Полный текст (6 264 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
أديبا شاعرا عاقلا، وله نظم جيد ذكرناه فى ترجمته فى «المنهل الصافى» «١» .
وتوفى خطيب مكة جمال الدين أبو الفضل ابن قاضى مكة محب الدين أحمد ابن قاضى مكة أبى الفضل محمد النويرى الشافعى المكى فى شهر ربيع الآخر بمكة، وهو والد صاحبنا الخطيب أبى «٢» الفضل محمد «٣» النويرى، وهم من أعيان فقهاء مكة أبا «٤» عن جد.
وتوفيت «٥» خوند الكبرى فاطمة زوجة السلطان الملك الأشرف وأمّ ابنه المقام الناصرى محمد فى خامس عشر جمادى الآخرة، وكانت قبل الأشرف تحت الأمير دقماق المحمدى، الذي ينتسب إليه الأشرف بالدّقماقى، وكان والدها من أعيان تجار القرم، وكانت من الخيّرات، ودفنت بقبة المدرسة الأشرفية بخط العنبريين، وكان لها مقام كبير عند زوجها الملك الأشرف.
وتوفى الملك الناصر أحمد ابن الملك الأشرف إسماعيل ابن الملك الأفضل عباس
стр. 5112
ابن الملك المجاهد علىّ ابن «١» الملك المؤيد داود «٢» بن الملك المظفر يحيى ابن الملك المنصور عمر ابن رسول، التركمانى الأصل اليمنى المولد والمنشأ والوفاة، صاحب بلاد اليمن ومدن ممالكه: زبيد وتعزّ وعدن والمهجم وحرض وجبلة والمنصورة والمحالب والجوّة والدّملوّة وقوارير والشحر وغيرهم (كذا) . وكان موته فى سادس عشر جمادى الآخرة بصاعقة سقطت عليهم بحصن قوارير خارج مدينة زبيد، فارتاع الملك الناصر هذا من ذلك ولزم الفراش أياما إلى أن مات، وأقيم بعده فى ممالك اليمن الملك المنصور عبد الله؛ وكان الناصر هذا من شرار ملوك اليمن.
وتوفى قاضى القضاة وشيخ الشيوخ بالجامع المؤيدى شمس الدين محمد بن عبد الله ابن سعد العبسى الديرى الحنفى المقدسى بالقدس، وقد توجه إليه زائرا فى يوم عرفة؛ ومولده فى سنة أربع وأربعين وسبعمائة بالقدس، وهو والد شيخ الإسلام سعد الدين سعد الديرى، وكان إماما فى الفقه وفروعه، بارعا فى العربية والتفسير والأصول والحديث، وأفتى ودرّس سنين بالقدس؛ ثم طلبه [الملك] «٣» المؤيد فى سنة تسع عشرة وثمانمائة، وولاه قاضى قضاة الحنفية بعد موت قاضى القضاة ناصر الدين محمد ابن العديم مسئولا فى ذلك، فباشر القضاء بعفة وديانة وصيانة عدة «٤» سنين، إلى أن تركه رغبة، وولى مشيخة الجامع المؤيدى داخل باب زويلة إلى أن مات فى التاريخ المقدم ذكره.
وتوفى الشيخ الصالح الزاهد المسلك أبو بكر بن عمر بن محمد الطرينى الفقيه المالكى، فى يوم عيد النحر «٥» بالغربية بمدينة المحلة [من الوجه البحرى من أعمال
стр. 5113
القاهرة،] «١» ولم يخلّف بعده مثله فى كثرة العبادة والتقشف وترك الدنيا ولذتها حتى لعلّه مات من قلة «٢» الغذاء؛ وكان يقصد للزيارة من البلاد البعيدة، وله كرامات ومصالح، «٣» يعرفه كل أحد.
أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وعشرون أصبعا؛ مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة عشر أصبعا.
стр. 5114
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٢٨]
السنة الرابعة من سلطنة الملك الأشرف برسباى [على مصر] «١»
وهى سنة ثمان وعشرين وثمانمائة:
[فيها] «٢» كانت أول غزوات الملك الأشرف التى «٣» سيّرها فى البحر حسبما تقدم ذكره.
وفيها قتل الأمير تغرى بردى [بن عبد الله] «٤» المؤيدى المعروف بأخى قصروه نائب حلب- كان- بقلعة حلب، بعد أن حبس بها مدة فى شهر ربيع الأول؛ وأصله من مماليك [الملك] «٥» المؤيد شيخ وأحد خاصكيته، ثم أمّره المؤيد عشرة، ولما مات [الملك] «٦» المؤيد أنعم عليه الأمير ططر فى دفعة واحدة بإمرة مائة وتقدمة ألف وجعله أمير آخور كبيرا عوضا عن طوغان الأمير آخور، ثم ولاه نيابة حلب فعصى فى أواخر دولة ططر وخرج عن الطاعة، فولى تنبك البجاسى عوضه فى نيابة حلب؛ ومات ططر فتوجه تنبك إليه وقاتله وهزمه [٤٦] وملك حلب، ثم حاصره بقلعة بهسنا حتى أخذه بالأمان وحمله إلى قلعة حلب فحبس بها إلى يوم تاريخه؛ وكان شابا طائشا خفيفا غير مشكور السيرة، [و] «٧» اقتحم الرئاسة فنالها فلم يمهله الدهر وأخذ قبل أن تتم سنته.
وتوفى قاضى القضاة علاء الدين أبو الحسن علىّ ابن التاجر بدر الدين أبى الثّناء محمود بن أبى الجود أبى بكر الحموى الحنبلى المعروف بابن مغلى، قاضى قضاة الديار المصرية، فى يوم الخميس العشرين من المحرم وقد قارب السبعين سنة، وأصله من سلمية، وكان آباؤه يعانون المتجر، وولد هو بحماه وطلب العلم وقدم القاهرة شابا فى زى التجار فى سنة إحدى وتسعين، ثم عاد إلى حماه وأكب على طلب العلم،
стр. 5115
حتى برع واشتهر بكثرة الحفظ حتى أنه كان يحفظ فى كل مذهب من المذاهب الأربعة كتابا فى الفقه، ويحفظ فى مذهبه كثيرا إلى الغاية، مع مشاركة جيدة فى الحديث والنحو والأصول والتفسير؛ وتولى قضاء حماه فى عنفوان شبيبته ودام بها «١» إلى أن طلبه [الملك] «٢» المؤيد وولاه قضاء الديار المصرية، ونزل»
بالقاهرة فى جوارنا بالسبع قاعات «٤» وسكن بها إلى أن مات. حدثنى صاحبنا قاضى القضاة جلال الدين أبو السعادات محمد بن ظهيرة قاضى مكة بها، قال: قدمت القاهرة فدخلت إلى ابن مغلى هذا فإذا بالقاضى ولى الدين السّفطى عنده؛ فسلمت وجلست، فأخذ السّفطى يثنى على ابن مغلى ويعرفنى بمقامه فى كثرة العلوم، وكان «٥» مما قاله: مولانا قاضى القضاة يحيط علمه بالمذاهب الأربعة؛ فقال ابن مغلى: يا قاضى ولى الدين، أسأت فى التعريف! لم لا قلت بجميع مذاهب السلف؟ قال: فمن يومئذ لم أجتمع به. قلت: كان عنده زهو وإعجاب بنفسه، لغزير فضله وكثرة ماله. وقد وقع له مع العلامة نظام الدين يحيى السيرامى الحنفى بحث «٦» بحضرة السلطان الملك المؤيد، فقال له القاضى علاء الدين المذكور «٧» : يا شيخ نظام الدين، أسمع مذهبك. وسرد المسألة من حفظه- وهذه كانت عادته، وبذلك كان يقطع العلماء فى الأبحاث- فجاراه الشيخ نظام الدين فى المسألة ولا زال ينقله من شىء إلى شىء حتى دخل به إلى علم المعقول، فارتبك ابن مغلى، واستظهر الشيخ نظام الدين وصاح عليه فى الملأ: مولانا قاضى القضاة
стр. 5116
حفظه «١» طاح، هذا مقام التحقيق. فلم يردّ عليه- انتهى.
