Полный текст (6 264 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
ومن خرق العادات أيضا فى سلطنة الملك «١» الأشرف أنه لما تسلطن لم ينفق على المماليك السّلطانية، وأعجب من ذلك أنه ما طولب بها، وهذا أغرب وأعجب.
ثم رسم السلطان الملك الأشرف- فى يوم الخميس ثامن جمادى الأولى، ونودى بذلك فى القاهرة- بأن لا يستخدم أحد من اليهود ولا من النصارى فى ديوان من دواوين السّلطان والأمراء، وصمّم الأشرف على ذلك، فلم يسلم من بعض عظماء الأقباط من مباشرى الدّولة فلم يتمّ ذلك.
ثم قدم الخبر على السلطان بكثرة الوباء ببلاد حلب وحماة وحمص فى رابع عشر جمادى الآخرة، ورسم السلطان فنودى بسفر الناس إلى مكّة فى شهر رجب، فكثرت المسرّات، بذلك لبعد العهد بسفر الرجبيّة.
ثم جلس السلطان للحكم بين الناس كما كان الملك المؤيّد ومن قبله، وصار يحكم فى يومى السبت والثلاثاء بالمقعد من الإسطبل السلطانى، ثم كتب السلطان إلى الأمير تنبك البجاسىّ نائب حلب أن يتوجّه إلى بهسنا «٢» لحصار تغرى بردى المؤيّدى المعزول عن نيابة حلب.
ثم ورد الخبر على السلطان بخروج الأمير إينال نائب صفد عن الطاعة، وكان سبب خروجه عن الطّاعة أنه كان من جملة مماليك الملك الظّاهر ططر، ربّاه صغبرا ثم ولاه نيابة قلعة صفد بعد سلطنته، فلما قام الملك الأشرف بعد الملك الظاهر ططر بالأمر ولّى إينال المذكور نيابة صفد، وبلغه خلع ابن أستاذه الملك الصالح محمد من السلطنة، فشقّ عليه ذلك، وأخذ فى تدبير أمره، واتّفق مع جماعة على العصيان، وخرج عن الطّاعة، وأفرج عمّن كان محبوسا بقلعة صفد، وهم: الأمير يشبك أنالى المؤيّدى
стр. 4727
الأستادار ثم رأس نوبة النّوب، والأمير إينال الجكمى أمير سلاح ثم نائب حلب، والأمير جلبّان أمير آخور أحد مقدّمى الألوف، وقبض على من خالفه من أمراء صفد وأعيانها، ففى الحال كتب السلطان الملك الأشرف للأمير مقبل الحسامى الدّوادار حاجب حجّاب دمشق باستقراره فى نيابة صفد «١» ، وأن يستمرّ إقطاع الحجوبيّة بيده حتى يتسلّم صفد، ثم كتب إلى الأمير تنبك ميق نائب الشّام أن يخرج بعسكر دمشق لقتال إينال المذكور، وبينما السلطان فى ذلك ورد عليه الخبر بوقعة كانت بين الأمير يونس الرّكنىّ نائب غزّة وبين عرب جرم، وان يونس المذكور انهزم وقتل عدّة من عسكره، ثم وردت الأخبار بكثرة الفتن فى بلاد الصّعيد، ثم ورد على السلطان كتاب الأمير تنبك ميق نائب الشّام بمجيء الأمير إينال الجكمى، ويشبك أنالى، وجلبّان أمير آخور إليه من صفد طائعين للسلطان، فدقّت البشائر لذلك.
وفى سابع عشرين شهر رجب قدم الأمير فارس نائب الإسكندرية إلى القاهرة بطلب، وخلع عليه باستمراره على إمرته وإقطاعه بمصر، وهى تقدمه ألف بالدّيار المصرية، وخلع على الأمير أسندمر النورىّ الظاهرىّ برقوق أحد أمراء الألوف باستقراره فى نيابة الإسكندرية عوضا عن فارس المذكور.
ولما كان يوم الخميس رابع شعبان- الموافق لتاسع عشرين أبيب «٢» - أوفى النيل ستّة عشر ذراعا، وهذا من النّوادر من الوفاء قبل مسرى بيومين، فتباشر الناس بكعب الملك الأشرف [برسباى] «٣» .
ثم فى يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان المذكور أخرج الملك المظفّر أحمد ابن الملك المؤيّد شيخ وأخوه من قلعة الجبل نهارا وحملا فى النّيل إلى الإسكندرية.
وفى هذا الشهر كثر عبث الإفرنج بسواحل المسلمين، وأخذوا مركبا للتجّار
стр. 4728
من ميناء الإسكندرية فيها بضائع بنحو مائة ألف دينار، فشقّ ذلك على الملك الأشرف إلى الغاية مع شغله بنائب صفد.
ثم فى حادى عشرين شهر رمضان خلع السلطان على الأمير أيتمش الخضرى الظّاهرىّ باستقراره أستادارا عوضا عن أرغون شاه النّوروزىّ الأعور، وقدم عليه الخبر بتوجّه عسكر الشام مع الأمير مقبل إلى جهة صفد، وأنه مستمرّ على حصار صفد، فسرّ السلطان بذلك، وكتب إلى نائب الشام بالقبض على الأمير إينال الجكمى ويشبك أنالى وجلبّان وحبسهم بقلعة دمشق.
ثم فى سابع عشرين شوّال قدم الخبر على السلطان بأخذ صفد، وقدم من صفد ثلاثون رجلا فى الحديد ممّن أسر من أصحاب إينال نائب صفد، فرسم السلطان بقطع أيديهم فقطعوا الجميع إلا واحدا منهم فإنه وسط، وأخرج الذين قطعت أيديهم من القاهرة من يومهم إلى البلاد الشامية، فمات عدّة منهم بالرمل، ولم يشكر الملك الأشرف على ما فعله من قطع أيدى هؤلاء.
وكان من خبر هؤلاء وإينال نائب صفد أنه لما قدم عليه الأمير مقبل الدّوادار بعساكر دمشق انهزم منهم إلى قلعة صفد، فلم يزل مقبل على حصار قلعة صفد، إلى يوم الاثنين رابع شوال فنزل إليه إينال بمن معه بعد أن تردّدت الرسل بينهم أيّاما كثيرة، فتسلم أعوان السلطان قلعة صفد فى الحال، وعندما نزل إينال أمر الأمير مقبل أن تفاض عليه خلعة السلطان ليتوجّه أميرا بطرابلس، وكان قد وعد بذلك لما تردّدت الرسل بينهم وبينه مرارا حتى استقرّ الأمر على أن يكون إينال المذكور من جملة أمراء طرابلس، وكتب له السلطان أمانا ونسخة يمين فانخدع الخمول ونزل من القلعة، فما هو إلا أن قام بلبس الخلعة وإذا هم أحاطوا به وقيّدوه وعاقبوه أشدّ عقوبة على إظهار المال، ثم قتلوه وقتلوا معه مائة رجل ممن كان معه بالقلعة، وعلّقوهم بأعلاها، ثم أرسلوا بهذه الثلاثين الذين قطعت أيديهم.
ثم بعد ذلك بأيام ورد الخبر بأن الأمير تغرى بردى المؤيدى سلم قلعة بهسنا ونزل
стр. 4729
بالأمان فأخذه تنبك البجاسى، وقيده وحمله إلى قلعة حلب فسجنه بها، وزال ما كان بالملك الأشرف من جهة صفد وبهسنا، وهدأ سره واطمأن خاطره.
ثم فى يوم الاثنين ثانى ذى القعدة ركب السلطان من قلعة الجبل إلى مطعم الطّيور بالريدانية خارج القاهرة ولبس به قماش الصوف برسم الشتاء على عادة الملوك، ثم عاد إلى القاهرة من باب النّصر، ورأى عمارته بالركن المخلق «١» ، وخرج من باب زويلة إلى القلعة، ونثر عليه الدنانير والدراهم، وهذه أوّل ركبة ركبها من يوم تسلطن.
ثم فى يوم الخميس خامس ذى القعدة عزل السلطان أيتمش الخضرى «٢» عن الأستادارية وأعيد إليها أرغون شاه النوروزى، ولم تشكر سيرة أيتمش لشدة ظلمه مع عجزه عن القيام بالكف السلطانية.
ثم فى يوم الخميس رابع ذى الحجّة اختفى الوزير تاج الدين عبد الرزّاق بن كاتب المناخ فخلع السلطان على أرغون شاه الأستادار وأضيف إليه الوزر «٣» فى يوم الاثنين ثامن ذى الحجّة.
ثم خلع السلطان على القاضى علم الدين صالح ابن الشيخ سراج الدين عمر البلقينى باستقراره قاضى قضاة الشافعية بالديار المصرية عوضا عن ولىّ الدين أبى زرعة العراقى بحكم عزله.
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٢٦]
ثم فى المحرم أنعم السلطان على مملوكه جانبك الخازندار بإمرة طبلخاناه من جملة إقطاع الأمير فارس المعزول عن نيابة الإسكندريّة بعد موته.
ثم رسم السلطان بطلب الأمير إينال النوروزى نائب طرابلس فحضر إلى القاهرة
стр. 4730
فى يوم الاثنين سادس عشرين صفر من سنة ست وعشرين وثمانمائة، وطلع إلى القلعة فأكرمه السلطان.
وخلع على الأمير قصروه من تمراز الأمير آخور الكبير باستقراره فى نيابة طرابلس عوضا عن إينال النوروزى المقدّم ذكره، وأنعم على الأمير إينال المذكور بإقطاع الأمير قصروه، وإينال المذكور هو صهرى زوج كريمتى، وأخذ الأمير قصروه فى إصلاح شأنه إلى أن خلع السلطان عليه خلعة السّفر فى يوم ثانى عشر صفر، وخرج من يومه ولم يستقر أحد فى الأمير آخورية الكبرى.
ثم فى يوم الثلاثاء خامس عشرين شهر ربيع الأول سنة ست وعشرين ثارت ريح مريسية «١» طول النهار، فلما كان قبل الغروب بنحو ساعة ظهر فى السماء صفرة من عند غروب الشمس كست الجو والجدران والأرض بالصفرة، ثم أظلم الجو حتى صار النهار مثل وقت العتمة، فما بقى أحد إلا واشتد فزعه، ولهجت العامة بأن القيامة تقوم.
فلمّا كان بعد ساعة وهو وقت الغروب أخذ الظلام ينجلى قليلا قليلا ويعقبه ريح عاصف [حتى] «٢» كادت المبانى تتساقط منه، وتمادى ذلك طول ليلة الأربعاء، فرأى الناس أمرا مهولا مزعجا من شدّة هبوب الرّياح والظّلمة التى كانت فى النهار، وعمّت هذه الظلمة أرض مصر حتى وصلت دمياط والإسكندرية وجميع الوجه البحرى وبعض بلاد الصّعيد، ورأى بعض من يظنّ به الخير والصلاح فى منامه كأن قائلا يقول له: لولا شفاعة رسول الله- ﷺ لأهل مصر لأهلكت هذه الريح الناس، لكنه شفع فيهم فحصل اللطف. قلت: لم أر قبلها مثلها ولا بعدها [مثلها] «٣» ، وكان هذا اليوم من الأيام المهولة التى لم يدركها أحد من الطاعنين فى السّن- انتهى.
