← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

أوائل الدولة الأشرفية، ثم نقل إلى الدوادارية الكبرى بعد سودون من عبد الرحمن، لما نقل إلى نيابة دمشق بعد عصيان تنبك البجاسى، فدام فى الدوادارية إلى أن أشيع عنه أنه يريد الوثوب على السلطان، ولم يكن لذلك صحة، فأخرجه السلطان إلى القدس بطّالا، ومسفرّه الأمير قراخجا الحسنى رأس نوبة، فدام بالقدس إلى أن مات. وكان أميرا ضخما عاقلا حشما مهابا دينا عفيفا عن المنكرات والفروج، خليقا للإمارة، وهو أحد من تولى تربيتى ﵀ [تعالى] «١» ، ولقد كان به تجمّل فى الزمان وأهله. وتوفى القاضى كريم الدين عبد الكريم بن سعد الدين بركة المعروف بابن كاتب جكم، ناظر الخاصّ [الشريف] «٢» فى ليلة الجمعة العشرين من [شهر] «٣» ربيع الأول بغير طاعون ودفن بالقرافة، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمنى؛ وتولى ابنه القاضى [٥٦] سعد الدين إبراهيم وظيفة نظر الخاص من بعده، وقد تطاول أعناق بنى نصر الله وغيرهم إلى الوظيفة فلم يلتفت السلطان إلى أحد، وولاها لسعد الدين المذكور. وكان القاضى كريم الدين المذكور رئيسا حشما متواضعا كريما بشوشا هيّنا ليّنا ساكتا عاقلا، باشر فى ابتداء أمره استيفاء الدولة «٤» ، ثم نظر الدولة «٥» ، وغيرهما من خدم أعيان الأمراء، آخرهم [الملك] «٦» الأشرف برسباى، إلى أن طلبه [السلطان الملك] «٧» الأشرف وولاه نظر الخاص [الشريف] «٨» بعد عزل الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله عنها، واستقراره أستادارا، فى يوم الاثنين ثانى عشر جمادى الأولى سنة

стр. 5147

ثمان وعشرين وثمانمائة، وكان ذلك آخر عهد بنى نصر الله بهذه الوظيفة. واستقر فى نظر الدولة من بعده أمين الدين إبراهيم بن الهيصم. وباشر القاضى كريم الدين الوظيفة بحرمة وافرة، ونالته السعادة وعظم فى الدولة وأثرى، ومشى حال الخاص فى أيامه، حتى قيل إنه منذ ولى الخاص إلى أن توفى لم يبطل الواصل عنه يوما واحدا، مبالغة فى إقبال سعده وتيامن الناس بولايته، ومات من غير نكبة [رحمه الله تعالى] «١» . وتوفى الأمير [سيف الدين] «٢» كمشبغا بن عبد الله الفيسى المزوّق الظاهرى منفيا بدمشق، فى رابع عشر [شهر] «٣» ربيع الآخر وقد ناهز الستين سنة من العمر؛ وأصله من مماليك [الملك] «٤» الظاهر برقوق، ورقاه [الملك] «٥» الناصر فرج إلى أن جعله أمير آخور كبيرا مدة يسيرة، ثم عزله [الملك] «٦» الناصر أيضا، ثم وقع له أمور وانحطّ قدره فى دولة [الملك] «٧» الأشرف برسباى، وتولى كشف البر، وساءت «٨» سيرته من كثرة ظلمه وقلة دينه مع الإسراف على نفسه؛ وفى الجملة فمستراح منه ومن مساوئه. وتوفى السيد الشريف على بن عنان بن مغامس بن رميثة، تقدّم أن اسم رميثة منجد بن أبى نمىّ، وقد ذكرنا بقية نسبه فى ترجمة الشريف حسن بن عجلان وغيره، [فلينظر هناك] «٩» . وكانت وفاته بقلعة الجبل فى يوم الأحد ثالث جمادى الآخرة بالطاعون، وكانت لديه فضيلة، ويذاكر [ب] «١٠» الشعر وغيره. وتوفى الأمير الكبير سيف الدين بيبغا بن عبد الله المظفّرى، وهو أمير مجلس، فى ليلة الأربعاء سادس جمادى الآخرة بالطاعون، وهو أحد أعيان المماليك الظاهرية

стр. 5148

[برقوق] «١» وممن ترقى فى الدولة الناصرية [فرج] «٢» حتى صار أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، وصار من يوم ذاك «٣» ينتقل فى الإمرة «٤» والحبوس شاما ومصرا وإسكندرية، فكان حاله أشبه بقول القائل: [المتقارب] [و] «٥» يوم سمين ويوم هزيل ... ويوم أمرّ من الحنظله وليل «٦» أبيت جليس الملوك ... وليل «٧» أبيت على مزبله إلى أن خلع عليه الأشرف [برسباى] «٨» باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية بعد الأمير طرباى، فأقام على ذلك نحو ثلاث سنين أو دونها، وقبض عليه [الملك] «٩» الأشرف وحبسه أيضا بالإسكندرية، وذلك لبادرة كانت فيه، ومخاشنة فى كلامه مع الملوك، مع سلامة الباطن، ولذلك كان كثيرا ما يحبس ثم يفرج عنه. وقد تقدم التعريف بحاله عندما أمسكه [الملك] «١٠» الأشرف «١١» فى أصل ترجمة الأشرف «١٢» مستوفاة، فدام بيبغا المذكور فى السجن مدة طويلة، ثم أطلقه السلطان «١٣» وسيّره إلى دمياط بطّالا، ثم نقله إلى القدس فلم تطل مدته، وطلبه السلطان «١٤» وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف، وخلع عليه باستقراره أمير مجلس. ولما ولى إمرة مجلس، صار يقعد على ميسرة السلطان فوق أمير سلاح، مراعاة لما سبق له من الرئاسة من الأتابكية وغيرها، وكون أمير سلاح كان الأمير إينال الجكمى

стр. 5149

- أحد السّيفيّة «١» - ينظره فى عينه أنه مملوك بعض خجدا شيّته «٢» . وكان بيبغا «٣» أميرا جليلا شجاعا مهابا مقداما، مع كرم وسلامة باطن وفحش فى خطابه، [من غير سفه على عادة جنس الأتراك، ومع هذا كله كان فيه دعابة حلوة يحتمل بها فحش خطابه وانحرافه] «٤» ، وهو أعظم من رأيناه من الملوك فى أبناء جنسه [﵀] «٥» . وتوفى الأمير سيف الدين بردبك [السيفى] «٦» يشبك بن أزدمر المعروف بالأمير آخور، وهو أحد مقدمى الألوف بالديار المصرية فى يوم الأحد «٧» عاشر جمادى الآخرة بالطاعون، وهو فى الكهولية، وكان «٨» خدم بعد موت أستاذه يشبك ابن أزدمر [٥٧] عند «٩» الأمير ططر وصار أمير آخوره، فلما تسلطن ولّاه الأمير آخورية الثانية بإمرة طبلخانة دفعة واحدة، ودام على ذلك سنين إلى أن نقله [الملك] «١٠» الأشرف إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية؛ فدام على ذلك إلى أن مات. وكان شابا أشقر مليح الشكل حلو الوجه معتدل القامة عاقلا حشما ساكتا كريما متواضعا وقورا، قل أن ترى العيون مثله، وهو والد صاحبنا الزينى فرج ابن بردبك أحد الحجاب بالديار المصرية. (النجوم الزاهرة ج ١٥)

стр. 5150

وتوفى المقام الناصرى محمد ابن السلطان [الملك] «١» الأشرف برسباى [صاحب الترجمة] «٢» فى يوم الثلاثاء سادس عشرين جمادى الأولى بالطاعون وقد ناهز الاحتلام، ودفن بمدرسة والده الأشرفية بخط العنبريين من القاهرة، وأمه خوند فاطمة من أولاد تجار القرم «٣» ، وكانت قبل [الملك] «٤» الأشرف تحت أستاذه الأمير دقماق المحمدى. وكان المقام الناصرى [المذكور] «٥» من أحسن الناس شكلا، تظهر فيه مخايل النجابة والسكون والعقل. وتوفى المقام الناصرى محمد ابن السلطان الملك الناصر فرج ابن [السلطان الملك الظاهر] «٦» برقوق ابن [الأمير] «٧» أنص [الجاركسى] «٨» بسجن الإسكندرية فى يوم الاثنين حادى عشرين جمادى الآخرة بالطاعون، وله من العمر إحدى وعشرون سنة، وأمه أم ولد مولّدة تسمى عاقولة، ودفن بالإسكندرية ثم نقل منها إلى تربة جده بالصحراء فيما أظن. وتوفى الشيخ الإمام العالم العلامة، فريد عصره ووحيد دهره، نظام الدين يحيى ابن العلامة سيف الدين يوسف بن محمد بن عيسى السيرامى الحنفى شيخ الشيوخ بالمدرسة الظاهرية البرقوقية، فى جمادى الآخرة «٩» بالطاعون، وتولى مشيخة الظاهرية من بعده ولده عضد الدين عبد الرحمن، أخذها عن أبيه، وكان أبوه أخذها عن أبيه أيضا. وكان الشيخ نظام الدين إماما مفننا بارعا فى المعقول والمنقول عارفا بالمنطوق والمفهوم، مشاركا فى فنون كثيرة، وأفتى ودرّس وأشغل سنين عديدة إلى أن مات. وتوفى السلطان الملك الصالح محمد ابن [السلطان] «١٠» الملك الظاهر ططر، والسلطان الملك