والذي اشتهر به ابن مغلى كثرة المحفوظ «٢» . حكى بعض طلبة العلم، قال: استعار منى ابن مغلى أوراقا نحو عشرة كراريس، فلما أخذها منى احتجت إلى مراجعة شىء منها فى اليوم المذكور، فرجعت إليه وقلت له: أريد أنظر فى الكراريس نظرة ثم خذها ثانيا، فقال: ما بقى لى بها حاجة، قد حفظتها؛ ثم ألقاها إلىّ وسردها من حفظه، فأخذتها وعدت وأنا متعجب من قوة حافظته.
وتوفى الأديب الشاعر زين الدين شعبان بن محمد بن داؤد الآثارى فى سابع جمادى الآخرة، وكان ولى حسبة مصر القديمة فى الدولة الظاهرية برقوق بمال عجز عن أدائه، ففرّ إلى اليمن واتصل بملوكها لفضيلة كانت فيه من كتابة المنسوب ونظم الشعر ومعرفة الأدب فأقام باليمن مدة ثم عاد إلى مكة وحج وقدم القاهرة، ثم رحل إلى الشام ثم عاد إلى مصر فمات بعد قدومه إليها بأيام قليلة. وكان له نظم جيد، من ذلك ما قاله فى مدح قاضى القضاة جلال الدين البلقينى لما عزل عن القضاء بالقاضى شمس الدين الهروىّ، واتفق مع ذلك زينة القاهرة لدوران المحمل، فتغالى فى الزينة شخص يسمى الترجمان، وعلق على باب بيته حمارا بسرّ ياقات على رؤوس الناس، بأحسن هيئة؛ وتردد الناس إلى الفرجة على الحمار المذكور أفواجا، فقال شعبان هذه الأبيات: [الوافر]
أقام الترجمان لسان حال ... عن الدنيا يقول لها «٣» جهارا:
زمان فيه قد وضعوا جلالا ... عن العليا وقد رفعوا حمارا
وتوفى الشيخ الإمام الأديب الشاعر العلامة بدر الدين محمد [أبى بكر] «٤» بن عمر بن أبى بكر [بن محمد بن سليمان بن جعفر] «٥» الدّمامينى المالكى الإسكندرى [٤٧] شاعر
стр. 5117
عصره بمدينة كربركا «١» من بلاد الهند، فى شعبان عن «٢» نحو سبعين سنة، وكان مولده ومنشأه بثغر الإسكندرية، وبرع فى الأدبيات وقال الشعر الفائق الرائق، وعانى دولبة عمل القماش الحرير بإسكندرية، فتحمل الديون بسبب ذلك، حتى ألجأته الضرورة إلى الفرار «٣» ، فذهب إلى الهند، فأقبل عليه ملوكها وحسن حاله بها، وأثرى وكثر ماله، فلم تطل أيامه، حتى مات. ومن شعره: [السريع]
لا ما عذاريك هما أوقعا ... قلب المحبّ الصّب فى الحين
فجد له بالوصل واسمح به ... ففيك قد هام بلامين
وله، سامحه الله «٤» : [البسيط]
قلت له والدّجى مولّ ... ونحن بالأنس فى التّلاقى
قد عطس الصبح يا حبيبى ... فلا تشمّته بالفراق «٥»
وله أيضا «٦» ، غفر الله له «٧» : [الرجز]
بدا وقد كان اختفى ... [الرّقيب] «٨» من سراقبه
فقلت: هذا قاتلى ... بعينه وحاجبه
[وله] : [الرمل]
(النجوم الزاهرة ج ١٥)
стр. 5118
قم [بنا] «١» تركب طرف ... اللهو سبقا للمدام
واثن يا صاح عنانى ... لكميت ولجام «٢»
وتوفى الأمير سيف الدين أبو بكر حاجب حجّاب طرابلس [بها] «٣» ، وكان يعرف بدوادار الأمير جكم نائب طرابلس، أظنه تركمانيا، فإنى رأيت كلامه يشبه ذلك، ولا عرفت أصله.
وتوفى الأمير سيف الدين طوغان بن عبد الله الأمير آخور، قتيلا بقلعة المرقب فى ذى الحجة، وكان أصله تركمانيّا مكّاريّا لبغال الأمير طولو الظاهرى نائب صفد، ثم تنقل فى الخدم حتى اتصل بالملك المؤيد شيخ أيام إمرته، وترقى عنده ليقظة كانت فيه، حتى صار أمير آخوره، فلما تسلطن أمّره وولّاه حجوبية دمشق، ثم نيابة صفد، ثم جعله أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، وأمير آخور كبيرا بعد الأمير تنبك ميق لما نقل إلى نيابة دمشق بعد مسك آقباى.
ولما ولى الأمير آخورية نالته السعادة وعظم فى الدولة، إلى أن عيّنه المؤيد للسفر صحبة الأتابك ألطنبغا القرمشى إلى البلاد الشامية من جملة من عيّنه من الأمراء. ومات [الملك] «٤» المؤيد، فوقع «٥» ما حكيناه من اضطراب المملكة الشامية وعصيان جقمق، فانضم «٦» طوغان هذا مع جقمق، ولا زال من حزبه إلى أن انكسر وتوجه معه إلى قلعة صرخد. ولما قبض على جقمق، قبض على طوغان هذا معه ونفى إلى القدس، ثم أمسك ثم أطلق، ورسم له أن يكون بطّالا بطرابلس فدام بها
стр. 5119
مدة، فبلغ السلطان عنه ما أوجب القبض عليه وحبسه بالمرقب، ثم قتله فى التاريخ المقدم ذكره؛ وكان لا فارس الخيل ولا وجه العرب.
وتوفى الأمير ناصر الدين محمد بن أحمد بن عمر بن يوسف بن عبد الله ابن عبد الرحمن «١» بن إبراهيم بن محمد بن أبى بكر التّنوخى الحموى الشهير بابن العطار، فى ثالث عشر شوال بالخليل ﵇، وهو متولّ «٢» نظره، ومولده فى سنة أربع وسبعين وسبعمائة بحماه، وبها نشأ، وتولى حجوبيتها، ثم نقل إلى دمشق، وولى دوادارية الأمير قانى باى نائب الشام [بأمره] «٣» إلى أن نوّه القاضى ناصر الدين ابن البارزى بذكره، واستقدمه إلى القاهرة لمصاهرة كانت بينهما، فولاه [الملك] «٤» المؤيد نيابة الإسكندرية، إلى أن عزله الأمير ططر فى الدولة المظفّريّة، وتعطل فى داره سنين حتى ولاه [الملك] «٥» الأشرف نظر القدس والخليل؛ فدام به إلى أن مات؛ وكان فاضلا عاقلا سيوسا حلو المحاضرة، يذاكر بالتاريخ والشعر، وهو والد صاحبنا الشهابى أحمد بن العطار «٦» ﵀.
стр. 5120
وتوفى الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد البيرى الشافعى، شيخ خانقاه سعيد السعداء «١» ، فى يوم الجمعة رابع عشرين ذى الحجة [على] «٢» نحو الثمانين سنة، وهو أخو جمال الدين يوسف البيرى الأستادّار المقدم ذكره فى [٤٨] الدولة الناصرية فرج.
أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وعشرة أصابع؛ مبلغ الزيادة عشرون ذراعا سواء.
стр. 5121
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٢٩]
السنة الخامسة من سلطنة [الملك] «١» الأشرف برسباى [على مصر] «٢»
وهى سنة تسع وعشرين وثمانمائة.
فيها كان فتح قبرس وأخذ ملكها أسيرا حسبما تقدم ذكره فى أصل ترجمة الأشرف هذا مفصلا. [وفيها] «٣» توفى شيخ الإسلام وأحد الأئمة الأعلام، سراج الدين عمر [ابن علىّ] «٤» بن فارس شيخ شيوخ خانقاه شيخون، المعروف بقارئ الهداية «٥» فى شهر ربيع الآخر، بعد أن انتهت إليه رئاسة مذهب أبى حنيفة فى زمانه، هذا مع من كان فى عصره من العلماء، كان بارعا مفنّنا فى الفقه وأصوله وفروعه، إماما فى العربية والنحو، وله مشاركة كبيرة فى فنون كثيرة؛ وهو أول من أقرأنى القرآن بعد موت الوالد. ومات وقد صار المعول على فتواه بالديار المصرية، بعد أن تصدى للافتاء والإقراء عدة سنين وانتفع به غالب الطلبة. وكان مقتصرا فى ملبسه ومركبه، يتعاطى حوائجه من الأسواق بنفسه، مع جميل السيرة وعظم المهابة فى النفوس، يهابه حتى السلطان، مع عدم التفاته لأهل الدولة بالكلية، حتى لعلّى لم أنظره دخل لأحد منهم فى عمره، وهو مع ذلك لا يزداد إلا عظمة ومهابة.