стр. 4731
ثمّ فى يوم الاثنين ثانى شهر ربيع الآخر ركب السلطان من قلعة الجبل وعدّى النيل إلى برّ الجيزة، وأقام بناحية وسيم- حيث مربط الخيول على الرّبيع- بأمرائه ومماليكه يتنزه، وأقام به سبعة أيّام والخدمة تعمل هناك إلى أن عاد فى تاسعه، وأقام بالقلعة إلى يوم الخميس سادس عشرين [شهر] «١» ربيع الآخر المذكور فوصل فيه الأمير تنبك البجاسىّ «٢» نائب حلب إلى القاهرة وطلع إلى السلطان، وقبّل الأرض بين يديه على ما قرّره الملك الأشرف فى أوّل سلطنته، ثم خلع السلطان عليه خلعة الاستمرار وأنزله بمكان ورتّب له ما يليق به، وأقام تنبك إلى يوم الخميس ثالث جمادى الأولى، وخلع السلطان عليه خلعة السّفر، وخرج من يومه إلى محلّ كفالته بحلب.
ثم فى يوم الاثنين رابع عشر جمادى الأولى المذكورة خلع السلطان على الأمير جقمق «٣» العلائى حاجب الحجّاب باستقراره أمير آخور [كبيرا] «٤» عوضا عن قصروه المنتقل إلى نيابة طرابلس، وكانت شاغرة من يوم ولى قصروه نيابة طرابلس إلى يومنا هذا.
ثم ورد الخبر فى جمادى الآخرة بعظم الوباء بدمشق، وأنه وصل إلى غزّة، واستمرّ السلطان ولم يكن عنده ما يشوّش عليه فى جميع أشيائه إلى أن كان يوم الجمعة سابع شعبان ورد الخبر على السلطان بأنّ الأمير الكبير جانى بك الصّوفى فرّ «٥» من الإسكندرية من البرج الذي كان مسجونا به، وخرج من الثّغر المذكور ولم يفطن به أحد، فلمّا سمع السلطان هذا الخبر كادت نفسه أن تزهق، وقامت قيامته، ومن يومئذ حلّ بالناس من البلاء والعقوبات والهجم على البيوت ما سنذكره فى طول سلطنته،
стр. 4732
وتنغّص عيش الأشرف من يوم بلغه الخبر، واستوحش من جماعة كبيرة من أمرائه، وأمسكهم ونفى منهم آخرين- حسبما نذكر ذلك كلّه فى وقته.
ثم فى يوم الخميس العشرين من شعبان خلع السلطان على الأمير جرباش الكريمىّ المعروف بقاشق باستقراره حاجب الحجّاب بالدّيار المصرية عوضا عن جقمق العلائى بحكم انتقال جقمق أمير آخور كبيرا، وكانت الحجوبيّة شاغرة عن جقمق من يوم ولى الأمير آخورية.
وفيه رسم السلطان بانتقال الأمير تنبك البجاسىّ نائب حلب إلى نيابة دمشق «١» عوضا عن الأمير تنبك ميق بحكم وفاته، واستقر الأمير جار قطلو الظاهرىّ نائب حماة «٢» فى نيابة حلب عوضا عن تنبك البجاسىّ، وكان جار قطلو أيضا ولى نيابة حماة عن تنبك البجاسىّ كما تقدّم ذكره؛ وكذا وقع أيضا فى الدّولة المؤيّدية أنه بعد عصيان تنبك البجاسىّ مع قانى باى نائب الشّام وتوجّهه إلى بلاد الشّرق ولى جار قطلو نيابة حماة بعده أيضا، والعجب أن جارقطلو كان أغاة تنبك البجاسىّ، فكانا إذا اجتمعا فى مهمّ سلطانى لا يجلس تنبك البجاسى من ناحية جار قطلو لئلا يجلس فوقه حياء منه- انتهى.
وتولى الأمير جلبّان أمير آخور المؤيّد- وهو يوم ذاك أحد مقدّمى الألوف بدمشق- نيابة حماة عوضا عن جارقطلو، وتوجّه الأمير جانى بك الخازندار الأشرفىّ «٣» فى ثامن عشرين شعبان المذكور بتقاليد المذكورين وتشاريفهم الجميع، وكان هذا الأمر يتوجه فيه ثلاثة من أعيان الأمراء، فأضاف الأشرف جميع ذلك لجانى بك، كونه كان خصّيصا عنده ربّاه من أيام إمرته، فعاد إلى مصر ومعه من الأموال جملة مستكثرة.
стр. 4733
ثم فى يوم الاثنين ثانى شهر رمضان- الموافق لسادس عشر مسرى- أو فى النيل ستة عشر ذراعا فنزل المقام الناصرى محمد بن السلطان فى وجوه الأمراء وأعيان الدولة حتى خلّق المقياس، وفتح خليج السّدّ على العادة، وهو أوّل نزوله إلى ذلك، وكان فى العام الماضى تولّى ذلك الأمير الكبير بيبغا المظفّرى.
وفيه أخرج السلطان الأمير سودون الأشقر الظاهرىّ «١» رأس نوبة النّوب- كان- فى دولة الملك الناصر، ثم أمير مجلس فى دولة الملك المؤيّد، وهو يومئذ أمير عشرين بمصر، منفيّا إلى القدس، ثم شفع فيه فأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، وأنعم بإمرته على شريكه الأمير كزل العجمىّ الأجرود الذي كان حاجب الحجّاب فى الدّولة الناصريّة فرج، فصار من جملة الطبلخانات، والإقطاع المذكور هو ناحية ميمون بالوجه القبلى.
وفيه ندب السلطان عدّة أمراء إلى السّواحل لورود الخبر بحركة الفرنج، فتكامل خروجهم فى ثامن عشرين شهر رمضان المذكور، وكان الذي توجّه منهم من مقدّمى الألوف إلى ثغر الإسكندرية الأمير آقبغا التّمرازىّ أمير مجلس.
ثم فى يوم الخميس عاشر شوّال خلع السلطان على جمال الدين يوسف بن الصّفّىّ «٢» الكركىّ، واستقرّ كاتب السّرّ الشّريف بالديار المصرية بعد موت علم الدين داود ابن الكويز.
قال الشيخ تقىّ الدين المقريزى- رحمه الله تعالى: فأذكرتنى ولايته بعد ابن الكويز قول أبى القاسم خلف الألبيرى المعروف بالسميسر وقد هلك وزير يهودىّ لباديس بن حبوس الحميرى أمير غرناطة من بلاد الأندلس فاستوزر بعد اليهودى وزيرا نصرانيا فقال: [الخفيف]
كلّ يوم إلى ورا ... بدّل البول بالخرا
стр. 4734
فزمانا تهوّدا ... وزمانا تنصّرا
وسيصبو إلى المجو ... س إذا الشّيخ عمرا
قال وقد كان أبو الجمال هذا من نصارى الكرك، وتظاهر بالإسلام فى واقعة كانت للنّصارى هو وأبو علم الدين داود بن الكويز، وخدم كاتبا عند قاضى الكرك عماد الدين أحمد المقيرى، فلما قدم عماد الدين إلى القاهرة وصل أبو جمال الدين هذا فى خدمته، وأقام ببابه حتى مات وهو بائس فقير، لم يزل دنس الثياب مغتم الشكل، وابنه جمال الدين هذا معه فى مثل حاله، ثم خدم جمال الدين هذا بعد موت القاضى عماد الدين عند التّاجر برهان الدين إبراهيم المحلى كاتبا لدخله وخرجه، فحسنت حاله وركب الحمار، ثم سار بعد المحلى إلى بلاد الشّام وخدم بالكتابة هناك، حتى كانت أيّام [الملك] «١» المؤيّد شيخ فولّاه علم الدين بن الكويز نظر الجيش بطرابلس، فكثر ماله بها، ثم قدم فى آخر أيّام ابن الكويز إلى القاهرة، فلما مات ابن الكويز وعد بمال كبير حتى ولى كتابة السّرّ بالديار المصرية، فكانت ولايته من أقبح حادثه رأيناها- انتهى كلام المقريزى برمته.
قلت: وعدّ ولاية هذا الجاهل لمثل هذه الوظيفة العظيمة من غلطات الملك الأشرف وقبح جهله، فإنه لو كان عند الملك الأشرف معرفة وفضيلة [لا نتظر] «٢» حتى يرد عليه كتاب من بعض ملوك الأقطار يشتمل على نثر ونظم وفصاحة وبلاغة، وأراد الأشرف من كاتب سرّه أن يجيب عن ذلك بأحسن منه أو بمثله- كما كان يفعله الملك الناصر محمد بن قلاوون وغيره من عظماء الملوك- لعلم تقصير من ولّاه لهذه الوظيفة، ولاحتاج لعزله فى الحال ولولاية غيره ممن يصلح؛ لئلا يظهر فى ملكه بعض تقصير ووهن؛ لأنه يقال فى الأمثال «تعرف شهامة الملك وعظمته من ثلاث:
كتابه، ورسله، وهديته» فهذا شأن من يكون له شهامة وعلوّ همّة من الملوك [وأما
стр. 4735
الذي بخلاف ذلك فسدّ بمن شئت وول من كان- بالبذل- ولو كان حارس مقات] «١» ولهذا المقتضى ذهبت الفنون، واضمحلّت الفضائل، وسعى الناس فى جمع المال حيث علموا أن الرّتب صارت معذوقة بالباذل «٢» لا بالفاضل، وهذا على مذهب من قال:-[الكامل]
المال يستر كلّ عيب فى الفتى ... والمال برفع كلّ وغد ساقط
فعليك بالأموال فاقصد جمعها ... واضرب بكتب الفضل بطن الحائط
- انتهى.
ثم كتب السلطان باستقرار الأمير آقبغا التّمرازى أمير مجلس فى نيابة الإسكندرية «٣» عوضا عن الأمير أسندمر النّورىّ الظاهرى برقوق، وقدم أسندمر [المذكور] «٤» من الإسكندرية إلى القاهرة فى رابع عشر شوال وقبّل الأرض، ونزل إلى داره، وكان بيده إمرة مائة وتقدمة [ألف] «٥» زيادة على نيابة الإسكندرية، وبعد نزوله أرسل السلطان خلف السّيفى يلخجا من مامش السّاقى الناصرىّ وأمره أن يأخذ الأمير أسندمر هذا ويتوجّه به إلى ثغر دمياط بطّالا، وكان ذنب أسندمر المذكور تفريطه فى أمر جانى بك الصّوفى حتى فرّ من سجنه، ولولا أن أسندمر المذكور كان من أغوات الملك الأشرف المذكور ومن أكابر إنّيّات الأمير چاركس القاسمىّ المصارع لكان له معه شأن آخر.
ثم فى تاسع عشر شوّال خرج محمل الحاج صحبة أمير الحاج الطّواشى افتخار الدين ياقوت الأرغون شاوىّ الحبشى مقدم المماليك السلطانيّة، وهذه ثانى سفرة سافرها
стр. 4736
بالمحمل، وكان أمير حاج الأوّل الأمير إينال الشّشمانىّ الناصرى أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، وحججت أنا أيضا فى هذه السنة.
ثم فى سابع عشرين شوّال أمسك السلطان الأمير أرغون شاه النّوروزى الأستادار والوزير لعجزه عن القيام بجوامك المماليك السلطانية مع ظلمه وعسفه.
