← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

ثم أنعم السلطان على جماعة كثيرة جدا باستقرارهم أمراء عشرات يطول الشرح فى ذكرهم، لأنها دولة أقيمت بعد ذهاب دولة، وتغير جميع من «١» كان من أرباب الوظائف الذين كانوا فى الدولة الأشرفية من الخاصكية وغيرهم، واستقرّ جماعة كبيرة رؤوس نوب، منهم من خلع عليه قبل أن يلبس فوقانىّ الإمرة، وهو إلى الآن بحياصة ذهب، ونالت السعادة جميع المماليك المؤيدية الأصاغر، بحيث أن بعضهم كان فقيرا يعيش بالتّكدّى فأخذ إقطاعا هائلا واستقر بوابا دفعة واحدة، وأشياء كثيرة من هذا ذكرناها فى غير هذا المحل. ثم فى يوم الاثنين رابع عشرين شهر ربيع الأول المذكور، جلس السلطان الملك الظاهر جقمق بالمقعد المطل على الحوش، تجاه باب الحوش المذكور، وابتدأ فيه بنفقة المماليك السلطانية لكل واحد مائة دينار، واستمرت النفقة فيهم فى كل [يوم] «٢» موكب، إلى أن انتهى أمرهم فيها. ثم فى يوم الثلاثاء خامس عشرينه وصل الأمير جرباش قاشق [من ثغر دمياط] «٣» فأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالقاهرة. ثم فى يوم الخميس سابع عشرينه عمل السلطان المولد النبوى بالحوش على العادة، وزاد فيه زيادات حسنة [٩٣] من كثرة الأسمطة والحلاوات؛ وانفض الجميع بعد صلاة المغرب. ثم فى يوم السبت تاسع عشرينه تجمع تحت القلعة نحو ألف مملوك من مماليك الأمراء، يريدون النفقة كما نفق على المماليك السلطانية، فأمر لهم السلطان بنفقة، فنفقت فيهم؛ ولم يكن لذلك عادة قبل تاريخه. ثم فى يوم الاثنين ثالث «٤» شهر ربيع الآخر قبض السلطان على تاج الدين

стр. 5252

عبد الوهاب الأسلمى- المدعو بالخطير- ناظر الإسطبل السلطانى وعلى ولديه، والثلاثة أشكال عجيبة. وفيه كانت [مبادئ] «١» وقعة قرقماس مع الملك الظاهر جقمق، وخبره أنه لما كان يوم الثلاثاء المذكور، ثار جماعة كبيرة من المماليك القرانيص ممن كان قام مع الملك الظاهر جقمق، على المماليك الأشرفية، وطلبوا زيادة جوامكهم ورواتب لحمهم، ووقفوا تحت القلعة فأرسل إليهم السلطان يعدهم بعمل المصلحة، فلم يرضوا بذلك وأصبحوا من الغد فى يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الآخر على مواقفهم. وركب السلطان ولعب الكرة بالحوش السلطانى مع الأتابك قرقماس الشعبانى وغيره من الأمراء إلى أن انتهى لعبهم، فأسرّ بعض من تأمّر من المماليك المؤيّدية إلى السلطان، بأن الأتابك قرقماس يريد الركوب على السلطان، فنهره السلطان واستبعد وقوع ذلك من قرقماس، لا سيما فى هذا اليوم. هذا وقد كثر جمع المماليك السلطانية من الأشرفية وغيرهم، ووقفوا تحت القلعة كما كانوا فى أمسه، ثم [وقفوا] «٢» عند باب المدرج أحد أبواب القلعة، وصاروا كلما نزل أمير من الخدمة السلطانية اجتمعوا به وكلموه فى عمل مصالحهم، ووقع لهم ذلك مع جماعة كبيرة من الأمراء، إلى أن نزل الأتابك قرقماس فأحاطوا به وحدثوه فى ذلك وأغلظوا فى حق السلطان، فوعدهم قرقماس بأنه يتحدث بسببهم مع السلطان، وبشّ لهم وألان معهم فى الكلام، فطمعوا فيه وأبوا أن يمكنوه من الرجوع إلى السلطان، وكلموه فى الركوب على السلطان وهم يوافقوه على ذلك، فأخذ يمتنع تمنعا ليس بذاك. وظهر من كلامه فى القرائن أنه يريد كثرة من يكون معه، وأن ذلك لا يكون فى هذا اليوم، فلما فهموا منه ذلك تحركت كوامن المماليك الأشرفية من الملك

стр. 5253

الظاهر جقمق، [و] «١» انتهزوا الفرصة وقصدوا الركوب ووقوع الحرب فى الحال، بجهل وعدم دربة بالوقائع والحروب، وأخذوه ومضوا وهم فى خدمته إلى بيته، وكان سكنه بملكه بالقرب من المدابغ خارج باب زويلة. وتلاحق بهم جماعة كثيرة من أعيان المماليك السلطانية وبعض الأمراء وعليهم السلاح، وراودوه على الركوب فلم يعجبه ذلك، وقال لهم ما معناه أن له أصحابا «٢» وخجداشية كثيرة وجماعة من أكابر الأمراء لهم معه ميل وغرض، فاصبروا إلى باكر النهار من الغد لنتشاور معهم فى أمرنا هذا وفيما نفعله، فامتنعوا من ذلك وأظهروا له إن لم يركب فى هذا اليوم لم يوافقوه بعد ذلك. وكان جمعهم قد كثر إلى الغاية، ولكن غالبهم المماليك الأشرفية، وكان الذي قال له ذلك الأمير مغلباى الجقمقى أستادار الصحبة على لسان بعض أصحابه، وقيل إن قرقماس أراد بهذا الكلام توقفهم حتى يتفرقوا عنه ثم يصعد هو إلى القلعة ويعلم السلطان بذلك. وعندى أن الصحيح [أنه] «٣» لم يرد بقوله هذا إلا تحكيم أمره حتى يأتوه من الغد بجموعهم، ويأخذوه غصبا كما فعل القوم بالملك الظاهر جقمق، ويجتمع عليه حواشيه وأصحابه- وأنا أعرف بحاله من غيرى- فأبوا عليه وألحوا فى ركوبه فى الوقت، وخوّفوه تفرّق من اجتمع عليه فى هذا اليوم، وكانوا خلائق كثيرة إلى الغاية. فنظر عند ذلك فى أمره، فلم يجد بدا من موافقتهم وركوبه معهم فى هذا اليوم لما فى نفسه من الوثوب على السلطنة [والاستبداد بالأمر] «٤» ، وكان فيه طيش وخفة [فى صفة] «٥» عقل ورزانة [٩٤] لا يفهم منه ذلك إلا من له ذوق ومعرفة بنقد الرجال. وخاف قرقماس إن لم يركب فى هذا اليوم وأراد الركوب بعد ذلك، لا يوافقه أحد من