стр. 5122
ولما ولّاه [الملك] «١» الأشرف مشيخة «٢» الشيخونية مسئولا فى ذلك، أراد الشيخ سراج الدين المذكور أن يحضر إلى الخانقاه المذكورة ماشيا، وكان سكنه «٣» بالمدرسة الظاهرية ببين القصرين، وامتنع من ركوب الخيل، فأرسل إليه [الملك] «٤» الأشرف فرسا وألزمه بركوبها، فلما ركبها أخذ بيده عصاة يسوقها بها، حتى وصل إلى الخانقاه المذكورة فنزل عنها كما ينزل عن الحمار «٥» برجليه من ناحية واحدة، هذا كله وعليه من الوقار والأبهة ما لم تنلها أصحاب الشكائم ولا كبار العمائم؛ وهو أحد من أدركنا من الأفراد الذين مشوا على طريق فقهاء السلف ﵀ [تعالى] .
وتولى «٦» بعده [فى] «٧» مشيخة الشيخونية قاضى القضاة زين الدين عبد الرحمن التّفهنى «٨» الحنفى بعد عزله عن القضاء بقاضى القضاة بدر الدين محمود العينى.
وتوفى الشيخ المعتقد خليفة المغربى نزيل جامع الأزهر فى حادى عشرين المحرم، فجاءة فى الحمام، [بعد ما كان انقطع بالجامع المذكور مكبّا على العبادة نيفا وأربعين سنة، وكان للناس فيه اعتقاد كبير] «٩» ويقصد للزيارة والتبرك به. ولما مات خلف مالا له صورة، وكانت جنازته مشهورة.
وتوفى الأمير سيف الدين إينال بن عبد الله النّوروزى أمير سلاح فى أول شهر
стр. 5123
ربيع الآخر بالقاهرة، وأصله من مماليك الأمير نوروز الحافظى ودواداره، ثم ولى بعده نيابة غزة ثم حماه ثم طرابلس، إلى أن نقله [الملك] «١» الأشرف إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، وخلع عليه باستقراره أمير مجلس، ثم أمير سلاح، فاستمر على ذلك إلى أن مات وفى نفسه أمور، فأخذه الله قبل ذلك. وكان متجملا فى ملبسه ومماليكه ومركبه وسماطه إلى الغاية، وفيه مكارم وحب للعظمة مع ظلم وخلق سيئ وقلة دين وبطش بحواشيه ومماليكه وغلمانه وإظهار جبروت.
وهو صهرى، زوج أختى خوند فاطمة ومات عنها، ولكن الحق يقال على أى وجه كان؛ وفرح الناس بموته كثيرا وأولهم السلطان [الملك الأشرف] «٢» برسباى.
وتوفى السيد الشريف حسن بن عجلان بن رميثة، واسم رميثة منجّد ابن أبى نمىّ محمد بن أبى سعد حسن بن أبى غرير قتادة بن إدريس بن مطاعن ابن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن على بن عبد الله بن محمد ابن موسى بن عبد الله بن الحسن المثنّى بن أبى محمد الحسن السبط ابن أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه، فى يوم الخميس سادس عشر جمادى الآخرة بالقاهرة، ودفن بالصحراء بحوش [الملك] «٣» الأشرف برسباى وقد أناف على الستين سنة. ومولده بمكة، وولى إمارتها فى دولة [الملك] «٤» الظاهر برقوق فى سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، ثم ولى سلطنة الحجاز كله: مكة والمدينة والينبوع من قبل الملك الناصر [٤٩] فرج فى شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وثمانمائة، واستناب عنه بالمدينة الشريفة وخطب له على منبرها. وطالت أيامه فى السعادة، على أنه وقع له أمور وحوادث ومحن، وحمله ذلك على فعل أشياء ليست بمشكورة، من مصادرة التجار، وأخذ الأموال؛ وقد ذكرنا أمر خروجه من مكة وقدومه مع الأمير
стр. 5124
تغرى بردى المحمودى إلى القاهرة، فى أصل هذه الترجمة واستقراره فى إمرة «١» مكة على عادته، إلى أن مات بها قبل أن يتوجّه إلى مكة. واستقر «٢» بعده فى إمرة مكة ابنه الشريف بركات الآتى ذكره فى محله.
وتوفى العلامة قاضى القضاة شمس الدين محمد بن عطاء الله بن محمد بن محمود بن أحمد ابن فضل الله بن محمد الرّازى الهروى الشافعى بالقدس فى ثامن عشر ذى الحجة، ومولده بهراة سنة سبع وستين وسبعمائة، وكان إماما بارعا فى فنون من العلوم، وكان يقرئ على مذهب أبى حنيفة ومذهب الشافعى، والعربية وعلمى «٣» المعانى والبيان، ويذاكر بالأدب والتاريخ، ويستحضر كثيرا من الأحاديث حفظا.
وصحب تيمور لنك مدة طويلة ثم قدم القاهرة، وصحب الوالد، وولى قضاء الشافعية بالديار المصرية مرتين فلم ينتج أمره فيهما لبغض أولاد العرب له، كما هى عادة المباينة بين أولاد العرب والأعاجم، وتعصبوا عليه وأبادوه وجحدوا علومه. وولى كتابة السر [أيضا] «٤» بالديار المصرية أشهرا «٥» ، ثم عزل ونكب ووقع له أمور فى ولايته للقضاء فى المرة الثانية، إلى أن تولى نظر القدس والخليل، إلى أن مات هناك.
وكان شيخا ضخما طوالا أبيض اللحية مليح الشكل، غير أنه كان فى لسانه مسكة تمنعه عن الطلاقة، وله مصنفات تدل على غزير علمه واتساع نظره وتبحره فى العلوم «٦» .
وتوفى قاضى القضاة جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن خالد بن نعيم بن مقدم بن محمد ابن حسن «٧» بن غانم بن محمد بن على الطائى البساطى المالكى وهو غير قاض، فى يوم الاثنين العشرين من جمادى الآخرة، عن ثمان وثمانين سنة؛ وكان فقيها مشاركا
стр. 5125
فى فنون، وعنده معرفة بالأحكام وسياسة ودربة بالأمور؛ وقد تولى قضاء الديار المصرية سنين كثيرة، وولى حسبة القاهرة أشهرا، ثم صرف ولزم داره إلى أن مات.
وتوفى الأمير الكبير سيف الدين قجق بن عبد الله العيساوى الظاهرى أتابك العساكر بالديار المصرية، فى تاسع شهر رمضان، وهو أحد المماليك الظاهرية وممن أنشأه [الملك] «١» الناصر فرج، وصار أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، ثم ولى حجوبية الحجاب فى الدوله المؤيدية [شيخ] «٢» ، ثم أمسك وحبس إلى أن أطلقه الأمير ططر وولاه أمير مجلس ثم صار أمير سلاح فى أوائل دولة الملك الصالح، ثم صار أتابك العساكر بالديار المصرية بعد مسك الأتابك بيبغا [بن عبد الله] «٣» المظفرى، إلى أن مات فى التاريخ المذكور. وكان قجق أميرا عاقلا عارفا بفنون الفروسية رأسا فى ركوب الخيل ولعب الكرة، مع بخل وشح زائد وحسن شكالة، وكان تركى الجنس رحمه الله تعالى.
وتوفى تاج الدين محمد بن أحمد المعروف بابن المكلّلة وبابن جماعة، فى ثامن شهر ربيع الآخر، وكان ولى حسبة القاهرة بالمال فلم تطل مدته وعزل عنها.
وتوفى القاضى شمس الدين محمد بن عبد الله أحد أعبان موقّعى الدست «٤» بالديار
стр. 5126
المصرية المعروف بابن كاتب السّمسرة وبابن العمرى، فى يوم الأربعاء العشرين من شعبان، وكان له وجاهة فى الدولة، معدودا من أعيان الديار المصرية ﵀ [تعالى] «١» :
أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وخمسة أصابع؛ مبلغ الزيادة عشرون ذراعا سواء كالسنة الخالية.