ثم أصبح السلطان فى يوم الاثنين ثامن عشرينه خلع على ناصر الدين محمد ابن شمس الدين محمد بن موسى المعروف بابن المرداوى والمعروف بابن بولى، والعامة تسميه ابن أبى والى باستقراره أستادارا عوضا عن أرغون شاه المذكور، وعوقب أرغون شاه يين يدى السلطان.
وخبر ابن بولى هذا وأصله أنه كان أبوه من حجة ومردة من أعمال الشّام، وسكن القدس وصار من جملة التّجّار، وولد له ابنه هذا فتزيّا بزىّ الجند وخدم من جملة الأجناد البلاصيّة «١» عند الأمير أرغون شاه المذكور أيام أستاداريته لنوروز، ثم تنقّل إلى أن صار أستادار الأمير جقمق الدّوادار وصادره جقمق وصرفه بعد أن كثر ماله، ثم خدم بعد ذلك فى عدّة جهات إلى أن طلب إلى مصر، وألزم بحمل عشرين ألف دينار، فوعد أنه يحمل منها ثلاثة آلاف دينار ويمهل فيما بقى عدّة أيام، فلمّا قبض السلطان على أرغون شاه المذكور سوّلت له نفسه وزيّن له شيطانه أن يكون أستادارا ويسدّ المبلغ الذي ألزم بحمله من وظيفة الأستادارية، فكان خلاف ما أمّل، ونزل بالخلعة إلى بيت أرغون شاه المذكور وعليه قماشه، ثم تسلّم أرغون شاه وأدخله إلى داره المذكورة وهو فى الحديد، فرأى أرغون شاه من كان من جملة غلمانه قد جلس على مقعده وفى بيته وتحكّم فيه وأخذ يعاقبه بحضرة من كان يخدمه بها، فلما رأى ما حلّ به دمعت عيناه وبكى، فكان فى هذا الأمر عبرة لمن اعتبر.
وفى هذا اليوم المذكور خلع السلطان عن الأمير إينال النّوروزىّ المعزول عن نيابة طرابلس قبل تاريخه باستقراره أمير مجلس عوضا عن آقبغا التّمرازى، وكلاهما
стр. 4737
صهرى وزوج إحدى أخواتى.
وفيه أيضا خلع السلطان على كريم الدين عبد الكريم ابن الوزير تاج الدين عبد الرزاق بن كاتب المناخ باستقراره وزيرا وذلك فى حياة والده، حكى الصاحب كريم الدين قال: دخلت بخلعة الوزارة على والدى فقال لى: يا عبد الكريم أنا ولّيت هذه الوظيفة ومعى خمسون ألف دينار ذهبت فيها ولم أسد، تسد أنت من أين؟ قال فقلت: من أضلاع المسلمين، فضحك وحوّل وجهه عنى.
ثم فى يوم الخميس أوّل ذى القعدة قدم إلى القاهرة جماعة من إخوة السلطان وأقاربه من بلاد الچاركس بعد أن خرج الأمراء إلى لقائهم، وكبير القوم يشبك أخو السلطان الملك الأشرف.
وفيه خرج من القاهرة الأمير قجق العيساوىّ أمير سلاح، والأمير أركماس الظاهرى أحد مقدّمى الألوف، وزين الدين عبد الباسط بن خليل ناظر الجيش إلى مكة «١» على الرّواحل حاجّين.
ثم فى سادس عشر ذى القعدة [المذكورة] «٢» قدم الأمير جانى بك الأشرفىّ الخازندار من الشّام بعد تقليد نائبها الأمير تنبك البجاسىّ فخلع السلطان عليه باستقراره دوادارا «٣» ثانيا عوضا عن الأمير قرقماس الشّعبانى النّاصرى فرج بحكم استقراره أمير مائة ومقدّم ألف وتوجّهه أمير مكّة، ومن يومئذ عظم أمر جانى بك المذكور فى الدّولة حتى صار هو صاحب عقدها وحلّها، ونال من السعادة والوجاهة والحرمة فى الدّولة ما لم ينله دوادار فى عصره ولا من بعده إلى يومنا هذا.
وفى هذه الأيام اشتدّ طلب السلطان على جانى بك الصّوفىّ، وقبض على بعض المماليك بسببه، وعوقب بعضهم حتى هلك، ثم أمسك السلطان أصهار جانى بك الصّوفى
стр. 4738
أولاد قطلوبك الأستادار، وعاقب بعض حواشيهم، هذا بعد الهجم على بيوت جماعة كبيرة ممن يغمز عليهم بعض أعدائهم، فيحل على صاحب البيت المذكور من البلاء والرجيف مالا مزيد عليه، وتداول ذلك سنين وهذا أوله حسبما يأتى ذكره.
ثم فى ثامن عشرين ذى الحجة قدم مبشّر الحاج وأخبر بالأمن والرّخاء وكثرة الأمطار، غير أن الشريف حسن بن عجلان لم يقابل أمير الحاج ونزح عن مكّة لما أشيع أن السلطان يريد القبض عليه، فغضب السلطان لذلك ورسم فنودى على المماليك البطّالين ليجهزوا إلى التجريدة لقتال أشراف مكّة.
ثم اشتغل السلطان عن ذلك بأمر جانى بك الصّوفى، وأخذ فيما هو فيه من كبس البيوت وإرداع الناس، وأيضا لما ورد عليه أن متملك الحبشة وهو أبرم ويقال إسحاق ابن داود «١» بن سيف أرعد قد غضب بسبب غلق كنيسة قمامة «٢» بالقدس، وقتل عامّة من كان فى بلاده من رجال المسلمين، واسترقّ نساءهم وأولادهم، وعذّبهم عذابا شديدا، وهدم ما فى مملكته من المساجد، وركب إلى بلاد جبرت، فقاتلهم حتى هزمهم، وقتل عامّة من كان بها، وسبى نساءهم، وهدم مساجدهم، فكانت فى المسلمين ملحمة عظيمة فى هذه السّنة لا يحصى فيها من قتل من المسلمين، فاشتاط السلطان غضبا، وأراد قتل بطرك النّصارى وجميع ما فى مملكته من النّصارى ثم رجع عن ذلك.
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٢٧]
ثم فى يوم الاثنين ثانى المحرم من سنة سبع وعشرين وثمانمائة قدم الأمير مقبل الحسامى الدّوادار نائب صفد إلى القاهرة، وقبّل الأرض بين يدى السلطان، فخلع عليه باستقراره على عمله «٣» .
وفى ثامن المحرم قدم الأمير قجق، وأركماس الظاهرى وعبد الباسط من الحج،
стр. 4739
وتأخّر الأمير قرقماس الشّعبانى بالينبع، وأرسل يطلب عسكرا ليقاتل به الشّريف حسن بن عجلان صاحب مكّة ويستقرّ عوضه فى إمرة مكّة، فنودى على المماليك البطّالة وعيّن منهم جماعة مع حسين الكردى الكاشف ليتوجّه بهم إلى مكة.
هذا وقد اشتغل سر السلطان «١» بما أشيع من عصيان الأمير تنبك البجاسىّ نائب دمشق، وصار خبر الإشاعة عنده هو الأهمّ، وأخذ يدبّر فى القبض عليه قبل أن يستفحل أمره، وكتب عدّة ملطّفات لأمراء دمشق بالقبض عليه، هذا وقد قوى عند الملك الأشرف خروجه عن الطاعة، وبادر وخلع على الأمير «٢» سودون من عبد الرحمن الدّوادار فى يوم الاثنين ثالث عشرين المحرّم باستقراره فى نيابة دمشق عوضا عن تنبك البجاسىّ، فلبس سودون من عبد الرحمن الخلعة ونزل من القلعة سائرا إلى دمشق على جرائد الخيل، ولم يدخل إلى داره، وسار سودون من عبد الرحمن إلى جهة دمشق وقد تقدّمته الملطّفات بمسك تنبك المذكور، فلما وقف أمراء دمشق على الملطّفات، اتّفقوا الجميع وركبوا بمن معهم وأتوادار السّعادة فى ليلة الجمعة رابع صفر، واستدعوا الأمير تنبك البجاسى المذكور ليقرأ كتاب السلطان، فعلم بما هو القصد وخرج من باب السّرّ- وعليه السلاح- فى جميع مماليكه وحواشيه، فأقبلوا عليه الأمراء وقاتلوه حتى مضى صدر من نهار الجمعة المذكور، ثم انهزموا منه أقبح هزيمة وتشتت شملهم، فتحصّن منهم طائفة بقلعة دمشق، ومضى منهم آخرون إلى الأمير سودون من عبد الرحمن، فوافوه وهو نازل على صفد، واستولى تنبك المذكور على دمشق وقوى بأسه، وكان انضمّ عليه من أمراء دمشق الأمير قرمش الأعور المقدّم ذكره من أصحاب جانى بك الصّوفىّ، والأمير تمراز المؤيّدى الخازندار وغيرهما من أمراء دمشق، ثم تجهّز تنبك البجاسىّ هو وأصحابه لمّا بلغهم قدوم سودون من عبد الرحمن، وخرج من دمشق بجموعه فى أسرع وقت، وسار حتى وافى الأمير
стр. 4740
سودون من عبد الرحمن وهو نازل على جسر يعقوب «١» فى يوم الجمعة حادى عشر صفر وقد قطع سودون من عبد الرحمن الجسر لئلا يصل إليه تنبك المذكور، وكان سودون لما خرج من مصر بمماليكه وسار إلى جهة دمشق حتى نزل على صفد وافاه الأمير مقبل الحسامى نائب صفد بعساكر صفد وسارا معا حتى نزلا جسر يعقوب، فلمّا بلغ سودون مجىء تنبك إليه جبن عن قتاله وقطع الجسر، فقدم تنبك فلم يجد سبيلا لقتال سودون فبات كل منهما من جهة، وكلاهما لا يصل إلى الآخر بسوء، فبانوا يتحارسون إلى الصباح.
فلما أصبح يوم السبت ثانى عشر صفر شرعوا يترامون بالنّشّاب نهارهم كله حتى حجز الليل بينهم، فباتوا ليلة الأحد على تعبئتهم وقد قوى أمر تنبك، وأصبح الأمير تنبك فى يوم الأحد ثالث عشره راحلا إلى جهة الصّبيبة فى انتظار ابن بشارة أن يأتيه بجموعه، وقد أرصد جماعة لسودون من عبد الرحمن بوطاقه، فكتب سودون من عبد الرحمن بذلك إلى السلطان.
ثم ركب بمن معه على جرائد الخيل وقصد مدينة دمشق وترك الأثقال فى مواضعها مع نائب القدس يوهم عسكر تنبك البجاسىّ أنه مقيم بمكانه، وساق حتى دخل دمشق فى يوم الأربعاء سادس عشر صفر المذكور وملك المدينة وتمكّن من قلعة دمشق، وبلغ الأمير تنبك البجاسىّ ذلك فركب من وقته وساق حتى وافى سودون من عبد الرحمن بدمشق من يومه، وبلغ سودون قدومه فخرج إليه وتلقّاه بمن معه من عساكر دمشق بباب الجابية وقاتلوه فثبت لهم تنبك البجاسىّ مع قلّة عسكره وكثرة عساكرهم، وقاتلهم أشد قتال والرّمى ينزل عليه من قلعة دمشق، وهو مع ذلك يظهر التجلّد إلى أن حرّك فرسه فى غرض له فأصابه ضربة على كتفه حلّته فتقنطر عند ذلك عن فرسه، فتكاثروا عليه وأخذوه أسيرا إلى قلعة دمشق ومعه نحو
стр. 4741
عشرين من أصحابه، وفرّ من كان معه من الأمراء إلى حال سبيلهم، وكتب الأمير سودون من عبد الرحمن فى الحال بجميع ذلك إلى السلطان.
