشى إنيا ليلبغا النّاصرىّ، فدام برسباى بالطبقة مدّة يسيرة وأعتقه السلطان، وأخرج له خيلا فى عدّة كبيرة من المماليك السلطانية. وسبب سياقنا لهذه الحكاية أن قاضى القضاة شهاب الدين بن حجر ﵀ نسبه أنه عتيق دقماق، وليس الأمر على ما نقله، وهو معذور فيما نقله لبعده عن معرفة اللغة

стр. 4722

التركية ومداخلة الأتراك، وقد اشتهر أيضا بالدّقماقىّ فظنّ أنه عتيق دقماق، ولم يعلم أن نسبته بالدّقماقىّ كما أن نسبة الوالد [﵀] «١» بالبشبغاوىّ، والملك المؤيد شيخ بالمحمودىّ، ونوروز بالحافظىّ، وجكم نائب حلب بالعوضىّ، ودمرداش بالمحمدىّ وغيرهم، وقد وقفت على هذه المقالة فى حياته على خطّه، ولم أعلم أن الخط خطه فإنه كان ﵀ يكتب ألوانا، وكتبت على حاشية الكتاب وبيّنت خطأه، وأنا أظن أن الخط خطّ ابن قاضى شهبة، وعاد الكتاب إلى أن وقع فى يد قاضى القضاة المذكور «٢» فنظر إلى خطى وعرفه، واعترف بأنه وهم فى ذلك، وكان صاحبنا الحافظ قطب الدين محمد الخيضرى حاضرا، فذكر لى ما وقع، فركبت فى الحال وهو معى وتوجّهنا إلى السّيفىّ طوغان الدّقماقى، وهو من أكابر مماليك دقماق، وسألته عن الملك الأشرف سؤال استفهام، فقال: هو عتيق الملك الظاهر برقوق وقدّمه أستاذنا إليه، ثم حكى له ما حكيته من سبب إرساله، ثم عدنا وأرسلت أيضا خلف جماعة من مماليك دقماق، لأن غالبهم كان خدم عند الوالد بعد موت دقماق، فالجميع قالوا مثل قول طوغان الدّقماقى، فتوجّه قطب الدين المذكور، وعرفه هذا كله، فأنصف غاية الإنصاف، وأصلح ما عنده ثم ذاكرت أنا قاضى القضاة المذكور فيما بعد، وعرفته أن دقماق قدّمه فى أوائل أمره، وأن برسباى صار ساقيا فى دولة الملك المنصور عبد العزيز، معدودا من أعيان الدولة، يتقاضى حوائج دقماق بالديار المصرية، ثم خرج برسباى عن طاعة الملك الناصر [فرج] «٣» مع الأمير إينال باى بن قجماس إلى البلاد الشامية وبقى من أعيان القوم، كل ذلك ودقماق فى قيد الحياة بعد سنة ثمان وثمانمائة، وكان لمّا قدم دقماق إلى مصر نزل عند برسباى هذا وبرسباى المذكور يخاطبه تارة يا خوند وتارة يا أغاة، ثم عرّفته بأن ولد دقماق الناصرى محمدا من جملة أصحابى، وأن والدته الست أردباى زوجة الأمير تمراز القرمشىّ أمير سلاح.

