← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

ثم فى يوم السبت عاشر جمادى الآخرة المذكورة كتب [السلطان] «١» بإحضار جرباش الكريمى المعروف بقاشق نائب طرابلس ليستقرّ أمير مجلس على عادته أوّلا عوضا عن الأمير الكبير جارقطلو «٢» ، وكتب إلى الأمير الكبير [طرباى] «٣» الظاهرى المقيم بالقدس بطّالا باستقراره فى نيابة طرابلس. ثم فى يوم السبت أوّل شهر رجب عمل السلطان الخدمة بالإيوان بدار العدل «٤» من القلعة، وأحضرت رسل مراد بك بن عثمان متملك برصا «٥» وأدر نابولى «٦» وغيرهما من ممالك الرّوم، فكان موكبا جليلا أركب فيه الأمراء والمماليك السلطانية وأجناد الحلقة وغيرهم على عادة هيئة خدمة الإيوان من تلك الأشياء المهولة، وقد بطل خدم الإيوان من أيّام الملك الظاهر جقمق، وذهب من كان يعرف ترتيبه، حتى لو أراد أحد من الملوك أن يفعله لا يمكنه ذلك. ثم فى سابع شهر رجب المذكور خلع السلطان على القاضى كمال الدين «٧» بن البارزىّ- المعزول قبل تاريخه عن كتابة السّرّ ثم عن نظر الجيش بالديار المصرية- باستقراره فى كتابة سرّ دمشق عوضا عن بدر الدين حسين بحكم وفاته، من غير سعى فى ذلك، بل طلبه السلطان وولّاه، وكان القاضى كمال الدين المذكور من يوم عزل من وظيفة نظر الجيش بعد كتابة السّرّ ملازما لداره على أجمل حالة، وأحسن طريقة من الاشتغال بالعلم والوقار والسكينة، وهو على هيئة عمله من الحشم والخدم، وبسط يديه بالإحسان لكل أحد، وترداد الأكابر والأعيان والفضلاء إلى بابه، وسافر فى ثانى عشرينه.

стр. 4797

ثم فى حادى عشره أدير محمل الحاج على العادة «١» فى كل سنة. ثم فى ثالث عشرينه قدم الأمير جرباش الكريمى معزولا عن نيابة طرابلس فخلع السلطان عليه باستقراره أمير مجلس على عادته أوّلا، كل ذلك والسلطان فى قلق من جهة جانى بك الصّوفىّ. ثم فى عشرين شعبان خلع السلطان على الأمير قانصوه النّوروزىّ أحد أمراء الطبلخانات باستقراره فى نيابة طرسوس وأضيف إقطاعه إلى الديوان المفرد. ثم فى يوم الثلاثاء ثامن عشرين شوّال أمسك السلطان الأمير قطج من تمراز «٢» أحد مقدّمى الألوف بالديار المصرية، ثم الأمير جرباش الكريمى قاشق أمير مجلس، فحمل قطج فى الحديد إلى الإسكندرية فسجن بها، وأخرج جرباش الكريمى بغير «٣» قيد إلى ثغر دمياط بطالا، كل ذلك بسبب جانى بك الصّوفىّ، ولما تحدّت السلطان نفسه بما يفعله من كثرة قلقه منه، ولهذا السبب أيضا أخرج قانصوه وغيره، ويأتى ذكر آخرين. ثم خلع السلطان على الأمير إينال العلائى الناصرى رأس نوبة ثانى باستقراره «٤» فى نيابة غزّة عوضا عن تمراز القرمشى بحكم قدوم تمراز للدّيار المصرية، وأنعم السلطان بإقطاع إينال المذكور على الأمير تمرباى التّمر بغاوىّ الدّوادار الثانى، ثم كتب بإحضار الأمير بيبغا المظفرى من القدس، وكان نقل إلى القدس من دمياط من نحو شهر واحد، فقدم من القدس إلى القاهرة فى يوم الخميس حادى عشرين ذى القعدة وطلع إلى القلعة، وخلع السلطان عليه باستقراره أمير مجلس عوضا عن جرباش الكريمى قاشق، ومنزلة أمير مجلس فى الجلوس عند السّلطان يكون ثانى الميمنة تحت الأمير الكبير، فلما ولى بيبغا هذا إمرة مجلس أجلسه السلطان

стр. 4798

على الميسرة فوق الأمير إينال الجكمى أمير سلاح لما سبق له من ولايته أتابكيّة العساكر بالديار المصرية قبل تاريخه، فصار فى الحقيقة رتبته أعظم من رتبة الأمير الكبير جار قطلو بجلوسه فوق أمير سلاح؛ لأن الأمير الكبير لا يمكنه الجلوس فوق أمير سلاح إلا لضرورة، وصار بيبغا هذا دائما جلوسه فوقه، غير أن إقطاع الأمير الكبير أكثر متحصلا من إقطاعه، وأيضا لالتفات السلطان إليه، فإنه كان أكثر كلامه فى الموكب السلطانى معه فى كل تعلقات المملكة، وليس ذلك لمحبّته فيه غير أنه كان يداريه بذلك اتّقاء فحشه، وكان سبب القبض عليه أوّلا أن السلطان شكاله بعض الأجناد من ظلم كاشف التّراب، فقال الملك الأشرف: الكاشف ماله منفعة، فبادره بيبعا هذا فى الملأ وقال له: أنت ما عملت كاشف ما تعرف، فعظم ذلك على الأشرف وأسرّها فى نفسه، ثم قبض عليه، وكذا كان وقع لبيبغا المذكور مع الملك المؤيّد، حتى قبض عليه أيضا وحبسه، وكان هذا شأنه المغالظة مع الملوك فى الكلام، غير أنه كان مناصحا للملوك ظاهرا وباطنا، ولهذا كانت الملوك لا تبرح تغضب عليه ثم ترضى؛ لعلمهم بسلامة باطنه، وكان الملك الأشرف يمازحه فى بعض الأحيان، ويسلّط عليه بعض الچراكسة بأن يزدرى جنس التّتار ويعظّم الچراكسة، فإذا سمع بييغا ذلك سبّ القائل وهجر «١» عليه، وأخذ فى تفضيل الأتراك على طائفة الچراكسة فى الشّجاعة والكرم والعظمة، فيشير عليه بعض أمراء الأتراك بالكف عن ذلك، فلا يلتفت ويمعن، والملك الأشرف يضحك [من ذلك] «٢» ويساعده على غرضه حتى يسكت، وقيل إنه جلس مرّة فى مجلس أنس مع جماعة من الأمراء فأخذ بيبغا فى تعظيم ملك التّتارچنكز خان، وزاد وأمعن واخترق اختراقات عجيبة، فقال له الأمير طقز الظّاهرىّ الچركسىّ: وأيش هو چنكز خان؟ فلما سمع بيبغا ذلك أخذ الطّبر وأراد قتل طقز حقيقة، وقال له: كفرت، فأعاقه الأمراء عنه حتى قام طقز من المجلس وراح إلى حال سبيله، وقيل إنه لم يجتمع به بعد ذلك، ومع

стр. 4799

هذا كلّه كان لجنونه طلاوة ولانحرافه حلاوة، على أنه كان من عظماء الملوك وأحسنها طريقة. ثم فى يوم الخميس سادس ذى الحجة من سنة إحدى وثلاثين المذكورة أمسك السلطان الأمير أزبك المحمدى «١» الدّوادار الكبير، وأخرجه من ليلته بطّالا إلى القدس بعد أن قبض [السلطان] «٢» على عدّة من خاصّكيّته، ولذلك أسباب أعظمها أمر جانى بك الصّوفىّ وأشياء أخر، منها: أن فى أواخر ذى القعدة بلغ السلطان أن جماعة من مماليكه وخاصّكيّته يريدون الفتك به وقتله ليلا، فقبض على جماعة منهم السّيفى سنطباى الأشرفى وغيره فى أيّام متفرقة، ونفى جماعة منهم إلى الشام وقوص بعد أن عاقب جماعة منهم، فكثرت القالة فى ذلك، قيل إنه سأل بعضهم بأن قال: لو قتلتمونى من الذي تنصّبونه بعدى فى السلطنة؟ فقالوا: الأمير أزبك، وقيل غير ذلك، وأخذ السلطان فى الاستعداد والحذر، وسقط عليه أيضا مرارا سهام نشّاب من أطباق المماليك السلطانية، فهذا كان السبب لقبض أزبك وغيره، وأنا أقول: إن جميع ما وقع من مسك الأمراء، وضرب جماعة من الخاصّكيّة بالمقارع، ونفى بعضهم إنما هو لسبب جانى بك الصّوفى لا غير. ثم فى يوم السبت ثامنه خلع السّلطان «٣» على الأمير أركماس الظاهرى رأس نوبة النّوب باستقراره دوادارا كبيرا عوضا عن أزبك المذكور، وخلع على الأمير تمراز القرمشىّ المعزول عن نيابة غزّة باستقراره رأس نوبة، وأنعم عليه بإقطاع أركماس المذكور، وأنعم بإقطاع تمراز الذي كان السلطان أنعم عليه به بعد مجيئه من غزّة وهو تقدمة ألف أيضا على الأمير يشبك السّودونى شاد الشراب خاناه، وأنعم بطبلخانات يشبك السّودونى على الأمير قراجا الأشرفى الخازندار، وخلع السلطان فى هذه الأيّام على صفىّ الدين جوهر السّيفى قنقباى اللّالا باستقراره خازندارا عوضا عن الأمير خشقدم

стр. 4800

الظاهرى الرّومى بحكم انتقاله زمّاما بعد موت «١» الأمير كافور الشّبلى الصّرغتمشىّ الرّومى بعد وفاته فى السنة الماضية، وكانت وظيفة الخازندارية شاغرة من يوم تاريخه، والسلطان ينظر فيمن يولّيه من الخدام من قدماء خدام الملوك فرشّح مرجان خادم الوالد فخافه الخدّام من شدّة بأسه وحوّلوا الأشرف عنه، وكان الطّواشى جوهر الجلبّانىّ الحبشىّ لالا ابن السلطان له حنوّ وصحبة قديمة بجوهر هذا فتكلّم السلطان بسببه ونغته بالدين [والعفّة] «٢» والعقل والتّدبير، ولا زال بالسلطان حتى طلبه وولّاه الخازندارية دفعة واحدة؛ فإنه كان من أصاغر الخدّام لم تسبق له رئاسة قبل ذلك، وإنما كان يعرف بين الخدام بأخى اللالا، فنال جوهر هذا من الحرمة والوجاهة والاختصاص بالملك الأشرف ما لم ينله خادم قبله- انتهى. ثم فى سابع عشرين ذى الحجة من سنة إحدى وثلاثين المذكورة قدم مبشّر الحاج العراقى «٣» وأخبر بسلامة الحاج، وأنه قدم محمل العراق فى أربعمائة جمل جهّزه السلطان حسين بن على ابن السلطان أحمد بن أويس من الحلّة «٤» ، وكان السلطان حسين هذا قد استولى على ششتر «٥» والحلّة، وصاهر العرب فقوى بأسه بهم، وقاتل شاه محمد ابن قرا يوسف صاحب بغداد وتمّ أسره بهذه البلاد المذكورة، وجهّز الحاج وكان له سنين قد انقطع لاستيلاء هذا الزّنديق شاه محمد بن قرا يوسف [على العراق] «٦» ، فإنه كان محلول العقيدة لا يتديّن بدين، وقتل العلماء وأباد الناس، وهو أحد أسباب خراب بغداد والعراق هو وأخوته كما سيأتى ذكره، وذكر أقاربه فى

стр. 4801

وفيات هذا الكتاب عند وفاتهم، وذهاب روحهم الخبيثة اللعينة إلى جهنم وبئس المصير. [ما وقع من الحوادث سنة ٨٣٢] ثم فى يوم الاثنين خامس عشر المحرم سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة حدث مع غروب الشمس برق ورعد شديد متوال، ثم مطر غزير خارج عن الحدّ، وكان الوقت فى أثناء فصل الخريف.