стр. 5151

المظفّر أحمد ابن [السلطان] «١» الملك المؤيد شيخ، والخليفة المستعين بالله العباسى، الثلاثة بالطاعون، كلاهما فى إسكندرية، والصالح بقلعة الجبل، وقد تقدم ذكر ذلك فى ترجمتهم غير أننا ذكرناهم هنا فى «٢» جملة من مات بالطاعون، ولهذا لم يحرر يوم وفاتهم لأنه تقدم [- انتهى] «٣» . وتوفى الأمير الطواشى زين الدين مرجان «٤» الهندى المسلمى خازندار [الملك] «٥» المؤيد شيخ بالطاعون فى سادس جمادى الآخرة، وكان أصله من خدام التاجر ابن مسلم المصرى «٦» ، ثم اتصل بخدمة [الملك] «٧» المؤيد شيخ «٨» أيام إمرته واختص به، فلما تسلطن جعله خازندارا، ثم أمره بالتكلم فى وظيفة نظر الخاص عوضا عن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله فتكلّم عليها أياما. ومات المؤيد، وأعيد ابن نصر الله، ثم ولّاه الأمير ططر زماما بعد «٩» أن قبض عليه بدمشق، ثم أطلقه، فدام فى وظيفة الزمامية إلى أن عزله [الملك] «١٠» الأشرف برسباى ونكبه وصادره «١١» فتخومل «١٢» ولزم داره إلى أن مات. وكان من المهملين أرباب الحظوظ. وتوفى الأمير زين الدين عبد القادر ابن الأمير فخر الدين عبد الغنى ابن الوزير

стр. 5152

تاج الدين عبد الرزّاق بن أبى الفرج، بعد ما عزل عن الأستادارية، فى يوم الأربعاء سابع جمادى الآخرة بالطاعون، ودفن على أبيه بمدرسته ببين السورين «١» خارج القاهرة. وكان شابا جميلا عاقلا ساكنا قليل الشر بالنسبة إلى آبائه وأقاربه، كثير الشر بالنسبة إلى غيرهم. باشر الأستادارية بقلة حرمة وعدم التفات أهل الدولة إليه، وقاسى فى مباشرته خطوب الدهر ألوانا من العجز والقلّ وبيع موجوده وأملاكه، إلى أن أعفى فلم تطل أيامه ومات. وتوفى السيد الشريف شهاب الدين أحمد «٢» بن علاء الدين على بن إبراهيم بن عدنان الحسينى الدمشقى، كاتب السر الشريف بالديار المصرية، فى ليلة الخميس ثامن جمادى الآخرة بالطاعون، ومولده فى شوال سنة أربع وسبعين وسبعمائة بدمشق وبها نشأ، وتولى عدة وظائف بدمشق مثل كتابة السر [٥٨] وقضاء الشافعية ونظر الجيش، ثم طلب إلى مصر وولى كتابة سرها فلم تطل أيامه ومات. وتولى أخوه الشريف عماد الدين أبو بكر كتابة السر من بعده، فركب إلى القلعة ثم مرض من يومه قبل أن يلبس خلعة كتابة السر، ومات بالطاعون أيضا فى ليلة الجمعة ثالث عشر شهر رجب ولم يبلغ الأربعين سنة، وكان أحسن سيرة من أخيه شهاب الدين صاحب الترجمة. وتوفى السيد الشريف سرداج بن مقبل بن نخبار «٣» بن مقبل بن محمد بن راجح ابن إدريس بن حسن بن قتادة بن إدريس، ومن هنا يعرف نسبه من نسب حسن ابن عجلان؛ مات فى أواخر جمادى الآخرة بالطاعون. وتوفى الأمير الطواشى افتخار الدين ياقوت بن عبد الله الأرغونى «٤» شاوى الحبشى مقدم المماليك السلطانية بالطاعون، فى يوم الاثنين ثانى [شهر] «٥» رجب

стр. 5153

ودفن بتربته التى أنشأها بالصحراء، وتولى عوضه التقدمة نائبه خشقدم اليشبكى الرومى، وتولى نيابة المقدم الطواشى فيروز الركنى الرومى الجمدار. وأصل ياقوت هذا من خدام الأمير أرغون شاه أمير مجلس الظاهر برقوق، تنقل فى الخدم إلى أن صار مقدم المماليك السلطانية، وكان ديّنا خيّرا جميل الطريقة محمود السيرة، سافر أمير حاجّ المحمل مرتين رحمه الله تعالى. وتوفى الأمير سيف الدين يشبك بن عبد الله أخو الملك الأشرف برسباى فى رابع [شهر] «١» رجب بالطاعون ودفن بالتربة الأشرفية، بعد أن صار من جملة أمراء الألوف أياما؛ فإن السلطان كان أنعم عليه فى أول قدومه إلى مصر فى حدود سنة ثلاثين وثمانمائة بإمرة طبلخاناة دفعة واحدة، فدام على ذلك إلى أن توفى الأمير بردبك الأمير آخور المقدم ذكره بالطاعون، فأنعم «٢» على يشبك هذا بتقدمته فمات هو أيضا بعد أيام، وقد تقدم فى أصل ترجمة [الملك] «٣» الأشرف ذكر هذا الطاعون وعظمه، وأنه كان ينتقل على الإقطاع الواحد الخمسة والستة من المماليك فى مدة يسيرة، والكل يموتون «٤» بالطاعون [- انتهى] «٥» . وأظن يشبك «٦» أنه كان أسنّ من السلطان الأشرف، فإنه لما استقدمه من بلاده مع جملة أقاربه «٧» قام له واعتنقه، وعرض عليه الإسلام فأسلم وحسن إسلامه، وكان لا بأس به فى أمثاله مع قصر مدة إقامته بالديار المصرية. وتوفى الشيخ نصر الله بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل العجمى الحنفى، فى ليلة الجمعة سادس [شهر] «٨» رجب وهو فى عشر الثمانين. وكان جميل الهيئة مقربا من خواطر الملوك، ورشح لكتابة السر، وكان يكتب المنسوب ويتكلم فى علم التصوف

стр. 5154

على طريق ابن عربى، ويعرف علم الحرف «١» على زعمه، مع مشاركة فى فنون، وصحب الوالد مدة، وهو الذي نوه بذكره وأنعم عليه برزقة «٢» هائلة، وهى التى «٣» أوقفها نصر الله المذكور على داره التى «٤» جعلها بعد موته مدرسة بالقرب من خان الخليلى بالقاهرة. وتوفى القاضى فخر الدين ماجد- ويدعى أيضا «٥» عبد الله بن السّديد أبى الفضائل بن سناء الملك- المعروف بابن المزوّق، فى ليلة الخميس ثانى عشر [شهر] «٦» رجب، بعد أن تولى نظر الجيش، ثم كتابة السر بالديار المصرية فى دولة [الملك] «٧» الناصر فرج، بسفارة سعد الدين إبراهيم بن غراب، ثم عزل وتولى نظر الإسطبل