стр. 4723

قلت: وعلى كل حال إن هذا الوهم هو أقرب للعقل من مقالة المقريزىّ فى الملك الظّاهر ططر «إن الملك الناصر فرجا أعتقه بعد سنه ثمان فى سلطنته الثّانية» وأيضا أحسن ممّا قاله المقريزىّ فى حقّ الملك الأشرف [برسباى] «١» هذا بعد وفاته فى تاريخه «السلوك» فى وفيات سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، وقد رأيت أنّ السّكات عن ذكر ما قاله فى حقّه أليق والإضراب عنه أجمل لما وصفه به من الألفاظ الشّنيعة القبيحة التى يستحى من ذكرها فى حقّ كائن من كان- انتهى. وقد خرجنا عن المقصود، ولنعد إلى ما نحن بصدده من ذكر الملك الأشرف [برسباى] «٢» فنقول: واستمرّ الملك الأشرف من جملة المماليك السلطانيّة إلى أن صار خاصّكيّا ثم صار ساقيا فى سلطنة الملك المنصور عبد العزيز ابن الملك الظاهر برقوق. ثم خرج مع الأمير إينال باى بن قجماس من الدّيار المصريّة- مباينا للملك الناصر فرج- إلى البلاد الشاميّة، ثم انضمّ مع الأميرين شيخ ونوروز وتقلّب معهما فى أيّام تلك الفتن ولا زال معهما إلى أن قتل الملك الناصر فرج، وقدم إلى القاهرة صحبة الأمير الكبير شيخ المحمودىّ، فأنعم عليه الأمير شيخ المذكور بإمرة عشرة، ثم نقله إلى إمرة طبلخاناه بعد سلطنته، فدام على ذلك سنين إلى أن نقله إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالدّيار المصريّة، ثم ولّاه كشف التّراب بالغربيّة من أعمال القاهرة، إلى أن طلبه الملك المؤيّد شيخ وولّاه نيابة طرابلس بعد عزل الأمير بردبك قصقا الخليلىّ عنها، وذلك فى يوم الاثنين ثالث عشرين شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، ولمّا ولى نيابة طرابلس كان فى خدمته جماعة من مماليك الوالد [﵀] «٣» من جملتهم شخص يسمّى سودون، فطلبه أن يتوجّه معه إلى طرابلس، فقال سودون: أنا ما أخلّى جامع طولون وأتوجّه إلى طرابلس، فتوجّه معه خشداشاه أزدمر

стр. 4724

وجرباش، فلما تسلطن الأشرف- بعد أمور نذكرها- جعل أزدمر المذكور ساقيا، وندم سودون على مفارقته- انتهى. وتوجّه برسباى المذكور إلى نيابة طرابلس، ومعه سودون الأسندمرى وقد استقر أتابك طرابلس، وأقام بطرابلس مدّة إلى أن واقع التّركمان الإينالية «١» والبياضية «٢» والأوشرية «٣» على صافيتا من عمل طرابلس، وكانوا حضروا إلى النّاحية المذكورة جافلين من قرا يوسف، وأفسدوا بالبلاد، فنهاهم الأمير برسباى المذكور فلم ينتهوا، فركب عليهم وقاتلهم فى يوم الثلاثاء سادس عشرين شعبان من سنة إحدى وعشرين المذكورة، فقتل بينهم خلق كبير، منهم: الأمير سودون الأسندمرى أتابك طرابلس، وانهزم باقيهم عراة، فغضب الملك المؤيد، ورسم بعزله عن نيابة طرابلس واعتقاله بقلعة المرقب، وولّى سودون القاضى نيابة طرابلس عوضه، فدام فى سجن المرقب مدّة إلى أن كتب الملك المؤيد بالإفراج عنه فى العشرين من المحرم سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، كل ذلك بسعى الأمير ططر فى أمره، فاعتمرّ بدمشق إلى أن مات الملك المؤيّد، وخرج جقمق عن طاعة ططر، وقبض على برسباى المذكور، وسجنه بقلعة دمشق إلى أن أطلقه الأتابك ألطنبغا القرمشىّ، وخرج إلى ملاقاة الأمير ططر لما قدم دمشق، وانضم عليه إلى أن خلع عليه ططر باستقراره دوادارا كبيرا بعد الأمير على باى المؤيدىّ، فلم تطل أيّامه فى الدّواداريّة، ومات ططر بعد أن جعله لالا لولده الملك الصالح محمّد، وجعل جانى بك الصّوفىّ الأتابك مدبر مملكة ولده الصالح المذكور، ووقع ما حكيناه فى ترجمة الملك الصالح من واقعته مع جانى بك الصّوفى، ثم مع طرباى، ثم من خلعه الملك الصالح وسلطنته.