стр. 4802

ذكر قتلة الخواجا نور الدين على التبريزى العجمى المتوجه برسالة الحطى ملك الحبشة إلى ملوك الفرنج ولمّا كان يوم الثلاثاء رابع عشرين جمادى الأولى من سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة استدعى السلطان قضاة الشرع الشريف إلى بين يديه فاجتمعوا، وندب السلطان قاضى القضاة شمس الدين محمدا البساطىّ المالكى للكشف عن أمره وإمضاء حكم الله فيه، وكان التّبريزى مسجونا فى سجن السلطان، فنقله القاضى من سجن السلطان إلى سجنه، وادّعى عليه بالكفر وبأمور شنيعة، وقامت عليه بينة معتبرة بذلك، فحكم بإراقة دمه، فشهّر فى يوم الأربعاء خامس عشرين جمادى الأولى المذكورة على جمل بالقاهرة ومصر وبولاق، ونودى عليه: هذا جزاء من يجلب السلاح إلى بلاد العدوّ، ويلعب بالدّينين، وصار وهو راكب الجمل يتشاهد ويقرأ القرآن ويشهد الناس أنه باق على دين الإسلام، والخلق صحبته أفواجا، ومن الناس من يبكى لبكائه، وهم العامة الجهلة، والذي أقوله فى حقه: إنه كان زنديقا ضالّا مستخفّا بدين الإسلام، ولا زالوا به إلى أن وصلوا إلى بين القصرين فأنزل عن الجمل وأقعد تحت شبّاك المدرسة الصالحية وضربت عنقه فى الملإ من الخلائق التى لا يعلم عددها إلا الله تعالى- فنسأل الله السلامة فى الدين، والموت على الإسلام. وكان خبر هذا التّبريزىّ أنه كان أوّلا من جملة تجّار الأعاجم بمصر وغيرها، وكان يجول فى البلاد بسبب المتجر على عادة التجار، فاتّفق أنه توجّه إلى بلاد الحبشة فحصل له بها الرّبح الهائل المتضاعف، وكان فى نفسه قليل الدين مع جهل وإسراف فطلب الزيادة فى المال، فلم يرم بوصله إلى مراده إلا أن يتقرّب إلى الحطىّ ملك الحبشة بالتحف، فصار يأتيه بأشياء نادرة لطيفة؛ من ذلك أنه صار يصنع له الصّلبان من الذّهب المرصّع بالفصوص الثمينة، ويحملها إليه فى غاية الاحترام والتّعظيم كما هى عادة النّصارى

стр. 4803

فى تعظيمهم للصليب، وأشياء من هذه المقولة، ثم ما كفاه ذلك حتى [إنه] «١» صار يبتاع السلاح المثمّن من الخوذ والسّيوف الهائلة والزرديات والبكاتر «٢» بأغلى الأثمان ويتوجّه بها إلى بلاد الحبشة، وصار يهوّن عليهم أمر المسلمين، ويعرفهم ما المسلمون فيه بكل ما تصل القدرة إليه، فتقرّب بذلك من الحطّى حتى صار عنده بمنزلة عظيمة، فعند ذلك ندبه الحطّى بكتابه إلى ملوك الفرنج عند ما بلغه أخذ قبرس وأسر ملكها جينوس يحثّهم فيه على القيام معه لإزالة دين الإسلام وغزو المسلمين وإقامة الملّة العيسوية ونصرتها، وأنه يسير فى بلاد الحبشة فى البرّ بعساكره، وأن الفرنج تسير فى البحر بعساكرها فى وقت معيّن إلى سواحل الإسلام، وحمّله مع ذلك مشافهات، فخرج التّبريزى هذا من بلاد الحطّى بكتابه وبما حمله من المشافهات لملوك الفرنج بعزم واجتهاد وسلك فى مسيره من بلاد الحبشه البرّيّة حتى صار من وراء الواحات [ثم سلك من وراء الواحات] «٣» إلى بلاد المغرب، وركب منها البحر إلى بلاد الفرنج، وأوصل إليهم كتاب الحطّىّ وما معه من المشافهات، ودعاهم للقيام مع الحطّىّ فى إزالة الإسلام وأهله، واستحثهم فى ذلك، فأجابه غالبهم، وأنعموا عليه بأشياء كثيرة، فاستعمل بتلك البلاد عدّة ثياب مخمّل مذهّبة باسم الحطّىّ، ورقمها بالصلبان؛ فإنه شعارهم. قلت: لولا أنه داخلهم فى كفرهم، وشاركهم فى مأكلهم ومشربهم ما طابت نفوسهم لإظهار أسرارهم عليه، وكانوا يقولون: هذا رجل مسلم يمكن أنه يتجسّس أخبارنا وينقلها للمسلمين ليكونوا منا على حذر، وربما أمسكوه بل وقتلوه بالكلية- انتهى. ثم خرج من بلاد الفرنج وسار فى البحر «٤» حتى قدم الإسكندرية ومعه الثياب

стр. 4804

المذكورة ورهبان من رهبان الحبشة، وكان له عدّة عبيد، وفيهم رجل دين فنمّ عليه بما فعله، ودلّهم على ما معه من القماش وغيره، فأحيط بمركبه وبجميع ما فيها فوجدوا بها ما قاله العبد المذكور، فحمل هو والرّهبان وجميع ما معه إلى القاهرة، فسعى بمال كبير فى إبقاء مهجته وساعده فى ذلك ممّن يتّهم فى دينه، فلم يقبل السلطان ذلك، وأمر به فحبس ثم قتل حسبما ذكرناه [عليه من الله ما يستحقه] «١» انتهى. ثم فى يوم الخميس تاسع شهر رجب خلع «٢» السلطان على جلال الدين محمد ابن القاضى بدر الدين محمد بن مزهر باستقراره فى وظيفة كتابة السّرّ بالديار المصرية عوضا عن والده بحكم وفاته، وله من العمر دون العشرين سنة ولم يطر شاربه، وخلع السلطان على القاضى شرف الدين أبى بكر بن سليمان سبط ابن العجمى المعروف بالأشقر أحد أعيان موقّعى الدّست باستقراره نائب كاتب السّرّ، ليقوم بأعباء الديوان عن هذا الشاب لعدم معرفته وقلّة دربته بهذه الوظيفة، وكانت ولاية جلال الدين المذكور لكتابة السّرّ على حمل تسعين ألف دينار من تركة أبيه. ثم فى يوم الخميس ثالث عشرين شهر رجب المذكور قدم الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام إلى القاهرة وصحبته القاضى كمال الدين محمد بن البارزىّ كاتب سر دمشق، وطلعا إلى القلعة فخلع السلطان عليهما خلع الاستمرار، واجتمع به «٣» غير مرّة: أعنى بسودون من عبد الرحمن، فكلّمه سودون فيما يفعله مماليكه الجلبان بالمباشرين وغيرهم، وخوفّه عاقبة المماليك القرانيص من ذلك، فقال له الملك الأشرف: قد عجزت عن إصلاحهم، ثم كشف رأسه ودعا عليهم بالفناء والموت غير مرة، فقال له الأتابك جارقطلو: ضع فيهم السيف وأقم عوضهم، وما دام رأسك تعيش فالمماليك كثير، ومائة من

стр. 4805

القرانيص «١» خير من ألف من هؤلاء الأجلاب، ولولا حرمة السلطان لكان صغار عبيد القاهرة كفئا لهم. وكان سبب ذلك أنهم صاروا يضربون مباشرى الدّولة وينهبون بيوتهم، ووقع منهم فى دوران المحمل فى هذه السنة أمور شنيعة إلى الغاية، وتقاتلوا مع العبيد حتى قتل بينهما جماعة وأشياء غير ذلك، فمال السلطان إلى كلام جار قطلو وأراد مسك جماعة كبيرة منهم، ونفى آخرين، وتفرقة جماعة أخر على الأمراء، وقال: أحسب أن مائة ألف دينار ما كانت، ومتى حصل نفع المماليك المشتروات لأستاذهم أو لذرّيّته؟ فلما رأى الأمير بيبغا المظفرى ميل السلطان لكلام جار قطلو أخذ فى معارضته وردّ كلامه، فكان من جملة ما قاله: والله لولا المماليك المشتروات ما أطاعك واحد منا- وأشار بخروج جانى بك الصوفى من السجن واختفائه بالقاهرة- وخلّ عنك كلام هذا وأمثاله، وكان عبد الباسط مساعدا لجار قطلو، ثم التفت بيبغا وقال لعبد الباسط: أنت تكون سببا لزوال ملك هذا، فعند ذلك أمسك الأشرف عما كان عزم عليه لعلمه بنصيحة بيبغا المظفرىّ له، وانفض المجلس بعد أن أمرهم السلطان بكتمان ما وقع عند السلطان من الكلام، فلم يخف ذلك عن أحد، وبلغ المماليك الأشرفية فتحلّفوا لجار قطلو ولعبد الباسط ولسودون من عبد الرحمن. فلما كان يوم الجمعة ثانى شعبان نزل المماليك الأشرفية من الأطباق إلى بيت الوزير كريم الدين بن كاتب المناخ ونهبوه لتأخر رواتبهم، وسافر فيه الأمير سودون من عبد الرحمن إلى محل كفالته، وكان السلطان أراد عزله وإبقاءه بمصر فوعد بخمسين ألف دينار حتىّ خلع عليه باستمراره، فكلّمه بعض أصحابه فى ذلك فقال: أحمل مائة ألف دينار ولا أقعد بمصر فى تهديد الأجلاب. ثم لما كان يوم الثلاثاء سادس شعبان «٢» ثارت الفتنة بين المماليك الجلبان وبين

стр. 4806

الأمير الكبير جارقطلو، وكان ابتداء الفتنة أنه وقع بين بعض المماليك السلطانية وبين مماليك الأمير الكبير جارقطلو وضربت الجلبان بعض مماليك جارقطلو فأخذ المملوك [يدافع] «١» عن نفسه وردّ على بعضهم وكان شجّ بعض المماليك السلطانية، فعند ذلك قامت قيامتهم، وحرّك ذلك ما كان عندهم من الكمين من أستاذهم جارقطلو، فتجمعوا على المملوك المذكور وضربوه، فهرب إلى بيت أستاذه واحتمى به، فعادت المماليك إلى إخوتهم واتفقوا على جارقطلوا، وتردّدوا إلى بابه غير مرّة، وباتت الناس على تخوّف من وقوع الفتنة لوقوع هذه القضيّة، وأصبحوا من الغد فى جمع كثير من تحت القلعة وقد اتفقوا على قتل جار قطلو ومماليكه، فماج الناس لذلك وغلقوا الأسواق خشية من [وقوع] «٢» النهب، وتزاحم الناس على شراء الخبز، وغلقت الدّروب، وانتشرت الزعر وأهل الفساد، وتعوّق مباشر والدولة من النزول من القلعة إلى دورهم، وأرسل السلطان إليهم جماعة بالكف عن ما هم فيه، وهدّدهم إن لم يرجعوا، فلم يلتفتوا إلى كلامه، وساروا بأجمعهم إلى بيت الأمير الكبير جارقطلو وكان سكنه ببيت الأمير طاز «٣» بالشارع الأعظم عند حمام الفارقانى «٤» فأغلق جارقطلو بابه، وأصعد مماليكه على طبلخاناته فوق باب داره ليمنعوا المماليك السلطانية من كسر الباب المذكور وإحراقه، وتراموا بالنشاب، وأقام الأجلاب يومهم كلّه مع كثرتهم لا يقدرون على الأمير الكبير جارقطلو ولا على مماليكه مع كثرة عددهم؛ لعدم معرفتهم بالحروب ولقلة دربتهم وسلاحهم. هذا والسلطان يرسل إليهم بالكفّ عما هم فيه، وهم مصممون على ما هم فيه يومهم كله، ووقع منهم أمور قبيحة فى حق أستاذهم وغيره، فلما وقع ذلك غضب السلطان غضبا عظيما، وأراد أن يوسع الأمراء فى حق مماليكه فخوفه الأمراء سوء عاقبة ذلك، فأخذ يكثر من الدعاء عليهم سرا وجهرا، وباتوا على ذلك.