стр. 5155

السلطانى ثم عزله عنه أيضا، وانحطّ قدره فى الدولة إلى أن نكبه [السلطان] «١» الملك الأشرف وأمسكه وضربه بالمقارع بسبب الأتابك جانبك الصوفى، وقاسى بسببه أهوالا «٢» ثم لزم داره على أقبح حالة من الخوف والرجيف إلى أن مات. وتوفى الشيخ الإمام العالم الفقيه زين الدين أبو بكر بن عمر بن عرفات القمنىّ «٣» الشافعى العالم المشهور، فى ليلة الجمعة ثالث عشر [شهر] «٤» رجب بالطاعون عن ثمانين سنة؛ وكان من أعيان فقهاء الشافعية وفضلائهم، وله سمعة وصيت وترداد للأكابر، وأفتى ودرّس بعدة مدارس سنين [كثيرة] «٥» . وتوفى الأمير سيف الدين هابيل بن عثمان المدعو قرايلك بن طرعلى التركمانى الأصل بسجنه بقلعة الجبل، فى يوم الجمعة ثالث عشر [شهر] «٦» رجب المذكور. وكان قبض على هابيل [٥٩] هذا وهو نائب لأبيه قرايلك بمدينة الرّها فى واقعة بين العساكر المصرية وبينه، حسبما تقدم ذكره كله فى أصل هذه الترجمة. ولما قبض عليه حمل إلى القاهرة فحبسه [الملك] «٧» الأشرف بالبرح بقلعة الجبل، إلى أن مات بالطاعون بعد أن سأل أبوه السلطان فى إطلاقه غير مرة. وتوفى الشيخ الإمام العالم العلامة صدر الدين أحمد ابن القاضى جمال الدين محمود ابن محمد بن عبد الله القيصرى الحنفى المعروف بابن العجمى، شيخ الشيوخ بخانقاه شيخون، فى يوم السبت رابع عشر [شهر] «٨» رجب بالطاعون، بعد أن ولى نظر

стр. 5156

جيش دمشق وحسبة القاهرة غير مرة، وعدة وظائف دينية، ودرّس بعدة مدارس آخرها استقراره فى مشيخة الشيخونية وتدريسها. وكان إماما بارعا فاضلا فقيها نحويا مفننا فى علوم كثيرة، معدودا من علماء الحنفية، مع الذكاء «١» وحسن التصور وجودة الفهم، رحمه الله تعالى. وتوفى القاضى جلال الدين محمد ابن القاضى بدر الدين محمد بن مزهر فى يوم الاثنين سادس عشرين [شهر] «٢» رجب ولم يبلغ العشرين سنة من العمر، وكان ولى كتابة السر بالديار المصرية [بعد وفاة أبيه أشهرا صورة، والقاضى شرف الدين أبو بكر بن العجمى نائب كاتب السر] «٣» هو المتكفل بمهمات ديوان الإنشاء، إلى أن عزله السلطان وخلع عليه بعد مدة بتوقيع المقام الناصرى محمد ابن السلطان، فماتا جميعا فى هذا الطاعون. وكان جلال الدين [المذكور] «٤» من أحسن الشباب شكلا «٥» . وتوفى القاضى زين الدين محمد بن شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الملك الدميرى المالكى فى يوم الأربعاء ثالث شعبان، بعدما ولى حسبة القاهرة ونظر البيمارستان المنصورى؛ وكان معدودا من الرؤساء. وتوفى شمس الدين محمد بن المعلمة السكندرى المالكى فى سابع شعبان، وكان يشارك فى العربية وغيرها؛ وولى حسبة القاهرة فى وقت، وكان مسرفا على نفسه. وتوفى الأمير مدلج بن علىّ بن نعير بن حيّار بن مهنّا أمير آل فضل مقتولا فى ثانى شوال بظاهر حلب.

стр. 5157

وتوفيت خوند هاجر- زوجة [الملك] «١» الظاهر برقوق وبنت الأتابك منكلى بغا الشّمسى- فى رابع [شهر] «٢» رجب، وكانت تعرف بخوند الكعكبين، [لسكنها بخط الكعكيين بالقاهرة] «٣» وأمها خوند فاطمة بنت [الملك] «٤» الأشرف شعبان [بن حسين بن محمد بن قلاوون] «٥» وماتت وهى أعظم نساء عصرها رئاسة وعراقة. وتوفى القاضى تقي الدين يحيى ابن العلامة شمس الدين محمد الكرمانى الشافعى فى يوم الخميس ثانى عشرين جمادى الآخرة، وكان بارعا فى عدة فنون. وقدم من بغداد قبيل سنة ثمان مائة ومعه شرح أبيه على صحيح البخارى، ثم صحب [الملك] «٦» المؤيد شيخ أيام تلك الفتن، وسافر «٧» معه إلى طرابلس وغيرها وتقلب معه فى سائر تقلباته، ثم قدم معه القاهرة، فلما تسلطن أقره فى نظر البيمارستان [المنصورى] «٨» ، وكان ثقيل السمع، ثم عزل ولزم داره حتى مات. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وثلاثة أصابع؛ مبلغ الزيادة عشرون ذراعا ونصف ذراع.

стр. 5158

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٣٤] السنة العاشرة من سلطنة الملك الأشرف برسباى [على مصر] «١» وهى سنة أربع وثلاثين وثمانمائة. [فيها] «٢» توفى الأمير شهاب الدين أحمد الدوادار نائب الإسكندرية المعروف بابن الأقطع، بعد أن قدم القاهرة مريضا فى يوم الأحد تاسع جمادى الآخرة، وكان أبوه أوجاقيّا فى الإسطبل السلطانى، وقيل بل كان أقطع «٣» يتكسب بالتّكدّى «٤» ، وهو الأقرب. ونشأ ابنه أحمد هذا تبعا عند بعض الأجناد، ثم ترقى حتى خدم جنديا عند جماعة من الأمراء، إلى أن صار دوادارا ثانيا عند الأمير على باى المؤيدى، ثم اتصل بخدمة [الملك] «٥» الأشرف وصار عنده دوادارا، فلما تسلطن جعله من جملة الدوادارية الصغار، واختص بالسلطان ونالته السعادة، ثم أمّره عشرة وجعله زرد كاشا «٦» كبيرا، ثم نقله إلى نيابة الإسكندرية بعد عزل آقبغا التّمرازى فلم تطل مدته ومات بعد مرض طويل. ولم أدر لأى معنى كانت خصوصية أحمد هذا وعلىّ بن فحيمة السّلاخورى «٧» بالسلطان، [٦٠] مع ما اشتملا عليه من الجهل المفرط وقبح الشكالة ودناوة الأصل. وكان

стр. 5159

على السّلاخورى يبدل القاف بالهمزة كما هى عادة أو باش الناس «١» من العامة، وكان أحمد إذا تكلم أيضا يتلغّط بألفاظ العامة السوقة. وقد جالسته بالخدمة السلطانية كثيرا فلم أجد له معرفة بفن من الفنون ولا علم من العلوم، وكان إذا أخذ يتلاطف ويتذاوق يصحّف ويقول: بتسرد شىّ؟ فأعرّفه- فيما بينى وبينه- بأنه يقول: تسرت، وأوضّح له [أنها] «٢» تصحيفة تشرب، فيفهمها بعد جهد كبير. ثم إذا طال الأمر ينساها ويقولها أيضا بالدال، وأظنه «٣» دام على ذلك إلى أن مات. ومع هذا كان فى نفسه أمور، وله دعاوى بالعرفان والتّمعقل، لا سيما إذا تمثل بأمثال العامة السافلة، فيتعجب من ذلك الأتراك، ويثنى على ذوقه ومعرفته وغزير علمه وحسن تأديه فى الخطاب، وأولهم [السلطان الملك] «٤» الأشرف برسباى «٥» فإنه كان كثيرا ما يقتدى برأيه ويفاتحه فى الكلام، فيكلم أحمد فى أمور المملكة بكلام لا يعرف هو معناه، ويسكت من عداه من أرباب [الدولة و] «٦» المعرفة، فأذكر أنا عند ذلك قول أبى العلاء المعرى حيث قال: [الطويل] فوا عجبا كم يدّعى الفضل ناقص «٧» ... ووا أسفا كم يدّعى النّقص فاضل «٨» وتوفى الشيخ الإمام العالم المفنن مجد الدين إسماعيل بن أبى الحسن على بن عبد الله البرماوى الشافعى، فى يوم الأحد خامس عشر [شهر] «٩» ربيع الآخر، عن أربع وثمانين سنة. وكان إماما فى الفقه والعربية والأصول وعدة فنون، وتصدى للإقراء والتدريس عدة سنين.