стр. 5127
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٣٠]
السنة السادسة من سلطنة الملك الأشرف برسباى «١» على [مصر] «٢»
وهى سنة ثلاثين وثمانمائة.
[فيها] «٣» توفى الشيخ الإمام المعتقد زاهد وقته وفريد عصره، أحمد بن إبراهيم ابن محمد اليمنى الأصل الرومى البرصاوي «٤» المولد والمنشأ، المصرى الدار والوفاة، المعروف بابن عرب الحنفى، فى ليلة الأربعاء ثانى شهر ربيع الأول بخلوته بخانقاه شيخون، فغسّل بها وحمل إلى مصلاة المؤمنى على رؤوس الأصابع، [٥٠] ونزل السلطان [الملك] «٥» الأشرف وحضر الصلاة عليه، وأمّ بالناس قاضى القضاة بدر الدين محمود العينى الحنفى، ثم حمل وأعيد إلى الشيخونية فدفن بها؛ وكان له مشهد عظيم إلى الغاية، وأبيع بعده ما كان عليه من الثياب بأثمان غالية للتبرك بها.
قلت: وابن عرب هذا أعظم من أدركناه من العبّاد الزهاد فى الدنيا وعدم الاجتماع بالملوك ومن دونهم، والاقتصار فى المأكل والملبس؛ وكان أولا ينسخ للناس بالأجرة، وهو مكب على طلب العلم والعبادة سنين طويلة، إلى أن استقر من جملة صوفية خانقاه شيخون «٦» ، بمبلغ ثلاثين درهما [فى] «٧» الشهر «٨» ، فتعفّف بذلك عن النسخ، وانقطع عن مجالسة الناس، وسكن بخلوة فى الخانقاه المذكورة وأعرض عن كل أحد، وأخذ فى الاجتهاد فى العبادة، واقتصر على ملبس خشن حقير إلى الغاية، وصار يقنع بيسير القوت ولا ينزل من خلوته إلا ليلا لشراء قوته،
стр. 5128
ثم يعود إلى منزله فى كل ثلاثة أيام مرة واحدة بعد عشاء الآخرة. وكان من شأنه إذا حاباه أحد من السّوقة فيما يشتريه من قوته، تركه وما حاباه به. فلما عرف منه ذلك ترك الباعة محاباته ووقفوا عندما يشير إليهم به. وكان فى كل شهر خادم الخانقاه يحمل إليه الثلاثين درهما «١» فلا يأخذها إلا عددا، لأن المعاملة بالفلوس وزنا «٢» حدثت بعد انقطاعه عن الناس، وكان لا يعرف إلا المعاددة «٣» ، وكان لا يقبل من أحد شيئا البتة.
وكان يغتسل بالماء البارد صيفا وشتاء فى بكرة نهار الجمعة، ويمضى إلى صلاة الجمعة من أول نهار الجمعة، ويأخذ فى الصلاة والقراءة. وكان يطيل قيامه فى الصلاة بمقدار أن يقرأ فى كل ركعة حزبين من غير أن يسمع له قراءة ولا تسبيح، وكان لا يرى نهارا إلا عند ذهابه يوم الجمعة إلى الجامع، وكان يعجز السلطان ومن دونه فى الاجتماع به؛ ويحكى عنه كرامات كثيرة، ذكرنا بعضها فى ترجمته فى المنهل الصافى، رحمه الله تعالى ونفعنا ببركته «٤» .
стр. 5129
وتوفى الأمير سيف الدين قشتم بن عبد الله المؤيدى الدوادار، الذي كان ولى نيابة الإسكندرية فى دولة [الملك] «١» المظفر أحمد، ثم قبض عليه وأخرج بعد مدة إلى حلب على إمرة بها، واستمر بحلب إلى أن خرج مع نائبها الأمير قصروه لقتال التركمان، فقتل فى المعركة فى المحرم. وكان غير مشكور السيرة، وهو أخو إينال المؤيدى المعروف بأخى قشتم؛ وكلاهما ليس بشىء، من المهملين.
وتوفى الشيخ المحدّث الفاضل شهاب الدين أحمد بن موسى بن نصير المتبولى المالكى «٢» فى يوم الأربعاء ثامن شهر «٣» ربيع الأول، عن خمس وثمانين سنة. وقد حدّث عن عمر ابن [الحسن بن مزيد المعمر المسند الرحلة زين الدين أبى حفص المراغى الحلبى الشهير بابن] «٤» أميله، وست العرب «٥» ، وجماعة؛ وناب فى الحكم سنين [رحمه الله تعالى] «٦»
وتوفى الشيخ شهاب الدين أحمد بن يوسف بن محمد بن الزعيفرينى «٧» الدمشقى الشاعر فى شهر ربيع الأول، وكان ينظم الشعر، ويكتب المنسوب، ويتكلم فى معرفة علم الحرف «٨» ، ويتكلم أيضا فى المغيبات، ومال إليه بسبب ذلك جماعة من الأكابر،
стр. 5130
وأثرى «١» ، وامتحن فى سنة اثنتى عشرة وثمانمائة، وقطع الملك الناصر لسانه وعقدتين من أصابعه، ورفق به المشاعلى عند قطع لسانه فلم يمنعه ذلك من الكلام.
وكان سبب هذه المحنة أنه نظم لجمال الدين الأستادار ملحمة «٢» أو همه أنها ملحمة «٣» قديمة، وأنه يملك مصر؛ وبلغ ذلك الملك الناصر [فرج] «٤» فأمر به ما ذكرناه.
ولما قطعت أصابعه، صار يكتب بعد موت [الملك] «٥» الناصر بشماله، فكتب مرة إلى قاضى القضاة صدر الدين على [بن محمد] «٦» بن الآدمى [الدمشقى] «٧» الحنفى يقول:
[الطويل]
لقد «٨» عشت دهرا فى الكتابة مفردا ... أصوّر منها أحرفا تشبه الدّرّا
وقد عاد خطى اليوم أضعف ما ترى «٩» ... وهذا الذي يسّر الله لليسرى
فأجابه قاضى القضاة صدر الدين المذكور: [الطويل]
لئن فقدت يمناك حسن كتابة ... فلا تحتمل همّا ولا تعتقد عسرا
стр. 5131
[٥١] وأبشر ببشر دائم ومسرّة ... فقد يسّر الله العظيم لك اليسرى «١»
وتوفى الأمير الطواشى الرومى شبل الدولة كافور الصّرغتمشى زمام دار السلطان وقد قارب الثمانين سنة من العمر، فى يوم الأحد خامس عشرين شهر «٢» ربيع الآخر، وأصله من خدام الأمير صرغتمش الأشرفى، ثم أخذه الأتابك منكلى بغا الشمسى وأعتقه. وترقى إلى أن ولاه الملك الناصر فرج زمام داره، فدام على ذلك إلى أن عزل بعد موت الملك المؤيد بمرجان الخازندار الهندى، ثم أعيد إليها بعد مدة. وهو صاحب «٣» التربة العظيمة بالصحراء، وبها خطبة وعمارة «٤» هائلة، وله مدرسة أخرى أنشأها بخط حارة الديلم من القاهرة. وتولى بعده الزمامية الأمير الطواشى خشقدم الظاهرى الخازندار.