стр. 4725

ولما تمّ أمر الملك الأشرف برسباى هذا فى السّلطنة، وأصبح يوم الخميس تاسع شهر ربيع الآخر خلع على الأمير بيبغا المظفرىّ أمير سلاح «١» باستقراره أتابك العساكر بالدّيار المصريّة عوضا عن الأمير طرباى وكانت شاغرة من يوم أمسك طرباى، وخلع على الأمير قجق العيساوىّ أمير مجلس باستقراره أمير سلاح عوضا عن بيبغا المظفّرىّ، وخلع على الأمير آقبغا التّمرازىّ باستقراره أمير مجلس عوضا عن الأمير قجق. وأوّل ما بدأ به الأشرف فى سلطنته أنّه منع الناس كافّة من تقبيل الأرض بين يديه، فامتنعوا من ذلك، وكانت هذه العادة- أعنى عن تقبيل الأرض- جرت بالديار المصريّة من أيّام المعزّ معدّ أوّل خلفاء بنى عبيد بمصر المقدّم ذكره فى هذا الكتاب، وبقيت إلى يوم تاريخه، وكان لا يعفى أحدا عن تقبيل الأرض. والكلّ يقبل الأرض: الوزير والأمير والمملوك وصاحب القلم ورسل ملوك الأقطار، إلّا قضاة الشّرع وأهل العلم وأشراف الحجاز، حتى لو ورد مرسوم السلطان على ملك من نوّاب السّلطان قام على قدميه وخرّ إلى الأرض وقبلها قبل أن يقرأ المرسوم، فأبطل الملك الأشرف ذلك وجعل بدله تقبيل اليد، فمشى ذلك أيّاما ثم بطل، وعاد تقبيل الأرض لكن بطريق أحسن من الأولى؛ فإن الأولى كان الشخص يخر إلى الأرض حتى يقبلها «٢» كالسّاجد، والآن صار الرجل ينحنى كالرّاكع ويضع أطراف أصابع يده على الأرض كالمقبّل لها ثمّ يقوم ولا يقبّل الأرض بفمه أبدا بل ولا يصل بوجهه إلى قريب الأرض، فهذا على كلّ حال أحسن مما كان أوّلا بلا مدافعة، فعدّ ذلك من حسنات الملك الأشرف برسباى. ثم فى يوم الثلاثاء رابع عشر شهر ربيع الآخر المذكور خلع السلطان الملك الأشرف على الأمير تنبك العلائى ميق نائب الشام خلعة السّفر، وتوجّه إلى محلّ كفالته.

стр. 4726

ومن خرق العادات أيضا فى سلطنة الملك «١» الأشرف أنه لما تسلطن لم ينفق على المماليك السّلطانية، وأعجب من ذلك أنه ما طولب بها، وهذا أغرب وأعجب. ثم رسم السلطان الملك الأشرف- فى يوم الخميس ثامن جمادى الأولى، ونودى بذلك فى القاهرة- بأن لا يستخدم أحد من اليهود ولا من النصارى فى ديوان من دواوين السّلطان والأمراء، وصمّم الأشرف على ذلك، فلم يسلم من بعض عظماء الأقباط من مباشرى الدّولة فلم يتمّ ذلك. ثم قدم الخبر على السلطان بكثرة الوباء ببلاد حلب وحماة وحمص فى رابع عشر جمادى الآخرة، ورسم السلطان فنودى بسفر الناس إلى مكّة فى شهر رجب، فكثرت المسرّات، بذلك لبعد العهد بسفر الرجبيّة. ثم جلس السلطان للحكم بين الناس كما كان الملك المؤيّد ومن قبله، وصار يحكم فى يومى السبت والثلاثاء بالمقعد من الإسطبل السلطانى، ثم كتب السلطان إلى الأمير تنبك البجاسىّ نائب حلب أن يتوجّه إلى بهسنا «٢» لحصار تغرى بردى المؤيّدى المعزول عن نيابة حلب. ثم ورد الخبر على السلطان بخروج الأمير إينال نائب صفد عن الطاعة، وكان سبب خروجه عن الطّاعة أنه كان من جملة مماليك الملك الظّاهر ططر، ربّاه صغبرا ثم ولاه نيابة قلعة صفد بعد سلطنته، فلما قام الملك الأشرف بعد الملك الظاهر ططر بالأمر ولّى إينال المذكور نيابة صفد، وبلغه خلع ابن أستاذه الملك الصالح محمد من السلطنة، فشقّ عليه ذلك، وأخذ فى تدبير أمره، واتّفق مع جماعة على العصيان، وخرج عن الطّاعة، وأفرج عمّن كان محبوسا بقلعة صفد، وهم: الأمير يشبك أنالى المؤيّدى