وأما الملك الأشرف فإنه بعد خروج سودون من عبد الرحمن أخذ ينتظر ما يرد عليه من الأخبار فى أمر تنبك، فقدم عليه كتاب سودون من عبد الرحمن من جسر يعقوب أوّلا فى يوم الأحد عشرين صفر فعظم عليه هذا الخبر، وعزم على سفر الشام، واضطرب الناس ووقع الشّروع فى حركة السّفر، وأحضرت خيول كثيرة من مرابطها من الرّبيع، وبينما الناس فى ذلك قدم كتاب سودون من عبد الرحمن الثانى من دمشق يتضمن النّصر على تنبك البجاسىّ والقبض عليه وحبسه بقلعة دمشق فسرّ السلطان بذلك غاية السرور ودقت البشائر، وكتب بقتل تنبك البجاسى وحمل رأسه إلى مصر وبالحوطة على موجوده، وتتبّع حواشيه ومن كان معه من أمراء دمشق، وهدأ سرّ السلطان من جهة دمشق، وبطلت حركة السّفر، والتفت إلى ما كان عليه أوّلا من الفحص على جانى بك الصّوفىّ.
فلما كان سابع عشرين صفر المذكور نودى بالقاهرة ومصر على جانى بك الصّوفىّ ووعد من أحضره إلى السلطان بألف دينار، وإن كان جنديا بإمرة عشرة، وهدّد من أخفاه وظهر عنده بعد ذلك بإحراق الحارة التى هو ساكن بها، وحلف المنادى على كل واحدة مما ذكرنا يمينا عن السلطان، هذا بعد أن قوى عند السلطان الملك الأشرف أن جانى بك الصوفىّ مختف بالقاهرة، ولو كان بالبلاد الشامية لظهر وانضمّ مع تنبك البجاسى، وهو قياس صحيح.
ثم التفت السلطان أيضا إلى أمر مكة، فلما كان يوم الجمعة ثانى شهر ربيع الأول نودى بالقاهرة بالخروج إلى حرب مكة المشرفة، فاستشنع الناس هذه العبارة، ثم عيّن جماعة من المماليك السلطانية وأنفق على كل واحد منهم أربعين دينارا.
ثم فى حادى عشرين شهر ربيع الأوّل قدم رأس الأمير تنبك البجاسىّ إلى القاهرة فطيف بها على رمح، ثم علّقت على باب النّصر أيّاما.
стр. 4742
وفى سابع عشرين شهر ربيع الأول خلع السلطان على الأمير أزبك المحمدى الظاهرى رأس نوبة النّوب باستقراره دوادارا كبيرا «١» عوضا عن سودون من عبد الرحمن المنتقل إلى نيابة الشام.
وخلع على الأمير تغرى بردى المحمودى الناصرى باستقراره رأس نوبة النّوب عوضا عن أزبك المذكور.
ثم فى يوم السبت تاسع شهر ربيع الآخر خلع السلطان على القاضى شمس الدين محمد الهروىّ باستقراره كاتب السّرّ الشريف بالديار المصرية عوضا عن جمال الدين يوسف ابن الصّفىّ الكركىّ، ونزل فى موكب جليل وكان الهروىّ علّامة فى فنون كثيرة من العلوم.
ثم فى يوم الجمعة سابع جمادى الأولى أقيمت الخطبة بالمدرسة الأشرفيّة «٢» بخط العنبريين من القاهرة ولم يكمل منها سوى الإيوان القبلى.
وفى يوم الاثنين ثانى جمادى الآخرة خلع السلطان على الأمير صلاح الدين محمد ابن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله باستقراره أستادارا بعد عزل ناصر الدين محمد بن بولى والقبض عليه، وهذه ولاية صلاح الدين الثانية للأستادارية.
ثم فى ثانى عشره خلع السلطان على الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ واستقرّ ناظر ديوان المفرد مضافا على الوزر عوضا عن القاضى كريم الدين بن كاتب جكم.
وفى يوم الأحد خامس عشر جمادى المذكور توفّيت زوجة السلطان الملك الأشرف ودفنت بالقبّة بالمدرسة الأشرفيّة.
قال المقريزى: واتّفق فى موتها نادرة، وهى أنها لما ماتت عمل لها ختم «٣» عند
стр. 4743
قبرها فى الجامع الأشرفى «١» ونزل ابنها الأمير ناصر الدين محمد من القلعة لحضور الختم، وقد ركب فى خدمته الملك الصالح محمد بن ططر، فشقّ القاهرة من باب زويلة وهو فى خدمة ابن السلطان بعد ما كان بالأمس سلطانا، وصار جالسا بجانبه فى ذلك الجمع وقائما بخدمته إذا قام، فكان فى ذلك موعظة لمن اتّعظ- انتهى.
قلت: حضرت أنا هذه الختم المذكورة وشاهدت ما نقله المقريزى بعينى فهو كما قال غير أنه لم يكن فى خدمته وإنما جلسا فى الصّدر معا، بل كان الصالح متميّزا عليه فى الجلوس وكذلك فى مسيره من القلعة إلى الجامع المذكور، وقد ذكرنا طرفا من هذه المقالة فى أواخر ترجمة الملك الصّالح المذكور، غير أنه كما قاله المقريزى إنه من النوادر، ثم فى يوم السبت حادى عشرين جمادى الآخرة خلع السلطان على قاضى القضاة نجم الدين عمر بن حجّى باستقراره كاتب السّرّ الشريف بالديار المصرية بعد عزل قاضى القضاة شمس الدين الهروى، ونزل ابن حجّى على فرس بسرج ذهب وكنبوش زركش فى موكب جليل إلى الغاية.
قال المقريزى: وقد ظهر نقص الهروى وعجزه «٢» ، فقد باشر بتعاظم زائد مع طمع شديد وجهل بما وسّد إليه، بحيث كان لا يحسن قراءة القصص ولا الكتب الواردة، فتولّى قراءة ذلك بدر الدين محمد بن مزهر نائب كاتب السرّ، وصار يحضر الخدمة ويقف على قدميه وابن مزهر هو الذي يتولّى القراءة على السلطان- انتهى كلام المقريزى برمّته.
قلت: لا يسمع قول المقريزى فى الهروى، فأما قوله «باشر بتعاظم [زائد] «٣» » فكان أهلا لذلك لغزير علمه ولما تقدّم له من الولايات الجليلة بعمالك العجم، ثم بالديار المصرية.
وقوله «وعجزه بما وسّد إليه» يعنى عن وظيفة كتابة السرّ، نعم كان لا يدرى الاصطلاح
стр. 4744
المصرى، ولم يكن فيه طلاقة لسان بالكلام العربىّ كما هى عادة الأعاجم، وأمّا علمه وفضله وتبحّره فى العلوم العقلية فلا يشكّ فيه إلا جاهل، وهو أهل لهذه الرّتبة وزيادة، غير أنه صرف عن الوظيفة بمن هو أهل لها أيضا وهو القاضى نجم الدين بن حجّى قاضى قضاة دمشق ورئيسهم، وكلاهما أعنى المتولّى والمعزول من أعيان العلماء وقدماء الرؤساء، والتعصّب فى غير محلّه مردود من كل أحد على كائن من كان- انتهى.
ثم فى سلخ الشهر المذكور خلع السلطان على القاضى الشريف شهاب الدين نقيب الأشراف بدمشق باستقراره قاضى قضاة دمشق، عوضا عن القاضى نجم الدين بن حجّى المقدم ذكره.
ثم فى يوم الخميس رابع شهر رجب خلع السلطان على العلّامة علاء الدين على الرّومى الحنفى باستقراره شيخ الصّوفيّة، ومدرّس الحنفية بالمدرسة الأشرفية بخط العنبريّين بالقاهرة، وكان له مدّة يسيرة من يوم قدم من بلاد الرّوم.
وفيه قدم «١» الخبر على السلطان بأخذ الفرنج مركبين من مراكب المسلمين قريبا من ثغر دمياط، فيهما بضائع كثيرة وعدّة أناس يزيدون على مائة رجل، فكتب السلطان بإيقاع الحوطة على أموال تجّار الفرنج التى ببلاد الشام والإسكندرية ودمياط والختم عليها، وتعويقهم عن السّفر إلى بلادهم حتى تردّ الفرنج ما أخذوه من المسلمين، فكلّمه أهل الدّولة فى إطلاقهم فلم يقبل، وأخذ فى تجهيز غزوهم.
وفيه «٢» ركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إلى جامعه الذي أنشأه بخط العنبرييّن المقدّم ذكره، وجلس به ساعة، ثم عاد إلى القلعة بغير قماش الموكب «٣» .
стр. 4745
وفى «١» يوم الأربعاء أوّل شعبان ابتدئ بقراءة صحيح البخارى بين يدى السّلطان.
قال المقريزى: وحضر القضاة ومشايخ العلم، والهروىّ، والشيخ شمس الدين محمد ابن الجزرى بعد قدومه بأيّام، وكاتب السرّ نجم الدين بن حجّى، ونائبه بدر الدين ابن مزهر، وزين الدين عبد الباسط ناظر الجيش، والفقهاء الذين رتّبهم المؤيد، فاستجدّ.
فى هذه السنة حضور المباشرين، وكانت العادة من أيّام الأشرف شعبان بن حسين أن تبدأ قراءة البخارى فى أول يوم من شهر رمضان، ويحضر قاضى القضاة الشافعىّ، والشيخ سراج الدين عمر البلقينىّ وطائفة قليلة العدد لسماع البخارى، ويختم فى سابع عشرينه، ويخلع على قاضى القضاة، ويركب بغلة بزنّارىّ «٢» تخرج له من الإسطبل السلطانى، ولم يزل الأمر على هذا حتى تسلطن المؤيد شيخ فابتدأ بالقراءة من أول شعبان إلى سابع عشرين [شهر] «٣» رمضان، وطلب قضاة القضاة الأربعة ومشايخ العلم وقرّر عدّة من الطلبة يحضرون أيضا، فكانت تقع بينهم أبحاث يسىء بعضهم على بعض فيها إساءات منكرة، فجرى السلطان [الأشرف] «٤» على هذا واستجدّ- كما ذكرنا- حضور المباشرين، وكثر الجمع، وصار المجلس جميعه صياحا- انتهى.
قلت: ليس فى هذا شىء منكر وكما جدّد الأشرف [شعبان] «٥» قراءة البخارى فى شهر رمضان جعله غيره من أوّل شعبان، وكل ممّن «٦» فعل ذلك سلطان يتصرّف كيف شاء، ولا يشكّ أحد أن التأنى فى القراءة أفضل من الإدراج لا سيما كتب
стр. 4746
الحديث ليفهمه كلّ أحد من مبتدئ أو منته، وأيضا كلّما كثر الجمع عظم الأجر والثّواب، وأما الصّياح فلم تبرح مجالس العلم فيها البحوث والمشاحنة، ولو وقع منهم ما عسى أن يقع فهم فى أجر وثواب، وليس للاعتراض هنا محلّ بالجملة- انتهى.
