← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

تخفيفة على العادة، واستمر القرقل «١» عليه، إلى أن ترضّاه الأمراء، وخلع قرقله «٢» ، فحمى «٣» الحر واشتدت القائلة وسئمت «٤» الناس من القتال، هذا مع ما بلغهم من غضب السلطان، بعد أن لم يبقوا ممكنا «٥» فى القتال؛ وقد أثخنت جراحات الأمراء والمماليك من عظم القتال. كل «٦» ذلك والسلطان ساخط عليهم بغير حق، فعند ذلك فتر عزم القوم عن القتال «٧» من يومئذ، وما أرى هذا الذي وقع إلا خذلانا «٨» من الله تعالى لأمر سبق، وإلا فالعساكر الذين «٩» اجتمعوا «١٠» على آمد، كان يمكنهم أخذ عدة مدن، مثل آمد وغيرها. ولما انقضى القتال، وتوجه كل واحد إلى مخيمه، وهو غير راض فى الباطن، وجد «١١» أهل آمد راحة كبيرة بعودة القوم عنهم، وبلعوا ريقهم، وأخذوا فى تقوية أبراج المدينة وسورها، بعد أن كان أمرهم قد تلاشى، مما دهمهم من شدة قتال من لا قبل لهم بقتاله. ونزل السلطان بمخيمه، وندب الأمراء [والعساكر] «١٢» للزحف «١٣» على هيئة ركوبهم يوم السبت، فى يوم الثلاثاء، وهو أيضا فى حال غضبه، فابتدأ الأمير قصروه نائب حلب، والأمير مقبل نائب صفد، والأمير جقمق العلائى الأمير آخور،

стр. 5007

فى الكلام مع السلطان فى تسكين غضبه، وقالوا: «يا مولانا السلطان، القلاع [كما فى علم السلطان] «١» ، ما تؤخذ فى يوم [واحد] «٢» ، ولا فى شهور «٣» ؛ وثمّ من القلاع ما «٤» حاصره تيمور لنك مع كثرة عساكره، عشر سنين. يا مولانا السلطان، الحصون ما تبنى إلا للمنع، ولولا ذاك ما بنى أحد حصنا، وقد اجتهد مماليك السلطان وأمراؤه «٥» فى القتال، وجرح الغالب منهم» . وكان ممن جرح من الأعيان: الأمير [٧] تغرى بردى المحمودى، رأس نوبة النوب، وهو كان يوم ذاك أتابك العساكر «٦» بدمشق، والأمير سودون ميق، أحد مقدمى الألوف بديار مصر، والأمير تنبك من سيّدى بك الناصرى المعروف بالبهلوان، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة؛ وأما من المماليك والخاصكيّة فكثير. فكان آخر كلام السلطان للأمراء: «إن العساكر تركب صحبة الأمراء فى يوم الثلاثاء، وتزحف على المدينة، ويكون الذي يركب مع الأمراء للزحف، المماليك القرانيص «٧» ، وأنا ومماليكى

стр. 5008

الأجلاب «١» نكون خلفهم» ، أراد بذلك عدم معرفة مماليكه بطرق الحرب، فحمل الناس كلامه على أنه يفعل ذلك شفقة على مماليكه، وأنه يريد هلاك من سواهم. وقامت قيامة القوم، وتنكرت القلوب على السلطان فى الباطن، وتطاولت «٢» أعناق أمرائه إلى الوثوب عليه، واتفق كثير منهم على ذلك لولا أن بعضهم مات من جراحه، وتخوّف بعضهم أيضا من بعض، وعدم موافقة جماعة أخر من أعيان الأمراء لذلك. وكان ممن اتّهم بالوثوب، على ما قيل، الأتابك جار قطلو نائب الشام، وطرباى نائب طرابلس، ومقبل نائب صفد، وتغرى بردى المحمودى- مات بعد أيام من جرح أصابه- وسودون ميق- مات أيضا من جرح أصابه- والأمير جانبك الحمزاوى- مات فى عود الملك الأشرف إلى مصر بعد أن ولاه نيابة غزة على كره منه، وجماعة كثيرة غير هؤلاء، على ما قيل. وكان الذي لم يوافقهم على الوثوب، الأمير قصروه والأمير إينال الجكمى أمير سلاح، والأمير جقمق الأمير آخور؛ وأما الأمير سودون من عبد الرحمن أتابك العساكر، فلم يكن «٣» من هؤلاء «٤» ولا من هؤلاء، لطول مرضه: من يوم خرج من مصر وهو فى محفة، وكل ذلك لم يتحققه أحد، غير أن القرائن الواقعة بعد ذلك تدل على صدق هذه المقالة- انتهى. ولما خرج الأمراء من عند السلطان، بعد أن امتثلوا ما رسم به من الزحف فى

стр. 5009

يوم الثلاثاء، بلغ السلطان عن الأمراء والمماليك نوع مما ذكرناه، فاضطرب أمره وصار يحاصر «١» [المدينة] «٢» وهو فى الحقيقة محصور من احتراسه من أمرائه ومماليكه، وأخذ فى الندم على سفره «٣» ، وفتر عزمه عن أخذ المدينة فى الباطن، وضعف عن تدبير القتال. كل ذلك والموكب السلطانى يعمل فى كل يوم، والأمراء تحضره، ويركب السلطان ويسير إلى حيث شاء «٤» ، ومعه الأمراء والنواب، غير أن البواطن معمورة بالغش، ويمنعهم من إظهار ما فى ضمائرهم موانع؛ هذا والقتال مستمر فى كل يوم، بل فى كل ساعة، بين العسكر السلطانى وبين أهل آمد، غير أنه لم يقع يوم مثل «٥» يوم السبت المذكور، وقتل خلائق من الطائفتين كثيرة، وصار السلطان يضايق أهل آمد بكل ما «٦» وصلت قدرته إليه، هذا وقد قوى أمرهم واشتد بأسهم لما بلغهم من اختلاف عساكر السلطان، وصاروا يصيحون من أعلى السور: «الله ينصر جار قطلو» ، وانطلقت «٧» ألسنتهم بالوقيعة والسبّ والتوبيخ، من السلطان إلى من «٨» دونه. وبينما السلطان فيما هو فيه، قدم عليه الأمير دولات شاه الكردى صاحب أكلّ «٩» من ديار بكر، فأكرمه السلطان وخلع عليه.

стр. 5010

ثم لما بلغ الملك الأشرف أحمد ابن الملك العادل سليمان ابن المجاهد غازى ابن الكامل محمد ابن العادل أبى بكر ابن الأوحد عبد الله ابن المعظم توران شاه ابن السلطان الملك الصالح نجم الدين [أيوب] «١» ابن [السلطان] «٢» الملك الكامل محمد ابن السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيوب بن شاذى الأيوبى، صاحب حصن «كيفا» قدوم السلطان الملك الأشرف إلى آمد، خرج من الحصن فى قليل من عسكره فى أوائل ذى القعدة، يريد القدوم «٣» على السلطان، «٤» فاعترضه فى مسيره جماعة من أعوان قرايلك على حين غفلة، وقد نزل عن فرسه لصلاة العصر، وقاتلوه إلى أن قتل الملك الأشرف المذكور من سهم أصابه، وانهزم بقية من كان معه وانتهبوا، ففدم جماعة «٥» منهم [على الملك] «٦» الأشرف، وعرّفوه بقتل الملك الأشرف صاحب الحصن، فعظم عليه ذلك إلى الغاية. ومن هذا اليوم أخذ السلطان فى أسباب الرحيل عن آمد، غير أنه صار يترقب [٨] حركة يرحل بها لتكون لرحيله «٧» مندوحة. ثم ندب السلطان جماعة كبيرة من التركمان والعربان من عسكره لتتبع قتلة الملك الأشرف صاحب الحصن. وكان منذ نزل السلطان على آمد و «٨» أتباع العسكر السلطانى من التركمان والعربان تعيث «٩» وتنهب فى قرى آمد وغيرها ويأتون «١٠» بما يأخذونه للعساكر المذكورة،

стр. 5011

وصارت الغلمان تخرج من الوطاق إلى جهات آمد وتحصد الزروع «١» وتأتى بها الأجناد، حتى صار أمام خيمة كل جندى جرن كبير من الزرع، وهو الذي قام بعلوفة خيول العسكر فى طول مدة الإقامة على آمد، ولولا ذلك لكان لهم شأن آخر. ولما ندب السلطان الجماعة المذكورة لتتبع قتلة الملك الأشرف وغيره، خرجوا إلى جهة من الجهات فوافوا جماعة كبيرة من أمراء قرايلك وقاتلوهم حتى هزموهم، وأسروا منهم جماعة كبيرة من أمراء قرايلك وفرسانه وأتوا بهم إلى السلطان، وهم نيف على عشرين نفسا، فأمر السلطان بقيدهم فقيدوا. ثم توجهوا ثانيا فوافقوا جماعة أخر، فقاتلوهم أيضا وأسروا منهم نحو الثلاثين، ومن جملتهم قرا محمد أحد أعيان أمراء قرايلك؛ فأحضر السلطان قرا محمد وهدده بالتّوسيط «٢» إن لم يسلم له آمد، فأخذوا «٣» قرا محمد المذكور ومرّوا إلى تحت سور المدينة، فكلمهم قرا محمد المذكور فى تسليم المدينة، فلم يلتفتوا إليه، فأخذوه وعادوا، فأصبح السلطان وسّط منهم تحت سور آمد عشرين رجلا، من جملتهم قرا محمد المذكور. واتفق فى توسيط هؤلاء غريبة، وهو أن بعضهم حمل للتوسيط فاضطرب من أيدى حملته فوقع منهم إلى الأرض، فقام بسرعة وهرب إلى أن ألقى بنفسه إلى الخندق، بعد أن تبعه جماعة، فلم يقدروا على تحصيله؛ ثم خرج من الخندق وقد أرخى إليه من سور آمد حبل «٤» ، وتشبث به إلى قريب الشرفة، فانقطع الحبل فوقع إلى الأرض، ثم جرّ ثانيا إلى أعلى المدينة ونجا، وقيل إنه مات بعد ثلاثة أيام من طلوعه، والله أعلم.