стр. 4807

فلما أصبحوا يوم الخميس ثامن شعبان استشار الملك الأشرف الأمراء فى أمر مماليكه، فأشاروا عليه بأن يرسل يطلب من الأمير الكبير جارقطلو المماليك الذين كانوا سببا لهذه «١» الفتنة، وكانت المماليك الجلبان [لما رأوا] «٢» فى الأمس حالهم فى إدبار أرسلوا يطلبون غرماءهم من مماليك جارقطلو [من السلطان] «٣» فلم يجبهم السلطان إلى ذلك، فأرسل السلطان [بعد ذلك] «٤» للأمير الكبير يطلب مماليكه الذين كانوا فى أوّل هذه الفتنة، فأرسل إليه بجماعة منهم فأخذهم السلطان وضربهم ضربا ليس بذاك، ثم أمر بجبسهم، ووافق ذلك عجز المماليك الجلبان عن قتال الأمير الكبير لعدم اجتماع كلمتهم ولفرار أكثرهم وطلوعهم إلى الطّبقة، فأذعنوا بالصلح وخمدت الفتنة- ولله الحمد- بعد أن كاد أمر هذه الوقعة أن يتّسع إلى الغاية، لأن غالب الأمراء شقّ عليهم ما وقع للأمير الكبير، وقالوا إذا كان هذا يقع للأمير الكبير فنحن من باب أولى وأحقّ لأعظم من هذا، وتنبّه من كان عنده كمين من الملك الأشرف من المماليك المؤيّدية [شيخ] «٥» وغيرهم، وظهر للسلطان لوايح من ذلك فاحتار بين مماليكه وأمرائه إلى أن وقع الصّلح، ومن يومئذ تغيّر خاطر جارقطلو من الملك الأشرف فى الباطن مع خصوصيته بالأشرف حتى أبدى بعض ما كان عنده فى سفرة آمد حسبما يأتى ذكره. ثم ورد الخبر على السلطان بأن فى خامس شعبان هذا ورد إلى ميناء الإسكندرية خمسة أغربة فيها مقاتلة الفرنج مشحونة بالسلاح، وباتوا بها وقد استعدّ لهم المسلمون، فلما أصبح النهار واقعوهم وقد أدركهم الزّينى عبد القادر بن أبى الفرج الأستادار- وكان مسافرا بترّوجة- ومعه غالب عرب البحيرة نجدة للمسلمين، فلما كثر جمع المسلمين انهزم الفرنج وردّوا من حيث أتوا فى يوم الأحد حادى عشره ولم يقتل من المسلمين سوى فارس واحد من جماعة ابن أبى الفرج.

стр. 4808

قلت [قوله تعالى] «١» (وردّ الله الّذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال) «٢» . كل ذلك والسلطان مشغول بتجهيز «٣» تجريدة إلى بلاد الشّرق، فلما كان ثانى عشر شعبان المذكور أنفق السلطان فى ثلاثمائة وتسعين مملوكا من المماليك السلطانية، لكل واحد «٤» خمسين دينارا، وفى أربعة من أمراء الألوف، وهم: أركماس الظاهرىّ الدوادار الكبير، وقرقماس حاجب الحجاب، وحسين بن أحمد المدعو تغرى برمش البهسنى، ويشبك السّودونى المعروف بالمشد، لكل واحد ألفى دينار، وأنفق أيضا فى عدّة من أمراء الطبلخانات والعشرات، فبلغت نفقة الجميع نحو ثلاثين ألف دينار، ورسم بسفرهم إلى الشّام، فسافروا فى سادس «٥» عشرين شعبان المذكور. ثم فى يوم الخميس «٦» رابع عشر شهر رمضان حملت جامكيّة المماليك السلطانية إلى القلعة لتنفق فيهم على العادة، فأمتنعوا من قبضها، وطلبوا زيادة لكل واحد ستمائة درهم وصمموا على ذلك، وترددت الرّسل بينهم وبين السلطان إلى أن زيد فى جوامك عدّة منهم وسكن شرّهم، وأخذوا الجامكيّة فى يوم الاثنين ثامن عشره. ثم بعد ذلك وقع بين المماليك الجلبان وبين العبيد، فتجمّع السّودان وقاتلوهم فقتل بينهم عدّة وصاروا جمعين لكل جمع عصبيّة. ثم فى يوم الأربعاء تاسع ذى القعدة ورد الخبر على السلطان بأخذ الأمراء المتوجّهين إلى جهة بلاد الشّرق مدينة الرّها من نواب قرايلك، وكان من خبر ذلك

стр. 4809

أن العساكر المصرية لما سارت من القاهرة إلى جهة الشّام لأخذ خرتبرت «١» - وقد مات متولّيها، ونازلها عسكر قرايلك صاحب آمد- فلما وصلوا إلى مدينة حلب ورد عليهم الخبر بأخذ قرايلك قلعة خرتبرت وتحصينها وتسليمها لولده، فأقاموا بحلب إلى أن ورد عليهم الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام بعساكر دمشق، ثم جميع نوّاب البلاد الشامية بعساكرها، وتشاوروا فى السّير لها، فأجمع رأيهم على المسير، فمضوا بأجمعهم: العسكر المصرى [والعسكر] «٢» الشامى إلى جهة الرّها، فأتاهم بألبيرة كتاب أهل الرّها بطلب الأمان وقد رغبوا فى الطاعة، فأمنوهم وكتبوا لهم كتابا، وساروا من ألبيرة وبين أيديهم مائتا فارس من عرب الطّاعة كشّافة، فوصلت الكشّافة المذكورون إلى الرّها فى شوّال، فوجد والأمير هابيل بن الأمير عثمان بن طرعلى المدعو قرايلك صاحب آمد قد وصل إليها ودخلها وحصنّها وجمع فيها خلائق من أهل الضياع بمواشيهم وعيالهم وأموالهم، فنزلوا عليها فرموهم بالنّشّاب من فوق أسوار المدينة. فلما رأى هابيل قلّة العرب برز إليهم فى نحو ثلاثمائة رجل من عسكره وقاتلهم فثبتوا له وقاتلوه، فقتل بين الفريقين جماعة والأكثر من العرب، فأخذ هابيل رءوسهم وعلقها على أسوار المدينة، وبينماهم فى ذلك «٣» أدركهم العسكر المصرى والشامىّ ونزلوا على ظاهر الرّها يوم الجمعة العشرين من شوال، فوجدوا هابيل قد حصّن المدينة، وجعل جماعة من عساكره على أسوارها، فلما قرب العسكر من سور مدينة الرّها رماهم الرّجال من أعلى السور بالنّشّاب والحجارة، فتراجع العسكر عنهم ونزلوا بخيامهم إلى بعد الظهر، فركبوا الجميع وأرسلوا إلى أهل الرّها بالأمان، وأنهم إن لم

стр. 4810

يكفوا عن القتال أخربوا المدينة، فلم يلتفتوا إلى كلامهم ورموهم بالنّشّاب، فاتّفق العسكر حينئذ على الزّحف وركبوا بأجمعهم وزحفوا على المدينة وجدّوا فى قتالها، فلم يكن غير ساعة إلا وأخذوا المدينة واستولوا عليها، وتعلق أعيان البلد ومقاتلتها بالقلعة، فانتشر العسكر وأتباعهم بالمدينة ينهبون ويأخذون ما وجدوا ويأسرون من ظفروا به، وأمعنوا فى ذلك حتى خرجوا عن الحدّ، وأصبحوا يوم السبت جدّوا فى حصار القلعة، وأرسلوا إلى من بها بالأمان فلم يقبلوا واستمرّوا بالرّمى بالنّشّاب والحجارة وغير ذلك، ونصبوا على القلعة المكاحل والمدافع وأخذوا فى النقوب وباتوا ليلة الأحد على ذلك، وأصبحوا يوم الأحد على ما هم عليه من القتال والحصار إلى وقت الضحى، فضعف أمر من بالقلعة بعد قتال شديد وطلبوا الأمان، فكفّوا عند ذلك عن قتالهم، ونزلت رسلهم إلى الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام، وهو مقدّم العساكر، وكلّموهم فى نزولهم وتسليمهم القلعة، وحلّفوه هو والأمير قصروه نائب حلب «١» على أنهم لا يؤذونهم ولا يقتلون أحدا منهم، فركنوا إلى أيمانهم، ونزل الأمير هابيل بن قرايلك ومعه تسعة «٢» من أعيان أمراء أبيه فى وقت الظهر من يوم الأحد ثانى عشرين شوال المذكور، فتسلمه الأمير أركماس الظاهرىّ الدّوادار الكبير، وركب الأمير سودون من عبد الرحمن ومعه بقية النّواب إلى القلعة، فوجدوا المماليك السلطانية قد وقفوا على باب القلعة ليدخلوا إليها، فكلّمهم النّوّاب فى عدم دخولهم وقالوا لهم: نحن أعطيناهم أمانا، ومنعوهم من الدخول إليها، فأفحشوا فى الرّدّ على النوّاب، فراجعوهم فى ذلك فهمّوا المماليك بقتالهم، وهجموا القلعة بغير رضاء النّوّاب والأمراء ودخلوها، فشقّ ذلك على النّوّاب وعادوا إلى مخيّمهم، فمدّ المماليك أيديهم هم والتّركمان والأعراب والغلمان فى النّهب والسّبى حتى نهبوا جميع ما كان بالقلعة، وأسروا النّساء والصّبيان وأفحشوا بها إلى الغاية.