وتوفى الشيخ الأديب البارع المفنن بدر الدين محمد بن إبراهيم بن محمد المعروف بالبشتكى الظاهرى المذهب، فى يوم الاثنين ثالث عشرين جمادى الآخر، فجاءة «٥» فى حوض الحمام. وكان من تلامذة الشيخ جمال الدين بن نباتة فى الأدب، وكان أحد الأفراد فى كثرة النسخ: كان ينسخ فى اليوم خمس كراريس، فإذا تعب اضطجع على جنبه وكتب كما يكتب وهو جالس، فكتب مالا يدخل تحت حصر، وكثيرا ما يوجد ديوان شعر ابن نباتة بخطّه «٦» ؛ [ومن شعره] : «٧» [الوافر]
стр. 5132
وكنت إذا الحوادث دنسّتنى ... فرغت إلى المدامة والنّديم «١»
لأغسل بالكؤوس الهمّ عنى ... لأن الراح «٢» صابون الهموم «٣»
وكان بينه وبين ابن خطيب داريّا «٤» أهاجىّ ومكاتبات، ثم بينه وبين شرف الدين عيسى العالية المعروف بعويس «٥» ؛ [وفيه يقول عويس المذكور] «٦» : [المتقارب]
[أ] «٧» يا معشر الصّحب منّى اسمعوا ... مقالى وكسّ أخت من ينتكى
ألا فالعنوا آكلين الحشيش ... وبولوا على شارب البشتكى
قلت: والبشتكى ضرب من المسكرات مثل التّمر بغاوى والشّشش. [وله أيضا فيه] «٨» :
صحبت جندى لوغيّه ... فى السكر وأنواع الشروب «٩»
كيف ما أجى ألقاه سكران ... والبشتكى تحتو مكبوب
وتوفى قاضى القضاة نجم الدين عمر بن حجّى بن موسى بن أحمد بن سعد الحسبانّى السّعدى الدمشقى الشافعى، قاضى قضاة دمشق وكاتب السر بالديار المصرية، مذبوحا على فراشه ببستانه بالنّيرب «١٠» خارج دمشق، فى ليلة الأحد مستهل ذى القعدة، عن ثلاث
стр. 5133
وستين سنة، ونسب قتله للزينى عبد الباسط، وللشريف شهاب الدين أحمد كاتب سر دمشق ثم مصر؛ وكان القاضى نجم الدين فقيها بارعا فاضلا كريما حشما وقورا، له مكارم وأفضال وسؤدد «١» ، وهو أحد أعيان أهل دمشق وفقهائهم [رحمه الله تعالى] «٢» .
وقد تقدم ذكر محنته «٣» عندما ولى كتابة سر مصر فى ترجمة [الملك] «٤» الأشرف [هذا] «٥» ، فلينظر هناك.
وتوفى الملك المنصور عبد الله ابن الملك الناصر أحمد ابن الملك الأشرف إسماعيل، صاحب اليمن فى جمادى الأولى بها، وأقيم بعده أخوه الملك الأشرف «٦» إسماعيل ثم خلع بعد مدة، وأقيم بعده الملك الظاهر هزبر الدين يحيى ابن [الملك] «٧» الأشرف إسماعيل فى ثالث شهر رجب؛ وقد تقدم ذكر نسبه فى ترجمة والده من هذا الكتاب فى سنة سبع وعشرين وثمانمائة «٨» . وفى أيام هؤلاء الملوك، تلاشى أمر اليمن، وطمع فيها كل أحد.
وتوفى القاضى بدر الدين محمد بن محمد «٩» بن محمد [بن إسماعيل بن على البدر أبو عبد الله القرشى] «١٠» القلقشندى الشافعى أمين الحكم بالقاهرة، فى يوم الاثنين «١١» رابع عشرين المحرم؛ وكان مولده أيضا فى أول المحرم من سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وكانت لديه فضيلة وعنده مشاركة.
стр. 5134
وتوفى القاضى تقي الدين محمد بن زكى الدين عبد الواحد بن عماد الدين محمد ابن قاضى القضاة علم الدين أحمد الإخنائى المالكى أحد نوّاب الحكم بالقاهرة وهو بمكة، فى ثالث ذى الحجة، عن ثلاث وستين سنة، وكان من بيت فضل وعلم ورئاسة.
[٥٢] أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وخمسة أصابع؛ مبلغ الزيادة عشرون ذراعا سواء.
стр. 5135
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٣١]
السنة السابعة من سلطنة الملك الأشرف برسباى [على مصر] «١»
وهى سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة.
[و] «٢» فيها توفى أمير الملأ عدرا بن نعير بن حيّار بن مهنّا مقتولا فى المحرم.
وتوفى الأمير الفقيه سيف الدين بكتمر بن عبد الله السعدى «٣» ، أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية، فى يوم الخميس ثالث عشر [شهر] «٤» ربيع الأول، بسكنه بدار أستاذه القاضى سعد الدين إبراهيم بن غراب بخط قنطرة طقزدمر، ولم يخلّف بعده فى أبناء جنسه مثله بل ولا فى غير أبناء جنسه، لما اشتمل عليه من المحاسن: كان فاضلا دينا عاقلا شجاعا بارعا فى فنون الفروسية، انتهت إليه الرئاسة فى حمل المقيّرة «٥» ورمى النّشّاب فى زمانه، هذا مع البشاشة والكرم وحسن الشكل والتواضع وحسن المحاضرة وجودة المشاركة فى كل علم وفن، مع الفصاحة فى اللغة التركية والعربية، والدين المتين والعفّة عن المنكرات والفروج؛ ولا أعرف من يدانيه فى محاسنه، فكيف يشابهه! وكان طوالا جسيما ضخما ذا قوة مفرطة، مليح الشكل، واللحية مدورة بادية الشيب، قبض مرة بأكتاف شخص من أعيان الخاصكيّة المشاهير بالقوة، وهزّه وأفلته، ثم قال له: ما بقى
стр. 5136
فيك شىء يا فلان، فلم ينطق ذلك الرجل بكلمة وذهب خجلا لكثرة دعاويه، فقلت لبكتمر: هذا الذي أنت فيه من كثرة الإدمان، فقال: منذ «١» بلغت الحلم وأنا متزوج، غير أننى لا أهمل نفسى، فقلت له: هذه منح إلاهيّة. ولما مات أنعم [السلطان] «٢» بطبلخانته على الأمير قجقار جغتاى السيفى بكتمر جلّق، ومات بكتمر السعدى هذا وسنه نحو خمسين «٣» سنة تخمينا، وكان رومى الجنس رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين جانبك [بن عبد الله] «٤» الأشرفى الدوادار الثانى وعظيم دولة أستاذه الأشرف برسباى فى يوم الخميس سابع عشرين [شهر] «٥» ربيع الأول، وسنّه نحو خمسة وعشرين «٦» سنة تخمينا، ودفن بمدرسته التى أنشأها بخط القربيين خارج باب زويلة على الشارع، ثم نقل منها بعد مدة إلى تربة «٧» أستاذه بالصحراء، وحضر السلطان غسله ثم الصلاة عليه؛ وكان أشيع عنه أن نفسه تحدثه بالملك، فعاجلته المنية. وكان أصله من مماليك [الملك] «٨» الأشرف برسباى، اشتراه صغيرا فى أيام إمرته وقاسى «٩» معه خطوب الدهر أيام حبسه بقلعة المرقب وغيرها، ولما تسلطن [الملك] «١٠» الأشرف عرف له ذلك مع محبته له، فرقّاه وأنعم عليه بإمرة عشرة وجعله خازندارا، ثم أرسله بتقاليد الأمراء نواب الشأم: تنبك البجاسى وغيره، ثم أنعم عليه بعد حضوره بإمرة طبلخاناة، وخلغ عليه بالدوادارية الثانية عوضا عن [الأمير] «١١» قرقماس الشعبانى الناصرى بحكم انتقاله إلى إمرة مائة وتقدمة ألف، فعظم فى الدولة ونالته السعادة، حتى تزايد أمره وخرج عن الحد من كثرة إنعامه وإظهار الجميل والأخذ بالخواطر، حتى ركن إليه غالب أعيان الدولة من الخاصكيّة،
стр. 5137
وكثر ترداد «١» الناس إليه، وصار أكابر الدولة مثل عبد الباسط وغيره تتردد أيضا إليه «٢» إلى خدمته، [إذا سمح لهم بذلك، وله عليهم الفضل] «٣» ؛ وصار أمره فى نمو وزيادة، وقصده الناس من الأقطار لقضاء حوائجهم. وبينما هو «٤» فى ذلك وقد اشتغل الناس به وأشير إليه بالأصابع، وقد مرض ولزم الفراش مدة ونزل [السلطان] «٥» إلى عيادته مرة، ثم رسم بطلوعه إلى القلعة، فحمل إليها وتولى السلطان تمريضه، فأفاق قليلا وترعرع، فأنزل إلى داره. وكان سكنه بالدار التى فى «٦» سوق القبو الحسينى «٧» ، وللدار باب من حدرة البقر، وهى الآن سكن الأمير يشبك الفقيه المؤيدى؛ وعند نزوله إليها عاوده المرض، ونزل إليه ثانيا فوجده كما قيل: [السريع]
لم يبق إلا نفس خافت ... ومقلة إنسانها باهت
يرثى له الشّامت ممّا به ... يا ويح من يرثى له «٨» الشّامت
[٥٣] وبعد طلوعه مات فى تلك الليلة، فنزل السلطان إلى داره وحضر غسله- كما تقدم- والصلاة عليه.