стр. 5012

ثم بلغ السلطان أن قرا يلك نزل من قلعة أرقنين «١» بجماعة من عساكره، يريد أن يكبس على السلطان فى الليل أو يتوجه بهم إلى حلب. فندب السلطان جماعة من الأمراء والمماليك فى عمل اليزك «٢» بالنوبة، فى كل ليلة لحفظ العساكر؛ ثم رسم السلطان للأمير قطلو نائب الشام بالتوجه لقرايلك بقلعة أرقنين، وندب معه جماعة من النواب والأمراء والعساكر المصرية- وكنت أنا معهم- فخرجنا من الوطاق السلطانى فى الليل بجموع كثيرة، وجددنا «٣» فى السير حتى وافينا قرايلك وهو بمخيمه تحت قلعة أرقنين بين الظهر والعصر، وكان غالب العسكر قد تخلف بعدنا، فتقدم بعض العسكر السلطانى من التركمان والعربان، ومثل الأمير مقبل الحسامى نائب صفد وآقبغا الجمالى المعزول عن الأستادارية وجماعة أخر من الأعيان من أمراء مصر والشام، واقتتلوا مع القرايلكية قتالا جيدا إلى أن [كانت] «٤» الكسرة فينا، وقتل منا جماعة كثيرة من التركمان والعربان وأمراء دمشق وغيرهم، مثل الأمير تمرباى الجقمقى أحد أمراء دمشق، [والأمير] «٥» بخت خجا أيضا من أمراء دمشق، وجرح أكثر من كان مغنا من الخاصكية والمماليك، كل ذلك وسنجق السلطان إلى الآن لم يصل إلينا. وأما جار قطلو، فإنه لما قوى الحرّ عليه نزل على نهر بالقرب من أرقنين ليروى خيوله «٦» منه، وصار الرائد «٧» يرد عليه بأن القوم قد التقوا مع عساكر قرايلك، وهم «٨» فى قلة وقد عزموا على القتال، فلم يلتفت إلى ذلك وسار على هينته، فتركه «٩» بعض

стр. 5013

عساكره وساقوا «١» حتى لحقوا بمن تقدمهم وقاتلوا القرايلكية، وهم من تقدم ذكرهم ممن قتل من أمراء دمشق. ولما أن بلغ من معنا من الأمراء المصريين ما وقع لجماعتنا، ساقوا أيضا حتى وافى «٢» جماعة منهم العسكر السلطانى، فعند ذلك تراجع القوم وكروا على القرايلكية وهزموهم «٣» أقبح هزيمة، وتعلق قرايلك بقلعة أرقنين وتحصّن بها، ونهبت عساكره وتمزقوا كل ممزق. ثم عدنا إلى جهة الوطاق بآمد فى آخر النهار المذكور على أقبح وجه ممن باشر القتال، وهم القليل، وأما غالب [٩] العسكر فلم ير القتال بعينه. وصار الأمير أزبك جحا «٤» بين يدى السلطان يثنى «٥» على التركمان والعربان، ويقول: «يا مولانا هؤلاء هم العسكر الذي ينتصر الملوك بهم لا غيرهم» ؛ فعظم ذلك على طائفة من المماليك إلى الغاية، وشنعوا القالة فيه لكونه تكلم الحق، ومن يومئذ تحقق السلطان ما قيل عن جارقطلوا من تقاعده عن قتال قرايلك، وأكثر أهل آمد من هذا اليوم الدعاء للأمير جارقطلو المذكور من أعلى السور، حتى خرجوا عن الحد، فلم يدر الناس هل كان ذلك مكيدة من مكايد قرايلك ليوقع الخلف «٦» بين العسكر بسبب ذلك، أم كان ذلك عن حقيقة «٧» ، والله أعلم.

стр. 5014

هذا والسلطان مجتهد فى عمارة قلعة من الخشب تجاه أبراج آمد، ومكاحل «١» النفط ترمى فى كل يوم بالمدافع والمناجنيق «٢» منصوبة، يرمى بها أيضا على الأبراج، وأهل آمد فى أسوأ ما يكون من الحال؛ هذا مع عدم التفات السلطان لحصار آمد الالتفات الكلى، لشغل خاطره من جهة التفاته «٣» [إلى] «٤» اختلاف عساكره، وهو بتلك البلاد بين يدى عدوه، وقد تورط فى الإقامة على حصار آمد، والشروع ملزم. وطالت إقامته على آمد بعساكره نحو خمسة وثلاثين يوما، وقد ضاق الحال أيضا على أهل آمد، فعند ذلك ترددت الرسل بين السلطان وبين قرايلك فى الصلح، وكان قرايلك هو البادئ فى ذلك، حتى تم وانتظم «٥» الصلح بينهما على أن قرايلك يقبّل الأرض للسلطان، ويخطب باسمه فى بلاده ويضرب السكة على الدينار والدرهم باسمه، فأجاب إلى ذلك، فأرسل إليه السلطان حمى «٦» القاضى شرف الدين الأشقر نائب كاتب السر، وأرسلت أنا معه بعض أعيان مماليك الوالد ممن كان فى صحبتى من المماليك السلطانية، فتوجه إليه القاضى شرف الدين المذكور بالخلع والفرس الذي جهزه السلطان إليه بقماش ذهب، ونحو ثلاثين قطعة من القماش السكندرى. ولما بلغ قرايلك مجىء القاضى شرف الدين، نزل من قلعة أرقنين بمخيمه، ولقى القاضى شرف الدين المذكور، وسلم عليه، ثم قام وقبّل الأرض فألبسه القاضى شرف الدين

стр. 5015

الخلعة، وكانت كامليّة مخمل كفوىّ «١» بمقلب سمّور، وفوقانيّا «٢» بوجهين أحمر وأخضر «٣» ، بطراز عريض إلى الغاية. ثم قدم له الفرس صحبة الأوجاقى «٤» ، فقام إليه «٥» ، فأمره القاضى شرف الدين بتقبيل حافر الفرس، فامتنع من ذلك قليلا، ثم أجاب بعد أن قال: «والله إن هذه عادة تعيسة» ، أو معنى ذلك. ثم أخذ «٦» فى الكلام مع القاضى شرف الدين، فأخذ القاضى «٧» شرف الدين يعظه ويحذره مخالفة السلطان وسوء عاقبة ذلك، فقال: «وأنا من أين! والسلطان من أين! أنا رجل تركمانى فى جهة من الجهات!» . ثم شرع «٨» يذكر قلة رأى السلطان فى مجيئه «٩» إلى بلاده، وقال: «أنا يكفينى نائب حلب، وهو بعض نواب السلطان، [و] «١٠» ما عسى كان يفعل السلطان لو أخذ آمد؟ وكل شىء فى آمد ما يساوى بعض ما تكلفه» ، ثم قال: «والله لو أعطانى السلطان نصف ما ذهب من الكلف فى نعل خيوله وخيول عساكره، لرضيت ودخلت فى طاعته» ، ثم قال: «لو كان مع السلطان أمير من جنس هذا- وأشار إلى مملوك الوالد الذي توجه مع القاضى شرف الدين- ما خلّاه يجيء «١١» إلى هنا» ، وكان المملوك المذكور تتريّا «١٢» ، فقال شرف الدين: «بلى، مع السلطان جماعة من جنسه» ؛ فقال: «لا والله، كان عندكم واحد نفيتموه إلى القدس