стр. 5254

هؤلاء، فينحلّ بذلك برمه ويطول عليه الأمر، لعظم ما كان داخله الحسد للملك الظاهر جقمق، ولله دار القائل: «الحاسد ظالم فى صفة مظلوم مبتلى غير مرحوم» . وأحسن من هذا قول القائل، وهو لسان حال الملك الظاهر جقمق: [الطويل] وكلّ أداريه على حسب حاله ... سوى حاسدى فهى التى لا أنالها وكيف يدارى المرء حاسد نعمة ... إذا كان لا يرضيه إلا زوالها فعند ذلك قام ولبس آلة الحرب هو ومماليكه، وركب من وقته قريب الظهر من يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الآخر المذكور، وخرج من بيته بعساكر عظيمة، ومعه أمراء العشرات: الأمير أزبك السيفى قانى باى نائب الشام المعروف بأزبك جحا، والأمير جانم الأشرفى [المعروف برأس نوبة سيّدى، وكلاهما أمير غشرة «١» ، وقد وافقه غيرهما مثل الأمير قراجا] «٢» الأشرفى أحد مقدمى الألوف، والأمير مغلباى الجقمقى أستادار الصحبة، ووعداه أنهما يوافياه «٣» بمماليكهما «٤» بالرملة. وخرج الأمير قرقماس من بيته بجموعه فوافيته خارج باب زويلة من غير ميعاد، وسرت معه، وصحبته عساكر كثيرة من الأشرفية وغيرهم، وأنا بجانبه. فتأملت فى أمره فلم يعجبنى حاله، لاضطراب عساكره ولعدم من يرأسهم من أعيان الأمراء ممن مرّت بهم التجارب، وأيضا لكثرة قلقه فى مسيره وعدم ثباته فى كلامه، وظهر لى منه أيضا أنه لم يعجبه ما هو فيه من اختلاف كلمة من هو معه من المماليك السلطانية وآرائهم المفلوكة وكثرة هرجهم، ثم صار يقول فى مسيره: الله ينصر الحق، فيقول آخر: الله ينصر الملك العزيز يوسف، ويقول آخر: الله ينصر الأمير قرقماس، ومنهم من قال: الله ينصر السلطان، ولم أدر أىّ سلطان قصد؛ كل ذلك فى تلك المسافة القريبة من بيته إلى الرملة.

стр. 5255

ثم كشف قرقماس رأسه وصاح: «الله ينصر الحق» غير مرة، فتعجبت أنا من دعائه، لأىّ حق يريد؟ فلما أن كشف رأسه تفاعل الناس بخذلانه، وظهر لى منه أيضا أنه كان يتخوف من المماليك الأشرفية، لما بلغنى بعد ذلك أنه بلغه فى اليوم المذكور أنهم إذا انتصروا على [الملك] «١» الظاهر جقمق وملكوا القلعة ضربوا رقبة قرقماس، فنفر خاطره من ذلك. وكأنه بلغه ذلك بعد ركوبه وشروعه فيما هو فيه، فبقى لا يمكنه إلا الإتمام، لأن الشروع ملزم؛ والمقصود أنه سار إلى أن وصل قريبا من جامع السلطان حسن، فوافاه الأمير قراجا بطلبه ومماليكه وعليهم السلاح، والأمير مغلباى الجقمقى، وسارا معه من تحت مدرسة السلطان حسن إلى بيت قوصون تجاه باب السلسلة. وكان يسكنه يوم ذاك الأمير أركماس الظاهرى الدوادار الكبير، وقد أغلقه مماليك أركماس [المذكور] «٢» ، فقصد قرقماس [المذكور] «٣» عبور البيت المذكور فوجده مغلقا، ثم دخله بعد أمور، فإذا بأركماس الظاهرى قد خرج من باب سرّ البيت المذكور، ومضى إلى حال سبيله [محمولا] «٤» لعجزه عن الحركة لوجع كان يعتريه برجليه، وأيضا لم يكن من هذا القبيل. وملك قرقماس البيت ودخله، وأخذ فيما يفعله مع عساكر السلطان من القتال وغيره، فلم ينتظم له أمر ولا رتب له طلب من كثرة الغوغاء والهرج، حتى أن باب السلسلة كان مفتوحا منذ قدم قرقماس إلى الرملة وأخذ بيت أركماس الظاهرى، والأمير تمراز القرمشى الأمير آخور الكبير لم يلتفت إلى غلقه ولا تحرك من مجلسه ولا ألبس أحدا من مماليكه السلاح، ومن عظم تراخيه فى ذلك «٥» نسبوه للمالأة مع قرقماس- ولا يبعد ذلك. ومع هذا كله لم يلتفت أحد من أصحاب قرقماس إلى أخذ باب السلسلة، ولا سار أحد إلى جهته جملة كافية، لعظم

стр. 5256

اضطرابهم وقلة سعدهم. [٩٥] كل ذلك والسلطان الملك الظاهر إلى الآن بالقلعة فى أناس قليلة من خواصه، وهو لا يصدّق ما قيل له فى حق قرقماس، إلى أن حضر قرقماس إلى الرملة وملك بيت قوصون، فعند ذلك ركب من الحوش السلطانى ونزل فى أمرائه الصغار وخاصكيّته إلى باب السلسلة وجلس بالمقعد المطل على الرميلة، وقد صحب معه فرسا عليه قماش ذهب يوهم به أنه لأجل قرقماس إذا طلع إليه طائعا، وأن قرقماس أرسل يقول له أنه يريد أن يفر من المماليك الأشرفية ويطلع إلى القلعة، فأمسك بهذه الحركة جماعة كبيرة عن التوجه إلى قرقماس من خجداشيته وأصحابه. وكان هذا الذي فعله [الملك] «١» الظاهر من أكبر المصالح، فإن كان على حقيقته فقد نفع، وإن كان حيلة من [الملك] «٢» الظاهر جقمق فكانت فى غاية الحسن ومن أجود الحيل. ولما جلس الملك الظاهر بالمقعد من الإسطبل السلطانى المطل على الرميلة، نزلت جماعة من خاصكيّته مشاة وعليهم السلاح وناوشوا القرقماسية بالقتال قليلا. ثم أمر السلطان فنودى: من كان من حزب السلطان فليتوجه إلى بيت الأمير آقبغا التّمرازى أمير سلاح، وكان سكن آقبغا المذكور بقصر بكتمر الساقى بالقرب من الكبش تجاه مدرسة سنجر الجاولى «٣» ، فلما سمع الأمراء والمماليك المناداة ذهبوا إلى بيت الأمير آقبغا التمرازى، فاجتمع عنده خلائق وجماعة كبيرة من الأمراء، فممن اجتمع عنده من مقدمى الألوف: الأمير قراخجا الحسنى رأس نوبة النوب، وحاجب الحجاب تغرى بردى البكلمشى المؤذى، ومن الطبلخاناه وغيرهم: الأمير أسنبغا الطّيّارى وعدة كبيرة.