стр. 4811

ثم ألقوا النار فيها فأحرقوها بعد ما أخلوها من جميع ما كان فيها، وقتلوا من كان بها وبالمدينة من الرجال والمقاتلة، حتى جاوز فعلهم الحدّ. ثم أخربوا المدينة وألقوا النار فيها فاحترقت واحترق فى الحريق جماعة من النّسوة فإنهن اختفين فى الأماكن من البلد خوفا من العسكر، فلما احترقت المدينة احترقن الجميع فى النار التى أضرمت بسكك المدينة وخباياها، واحترق أيضا معهن عدة كبيرة من أولادهن. هذا بعد أن أسرفوا فى القتل بحيث إنه كان الطريق قد ضاق من كثرة القتلى، وفى الجملة فقد فعلوا بمدينة الرّها فعل التّمرلنكيين وزيادة من القتل والأسر والإحراق والفجور بالنساء- فما شاء الله كان. ثم رحلوا من الغد فى يوم الاثنين ثالث عشرينه وأيديهم قد امتلأت من النهب والسبى، فقطعت منهم عدّة نساء من التّعب فمتن عطشا، وبيعت منهن بحلب وغيرها عدة كبيرة. قال المقريزى: وكانت هذه الكائنة من مصيبات الدّهر. [الوافر] وكنّا نستطب إذا مرضنا ... فجاء الدّاء من قبل الطّبيب لقد عهدنا ملك مصر إذا بلغه عن أحد من ملوك الأقطار قد فعل مالا يجوز أو فعل ذلك رعيته بعث ينكر عليه ويهدّده، فصرنا نحن نأتى من الحرام بأشنعه ومن القبيح بأفظعه- وإلى الله المشتكى- انتهى كلام المقريزى. قلت: لم يكن ما وقع من هؤلاء الغوغاء بإرادة الملك الأشرف، ولا عن أمره ولا فى حضوره، وقد تقدّم أن نوّاب البلاد الشامية وأكابر الأمراء

стр. 4812

منعوهم من دخول القلعة بالجملة فلم يقدروا على ذلك لكثرة من كان» ، اجتمع بالعسكر من التّركمان والعرب النّهابة كما هى عادة العساكر، وإن كان كون الأشرف جهّز العسكر إلى جهة الرّها، فهذا أمر وقع فيه كلّ أحد من ملوك الأقطار قديما وحديثا، ولا زالت الملوك على ذلك من مبدأ الزّمان إلى آخره، معروف ذلك عند كل أحد- انتهى. ثم فى ليلة الخميس ثامن ذى الحجة سنة اثنتين وثلاثين المذكورة قدم السيد الشريف شهاب الدين «٢» أحمد من دمشق بطلب من السلطان بعد أن خرج أكابر الدّولة إلى لقائه، واستمرّ بالقاهرة إلى يوم الخميس خامس عشر ذى الحجة فخلع السلطان عليه باستقراره كاتب السرّ الشريف بالديار المصرية، عوضا عن جلال الدين محمد بن مزهر بحكم عزله، وعملت الطرحة خضراء برقمات ذهب، فكان له موكب جليل إلى الغاية. ثم فى يوم الجمعة سادس عشره خلع السلطان على جلال الدين [محمد] «٣» بن مزهر المقدم ذكره واستقر فى توقيع المقام الناصرى محمد بن السلطان. ثم فى يوم السبت رابع عشرينه قدم «٤» القاهرة الأمير هابيل بن قرايلك المقبوض عليه من الرّها ومعه جماعة فى الحديد، فشهّروا بالقاهرة إلى القلعة، وسجنوا بها، وقد تخلف العسكر المصرى بحلب مخافة أن يهجم قرايلك على البلاد الحلبية. وفى هذه السنة كان خراب مدينة تبريز؛ وسبب ذلك أن صاحبها إسكندر بن

стр. 4813

قرا يوسف بن قرا محمد بن بيرم خجا التركمانى زحف على مدينة السّلطانية «١» وقتل متملكها من جهة القان شاه رخّ بن تيمور لنك فى عدة من أعيان المدينة، ونهب السلطانية وأفسد بها غاية الإفساد، فسار إليه شاه رخّ فى جموع كثيرة فخرج إسكندر من تبريز وجمع لحربه ولقيه وقد نزل خارج تبريز، فانتدب لمحاربة إسكندر المذكور الأمير عثمان بن طر على المدعو قرايلك صاحب آمد- وقد أمدّه شاه رخّ بعسكر كثيف- وقاتله خارج تبريز فى يوم الجمعة سادس عشر ذى الحجة قتالا شديدا قتل فيه كثير من الفئتين إلى أن كانت الكسرة على إسكندر وجماعته، وانهزم وهم فى أثره يطلبونه ثلاثة أيام ففاتهم إسكندر، فنهبت الجغتاى عامّة بلاد أذربيجان وكرسى أذربيجان تبريز، وقتلوا وسبوا وأسروا وفعلوا أفاعيل أصحابهم من أعوان تيمور حتى لم يدعوا بها ما تراه العين، ثم ألزم شاه رخّ أهل تبريز بمال كبير، ثم جلاهم بأجمعهم إلى سمرقند، فما ترك [فى] «٢» تبريز إلا ضعيفا أو عاجزا لا خير فيه، ثم بعد مدّة طويلة زحل إلى جهة بلاده، وبعد رحيله انتشرت الأكراد بتلك النواحى تعبث وتفسد حتى فقدت الأقوات وأبيع لحم الكلب الرطل بعدة دنانير. قلت: وقد تكرّر قتال إسكندر هذا لشاه رخّ المذكور غير مرّة، وهو فى كل وقعة تكون الكسرة والذّلة عليه، وهولا يرعوى ولا يستحى ولا يرجع عن جهله وغيّه، وقد نسبه بعض الناس للشجاعة لكثرة مواقعته مع شاه رخّ المذكور، وأنا أقول: ليس ذلك من الشجاعة إنما هو من قلّة مروءته، وإفراط جهله، وسخفه وجنونه، وعدم إشفاقه على رعيّته وبلاده؛ حيث يقاتل من لا قبل له به ولا طاقة له بدفعه، فهذا هو الجنون بعينه، وإن طاب له- من هذا- الكحل فليكتحل، وأما إسكندر

стр. 4814

فإنه بعد هزيمته جال [فى] «١» البلاد وتشتّت شمله وتبدّدت عساكره، وسار إلى بلاد الأكراد وقد وقع بها الثّلوج، ثم سار إلى قلعة سلماس «٢» فحصره بها الأكراد، وقاسى شدائد إلى أن نجا منها بنفسه وسار إلى جهة من الجهات- انتهى. [ما وقع من الحوادث سنة ٨٣٣] ثم فى يوم الأحد رابع عشرين المحرّم سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة قدم إلى القاهرة رسول ملك الشّرق شاه رخّ بن تيمور لنك بكتابه يطلب فيه شرح البخارى للحافظ شهاب الدين [أحمد] «٣» بن حجر، وتاريخ الشيخ تقي الدين المقريزىّ المسمى بالسّلوك لدول الملوك، ويعرض أيضا فى كتابه بأنه يريد يكسو الكعبة، ويجرى العيش بمكّة، فلم يلتفت السلطان إلى كتابه ولا إلى رسوله، وكتب له بالمنع فى كلّ ما طلبه. ثم فى يوم الخميس سادس عشرين صفر خلع السلطان على قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينىّ وأعيد إلى قضاء الشافعية بعد عزل الحافظ شهاب الدين بن حجر، وخلع أيضا على القاضى زين الدين عبد الرّحمن التّفهنىّ وأعيد أيضا إلى قضاء الحنفية بعد عزل قاضى القضاة بدر الدين محمود العينى، واستقرّ القاضى صدر الدين أحمد بن العجمىّ فى مشيخة خانقاه شيخون عوضا عن التّفهنىّ، وخلع عليه فى يوم الاثنين أوّل شهر ربيع الأوّل. ثم فى يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأوّل «٤» المذكور خلع السلطان على القاضى سعد الدين إبراهيم ابن القاضى كريم الدين عبد الكريم بن سعد الدين بركة المعروف بابن كاتب جكم باستقراره ناظر الخواصّ الشريفة بعد موت والده. ثم فى يوم السبت رابع شهر ربيع الآخر خلع السلطان على قاضى القضاة بدر الدين

стр. 4815

محمود العينى المقدّم ذكره باستقراره فى حسبة القاهرة عوضا عن الأمير إينال الشّشمانىّ مضافا لما معه من نظر الأحباس. ثم فى يوم الخميس تاسع شهر ربيع الآخر المذكور خلع السلطان على الأمير شهاب الدين أحمد الدّوادار المعروف بابن الأقطع- وقد صار قبل تاريخه زرد كاشا- باستقراره فى نيابة الإسكندرية عوضا عن آقبغا التّمرازىّ بحكم عزله وقدومه إلى القاهرة على إمرته، فإنه كان ولى نيابة إسكندرية على إقطاعه: تقدمة ألف بالديار المصرية. ثم فى خامس عشرينه خلع السلطان على «١» آقبغا الجمالىّ الكاشف باستقراره أستادارا بعد عزل الزّينى عبد القادر بن أبى الفرج، على أن آقبغا يحمل مائة ألف دينار بعد تكفية الديوان، فكذب وتخومل وعزل بعد مدّة يسيرة حسبما نذكره، وكان أصل آقبغا هذا من الأوباش من مماليك الأمير كمشبغا الجمالى أحد أمراء الطبلخانات، وصار يتردّد إلى إقطاع أستاذه كمشبغا المذكور، ثم خدم بلّاصيّا عند الكشّاف، ثم ترقّى حتى ولى الكشف فى دولة الملك الأشرف هذا، وأثرى وكثر ماله فحسّن له شيطانه أن يكون أستادارا وأخذ يسعى فى ذلك سنين إلى أن سمح له الملك الأشرف بذلك، وتولّى الأستادارية، وأستاذه [الأمير] «٢» كمشبغا الجمالى فى قيد الحياة من جملة أمراء الطبلخانات، فلم تحسن سيرته وعزل بعد مدّة. وفى هذا الشهر وقع الطاعون بإقليم «٣» البحيرة والغربيّة بحيث إنه أحصى من مات من أهل المحلّة زيادة على خمسة آلاف إنسان، وكان الطاعون أيضا قد وقع بغزّة والقدس وصفد ودمشق من شعبان فى السنة الخالية، واستمرّ إلى هذا الوقت، وعدّ ذلك من النّوادر لأنّ الوقت [كان] «٤» شتاء ولم يعهد وقوع الطاعون إلا فى فصل

стр. 4816

الرّبيع، ويعلّل الحكماء ذلك بأنه سيلان الأخلاط فى فصل الرّبيع وجمودها فى الشتاء، فوقع فى هذه السنة بخلاف ذلك، وكان قدم الخبر أيضا بوقوع الطاعون بمدينة برصا من بلاد الرّوم، وأنه زاد عدّة من يموت بها فى كل يوم على ألف وخمسمائة إنسان، ثم بدأ الطاعون بالديار المصرية فى أوائل شهر ربيع الآخر. قلت: وهذا الطاعون هو الفناء العظيم الذي حصل بالدّيار المصرية وأعمالها فى سنة ثلاث وثلاثين المذكورة. ثم فى يوم الخميس أوّل جمادى الأولى نودى بالقاهرة بصيام ثلاثة أيّام، وأن يتوبوا إلى الله تعالى من معاصيهم، وأن يخرجوا من المظالم، ثم إنهم يخرجون فى يوم الأحد رابع جمادى الأولى المذكور إلى الصحراء، فلما كان يوم الأحد رابعه «١» خرج قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينىّ فى جمع موفور إلى الصّحراء خارج القاهرة، وجلس بجانب تربة الملك الظاهر برقوق، ووعظ الناس فكثر ضجيج النّاس وبكاؤهم فى دعائهم وتضرّعهم، ثم انفضوا فتزايدت عدّة الأموات فى هذا اليوم عمّا كانت فى أمسه ثم فى ثامن جمادى الأول هذا قدم كتاب إسكندر بن قرايوسف صاحب تبريز أنه قدم إلى بلاده وقصده أن يمشى بعد انقضاء الشّتاء لمحاربة قرايلك، فلم يلتفت السلطان إلى كتابه لشغله بموت مماليكه وغيرهم بالطّاعون. ثم ورد كتاب قرايلك أيضا على السلطان يسأل فيه العفو عن ولده هابيل وإطلاقه، فلم يسمح له السلطان بذلك. ثم عظم الوباء فى هذا الشهر، وأخذ يتزايد فى كل يوم، ثم ورد الخبر [أيضا] «٢» أنه ضبط من مات من النّحريريّة بالوجه البحرى إلى يوم تاريخه تسعة آلاف سوى من لم يعرف وهم كثير جدا، وأنه بلغ عدّة الأموات فى الإسكندرية فى كل يوم نحو المائة، وأنه شمل الوباء غالب الأقاليم بالوجه البحرى.