стр. 5160

وتوفى الصاحب الوزير تاج الدين عبد الرزاق بن إبراهيم بن الهيصم، فى يوم الخميس العشرين من ذى الحجة، بعد ما ولى الوزارة والأستادارية ونظر ديوان المفرد مرارا عديدة، وهو من بيت كبير فى الكتبة قبل إنهم من ذريّة المقوقس صاحب مصر قبل الإسلام، والله أعلم. وتوفى الشيخ سراج الدين عمر بن منصور البهادرى الفقيه الطبيب الحنفى فى يوم السبت ثانى عشر شوال، بعد ما برع فى الفقه والنحو وانتهت إليه الرئاسة فى الطب، وناب فى الحكم عن القضاة الحنفية بالقاهرة؛ ومات ولم يخلف بعده مثله فى التقدم فى علم الطب ومتونه. وتوفى القاضى برهان الدين إبراهيم بن علىّ بن إسماعيل- المعروف بابن الظريف- أمين الحكم بالقاهرة، فى يوم السبت خامس شوال عن نحو ستين سنة؛ وكان معدودا من بياض الناس «١» . أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وثلاثة أصابع؛ مبلغ الزيادة عشرون ذراعا، وكان الوفاء ثامن عشرين أبيب قبل مسرى بيومين، وهذا من خرق العادة؛ فسبحانه «٢» يفعل ما يشاء ويختار «٣» .

стр. 5161

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٣٥] السنة الحادية عشر [ة] من سلطنة الملك الأشرف برسباى [على مصر] «١» وهى سنة خمس وثلاثين وثمانمائة. [فيها] «٢» توفى القاضى شرف الدين عيسى بن محمد بن عيسى الأقفهسى «٣» الشافعى، أحد عظماء نواب الحكم بالديار المصرية، فى ليلة الجمعة سادس عشرين جمادى الآخرة. ومولده فى سنة خمسين «٤» وسبعمائة؛ وكان إماما فقيها بارعا فى الفقه وفروعه مشاركا فى عدة فنون، وتولى الحكم عن قاضى «٥» القضاة عماد الدين الكركى فى سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة؛ وشكرت سيرته وحمدت طريقته لتحريه فى الأحكام، ولعفته عما «٦» يرمى به قضاة السوء «٧» ، ولقد شاهدت منه من التثبت فى أحكامه ما لم أشاهده من قضاة «٨» زماننا، ﵀ [تعالى] «٩» . وتوفى السلطان حسين بن علاء الدولة ابن السلطان أحمد بن أويس، قتيلا بيد الكافر أصبهان بن قرا يوسف التركمانى فى ثالث صفر، بعد أن حصره سبعة أشهر، حتى أخذه وقتله، وانقرضت بقتله دولة بنى أويس الأتراك من العراق «١٠» وصار عراقا «١١» العرب والعجم بيد إسكندر بن قرا يوسف وإخوته، وهم كانوا سببا لخراب

стр. 5162

تلك الممالك التى كانت كرسى الإسلام ومنبع العلوم، أعنى بنى قرا يوسف. وتوفى القاضى شهاب الدين أحمد ابن القاضى صلاح الدين صالح بن أحمد بن عمر المعروف [٦١] بابن السّفّاح الحلبى الشافعى، كاتب سر حلب ثم كاتب سر مصر وبها مات، فى ليلة الأربعاء رابع عشر [شهر] «١» رمضان عن ثلاث وستين سنة، بعد أن باشر فيها كتابة «٢» سر حلب سنين عديدة بعد أخيه وأبيه «٣» ، وصار لشهاب الدين هذا رئاسة بحلب وتمكّن، فلما ولى كتابة سر مصر ابتلعه المنصب ولم يظهر لمباشرته نتيجة، وانحطّ قدره فى الدولة بحيث أن المصريين صاروا يسخرون منه، لأنه كان يكلم نفسه فى حال ركوبه بين الناس فى الشوارع وفى جلوسه أيضا بين الملأ بكلام كثير، ويغضب بعض الأحيان من نفسه ويشير بالضرب بيده وبلسانه من غير أن يفهم أحد كلامه، وكان يقع ذلك منه حتى فى الصلاة، ومع هذا كان فيه بعيض حدة ونزاقة، مع «٤» دين وعفة وصيانة «٥» ، مع أنه كانت بضاعته من العلوم مزجاة، وخطه فى غاية القبح، و «٦» يظهر من كلامه عدم ممارسته للعلوم «٧» . ووقع بينه وبين قاضى القضاة عز الدين عبد العزيز بن العز البغدادى الحنبلى مفاوضة فى بعض «٨» مجالس السلطان لمعنى من المعانى، فكان من جملة كلام ابن السّفّاح «٩» هذا، أن قال: ريّع الوقف- وشدّد الياء- فقال عز الدين المذكور: اسكت يا مرماد «١٠» ، فضحك السلطان ومن حضر، وانتصف عليه الحنبلى. فلما نزلا من القلعة، سألت من عز الدين عن قوله مرماد، فقال: الأتراك كثيرا ما يلعبون

стр. 5163

الشطرنج، وقد صار بينهم أن الذي لا يعرف شىء يسمى مرماد، فقصدت الكلام بما اعتادوه وعرّفتهم أنه لا يعرف شىء، وأنه جاهل بما يقول، وتم لى ما قصدته. ولما مات ابن السّفّاح تولى كتابة السر من بعده الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ، ومع عدم أهلية الصاحب كريم الدين لهذه الوظيفة نتج فيها أمره وهابته الناس، ونفّذ الأمور أحسن من ابن السّفّاح. وتوفى قاضى القضاة زين الدين عبد الرحمن التّفهنى «١» الحنفى «٢» ، وهو غير قاض، فى ليلة الأحد ثامن شوال بعد مرض. ومولده فى سنة أربع وستين وسبعمائة «٣» ، ونشأ فقيرا مملقا، واشتغل حتى برع فى الفقه والأصول والعربية وشارك فى فنون، وأفتى ودرّس وناب فى الحكم سنين كثيرة، ثم استقل بوظيفة القضاء، ولم تشكر سيرته فى ولايته لحدة كانت فيه وسوء خلقه، مع القيام فى حظّ «٤» نفسه، وقصته مشهورة مع الميمونى لما كفّره التّفهنى هذا وحكم بإراقة دمه فى الملأ بالمدرسة الصالحية. ولما حكم بإراقة [دم] «٥» الميمونى [المذكور] «٦» أراد ابن حجر ينفّذ حكمه، فقال «٧» ابن حجر: قاضى القضاة منغاظ «٨» ، حتى يسكن خلقه. وانفضّ «٩» المجلس وتلاشى حكم التّفهنى؛ وعاش الميمونى بعد ذلك دهرا، بعد أن أوسعه الميمونى إساءة «١٠» فى المجلس، وهو يقول له: اتّق الله يا عبد الرحمن، أو نسيت قبقابك

стр. 5164

الزحّاف «١» وعمامتك القطن؟ والتفهنى يصفّر ويكرر حكمه بإراقة دمه. وكان سبب إبقاء الميمونى فى هذه القضية أنه شهّد بعض الحكماء أنه يعتريه شىء فى عقله فى الأوقات، فأبقى لذلك؛ وكان أيضا للناس فيه اعتقاد، فإنه يكثر التلاوة، ولقراءته «٢» موقع فى النفوس، وعلى شيبته «٣» نور ووقار؛ وأنا ممن كان يعتقده- انتهى. وتوفى جينوس بن جاك بن بيدو بن أنطون بن جينوس «٤» متملك قبرس وصاحب الواقعة مع المسلمين، وقد تقدم ذكر غزوه والظفر به وقدومه إلى مصر فى أوائل هذا الجزء مفصلا» ، ثم ذكر عوده إلى بلاده وملكه «٦» ، وتولى ابنه قبرس من بعده. وتوفى الصاحب علم الدين يحيى- المعروف بأبى كمّ القبطى- فى ليلة الخميس ثانى عشرين [شهر] «٧» رمضان وقد أناف على السبعين سنة، بعد أن ولى الوزارة فى دولة [الملك] «٨» الناصر فرج.