وكان أميرا شابا حلو الشكالة، للقصر أقرب، أخضر اللون مليح الوجه صغير اللحية مدوّرها، فصيحا ذكيّا حاذقا، متحركا متجمّلا فى مركبه وملبسه وسماطه إلى الغاية، يكتب كتابة ضعيفة ويقرأ، إلا أنه كان عاريا لم يسبق له اشتغال، وما كان دأبه إلا فيما هو فيه من الأمر والنهى وتنفيذ الأمور؛ واتّهم السلطان بموته، والله أعلم بحاله.
وتوفى الشيخ المعتقد الصالح سعيد المغربى نزيل جامع الأزهر، به، فى يوم
стр. 5138
الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول، بعد أن جاور بجامع الأزهر عدة سنين.
وكان للناس فيه اعتقاد كبير، وله كرامات ويقصد للزيارة والتبرك بدعائه؛ زرته غير مرة، ومات وقد علا «١» سنه وطال مرضه، وترك نحو الألفى دينار ما بين ذهب وفضة وفلوس.
وتوفى الأمير سيف الدين أزدمر [بن عبد الله] «٢» من على جان الظاهرى المعروف بأزدمر شايا، فى سادس [شهر] «٣» ربيع الآخر، وهو أحد أمراء حلب بعد أن تنقل فى عدة إمريات بالشأم ومصر، وصار أمير مائة ومقدم ألف بديار مصر، ثم أخرج إلى نيابة ملطية، ثم نقل إلى إمرة بحلب إلى أن مات بها. وقد تقدم التعريف بحاله عند إخراجه من مصر فى ترجمة [الملك] «٤» الأشرف، ومات وسنّه نيف على خمسين سنة. وكان من سيئات «٥» الدهر: لم يشهر «٦» بدين ولا كرم ولا شجاعة ولا معرفة ولا عقل، مع كبر وجبروت وظلم وسوء خلق، وكان قصيرا نحيفا أصفر دميما حقيرا فى الأعين، وعدّ إخراجه من مصر [من] «٧» محاسن [الملك الأشرف] «٨» .
وتوفى الأمير [سيف الدين] «٩» كمشبغا [بن عبد الله] «١٠» الجمالى الظاهرى أحد أمراء الطبلخانات بطّالا، فى يوم الجمعة رابع جمادى الأولى، وقد علا سنه؛ وكان من أكابر المماليك الظاهرية [برقوق] «١١» وممن تأمّر فى أيام أستاذه. وكان تركى الجنس عاقلا فقيها ديّنا خيرا عفيفا عن المنكرات والفروج، وطالت أيامه فى الإمرة، وتولى نيابة قلعة الجبل فى الدولة الناصرية [فرج] «١٢» ، واستمرّ من جملة
стр. 5139
أمراء الطبلخانات فى صدر من الدولة الأشرفية [برسباى] «١» إلى أن أخرج [الملك] «٢» الأشرف إقطاعه، فلزم داره على أحسن وجه إلى أن مات وهو فى عشر «٣» الثمانين.
وتوفى الأمير الكبير سيف الدين يشبك بن عبد الله «٤» الساقى الظاهرى الأعرج «٥» أتابك العساكر بالديار المصرية، فى يوم السبت ثالث جمادى الآخرة؛ وكان أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق ومن أعيان خاصكيّته، وصار ساقيا فى أيام أستاذه الظاهر.
ثم ثار على الملك الناصر فى أيام تلك الفتن، ووقع له أمور وحروب انصاب فى بعضها بجرح أصابه، بطل منه شقته وصار يعرج منه عرجا فاحشا، ثم عوفى، وانتمى للأمير نوروز الحافظى إلى أن ولّاه نيابة قلعة حلب «٦» ، إلى أن أمسكه [الملك] «٧» المؤيد شيخ وحبسه بعد قتل نوروز؛ ثم نفاه إلى مكة بطّالا سنين عديدة، إلى أن استقدمه [الملك] «٨» الظاهر ططر [إلى القاهرة] «٩» ، ومات قبل أن ينعم عليه بإمرة؛ فأنعم عليه الملك الأشرف برسباى بإمرة مائة وتقدمة ألف عوضا عن قرمش الأعور دفعة واحدة، ثم صار أمير سلاح، ثم ولى أتابكية العساكر بعد الأمير قجق العيساوى، فاستمر على ذلك إلى أن مات [فى التاريخ المقدم ذكره] «١٠» .
وكان من رجال الدهر عقلا وحزما ودهاء «١١» ومعرفة وتدبيرا، مع مشاركة جيدة فى الفقه والقراءات «١٢» ، ومعرفة تامة بفنون الفروسية وأنواع الملاعيب، كالرمح
стр. 5140
والنّشاب وغيره، وكان يكتب المنسوب ويحفظ القرآن. وكانت نفسه تحدثه بأمور، فإنه كان يكثر من ذكر أخبار تيمور لنك وشدة بأسه لكونه كان أعرج «١» ، وقد صار أمره إلى ما صار، وهو الذي حسّن [للملك] «٢» الأشرف الاستيلاء على بندر جدة، والقبض على حسن بن عجلان، ولو عاش لحسّن له أخذ اليمن كله «٣» .
وتولى الأتابكية بعده الأمير جارقطلو [٥٤] الظاهرى «٤» .
وتوفى بدر الدين حسن كاتب سر دمشق وناظر جيشها، بها، فى يوم الأربعاء لستّ بقين من جمادى الآخرة؛ وكان أصله من سمرة دمشق، وخدم عند الأمير بكتمر جلّق نائب دمشق، ثم ترقّى إلى أن جمع له بين كتابة سر دمشق ونظر جيشها، بسفارة الأمير أزبك المحمدى الدوادار الكبير، كون أزبك كان متزوجا ببنت زوجته.
وتوفى الشيخ الإمام العالم المفنن شمس الدين محمد بن عبد الدائم بن موسى البرماوى الشافعى، أحد فقهاء الشافعية ومدرس المدرسة الصلاحية بالقدس الشريف، فى يوم الخميس ثانى عشرين جمادى الآخرة وقد أناف على ستين سنة، بعد ما أفتى وأشغل عدة سنين.
وتوفى القاضى بدر الدين حسن بن أحمد بن محمد البردينى الشافعى أحد نواب القضاة الشافعية «٥» ، فى يوم الاثنين خامس عشرين [شهر] «٦» رجب وقد أناف على الثمانين سنة، وكان قاضى سوء لم يشهر بعلم ولا دين.
أمر النيل [فى هذه السنة] «٧» : الماء القديم ثلاثة أذرع سواء، مبلغ الزيادة:
عشرون ذراعا سواء.
стр. 5141
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٣٢]
السنة الثامنة من سلطنة «١» الملك الأشرف برسباى [على مصر] «٢»
وهى سنة اثنين وثلاثين وثمانمائة:
[فيها] «٣» توفى الشيخ ناصر الدين محمد بن عبد الوهاب بن محمد البارنبارى «٤» الشافعى أحد فقهاء الشافعية، فى ليلة الأحد حادى عشر [شهر] «٥» ربيع الأول، وقد أناف على التسعين سنة، وكان بارعا فى الفقه وأصوله والعربية والحساب مشاركا فى عدة فنون، وخطب ودرّس وأفتى وأقرأ عدة سنين بدمياط والقاهرة.
وتوفى القاضى نور الدين على الصفّطى وكيل بيت المال وناظر الكسوة، فى ليلة الثلاثاء سلخ جمادى الآخرة، وكان يباشر الشهادة بديوان العلائى آقبغا التّمرازى أمير مجلس، وعند أستاذه تمراز من قبله.
وتوفى الشريف عجلان بن نعير بن منصور بن جمّاز بن منصور بن جماز بن حمّاد ابن شيحة بن هاشم بن قاسم بن مهنأ بن حسين بن مهنأ بن داود بن قاسم بن عبد الله ابن طاهر بن يحيى بن الحسين بن جعفر بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه، مقتولا فى ذى الحجة، بعدما ولى إمارة المدينة النبوية غير مرة.