стр. 5257

ثم أرسل آقبغا التمرازى رأس نوبته لكشف خبر قرقماس ومن وافقه من الأمراء، فتوجه المذكور وعاد إليه بالخبر أنه ليس معه من الأمراء إلا قراجا وأزبك جحا ومغلباى الجقمقى وجانم الأشرفى، فقال آقبغا: إذن فلا شىء. وركب فرسه وركب الأمراء معه بمن انضم عليهم من المماليك السلطانية، وساروا إلى أن وصلوا إلى صليبة أحمد بن طولون عند الخانقاه الشيخونية، ووقفوا هناك وتشاوروا فى مرورهم إلى باب السلسلة، وقد ملأت عساكر قرقماس الرميلة «١» ؛ فمن الناس من قال: نتوجه من على المشهد النّفيسى إلى باب القرافة ثم نطلع إلى القلعة، ومنهم من قال غير ذلك. وبينما «٢» هم فى ذلك، ورد عليهم الخبر أن الأمير قراجا ومغلباى الجقمقى خرجا من عسكر قرقماس ولحقا بالسلطان؛ فعند ذلك قوى عزم الأمراء على الطلوع إلى القلعة من سويقه منعم «٣» ، فساروا بمن معهم إلى أن صاروا بآخر سويقة منعم فحركوا خيولهم يدا واحدة، إلى أن وصلوا إلى القلعة، بعد أن كبا بآقبغا التمرازى فرسه ثم قام به ولم يفارق السرج. وطلعوا الجميع إلى القلعة، وقبلوا الأرض بين يدى السلطان، فأكرمهم السلطان غاية الإكرام وندبهم لقتال قرقماس، فنزلوا من وقتهم بأطلابهم ومماليكهم، وقد انضم معهم جميع أمراء الألوف وغيرها، وصفّ آقبغا عساكره والأطلاب الذين معه «٤» ، وقبل أن يعبّى عساكر السلطان صدمته القرقماسية من غير تعبية ولا مصاففة، لأن قرقماس لما وقف تجاه باب السلسلة لم يقدر على تعبية عساكره لكثرة المماليك وقلة من معه من الأمراء، ووقف هو بينهم فى الوسط، ولم يكن لمعسكره قلب ولا ميمنة ولا ميسرة، وذلك لقلة معرفة أصحابه بممارسة الحروب وتعبية العساكر، وكان ذلك من أكبر الأسباب فى هزيمة قرقماس، فإنه تعب فى موقفه ذلك اليوم غاية التعب، فصار

стр. 5258

تارة يكرّ فى الميمنة [وتارة فى الميسرة] «١» وتارة يقاتل بنفسه حتى أثخن جراحه، وتارة يعود إلى سنجقه، ولم يقع ذلك لعساكر السلطان فإن غالبهم كانوا أمراء ألوف وطبلخانات وعشرات، فأما مقدمو «٢» الألوف فوقفت أطلابهم تحت القلعة تجاه قرقماس، كلّ طلب على حدته، فصاروا كالتعبية. [٩٦] وبرزت الأمراء والخاصكيّة لقتال قرقماس، طائفة بعد أخرى، هذا مع معرفتهم بمكايد الحروب وأحوال الوقائع، وآقبغا التمرازى فى اجتهاد يعبى العساكر السلطانية ميمنة وميسرة وقلبا «٣» وجناحين، وكان قصده تعبية المجنّح فلم يمهله القرقماسية، وبادروه بالقتال والنزال من غير إذن قرقماس، فتصادم الفريقان غير مرة، والهزيمة فيها على السلطانية، وتداول ذلك بينهم مرارا كثيرة. واشتد القتال وفشت الجراحات فى الطائفتين، وقتل الأمير جكم النّوروزى أحد أمراء العشرات بوسط الرملة وهو من حزب السلطان، كل ذلك ومنادى قرقماس ينادى فى الناس: من يأتى قرقماس من المماليك السلطانية فله مائتا دينار، ومن يأتيه من الزّعر فله عشرون دينار، فكثر جمعه من الزّعر والعامة، فأخذ [الملك] «٤» الظاهر جقمق ينثر الذهب على الزّعر فمالوا إليه بأجمعهم، وقال لسان حالهم: «درّة معجّلة ولا درّة مؤجّلة» . ثم أمر السلطان بمناد فنادى من أعلى سور القلعة: «من كان فى طاعة السلطان فليحضر وله الأمان كائن من كان وله كذا وكذا» ، وأوعد بأشياء كثيرة. كل ذلك والقتال فى أشد ما يكون، ولم يكن غير ساعة جيدة إلا وأخذ عسكر قرقماس فى تقهقر، وتوجهت الناس إلى السلطان شيئا بعد شىء. وكان جماعة من أصحابنا من الناصرية وقفوا عند الصّوّة من تحت الطبلخاناه [السلطانية] «٥» حتى يروا ما يكون

стр. 5259

من أمر خشداشهم الأتابك قرقماس، وهواهم وميلهم إليه، فإنه قيل فى الأعصار الخالية: «لا أفلح من هجيت قبيلته» ؛ فلما رأوا أمر قرقماس فى إدبار، وأخذ أصحابه فى التفرق عنه، انحازوا بأجمعهم إلى جهة باب السلسلة، وأظهر كل واحد منهم أنه كان «١» ممن قاتل قرقماس. ولم يخف ذلك على [الملك] «٢» الظاهر، لكنه لم يسعه يوم ذاك إلا السكات. وبالله لقد رأيت الأمير آقبغا التركمانى الناصرى وهو يدق بزخمته على طبله، ويندب الناس لأخذ قرقماس بعد أن أشرف على الهزيمة، وعبرته قد خنقته حتى إنه لا يستطيع الكلام من ذلك. ولما كان بين الظهر والعصر أخذ قرقماس فى إدبار، واضمحلت عساكره وذهبت أصحابه، وجرح هو فى وجهه ويده، وكلّ وتعب، وانفلت عنه جموعه، وصار الرجل من أصحابه يغير لبسه ثم يطلع فى الحال إلى القلعة حتى ينظره السلطان، هذا والرمى عليه من أعلى القلعة مترادف بالسهام والنفوط. وكان أصحاب قرقماس فى أول حضوره إلى الرميلة اقتحموا باب السلطان حسن فلم يقدروا على فتحه، فأحرقوه ودخلوا المدرسة وصعدوا على سطحها وأرموا على السلطان وهم أيضا «٣» بالنشاب والكفيات، إلى أن أبادوا القلعيين، ومع هذا كله وأمر قرقماس فى إدبار. وقبل أن تقع الهزيمة على عساكر قرقماس من الذين ثبتوا معه، فرّهو فى العاجل فانهزم عند ذلك عسكره بعد أن ثبتوا بعد ذهابه ساعة، ثم انقلبوا وولوا الأدبار فما أذّن العصر إلا وقد تمت الهزيمة [بعد أن جرح خلائق من الطائفتين] «٤» ، فكان ممن جرح من أعيان السلطانية: الأمير آقبغا التّمرازى أمير سلاح، والأمير تغرى بردى