стр. 4817

ثم وجد فى هذا الشهر بنيل مصر والبرك كثير من السمك والتماسيح قد طفت على وجه الماء ميتة واصطيدت [سمكة تسمى] «١» بنيه كبيرة فإذا هى كأنما صبغت بدم من شدّة ما بها من الاحمرار، ثم وجد فى البرّيّة ما بين السويس والقاهرة عدة كبيرة من الظّباء والذئاب موتى. ثم قدم الخبر بوقوع الوباء أيضا ببلاد الفرنج. [ثم «٢» ] فى يوم الخميس سلخه ضبطت عدّة الأموات التى صلّى عليها بمصليات القاهرة وظواهرها فبلغت ألفين ومائة، ولم يرد منها فى أوراق الدّيوان غير أربعمائة ونيّف، وببولاق سبعين، وفشا الطاعون فى الناس، وكثر بحيث إن ثمانية عشر إنسانا من صيّادى السّمك كانوا فى موضع [واحد] «٣» فمات منهم فى يوم واحد أربعة عشر، ومضى الأربعة ليجهّزوهم إلى القبور فمات منهم وهم مشاة ثلاثة، فقام الواحد بشأن الجميع حتى أوصلهم إلى القبور فمات هو أيضا. قاله الشيخ تقي الدين المقريزى فى تاريخه، ثم قال [أيضا] «٤» : وركب أربعون رجلا فى مركب وساروا من مدينة مصر نحو بلاد الصّعيد فماتوا بأجمعهم قبل وصولهم إلى الميمون، ومرّت امرأة من مصر تريد القاهرة وهى راكبة على مكارى فماتت وهى راكبة وصارت ملقاة بالطريق يومها كلّه حتى بدأ يتغيّر ريحها فدفنت ولم يعرف لها أهل، وكان الإنسان إذا مات تغيّر ريحه سريعا مع شدّة البرد، وشنع الموت بخانقاه سرياقوس حتى بلغت العدّة فى كل يوم نحو المائتين، وكثر أيضا بالمنوفيّة والقليوبيّة حتى كان يموت فى الكفر الواحد متمائة إنسان. قلت: والذي رأيته أنا فى هذا الوباء أن بيوتا كثيرة خلت من سكّانها مع كثرة عددهم، وأن الإقطاع الواحد كان ينتقل فى مدّة قليلة عن ثلاثة أجناد وأربعة وخمسة، ومات من مماليك الوالد [﵀] «٥» فى يوم واحد أربعة من أعيان الخاصّكيّة، وهم: أزدمر السّاقى «٦» ، وملج السلاح دار، وبيبرس الخاصّكىّ، ويوسف الرّمّاح؛ ماتوا

стр. 4818

الجميع فى يوم واحد، فتحيّرنا بمن نبدأ بتجهيزه ودفنه على اختلاف سكناهم وقلّة التّوابيت والدّكل، وبالله لم أشهد منهم غير يوسف الرّماح، وأرسلت لمن بقى غيرى، مع أنّ كلّ واحد منهم أهل لنزول السلطان للصلاة عليه. ثم أصبح من الغد مات سنقر دوادار الوالد الثانى، وكان من أكابر الخاصّكيّة من الدّولة المؤيّدية، هذا خلاف من مات منهم من الجمداريّة ومن مماليك الأمراء، وأما من مات من عندنا من المماليك والعبيد والجوارى والخدم فلا يدخل تحت حصر، ومات من أخوتى وأولادهم سبعة أنفس ما بين ذكور وإناث، وأعظمهم أخى إسماعيل؛ فإنه مات وسنه نحو العشرين سنة، وكان من محاسن الدّهر. قال المقريزى: ثم تزايدت عدّة الأموات عما كانت فأحصى فى يوم الاثنين رابع جمادى الآخرة من أخرج عن أبواب القاهرة فبلغت عدّتهم ألفا ومائتى ميّت سوى من خرج عن القاهرة من أهل الحكور والحسينيّة وبولاق والصّليبة ومدينة مصر والقرافتين والصحراء، وهم أكثر من ذلك، ولم يورد بديوان المواريث بالقاهرة سوى ثلاثمائة وتسعين، وذلك أن أناسا عملوا التوابيت للسّبيل، فصار أكثر الناس يحملون موتاهم عليها ولا يوردون الديوان أسماءهم. قال: وفى هذه الأيام ارتفعت أسعار الثّياب التى يكفّن بها الأموات، وارتفع سعر سائر ما يحتاج إليه المرضى كالسّكّر وبزر الرّجلة والكمّثرى على أن القليل من المرضى هو الذي يعالج بالأدوية، بل بعضهم يموت موتا سريعا فى ساعة وأقلّ منها، وعظم الوباء فى المماليك السلطانية سكان الطباق بالقلعة الذين كثر فسادهم وشرّهم وعظم عتوّهم وضرهم، بحيث إنه كان يصبح منهم أربعمائة وخمسون مملوكا مرضى فيموت [منهم] «١» فى اليوم زيادة على الخمسين مملوكا- انتهى كلام المقريزى. قلت: والذي رأيته أنا أنه مات بعض «٢» أعيان الأمراء مقدّمى الألوف، فلم يقدروا

стр. 4819

له على تابوت حتى أخذ له تابوت من السّبيل، وأما الأخ [﵀] «١» فإنه لما توفّى إلى رحمة الله تعالى وجدنا له تابوتا، غير أنه لا عدّة فيه، فلما وضع الأخ فيه طرح عليه سلّارى سمّور من قماشه، على أن الغاسل أخذ من عليه قماشا يساوى عشرين ألف «٢» درهم، ومع هذا لم ينهض أهل الحانوت بكسوة تابوته. وبلغ عدّة من صلى عليه من الأموات بمصلّى باب النصر فى يوم الأحد عاشر جمادى الآخرة خمسمائة وخمسة، وقد أقام هناك جماعة كبيرة بأدوية وأقلام لضبط ذلك، وبطل الصلاة بالصلاة وإنما صار الناس يصلون على أمواتهم صفّا واحدا من باب المصلّى إلى تجاه باب دار الحاجب، فكان يصلّى على الأربعين والخمسين معا دفعة واحدة، ومات لشخص بخدمتنا يسمّى شمس الدين الذّهبى ولد فخرجنا معه إلى المصلّى، وكان سنّ الميّت دون سبع سنين، فلما أن وضعناه للصّلاة عليه بين الأموات جىء «٣» بعدّة كبيرة أخرى إلى أن تجاوز عددهم الحدّ، ثم صلّى على الجميع، وتقدمنا لأخذ الميّت المذكور «٤» فوجدنا غيرنا أخذه وترك لنا غيره فى مقدار عمره، فأخذه أهله ولم يفطنوا به، ففهمت أنا ذلك، وعرّفت جماعة أخر ولم نعلم أباه بذلك، وقلنا لعلّ الذي أخذه يواريه أحسن مواراة، وليس للكلام فى ذلك فائدة غير زيادة فى الحزن، فلما دفن الصّبىّ وأخذ أهل الحانوت التّابوت صاحوا وقالوا: ليس هذا تابوتنا هذا عتيق وقماشه أيضا خلق، فأشرت إليهم بالسّكات وهدّدهم بعض المماليك بالضّرب، فأخذوه ومضوا، فكانت هذه الواقعة من الغرائب المهولة، كل ذلك والطاعون فى زيادة ونموّ حتى أيقن كلّ أحد أنه هالك لا محالة، وكنا نخرج من صلاة الجمعة إلى بيتنا وقد وقف جماعة من الأصحاب والخدم فنتعادد إلى الجمعة الثانية فينقص منا عدّة كبيرة ما بين ميّت ومريض، واستسلم كلّ أحد للموت وطابت نفسه لذلك، وقد أوصى وتاب وأناب ورجع عن أشياء كثيرة، وصار غالب الشّباب فى يد

стр. 4820

كلّ واحد منهم سبحة وليس له دأب إلا التوجه للمصلّاة للصلاة على الأموات وأداء الخمس والبكاء [والتوجّه إلى الله تعالى] «١» والتخشّع، وماتت عندنا وصيفة مولدة بعد أن مرضت من ضحى النهار إلى أن ماتت قبل المغرب، فأصبحنا وقد عجز الخدم عن تحصيل تابوت لها، فتولت تغسيلها أمّها وجماعة من العجائز وكفّنوها فى أفخر ثيابها على أحسن وجه، غير أننا لم نلق لها نعشا، وقد ألزمنى التوجه للصلاة على الأمير الكبير بيبغا المظفّرىّ، وعلى الشهابى أحمد بن الأمير تمراز النائب، فوقفت على الباب والميتة محمولة على أيدى بعض الخدم إلى أن اجتازت بنا جنازة امرأة، فأنزلت التابوت غصبا ووضعتها عند الميتة «واشتالتا» على أعناق الرجال، وسارت أمّها وبعض الخدم معها إلى أن قاربت التّربة فأخذوها من التابوت ودفنوها. ثم بلغ فى جمادى الآخرة [المذكورة] «٢» عدّة من صلّى عليه بمصلاة باب النصر فقط فى يوم واحد زيادة على ثمانمائة ميّت. ثم فى اليوم المذكور بلغ عدّة من خرج من الأموات من سائر أبواب القاهرة اثنى عشر ألفا وثلاثمائة ميّت محرّرة من الكتبة الحسبة بأمر شخص من أكابر الدّولة وقيل بأمر السلطان، ثم بلغ عدّة من صلّى عليه بمصلّاة باب النصر من الأموات فى العشر الأوسط من جمادى الآخرة المذكورة ألفا ونيفا وثلاثين إنسانا، ويقارب ذلك مصلاة المؤمنى بالرّميلة، فيكون على هذا الحساب مات فى هذا اليوم نحو خمسة عشر ألف إنسان. قال المقريزى: واتفق فى هذا الوباء غرائب، منها: أنه كان بالقرافة الكبرى والقرافة الصّغرى من السودان نحو ثلاثة آلاف إنسان ما بين رجل وامرأة وصغير وكبير ففنوا بالطاعون حتى لم يبق منهم إلا القليل، ففرّوا إلى أعلى الجبل وباتوا ليلتهم سهّارا لا يأخذهم نوم لشدّة ما نزل بهم من فقد أهليهم، وظلوا يومهم من الغد بالجبل،