стр. 5016

بطّالا «١» ، يعنى بذلك «٢» الأمير قرامراد خجا الشّعبانى، أمير جاندار، وأحد مقدمى الألوف. ثم قام قرايلك وقلع الخلعة من عليه وألبسها بعض حواشيه؛ ثم فعل بالكامليّة أيضا كذلك؛ وانفض المجلس، وبات شرف الدين تلك الليلة عنده، ولم يجتمع به غير المرة الأولى. وعند السفر دخل إليه من الغد وسلم عليه، فأنعم عليه قرايلك بأربعة أكاديش يساوى ثمنها «٣» أربعة آلاف درهم فلوسا عند صاحب [١٠] الغرض، وعاد القاضى شرف الدين إلى السلطان، فاجتمعت به قبل السلطان «٤» ، وعرّفنى جميع ما حكيته؛ فانفقنا على جواب نمقناه يحسن ببال السلطان، من جنس كلام قرابلك، لا يخفى على الذوق السليم معناه. فلما دخل إلى السلطان وأعاد عليه الجواب المذكور سرّ السلطان قليلا بذلك، وعظم سرور من حضر من القوم، ومعظم سرورهم بعودهم إلى بلادهم وأوطانهم سالمين مما هالهم مما «٥» كانوا فيه من المشقة، وقد اعتادوا بالترف والأمن وقلة «٦» القتال. وفى الحال أخذ السلطان فى أسباب الرحيل، ورحل فى ليلة الخميس ثالث عشر ذى القعدة فى النصف الثانى من الليل من غير ترتيب ولا تطليب «٧» ، ولا تعبىء، ورحلت العساكر من آمد كالمنهزمين لا يلوى أحد على أحد، بل صار كل واحد يسير على رأيه. وعند رحيل القوم أطلق الغلمان النيران فى الزروع المحصودة برسم عليق خيول الأجناد،

стр. 5017

فإنه كان كل واحد «١» من الأجناد صار أمام خيمته جرن كبير مما يحصده غلامه ويأتيه به من زروع «٢» آمد، فلما انطلق النار «٣» فى هذه الأجران، انطبق الوطاق بالدخان «٤» إلى «٥» الجو، حتى صار الرجل لا ينظر إلى الرجل الذي بجانبه. ورحل الناس على هذه الهيئة مسرعين، مخافة أن يسير السلطان ويتركهم غنيمة لأهل آمد. وبالله لو نزلوا فى ذلك الوقت لأمسكوا من اختاروا مسكه «٦» قبضا باليد، ولو أرادوا النهب لغنموا وسعدوا إلى الأبد، لأن السلطان سار قبل رحيل نصف عسكره. وسار القوم من آمد إلى جهات متفرقة، إلى أن طلع النهار، وقد تمزقت العساكر فى طرقات متعددة، لا تعرف طائفة خبر طائفة أخرى، لبعد ما بينهم من المسافة. فتوجه أتابك العساكر سودون من عبد الرحمن، وهو مريض ملازم ركوب المحفة، من طريق ماردين السالكة إلى مدينة الرّها، ومعه طائفة كبيرة ممن تبعه من العسكر السلطانى، وتوجهت طائفة أخرى من العسكر من الطريق التى «٧» سلكناها فى الذهاب إلى آمد من جهة قلعة أرقنين التى «٨» بها قرايلك، وتبعهم خلائق وعدة أطلاب. فافترق الأمراء من مماليكهم وأطلابهم، وتشتت شملهم، وسار السلطان من الطريق الوسطى من على الجبل المعروف قراضاغ «٩» ، وهذا الطريق أقرب الطرق كالمفازة، غير أنه عسر المسلك إلى الغاية من الطلوع والنزول وضيق الطرقات. وكنت أنا معه بهذا الطريق المذكور «١٠» ، وأكل السبع رجلا «١١» من غلماننا، ووقع ذلك لجماعة أخر، واصطادت الناس السباع من الأوكار، وسرنا حتى نزلنا عن الجبل إلى

стр. 5018

فضاء «١» غربى الجبل المذكور، ومسافة الموضع الذي نزل السلطان به عن أرقنين التى بها قرايلك مقدار نصف بريد «٢» تخمينا. وعند نزول السلطان بالمنزلة المذكورة، علم بمن فقده من عساكره، وتأمل من معه منهم، فإذا هم «٣» على النصف من عسكره، وأيضا فيهم الذي تاه عن جماله، ومنهم من لا يعرف طلبه أين ذهب، وهو الأمير قرقماس الشّعبانى حاجب الحجاب، نزل بالمنزلة المذكورة وليس معه غير أصحابه وطائفة نحو خمسة أنفس وهجّان وغلام، فنصب السّيبة «٤» واستظل تحتها من الشمس، وقد سار طلبه بجميع مماليكه ورخته «٥» من جهة لا يعرف «٦» متى تعود إليه، ومثله فكثير من الأجناد والأمراء. فلما رأى الملك الأشرف نفسه فى قلة من عساكره، ولم يبق معه إلا شرذمة قليلة، ولم يعلم أين ذهب الباقون، شقّ عليه ذلك وتخوّف من كبس قرا يلك عليه فى الليل، ولم يجد بدّا من المبيت فى المكان المذكور، لتمزق عساكره. فلما أن دخل الليل، ندب السلطان الأمير جقمق العلائى الأمير آخور الكبير ومعه جماعة لحفظ العسكر فى الليل، فركب الأمير جقمق بمماليكه ومن انضاف إليه وضرب اليزك «٧» على العسكر، وقام بحفظه أحسن قيام إلى الصباح. قلت: ومن تلك الليلة [المذكورة] «٨» علمت منها «٩» حال قرايلك وهمّته،

стр. 5019

فإنه لو كان فيه بقية ما ترك عساكرنا فى تلك الليلة بخير، [١١] لأن الصلح الذي كان وقع بينه وبين السلطان [الملك] الأشرف كلا شىء «١» : كان فسخ مجلس لا غير، وقد بلغه ما وقع لعسكرنا من الشتات والتفرق، وعلم بجميع «٢» ما نحن فيه، لقرب «٣» المسافة بيننا، وما ترك الإيقاع بنا إلا عجزا وجبنا وضعفا. وأيضا من كان بمدينة آمد، لو كان فيهم منعة وقوة بعد ما عاينوا ما وقع لعسكرنا عند الرحيل من التمزق وعظم الاضطراب، لنزلوا واستولوا على جماعة كبيرة «٤» من العسكر، وباقى العسكر لا يعرفون بذلك، من عظم الغوغاء، وشغل كل واحد بنفسه، مع شدة سواد الليل وظلمته- انتهى. ولما أصبح السلطان بكرة يوم الجمعة بهذه المنزلة المذكورة، سار منها يريد مدينة الرّها، حتى وصلها بمن معه من العسكر، وأقام بها، حتى اجتمع به من كان ذهب من عساكره فى الطرقات. وأخذ السلطان فى إصلاح أمر مدينة الرها، وطلب الأمير إينال العلائى الناصرى نائب غزة، وأراد أن يخلع عليه بنيابة الرها، فامتنع من ذلك أشد امتناع وأفحش فى الرد وخاشن السلطان فى اللفظ، وصمم على عدم القبول لذلك؛ فغضب السلطان منه، واشتد حنقه وهم بالإيقاع به، فخشى عاقبة ذلك من عظم شوكة إينال المذكور، وأخذ يثنى «٥» على نفسه من كونه يحكم «٦» على أمرائه ومماليكه وأشياء من هذا المعنى، إلى أن قال: «أنا حكمى ما يسمعه إلا مماليكى» ، وطلب الأمير قراجا الأشرفى شادّ الشراب خاناه وخلع عليه باستقراره فى نيابة الرها، وخلع على القاضى شرف الدين نائب كاتب السر باستقراره كاتب سرّ الرّها، وخرجا من بين يدى السلطان [بالخلع] «٧» على كره. ثم لما توجه الأمير إينال العلائى نائب غزة إلى مخيمه، كلمه الناس من أصحابه

стр. 5020

فيما وقع منه من تمنّعه ومخاشنته فى الكلام مع السلطان، أو كأنه خشى عواقب ما وقع منه، فاعتذر من خراب مدينة الرّها، وأنه ليس بها ما يقوم بأوده، وبلغ السلطان ذلك فضمن له ما طلبه، وخلع عليه من يومه المذكور باستقراره فى نيابة الرّها؛ ثم استعفى شرف الدين من كتابة سر الرها، فأعفى بعد أن حمل خمسمائة دينار للخزانة الشريفة، ثم أمر السلطان المماليك السلطانية بدفع ما معهم من الشعير «١» [للأمير] «٢» إينال المذكور ليكون له حاصل بالرها، فبعث كل واحد منهم بشىء من عليق خيوله، فاجتمع من ذلك شونة كبيرة. ثم أنعم السلطان على الأمير إينال المذكور بأشياء كثيرة، وأصلح أمره، وسار بعساكره عن الرها، إلى أن نزل البيرة. قلت: وإينال هذا هو الملك الأشرف، سلطان زماننا. ولما نزل السلطان بالبيرة أقام بها إلى أن عدّت عساكره الجسر الذي نصب على بحر الفرات «٣» إلى البر الغربى، ثم عدى السلطان إلى البر الغربى [المذكور] «٤» وأقام به يومه، ورحل من آخر النهار المذكور بعساكره، حتى وصل إلى حلب فى خامس عشر ذى القعدة، ونزل بظاهرها بالمنزلة التى «٥» نزل بها فى ذهابه إلى آمد، ونزل «٦» حوله جميع عساكره، بعد أن أجهدهم التعب، وماتت خيولهم، وتلفت أموالهم من غير فائدة ولا قيام حرمة، غير أن لسان الحال ينشد قول القائل: [الوافر] «٧» مشيناها خطّى كتبت علينا ... ومن كتبت عليه خطى مشاها