ثم فى يوم الأحد رابع شهر رمضان أخرج السلطان الأمير أرغون شاه النّوروزى، والأمير ناصر الدين محمد بن بولى من القاهرة إلى دمشق بطّالين، وقد تقدّم أن كليهما قد ولى الأستادارية بالديار المصرية.
وفى هذه الأيام ندب السلطان جماعة من المماليك السلطانيّة للغزاة.
ولما كان يوم الجمعة تاسع شهر رمضان سار غرابان من ساحل بولاق ظاهر القاهرة فى بحر النيل بعد أن أشحنا بالمقاتلة والأسلحة، وكان فيهما من المماليك السلطانيّة ثمانون نفرا غير المطّوّعة، ورسم السلطان لهم أن يسيروا فى البحر إلى طرابلس، ويأخذوا أيضا من سواحل الشام عدّة أغربة أخر فيها المقاتلة، ويسيروا فى البحر المالح لعلّهم يجدون من يتجرّم فى البحر من الفرنج، وهذه أوّل غزاة «١» جهزها السلطان الملك الأشرف برسباى ﵀ «٢» .
ثم فى يوم الثلاثاء رابع شوّال أمر السلطان بحفر صهريج «٣» بوسط صحن جامع الأزهر، فابتدءوا فيه من هذا اليوم وحفروا بوسط «٤» صحن الجامع المذكور فوجدوا فيه آثار فسقيّة قديمة وبها عدّة أموات، ثم شرعوا فى بنائها حتى كملت وعمّر فوقها مقعد لطيف على صفة السبيل، وانتفع أهل الجامع به، ودام سنين إلى أن أمر السلطان الملك الظاهر [جقمق] «٥» بهدمه، فهدم وردم.
ثم فى يوم السبت تاسع عشرين شوال المذكور حضر الأمراء الخدمة السلطانية
стр. 4747
على العادة، ونزلوا إلى دورهم، فاستدعى السلطان بعد نزولهم الأمير بيبغا المظفّرى أتابك العساكر إلى القلعة، فلمّا صار إليها قبض عليه وقيّد وحمل إلى الإسكندرية من يومه.
ثم فى يوم الخميس رابع ذى القعدة خلع السلطان على الأمير قجق العيساوىّ أمير سلاح باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن بيبغا المظفّرى بحكم القبض عليه، وخلع على إينال النّوروزىّ أمير مجلس باستقراره أمير سلاح عوضا عن قجق المذكور، وأنعم السلطان بإقطاع بيبغا المذكور على الأمير إينال الجكمىّ أحد الأمراء البطّالين بالقدس وكتب بإحضاره، وعلى الأمير حسين بن أحمد المدعو تغرى برمش البهسنىّ التّركمانىّ نائب قلعة الجبل نصفين بالسّوية بعد أن أخرج منه بلدة من القليوبيّة «١» .
ثم فى يوم الاثنين ثامن ذى القعدة خلع السلطان على قاضى القضاة شمس الدين محمد الهروىّ المعزول عن وظيفة كتابة السرّ قبل تاريخه باستقراره قاضى قضاة الشافعية بالديار المصرية، عوضا عن قاضى القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر بحكم عزله، وهذه ولاية القاضى الهروىّ الثانية للقضاء.
وقدم الأمير إينال الجكمىّ من القدس فى يوم الاثنين خامس عشره، وخلع السلطان عليه باستقراره أمير مجلس عوضا عن إينال النّوروزى.
وفى هذه الأيام أنعم السلطان على الأمير تنبك من بردبك الظّاهرىّ أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بإمرة طبلخاناه عوضا عن تغرى برمش البهسنى، واستقرّ أيضا عوضه فى نيابة قلعة الجبل، وتنبك المذكور هو أتابك العساكر بديار مصر فى زماننا هذا.
ثم فى يوم السبت العشرين من ذى القعدة وصلت الغزاة المقدّم ذكرهم بالغنائم والأسرى.
стр. 4748
وكان من خبرهم أنّهم لمّا خرجوا من ثغر دمياط تبعهم خلائق من المطّوّعة فى سلّورة «١» وساروا إلى طرابلس وسار معهم أيضا غرابان، وتوجّهوا الجميع إلى الماغوصة «٢» فأضافهم متملّكها وأكرمهم، فلم يتعرضوا لبلاده، ومضوا عنه إلى بلد يقال لها اللّمسون «٣» من جزيرة قبرص فوجدوا أهلها قد استعدّوا لقتالهم وأخرجوا أهاليهم وعيالهم، وخرجوا فى سبعين فارسا تقريبا وثلاثين راجلا، فقاتلهم المسلمون حتى هزموهم، وقتلوا منهم فارسا واحدا وعدّة رجال، وغرّقوا بعض أغربة وأحرقوا بعضها، ونهبوا ما وجدوه من ظروف السمن والعسل وغير ذلك، وأسروا ثلاثة وعشرين رجلا، وأخذوا قطع جوخ كثيرة، فسرّ الناس بعودهم وسلامتهم وتشوّق كلّ أحد للجهاد- انتهى.
ثم فى ثامن عشرين ذى الحجة خلع السلطان على الشيخ سعد الدين سعد ابن قاضى القضاة شيخ الإسلام شمس الدين محمد الدّيرى الحنفى باستقراره فى مشيخة صوفيّة الجامع المؤيدى ومدرّس الحنفية به بعد موت أبيه بالقدس.
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٢٨]
ثم فى تاسع عشرين المحرم من سنة ثمان وعشرين وثمانمائة ركب السلطان مخفّا من قلعة الجبل، ونزل إلى جامعه بخط العنبريين وكشف عمائره، ثم ركب وسار إلى جامع الأزهر لرؤية الصّهريج الذي عمّره، ثم تقدّم وزار الشيخ خليفة والشيخ سعيدا وهما من المغاربة لهما بالجامع الأزهر مدّة سنين وشهرا بالخير والصّلاح، ثم خرج من الجامع إلى
стр. 4749
دار الشيخ محمد بن سلطان وهو أيضا أحد من يظنّ فيه الخير والصّلاح فزاره أيضا وعاد إلى القلعة.
ثم فى هذا الشهر أيضا وقع الشروع فى عمل عدّة مراكب لغزو بلاد الفرنج، واستمرّ العمل فيهم كل يوم إلى أن نزل السلطان فى يوم الثلاثاء حادى عشر صفر من سنة ثمان وعشرين المذكورة وكشف عمل المراكب المذكورة، ثم عاد من على جزيرة الفيل إلى جهة مناظر «الخمس وجوه» المعروفة بالتّاج التى كان الملك المؤيد جدّدها فأقام بها ساعة هينة، وعاد من على الخندق من جهة خليج الزّعفران إلى أن طلع إلى القلعة، هذا كله والسلطان لا يفتر عن الفحص على أخبار جانى بك الصّوفى ولا يكذّب فى أمره خبر مخبر.
ثم فى يوم الاثنين رابع عشرين صفر خلع السلطان على الشيخ محب الدين أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن محمد بن عمر الشّشترىّ البغدادى الحنبلى باستقراره قاضى قضاة الحنابلة بالديار المصرية بعد موت قاضى القضاة علاء الدين على بن محمود بن مغلى، وكلّ منهما كان أعجوبة زمانه فى الحفظ وسعة العلم.
ثم فى ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الأوّل عمل السلطان المولد النبوى بالحوش السلطانى من قلعة الجبل كعادة عمله فى كل سنة.
ثم فى يوم الأحد سابعه سار الأمير أرنبغا اليونسى الناصرى أحد أمراء العشرات ورأس نوبة تجريدة إلى مكّة ومعه مائة مملوك من المماليك السلطانية، وتوجه معه سعد الدين إبراهيم المعروف بابن المرة أحد الكتّاب لأخذ مكس «١» المراكب الواردة ببندر جدّة من بلاد الهند، وهذا أول ظهور أمر جدّة، وكان ذلك بتدبير الأمير يشبك الساقى الأعرج، فإنه نفاه الملك المؤيد [شيخ] «٢» إلى مكّة، فأقام بها سنين وعلم أحوال أشراف
стр. 4750
مكة وما هم عليه، فحسّن للسلطان الاستيلاء على بندر جدّة ولا زال به حتى وقع ذلك وصار أمر جدّة كما هى عليه الآن.
ثم فى يوم الخميس سابع عشر شهر ربيع الآخر قدم الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشّام إلى القاهرة، وطلع إلى القلعة بعد أن تلقّاه أكابر الدّولة وقبّل الأرض، وخلع عليه باستمراره، وأنزل بمكان يليق به إلى أن خلع السلطان عليه خلعة السّفر، وعاد إلى محل ولايته فى سادس عشر شهر ربيع الآخر المذكور.
وفى هذا الشهر كمل عمارة البرج الذي عمّر بالقرب من الطّينة «١» على بحر الملح وجاء مربّع الشكل مساحة كلّ ربع منه ثلاثون ذراعا، وشحن بالأسلحة، وأقيم فيه خمسة وعشرون مقاتلا، فيهم عشرة فرسان، وأنزل حوله جماعة من عرب الطّينة، فانتفع به المسلمون غاية النّفع، وذلك أن الفرنج كانت تقبل فى مراكبها نهارا إلى برّ الطّينة وتنزل بها وتتخطّف الناس من المسلمين من هناك فى مرورهم من قطيا إلى جهة العريش من غير أن يمنعهم من ذلك أحد؛ لخلوّ هذا المحلّ من الناس، وتولّى عمارة هذا البرج المذكور الزّينى عبد القادر بن فخر الدين بن عبد الغنى بن أبى الفرج، وأخذ الآجرّ والحجر الذي بنى هذا البرج به من خراب مدينة الفرما «٢» وأحرق أيضا الجير من حجارتها، وقد تقدّم ذكر غزو الفرما فى مجىء عمرو بن العاص إلى مصر فى أوّل هذا الكتاب.
ثم فى يوم السبت عاشر جمادى الأولى خلع السلطان على الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله ناظر الخواصّ الشريفة باستقراره أستادارا عوضا عن ولده صلاح الدين محمد.
стр. 4751
ثم فى يوم الاثنين ثانى عشر جمادى الأولى المذكورة خلع السلطان على القاضى كريم الدين عبد الكريم بن سعد الدين بركة المعروف بابن كاتب جكم باستقراره فى وظيفته نظر الخاصّ الشّريف عوضا عن بدر الدين بن نصر الله المذكور.
وخلع على أمين الدّين إبراهيم ابن مجد الدين عبد الغنى بن الهيصم باستقراره ناظر الدّولة عوضا عن كريم الدين بن كاتب جكم المذكور.
وفى هذه الأيام كثرت الأخبار بحركة الفرج فخرج عدّة من الأمراء والمماليك لحراسة الثّغور.