стр. 4821

فلما كانت الليلة الثانية مات منهم ثلاثون إنسانا وأصبحوا فإلى أن يأخذوا فى دفنهم مات منهم ثمانية عشر. قال: واتفق أن إقطاعا بالحلقة تنقّل فى أيام قليلة إلى تسعة نفر، وكل منهم يموت، ومن كثرة الشغل بالمرضى والأموات تعطّلت الأسواق من البيع والشراء، وتزايد ازدحام النّاس فى طلب الأكفان والنعوش، فحملت الأموات على الألواح، وعلى الأقفاص، وعلى الأيدى، وعجز الناس عن دفن أمواتهم، فصاروا يبيتون بها فى المقابر والحفارون طول ليلتهم يحفرون، وعملوا حفائر كبيرة بلغ فى الحفرة منها عدّة أموات، وأكلت الكلاب كثيرا من أطراف الأموات، وصار الناس ليلهم كلّه يسعون فى طلب الغسال والحمّالين والأكفان، وترى النعوش فى الشوارع كأنها قطارات جمال لكثرتها، متواصلة بعضها فى إثر بعض- انتهى كلام المقريزى. ثم فى يوم الجمعة خامس عشر جمادى الآخرة المذكورة جمع الشريف شهاب الدين «١» أحمد كاتب السّرّ بالديار المصرية بأمر السلطان أربعين شريفا، اسم كل شريف منهم محمد، وفرّق فيهم من ماله خمسة آلاف درهم، وأجلسهم بالجامع الأزهر فقرءوا ما تيسّر من القرآن الكريم بعد صلاة الجمعة، ثم قاموا هم والناس على أرجلهم ودعوا الله تعالى- وقد غص الجامع بالناس- فلم يزالوا يدعون الله حتى دخل وقت العصر فصعد الأربعون شريفا إلى سطح الجامع وأذّنوا جميعا، ثم نزلوا وصلّوا مع الناس صلاة العصر وانفضّوا، وكان هذا بإشارة بعض الأعاجم، وأنه عمل ذلك ببلاد الشرق فى وباء حدث عندهم فارتفع عقيب ذلك. ولما أصبح الناس فى يوم السبت أخذ الوباء يتناقص فى كلّ يوم بالتدريج حتى انقطع، غير أنه لما نقلت الشمس إلى برج الحمل فى يوم ثامن عشر جمادى الآخرة المذكورة ودخل فصل الرّبيع، وأخذ الطاعون يتناقص، غير أنه فشا الموت من يومئذ فى أعيان النّاس وأكابرهم ومن له شهرة، بعد ما كان أوّلا فى الأطفال

стр. 4822

والموالى والغرباء والخدم، وفشا أيضا ببلاد الصعيد، وبغالب الدّواب والطّير، وبدأ التطويل فى الأمراض، ومشت الأطباء والجرائحية للمرضى. والعجب أن الشريف كاتب السّرّ الذي جمع الأشراف بجامع الأزهر مات بعد ذلك باثنى عشر يوما، وولى أخوه كتابة السرّ عوضه وقبل أن يلبس الخلعة مات أيضا. وأما من مات فى هذا الوباء من الأعيان فجماعة كبيرة يأتى ذكر بعضهم فى وفيات هذه السنة من هذا الكتاب. ثم فى يوم الاثنين تاسع شهر رجب خلع السلطان على الأمير الطّواشى زين الدين خشقدم الرّومى اليشبكىّ نائب مقدّم المماليك باستقراره مقدّم المماليك السلطانية بعد موت الأمير فخر الدين ياقوت الأرغون شاوى الحبشى، وخلع السلطان على الطواشى فيروز الركنى الرّومى باستقراره فى نيابة مقدّم المماليك عوضا عن خشقدم المذكور. ثم فى سادس عشر شهر رجب المذكور قدم الأمير تغرى بردى المحمودىّ من ثغر دمياط- وكان قد نقل إليه من سجن الإسكندرية قبل تاريخه بمدّة- فرسم السلطان أن يتوجه من قليوب إلى دمشق ليكون أتابكا بها عوضا عن الأمير قانى باى الحمزاوى بحكم حضور قانى باى المذكور إلى القاهرة ليكون بها من جملة مقدّمى الألوف. ثم فى ثالث عشرينه خلع السلطان على الشيخ بدر الدين حسن بن القدسىّ الحنفى باستقراره فى مشيخة الشّيوخ بالشّيخونيّة بعد موت القاضى صدر الدين أحمد ابن العجمى. ثم ورد الخبر على السلطان بحركة «١» قرايلك على البلاد الحلبيّة، وأن شاه رخ

стр. 4823

ابن تيمور لنك قد شتّى بقراباغ» ، فأخذ السلطان فى تجهيز عسكر للسّفر، هذا وقد أشيع بالقاهرة بأن الأمير جانى بك الصّوفى مات بالطّاعون ودفن ولم يعرف به أحد فلم تطب نفس السّلطان لهذا الخبر، واستمرّ على ما هو عليه من الفلق بسببه. ثم فى يوم الأربعاء ثالث شعبان «٢» منع السلطان نوّاب القضاة من الحكم، ورسم أن يقتصر القاضى الشافعىّ على أربعة نوّاب، والحنفى على ثلاثة، والمالكى والحنبلى كل منهما على اثنين، قلت: نعمة طائلة، خمسة عشر قاضيا بمصر بل ونصف هذا فيه كفاية. ثم فى يوم الاثنين ثامن شعبان أدير «٣» محمل الحاجّ على العادة فى كلّ سنة، ولم يعهد دورانه فى شعبان قبل ذلك، غير أن الضّرورة بموت المماليك الرّمّاحة اقتضت تأخير ذلك، وكان الجمع فيه من الناس دون العادة لكثرة وجد الناس على موتاهم. ثم فى يوم السبت ثامن عشر شهر رمضان قدم شهاب الدين أحمد بن صالح بن السّفاح كاتب سرّ حلب باستدعاء ليستقرّ فى كتابة السّرّ بالديار المصرية، ويستقرّ عوضه فى كتابة سرّ حلب ابنه زين الدين عمر، على أن يحمل شهاب الدين المذكور عشرة آلاف دينار، وكانت كتابة السّرّ شغرت من يوم مات الشريف شهاب الدين أحمد الدّمشقى، وباشر أخوه عماد الدين أبو بكر أياما قليلة ومات أيضا بالطاعون، فباشر القاضى شرف الدين أبو بكر الأشقر «٤» نائب كاتب السّرّ إلى يوم تاريخه بعد أن سعى فى كتابة السّرّ جماعة كبيرة بالقاهرة، فاختار السلطان ابن السفّاح هذا، وبعث بطلبه، وخلع عليه فى عشرينه باستقراره فى كتابة السّرّ، فباشر الوظيفة بقلّة حرمة وعدم أبّهة مع حدّة مزاج وخفّة وجهل بصناعة الإنشاء، على أنه باشر كتابة السّرّ بحلب

стр. 4824

سنين قبل ذلك، ومع هذا كله لم ينتج أمره لعدم فضيلته، فإنه كان يظهر من قراءته للقصص ألفاظ عامّيّة، وبالجملة فإنه كان غير أهل لهذه الوظيفة- انتهى. ثم فى يوم السبت رابع عشرين شوّال «١» قدم المماليك السلطانية من تجريدة الرّها إلى القاهرة، وكانوا من يوم ذاك بمدينة حلب، وتخلفت الأمراء بها. ثم فى يوم الاثنين ثالث ذى القعدة خلع السلطان على الصاحب كريم الدين عبد الكريم بن كاتب المناخ باستقراره أستادارا مضافا إلى الوزر عوضا عن آقبغا الجمالى بحكم عجز آقبغا عن القيام بالكلف السلطانية. ثم فى سادس ذى القعدة أمسك السلطان آقبغا المذكور وأهين وعوقب على المال، فحمل جملة، ثم أفرج عنه واستقرّ كاشفا للجسور بعد أيام. وفى يوم الثلاثاء ثامن عشر ذى القعدة أيضا- ويوافقه خامس عشر مسرى- أو فى النيل ستّة عشر ذراعا فركب السلطان الملك الأشرف من قلعة الجبل ونزل حتى خلّق المقياس وعاد فتح خليج السّدّ «٢» على العادة ولم يركب لذلك منذ تسلطن إلا فى هذه السنة. ثم فى ليلة السبت «٣» خامس عشر ذى القعدة ظهر للحاج المصرى وهم سائرون من جهة البحر المالح كوكب يرتفع ويعظم ثم تفرع «٤» منه شرر كبار ثم اجتمع، فلما أصبحوا اشتدّ عليهم الحرّ فهلك من مشاة الحاج ثم من الركبان عالم كبير، وهلك أيضا من جمالهم وحميرهم عدّة كبيرة، كل ذلك من شدة الحرّ والعطش، وهلك أيضا فى بعض أودية الينبع جميع ما كان فيه من الإبل والغنم. ثم فى يوم الثلاثاء ثامن ذى الحجة ركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إلى بيت

стр. 4825

[ابن] «١» البارزىّ المطلّ على النيل بساحل بولاق، وسار بين يديه غرابان فى النيل حربية، فلعبا كما لو حاربا الفرنج، ثم ركب السلطان من وقته سريعا وسار إلى القلعة. ثم فى عاشر ذى الحجة توجّه زين الدين عبد الباسط ناظر الجيش إلى زيارة القدس الشريف، وعاد فى يوم تاسع عشرينه، ثم ورد الخبر على «٢» السلطان فى هذا الشهر بتوجه الأمير قصروه نائب حلب منها والأمراء المجرّدون معه لمحاربة قرقماس بن حسين بن نعير، فلقوا جمائعه تجاه قلعة جعبر «٣» ، فانهزم قرقماس عن بيوته، فأخذ العسكر فى نهب ماله، فردّ عليهم العرب وهزموهم وقتلوا كثيرا من العساكر، وممّن قتل الأمير قشتم المؤيّدى أتابك حلب وغيره، وعاد العسكر إلى حلب بأسوإ حال، فعظم ذلك على الملك الأشرف إلى الغاية. قال المقريزى: وكان فى هذه السنة «٤» حوادث شنيعة وحروب وفتن؛ فكان بأرض مصر بحريّها وقبليّها وبالقاهرة ومصر وظواهرها وباء [عظيم] «٥» مات فيه على أقلّ ما قيل مائة ألف إنسان، والمجازف يقول هذه المائة ألف من القاهرة ومصر فقط سوى من مات بالوجه القبلى والبحرى، وهم مثل ذلك. قلت: وليس فى قول القائل إن هذه المائة ألف من القاهرة ومصر فقط مجازفة أبدا، فإن الوباء أقام أزيد من ثلاثة أشهر ابتداء وانتهاء وانحطاطا، وأقل من مات فيه دون العشرين كل يوم «٦» ، وأزيد من مات فيه نحو خمسة عشر ألف إنسان، وبهذا المقتضى ما ثمّ مجازفة، ومتحصل ذلك يكون بالقياس أزيد مما قيل- انتهى.