стр. 5021

وأقام السلطان بحلب نحو العشرة أيام، وأمر النواب بالبلاد الشامية بالمسير إلى محل كفالتهم؛ وخلع على الأمير جانبك الحمزاوى، أحد مقدمى الألوف باستقراره فى نيابة غزة، عوضا عن إينال العلائى، المنتقل إلى نيابة الرّها، فامتنع جانبك الحمزاوى من ذلك امتناعا كليّا؛ فألبسه الخلعة كرها. قيل: إن جانبك المذكور، لما لبس الخلعة وخرج «١» هز رأسه وأمسك لحية [نفسه] «٢» كالمتوعّد؛ وبلغ الأشرف ذلك، فقال: «حتى يصل «٣» إلى غزة» ، فمات بالقرب من بعلبك. وكان جانبك ممن اتهم بالممالأة مع الأمراء فى آمد، وتكلم الناس فى موت جانبك المذكور: أنه اغتيل بالسم لقول [١٢] [الملك] «٤» الأشرف فى حقه: «حتى يصل إلى غزة» ، فقلت لبعض الإخوان: «يمكن أن يكون [ذلك] «٥» من طريق الكشف والولاية «٦» والكرامة» ، فضحك الحاضرون، وانفض المجلس. ثم خلع السلطان على الأمير قانى باى الأبوبكرى الناصرى، المعروف بالبهلوان، أتابك حلب، بانتقاله إلى أتابكية دمشق، بعد موت الأمير تغرى «٧» بردى المحمودى بآمد، من جرح أصابه فى حصار آمد، وكان المحمودى أيضا ممن اتهم بالوثوب على [الملك] «٨» الأشرف. وخلع على الأمير قطج «٩» من تمراز، أحد مقدمى ألوف حلب، باستقراره أتابك حلب، عوضا عن قانى باى المذكور «١٠» ؛ وخلع السلطان على الأمير كمشبغا «١١» الأحمدى الظاهرى، أحد أمراء (النجوم الزاهرة ج ١٥)

стр. 5022

العشرات ورأس نوبة، بتوجهه إلى الديار المصرية، مبشرا بعود السلطان إلى الديار المصرية. وصار السلطان يركب ويسير بحلب، وطلع إلى قلعتها غير مرة، إلى أن خرج منها فى يوم الخميس خامس ذى الحجة من سنة ست وثلاثين المقدم ذكرها، يريد جهة دمشق، وسار حتى نزل بحماه، وأقام بها أياما، ثم رحل منها بعساكره إلى جهة دمشق حتى دخلها فى يوم الخميس تاسع عشر ذى الحجة، ونزل بقلعتها، ونزلت عساكره بمدينة دمشق، ودام بدمشق إلى أن برز منها يوم السبت ثامن عشرين ذى الحجة، يريد الديار المصرية، بعد أن خلع على جميع نواب البلاد الشأمية باستمرارهم، ولم يحرك ساكنا فى الظاهر والله متولى السرائر. ثم سار السلطان حتى وصل غزة، وقد استقر فى نيابتها من دمشق الأمير يونس الرّكنى، أحد مقدمى الألوف بدمشق، وكان يونس المذكور وليها مرة أخرى قبل ذلك. [ما وقع من الحوادث سنة ٨٣٧] وأقام السلطان بغزة ثلاثة أيام، ثم رحل منها يريد القاهرة، حتى وصلها فى يوم الأحد العشرين من محرم سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، ودخل فى موكب عظيم «١» جليل من باب النصر بأبهة الملك وشعار السلطنة، وعلى رأسه القبة والطير، تولى حمله الأمير الكبير سودون من عبد الرحمن وهو مريض، وقد ساعده جماعة من حواشيه فى حملها. وشق السلطان القاهرة وقد زينت لقدومه أحسن زينة، وسار حتى نزل بمدرسته التى أنشأها بخط العنبربين «٢» من القاهرة، وصلى بها ركعتين، ثم ركب منها وسار حتى خرج من باب زويلة، وطلع إلى القلعة بعد أن خرج المقام الجمالى يوسف ولده إلى ملاقاته بالخانقاه، وعاد معه. وكان لقدومه يوم مشهود «٣» ، وسر الناس بسلامته، وعاد السلطان إلى مصر بعد أن أتلف فى هذه السّفرة نحو الخمسمائة ألف دينار من النقد، وتلف له من

стр. 5023

السلاح والمتاع والخيل والجمال والبغال مثل ذلك، وأنفق الأمراء بمصر والشأم والعساكر المصرية والشأمية مثل ذلك، وتلف لأهل آمد وما حولها من الغلال والزراعات والمواشى شىء كثير «١» إلى الغاية، وقتل أيضا خلائق، ومع هذا كله كانت سفرة كثيرة «٢» الضرر قليلة النفع. ولم ينل أحد فى هذه السفرة غرضا من الأغراض، ولا سكنت فتنة ولا قامت حرمة، ولا ارتدع عدو. ولهج غالب الناس بأن السلطان سعده لا يعمل إلا وهو بقلعة الجبل «٣» ، وحيثما تحرّك بنفسه بطل سعده، وعدّوا حركته مع التركمان فى نيابته بطرابلس، ثم واقعته مع الأمير جقمق نائب الشام لما أمسكه جقمق وحبسه، ثم سفرته [هذه] «٤» إلى آمد؛ قلت: الحركات والسكون بيد الله، والحرب سجال: يوم لك ويوم عليك، والدهر تارة وتارة، والغيب مستّر ما هو مخبّر «٥» - انتهى. ولما طلع السلطان إلى القلعة خلع على الأمراء، وأخذ فى إصلاح أمره، وخلع على التاج بإعادته إلى ولاية القاهرة، بعد عزل دولات خجا الظاهرى، ثم خلع السلطان على الأمير آقبغا الجمالى المعزول عن الأستادّاريّة قبل تاريخه، باستقراره فى ولاية الوجه القبلى، عوضا عن داؤد «٦» التركمانى، وكان السلطان أنعم على آقبغا «٧» المذكور بإمرة عشرة بعد موت الأمير تنبك من سيدى بك [١٣] المعروف بالبهلوان بآمد. ثم فى يوم الثلاثاء ثانى عشر شهر ربيع [الأول] «٨» من سنة سبع وثلاثين المذكورة، رسم السلطان بإخراج الأمير الكبير سودون من عبد الرحمن إلى القدس بطّالا،

стр. 5024

فاستعفى من السفر، وسأل أن يقيم بداره بطّالا، فأجيب إلى ذلك، ولزم داره إلى ما يأتى ذكره. وأنعم السلطان بأقطاعه على الديوان المفرد، ولم يقرر أحدا غيره فى أتابكية العساكر بديار مصر «١» ؛ وهذا شىء لم نعهد بمثله. وضرب رنك «٢» السلطان على البيمارستان المنصورى بالقاهرة، وكانت العادة جرت من مدة سنين، أن كل من يلى الإمرة الكبرى، يكون هو الناظر على البيمارستان المذكور، فلما نفدت «٣» هذه الوظيفة، تكلم السلطان على نظرها، وضرب اسمه على بابها. ثم فى يوم السبت أول شهر ربيع الآخر، خلع السلطان على دولات خجا المعزول عن ولاية القاهرة، باستقراره فى ولاية المنوفية والقليوبية، ثم فى يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الآخر [المذكور] «٤» ركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إلى الصيد، وعاد فى خامسه. ثم فى يوم الاثنين عاشره خلع السلطان على الأمير إينال الششمانى الناصرى، ثانى رأس نوبة، باستقراره فى نيابة صفد، بعد موت الأمير مقبل الحسامى الدوادار، ومقبل أيضا هو أحد من اتهم «٥» بالوثوب على السلطان فى آمد. ثم فى حادى عشره خلع السلطان

стр. 5025

على آقبغا الجمالى [المقدم ذكره] «١» باستقراره كاشف الوجه البحرى عوضا عن حسن بك ابن سالم الدّوكرى، وأضيف إليه كشف الجسور أيضا. ثم فى ثالث عشره، ركب السلطان ونزل إلى البيمارستان المنصورى للنظر فى أحواله، فنزل به وأقام ساعة ثم ركب وعاد إلى القلعة. ثم فى يوم الأحد ثامن عشرين جمادى الأولى خلع السلطان على حسين الكردى، باستقراره كاشف الوجه القبلى، بعد قتل آقبغا الجمالى فى خامس عشرينه فى حرب كان بينه وبين عرب البحيرة «٢» ، وقتل معه جماعة من مماليكه ومن العربان، ثم خلع السلطان