стр. 4727

الأستادار ثم رأس نوبة النّوب، والأمير إينال الجكمى أمير سلاح ثم نائب حلب، والأمير جلبّان أمير آخور أحد مقدّمى الألوف، وقبض على من خالفه من أمراء صفد وأعيانها، ففى الحال كتب السلطان الملك الأشرف للأمير مقبل الحسامى الدّوادار حاجب حجّاب دمشق باستقراره فى نيابة صفد «١» ، وأن يستمرّ إقطاع الحجوبيّة بيده حتى يتسلّم صفد، ثم كتب إلى الأمير تنبك ميق نائب الشّام أن يخرج بعسكر دمشق لقتال إينال المذكور، وبينما السلطان فى ذلك ورد عليه الخبر بوقعة كانت بين الأمير يونس الرّكنىّ نائب غزّة وبين عرب جرم، وان يونس المذكور انهزم وقتل عدّة من عسكره، ثم وردت الأخبار بكثرة الفتن فى بلاد الصّعيد، ثم ورد على السلطان كتاب الأمير تنبك ميق نائب الشّام بمجيء الأمير إينال الجكمى، ويشبك أنالى، وجلبّان أمير آخور إليه من صفد طائعين للسلطان، فدقّت البشائر لذلك. وفى سابع عشرين شهر رجب قدم الأمير فارس نائب الإسكندرية إلى القاهرة بطلب، وخلع عليه باستمراره على إمرته وإقطاعه بمصر، وهى تقدمه ألف بالدّيار المصرية، وخلع على الأمير أسندمر النورىّ الظاهرىّ برقوق أحد أمراء الألوف باستقراره فى نيابة الإسكندرية عوضا عن فارس المذكور. ولما كان يوم الخميس رابع شعبان- الموافق لتاسع عشرين أبيب «٢» - أوفى النيل ستّة عشر ذراعا، وهذا من النّوادر من الوفاء قبل مسرى بيومين، فتباشر الناس بكعب الملك الأشرف [برسباى] «٣» . ثم فى يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان المذكور أخرج الملك المظفّر أحمد ابن الملك المؤيّد شيخ وأخوه من قلعة الجبل نهارا وحملا فى النّيل إلى الإسكندرية. وفى هذا الشهر كثر عبث الإفرنج بسواحل المسلمين، وأخذوا مركبا للتجّار

стр. 4728

من ميناء الإسكندرية فيها بضائع بنحو مائة ألف دينار، فشقّ ذلك على الملك الأشرف إلى الغاية مع شغله بنائب صفد. ثم فى حادى عشرين شهر رمضان خلع السلطان على الأمير أيتمش الخضرى الظّاهرىّ باستقراره أستادارا عوضا عن أرغون شاه النّوروزىّ الأعور، وقدم عليه الخبر بتوجّه عسكر الشام مع الأمير مقبل إلى جهة صفد، وأنه مستمرّ على حصار صفد، فسرّ السلطان بذلك، وكتب إلى نائب الشام بالقبض على الأمير إينال الجكمى ويشبك أنالى وجلبّان وحبسهم بقلعة دمشق. ثم فى سابع عشرين شوّال قدم الخبر على السلطان بأخذ صفد، وقدم من صفد ثلاثون رجلا فى الحديد ممّن أسر من أصحاب إينال نائب صفد، فرسم السلطان بقطع أيديهم فقطعوا الجميع إلا واحدا منهم فإنه وسط، وأخرج الذين قطعت أيديهم من القاهرة من يومهم إلى البلاد الشامية، فمات عدّة منهم بالرمل، ولم يشكر الملك الأشرف على ما فعله من قطع أيدى هؤلاء. وكان من خبر هؤلاء وإينال نائب صفد أنه لما قدم عليه الأمير مقبل الدّوادار بعساكر دمشق انهزم منهم إلى قلعة صفد، فلم يزل مقبل على حصار قلعة صفد، إلى يوم الاثنين رابع شوال فنزل إليه إينال بمن معه بعد أن تردّدت الرسل بينهم أيّاما كثيرة، فتسلم أعوان السلطان قلعة صفد فى الحال، وعندما نزل إينال أمر الأمير مقبل أن تفاض عليه خلعة السلطان ليتوجّه أميرا بطرابلس، وكان قد وعد بذلك لما تردّدت الرسل بينهم وبينه مرارا حتى استقرّ الأمر على أن يكون إينال المذكور من جملة أمراء طرابلس، وكتب له السلطان أمانا ونسخة يمين فانخدع الخمول ونزل من القلعة، فما هو إلا أن قام بلبس الخلعة وإذا هم أحاطوا به وقيّدوه وعاقبوه أشدّ عقوبة على إظهار المال، ثم قتلوه وقتلوا معه مائة رجل ممن كان معه بالقلعة، وعلّقوهم بأعلاها، ثم أرسلوا بهذه الثلاثين الذين قطعت أيديهم. ثم بعد ذلك بأيام ورد الخبر بأن الأمير تغرى بردى المؤيدى سلم قلعة بهسنا ونزل