стр. 5165

وكان قد حسن إسلامه وترك معاشرة النصارى وحج وجاور بمكة، وصار يكثر من زيارة الصالحين الأحياء والأموات، وانسلخ من أبناء جنسه انسلاخا كليا، بحيث أنه كان لا يجتمع بنصرانى إلا عن ضرورة عظيمة. وكان دأبه الأفعال الجميلة، «١» ﵀ [تعالى] «٢» . أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم لم يظهر، فإنها حولت «٣» هذه السنة إلى سنة ست وثلاثين [وثمانمائة] . (النجوم الزاهرة ج ١٥)

стр. 5166

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٣٦] السنة الثانية عشرة من سلطنة الملك «١» الأشرف برسباى [على مصر] «٢» وهى سنة ست وثلاثين وثمانمائة: فيها كانت سفرة السلطان الملك الأشرف هذا إلى آمد، وعاد فى أوائل سنة سبع وثلاثين، وقد تقدم ذكر ذلك كله. وفيها توفى قاضى القضاة شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد الأموى المالكى بدمشق، فى يوم الثلاثاء حادى عشر صفر؛ وكان ولى فى دولة [الملك] «٣» المؤيد [شيخ] «٤» قضاء المالكية بالديار المصرية، وكان قليل العلم «٥» . وتوفى التاجر نور الدين على بن جلال الدين محمد الطّنبذى «٦» ، فى ليلة الجمعة رابع عشر صفر، عن سبعين سنة، وترك مالا كبيرا لم يبارك الله فيه لذريته من بعده، ولم يشهر نور الدين هذا بكرم ولا دين ولا علم. وتوفى الأمير علاء الدين منكلى بغا الصلاحى الظاهرى المعروف بالعجمى، أحد الحجاب بالديار المصرية، فى ليلة الخميس حادى عشر [شهر] «٧» ربيع الأول، بعد مرض طال به سنين؛ وكان أحد الدوادارية الصغار فى أيام أستاذه [الملك] «٨» الظاهر برقوق، وتوجه رسولا إلى تيمور «٩» لنك فى دولة [الملك] «١٠» الناصر فرج، ثم ولى حسبة القاهرة فى دولة [الملك] «١١» المؤيد شيخ، ثم صار من جملة الحجاب إلى أن مات.

стр. 5167

وكان فقيها صاحب محاضرة حلوة ومجالسة حسنة، ويذاكر بالشعر باللغات الثلاث «١» : العربية والعجمية والتركية، ويكتب الخط المنسوب، ويحضر مجالس الفقراء، ويرقص فى السماع ويميل إلى التصوف، جالسته «٢» كثيرا وأسعدت من محاسنه ﵀ «٣» . وتوفى الأمير تغرى بردى بن عبد الله المحمودى الناصرى، رأس نوبة النوب أولا، ثم أتابك دمشق آخرا، من جرح أصابه فى رجله بسهم من مدينة آمد، مات منه بعد أيام قليلة بآمد، مات منه «٤» فى شوال ودفن بآمد، ثم نقل منها فى سحليّة عند رحيل العسكر، وساروا به إلى الرها، فدفن بها لمشقة نالت العساكر من ظهور رائحته. وكان أصله من مماليك [الملك] «٥» الناصر فرج، وممن تأمّر فى دولة أستاذه فيما أظن. ثم انتمى للأمير نوروز الحافظى بعد موت أستاذه، إلى أن أمسكه [الملك] «٦» المؤيد شيخ. وحبسه بعد قتل نوروز، فدام فى السجن سنين إلى أن أخرجه المؤيد فى أواخر دولته. فلما آل الأمر إلى الأمير ططر أنعم عليه بإمرة طبلخاناة، ثم نقل إلى تقدمة ألف بعد موت ططر. ثم صار رأس نوبة النوب بعد الأمير أزبك المحمدى بحكم انتقال أزبك إلى الدوادارية الكبرى، بعد ولاية سودون [من] «٧» عبد الرحمن لنيابة دمشق، عند ما خرج تنبك البجاسى عن الطاعة. كل ذلك فى سنة ست وعشرين وثمانمائة، ودام المحمودى على ذلك سنين، سافر فيها أمير حاج المحمل، وقدم بالشريف حسن بن عجلان، ثم توجه إلى غزوة قبرس وقدم بملكها أسيرا.

стр. 5168

وقد تقدم ذكر ذلك كله فى أول هذا الجزء، ثم بعد عوده من قبرس بمدة يسيرة أمسكه السلطان وحبسه بسجن الإسكندرية، ثم نقله إلى ثغر دمياط بطالا، ثم أنعم عليه بأتابكية دمشق عوضا عن قانى باى الحمزاوى، بحكم انتقال الحمراوى إلى تقدمة ألف بمصر، ثم سافر المحمودى صحبة السلطان إلى آمد، فأصيب بسهم فمات منه حسبما ذكرناه. وكان أميرا جليلا شجاعا مقداما طوالا رشيقا مليح الشكل، كثير التجمل فى ملبسه ومركبه ومماليكه، وهو أول من لبس التخافيف الكبار العالية من الأمراء، وتداول الناس ذلك من بعده حتى خرجوا عن الحد، وصارت التخفيفة الآن تلف شبه الكلفتاه حتى تصير كالطبق الهائل؛ وعندى أنها غير لائقة، وللناس فيما يعشقون مذاهب. وتوفى الأمير [سيف الدين] «١» سودون بن عبد الله الظاهرى، المعروف سودون ميق، أحد أمراء الألوف بالديار المصرية، من جرح أصابه بآمد، من سهم من مدينتها، لزم منه الفراش أياما «٢» ، ومات أيضا فى أواخر شوال. وكان أصله من مماليك الظاهر برقوق الصغار، وصار خاصكيا، ومن جملة الدوادارية فى دولة [الملك] «٣» المؤيد شيخ، ثم ترقى إلى أن صار من جملة أمراء الطبلخانات ورأس نوبة، ثم نقل إلى الأمير آخورية الثانية، كل ذلك فى دولة [الملك] «٤» الأشرف برسباى، فدام على ذلك سنين، إلى أن أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف، فاستمر على ذلك إلى أن مات. وكان متوسط السيرة فى غالب خصاله، لا بأس به، ﵀. وتوفى الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله الحمزاوى، بعد أن ولى نيابة غزة، فمات قبل أن يصلها فى عوده من آمد، فى ذى الحجة. وكان أصله من [٦٣] مماليك الأمير

стр. 5169

سودون الحمزاوى الدوادار الكبير فى الدولة الناصرية، ثم تنقل فى الخدم من بعد أستاذه، إلى أن ولى نيابة بعض القلاع بالبلاد الشامية؛ ولما خرج قانى باى نائب الشام «١» وانضم معه غالب نواب البلاد الشامية، كان جانبك هذا ممن انضم عليه وهرب بعد مسك قانى باى مع من هرب من الأمراء إلى قرا يوسف، ثم قدم أيضا معهم على الأمير ططر بدمشق فأنعم عليه ططر بإمرة بدمشق، ثم صار حاجب حجاب طرابلس مدة سنين، ثم نقل إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، وسافر صحبة السلطان إلى آمد، وبعد عوده خلع السلطان [عليه] «٢» بحلب بنيابة غزة عوضا عن الأمير إينال العلائى الناصرى المنتقل إلى نيابة الرّها، لكونها كانت خرابا ليس بها ما يقوم بكلفته، وقد حكينا ذلك فيما سبق. وكان جانبك هذا ممن اتّهم بأنه يريد الوثوب على السلطان، فلما وصل السلطان إلى حلب أقرّه فى نيابة غزة على كره منه، فهز رأسه وأمسك لحيته بعد لبسه الخلعة «٣» ، وبلغ الأشرف ذلك على ما قيل، فقال: حتى يصل إلى غزة، فمات حول بعلبك. وكان شيخا طوالا مشهورا بالشجاعة، غير أنى لم أعرف منه إلا الإسراف على نفسه والانهماك فى السكر، وأما لفظه وعبارته ففى الغاية من الجهل والإهمال، ومر ركوبه على الفرس كنت [أعرف] «٤» أنه لم يمارس أنواع الفروسية كالرمح والبرجاس وغيره، وبالجملة فإنه كان من المهملين، وقد خفف [الله] «٥» بموته، عفا الله عنه. وتوفى الأمير سيف الدين تنبك بن عبد الله، من سيّدى بك الناصرى، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، المعروف بالبهلوان «٦» ، من جرح أصابه

стр. 5170

بآمد فى شوال أيضا بها، وكان عارفا بفن الصراع من الأقوياء «١» فى ذلك، مع تكبر وشمم وادعاء زائد، وقد حكى لى عنه بعض أصحابه: أنه كان إماما فى فن الصراع، ويجيد لعب الرمح لا غير، وليس عنده من الشجاعة والإقدام بمقدار القيراط من صناعته، وأظنه صادقا فى نقله لأن سحنته [كانت] «٢» تدل على ذلك. وتوفى الملك الأشرف شهاب الدين أحمد ابن الملك العادل سليمان ابن الملك المجاهد غازى ابن المالك الكامل محمد ابن الملك العادل أبى بكر ابن الملك الأوحد عبد الله ابن الملك المعظم توران شاه ابن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر [ابن السلطان الملك الكامل محمد صاحب مصر، ابن السلطان الملك العادل أبى بكر صاحب مصر، ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذى بن مروان] «٣» الأيوبى صاحب حصن كيفا، قتيلا بيد أعوان قرايلك، بين آمد والحصن، وقد سار من بلده حصن كيفا، يريد القدوم على السلطان الملك الأشرف برسباى على آمد، فقتل فى طريقه غدرا، فإنه كان خرج من الحصن بغير استعداد لقتال، وإنما تهيأ للسلام على الملك الأشرف، وبينما هو فى طريقه أدركته بعض الصلوات، فنزل وتوضأ وقام فى صلاته، وإذا بالقرايلكية طرقوه هو وعساكره بغتة، وقبل أن يركب أصابه سهم قتل منه، ووجد السلطان الملك الأشرف عليه كثيرا وتأسف لموته. وكان ابتداء ملكه بحصن كيفا، بعد موت أبيه العادل فى سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وكان فاضلا أديبا بارعا، وله ديوان شعر، ووقفت على كثير من شعره، وكتبت منه نبذة كبيرة فى ترجمته فى المنهل الصافى «٤» .