стр. 5026

على الوزير الأستادار كريم الدين ابن كاتب المناخ، كامليّة بفرو وسمّور [بمقلب سمّور] «١» لتوجهه إلى البحيرة، وصحبته حسين الكردى المقدم ذكره، لعمل مصالحها واسترجاع ما نهبه أهل البحيرة من متاع آقبغا الجمالى بعد قتله، وكتب إليهم السلطان بالعفو عنهم، وأن آقبغا تعدى عليهم فى تحريق بيوتهم وسبى أولادهم ونحو ذلك، قصد السلطان تطمينهم، عسى أن يؤخذوا من غير قتال ولا فتنة. ثم أمر السلطان بعدّ من بالإسكندرية من القزّازين وهم الحيّاك، فأحصى فى يوم الثلاثاء أول جمادى الآخرة [المذكورون] «٢» ، فبلغت عدّتهم ثمانمائة نول، بعد ما بلغت عدتهم فى أيام نيابة ابن محمود الأستادار فى سنة بضع وتسعين وسبعمائة أربعة عشر ألف نول ونيفا، فانظر إلى هذا «٣» التفاوت فى هذه السنين القليلة «٤» ، وذلك لظلم ولاة الأمور، وسوء «٥» سيرتهم، وعدم معرفتهم، لكونهم يطمعون «٦» فى النزر اليسير بالظلم، فيفوتهم أموال كثيرة مع العدل؛ والفرق بين العامر والخراب ظاهر. ثم فى يوم الاثنين ثانى عشر شهر رجب، أدير محمل الحاج على العادة فى كل سنة. ثم فى سابع عشرين [شهر] «٧» رجب المذكور، قدم الأمير بربغا التنمى الحاجب الثالث بدمشق، إلى القاهرة بسيف الأمير جارقطلو نائب الشام «٨» ، وقدمات بعد مرضه خمسة وأربعين يوما، فى يوم تاسع عشرة، فعين السلطان عوضه لنيابة دمشق، الأمير قصروه من تمراز نائب حلب، وكتب له بذلك. ثم «٩» فى يوم تاسع عشرينه، عين السلطان

стр. 5027

الأمير خجا سودون السيفى بلاط الأعرج، أحد أمراء الطبلخاناه، ورأس نوبة، أن يتوجه إلى قصروه بالتقليد والتشريف. وفى اليوم خلع السلطان على الأمير قرقماس الشعبانى الناصرى، المعروف أهرام ضاغ «١» ، حاجب الحجاب، باستقراره فى نيابة حلب عوضا عن قصروه، وأن يكون مسفّره الأمير شاد بك الجكمى أحد أمراء الطبلخانات ورأس نوبة. [١٤] وخلع السلطان على الأمير يشبك السّودونى ثم الظاهرى ططر المعروف بالمشدّ باستقراره حاجب الحجاب عوضا عن قرقماس المذكور، وأنعم بإقطاع قرقماس على الأمير آقبغا التمرازى أمير مجلس، وخلع عليه باستقراره أمير سلاح، وبإقطاع آقبغا على الأمير يشبك المذكور. وخلع السلطان على الأمير إينال الجكمى أمير سلاح، باستقراره أتابك العساكر، وكانت شاغرة من يوم لزم سودون من عبد الرحمن بيته، واستقر عوضه فى إمرة سلاح، آقبغا التمرازى المقدم ذكره. وخلع السلطان على الأمير جقمق العلائى الأمير آخور باستقراره أمير مجلس، عوضا عن آقبغا التّمرازى، [المقدم ذكره] «٢» . وخلع على الأمير حسين ابن أحمد المدعو تغرى برمش باستقراره أمير آخور، عوضا عن جقمق العلائى. فخرج الجميع، وعليهم الخلع والتشاريف، وجلسوا على المسطبة التى يجلس عليها مقدم المماليك عند باب السر «٣» ، فى انتظار الخيول التى أخرجها السلطان لهم، بسروج الذهب والكنابيش ما خلا تغرى برمش، فإنه فارقهم من داخل القصر، ونزل إلى باب السلسلة تسلمه من وقته، فقعدوا «٤» الجميع على المسطبة صفّا واحدا، [و] «٥» جلس فوق الجميع إينال الجكمى، ثم تحته قرقماس نائب حلب، ثم آقبغا التمرازى، الذي استقر أمير سلاح، ثم الأمير جقمق الذي استقر أمير مجلس، ثم الأمير يشبك المولّى حاجب الحجاب،

стр. 5028

إلى أن حضرت الخيول وركبوا، ونزل «١» كل واحد إلى داره. فلما نزل جقمق العلائى إلى داره، عرّفه أصحابه وحواشيه أن وظيفة الأمير آخورية كانت خيرا له «٢» من وظيفة أمير مجلس، وإن كان ولا بد فيولّى «٣» أمير سلاح، فيكون ما فاته من منفوع الأمير آخورية، يتعوّضه من قيام الحرمة بوظيفة أمير «٤» سلاح. وبلغ السلطان ذلك، فرسم فى الحال إلى آقبغا التّمرازى أن يكون أمير مجلس على عادته، وتكون الخلعة التى لبسها خلعة الرضى «٥» والاستمرار، وأن يكون جقمق أمير سلاح؛ ونزل الأمر إلى كل منهما بذلك، فامتثلا المرسوم [الشريف] «٦» ، واستمر كل منهما على ما قرره السلطان ثانيا. وفى اليوم المذكور رسم السلطان بإخراج الأمير سودون من عبد الرحمن إلى ثغر دمياط، وسببه أن السلطان لما بلغه «٧» موت جارقطلو، استشار بعض خواصه فيمن يوليه نيابة الشأم، فذكروا له سودون من عبد الرحمن، وأنه يقوم للسلطان بمبلغ كبير من ذهب فى نظير ذلك. وكان فى ظن السلطان أن سودون من عبد الرحمن قد استرخت أعضاؤه، وتعطلت حركته من طول تمادى المرض به، وقد أمن من جهته ما يختشيه «٨» ، فقال السلطان: سودون من عبد الرحمن تلف، ولم يبق فيه بقية لذلك، فقالوا: يا مولانا السلطان، هو المتكلم فى ذلك. فلم يحملهم السلطان على الصدق، وأرسل إليه فى الحال يعرض عليه نيابة الشأم، فقبل، وقال: مهما أراد السلطان منى فعلته له؛ فلما عاد الجواب على السلطان بذلك علم أن غالب ما به تضاعف، وأن فيه بقية لكل شىء؛ فأمر فى الحال بإخراجه إلى ثغر دمياط. ثم خلع السلطان على الأمير بربغا التّنمى أحد حجاب دمشق، وأعاده إلى دمشق. ثم فى يوم الخميس سابع شعبان من سنة سبع وثلاثين المذكورة، خلع

стр. 5029

السلطان على الأمير [الكبير] «١» إينال الجكمى باستقراره فى نظر البيمارستان المنصورى على العادة «٢» ، وكانت تولية إينال المذكور للإمرة الكبرى بغير إقطاع الأتابكية، بل باستمراره على «٣» إقطاعه القديم، غير أنه أنعم السلطان عليه بقرية حجّة ومردّة من أعمال نابلس، وكانت من جملة إقطاع الأمير الكبير، ثم خلع عليه بنظر البيمارستان المذكور، فهذا الذي حصل له من جهة الأتابكية؛ ولم ينله منها إلا مجرد الاسم فقط. وفى شهر رجب وشعبان، قرر السلطان على جميع بلاد الشرقية والغربية والمنوفية والبحيرة وسائر الوجه القبلى، خيولا تؤخذ من أهل النواحى، فكان يؤخذ «٤» من كل قرية خمسة آلاف درهم فلوسا، عن ثمن الفرس المقرر عليها، ويؤخذ من بعض النواحى عشرة آلاف عن ثمن فرسين، [١٥] ويحتاج أهل الناحية إلى مغرم آخر لمن يتولى أخذ ذلك منهم، فنزل بسبب ذلك على فلّاحى القرى «٥» بلاء «٦» الله المنزل. وأحصى كتّاب ديوان الجيش قرى أرض «٧» مصر العامرة كلها قبليها وبحريها «٨» ، فكانت ألفين ومائة وسبعين قرية، وقد ذكر المسبّحىّ «٩» فى تاريخه: أنها كانت فى القرن الرابع: عشرة آلاف قرية عامرة، فانظر إلى تفاوت ما بين الزمنين، مع أمن هذا الزمان وكثرة فتن ذلك «١٠» الزمان، غير أن السبب معروف والسكات أجمل. ثم فى يوم الخميس رابع عشر شعبان، برز قرقماس نائب حلب إلى محل كفالته وعليه جمل كبيرة من الديوان؛ ثم فى تاسع عشر شعبان ختن السلطان ولده المقام الجمالىّ يوسف،

стр. 5030

وختن معه نحو الأربعين صبيا، بعد ما كساهم وعمل لذلك مهمّا هائلا «١» للرجال بالحوش السلطانى، وللنساء «٢» بالدور بالقلعة «٣» . ثم فى يوم السبت ثالث عشرينه، فقد [الوزير] «٤» كريم الدين ابن كاتب المناخ، بعد أن كان استعفى غير مرة من إحدى الوظيفتين: إما الوزارة «٥» [أ] و «٦» الأستادّاريّة، فلم يعفه السلطان، فلما تسحّب فى هذا اليوم، طلب السلطان [أمين الدين] «٧» إبراهيم ابن الهيصم، ناظر الدولة، وخلع عليه باستقراره وزيرا عوضا عن الصاحب كريم الدين المذكور. ثم فى يوم الأربعاء سابع عشرين شعبان المذكور، ظهر الصاحب كريم الدين المذكور «٨» ، وطلع إلى القلعة، فخلع عليه السلطان سلّاريا «٩» من قماشه. ثم طلع [كريم الدين] من الغد، فخلع عليه [السلطان] ثانيا خلعة جليلة «١٠» ، باستمراره على وظيفة الأستادّارية؛ ونزل إلى داره فى موكب جليل، وقد سرّ به غالب أعيان الدولة، فإن السلطان، كان ألزم زين الدين عبد الباسط بوظيفة الأستادّارية، فقال له: «يا مولانا