стр. 5260

المؤذى حاجب الحجاب برمح أخرق شدقه، لزم منه الفراش مدة طويلة وأشرف على الموت، والأمير أسنبغا الطيارى أيضا من طعنة رمح أصابه فى ضلعه، وجماعة كثيرة من الخاصكية والمماليك يطول الشرح فى تسميتهم. وعند ما انهزمت عساكر قرقماس أخذوا سنجقه وطلعوا به إلى السلطان، وفرّ قرقماس فلم يعرف أين ذهب؛ فتوهّم السلطان أنه توجّه إلى جهة الشام فندب الأمير آقبغا التمرازى فى جماعة إلى جهة الخانقاه، فسار إلى أن قارب المرج والزيّات، فلم يجد فى طريقه أثر أحد من العساكر، فعلم أن قرقماس اختفى بالقاهرة، فعاد. وأما الزّعر، فإنهم لما رأوا الهزيمة على القرقماسية [٩٧] أخذوا فى نهبهم، ثم توجهوا إلى داره فنهبوها وأخذوا جميع ما فيها، وفى الحال سكنت الفتنة وفتحت الدكاكين، ونودى بالأمان والبيع والشراء. وأخذ أهل الحرس فى تتبع قرقماس وحواشيه، وندب السلطان أيضا جماعة من خواصه فى الفحص عن أمره، وما أمسى الليل حتى ذهب أثر الفتنة كأنها لم تكن، وبات الناس فى أمن وسلام. وأما السلطان فإنه لما تحقق هزيمة قرقماس، قام من مجلسه بمقعد الإسطبل وطلع إلى القلعة مؤيدا منصورا كأول يوم تسلطن، فإنه كان فى بحران كبير من أمر قرقماس وشدة بأسه وعظم شوكته وجلالته فى النفوس. وقد كان [الملك] «١» الظاهر يتحقق أن قرقماس لا بد له من الركوب عليه، لحبه للرئاسة وتشغّب «٢» رأسه بالسلطنة، ولا يمكنه القبض عليه لاضطراب أمره كما هى أوائل الدول، فكان السلطان يريد مطاولته من يوم إلى يوم، إلى أن يتمكن منه بأمر من الأمور، فعجّل الله له أمره بعد شدة هالته عقبها فرج وأمن. ولما أصبح يوم الخميس خامس شهر ربيع الآخر، عملت الخدمة السلطانية بالقصر

стр. 5261

السلطانى، وطلع القضاة والأعيان وهنّأوه «١» بالنصر والظفر، وقد وقف على باب القصر جماعة من أمراء المؤيدية الرءوس نوب، مثل جانبك المحمودى، وعلى باى العجمى، وأمثالهما «٢» ، ومنعوا المماليك الأشرفية من الدخول إلى الخدمة السلطانية؛ وصار كل واحد منهم يضرب المملوك من الأشرفية على رأسه وأكتافه بالعصى حتى يمنعه من الدخول. هذا بعد أن يوسعه سبّا وتوبيخا، وقطع رواتب جماعة كثيرة منهم. ثم أمر السلطان القضاة، فجلسوا بجامع القلعة، بسبب قطع سلالم مآذن المدرسة الحسنية «٣» ، فحكم قاضى القضاة شمس الدين محمد بن البساطى المالكى بقطعها، وألزم الناظر على المدرسة بقطع السلالم المذكورة، فقطعت فى الحال. ثم أمر السلطان بالفحص عن قرقماس، ونودى عليه بشوارع القاهرة، وهدّد من أخفاه، فظفر به من الغد فى يوم الجمعة سادس شهر ربيع الآخر، وكان من خبره: أنه لما انهزم سار وحده إلى جهة الرّصد «٤» ، وقيل معه واحد من حواشيه، فأقام به نهاره، ثم عاد من ليلته- وهى ليلة الخميس- إلى جهة الجزيرة، ثم مضى منه إلى بستانه بالقرب من موردة الجبس «٥» وقد ضاقت عليه الدنيا بأسرها، وكاد يهلك من الجوع [والعطش] «٦» ، فلما رأى ما حل به، بعث إلى الزينى عبد الباسط يعرفه بمكانه، ويأخذ له أمانا من السلطان. فركب عبد الباسط فى الحال وطلع إلى السلطان

стр. 5262

فى بكرة يوم الجمعة المذكور، وعرّفه بأمر قرقماس، فندب السلطان ولده المقام الناصرى محمدا للنزول إليه، فركب وسار فى خدمته عبد الباسط حتى أتوا إلى موضع كان فيه قرقماس. حدّثنى المقام الناصرى محمد المذكور، قال: لما دخلت على قرقماس قام إلىّ وانحطّ يقبل قدمى فمنعته من ذلك فغلبنى وقبّل قدمى، ثم يدى، ثم شرع يتخضّع إلىّ ويتضرع، وقد علاه الذل والصغار، ولم أر فى عمرى رجلا ذلّ كذلته، ولا جزع جزعه، وأخذت أسكّن روعه، وجعلت فى عنقه منديل الأمان الذي أرسله والدى إليه، فقبل يدى ثانيا ثم أراد الدخول تحت ذيلى، فلم أمكنه من ذلك إجلالا له، ثم خرجنا من ذلك المجلس وركبنا وأركبناه فرسا من جنائبى، ومضينا به إلى القلعة، وهو فى طول طريقه يبكى ويتضرع إلىّ بحيث أنه رقّ عليه قلبى، وكلما مررنا به على أحد من العامة، شتمه ووبخه، وأسمعه من المكروه مالا مزيد عليه، حتى لو أمكنهم رجمه لرجموه. هذا ما حكاه المقام الناصرى، ولما أن وصل قرقماس إلى القلعة، وبلغ السلطان وصوله جلس على عادته، فحال ما مثل بين يديه خرّ على وجهه يقبل الأرض، ثم قام ومشى قليلا، ثم خرّ وقبّل الأرض ثانيا، هذا ووجهه صار «١» كلون الزعفران من الصفار وشدة الخوف، فلما قرب من السلطان أراد أن يقبل رجله، فمنعوه أرباب الوظائف من ذلك، ثم أخذ يتضرع، فلم يطل السلطان وقوفه [٩٨] ووعده «٢» بخير على هينته. ثم أمر به، فأخذ وأدخل إلى مكان بالحوش، فقيّد فى الحال، وهو يشكو الجوع، وذكر أنه من يوم الوقعة ما استطعم بطعام، فأتى له بطعام فأكله، وقد زال عنه تلك الأبهة والحشمة من عظم ما داخله من الخوف والذل، ولهجت العامة تقول فى الطرقات: «الفقر والإفلاس ولا ذلتك يا قرقماس» . قلت: وما أبلغ قول القائل فى معناه: [الوافر]

стр. 5263

أرى الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار توبيخى وفتكى ولا يغرركم منّى ابتسام ... فقولى مضحك والفعل مبكى وأبلغ من هذا قول أبى نواس [فى الزهد] «١» : [الطويل] إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدوّ فى ثياب صديق «٢» ولما أمسك قرقماس المذكور تمّ سرور السلطان، وهدأ «٣» سرّه، وأخذ فى مسك جماعة من أعيان الأشرفية، فأمسك فى يوم واحد أزيد من ستين خاصكيّا من أعيان المماليك الأشرفية، وحبس الجميع بالبرج من قلعة الجبل. ثم فى يوم السبت سابع ربيع الآخر، خلع السلطان على الأمير آقبغا التّمرازى أمير سلاح، باستقراره أتابك العساكر عوضا عن قرقماس المقدم ذكره، وخلع على يشبك السّودونى أمير مجلس، باستقراره أمير سلاح عوضا عن آقبغا التّمرازى، وعلى الأمير