стр. 5171

وتولى بعده سلطنة الحصن ابنه الملك الكامل صلاح الدين خليل. وتوفى القاضى تاج الدين عبد الوهاب بن أفتكين الدمشقى، كاتب سر دمشق بها، فى ذى القعدة، وتولى كتابة السر من بعده القاضى نجم الدين [يحيى] «١» ابن المدنى ناظر جيش حلب، قلت: لا أعرف من أحوال تاج الدين هذا شيئا، غير أننى علمت بولايته ثم بوفاته. وتوفى الشيخ شهاب الدين أحمد بن غلام الله بن أحمد بن محمد الكوم ريشى «٢» ، فى سادس عشرين [شهر] «٣» صفر، وقد أناف على خمسين سنة. وكان أستاذا فى علم الميقات، ويحل التقويم من الزيج، ويشارك فى أحكام النجوم؛ ومات ولم يخلف بعده مثله فى فنونه، ﵀. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وثلاثة أصابع؛ مبلغ الزيادة عشرون ذراعا وخمسة أصابع.

стр. 5172

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٣٧] السنة الثالثة عشرة من سلطنة الملك «١» الأشرف برسباى [على مصر] «٢» وهى سنة سبع وثلاثين وثمانمائة «٣» : وفيه [٦٤] توفى الأمير سيف الدين مقبل بن عبد الله الحسامى الدوادار، نائب صفد بها، فى يوم الجمعة تاسع عشرين شهر ربيع الأول، وأصله من مماليك شخص يسمى حسام الدين لاجين، من أمراء دمشق أو «٤» البلاد الشامية، ثم خدم عند الملك المؤيد شيخ أيام إمرته، فاختص به لغزير «٥» محاسنه؛ ولما تسلطن المؤيد، جعله خاصكيّا رأس نوبة الجمداريّة، وحج على تلك الوظيفة، ثم بعد قدومه، أنعم عليه بإمرة عشرة، ثم جعله أمير طبلخاناه ودوادارا ثانيا بعد جقمق الأرغون شاوى «٦» ، بحكم انتقال جقمق إلى الدوادارية الكبرى بعد انتقال آقباى المؤيدى إلى نيابة حلب بعد عصيان إينال الصصلانى، ثم بعد سنين نقله إلى الدوادارية الكبرى بعد جقمق أيضا بحكم انتقاله إلى نيابة الشام «٧» بعد عزل الأمير تنبك ميق وقدومه إلى القاهرة أمير مائة ومقدم ألف، فدام مقبل على ذلك إلى أن مات الملك المؤيد، وآل الأمر إلى الأمير ططر، وأمسك قجقار القردمى فرّ مقبل المذكور من القاهرة، ومعه السيفى «٨» يلخجا من مامش «٩» الساقى الناصرى ومماليكه إلى جهة البلاد الشامية،

стр. 5173

فعاقهم العربان أرباب الإدراك عن التوصل إلى قطيا، وقاتلوهم «١» بعد أن تكاثروا عليهم. وكان مقبل من الشجعان، فثبت لهم ولا زال يقاتلهم وهو منهزم منهم إلى الطّينة، «٢» فوجدوا بها مركبا فركبوا فيه، وتركوا ما معهم من الخيول والأثقال أخذوها العرب، وساروا فى البحر إلى الشام، واجتمع مقبل مع الأمير جقمق وصار من حزبه، ووقع له أمور ذكرناها فى ترجمة [الملك] «٣» المظفر أحمد، إلى أن آل أمره أنه أمسك وحبس، ثم أطلق، وولى حجوبية دمشق. ثم نقله [الملك] «٤» الأشرف إلى نيابة صفد، بعد عصيان نائبها الأمير إينال الظاهرى ططر، فاستمر فى نيابة صفد إلى أن مات. وكان رومى الجنس شجاعا مقداما رأسا فى رمى النشاب، يضرب برميه المثل، وكان أستاذه الملك المؤيد يعجب به، وناهيك بمن كان يعجب [الملك] «٥» المؤيد به من المماليك. وتوفى قاضى القضاة شهاب الدين أحمد بن محمود بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن أبى العز الدمشقى الحنفى، المعروف بابن كشك، بدمشق، فى ليلة الخميس سابع «٦» [شهر] «٧» ربيع الأول، بعد أن ولى قضاء الحنفية بدمشق سنين كثيرة، وجمع بينها وبين نظر الجيش بدمشق فى بعض الأحيان، وطلب لكتابة سر مصر فأبى وامتنع واستعفى من ذلك حتى أعفى. وكان من أعيان أهل دمشق فى زمانه، [و] «٨» لم يكن فى الشاميين من يدانيه

стр. 5174

فى العراقة والرئاسة، وقد رشح بعض «١» أجداده من بنى العز لخطابة جامع تنكز «٢» عند ما عمره «٣» تنكز «٤» ، وهم بيت علم وفضل ورئاسة، ليس بالبلاد الشامية من هو أعرق منهم غير بنى العديم الحلبيين، ثم بعد بنى العز هؤلاء بنو «٥» البارزى الحمويون «٦» - انتهى. وتوفى قاضى القضاة جمال الدين محمد بن على بن أبى بكر الشّيبى الشافعى المكى «٧» قاضى قضاة مكة وشيخ الحجبة بباب الكعبة، بها، فى ليلة الجمعة ثامن عشرين [شهر] «٨» ربيع الأول، عن نحو سبعين سنة، وهو قاض. وكان خيّرا ديّنا مشكور السيرة سمحا متواضعا بارعا فى الأدب، وله مشاركة جيدة فى التاريخ وغيره، لما «٩» رآه، فإنه كان رحل إلى اليمن وغيره وجال فى البلاد، ﵀. وتوفى الأمير سيف الدين آقبغا بن عبد الله الجمالى الأستادّار وهو يلى كشف البحيرة، قتيلا بيد العرب فى واقعة كانت بينه وبينهم، فى حادى عشرين [شهر] «١٠»

стр. 5175

ربيع الآخر؛ وكان أصله من مماليك الأمير كمشبغا الجمالى أحد أمراء الطبلخانات المقدم ذكره فى سنة ثلاث وثلاثين، وكان يسافر إلى إقطاعه، ثم تعانى البلص «١» ولا زال يترقى إلى أن ولى الكشف بعدة أقاليم، ثم ولى الأستادّارية مرتين حسبما تقدم ذكره. كل ذلك فى حياة أستاذه كمشبغا الجمالى، ونكب فى ولايته الثانية وامتحن وضرب وصودر، ثم سافر مع [الملك] «٢» الأشرف إلى آمد فظهر منه هناك شجاعة وإقدام فى قتال القرايلكية؛ فأنعم عليه السلطان بإقطاع تنبك البهلوان بعد موته، ثم ولاه بعد قدومه [٦٥] إلى مصر كشف [الوجه] «٣» القبلى، ثم نقله إلى كشف الوجه البحرى فقتل هناك. وكان وضيعا من الأوباش، لا يشبه فعله أفعال المماليك فىّ حركاته وسكونه ولا فى قتاله، على أنه كان مشهورا بالشجاعة، وشجاعته كانت مشتركة بجنون وسرعة حركة، وكان أهوج «٤» قليل الحشمة، ليس عليه رونق ولا أبّهة؛ وكان إذا تكلم يكرر فى كلامه اسم «دا» غير مرة. بحيث أنه كان يتكلم الكلمة الواحدة ثم يقول اسم «دا» ، وفى الجملة أنه كان من الأوغاد، ولولا أنه ولى الأستادارية ما ذكرته فى هذا الكتاب ولا غيره. وتوفى الأمير الكبير سيف الدين جارقطلو «٥» بن عبد الله الظاهرى أتابك العساكر بالديار المصرية، ثم كافل المملكة الشامية بها، فى ليلة الاثنين تاسع عشر