стр. 5031

السلطان، ما يليق بى هذه الوظيفة» ، فقال: «يليها دوادارك جانبك» ، فتبرم أيضا من ذلك، فخاشنه السلطان فى الكلام وأهانه، فأوعد بحمل مبلغ كبير من المال مساعدة للأستادّار، ثم حسّن للسلطان فى الباطن ولاية القاضى سعد الدين إبراهيم ناظر الخاص، أستادارا، وكلمه السلطان فى ذلك، فأبى سعد الدين إبراهيم أيضا، وأخذ يستعفى؛ وبينماهم فى ذلك، ظهر كريم الدين، فتنفّس «١» خناق عبد الباسط وغيره بظهور كريم الدين واستمراره على وظيفته. وقدم الخبر فى هذا الشهر من مكة [المشرّفة] «٢» ، بأن الوباء «٣» ، قد اشتد بها وبأوديتها، حتى بلغ عدة من يموت بمكة «٤» ، فى اليوم خمسين نفسا، ما بين رجل وامرأة. وفى شهر رمضان المذكور تحرك عزم السلطان على السفر إلى جهة آمد، لقتال قرايلك، وكتب إلى بلاد الشأم بتعبئة الإقامات من الشعير وغيره على العادة، وكان سبب حركة السلطان لذلك، لما ورد عليه الخبر فى يوم ثامن عشره، أن الأمير إينال العلائى نائب الرها، كان بينه وبين أعوان قرايلك وقعة هائلة «٥» . وسببه أن بعض عساكر حلب أو عساكر الرّها خرج يسيّر فرسه، فلما كان بين بساتين الرها، صادف طائفة «٦» من التركمان، فقاتلهم وهزمهم؛ وبلغ [ذلك] «٧» الأمير إينال، فخرج مسرعا من مدينة الرها، نجدة لمن تقدم ذكره، فخرجت عليه ثلاثة «٨» كمائن «٩» من القرايلكية، فقاتلهم، فكانت بينهم وقعة هائلة، قتل فيها من الفريقين عدة.

стр. 5032

فلما بلغ السلطان ذلك، شق عليه، وعزم على السفر؛ ثم كتب السلطان إلى سائر البلاد الشامية، بخروج نواب الممالك «١» للحاق «٢» الأمير قرقماس «٣» نائب حلب بالرّها؛ ثم بطل ذلك، وكتب بمنعهم من المسير، حتى يصح عندهم نزول قرايلك على الرها بعساكره وجموعه «٤» ، فإذا صح لهم ذلك، ساروا لقتاله. وفى يوم الثلاثاء ثالث «٥» عشرين شوال، كتب السلطان باستقرار خليل بن شاهين الشّيخى، ناظر الإسكندرية وحاجبها، فى نيابة الإسكندرية، مضافا على النظر والحجوبية، عوضا عن الأمير جانبك «٦» [السيفى يلبغا] «٧» الناصرى [فرج] «٨» [المعروف] «٩» بالثور «١٠» . وفى شوال هذا، قدم على السلطان الخبر من بغداد، على يد قاصد كان السلطان وجّهه قبل ذلك لكشف أخبار الشرق، وأخبر: أن أصبهان بن قرا يوسف «١١» ، لما

стр. 5033

ملك بغداد من أخيه شاه محمد بن قرا يوسف، أساء «١» السيرة، بحيث [١٦] أنه أخرج جميع أهل بغداد منها بعيالهم، بعد أن أخذ جميع أموالهم، من جليل وحقير فتشتتوا بنسائهم «٢» وأولادهم فى نواحى الأقطار، وصارت بغداد ليس بها سوى نحو ألف رجل من جند أصبهان المذكور لا غير، وأنه لم يبق بها سوى ثلاثة أفران تخبز الخبز «٣» فقط، ولم يبق بها سكان، ولا بيعة، ولا أسواق. فكان فعل أصبهان هذا أقبح من فعل أخيه شاه محمد، فإن شاه محمد لما تنصّر ومال إلى دين النصرانية، قتل العلماء وأباد الفقهاء والصلحاء لا غير، وترك من دونهم. فجاء هذا الزنديق الفاسق، تجاوز «٤» فعل شاه محمد من أنه أخرج جميع أهل بغداد؛ وكان غرض أصبهان بذلك أن يخرب بغداد، حتى لا يبقى لأخيه إسكندر ولا غيره طمع فيها، فمد يده فى ذلك، حتى صارت بغداد خرابا يبابا لا يأويها إلا البوم- انتهى. قال: وإنه أخرب أيضا الموصل، حتى صارت مثل بغداد وأعظم، من أنه سلب نعم أهلها وأمر بهم فأخرجوا منها وتمزقوا فى البلاد، واستولت عليها العربان، فصارت الموصل منزلة من منازل العرب، بعد أن كانت تضاهى دار السلام. قال- أعنى القاصد: وأن أصبهان أيضا أخذ أموال أهل المشهد «٥» ، وأزال نعمهم وتشتتوا فى البلاد. قلت: لا أعلم فى طوائف التركمان ولا فى أوباش عساكر جغتاى «٦» ، ولا فى

стр. 5034

جهّال التّتار، أوحش سريرة، ولا أقبح طريقة ولا أسوأ سيرة، ولا أضعف دينا «١» ولا أعدم مروءة، ولا أقل نخوة ولا أبشع خبرا «٢» من هؤلاء الزنادقة الكفرة الفسقة، أولاد قرا يوسف، وعندى أن النصارى أمثل من هؤلاء، فإنهم متمسكون بدين على زعمهم «٣» ، وهؤلاء زنادقة لا يتدينون بدين، كفرة ملحدون «٤» . حدّثنى الأمير على باى المؤيدى العجمى ﵀ بعد عوده من عند أصبهان المذكور، لما أرسله [السلطان الملك] «٥» الظاهر جقمق، فى الرّسليّة إليه- بأشياء: منها أنه كان يمد السماط بين يديه فى بكرة أيام شهر «٦» رمضان، وأنه سأل على باى فى الأكل معه من جملة عساكره، فامتنع، فقال له: « [أمير علىّ باى] «٧» ، بتتعب نفسك سخرة. بنى آدم، هو مثاله «٨» مثال الزرع: يطلع ويكبر، ثم يحصد ويزول إلى الأبد، وما ثم شىء غير ذلك، فخلّ عنك ما أنت فيه، وكل واشرب» . قال: ثم سألت عن أصبهان من بعض خواصّه، عن أحواله، فكان من جملة ما قاله: أنه لم يتعبد على ملة من الملل منذ بلغ الحلم، إلى يومنا، بخلاف أخيه شاه محمد، فإنه كان أولا أيام أبيه قرا يوسف، يصوم ويصلى ويظهر الإسلام «٩» والتنسك إلى أن مات أبوه [ف] «١٠» أظهر الميل إلى دين النصرانية، وصار يتعبد على ملتهم.

стр. 5035

فهذا الخبر عن شاه محمد وأصبهان، وأضف إليهما إسكندر أيضا، فإنه كان أيضا من هذه المقولة فى الباطن، ثم من بعدهم «١» أخوهم «٢» جهان شاه بن قرا يوسف ملك تبريز فى زماننا هذا، فإنه أيضا على طريقهم من الفسق والفجور والانهماك فى المسكرات، وجميع أفعاله فى الباطن تقارب أفعال إخوته، غير أنه يظهر خلاف ذلك، لئلا ينفر الناس عنه وتسوء القالة «٣» فيه؛ وقد استوعبنا أحوال هؤلاء الفسقة فى تاريخنا «المنهل الصافى [والمستوفى بعد الوافى] » «٤» بأوسع من هذا، فلينظر هناك «٥» . ثم فى يوم الأربعاء أول ذى القعدة، توجه الأمير جقمق العلائى أمير سلاح، إلى مكة المشرفة حاجّا، وسار معه كثير ممن قدم من المغاربة وغيرهم، وبسط يده بالإحسان إليهم ذهابا وإيابا. قال المقريزى: وفى هذه السنة، يعنى عن سنة سبع وثلاثين، طلّق رجل من بنى مهدىّ من أرض البلقاء امرأة وهى حامل، فنكحها رجل غيره، ثم فارقها فنكحها رجل ثالث، فولدت عنده ضفدعا فى قدر الطفل، فأخذوه ودفنوه خوف العار. [ما وقع من الحوادث سنة ٨٣٨] ثم فى يوم الاثنين ثالث محرم سنة ثمان وثلاثين «٦» وثمانمائة، قدم قاصد قرايلك صاحب آمد، بكتاب قرايلك ومعه تسعة أكاديش «٧» ، تقدمة للسلطان، ودراهم قليلة عليها اسم السلطان «٨» لا غير، فلم يحسن ذلك ببال أحد.