стр. 5264

جرباش قاشق، باستقراره أمير مجلس عوضا عن يشبك المذكور. وفى هذا اليوم أيضا أنزل بالأمير «١» قرقماس الشعبانى المقدم ذكره مقيدا من القلعة على بغل على العادة إلى الإسكندرية، بعد أن سمع من العامة مكروها كثيرا إلى الغاية، كل ذلك لأنه كان لما ولى الحجوبية بالديار المصرية، شدّد على الناس وعاقب على المسكرات العقوبات الخارجة عن الحد، فإنه كان فيه ظلم وجبروت، فلما أن وقع له ما وقع، صار من كان «٢» فى نفسه شىء، انتقم منه فى هذا اليوم، ويوم طلوعه، فنعوذ بالله من زوال النعم. ثم فى يوم الاثنين تاسعه، قرئ عهد السلطان الملك الظاهر جقمق، بالقصر السلطانى من قلعة الجبل، وقد حضر الخليفة أمير المؤمنين أبو الفتح داؤد، والقضاة الأربعة «٣» ، وتولى قراءته كاتب السر الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله، وكان العهد من إنشاء القاضى شرف الدين الأشقر نائب كاتب السر. ولما انتهى كاتب السر من قراءة العهد، خلع السلطان على الخليفة والقضاة، وعلى كاتب السر ونائبه شرف الدين المذكور، وانفض الموكب. ثم فى يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الآخر، أنعم السلطان على الأمير قراجا الأشرفى أحد مقدمى الألوف، بإقطاع الأتابك آقبغا التّمرازى، بحكم انتقال آقبغا على إقطاع الأتابك قرقماس الذي هو برسم من يكون أتابك العساكر، وكان السلطان زاد قرقماس تقدمة أخرى، زيادة على إقطاع الأتابكية يترضاه بذلك، فلم ينعم السلطان بالزيادة على آقبغا: بل أنعم بها على بعض الأمراء، وأنعم السلطان بتقدمة قراجا على الأمير ألطنبغا المرقبى المؤيدى، الذي كان ولى حجوبية الحجّاب فى الدولة المؤيدية، وكان له مدة طويلة بطّالا، ثم صار أمير عشرة، وأنعم السلطان بإمرة مائة وتقدمة ألف على الأمير إينال الأبوبكريّ الأشرفى، عوضا عن قرقماس، وهذه التقدمة التى كانت مع قرقماس زيادة

стр. 5265

على إقطاع الأتابكية المقدم ذكرها، وأنعم بإقطاع إينال ووظيفته الدوادارية الثانية على الأمير أسنبغا الطيّارى الحاجب الثانى. وفيه حضر المقرّ الكمالى محمد بن البارزى من دمشق بطلب، بعد أن تلقاه جميع أعيان الديار المصرية، وأصبح من الغد فى يوم الثلاثاء سابع عشر ربيع الآخر المذكور، خلع السلطان عليه باستقراره فى كتابة السر الشريف بالديار المصرية، عوضا عن الصاحب بدر الدين بن نصر الله بحكم عزله، وهذه ولاية [٩٩] كمال الدين المذكور لوظيفة كتابة السر ثالث مرة، وهى أعظم ولاياته، لأنه صار صهر السلطان وكاتب سره. وفى يوم الثلاثاء هذا، خلع السلطان على الأمير أسنبغا الطيّارى بالدوادارية الثانية، وخلع على الأمير يلبغا البهائى «١» الظاهرى أحد أمراء العشرات، باستقراره حاجبا ثانيا، عوضا عن أسنبغا الطيّارى. ثم فى يوم الخميس تاسع عشره، خلع السلطان على الأمير إينال الأبوبكريّ الأشرفى باستقراره أمير حاجّ المحمل، وأنعم عليه بعشرة آلاف دينار. هذا والقبض على المماليك الأشرفية مستمر فى كل يوم، وكل من قبض عليه منهم، أخرج إقطاعه ووظيفته، وحبس بالبرج من القلعة؛ وقد عيّن السلطان جماعة منهم للنفى إلى الواحات. ثم فى يوم الأربعاء خامس عشرينه، أخرج السلطان جماعة كبيرة من المماليك الأشرفية من برج القلعة، وأمر بنفيهم إلى الواحات؛ فخرجوا من القاهرة من يومهم، وكانوا عدة كبيرة. [ثم] «٢» فى يوم السبت خامس جمادى الأولى، رسم السلطان بالإفراج عن الأمير خشقدم الطّواشى اليشبكى مقدم المماليك كان، ونائبه فيروز الرّكنى من

стр. 5266

سجن الإسكندرية، ورسم لها بالتوجه إلى دمياط على حمل خمسة عشرة ألف دينار. وفيه ورد كتاب الأمير حسين بن أحمد، المدعو تغرى برمش نائب حلب، على السلطان، يتضمن: أنه مقيم على طاعة السلطان، وأنه لبس التشريف المجهز له، وقبّل الأرض؛ فلم يكترث الملك الظاهر بذلك، وكتب ملطّفات إلى أمراء حلب، بالقبض عليه إن أمكنهم ذلك. ثم فى ثامن جمادى الأولى، استقر الشريف صخرة بن مقبل بن نخبار، فى إمرة الينبع، عوضا عن الشريف عقيل بن زبير بن نخبار ثم فى يوم الخميس عاشره، استقر زين الدين يحيى بن كاتب حلوان الأشقر، المعروف بقريب ابن أبى الفرج، ناظر الإسطبل السلطانى، على مال بذله فى ذلك، بعد سعى كبير؛ وخلع السلطان أيضا على محمد الصغير، معلّم النّشّاب، أحد ندماء السلطان، باستقراره فى نيابة دمياط، بعد عزل الأمير أسنباى الزّردكاش الظاهرى. ثم فى يوم الثلاثاء خامس [عشر] «١» جمادى الأولى المذكور، طلب السلطان الشيخ حسن العجمى، أحد ندماء [الملك] «٢» الأشرف برسباى، فلما مثل «٣» بين يديه، تقدم الشيخ حسن المذكور «٤» ليقبل يد السلطان فضربه السلطان بيده على خده [لطشة] «٥» كاد أن يسقط منها إلى الأرض، ثم أمر به فعرّى وضرب بالمقارع ضربا مبرحا، وشهر بالقاهرة، ثم سجن ببعض الحبوس، وذلك لسوء سيرة حسن المذكور وقلة أدبه مع الأمراء فى أيام [الملك] «٦» الأشرف [برسباى] «٧» . وكان أصل هذا حسن من أوباش الأعاجم المولدة من الجغتاى، واتصل [بالملك] «٨»