وتوفى الأديب المعتقد نور الدين على بن عبد الله الشهير بابن عامرية، فى يوم
стр. 5142
الخميس سادس عشر [شهر] «١» ربيع الآخر بمدينة التحريرية بالغربية من أعمال القاهرة؛ وكان شاعرا أديبا مكثرا، وأكثر شعره فى المدائح النبوية.
وتوفى الواعظ المذكّر شهاب الدين أحمد بن عمر بن عبد الله المعروف بالشابّ التائب بدمشق، فى يوم الجمعة ثانى عشر [شهر] «٢» رجب عن نحو سبعين سنة؛ وكانت لديه فضيلة، ورحل إلى البلاد، وصحب المشايخ، ونظم الشعر على قاعدة الصوفية، وحصل له قبول تام من الناس.
وتوفى العبد الصالح شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أحمد الصوفى، بعد ما عمى بسنين، فى ليلة الثلاثاء ثالث عشر المحرم، ومولده فى سنة تسع وأربعين.
قال المقريزى: وهو أحد من صحبته من أهل العبادة والنسك، ورأس مدة، واتصل بالملك الظاهر برقوق، وولى نظر البيمارستان المنصورى بالقاهرة، وجال فى الأقطار ورحل إلى بغداد والحجاز واليمن والهند رحمه الله تعالى «٣» .
وتوفى الأمير شمس الدين محمد بن سعيد المعروف بسويدان، أحد أئمة السلطان، فى يوم الاثنين سابع صفر؛ وكان أبوه عبدا أسود، سكن القرافة وولد له ابنه هذا، وحفظ القرآن الكريم وقرأ مع الأجواق فأعجب الملك الظاهر برقوق صوته فجعله أحد أئمته، واستمر على ذلك إلى دولة [الملك] «٤» الناصر فرج فولاه حسبة القاهرة، ثم عزله بعد مدة فعاد كما كان أولا، يقرأ فى الأجواق عند الناس ويأخذ الأجرة على ذلك، وصار رئيس جوقة واستقرأته «٥» أنا كثيرا، وكان أسود اللون طوالا.
وتوفى الشيخ المعتقد [محمد بن عبد الله بن حسن بن الموّاز فى يوم الأحد حادى عشر ربيع الأول] «٦» .
стр. 5143
[وتوفى] «١» الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الله «٢» الشّطنوفى الشافعى فى ليلة الاثنين سادس عشرين [شهر] «٣» ربيع الأول وقد قارب الثمانين، وبرع فى الفقه والفرائض وغير ذلك ودرّس عدة سنين وانتفع به جماعة كبيرة من الطلبة.
وتوفى القاضى بدر الدين محمد بن محمد بن أحمد بن مزهر الدمشقى النابلسى كاتب السر [٥٥] الشريف بالديار المصرية، بها، فى ليلة الأحد سابع عشرين جمادى الآخرة عن نحو الخمسين سنة؛ وكان من بيت رئاسة، ولى أبوه كتابة سر دمشق، وباشر بدر الدين هذا كتابة الإنشاء بدمشق، واتصل بخدمة الأمير شيخ المحمودى نائب دمشق.
فلما قدم شيخ إلى مصر بعد قتل [الملك] «٤» الناصر فرج، قدم ابن مزهر هذا معه مع من قدم من الشاميين، ولما تسلطن شيخ ولّاه نظر الإسطبل السلطانى فدام على ذلك سنين، ثم ناب عن القاضى كمال الدين محمد بن البارزى فى كتابة السر، وقام بأعباء الديوان فى أيام علم الدين داؤد بن الكويز ومن بعده، إلى أن خلع عليه [السلطان الملك] «٥» الأشرف برسباى باستقراره كاتب السر [الشريف] «٦» بالديار المصرية، فباشر الوظيفة بحرمة وافرة، وأثرى «٧» وكثر ماله، إلى أن مات فى التاريخ المذكور.
قال: وخلف مالا كثيرا لطمع كان فيه وشح.
وتوفى الشريف خشرم بن دوغان «٨» بن جعفر بن هبة الله بن جمّاز بن منصور بن جمّاز بن شيحة الحسينى، أمير المدينة، مقتولا أيضا فى حرب فى ذى الحجة.
أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وسبعة أصابع، مبلغ الزيادة:
تسعة عشر ذراعا وستة عشر أصبعا.
стр. 5144
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٣٣]
السنة التاسعة من سلطنة «١» [الملك] «٢» الأشرف برسباى [على مصر] «٣» وهى سنة ثلاث وثلاثين [وثمانمائة] : «٤» فيها كان الطاعون العظيم الذي لم ندرك بمثله بمصر وقراها، بل وبغالب البلاد الشامية، حسبما ذكرناه فى ترجمة [الملك] «٥» الأشرف هذا فى وقته.
وكان هذا الطاعون أعظم من هذه الطواعين كلها وأفظعها، ولم يقع بالقاهرة ومصر بعد الطاعون العام الذي كان سنة تسع وأربعين وسبعمائة «٦» نظير هذا الطاعون؛ وخالف هذا الطاعون الطواعين الماضية فى أمور كثيرة، منها أنه وقع فى الشتاء وارتفع فى فصل الربيع، وكانت الطواعين تقع فى فصل الربيع وترتفع فى أوائل الصيف، وأشياء غير ذلك ذكرناها فى محلها «٧» .
[وفيها] «٨» توفى القاضى شرف الدين أبو الطيب محمد ابن القاضى تاج الدين
стр. 5145
عبد الوهاب بن نصر الله الغزّى الأصل، المصرى، فى ليلة الأربعاء سابع عشر ربيع الأول، ودفن بالصحراء، ومات بغير الطاعون «١» ؛ ومولده فى ليلة السبت حادى عشرين ذى القعدة سنة سبع وتسعين وسبعمائة، ونشأ بالقاهرة واشتغل يسيرا وخدم الأمير ططر موقّعا «٢» عدة سنين، فلما تسلطن رشحه لنظر الجيش فلم يتم له ذلك، وولى نظر الكسوة، ونظر أوقاف الأشراف، ثم نظر دار الضرب إلى أن مات. وكان شابا كريما وفيه محبة لأهل العلم والفضل «٣» والصلاح، إلا أنه كان فيه حدة «٤» مزاج وبادرة مع تدين وتحشّم.
وتوفى الأمير سيف الدين أزبك [بن عبد الله] «٥» المحمدى الظاهرى برقوق «٦» الدوادار الكبير، بالقدس بطّالا، فى يوم الثلاثاء سادس عشر [شهر] «٧» ربيع الأول؛ وهو أحد المماليك الظاهرية [برقوق] «٨» وترقّى إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف بدمشق، ثم قبض عليه [الملك] «٩» المؤيد شيخ بعد واقعة نوروز وحبسه سنين، إلى أن أطلقه فى أواخر دولته، وأنعم عليه بإقطاع هيّن بدمشق أمير عشرة.
فلما أن صار الأمر إلى [الأمير] «١٠» ططر أنعم عليه بإمرة طبلخاناة بديار مصر، ثم صار أمير مائة ومقدم ألف، ثم رأس نوبة النّوب بعد الأمير قصروه [من تمراز] «١١» فى
стр. 5146
أوائل الدولة الأشرفية، ثم نقل إلى الدوادارية الكبرى بعد سودون من عبد الرحمن، لما نقل إلى نيابة دمشق بعد عصيان تنبك البجاسى، فدام فى الدوادارية إلى أن أشيع عنه أنه يريد الوثوب على السلطان، ولم يكن لذلك صحة، فأخرجه السلطان إلى القدس بطّالا، ومسفرّه الأمير قراخجا الحسنى رأس نوبة، فدام بالقدس إلى أن مات.
وكان أميرا ضخما عاقلا حشما مهابا دينا عفيفا عن المنكرات والفروج، خليقا للإمارة، وهو أحد من تولى تربيتى ﵀ [تعالى] «١» ، ولقد كان به تجمّل فى الزمان وأهله.
وتوفى القاضى كريم الدين عبد الكريم بن سعد الدين بركة المعروف بابن كاتب جكم، ناظر الخاصّ [الشريف] «٢» فى ليلة الجمعة العشرين من [شهر] «٣» ربيع الأول بغير طاعون ودفن بالقرافة، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمنى؛ وتولى ابنه القاضى [٥٦] سعد الدين إبراهيم وظيفة نظر الخاص من بعده، وقد تطاول أعناق بنى نصر الله وغيرهم إلى الوظيفة فلم يلتفت السلطان إلى أحد، وولاها لسعد الدين المذكور.