стр. 5036

ثم فى يوم الاثنين حادى عشر المحرم [سنة ثمان وثلاثين المذكورة] «١» ، أمسك السلطان الأمير بردبك الإسماعيلى، أحد أمراء الطبلخانات، وحاجب ثانى، وأخرجه إلى دمياط، وأنعم بإقطاعه على الأمير تغرى بردى البكلمشى المعروف بالمؤذى، أحد رؤوس النوب، وخلع على الأمير جانبك السيفى [١٧] يلبغا الناصرى المعروف بالثور، المعزول قبل تاريخه عن نيابة الإسكندرية، باستقراره حاجبا ثانيا عوضا عن بردبك الإسماعيلى المقدم ذكره. وفى هذا الشهر أيضا خلع السلطان على دولات خجا وأعيد إلى ولاية القاهرة عوضا عن التاج بن سيفة الشوبكى. ثم فى يوم الخميس سابع عشرين المحرم، عملت الخدمة السلطانية بالإيوان المسمى دار العدل «٢» من قلعة الجبل، بعد ما هجرت مدة، لقدوم رسول القان معين الدين شاه رخ «٣» بن تيمور ملك الشرق، وأحضر الرسول المذكور إلى الموكب بدار العدل

стр. 5037

وقد هاله ما رآه من حسن زى هذا الموكب، وكان الرسول المذكور من أشراف شيراز يقال له السيد تاج الدين [علىّ، فحضر] «١» تاج الدين المذكور إلى بين يدى السلطان، ولم يقبّل الأرض لكونه من السادة الأشراف. ودفع ما على يده «٢» من الكتاب، ثم قدّم ما معه من الهدية، فتضمن كتابه وصوله هديّة السلطان المجهزة إليه، وأنه نذر أن يكسو الكعبة [البيت الحرام] «٣» ، وطلب أن يبعث إليه من يتسلمها ويعلقها من داخل البيت. وتاريخ الكتاب، فى ذى الحجة سنة ست وثلاثين، وكان قدوم القاصد من هراة إلى هرمز ومن هرمز إلى مكة، ثم قدم صحبة [ركب] «٤» الحاج، فأنزله السلطان [بمكان] «٥» ، وأجرى عليه ما يليق به من الرواتب، واشتملت هدية شاه رخ [المذكور] «٦» على ثمانين ثوب حرير «٧» أطلس، وألف قطعة فيروزج، ليست بذاك، مبلغ «٨» قيمة الجميع ثلاثة آلاف دينار لا غير. ثم فى يوم السبت سادس صفر، عقد السلطان مجلسا «٩» بين يديه، بالقضاة الأربعة «١٠» ، بسبب نذر شاه رخ بن تيمور أن يكسو الكعبة؛ فلما جلسوا للكلام، بعد أن سألهم السلطان فى معنى ذلك، أجاب قاضى القضاة بدر الدين محمود العينى الحنفى، بأن نذره لا ينعقد، فلم يتكلم أحد، وانفض المجلس على ذلك، وصار السلطان يقول: (النجوم الزاهرة ج ١٥)

стр. 5038

للعينى «١» مندوحة فى منع شاه رخ من الكسوة. ثم عيّن السلطان الأمير أقطوه الموساوى المهمندار «٢» أحد أمراء العشرات «٣» ، [الظاهرى برقوق] «٤» للتوجه «٥» إلى «٦» شاه رخ بردّ «٧» الجواب، صحبة قاصده «٨» الشريف تاج الدين «٩» - انتهى. ثم فى يوم الاثنين خامس عشر «١٠» [المذكور] «١١» ، ثارت مماليك السلطان الأجلاب «١٢» ، سكّان الطّباق بقلعة الجبل، وطلبوا القبض على مباشرى الدولة، بسبب تأخر جوامكهم، ففر المباشرون منهم، ونزلوا إلى بيوتهم، فنزل فى أثرهم جمع كبير منهم، ومضوا إلى بيت عبد الباسط ناظر الجيش ونهبوه، وأخذوا ما قدروا عليه. ثم خرجوا وقصدوا بيت الوزير [أمين الدين] «١٣» بن الهيصم، وبيت الأستادّار كريم الدين ابن كاتب المناخ، ونهبوهما أيضا، ولم يقدروا على قبض أحد من هؤلاء الثلاثة لفرارهم منهم، وغلقت الأسواق وخاف كل أحد [على] «١٤» بيته. هذا وقد صمم المماليك على الفتك بعبد الباسط، والعجب أن السلطان لم يغضب لعبد الباسط بل انحرف عليه، وأمر بنفيه إلى الإسكندرية لكسر الشر، ولم يقع منه فى حق مماليكه المذكورين أمر من الأمور، إما لمحبته فيهم، أو لبغضه فى عبد الباسط، ولزم

стр. 5039

عبد الباسط داره؛ وتردد الناس للسلام عليه، والسلطان مصمم على سفره إلى [ثغر] «١» الإسكندرية. وأصبح الناس يوم الثلاثاء سادس عشره، وإذا بهجّة عظيمة، فغلقت جميع شوارع المدينة لإشاعة كاذبة بأن المماليك [قد] «٢» نزلوا ثانيا لنهب بيت عبد الباسط، فاضطرب الناس، وهرب عبد الباسط من داره، وانزعج إلى الغاية، فكان هذا اليوم أعظم وأشنع من يوم النهب. ثم ظهر للناس أن المماليك لم يتحركوا ولا نزل أحد منهم، وأما عبد الباسط، فإنه لا زال يسعى ويتكلم له خواص السلطان فى عدم خروجه إلى الإسكندرية حتى تم له ذلك، وطلع إلى القلعة فى يوم سابع عشره، بعد أن التزم عبد الباسط بأن يقوم للوزير من ماله بخمسمائة «٣» ألف درهم مصرية تقوية له، وأن السلطان يساعد أستاداره كريم الدين بعليق المماليك شهرا «٤» ، هذا بعد أن قدم عبد الباسط للأشرف تقدمة من المال فى خفية من الناس لإقامة حرمته، ولم يخف ذلك عن «٥» أحد، وأخذ أمر عبد الباسط فى انحطاط، وصار السلطان يهدده إن لم يل الأستادارية هو [١٨] أو مملوكه جانبك، وهو يتبرم من ذلك كله. ثم استعفى الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم من الوزارة «٦» ، فعين السلطان شمس الدين بن سعد الدين بن قطارة القبطى لنظر الدولة، وألزمه بتكفية يومه. ورسم السلطان بطلب أرغون شاه النّوروزى من دمشق، وهو يومذاك أستادار السلطان بها «٧» ، ليستقر فى الوزارة، عوضا عن ابن الهيصم على عادته قديما، بعد ما عرض السلطان الوزارة على الأستادار كريم الدين ابن كاتب المناخ، فأبى كريم الدين قبول ذلك، وقال: يا مولانا السلطان، يختار السلطان إما أكون وزيرا أو أستادّارا، وأما جمعهما «٨» معا

стр. 5040

فلا أقدر على ذلك. فغضب السلطان عليه وهم بضربه ومسكه، فضمنه القاضى سعد الدين ابن كاتب جكم، ناظر الخاص، ونزل الجميع إلى دورهم، إلى أن عملت مصالح الجماعة. فلما كان يوم السبت عشرين صفر خلع السلطان على أستاداره الصاحب كريم الدين باستمراره، وخلع على الصاحب أمين الدين بن الهيصم باستقراره فى نظر الدولة على عادته قديما كما كان قبل الوزارة، وألزمه بتكفية الدولة إلى حين قدوم أرغون «١» شاه من الشام، وانفض الموكب. فلما نزل الصاحب أمين الدين بالخلعة إلى داره، اختفى فى ليلة الاثنين ولم يعلم له خبر، فأصبح السلطان فى يوم الاثنين ثانى عشرينه، أمسك الصاحب كريم الدين الأستادار، وخلع فى الحال على جانبك دوادار عبد الباسط باستقراره أستادارا عوضا عن الصاحب كريم الدين [بن كاتب المناخ] ، «٢» فلبس جانبك الخلعة، ولم يقدر عبد الباسط أن يتكلم فى حقه كلمة واحدة، وكان قصد الملك] «٣» الأشرف، أنه متى تكلم أو «٤» تمنع عبد الباسط من ذلك، قبض عليه، فأحسّ عبد الباسط بالشر، فكف عن الكلام، ثم ألزم السلطان القاضى سعد الدين إبراهيم ابن كاتب جكم ناظر الخواص بوظيفة الوزارة، فلم يوافق على ذلك، وانفض المجلس على ذلك. وفى هذا اليوم خرج قاصد شاه رخ، الشريف تاج الدين، من الديار المصرية إلى جهة مرسله، وصحبته الأمير أقطوه الموساوى، وعلى يده هدية من السلطان إلى شاه رخ [المذكور] «٥» ، وكتاب جواب [كتابه] «٦» يتضمن منعه من كسوة الكعبة، بأن العادة [قد] «٧» جرت قديما وحديثا، أن لا يكسو الكعبة إلا ملوك مصر، والعادة قد اعتبرت فى الشرع فى مواضع، وأن للكسوة أوقافا «٨» تقوم بعملها، لا يحتاج إلى مساعدة فى ذلك؛ وإن أراد الملك وفاء نذره، فليبع الكسوة ويتصدق بثمنها «٩» فى