стр. 5267

الأشرف بعد سلطنته بسنين، ونادمه واختص به، فنالته السعادة وعمّر له الملك الأشرف زاوية بالصحراء بالقرب من تربة [الملك] «١» الظاهر برقوق، وأوقف عليها وقفا جيدا، وكان حسن المذكور، فى أيام أستاذه [الملك] «٢» الأشرف، يدخل إلى أكابر الأمراء ويكلفهم ويأخذ منهم ما أراد من غير تحشّم وعدم اكتراث بهم، فكأنه طرق [الملك] «٣» الظاهر جقمق وفعل معه ذلك، فأسرّها [الملك] «٤» الظاهر له إلى وقتها؛ مع ذنوب أخر، حتى فعل معه ما فعل؛ ثم نفاه إلى قوص، فدام به إلى أن مات فيما أظن. ثم جهّز السلطان الأمير سودون المحمدى، وخلع عليه بنظر مكة المشرفة، وندبه أيضا لقتال عرب بلىّ، وصحبته جماعة من المماليك السلطانية، وعرب بلىّ هؤلاء [هم] «٥» الذين فعلوا بالحجاج ما فعلوه فى موسم السنة الخالية. وندب بعده أيضا الشهابى أحمد بن إينال اليوسفى، أحد أمراء العشرات، لإصلاح مناهل الحجاز وتقوية لسودون المحمدى. ثم خلع السلطان على الأمير أقبغا من مامش التركمانى الناصرى، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، باستقراره فى نيابة الكرك، بعد عزل الصاحب خليل بن شاهين الشّيخى، وانتقاله إلى أتابكية صفد. ثم فى يوم الخميس أول شهر رجب، أنفق السلطان فى المماليك [١٠٠] السلطانية نفقة الكسوة، وكانت عادتهم أن يدفع لكل واحد منهم خمسمائة درهم من الفلوس، فلما قرب أوان تفرقة الكسوة، وقفوا فى يوم الاثنين ثامن عشرين جمادى الآخرة وطلبوا أن ينفق فيهم، عن ثمن الكسوة عشرة دنانير

стр. 5268

لكل واحد، فما زالوا به حتى أنفق فيهم ألف درهم الواحد، ولكل خاصكى ألفا «١» وخمسمائة. وفيه رسم السلطان، بأن يكون نواب القاضى الشافعى خمسة عشر، وثواب الحنفى عشرة، ونواب المالكى والحنبلى أربعة أربعة، ووقع ذلك أياما، ثم عادوا إلى ما كانوا عليه.

стр. 5269

ذكر قتل قرقماس الشعبانى الناصرى المقدم ذكره ولما كان يوم الخميس ثامن شهر رجب، جمع السلطان القضاة بالقصر، بعد الخدمة السلطانية، وادعى القاضى علاء الدين على بن أقبرس، أحد نواب الحكم الشافعية، عند القاضى المالكى شمس الدين البساطى، على الأمير قرقماس المذكور، بأنه خرج عن الطاعة وحارب الله ورسوله، وأن بقاءه بالسجن مفسدة وإثارة فتنة، وأن فى قتله مصلحة؛ وشهد بخروجه عن الطاعة ومحاربته جماعة من أكابر الأمراء، فحكم البساطى بموجب ذلك، فقيل له: ما موجبه؟ فقال: القتل، وانفض المجلس. فندب السلطان طوغان السيفىّ آقبردى المنقار أحد الخاصكيّة لقتله، فسافر طوغان إلى الإسكندرية، ودفع لنائبها ما على يده من المحضر المكتتب على قرقماس، وحكم القاضى المالكىّ بقتله، فأخرجه النائب من السجن فقرئ عليه حكم القاضى، وسئل عن الحكم المذكور، فأعذر. حدّثنى طوغان المذكور بعد عوده من الإسكندرية، قال: لما وصلت إلى الإسكندرية، ودفعت إلى الأمير تمربابى التّمربغاوى نائب الإسكندرية، ما كان على يدى من المراسيم السلطانية وغيرها بقتل قرقماس، فأمر به تمرباى فأخرج من سجنه بقيده إلى بين يدى النائب، فقام النائب وأجلسه مكانه، وسأله فى الأعذار، فأعذر، وقد امتلأ المجلس بالناس، وصار النائب يستحى أن يأمره بالقيام، حتى تكلم بعض من حضر بانفضاض المجلس، وقد حضر المشاعلىّ والوالى، وأقيم قرقماس، وأخذ لتضرب رقبته، فجزع جزعا عظيما وشرع يقول لى: يا أخى يا طوغان، تضرب رقبتى فى هذا الملأ؟ وكرر ذلك غير مرة. فقلت له: يا خوند، أنا عبد

стр. 5270

مأمور، والشرع حكم بذلك. فقدّم وأجلس على ركبتيه، وأخرج المشاعلىّ سيفا من غير قراب، بل كان ملفوفا بحاشية من حواشى الجوخ التى لا ينتفع بها، فلما رأيت ذلك، قلت للمشاعلىّ: إيش هذا السيف الوحش؟ قال: لا، بل هو سيف جيد. ثم أخذ المشاعلى السيف المذكور وضرب به رقبة قرقماس، فقطعت من رقبته مقدار نصف قيراط لا غير، وعند وقوع الضربة فى رقبة قرقماس صاح صيحة واحدة مات فيها من عظم الوهم، ثم ضربه المشاعلىّ أخرى ثم ثالثة، وفى الثالثة حزّها حزّا حتى تخلّصت، كلّ ذلك وقرقماس لا يتكلم ولا يتحرك، سوى الصيحة الأولى، فعلمت بذلك أنه مات فى الضربة الأولى، من عظم ما داخله من الوهم؛ وكان ذلك فى يوم الاثنين ثانى عشر [شهر] «١» رجب من سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة. ومات قرقماس وسنه نيّف على الخمسين سنة تخمينا، ويأتى بقية أحواله عند ذكر الوفيات «٢» من هذا الكتاب [إن شاء الله تعالى] «٣» . ثم فى يوم الاثنين ثانى عشر [شهر] » رجب، خلع السلطان على الأمير يلبغا البهائى الظاهرى [برقوق] «٥» ، أحد أمراء الطّبلخانات وثانى حاجب، باستقراره فى نيابة الإسكندرية، عوضا عن الأمير تمرباى التّمربغاوى بحكم عزله، ثم ندب السلطان الأمير يشبك السّودونى الأمير سلاح، لسفر الصعيد، وعيّن معه عدّة كبيرة من المماليك الأشرفية [نجدة لمن تقدّم قبله] «٦» لقتال عرب الصعيد؛ وخرج فى يوم الاثنين ثانى شهر رمضان بمن معه من المماليك الأشرفية. ثم فى يوم الاثنين تاسع شهر رمضان، قدم الأمير الطّواشى خشقدم اليشبكى، ونائبه فيروز الرّكنى الرومى، من ثغر دمياط، وأمرهما السلطان بالتوجه إلى المدينة النبوية صحبة ركب الحاجّ ليقيما بها.