وكان القاضى كريم الدين المذكور رئيسا حشما متواضعا كريما بشوشا هيّنا ليّنا ساكتا عاقلا، باشر فى ابتداء أمره استيفاء الدولة «٤» ، ثم نظر الدولة «٥» ، وغيرهما من خدم أعيان الأمراء، آخرهم [الملك] «٦» الأشرف برسباى، إلى أن طلبه [السلطان الملك] «٧» الأشرف وولاه نظر الخاص [الشريف] «٨» بعد عزل الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله عنها، واستقراره أستادارا، فى يوم الاثنين ثانى عشر جمادى الأولى سنة
стр. 5147
ثمان وعشرين وثمانمائة، وكان ذلك آخر عهد بنى نصر الله بهذه الوظيفة. واستقر فى نظر الدولة من بعده أمين الدين إبراهيم بن الهيصم.
وباشر القاضى كريم الدين الوظيفة بحرمة وافرة، ونالته السعادة وعظم فى الدولة وأثرى، ومشى حال الخاص فى أيامه، حتى قيل إنه منذ ولى الخاص إلى أن توفى لم يبطل الواصل عنه يوما واحدا، مبالغة فى إقبال سعده وتيامن الناس بولايته، ومات من غير نكبة [رحمه الله تعالى] «١» .
وتوفى الأمير [سيف الدين] «٢» كمشبغا بن عبد الله الفيسى المزوّق الظاهرى منفيا بدمشق، فى رابع عشر [شهر] «٣» ربيع الآخر وقد ناهز الستين سنة من العمر؛ وأصله من مماليك [الملك] «٤» الظاهر برقوق، ورقاه [الملك] «٥» الناصر فرج إلى أن جعله أمير آخور كبيرا مدة يسيرة، ثم عزله [الملك] «٦» الناصر أيضا، ثم وقع له أمور وانحطّ قدره فى دولة [الملك] «٧» الأشرف برسباى، وتولى كشف البر، وساءت «٨» سيرته من كثرة ظلمه وقلة دينه مع الإسراف على نفسه؛ وفى الجملة فمستراح منه ومن مساوئه.
وتوفى السيد الشريف على بن عنان بن مغامس بن رميثة، تقدّم أن اسم رميثة منجد بن أبى نمىّ، وقد ذكرنا بقية نسبه فى ترجمة الشريف حسن بن عجلان وغيره، [فلينظر هناك] «٩» . وكانت وفاته بقلعة الجبل فى يوم الأحد ثالث جمادى الآخرة بالطاعون، وكانت لديه فضيلة، ويذاكر [ب] «١٠» الشعر وغيره.
وتوفى الأمير الكبير سيف الدين بيبغا بن عبد الله المظفّرى، وهو أمير مجلس، فى ليلة الأربعاء سادس جمادى الآخرة بالطاعون، وهو أحد أعيان المماليك الظاهرية
стр. 5148
[برقوق] «١» وممن ترقى فى الدولة الناصرية [فرج] «٢» حتى صار أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، وصار من يوم ذاك «٣» ينتقل فى الإمرة «٤» والحبوس شاما ومصرا وإسكندرية، فكان حاله أشبه بقول القائل: [المتقارب]
[و] «٥» يوم سمين ويوم هزيل ... ويوم أمرّ من الحنظله
وليل «٦» أبيت جليس الملوك ... وليل «٧» أبيت على مزبله
إلى أن خلع عليه الأشرف [برسباى] «٨» باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية بعد الأمير طرباى، فأقام على ذلك نحو ثلاث سنين أو دونها، وقبض عليه [الملك] «٩» الأشرف وحبسه أيضا بالإسكندرية، وذلك لبادرة كانت فيه، ومخاشنة فى كلامه مع الملوك، مع سلامة الباطن، ولذلك كان كثيرا ما يحبس ثم يفرج عنه.
وقد تقدم التعريف بحاله عندما أمسكه [الملك] «١٠» الأشرف «١١» فى أصل ترجمة الأشرف «١٢» مستوفاة، فدام بيبغا المذكور فى السجن مدة طويلة، ثم أطلقه السلطان «١٣» وسيّره إلى دمياط بطّالا، ثم نقله إلى القدس فلم تطل مدته، وطلبه السلطان «١٤» وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف، وخلع عليه باستقراره أمير مجلس.
ولما ولى إمرة مجلس، صار يقعد على ميسرة السلطان فوق أمير سلاح، مراعاة لما سبق له من الرئاسة من الأتابكية وغيرها، وكون أمير سلاح كان الأمير إينال الجكمى
стр. 5149
- أحد السّيفيّة «١» - ينظره فى عينه أنه مملوك بعض خجدا شيّته «٢» . وكان بيبغا «٣» أميرا جليلا شجاعا مهابا مقداما، مع كرم وسلامة باطن وفحش فى خطابه، [من غير سفه على عادة جنس الأتراك، ومع هذا كله كان فيه دعابة حلوة يحتمل بها فحش خطابه وانحرافه] «٤» ، وهو أعظم من رأيناه من الملوك فى أبناء جنسه [﵀] «٥» .
وتوفى الأمير سيف الدين بردبك [السيفى] «٦» يشبك بن أزدمر المعروف بالأمير آخور، وهو أحد مقدمى الألوف بالديار المصرية فى يوم الأحد «٧» عاشر جمادى الآخرة بالطاعون، وهو فى الكهولية، وكان «٨» خدم بعد موت أستاذه يشبك ابن أزدمر [٥٧] عند «٩» الأمير ططر وصار أمير آخوره، فلما تسلطن ولّاه الأمير آخورية الثانية بإمرة طبلخانة دفعة واحدة، ودام على ذلك سنين إلى أن نقله [الملك] «١٠» الأشرف إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية؛ فدام على ذلك إلى أن مات.
وكان شابا أشقر مليح الشكل حلو الوجه معتدل القامة عاقلا حشما ساكتا كريما متواضعا وقورا، قل أن ترى العيون مثله، وهو والد صاحبنا الزينى فرج ابن بردبك أحد الحجاب بالديار المصرية.
(النجوم الزاهرة ج ١٥)
стр. 5150
وتوفى المقام الناصرى محمد ابن السلطان [الملك] «١» الأشرف برسباى [صاحب الترجمة] «٢» فى يوم الثلاثاء سادس عشرين جمادى الأولى بالطاعون وقد ناهز الاحتلام، ودفن بمدرسة والده الأشرفية بخط العنبريين من القاهرة، وأمه خوند فاطمة من أولاد تجار القرم «٣» ، وكانت قبل [الملك] «٤» الأشرف تحت أستاذه الأمير دقماق المحمدى.
وكان المقام الناصرى [المذكور] «٥» من أحسن الناس شكلا، تظهر فيه مخايل النجابة والسكون والعقل.
وتوفى المقام الناصرى محمد ابن السلطان الملك الناصر فرج ابن [السلطان الملك الظاهر] «٦» برقوق ابن [الأمير] «٧» أنص [الجاركسى] «٨» بسجن الإسكندرية فى يوم الاثنين حادى عشرين جمادى الآخرة بالطاعون، وله من العمر إحدى وعشرون سنة، وأمه أم ولد مولّدة تسمى عاقولة، ودفن بالإسكندرية ثم نقل منها إلى تربة جده بالصحراء فيما أظن.
وتوفى الشيخ الإمام العالم العلامة، فريد عصره ووحيد دهره، نظام الدين يحيى ابن العلامة سيف الدين يوسف بن محمد بن عيسى السيرامى الحنفى شيخ الشيوخ بالمدرسة الظاهرية البرقوقية، فى جمادى الآخرة «٩» بالطاعون، وتولى مشيخة الظاهرية من بعده ولده عضد الدين عبد الرحمن، أخذها عن أبيه، وكان أبوه أخذها عن أبيه أيضا. وكان الشيخ نظام الدين إماما مفننا بارعا فى المعقول والمنقول عارفا بالمنطوق والمفهوم، مشاركا فى فنون كثيرة، وأفتى ودرّس وأشغل سنين عديدة إلى أن مات.
وتوفى السلطان الملك الصالح محمد ابن [السلطان] «١٠» الملك الظاهر ططر، والسلطان الملك
следующие страницы →