стр. 4826

قال- أعنى المقريزى: وغرق ببحر القلزم مركب فيه حجّاج وتجار تزيد عدتهم على ثمانمائه إنسان لم ينج منهم سوى ثلاثة رجال وهلك باقيهم، وهلك فى ذى القعدة أيضا بطريق مكّة فيما بين الأزلم «١» والينبع بالحرّ والعطش ثلاثة آلاف إنسان، ويقول المكثر خمسة آلاف، وغرق فى نيل مصر فى مدّة يسيرة اثنتا عشرة سفينة، تلف فيها من البضائع والغلال ما قيمته مال عظيم، وكان بغزة والرّملة والقدس وصفد ودمشق وحمص وحماة وحلب وأعمالها وباء [عظيم] «٢» ، هلك فيه خلائق لا يحصى عددهم إلا الله تعالى، وكان ببلاد المشرق بلاء عظيم، وهو أنّ شاه رخّ بن تيمور ملك الشّرق قدم إلى تبريز فى عسكر يقول المجازف عدّتهم سبعمائة ألف، قلت: يغفر الله لقائل هذا اللفظ، فإنه تجاوز حد المجازفة فى قوله- انتهى. قال: فأقام شاه رخّ على خوبى «٣» نحو شهرين، وقد فرّ منه إسكندر «٤» بن قرا يوسف، فقدم عليه الأمير عثمان بن طر على المدعو قرايلك التركمانى صاحب آمد فى ألف فارس، فبعثه على عسكر لمحاربة إسكندر، وسار فى أثره، وقد جمع إسكندر جمعا يقول المجازف إنهم سبعون ألفا، فاقتتل الفريقان خارج تبريز فقتل بينهما آلاف من الناس، وانهزم إسكندر، وهم فى أثره يقتلون [ويأسرون] «٥» وينهبون، فأقام إسكندر ببلاد الكرج ثم بقلعة سلماس وحصرته العساكر مدّة، فنجا وجمع نحو الأربعة آلاف، فبعث إليه شاه رخّ عسكرا أوقعوا به وقتلوا من معه، فنجا بنفسه جريحا. وفى مدة هذه الحروب ثار أصبهان بن قرا يوسف ونزل على الموصل ونهب تلك

стр. 4827

الأعمال وقتل وأفسد فسادا كبيرا، وكانت بعراق العرب والعجم نهوب ومقاتل، بحيث إن شاه محمد بن قرا يوسف متملك بغداد من عجزه لا يتجاسر على أن يتجاوز سور بغداد، وخلا أحد جانبى بغداد من السكان، وزال عن بغداد اسم التمدّن، ورحل منها حتى الحيّاك، وجفّ أكثر النّخل من أعمالها، ومع هذا كلّه وضع شاه رخّ على أهل تبريز مالا، ذهبت فى جبايانه نعمهم، وكثر الإرجاف بقدومه إلى الشّام، فأوقع الله فى عسكره البلاء والوباء حتى عاد إلى جهة بلاده، وعاد قرايلك إلى ماردين فنهبها، ثم عاد ونهب ملطية وما حولها. وكان [أيضا] «١» ببلاد الحبشة «٢» بلاء لا يمكن وصفه، وذلك أنا أدركنا ملكها داود بن سيف أرعد، ويقال له الحطّى ملك أمحرة، وهم نصارى يعقوبيّة، فلما مات فى سنة اثنتى عشرة وثمانمائة قام من بعده ابنه تدرس بن داود، فلم تطل مدّته ومات، فملك بعده أخوه أبرم، ويقال إسحاق بن داود وفخم أمره؛ وذلك أن بعض مماليك الأمير بزلار نائب الشام ترقّى فى الخدم وعرف بألطنبغا مغرق حتى باشر ولاية قوص من بلاد الصّعيد، ففرّ إلى الحبشة واتّصل بالحطّى هذا، وعلّم أتباعه لعب الرّمح ورمى النّشّاب وغير ذلك من أدوات الحرب، ثم لحق بالحطّى أيضا بعض المماليك الچراكسة، وكان زرد كاشا فعمل له زردخاناه ملوكيّة، وتوجّه إليه مع ذلك رجل من كتّاب مصر الأقباط النّصارى يقال له فخر الدولة، فرتّب له ملكه، وجبى له الأموال وجنّد له الجنود، حتى كثر ترفّهه بحيث أخبرنى من شاهده وقد ركب فى موكب جليل وبيده صليب من ياقوت أحمر قد قبض عليه، ووضع يده على فخذه، فشرهت نفسه إلى أخذ ممالك الإسلام لكثرة ما وصف له هؤلاء من حسنها، فبعث بالتّبريزىّ التاجر ليدعو الفرنج للقيام معه، وأوقع بمن فى مملكته من المسلمين، فقتل منهم وأسر وسبى عالما عظيما، وكان ممن أسر منصور ومحمد ولدا سعد الذين محمد بن أحمد بن على

стр. 4828

ابن ولصمع «١» الجبرتى ملك المسلمين بالحبشة، فعاجله الله بنقمته وهلك فى ذى القعدة، وأقيم ابنه اندراس بن إسحاق، فهلك أيضا لأربعة أشهر، فأقيم بعده عمّه حزبناى «٢» ابن داود بن سيف أرعد، فهلك فى شهر رمضان سنة أربع وثلاثين، فكانت على أمحرة أربعة ملوك فى أقلّ من سنة- انتهى كلام المقريزى برمته. وقد خرجنا عن المقصود، على أنه فيما ذكرنا فوائد يحتمل التطويل بسببها- انتهى. [ما وقع من الحوادث سنة ٨٣٤] ثم إن السلطان أخذ فى تجهيز عسكر «٣» إلى البلاد الحلبيّة إلى أن انتهى أمرهم، فلمّا كان يوم الاثنين سابع عشرين محرم سنة أربع وثلاثين وثمانمائة برز الأمراء المجرّدون من القاهرة إلى الرّيدانيّة خارج القاهرة، وهم الأمير الكبير جارقطلو أتابك العساكر، والأمير إينال الجكمىّ أمير سلاح، والأمير آقبغا التّمرازى أمير مجلس، والأمير تمراز القرمشىّ رأس نوبة النّوب والأمير [قرا] «٤» مراد خجا الشّعبانى الظاهرىّ برقوق أمير جاندار، وعدّة من أمراء الطبلخانات والعشرات، وخمسمائة مملوك من المماليك السّلطانية، وكان سبب تجرّدهم ورود الخبر على السلطان بنزول قرايلك فى أوّل هذا الشهر على معاملة ملطية، وأنه نهبها وأحرقها، وحصر ملطية، فخرج إليه الأمير قصروه نائب حلب، وقد أردفه الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام بعساكر الشام، فأردفهم السلطان [أيضا] «٥» بالعسكر المذكور، فلمّا أن رحلوا من الرّيدانيّة ورد الخبر ثانيا من قبل نوّاب البلاد الشامية بعود قرايلك إلى بلاده، وأن المصلحة تقتضى عدم خروج العسكر من مصر فى هذه السّنة، فرسم السلطان بعودهم من خانقاه سرياقوس فى يوم الجمعة أوّل صفر، فرجعوا من وقتهم، واستعيدت منهم

стр. 4829

النفقة السلطانية التى أنفقت فيهم عند سفرهم، فاحتاجوا إلى ردّ ما اشتروه من الأمتعة بعد ما استعملوها، والأزواد على من ابتاعوها منهم غصبا، ثم احتاجوا إلى استعادة ما أنفقوه على غلمانهم وخدمهم، وقد تصرفت الغلمان فيها، واشتروا منها احتياجهم، ودفعوا منها إلى أهليهم ما ينفقونه فى غيبتهم، فكلّ واحد من هؤلاء استعيد منه ما تصرّف فيه، فنزل من أجل هذا بالناس ضرر عظيم، وكثرت القالة فى السلطان ونفرت القلوب منه، وتحدّث الناس بذلك أياما وسنين، ولعله صار مثلا يضرب به إلى يوم القيامة. ثم فى يوم الاثنين حادى عشر صفر المذكور ركب السلطان من قلعة الجبل فى موكب جليل ملوكى احتفل له ولبس قماش الموكب الكلفتاه والفوقانى الصّوف الذي بوجهين أحمر وأخضر، كما كان يلبس الملك الظاهر برقوق وغيره من الملوك، وجرّ الجنائب بين يديه والجاويشيّة تصيح أمامه، وسار وحوله الطبردارية «١» وعلى رأسه السّنجق السلطانى حتى عبر من باب زويلة فشق القاهرة وخرج من باب الشّعريّة يريد الصّيد بالدير «٢» والمنزلة «٣» فتوجّه إلى الصيد فبات هناك ليلة الثلاثاء وأصبح اصطاد الكراكى، وعاد إلى مخيّمه وأكل السّماط، ثم ركب وعاد فى آخر يوم الثلاثاء إلى القلعة بعد ما شقّ القاهرة فى عوده أيضا على تلك الهيئة، وهذا أوّل ركوبه إلى الصيّد منذ تسلطن. ثم فى خامس عشرينه ركب للصيد ثانيا وعاد من الغد، وتكرّر ركوبه لذلك غير مرّة، وأنا ملازمه فى جميع ركوبه للصيّد وغيره

стр. 4830

وفى هذا الشهر توقّف الناس والتجار فى أخذ الذهب من كثرة الإشاعة بأنه ينادى عليه، فنودى «١» فى يوم السبت سلخ صفر المقدم ذكره أن يكون سعر الدينار الأشرفىّ بمائتين وخمسة وثلاثين، والدينار الإفرنتى بمائتين وثلاثين، وهدّد من زاد على ذلك بأنه يسبك فى يده، فعاد الضرر على الناس فى الخسارة لانحطاط سعر الدينار خمسين درهما؛ فإنه كان يتعامل به الناس بمائتين وخمسة وثمانين. ثم فى يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الأوّل رسم السلطان بجمع الصيّارف والتجار [فجمعوا] «٢» وأشهد عليهم أن لا يتعاملوا بالدراهم القرمانيّة «٣» ولا الدراهم اللّنكيّة «٤» ولا القبرسيّة، وأن هذه الثلاثة أنواع تباع بسوق الصاغة على حساب وزن كل درهم منها بستة عشر درهما من الفلوس حتى يدخل بها إلى دار الضّرب وتضرب دراهم أشرفيّة خالصة من الغشّ، ونودى بذلك، وأن تكون المعاملة بالدراهم الأشرفيّة والدراهم البندقيّة «٥» والمؤيّدية «٦» ، فإن هذه الثلاثة فضّة خالصة ليس فيها نحاس بخلاف الدراهم التى منع من معاملتها، فإن عشرتها إذا سبكت تجىء ستة لما فيها من النحاس، ثم نودى بعد ذلك بأن يكون سعر الأشرفى بمائتين وثمانين والإفرنتى بمائتين وسبعين، واستمرّ ذلك جميعه لا يقدر أحد على مخالفة شىء منه. قلت: وهذا بخلاف ما نحن فيه الآن؛ فإن لنا نحو ستة أشهر والناس فيه بحسب اختيارهم فى المعاملة بعد أن نودى على الذّهب والفضة بعدة أسعار غير مرّة، فلم يلتفت أحد للمناداة، وأخذوا فيما هم فيه من المعاملة بالدراهم التى لا يحل المعاملة بها لما فيها من