стр. 5176

[شهر] «١» رجب، وهو فى عشر السبعين، وأصله من مماليك [الملك] «٢» الظاهر برقوق، ومن إنيات «٣» سودون الماردانى، وتأمّر فى الدولة الناصرية، ثم ولى فى الدولة المؤيدية نيابة حماه، ثم نيابة صفد، ثم أعاده الأمير ططر إلى نيابة حماه ثانيا بعد إنيه تنبك البجاسى لما نقل إلى نيابة طرابلس، فدام بحماه إلى أن نقله [الملك] «٤» الأشرف إلى نيابة حلب بعد إنيه تنبك البجاسى أيضا، لما نقل تنبك إلى نيابة الشام «٥» ، بعد موت تنبك ميق، فدام جارقطلو فى نيابة حلب إلى أن عزله [الملك] «٦» الأشرف، واستقدمه إلى القاهرة أمير مائة ومقدم ألف، ثم خلع عليه باستقراره أمير مجلس، ثم نقله إلى الأتابكية بالديار المصرية بعد موت الأمير يشبك الساقى الأعرج، فدام على ذلك سنين إلى أن ولاه [الملك] «٧» الأشرف نيابة دمشق بعد عزل سودون من عبد الرحمن عنها، واستقر سودون من عبد الرحمن أتابكا عوضه «٨» فاستمر على نيابة دمشق إلى أن مات فى التاريخ المقدم ذكره. وكان أميرا جليلا مهابا شهما متجملا فى جميع أحواله، وكان قصيرا بطينا أبيض الرأس واللحية، وفيه دعابة وهزل مع إسراف على نفسه، وسيرته «٩» مشكورة

стр. 5177

فى ولايته؛ قلت: كان ظلمه على نفسه لا على غيره، والله تعالى يسامحه بمنه وكرمه. وكان له خصوصية زائدة عند [الملك] «١» الأشرف برسباى، بحيث أنى سمعته مرارا يبالغ فى شىء «٢» لا يفعله بقوله: لو سألنى جارقطلو فى هذا ما فعلته؛ وكان إذا جلس قاضى القضاة بدر الدين العينى عند السلطان فى ليالى الخدم، وأخذ فى قراءة شىء من التواريخ، يشير إليه السلطان بحيث لا يعلم جارقطلو، فينتقل بما هو فيه إلى شىء من الوعظيات، ويأخذ فى التشديد على شرّاب «٣» الخمر وما أشبه ذلك، ويبالغ فى حقهم، والأشرف أيضا يهوّل الأمر ويستغفر، فإذا زاد عن الحد يقول جارقطلو: [يا قاضى] «٤» ، ما تذكر إلا شربة الخمر وتبالغ فى حقهم بأنواع العذاب؟ ليش ما تذكر «٥» القضاة وأخذهم الرشوة والبراطيل وأموال الأيتام «٦» ؟ ... يقول ذلك بحدة وانحراف حلو، فلما يسمع [الملك] «٧» الأشرف كلامه يضحك وينبسط هو وجميع أمرائه؛ وكان يقع له أشياء كثيرة من ذلك- انتهى. «٨» وتوفى السيد الشريف رميثة بن محمد بن عجلان مقتولا خارج مكة فى خامس رجب بعد أن ولى إمرة مكة فى بعض الأحيان، فلم تحمد سيرته وعزل «٩» . وتوفى الشيخ الإمام الأديب الشاعر المفنن تقي الدين أبو بكر بن على بن حجّة- بكسر الحاء المهملة- الحموى الحنفى الشاعر المشهور، صاحب القصيدة البديعية «١٠» وشرحها وغيرها من المصنفات. مات بحماه، فى خامس عشرين شعبان، ومولده

стр. 5178

سنة سبع وسبعين وسبعمائة. وكان أحد ندماء الملك «١» المؤيد وشعرائه وأخصائه، وولى إمامة «٢» عدة وظائف دينية، وعظم فى الدولة، ثم خرج من مصر بعد موت [الملك] «٣» المؤيد إلى مدينة حماه واستوطنها؛ إلى أن مات بها. وكان بارعا فى الأدب «٤» ونظم القريض وغيره من ضروب الشعر، مفننا لا يجحد فضله إلا حسود؛ ومن شعره مضمّنا مع حسن التورية: [الرجز] سرنا وليل شعره منسدل ... وقد غدا بنومنا مضفّرا فقال صبح ثغره مبتسما ... عند الصباح يحمد القوم السّرى «٥» «٦» وله عفا الله عنه «٧» : [الخفيف] فى سويداء مقلة الخبّ نادى «٨» ... جفنه وهو يقنص الأسد صيدا لا تقولوا ما فى السّويدا رجال ... فأنا اليوم من رجال سويدا «٩» قلت: وهذا بعكس ما قاله ابن نباتة والصلاح الصفدى؛ فقول ابن نباتة: [السريع] من قال بالمرد فإنى امرؤ «١٠» ... إلى النسا ميلى ذوات الجمال ما فى سويدائى إلا النسا «١١» ... ما حيلتى؟ ما فى السّويدا رجال!

стр. 5179

[وقول الصفدى: المقلة الكحلاء «١» أجفانها ... ترشق فى وسط فؤادى نبال وتقطع الطّرق «٢» على سلوتى ... حتى حسبنا فى السّويدا رجال] «٣» ومن نظم الشيخ تقي الدين [أيضا] ، قوله: [المنسرح] أرشفنى ريقه وعانقنى ... وخصره يلتوى من الرّقه فصرت من خصره وريقته ... أهيم بين الفرات والرّقّة «٤» ومما كتب إليه قاضى القضاة صدر الدين على بن الآدمى الحنفى، مضمّنا لشعر امرئ القيس: [الطويل] أحنّ إلى تلك السجايا وإن نأت ... حنين أخى ذكرى حبيب ومنزل وأذكر ليلات بكم قد تصرّمت ... بدار حبيب لا بدارة جلجل «٥» شكوت إلى الصّبر «٦» اشتياقى فقال لى: ... ترفّق ولا تهلك أسى وتجمّل «٧» فقلت له: إنى عليك معوّل ... وهل عند ربع دارس من معوّل؟ فأجابه الشيخ تقي الدين بن حجّة المذكور بقوله: سرت نسمة منكم إلىّ كأنّها ... بريح الصبّاجاءت «٨» بريّا القرنفل «٩»

стр. 5180

فقلت لليلى مذ بدا صبح طرسها: ... ألا أيّها الليل الطويل ألا أنجل ورقّت فأشعار امرئ القيس عندها ... كجلمود صخر حطّه السيل من عل فقلت «١» : قفا نضحك لرقّتها على «٢» ... «قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل» وتوفى ملك الغرب «٣» وسلطانها، أبو فارس عبد العزيز [المتوكل] «٤» ابن أبى العباس أحمد بن محمد بن أبى بكر بن يحيى «٥» بن إبراهيم بن يحيى بن عبد الواحد ابن عمر الهنتاتى الحفصى، فى رابع عشر ذى الحجة، عن ست وسبعين سنة، بعد أن خطب له بقابس وتلمسان وما والاهما من المدن والقرى، إحدى وأربعين سنة وأربعة أشهر وأياما «٦» . وكان خير ملوك زمانه شجاعة ومهابة وكرما وجودا وعدلا وحزما وعزما ودينا، وقام من بعده فى الملك حفيده المنتصر أبو عبد الله محمد ابن الأمير أبى عبد الله محمد بن أبى فارس المذكور. وتوفى سلطان بنجالة «٧» من بلاد الهند، جلال الدين أبو المظفر محمد بن فندو؛