стр. 5271

ثم فى يوم الأربعاء حادى عشر [شهر] «١» رمضان المذكور، ورد على السلطان كتاب الأمير قانى باى الحمزاوى، نائب حماه، يتضمن ورود الأمير بردبك العجمى الجكمى، حاجب الحجاب [١٠١] بحلب، عليه وصحبته من أمراء حلب، أميران، بعد هزيمتهم من الأمير تغرى برمش نائب حلب، بعد خروجه عن طاعة السلطان وعصيانه. وكان أشيع خبر عصيانه إشاعات، فلما ورد هذا الخبر، تحقق كلّ أحد صحة ما أشيع.

стр. 5272

ذكر خبر عصيان تغرى برمش المذكور «١» وهو أنه كان له من يوم مات [الملك] «٢» الأشرف برسباى، أخذ فى أسباب الخروج، واحترز على نفسه فى عوده صحبة العساكر إلى حلب غاية الاحتراز، حتى إنه لم يدخل حلب إلا بعد خروج العساكر المصرية منها بعد أيام، ولما دخل حلب شرع فى تدبير أمره والنظر فى ما يفعله لنفسه، ولم يكن له غرض فى طلب الملك لمعرفته أن القوم لا يرضونه لذلك، غير أنه يعلم أنهم لا يدعونه «٣» فى نيابة حلب إن أمكنهم ذلك، لكونه كان «٤» تركمانيا غير الجنس. وتحقق هذا، فأخذ فى عمل «٥» مصلحة نفسه، واستدعى أمراء التركمان للقيام معه، فأجابه جماعة كبيرة، وانضم عليه خلائق. وكان تغرى برمش من رجال الدهر، عارفا بتدبير أموره، جيد التصرف، وعنده عقل ومكر وحدس صائب، وتدبير جيد، وهمة عالية، على أنه كان لا يعرف المسألة الواحدة فى دين الله، مع جمودة فى مجالسته وخشونة ألفاظ تظهر منه كما هى عادة أوباش التركمان، وجميع جهده ومعرفته كانت فى أمور دنياه لا غير، مع جبن وبخل، إلا فى مستحقّه. فلما استفحل أمره بمن وافقه من أمراء التركمان فى الباطن، وبكثرة مماليكه وخدمه، مع ما كان حصّله من الأموال، وبلغه مع ذلك أن الملطّفات السلطانية وردت على أمراء حلب فى القبض عليه، رأى أنه يظهر ما استكتمه من الخروج عن الطاعة، ويملك حلب وأعمالها طول عمره، لما دبره أنه إذا غلب عليها وكثرت

стр. 5273

عساكره بها، يحصّنها ويقيم بها، فإن جاءه «١» عسكر هو قبيله، قاتله، وإن كانت الأخرى، انهزم أمامه بعد تحصين قامتها، وتوجّه «٢» إلى جهة بلاد التركمان، إلى أن يعود عنها من أتاها من العساكر، ولم يبق بها إلا من استنيب بها، [و] «٣» قدمها تغرى برمش وملكها منه، كما كان يفعله شيخ ونوروز مع الملك الناصر [فرج ابن برقوق] «٤» ، مع أن تغرى برمش هذا، كان أرسخ منهما قدما بتلك البلاد، لكونه كان تركمانيا، وله أموال جمة، وأكثر دهاء ومكرا، وإن كان شيخ ونوروز أعظم فى النفوس وأشجع، فليس هذا محلّ شجاعة وعظمة، وإنما هو محل تشويش وتنكيد. وتأييد ما قلته: أن [الملك] «٥» الظاهر جقمق، قلق لعصيان تغرى برمش [هذا] «٦» أكثر من عصيان الأمير إينال الجكمى نائب الشام الآتى ذكره، وأرسل [الملك] «٧» الظاهر خلفى وكلّمنى فى المحضر المكتتب فى حق تغرى برمش هذا قديما، من قتله لبعض مماليك الوالد، لما كان تغرى برمش المذكور بخدمة الوالد، على ما سيأتى بيانه فى [ذكر وفيات هذا الكتاب إن شاء الله تعالى] «٨» ، وكلّمنى الملك الظاهر فى أمر تغرى برمش بسبب المحضر وغيره، فلحظت منه ما ذكرته من تخوفه من طول أمر تغرى برمش المذكور معه- انتهى. وكان أول ما بدأ به تغرى برمش أنه أخذ يستميل الأمير حطط نائب قلعة حلب، فلم يتم له ذلك، فأخذ يدبر على أخذ القلعة بالحيل، فأحسّ حطط وكلّم أمراء حلب بسببه، وانفقوا على قتاله، وبادروه وركبوا عليه بعد أمور وقعت يطول شرحها، ورمى عليه حطط من أعلى قلعة حلب؛ وركب الأمير بردبك العجمى الجكمى حاجب حلب، والأمير قطج من تمراز أتابك حلب، وجماعة أمراء حلب، وعساكرها، وواقعوه، فصدمهم بمماليكه صدمة بدد شملهم فيها، وانهزموا

стр. 5274

وتشتتوا، فتوجه قطج إلى جهة البيرة «١» فيما أظن، وتوجه بردبك العجمى ومعه أيضا جماعة إلى حماه، وكانت الواقعة فى ليلة الجمعة ثامن عشرين شعبان، ودخل بردبك حماه فى آخر يوم السبت سلخ شعبان؛ هذا ما كان من أمر تغرى برمش، ويأتى بيان أمر هذه الوقعة، فى كتاب تغرى برمش المذكور [إلى السلطان] «٢» فيما بعد. وأما ما كان من أمر السلطان، فإنه لما بلغه خبر عصيانه، طلب الأمراء وعمل معهم مشورة بسببه، فوقع الاتفاق بعزله عن نيابة حلب، وتولية غيره، ثم ينتظر السلطان بعد ذلك ما يرد عليه من الأخبار من البلاد الشامية، لما كان أشيع بالقاهرة أن الأمير [١٠٢] إينال الجكمى هو الذي أشار لتغرى برمش المذكور بالخروج عن الطاعة، وأنه موافقه فى الباطن، فلذلك لم يعيّن السلطان أحدا من العساكر المصرية، ولا نواب البلاد الشامية، لقتال تغرى برمش. فلما كان يوم الخميس ثانى عشر [شهر] «٣» رمضان المذكور، كتب السلطان بنقل الأمير جلبان أمير آخور نائب طرابلس، إلى نيابة حلب، عوضا عن تغرى برمش المذكور، وأن يستقر الأمير قانى باى الحمزاوى نائب حماه المقدم ذكره «٤» فى نيابة طرابلس [عوضا عن جلبان، وأن يستقر بردبك العجمى الجكمى حاجب حجاب حلب، المقدم ذكره] «٥» فى نيابة حماه، عوضا عن قانى باى الحمزاوى. وتوجّه الأمير على باى العجمى المؤيدى، أحد أمراء العشرات، ورأس نوبة،