ثم فى عاشر جمادى الآخرة أمسك السلطان القاضى نجم الدين عمر بن حجّى كاتب السّرّ، وسلّم إلى الأمير جانى بك الأشرفى الدّوادار الثانى فسجنه بالبرج من قلعة الجبل، وأحيط بداره، وكان سبب مسك ابن حجّى أنه التزم عن ولايته كتابة السّرّ بعشرة آلاف دينار، ثم تسلم ما كان جاريا فى إقطاع ابن السّلطان من حمايات «١» علم الدين داود بن الكويز ومستأجراته، على أن يقوم لديوان ابن السلطان فى كل سنة بألف وخمسمائة دينار، فحمل فى مدّة ولايته لكتابة السّرّ إلى الخزانة الشريفة خمسة آلاف دينار فى دفعات متفرقة، فلما كان هذه الأيام طلب السلطان منه حمل ما تأخّر وهو ستة آلاف دينار، فسأل السلطان مشافهة أن ينعم عليه بألف وخمسمائة دينار المقرّرة من الحمايات والمستأجرات، وتشكّى من قلّة متحصّلها معه، فلم يجب السلطان سؤاله، فنزل إلى داره وكتب ورقة إلى السلطان تتضمّن: أنه غرم من حين ولى كتابة السّرّ إلى يوم تاريخه اثنى عشر ألف دينار، منها الحمل إلى الخزانة خمسة آلاف دينار، ولمن لا يسمّى مبلغ ألفى دينار، وللأمراء أربعة آلاف دينار، وذكر تفصيل الأربعة آلاف دينار؛ فلما قرئت على السلطان فهم أنه أراد بمن لا يذكر أنه الأمير جانى بك الدّوادار، وأخذ
стр. 4752
السلطان يسأل من جانى بك عندما حضر هو والأمراء عمّا وصل إليهم وإليه، فما هو إلا أن طلع ابن حجّى إنى القلعة حصل بينهما مفاحشات ومقابحات آلت إلى غضب السلطان والنصرة لمملوكه جانى بك فقبض عليه.
وله سبب آخر خفىّ؛ وهو أن السلطان استدعى الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام بكتاب عبد الباسط، فلمّا وقعت بطاقة سودون من عبد الرحمن سأل ابن حجّى: لم جاء نائب الشام؟ فقيل له بطلب من السلطان، فقال: أنا لم أكتب له عن السلطان بالمجىء، فقال عبد الباسط: أنا كتبت له، فحنق نجم الدين لمّا سمع هذا الكلام وخاشن عبد الباسط باللّفظ، وقال له: اعمل أنت كاتب السّرّ ونظر الجيش معا، ثم أخذ يخاشنه بالكلام استخفافا به لمعرفته به قديما؛ لأن ابن حجّى كان معدودا من أعيان دمشق وعبد الباسط يوم ذاك بخدمة ابن الشهاب محمود، فأسرّها عبد الباسط فى نفسه، وعلم أنه متى طالت يده ربما يقع منه فى حقّه ما يكره، فأخذ يدبّر عليه حتّى غيّر خاطر الأمير جانى بك عليه وتأكدت العداوة بينهما، ووقع ما حكيناه.
واستمرّ ابن حجّى فى البرج من قلعة الجبل إلى ليلة الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة من سنة ثمان وعشرين المذكورة، وأخرج من البرج فى الحديد وحمل إلى دمشق حتى يكشف بها عن سيرته، ويأخذ ابن حجى فى تجهيز ما بقى عليه من المال، وكتب فى حقه لنائب الشام، ولقضاة دمشق بعظائم مستشنعة هو برىء عن غالبها.
ثم فى يوم الاثنين ثامن عشره خلع السلطان على القاضى بدر الدين «١» محمد ابن مزهر نائب كاتب السّرّ باستقراره فى كتابة السّرّ عوضا عن نجم الدين ابن حجى المذكور.
وخلع السلطان أيضا على تاج الدين عبد الوهاب الأسلمى المعروف بالخطير
стр. 4753
باستقراره فى نظر الإسطبل السلطانى عوضا عن ابن مزهر، وكان الخطير المذكور قريب عهد بالإسلام، وله قدم فى دين النصرانية، وكان يباشر عند الملك الأشرف فى أيام إمرته فرقّاه إلى هذه الوظيفة، وبعد أن كان يخاطب بالشيخ الخطير صار ينعت بالقاضى، فيشترك هو وقضاة الشرع الشريف فى هذا الاسم، وقد تداول هذا البلاء بالمملكة قديما وحديثا، وأنا لا ألوم الملوك فى تقديم هؤلاء لأنهم محتاجون إليهم لمعرفتهم لأنواع المباشرة، غير أننى أقول: كان يمكن الملك أنه إذا رقّى واحدا من هؤلاء إلى رتبة من الرّتب لا ينعته بالقاضى وينعته بالرئيس أو بالكاتب أو مثل ولى الدّولة وسعد الدّولة وما أشبه ذلك، ويدع لفظة قاض لقضاة الشرع ولكاتب السّرّ وناظر الجيش ولفضلاء المسلمين، ليعطى كل واحد حقه فى شهرته والتعريف به، وقد عيب هذا على مصر قديما [وحديثا] «١» فقال بعضهم: قاضيها مسلمانى، وشيخها نصرانى، وحجها غوانى، قلت: فإن كانت ألفاظ هذه الحكاية خالية من البلاغة فهى قريبة مما نحن فيه.
والخطير [هذا «٢» ] إلى الآن فى قيد الحياة وقد كبر سنّة وهرم بعد ما ولى الوزر بديار مصر ثم نظر الدولة، وهو مع ذلك عليه من الغلاسة، وعدم النورانية، وفقد الحشمة، وقلة الطلاوة [ما لا يعبر عنه] «٣» ، وقد تخومل ولزم داره سنين طويلة من يوم صادره الملك الظاهر جقمق وحطّ قدره، فعد ذلك من حسنات الملك الظاهر- رحمه الله تعالى.
وفى هذا الشهر أخذ السلطان فى تجهيز «٤» الغزاة، وعين جماعة كبيرة من المماليك السلطانية والأمراء، وألزم كل أمير أيضا أن يجهز عشرة مماليك من مماليكه، ونجز عمل الطرائد «٥» والأغربة،
стр. 4754
ثم فى يوم الاثنين ثالث شهر رجب خلع السلطان على قاضى القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر وأعيد إلى قضاء الديار المصرية بعد عزل قاضى القضاة شمس الدين الهروىّ.
ثم فى يوم الثلاثاء رابع شهر رجب المذكور حمل الشريف مقبل أمير ألينبع، والشريف رميثة بن محمد بن عجلان إلى الإسكندرية وسجنا بها.
ثم فى ثالث عشره أنفق السلطان فى ستمائة رجل من الغزاة مبلغ عشرين دينارا لكل واحد منهم، وجهز الأمراء أيضا ثلاثمائة رجل، ثم نودى: من أراد الجهاد فليحضر لأخذ النّفقة، وقام السلطان فى الجهاد أتمّ قيام وقد شرح الله صدره له.
ثم فى عشرينه سارت خيول الأمراء والأعيان من المجاهدين فى البر إلى طرابلس وعدتها نحو ثلاثمائة فرس لتحمل من طرابلس صحبة غزاتها فى البحر لحيث هو القصد.
ثم ركب السلطان فى يوم الجمعة من القلعة بغير قماش الخدمة بعد صلاة الجمعة، ونزل إلى ساحل بولاق حتى شاهد الأغربة والطرائد التى عملت برسم الجهاد، وقد أشحنوا بالسلاح والرجال، ثم عاد إلى القلعة، ثم ركب من الغد المقام الناصرى محمد ابن السلطان الملك الأشرف من القلعة ونزل ومعه لالاته الأمير جانى بك الأشرفى الدوادار الثانى، وتوجّه إلى بيت زين الدين عبد الباسط المطلّ على النيل ببولاق حتى شاهد الأغربة عند سفرهم، فانحدر أربعة أغربة بكل غراب أمير، وتقدّم الأربعة الأمير جرباش الكريمى الظاهرى حاجب الحجاب المعروف بقاشق، فكان لسفر هذه المراكب ببولاق يوم مشهود، ثم انحدر بعد هذه الأغربة الأربعة أربعة أغربة أخر فى كل واحد منهم مقدّم من أعيان المماليك السلطانية، وكان آخرهم سفرا الغراب الثامن فى يوم الأربعاء ثامن «١» شعبان، وهذه الغزوة الثانية من غزوات الملك الأشرف [برسباى] «٢»
стр. 4755
ثم فى آخر هذا الشهر أفرج السلطان عن الأمير الكبير طرباى من سجنه «١» بالإسكندرية، ونقل إلى القدس الشريف بطالا ليقيم به غير مضيّق عليه بعد أن أنعم عليه بألف دينار، وكان الإفراج عن طرباى بخلاف ما كان فى ظن الناس، وعدّ ذلك من محاسن الملك الأشرف، كون طرباى المذكور كان عانده فى الملك، وكونه أيضا من عظماء الملوك وأكابر المماليك الظاهريّة [برقوق] «٢» ممّن يخاف منه، فلم يلتفت الأشرف إلى هذا كله وأفرج عنه لما كان بينهما من الود القديم والصّحبة من مبادئ أمرهما.
ثم فى يوم الثلاثاء ثامن شهر رمضان المذكور أمسك السلطان الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله الأستادار، وأمسك معه ولده الأمير صلاح الدين محمد المعزول عن الأستادارية بأبيه المذكور، وعوّقا بالقلعة أربعة أيام، ثم نزلا على أنهما يقومان بنفقة الجامكية شهرا وعليقه، وكانت الجامكية يوم ذاك كل شهر ثلاثين ألف دينار.
ثم فى يوم الخميس عاشره خلع السلطان على زين الدين عبد القادر ابن فخر الدين حسن بن نصر الله.
ثم فى رابع عشره خلع السلطان على جمال الدين يوسف بن الصّفّى الكركى المعزول عن كتابة سرّ دمشق عوضا عن بدر الدين حسين.
وفى يوم الثلاثاء ثانى عشرين شهر رمضان- الموافق لرابع عشر مسرى- أوفى النيل ستة عشر ذراعا، ونزل المقام الناصرى محمد [بن السلطان] «٣» لتخليق المقياس وفتح خليج السد على العادة، ونزل معه الملك الصالح محمد ابن الملك الظاهر ططر، وحضر تخليق المقياس، وفتح الخليج- فتعجب الناس لنزوله مع ابن السلطان بعد خلعه من ملك مصر حسبما تقدّم.
стр. 4756
قلت: وكان قصد الأشرف برسباى بركوب الملك الصالح [محمد] «١» هذا مع ولده انبساط الصالح- كونه كان كالمحجور عليه بقلعة الجبل- وتنزّهه، لا كما زعم بعض الناس أنّه يريد بذلك مشيه فى خدمة ولده وازدراءه، كل ذلك وخاطر السلطان مشغول بأمر جانى بك الصوفى، والفحص عنه مستمر؛ غير أن السلطان يتشاغل بشىء بعد شىء، وهو الآن مشغول الفكرة فى أمر المجاهدين لا يبرح يترقب أخبارهم إلى أن كان يوم الخميس تاسع شوّال ورد عليه الخبر من طرابلس بنصرة المسلمين على الفرنج، فدّقت البشائر [لذلك] «٢» بقلعة الجبل وغيرها، وجمع القضاة وأعيان الدّيار المصرية بالجامع الأشرفى بخط العنبريين وقرىء عليهم الكتاب الوارد من طرابلس بنصرة المسلمين، فضجّ الناس وأعلنوا بالتكبير والتهليل، ونودى بزينة القاهرة ومصر، ثم قرىء الكتاب المذكور من الغد بجامع عمرو بن العاص بمصر، وبينما الناس مستبشرون فى غاية ما يكون من السّرور والفرح بنصر الله قدم الخبر فى يوم الاثنين ثالث عشر شوّال [المذكور] «٣» بوصول الغزاة المذكورين إلى الطينة، فقلق السلطان من ذلك وتنغّص فرح الناس وكثر الكلام فى أمر عودهم.