стр. 4831

الغشّ والنحاس، وقد استوعبنا ذلك كلّه مفصّلا باليوم فى تاريخنا «حوادث الدهور فى مدى الأيام والشهور «١» » إذ هو ضابط لهذا الشأن مشحون بما يقع فى الزمان من ولاية وعزل وغريبة وعجيبة. ثم تكرّر ركوب السلطان فى شهر ربيع الأوّل هذا للصيد غير مرّة بعدّة نواح، كل ذلك والخواطر مشغولة بأمر جانى بك الصّوفى والفحص عنه مستمر، والناس بسبب ذلك فى جهد وبلاء، فما هو إلا أن يكون الرجل له عدوّ وأراد هلاكه أشاع بأن جانى بك الصوفى مختف عنده فعند ذلك حلّ به بلاء الله المنزل من كبس داره، ونهب قماشه، وهتك حريمه، وسجنه فى أيدى العواتية، ثم بعد ذلك يصير حاله إلى [أحد] «٢» أمرين: إما أن يضرب ويقرّر بالعقوبه، وإما أن تبرّأ ساحته ويطلق بعد أن يقاسى من الأهوال ما سيذكره إلى أن يموت، ولقد رأيت من هذا النوع أعاجيب، منها: إن بعض أصحابنا الخاصّكيّة ضرب بعض السقايين على ظهره ضربة واحدة، فرمى السقّاء المذكور قربته وترك حمله وصاح: هذا الوقت أعرّف السلطان بمن هو مختف عندك، ومشى مسرعا خطوات إلى جهة القلعة، فذهب خلفه حواشى الخاصّكى المذكور ليرجعوه فلم يلتفت، فنزل إليه الخاصّكى بنفسه حافيا وتبعه إلى الشارع الأعظم حتى لحقه وقد أعاقه الناس له، فأخذ الخاصّكى يتلطّف به ويترضّاه ويبوس صدره غير مرّة ويترقّق له وقد علاه اصفرار ورعدة، والناس تسخر من حاله لكونه ما يعرف باللغة العربية إلا كلمات هينة، فصار مع عدم معرفته يريد ملاطفة السّقّاء المذكور فيتكلّم بكلام إذا سمعه الشخص لا يكاد يتمالك نفسه، وسخر الناس وأهل حارته بكلامه أشهرا وسنين، فلما انتهى أمره وبلغنى ما وقع له كلّمته فيما فعله ولمته فى ذلك، فقال: خل عنك هذا الكلام، والله إن إينال السلحدار وأخاه يشبك

стр. 4832

الصّوفى ضربا بالمقارع وعصرا أياما ولم يصرّح أحد فى حقهما بما أراد هذا السّقاء أن يقوله عنى، واستمر الخاصّكىّ فى قلبه حزارة من السّقّاء المذكور إلى أن تأمّر عشرة فى أوّل دولة الملك الظاهر جقمق فطلب السّقّاء المذكور فوجده قد مات فى شعبان من السنة الحالية، فهذا ما كان من أمره، ومثل هذا فكثير. ثم [فى] «١» أواخر شهر ربيع الأوّل «٢» المذكور لهج السلطان بسفره إلى البلاد الشّامية لمحاربة قرايلك. واستهلّ شهر ربيع الآخر- أوّله الأحد- والسلطان والأمراء فى الاهتمام بحركة السفر. ثم فى يوم الخميس رابع عشرين جمادى الأولى خلع السلطان على قاضى القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر، وأعيد إلى قضاء الشافعيّة بالديار المصرية بعد عزل قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينىّ. ثم فى جمادى الآخرة خلع السلطان على الأمير جانى بك السّيفى يلبغا الناصرى نائب رأس نوبة النّوب «٣» المعروف بجانبك الثّور، باستقراره فى نيابة الإسكندرية بعد موت أحمد بن الأقطع. ثم فى يوم الاثنين حادى عشرين شوّال خرج محمل الحاج إلى الرّيدانيّة خارج القاهرة صحبة الأمير قراسنقر الظاهرىّ، وحجّت فى هذه السنة زوجة السلطان الملك الأشرف وأمّ ولده الملك العزيز يوسف خوند جلبّان الچاركسية بتجمّل كبير إلى الغاية، وفى خدمتها الزّينى خشقدم الظاهرىّ الزّمّام وهو أمير الرّكب الأوّل، والزينى عبد الباسط ناظر الجيش.

стр. 4833

قال المقريزى: وحججت أنا فى هذه السنة رجبيّة، وقد استجدّ بعيون القصب «١» من طريق الحجاز بئر احتفرت، فعظم النّفع بها، وذلك أنى أدركت بعيون القصب [أنه كان] «٢» يخرج من بين الجبلين ماء يسيح على الأرض فينبت فيه من القصب الفارسى وغيره شىء كثير، ويرتفع فى الماء حتى يتجاوز قامة الرّجل فى عرض كبير، فإذا نزل الحاج عيون القصب أقاموا يومهم على هذا الماء يغتسلون منه ويبتردون به، ثم انقطع هذا الماء وجفّت تلك الأعشاب، فصار الحاج إذا نزل هناك احتفر حفائر يخرج منها ماء ردىء إذا بات ليلة واحدة فى القرب نتن، فأغاث الله العباد بهذا البئر، وخرج ماؤها عذبا، وكان قبل ذلك بشهرين قد حفر الأمير شاهين الطّويل بئرين بموضع يقال له زعم «٣» وقيقاب، وذلك أن الخاج كان إذا ورد الوجه «٤» تارة يجد فيه الماء وتارة لا يجد فيه، فلما هلك الناس من العطش فى السنة الماضية بعث السلطان بشاهين هذا- كما تقدّم ذكره- فحفر البئرين بناحية زعم حتى لا يحتاج الحاج إلى ورود الوجه، فتروّى الحاج منهما وعمّ الانتفاع بهما، وبطل سلوك الحاج على طريق الوجه من هذه السنة- انتهى كلام المقريزى. قلت: وفرغت سنة أربع وثلاثين ولم يسافر السلطان ولا أحد من أمرائه إلى البلاد الشّامية. [ما وقع من الحوادث سنة ٨٣٥] ثم فى يوم الاثنين ثالث عشرين محرّم سنة خمس وثلاثين وثمانمائة وصلت زوجة السلطان خوند جلبّان بعد أن حجّت وقضت المناسك، وقدم محمل الحاج صحبة الأمير قراسنقر.

стр. 4834

ثم فى يوم الخميس سابع شهر ربيع الآخر من سنة خمس وثلاثين وثمانمائة المذكورة نزل عدّة من المماليك الجلبان من الأطباق إلى بيت الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ- وهو يومئذ وزير وأستادار- يريدون الفتك به، وكان علم من الليل، فتغيّب واستعدّ وهرب من بيته، فلم يظفروا به ولا بشىء فى داره، فعادوا بعد أن أفسدوا فيما حوله من بيوت جيرانه، وكان لهم من أيام الطاعون قد كفّوا عن هذه الفعلة، فبلغ السلطان نزولهم فغضب وأخذ فى الدّعاء عليهم أيضا بالفناء والوباء، حتى قال له التّاج الوالى بعد أن زال ما عنده: وسّط هؤلاء المعرّصين ولا تدع بعود الطاعون على المسلمين، فقال له السلطان: يجوز قتل المسلم بغير استحقاق؟ فقال التاج: وهؤلاء مسلمون؟ فقال السلطان: نعم، فقال التاج: والله ما هو صحيح، فضحك السلطان وأمر به فلكموه الخاصّكيّة لكما مزعجا، فقال: انظر صدق مقالتى، هذا فعل مسلم بمسلم؟ انتهى. ثم أصبح الصاحب كريم الدين استعفى من وظيفة الأستادارية فأعفاه السلطان، واستدعى الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله فى يوم السبت ثالث عشرين شهر ربيع الآخر [المذكور] «١» وأخلع عليه باستقراره أستادارا عوضا عن الصاحب كريم الدين بعد انقطاع ابن نصر الله فى بيته عدّة سنين، وهذه ولاية ابن نصر الله الثانية لوظيفة الأستادارية. ثم فى يوم الثلاثاء خامس عشرين جمادى الأولى ركب السلطان من القلعة بغير قماش الموكب ونزل إلى بيت زين الدين عبد الباسط ناظر الجيش، ثم ركب من بيت عبد الباسط إلى بيت القاضى سعد الدين إبراهيم بن كاتب جكم ناظر الخواصّ فجلس عنده أيضا قليلا، ثم ركب وعاد إلى القلعة، فلما كان يوم سادس عشرينه حمل عبد الباسط وسعد الدين ناظر الحاص تقادم جليلة إلى السلطان، بسبب نزوله إليهما.

стр. 4835

وفى هذه السنة تكرّر ركوب السلطان ونزوله إلى الصّيد وعبوره إلى القاهرة وتوجّهه إلى النزه- بخلاف ما كان عليه أولا- غير مرّة. ثم فى يوم الثلاثاء ثانى جمادى الآخرة عزل السلطان الصاحب بدر الدين بن نصر الله عن الأستادارية، وخلع من الغد على آقبغا الجمالى باستقراره أستادارا عوضا عن ابن نصر الله المذكور، وهذه ولاية آقبغا الثانية، ولزم ابن نصر الله داره على عادته؛ وكان سبب عزل الصاحب بدر الدين عن الأستاداريّة أنه لما بلغ آقبغا الجمالى عزل الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ عن الأستادارية سأل فى الحضور، وكان يتولى «١» كشف البحيرة، فأجيب، فحضر وسعى فى الوظيفة على أنّه يحمل عشرة آلاف دينار، وإن سافر السلطان إلى الشام حمل معه نفقة شهرين مبلغ أربعين ألف دينار، فأجيب وأبقى الكشف أيضا معه، وأضيف إليه كشف الوجه البحرى. ثم فى يوم السبت سابع عشرينه خلع السلطان على قاضى القضاة بدر الدين محمود العينى وأعيد إلى قضاء الحنفية بالديار المصرية، [عوضا] «٢» عن زين الدين عبد الرحمن التّفهنى الحنفى بحكم طول مرضه، فباشر العينىّ القضاء والحسبة ونظر الأحباس؛ معا لخصوصيته عند الملك الأشرف، فإنه كان يقرأ له تواريخ الملوك وينادمه. ثم فى يوم الثلاثاء أوّل شهر رجب خلع السلطان على الأمير صلاح الدين محمد ابن الصاحب بدر الدين بن نصر الله باستقراره محتسب القاهرة عوضا عن العينى بحكم عزله برغبته عنها، وكان صلاح الدين هذا منذ عزل عن الأستادارية وعزل أبوه عن نظر الخاص وصودرا ملازمين لدارهما. ثم فى يوم الخميس ثالث شهر رجب أدير المحمل على العادة فى كل سنة إلا أنه عجّل به فى هذا اليوم لأجل حركة السلطان إلى السفر إلى البلاد الشاميّة، وكان
следующие страницы →