стр. 5181

وكان فندو يعرف بكاس. كان أبوه «١» فندو المذكور كافرا، فأسلم جلال الدين هذا، وحسن إسلامه، وبنى الجوامع والمساجد [وعمّر] «٢» أيضا ما خرب فى أيام أبيه، من المدن، وأقام شعائر الإسلام، وأرسل بمال إلى مكة، وبهدية إلى مصر، وطلب من الخليفة المعتضد بالله [أبى الفتح داؤد] «٣» تقليدا بسلطنة الهند، فبعث إليه الخليفة [الخلعة] «٤» والتشريف مع بعض الأشراف، فوصلت الخلعة إليه ولبسها، ودام بعدها إلى أن مات؛ وأقيم بعده ولده المظفّر أحمد شاه، وعمره أربع عشرة «٥» سنة. وتوفى صاحب بغداد شاه محمد بن قرا يوسف بن قرا محمد، فى ذى الحجة مقتولا على حصن من بلاد القان شاه رخ بن تيمور لنك، يقال له شنكان، وأقيم بعده على ملك بغداد أميرزه علىّ [ابن] «٦» أخى قرا يوسف. وكان شاه محمد المذكور ردىء [٦٧] العقيدة يميل إلى دين النصرانية- قبّحه الله ولعنه- وأبطل شعائر الإسلام من دار السلام وغيرها بممالكه، وقتل العلماء وقرّب النصارى، ثم أبعدهم، ومال إلى دين المجوس وأخرب البلاد وأباد العباد، أسكنه الله سقر ومن يلوذ به من إخوته وأقاربه ممن هو على اعتقاده ودينه. وتوفى الشيخ الإمام أبو الحسن على بن حسين بن عروة بن زكنون «٧» الحنبلى الزاهد الورع فى ثانى جمادى الآخرة خارج دمشق، وقد أناف على الستين سنة، وكان فقيها عالما، شرح مسند الإمام أحمد، وكان غاية فى الزهد والعبادة والورع والصلاح «٨» ، ﵀. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وثلاثة أصابع؛ مبلغ الزيادة: سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا. (النجوم الزاهرة ج ١٥)

стр. 5182

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٣٨] السنة الرابعة عشرة من سلطنة الملك الأشرف برسباى [على مصر] «١» وهى سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة: [فيها] «٢» توفى سلطان كربرجه «٣» من بلاد الهند شهاب الدين أبو المغازى أحمد شاه بن أحمد بن حسن شاه بن بهمن فى شهر [رجب] «٤» بعد ما أقام فى ملك كربرجه أربع عشرة «٥» سنة. وتسلطن من بعده ابنه ظفر شاه، واسمه أيضا أحمد؛ وكان السلطان شهاب الدين هذا من خير ملوك زمانه «٦» وله مآثر بمكة معروفة، رحمه الله تعالى «٧» . وتوفى الأمير الكبير سيف الدين طرباى بن عبد الله الظّاهرى جقمق نائب طرابلس، فى بكرة نهار السبت رابع شهر رجب «٨» ، من غير مرض، فجأة،

стр. 5183

بعد صلاة الصبح وهو جالس بمصلاه؛ وقد تقدم من ذكره نبذة كبيرة فى ترجمة الملك الصالح محمد بن ططر، بما وقع له مع جانبك الصوفى، ثم مع الملك الأشرف، حتى قبض عليه وحبسه بالإسكندرية مدة طويلة، ثم أخرجه إلى القدس، ثم ولاه نيابة طرابلس، فدام به إلى أن مات. وكان أميرا ضخما جميلا شهما مقداما ديّنا خيّرا معظّما فى الدول، لم يشهر عنه تعاطى شىء من القاذورات، غير أنه كان يقتحم الرئاسة، وفى أمله أمور، فمات قبلها. وهو أحد أعيان المماليك الظاهرية [برقوق] «١» ورؤوس الفتن فى تلك الأيام، وكان أكبر منزلة من [الملك] «٢» الأشرف برسباى قديما وحديثا، وكان بينهما صحبة أكيدة عرفها له الأشرف، وأخرجه من السجن وولاه طرابلس، ولو كان غيره ما فعل معه ذلك، لما سبق بينهما من التشاحن على الملك- انتهى. وتوفى السلطان أميرزه إبراهيم بن القان معين الدين شاه رخ ابن الطاغية تيمور [لنك] «٣» كوركان «٤» ، صاحب شيراز، فى شهر رمضان. وكان من أجل ملوك جغتاى «٥» وأعظمهم؛ كان يكتب الخط المنسوب إلى الغاية فى الحسن، يقارب فيه ياقوتا المستعصمى «٦» ، ووجد عليه أبوه «٧» شاه رخ كثيرا، وكذلك أهل شيراز. ثم فى السنة أيضا «٨» ، توفى «٩» أخوه «١٠» باى سنقر بن شاه رخ بن تيمور

стр. 5184

صاحب مملكة كرمان، فى العشر الأول من ذى الحجة. وكان باى سنقر ولىّ عهد أبيه «١» شاه رخ فى الملك، وهو أشجع أولاد شاه رخ وأعظمهم إقداما وجبروتا «٢» ، وهو والد من بقى الآن من ملوك جغتاى بممالك العجم، وهم: بابور وعلاء الدولة ومحمد، والجميع أولاد باى سنقر هذا، تولى تربيتهم جدتهم كهرشاه خاتون لمحبتها لأبيهم باى سنقر دون جميع أولادها، ولهذا المعنى كان قدّمه شاه رخ على ولده ألوغ بك صاحب سمرقند، كل ذلك لميل زوجته كهرشاه إليه، على أن ألوغ بك أيضا، ولدها بكرّيها، غير أنها ما كانت تقدّم على باى سنقر أحدا من أولادها- انتهى. وتوفى الشريف زهير بن سليمان بن ريان بن منصور بن جمّاز «٣» بن شيحة الحسينى، فى محاربة كانت بينه وبين أمير المدينة النبوية مانع بن على بن عطية بن منصور ابن جمّاز بن شيحة، فى شهر رجب، وقتل معه عدة من بنى حسين. وكان زهير المذكور من أقبح الأشراف سيرة «٤» ، كان خارجا عن الطاعة، ويخيف «٥» السبيل، ويقطع الطريق ببلاد نجد والعراق وأرض الحجاز فى جمع كبير، فيه نحو الثلاثمائة فارس وعدة رماة بالسهام «٦» ، وأعيا الناس أمره، إلى أن أخذه الله وأراح الناس منه. وتوفى الحطّىّ ملك الحبشة الكافر صاحب أمحرة من بلاد الحبشة «٧» ، وممالكه متسعة [٦٨] جدا بعد أن وقع له مع السلطان سعد الدين صاحب جبرت حروب. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم «٨» خمسة أذرع واثنان وعشرون إصبعا؛ مبلغ الزياده: عشرون ذراعا وثمانية عشر إصبعا.

стр. 5185

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٣٩] السنة الخامسة عشرة من سلطنة الملك «١» الأشرف برسباى [على مصر] «٢» وهى سنة تسع وثلاثين وثمانمائة: [وفيها] «٣» توفى ملك تونس من بلاد إفريقية بالمغرب، السلطان المنتصر بالله أبو عبد الله محمد ابن الأمير أبى عبد الله محمد ابن السلطان أبى فارس عبد العزيز، المقدم ذكره، ابن أحمد الهنتاتى الحفصى «٤» ، فى يوم الخميس حادى عشرين صفر «٥» بتونس. وكان ملك بعد جده أبى فارس، فلم يتهنّ بالملك لطول مرضه، وكثرت الفتن فى أيامه وعظم سفك الدماء، إلى أن مات. وأقيم فى مملكة تونس من بعده أخوه شقيقه عثمان، فقتل عدة من أقاربه وغيرهم. وكان من خبر المنتصر أنه ثقل فى مرضه حتى أقعد، وصار إذا سار إلى مكان يركب فى عمّاريّة «٦» على بغل، وتردد كثيرا فى أيام مرضه إلى قصره خارج تونس للنزهة به، إلى أن خرج يوما ومعه أخوه أبو عمرو عثمان المقدم ذكره، وهو يوم ذاك صاحب قسطنطينة، وقد قدم عليه [الخبر] «٧» وولاه الحكم بين الناس، ومعه أيضا القائد محمد الهلالى، فصار لهما مرجع أمور الدولة بأسرها، وحجبا «٨» المنتصر هذا عن كل أحد. فلما صارا معه فى هذه المرة إلى القصر المذكور، تركاه به، وقد أغلقا عليه، يوهمان أنه نائم، ودخلا المدينة. واستولى أبو عمرو عثمان المقدم ذكره على تخت الملك، ودعا الناس إلى طاعته ومبايعته، والهلالىّ قائم بين يديه،
следующие страницы →