وكان من خبرهم: أنهم لما توجّهوا من ساحل بولاق إلى دمياط ساروا منه فى البحر المالح إلى مدينة طرابلس فطلعوا إليها، فانضمّ عليهم بها خلائق من المماليك والعساكر الشامية وجماعة كبيرة من المطوعة إلى أن رحلوا عن طرابلس فى بضع وأربعين مركبا، وساروا إلى جهة الماغوصة، فنزلوا عليها بأجمعهم وخيموا فى برها الغربى، وقد أظهر متملك الماغوصة طاعة السلطان وعرفهم تهيؤ صاحب قبرس واستعداده لقتالهم وحربهم، فاستعدوا وأخذوا حذرهم وباتوا بمخيمهم على الماغوصة، وهى ليلة الأحد العشرين من شهر رمضان، وأصبحوا يوم الاثنين شنّوا الغارات على ما بغربى قبرس من الضياع،
стр. 4757
ونهبوا وأسروا وقتلوا وأحرقوا وعادوا بغنائم كثيرة، وأقاموا على الماغوصة ثلاثة أيّام يفعلون ما تقدم ذكره من النهب والأسر [وغيره] «١»
ثم ساروا ليلة الأربعاء يريدون الملّاحة، وتركوا فى البرّ أربعمائة من الرّجّالة يسيرون بالقرب منهم إلى أن وصلوا إليها ونهبوها وأسروا وأحرقوا أيضا، ثم ركبوا البحر جميعا وأصبحوا باكر النهار فوافاهم الفرنج فى عشرة أغربة وقرقورة «٢» كبيرة فلم يثبتوا للمسلمين وانهزموا من غير حرب، واستمر المسلمون بساحل الملّاحة وقد أرست مراكبهم عليها.
وبينما هم فيما هم فيه كرّت أغربة الفرنج راجعة إليهم، وكان قصد الفرنج بعودهم أن يخرج المسلمون إليهم فيقاتلوهم فى وسط البحر، فلما أرست المسلمون على ساحل الملّاحة كرّت الفرنج عليهم فبرزت إليهم المسلمون وقاتلوهم قتالا شديدا إلى أن هزمهم الله تعالى، وعادوا بالخزى، وبات المسلمون ليلة الجمعة خامس عشرين شهر رمضان، فلمّا كان بكرة نهار الجمعة أقبل عسكر قبرس وعليهم أخو الملك، ومشى على المسلمين فقاتله مقدار نصف العسكر الإسلامى أشدّ قتال حتى كسروهم، وانهزم أخو الملك بمن كان معه من العساكر بعد أن كان المسلمون أشرفوا على الهلاك، ولله الحمد [والمنة] «٣» ، وقتل المسلمون من الفرنج مقتلة عظيمة، ثم أمر الأمير جرباش بإخراج الخيول إلى البرّ فأخرجوا الخيول من المراكب إلى البرّ فى ليلة السبت وتجهّزوا للمسير ليغيروا على نواحى قبرس [من الغد] «٤» .
فلما كان بكرة يوم السبت المذكور ركبوا وساروا إلى المغارات «٥» حتى
стр. 4758
وافوها، فأخذوا يقتلون ويأسرون ويحرقون وينهبون القرى حتى ضاقت مراكبهم عن حمل الأسرى، وامتلأت أيديهم بالغنائم، وألقى كثير منهم ما أخذه إلى الأرض، فعند ذلك كتب الأمير جرباش مقدّم العساكر المجاهدة كتابا إلى الأمير قصروه من تمراز [نائب طرابلس] «١» بهذا الفتح [العظيم] «٢» والنصر [المبين] «٣» صحبة قاصد بعثه الأمير قصروه مع المجاهدين ليأتيه بأخبارهم، فعند ما وصل الخبر للأمير قصروه كتب فى الحال إلى السلطان بذلك، وفى طىّ كتابه كتاب الأمير جرباش المذكور، وهو الكتاب الذي قرىء بالأشرفيّة بالقاهرة، ثم بجامع عمرو بن العاص، ثم إن الأمير جرباش لمّا رأى أن الأمر أخذ حدّه، وأن السلامة غنيمة، ثم ظهر له بعض تخوّف عسكره؛ فإنّه بلغهم أن صاحب قبرس قد جمع عساكر كثيرة واستعدّ لقتال المسلمين، فشاور من كان معه من الأمراء والأعيان، فأجمع رأى الجميع على العود إلى جهة الدّيار المصريّة مخافة من ضجر العسكر الإسلامى إن طال القتال بينهم وبين أهل قبرس إذا صاروا فى مقابله، فعند ذلك أجمع رأى الأمير جرباش المذكور أن يعود بالعساكر الإسلاميّة على أجمل وجه، فحّل القلاع بعد أن تهيّأ للسّفر وسار عائدا حتى أرسى على الطّينة قريبا من قطيا وثغر دمياط، ثم توجّهوا إلى الدّيار المصريّة، ولما بلغ الناس ذلك وتحقّق كلّ أحد ما حصل للمسلمين من النّصر والظّفر عاد سرورهم لأن السلطان كان لما بلغه عودهم نادى فى الناس من أراد الجهاد فليحضر لأخذ النّفقة، فكثر قلق الناس لذلك، وظنوا كلّ ظن حتى علموا من أمرهم ما حكيناه.
هذا ما كان من أمر الغزاة، وأما السلطان فإنه أفرج فى يوم الاثنين ثالث عشر شوّال عن الأمير الكبير بيبغا «٤» المظفّرىّ من سجن الإسكندرية ونقله إلى ثغر دمياط، وأنعم عليه بفرس بقماش ذهب ليركبه بدمياط إلى حيث يشاء.
стр. 4759
ثم أخذ السلطان ينتظر الغزاة إلى أن قدموا عليه يوم السبت خامس عشرين شوّال المقدم ذكره، ومعهم ألف وستون أسيرا ممن أسروا فى هذه الغزوة، وباتوا تلك الليلة بساحل بولاق، وصعدوا فى بكرة يوم الأحد سادس عشرينه إلى القلعة، وبين أيديهم الأسرى والغنائم، وهى على مائة وسبعين حمّالا وأربعين بغلا وعشرة جمال، ما بين جوخ، وصوف، وصناديق، وحديد، وآلات حربيّة، وأوان، وسار الجميع من شارع القاهرة، وقد جلس الناس بالحوانيت والبيوت والأسطحة والشوارع بحيث إن الشخص كان لا يكاد أن يمرّ إلى طريقه إلا بعد مشقّة كبيرة، وربما لا يستطيع السير ويرجع إلى حيث أتى، وبالجملة فإنه كان يوما مشهودا لم يعهد مثله فى الدّولة التركيّة، ولما طلع ذلك كلّه إلى القلعة وعرض على السلطان رسم السلطان ببيع الأسرى وتقويم الأصناف، فقوّمت الأصناف.
ثم ابتدئ بالبيع فى يوم الاثنين سابع عشرين شوّال بالحرّاقة من باب السّلسلة بحضرة الأمير جقمق العلائى أمير آخور الكبير «١» ، وتولّى البيع عن السلطان الأمير إينال الشّشمانى الناصرىّ أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، فاشتراهم النّاس على اختلاف طبقاتهم من أمير وجندى وقاض وفقيه وتاجر وعلمىّ، ورسم السلطان أن لا يفرّق بين الآباء وأولادهم، ولا بين قريب وقريبه، فكانوا يشترونهم جميعا، والذي كان وحده أبيع وحده، واستمرّ البيع فيهم أيّاما، وجمع ما تحصّل من أثمانهم فأنفق السلطان من ذلك على المجاهدين، فأعطى لطائفة سبعة دنانير ونصفا، ولطائفة ثلاثة دنانير ونصفا، وانقضى أمر المجاهدين فى هذه السنة.
قال المقريزى: فى يوم الجمعة سابع ذى الحجّه اتّفقت حادثة شنيعة، وهى أن الخبز قلّ وجوده فى الأسواق فعند ما خرج بدر الدين محمود العينتابى «٢» محتسب
стр. 4760
القاهرة من داره سائرا إلى القلعة صاحت عليه العامة واستغاثوا بالأمراء وشكوا إليهم المحتسب، فعرّج عن الشارع وطلع إلى القلعة وهو خائف من رجم العامّة له وشكاهم إلى السلطان، وكان يختصّ به ويقرأ له فى اللّيل تواريخ الملوك ويترجمها له بالتّركيّة، فحنق السلطان وبعث طائفة من الأمراء إلى باب زويلة، فأخذوا أفواه السّكك ليقبضوا على الناس، فرجم بعض العبيد بعض الأمراء بحجر أصابه فقبض عليه وضرب، ثم قبض على جماعة كبيرة من الناس وأحضروا بين يدى السلطان، فرسم بتوسيطهم، ثم أسلمهم إلى الوالى فضربهم وقطع آنافهم وآذانهم وسجنهم ليلة السبت، ثمّ عرضوا من الغد على السلطان فأفرج عنهم، وعدّتهم اثنان وعشرون رجلا من المستورين ما بين شريف وتاجر، فتنكّرت القلوب من أجل ذلك، وانطلقت الألسنة بالدعاء وغيره- انتهى كلام المقريزى برمته.
وهو كما قال، غير أنه سكت عن رجم العامّة للعينتابىّ المذكور يريد بذلك تقوية الشّناعة على العينتابىّ لبغض كان بينهما قديما وحديثا.
ثمّ قدم كتاب الأمير تغرى بردى المحمودىّ رأس نوبة النّوب وأمير حاجّ المحمل من مكّة فى يوم الجمعة حادى عشرين ذى الحجة، يتضمّن أنه لما نزل عقبة أيلة «١» بعث قاصدا إلى الشّريف حسن بن عجلان أمير مكّة يرغّبه فى الطاعة ويحذّره عاقبة المخالفة، فقدم عليه ابنه بركات بن حسن بن عجلان وقد نزل بطن مرّ «٢» فى ثامن عشرين ذى القعدة، فسرّ بقدومه ودخل معه مكّة فى أوّل ذى الحجة، وحلف له بين الحجر الأسود والملتزم أن أباه لا يناله مكروه من قبله ولا من قبل السلطان، فعاد إلى أبيه وقدم به مكّة فى يوم الاثنين ثالث ذى الحجة، وأنه حلف له ثانيا وألبسه التّشريف السّلطانى وقرّره فى إمرة مكّة على عادته، وأنه عزم على حضوره إلى السلطان صحبة الرّكب واستخلاف ولده بركات على مكّة- انتهى.
стр. 4761
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٢٩]
ثم فى يوم الاثنين خامس عشرين المحرم سنة تسع وعشرين وثمانمائة خلع السلطان على الأمير إينال الشّشمانى أحد أمراء العشرات ورأس نوبة باستقراره فى حسبة القاهرة عوضا عن قاضى القضاة بدر الدين محمود العينى الحنفى.