стр. 5041

فقراء مكة، فهو أكثر ثوابا «١» ، حيث يتعدى نفع ذلك إلى جماعة كبيرة، وأشياء من هذه المقولة. ثم فى يوم الخميس خامس عشرينه، بعد انقضاء الموكب من القصر، و «٢» توجه السلطان إلى الحوش على العادة، غضب على القاضى سعد الدين إبراهيم «٣» ناظر الخواص، بسبب تمنّعه من ولاية الوزارة، وأمر به فضرب [بين يديه] «٤» ضربا مبرحا، ثم أقيم، ونزل إلى داره. ثم طلب السلطان [الصاحب] «٥» كريم الدين ابن كاتب المناخ من محبسه بالقلعة، وأمر به، فعرّى من ثيابه، وضربه بالمقارع زيادة على مائة شيب «٦» ، ثم ضربه على أكتافه بالعصى ضربا مبرحا، وعصرت رجلاه بالمعاصير «٧» ، ثم أعيد إلى محبسه يومه؛ وأنزل من الغد فى يوم الجمعة على بغل «٨» فى أسوإ حال، ومضى به إلى بيت التاج «٩» والى القاهرة كان «١٠» ، وهو يومذاك شادّ الدواوين، ليورد ما ألزم به، بعد أن حوسب، فوقف عليه خمسة وخمسون ألف دينار ذهبا، صولح عنها بعشرين ألف دينار، [فنزل إلى بيت التاج وأخذ فى بيع موجوده وإيراد المال المقرر عليه، إلى أن

стр. 5042

أفرج عنه فى ثامن عشر ربيع الأول، بعد ما حمّل نحو العشرين ألف دينار، وضمنه فيما بقى أعيان الدولة.] «١» ثم فى يوم الثلاثاء أول شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وثلاثين المذكورة، خلع السلطان على القاضى سعد الدين ناظر الخواص، خلعة الرضى والاستمرار على وظيفته نظر الخواص، وخلع على أخيه القاضى جمال الدين يوسف ابن القاضى كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب جكم باستقراره وزيرا، على كره منه، بعد تمنع زائد؛ وكان منذ تغيب ابن الهيصم، [لا يلى الوزارة أحد] «٢» ، والقاضى سعد الدين ناظر الخاص يباشرها، ويسدد أمورها من غير لبس تشريف، فغرم فيها جملة كبيرة، لعجز جهاتها عن مصارفها، والقاضى جمال الدين يوسف [المذكور] «٣» ، هو يوسف «٤» عظيم الدولة فى زماننا هذا، وناظر جيشها وخاصّها كان «٥» ، رحمه الله تعالى. «٦» وهى أول ولاياته «٧» للمناصب الجليلة على ما يأتى ذكر ولاياته «٨» لغيرها مفصلا، فى هذا الكتاب وغيره. وخلع [١٩] السلطان على شمس الدين بن قطارة باستقراره ناظر الدولة، فكان الوزير وناظر الدولة فى طرفى نقيض، فالوزير فى الغاية من حسن الشكالة والزى البهيج، وسنه دون العشرين سنة، وناظر الدولة فى الغاية من قبح الشكالة والزى الردىء وسنه نحو السبعين «٩» سنة- انتهى. ثم فى يوم الأحد رابع شهر ربيع الآخر، قدم الأمير أرغون شاه النوروزى الأعور، أستادّار السلطان بدمشق إلى مصر بطلب حسبما تقدم ذكره، ليلى الوزارة. وطلع

стр. 5043

إلى القلعة من الغد بتقادم جليلة، وخلع عليه باستمراره على أستادّارية السلطان بدمشق، على عادته. وفى هذا الشهر تكرر ركوب السلطان إلى الصيد غير مرة. ثم فى جمادى الأولى وقع الشروع فى حركة السلطان إلى السفر، لقتال قرايلك والفحص أيضا عن جانبك الصّوفى. وفى خامس عشره خلع على دولات خجا «١» والى القاهرة باستقراره فى ولاية منفلوط، وشغرت الولاية إلى يوم الأحد سابع عشره، فاستقر «٢» فيها علاء الدين على بن الطّبلاوى. ثم فى يوم السبت أولى جمادى الآخرة، خلع السلطان على الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ باستقراره كاشف «٣» الوجه القبلى، ورسم السلطان أن يستقر محمد الصغير المعزول عن الكشف قبل تاريخه دوادار الصاحب كريم الدين، وأمير علىّ الذي كان كاشفا بالوجه القبلى والوجه البحرى رأس نوبته، ونزل إلى داره من القلعة فى موكب جليل، كل ذلك والصاحب «٤» كريم الدين لم يغيّر «٥» زيّه من لبس الكتبة، ولم يلبس الكلفتاه «٦» ، ولا تقلد بسيف. وكان الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم قد خرج من اختفائه، وطلع إلى السلطان بشفاعة الأمير إينال الأبوبكرى الأشرفى الخازندار، فطلبه السلطان فى هذا اليوم وخلع عليه باستقراره شريكا لعبد العظيم بن صدقة الأسلمى فى نظر ديوان المفرد. ثم فى يوم الأحد سادس [عشر] «٧» جمادى الآخرة [المذكورة] «٨» أمسك السلطان القاضى سعد الدين إبراهيم ناظر الخاص، وأخاه الصاحب جمال الدين يوسف،

стр. 5044

ورسم عليهما، ثم أفرج عنهما من الغد، وخلع على سعد الدين المذكور باستمراره، وأعفى الصاحب جمال الدين من الوزارة، بعد أن ألزمهما بحمل ثلاثين ألف دينار. وألزم السلطان تاج الدين عبد الوهاب بن الشمس نصر الله الخطير ابن الوجيه توما ناظر الإسطبل بولاية الوزارة، وخلع عليه من الغد فى يوم الثلاثاء ثامن عشره، فباشر ابن الخطير هذه الوزارة أقبح مباشرة من العجز والتشكى والقلق وعدم القيام بالكلف السلطانية، مع قيام السلطان معه وإقامة حرمته، وهو مع ذلك «١» لا يزداد فى أعين الناس إلا بهدلة. وظهر منه فى أيام مباشرته الوزارة حدة زائدة، وطيش وخفة، بحيث أنه جلس مرة للمباشرة، فكثر الناس عنده لقضاء «٢» حوائجهم فضاق خلقه منهم، فقام إلى باب الدخول، وضم جميع سراميج «٣» الناس الذين «٤» كانوا فى مجلسه فى ذيله، وخرج حافيا إلى خارج داره وألقاهم إلى الأرض، ودخل بسرعة «٥» والناس «٦» تنظر إليه «٧» ، وقال: اخرجوا إلى سراميجكم لا يأخذوها فقال له بعضهم: تعيش رأس مولانا الصاحب. وسخر الناس من ذلك مدة طويلة، وهو إلى الآن فى قيد الحياة، يتشحط «٨» فى أذيال الخمول- انتهى. ثم فى يوم الأربعاء تاسع عشر جمادى الآخرة [المذكورة] «٩» ، أنعم السلطان على تمراز المؤيدى الخازندار بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، بعد موت الأمير أركماس الجلبانى، وأنعم بطبلخانة تمراز المذكور على الأمير سنقر العزى الناصرى نائب

стр. 5045

حمص، بعد «١» عزله عن نيابة حمص بالأمير طغرق أحد أمراء دمشق. ثم فى يوم الأحد ثالث عشرينه خرجت تجريدة من القاهرة إلى البحيرة «٢» ، ومقدم العساكر الأمير الكبير إينال الجكمى، والأمير جقمق أمير سلاح، والأمير يشبك حاجب الحجاب، والأمير قانى باى الحمزاوى، فى عدة من الأمراء، وسبب ذلك أن لبيدا «٣» قدم منها «٤» طائفة إلى السلطان بهدية، وسألوا أن ينزلوا البحيرة، فلم يجابوا إلى ذلك، ولكن خلع عليهم وتوجهوا، فعارضهم أهل البحيرة فى طريقهم، وأخذوا منهم خلعهم. [٢٠] وكان السلطان يلهج كثيرا بإخراج تجريدة إلى البحيرة، فبلغهم ذلك فأخذوا حذرهم «٥» . واتفق مع ذلك أن شتاء «٦» هذه السنة لم يقع فيه المطر «٧» المعتاد بأراضى مصر، فقدمت طائفة من لبيد إلى البحيرة لمحل بلادهم، وصالحوا أهل البحيرة، وساروا إلى محارب وغيرها بالوجه القبلى لرعى الكشيح من أراضى البور من أعمال الصعيد، وكان السلطان قد كتب إلى كاشف الصعيد، بأن لا يمكنهم من المراعى حتى يأخذ منهم مالا، فغضبوا من ذلك وأظهروا الخلاف، فخرجت إليهم هذه التجريدة المقدم ذكرها. وفى هذا الشهر ندب السلطان قاضى القضاة شهاب الدين بن حجر أن يكشف عن شروط واقفى المدارس والخوانك «٨» ، ويعمل بها، فسرّ الناس بذلك غاية السرور،
следующие страницы →