стр. 4729

بالأمان فأخذه تنبك البجاسى، وقيده وحمله إلى قلعة حلب فسجنه بها، وزال ما كان بالملك الأشرف من جهة صفد وبهسنا، وهدأ سره واطمأن خاطره. ثم فى يوم الاثنين ثانى ذى القعدة ركب السلطان من قلعة الجبل إلى مطعم الطّيور بالريدانية خارج القاهرة ولبس به قماش الصوف برسم الشتاء على عادة الملوك، ثم عاد إلى القاهرة من باب النّصر، ورأى عمارته بالركن المخلق «١» ، وخرج من باب زويلة إلى القلعة، ونثر عليه الدنانير والدراهم، وهذه أوّل ركبة ركبها من يوم تسلطن. ثم فى يوم الخميس خامس ذى القعدة عزل السلطان أيتمش الخضرى «٢» عن الأستادارية وأعيد إليها أرغون شاه النوروزى، ولم تشكر سيرة أيتمش لشدة ظلمه مع عجزه عن القيام بالكف السلطانية. ثم فى يوم الخميس رابع ذى الحجّة اختفى الوزير تاج الدين عبد الرزّاق بن كاتب المناخ فخلع السلطان على أرغون شاه الأستادار وأضيف إليه الوزر «٣» فى يوم الاثنين ثامن ذى الحجّة. ثم خلع السلطان على القاضى علم الدين صالح ابن الشيخ سراج الدين عمر البلقينى باستقراره قاضى قضاة الشافعية بالديار المصرية عوضا عن ولىّ الدين أبى زرعة العراقى بحكم عزله. [ما وقع من الحوادث سنة ٨٢٦] ثم فى المحرم أنعم السلطان على مملوكه جانبك الخازندار بإمرة طبلخاناه من جملة إقطاع الأمير فارس المعزول عن نيابة الإسكندريّة بعد موته. ثم رسم السلطان بطلب الأمير إينال النوروزى نائب طرابلس فحضر إلى القاهرة

стр. 4730

فى يوم الاثنين سادس عشرين صفر من سنة ست وعشرين وثمانمائة، وطلع إلى القلعة فأكرمه السلطان. وخلع على الأمير قصروه من تمراز الأمير آخور الكبير باستقراره فى نيابة طرابلس عوضا عن إينال النوروزى المقدّم ذكره، وأنعم على الأمير إينال المذكور بإقطاع الأمير قصروه، وإينال المذكور هو صهرى زوج كريمتى، وأخذ الأمير قصروه فى إصلاح شأنه إلى أن خلع السلطان عليه خلعة السّفر فى يوم ثانى عشر صفر، وخرج من يومه ولم يستقر أحد فى الأمير آخورية الكبرى. ثم فى يوم الثلاثاء خامس عشرين شهر ربيع الأول سنة ست وعشرين ثارت ريح مريسية «١» طول النهار، فلما كان قبل الغروب بنحو ساعة ظهر فى السماء صفرة من عند غروب الشمس كست الجو والجدران والأرض بالصفرة، ثم أظلم الجو حتى صار النهار مثل وقت العتمة، فما بقى أحد إلا واشتد فزعه، ولهجت العامة بأن القيامة تقوم. فلمّا كان بعد ساعة وهو وقت الغروب أخذ الظلام ينجلى قليلا قليلا ويعقبه ريح عاصف [حتى] «٢» كادت المبانى تتساقط منه، وتمادى ذلك طول ليلة الأربعاء، فرأى الناس أمرا مهولا مزعجا من شدّة هبوب الرّياح والظّلمة التى كانت فى النهار، وعمّت هذه الظلمة أرض مصر حتى وصلت دمياط والإسكندرية وجميع الوجه البحرى وبعض بلاد الصّعيد، ورأى بعض من يظنّ به الخير والصلاح فى منامه كأن قائلا يقول له: لولا شفاعة رسول الله- ﷺ لأهل مصر لأهلكت هذه الريح الناس، لكنه شفع فيهم فحصل اللطف. قلت: لم أر قبلها مثلها ولا بعدها [مثلها] «٣» ، وكان هذا اليوم من الأيام المهولة التى لم يدركها أحد من الطاعنين فى السّن- انتهى.
следующие страницы →