ثم فى رابع عشرين المحرم قدم الأمير «١» تغرى بردى المحمودى رأس نوبة النوب وأمير حاج المحمل بالمحمل، وقدم معه [الأمير] «٢» الشريف حسن بن عجلان، فأكرمه السلطان وأنزله بمكان يليق به، ثم خلع عليه فى يوم سابع عشرينه باستقراره فى إمرة مكّة على عادته بعد أن التزم بحمل ثلاثين ألف دينار، وأرسل قاصده إلى مكّة ليحضر المبلغ المذكور، وأقام هو بالقاهرة رهينة، وقدم أيضا مع الحاج الأمير قرقماس الشّعبانى الناصرىّ أحد مقدّمى الألوف، بعد أن أقام بمكة نحو السنتين شريكا لأمير مكّة فى هذه المدّة، ومهّد أمورها وأقمع عبيد مكّة ومفسديها وأبادهم.
ثم فى يوم الأربعاء نصف صفر جمع السلطان الأمراء والقضاة وكثيرا من أكابر التجار وتحدّث معهم فى إبطال المعاملة بالذّهب المشخّص «٣» الذي يقال له الإفرنتى، وهو من ضرب الفرنج، وعليه شعار كفرهم الذي لا تجيزه الشريعة المحمديّة، وأن يضرب عوضه ذهبا عليه السّكّة الإسلامية، فضوّب من حضر رأى السلطان فى ذلك «٤» ، وهذا الإفرنتى المذكور قد كثرت المعاملة به فى زماننا من حدود سنة ثمانمائة فى أكثر مدائن الدّنيا مثل: القاهرة ومصر، والبلاد الشّاميّة، وأكثر بلاد الرّوم، وبلاد الشرق، والحجاز، واليمن، حتى صار هو النقد الرّائج والمطلوب فى المعاملات، وانفضّ المجلس على ذلك، وقد كثر ثناء الناس على السلطان بسبب إبطال ذلك.
стр. 4762
ولما كان الغد طلب السلطان صنّاع دار الضّرب وشرع فى ضرب الذّهب الأشرفى، وتطلّب من كان عنده من الذهب الإفرنتى.
ثم فى سادس عشرينه نودى بالقاهرة بإبطال المعاملة بالذهب الإفرنتى، وأن يتعامل الناس بالدّنانير الأشرفيّة زنة الدّينار منها زنة الإفرنتى، ثم ألزم السلطان الناس بحمل ما عندهم من الإفرنتية إلى دار الضّرب.
ثم فى يوم الخميس رابع عشر شهر «١» ربيع الأول قدم الأمير قصروه «٢» من تمراز نائب طرابلس، وطلع إلى القلعة وقبّل الأرض وخلع السلطان عليه خلعة الاستمرار بولايته على عادته، ثمّ فى يوم السبت قدّم هديّته إلى السلطان، وكانت تشتمل على شىء كثير.
وفى يوم الخميس المذكور وصل «٣» إلى القاهرة الأمير يربغا التّنمىّ أحد أمراء العشرات عائدا من بلاد اليمن بغير طائل، وسببه أن السلطان كان أطمعه بعض الناس فى أخذ اليمن وهوّن عليه أمرها- وهو كما قيل- غير أن الملك الأشرف لم يلتفت إلى ذلك بالكلية تكذيبا للقائل له، فأرسل الأمير يربغا هذا بهديّة لصاحب اليمن وصحبته السّيفى ألطنبغا فرنج الدّمرداشىّ والى دمياط- كان- ومعهما أيضا خمسون مملوكا من المماليك السلطانية، فساروا إلى جدّة، ثم ركبوا منها البحر وتوجّهوا إلى جهة اليمن، إلى أن وصلوا حلى بنى يعقوب «٤» ، فسار منه يربغا التّنمى ومعه من المماليك خمسة نفر لا غير، ومعه الهدية والكتاب لصاحب اليمن، وهو يتضمن طلب مال للإعانة على الجهاد، وأقام ألطنبغا فرنج ببقية المماليك فى المراكب، فأكرم صاحب اليمن يربغا
стр. 4763
المذكور وأخذ فى تجهيز هدية عظيمة، وبينما هو فى ذلك قدم عليه الخبر بأن ألطنبغا فرنج نهب بعض الضّياع وقتل أربعة رجال، فأنكر صاحب اليمن أمرهم وتنبّه لهم، وقال للأمير يربغا: ما هذا خبر خير؛ فإن العادة لا يحضر إلينا فى الرّسالة إلا واحد، وأنتم حضرتم فى خمسين رجلا، ولم يحضر إلى منكم إلا أنت فى خمسة نفر وتأخر باقيكم وقتلوا من رجالى أربعة «١» ، وطرده عنه من غير أن يجهّز هدية ولا وصله بشىء، ولولا خشية العاقبة لقتله، فنجا يربغا بمن معه بأنفسهم، وعادوا إلى مكة، وقدم يربغا إلى القاهرة مخفّا، فلما بلغ السلطان ذلك أراد أن يجهّز إلى اليمن عسكرا فمنعه من ذلك شغله بغزو الفرنج.
ثم فى يوم السبت أوّل شهر ربيع الآخر خلع السلطان على الأمير قصروه خلعة السفر، وخرج من يومه إلى محلّ كفالته بطرابلس.
ثم فى يوم السبت ثامنه خلع السلطان على الأمير يشبك السّاقى الأعرج واستقرّ أمير سلاح عوضا عن إينال النوروزى بحكم موته.
ثم فى خامس عشرين شهر ربيع الآخر المذكور «٢» استقرّ العلامة كمال الدين محمد ابن همام الدين محمد السّيواسى الأصل الحنفى فى مشيخة التصوف بالمدرسة الأشرفية وتدريسها عوضا عن العلامة علاء الدين على الرومى بحكم رغبته وعوده إلى بلاده.
ثم فى يوم الخميس سابع عشرينه خلع السلطان على القاضى بدر الدين محمود العينتابى باستقراره قاضى قضاة الحنفية بالديار المصرية عوضا عن زين الدين عبد الرحمن التفهنى، واستقر التفهنى المذكور فى مشيخة صوفية خانقاه شيخون بعد موت شيخ الإسلام سراج الدين عمر قارىء الهداية.
وفى يوم الجمعة ثامن عشرين [شهر «٣» ] ربيع الآخر المذكور نزل من القلعة جماعة
стр. 4764
كبيرة من الأمراء والمماليك وهم متقلدون بسيوفهم حتى طرقوا الجودرية «١» إحدى حارات القاهرة، فأحاطوا بها مع جميع جهاتها وكبسوا على دورها وفتشوها تفتيشا عظيما، وقدوشى بعض الناس إلى السلطان بأن جانى بك الصوفى فى داربها، فلم يقعوا له على خبر، وقبضوا على القاضى فخر الدين ماجد بن المزوق الذي كان ولى كتابة السرّ ونظر الجيش فى دولة الملك الناصر فرج وأحضروه بين يدى السلطان، فسأله عن الأمير جانى بك الصوفى وحلف له إن دله على مكانه لا يمسه بسوء، فحلف فخر الدين المذكور أنه لا يعرف مكانه ولا وقع بصره عليه من يوم أمسك وحبس، فلم يحمله السلطان على الصدق لمصاهرة كانت بينه وبين جانى بك الصوفى وصحبة قديمة، وأمر به فضرب بين يديه بالمقارع وأمر بنفيه، ثم نودى من الغد أن لا يسكن أحد بالجودرية لما ثبت عند السلطان أن جانى بك الصوفى مختف بها، والظاهر أن الذي كان ثبت عند الأشرف أن جانى بك الصّوفى كان مختفيا بها كان على حقيقته فيما بلغنا بعد موت الملك الأشرف، غير أن السّتّار ستره وحماه، فلم يعثروا عليه حتى قيل إنه كان بالدّار المهجوم عليها ولم ينهض للهروب فالتفّ بحصيرة بها، وكلّ من دخل الدّار رأى الحصيرة المذكورة فلم يجسّها أحد بيده؛ لتعلم أن الله على كل شىء قدير.
ولما نودى أن لا يسكن أحد بالجودريّة انتقل منها جماعة كبيرة واستمرت خالية زمانا طويلا، هذا والسلطان فى كلّ قليل يقبض على جماعة من المماليك السلطانية ويعاقبهم ليقرّوا على جانى بك الصّوفى، فلم يقع له على خبر، كلّ ذلك والسلطان فى شغل بتجهيز المجاهدين لغزو قبرس:
وورد عليه- فى يوم السّبت سابع عشرين جمادى الأولى- رسول صاحب إستانبول
стр. 4765
وهى القسطنطينيّة بهديّة وشفع فى أهل قبرس أن لا يغزوا، فلم يلتفت السلطان إلى شفاعته، وأخذ فيما هو فيه من تجهيز العساكر.
ثم فى يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الآخرة من سنة تسع وعشرين المذكورة قدم من عساكر البلاد الشّاميّة عدة كبيرة من الأمراء والمماليك والعشير وطائفة كبيرة من المطّوّعة ليسيروا إلى الجهاد، فأنزلوا بالميدان الكبير.
وفيه خلع السلطان على قاضى القضاة عزّ الدين عبد العزيز بن على بن العزّ قاضى قضاة الحنابلة بدمشق زمن المؤيّد شيخ باستقراره قاضى قضاة الحنابلة بديار مصر، عوضا عن قاضى القضاة محبّ الدين أحمد بن نصر الله البغدادى بحكم صرفه عنها، وكان عزل قاضى القضاة محب الدين لسوء سيرة أخيه وابنه.
ثم فى ثالث عشرين جمادى الآخرة جلس السلطان بالحوش من قلعة الجبل لعرض المجاهدين، وأنفق فيهم مالا كبيرا، فكان يوما من أجلّ الأيّام وأحسنها، لما وقع فيه من بذل السلطان الأموال على من تعيّن للجهاد، وعلى عدم التفات المجاهدين لأخذ المال، بل كان الشخص إذا وقف فى مجلس السلطان ينظر رءوس النّوب تتهارب من المماليك السلطانية الذين يريدون أخذ الدّستور «١» من السّلطان للتوجّه إلى الجهاد، والسلطان يأمرهم بعدم السّفر، ويعتذر أنه لم تبق مراكب تحملهم، وهم يتساعون فى ذلك مرّة بعد أخرى، وربما تكرّر وقوف بعضهم الأربع مرّات والخمسة، وأيضا من عظم ازدحام الناس على كتّاب المماليك ليكتبوهم فى جملة المجاهدين فى المراكب المعيّنة، حتى إنه سافر فى هذه الغزوة عدّة من أعيان الفقهاء، ولمّا أن صار السلطان لا ينعم لأحد بالتّوجّه بعد أن استكفت العساكر سافر جماعة من غير دستور، وأعجب من هذا أنه كان الرّجل ينظر فى وجه المسافر للجهاد يعرفه قبل أن يسأله لما بوجهه من السّرور والبشر الظاهر بفرحه للسّفر، وبعكس ذلك فيمن لم يعيّن للجهاد، هذا مع كثرة من تعيّن للسفر من المماليك السلطانية وغيرهم، وما أرى هذا إلا أنّ الله
следующие страницы →