стр. 5275

بتقليد جلبان وتشريفه بنيابة حلب، وتقليد بردبك العجمى بنيابة حماه، وبردبك المذكور هو خال على باى المتوجه وجالبه وبه يعرف بالعجمى، على شهرة خاله المذكور. وتوجه الأمير جانبك المحمودى المؤيدى، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، بتقليد الأمير قانى باى الحمزاوى وتشريفه بنيابة طرابلس، وعلى باى وجانبك هما يوم ذاك عقد المملكة وحلّها. وبقى السلطان فى قلق بسبب إينال الجكمى نائب الشام، لكونه أشيع أن سودون أخا «١» إينال الجكمى، منذ قدم من عند إينال إلى القاهرة يستميل الناس إليه، وكان السلطان لما تسلطن أرسل سودون المذكور إلى جميع نواب البلاد الشامية، وكانت العادة جرت، أنه يتوجه لكل نائب أمير، يبشره بجلوس السلطان على تخت الملك، كلّ ذلك مراعاة «٢» لخاطر أخيه إينال الجكمى، وكان السلطان أيضا أرسل إلى إينال المذكور، بخلعة ثانية مع الأمير ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن منجك باستمراره على نيابة دمشق. فلما كان يوم الاثنين سادس عشر شهر رمضان، ورد الخبر على السلطان من الأمير طوخ مازى الناصرى نائب غزة: بأن الأمير ناصر الدين محمد بن منجك المقدم ذكره، لما وصل من عند السلطان بما على يده من الخلعة إلى جسر يعقوب، بعث إليه إينال الجكمىّ ساعيا يستحثه على سرعة القدوم إلى دمشق، ثم أردفه بآخر حتى قدم ابن منجك إلى دمشق فى يوم السبت سابع شهر رمضان المذكور، وخرج إينال إلى لقائه، ولبس التّشريف السلطاّ المجهز إليه على يد ابن منجك، وقبّل الأرض،

стр. 5276

وركب الفرس المحضر معه «١» أيضا، ودخل إلى دمشق فى موكب جليل، ونزل بدار السعادة، فاطمأن أهل دمشق بذلك، فإنه كان قد أشيع أيضا بدمشق بعصيان نائبها المذكور. فلما كان يوم الاثنين تاسعه، ركب الأمير إينال الجكمى الموكب على العادة، ودخل إلى دار السعادة، وجميع أمراء دمشق وسائر المباشرين بين يديه، وقد اطمأن كلّ أحد بأن ملك الأمراء مستمرّ على الطاعة، فما هو إلا أن استقر فى مجلسه أشار بالقبض على أعيان أمراء دمشق، فأغلق الباب وقبض على جميع الأمراء والمباشرين، وكان القائم فى قبض الأمراء [الأمير] «٢» قانى باى الأبوبكريّ الناصرى أتابك دمشق، وقانصوه النّوروزى أحد مقدمى دمشق. والمقبوض عليهم أجلّهم: الأمير برسباى الحاجب وعدة كبيرة أخر يأتى ذكرهم «٣» . قال: وإن على باى العجمى وجانبك المحمودى المتوجهين بتقليد نائب حلب وطرابلس وصلا «٤» إلى غزة وأقاما بها. فلما سمع السلطان هذا الخبر، اضطرب وتشوّش غاية التّشويش، لأنه كان عليه أدهى وأمرّ، وجمع الأمراء واستشارهم فى أمر إينال وتغرى برمش فأشاروا «٥» الجميع بسفره، وتذكّر السلطان قول آقبغا التّمرازى لمّا أشار عليه «٦» قبل سلطنته أن يتوجّه إلى البلاد الشامية ثم يتسلطن، فلم تفده التذكرة الآن، وانفض الموكب على أن السلطان يسافر لقتال المذكورين. ثم فى يوم الأربعاء، ورد الخبر على السلطان: أن الأمير قطج أتابك حلب، وصل أيضا إلى حماة، وأن تغرى برمش أخذ مدينة عين تاب وقلعتها، وأن عدة

стр. 5277

من قبض عليه الأمير إينال الجكمى من أمراء دمشق تسعة عشر أميرا، وأنه قبض أيضا على جمال الدين يوسف بن الصفى الكركى ناظر جيش دمشق، وعلى القاضى بهاء الدين محمد بن حجى كاتب سر دمشق، وأن على باى [١٠٣] وجانبك المحمودى توجّها من غزة إلى الأمير إينال الناصرى العلائى نائب صفد. ثم فى يوم الخميس عشرينه، ورد على السلطان كتاب الأمير تغرى برمش نائب حلب مؤرخا «١» بثانى شهر رمضان، يتضمن أنه فى اليوم «٢» الثالث والعشرين من شعبان لبس الأمير حطط نائب القلعة ومن معه بالقلعة السلاح، وقاموا على سور القلعة ونصبوا المكاحل وغيرها، وأمروا من تحت القلعة من أرباب المعايش وسكان الحوانيت بالنقلة من هناك. وأنه لما رأى ذلك، بعث يسأل حطط عن سبب هذا فلم يجبه، إلى أن كان ليلة التاسع والعشرين منه ركب الأمير قطج أتابك العساكر والأمير بردبك الحاجب فى عدة أمراء لا بسين السلاح ووقفوا تحت القلعة، فبعث إليهم جماعة من عسكره فكانت بين الفريقين وقعة هائلة انهزم فيها قطج، وأنه باق على طاعة السلطان، وأنه بعث يسأل حطط ثانيا عن سبب هذه الحركة، فأجاب بأن الأمير بردبك الحاجب ورد عليه مرسوم السلطان بالركوب عليك وأخذك. وجهزّ تغرى برمش أيضا محضرا ثانيا على قضاة حلب بمعنى ما ذكره، وأنه باق على طاعة السلطان، وأنه لم يتعرض إلى القلعة، فلم يعوّل السلطان على كتابه ولا على ما ذكره لما سبق عنده من خروجه عن الطاعة- انتهى ما تضمنه كتاب تغرى برمش. ثم ورد على السلطان كتاب الأمير فارس نائب قلعة دمشق، بأن الأمير إينال الجكمى أمر فنودى بدمشق بالأمان والاطمئنان والدعاء للسلطان الملك العزيز يوسف، وأن القاضى تقىّ الدين بن قاضى شهبة، قاضى قضاة دمشق، دعا للملك العزيز على منبر جامع بنى أمية فى يوم الجمعة، وأن الخطبة بقلعة دمشق بافية باسم السلطان الملك

стр. 5278

الظاهر جقمق؛ كل ذلك والسلطان قد اجتمع» رأيه على إخراج تجريدة إلى البلاد الشامية. ثم فى يوم السبت حادى عشرين [شهر] «٢» رمضان، استقر القاضى بدر الدين محمد ابن قاضى القضاة ناصر «٣» الدين أحمد التّنّسى أحد خلفاء الحكم المالكية قاضى قضاة الديار المصرية، بعد موت العلامة شمس الدين محمد بن أحمد البساطى. ثم أصبح السلطان من الغد فى يوم الأحد ابتدأ بعرض المماليك السلطانية، وعيّن من الخاصكية ثلاثمائة وعشرين نفرا «٤» ، لسفر الشام مع من «٥» يأتى ذكره من أمراء الألوف وغيرهم. ثم فى يوم الاثنين ثالث عشرينه، خلع السلطان على الأمير الكبير آقبغا التّمرازى باستقراره فى نيابة دمشق، عوضا عن إينال الجكمى بحكم عصيانه، على كره منه وتمنّع كبير. ثم فى يوم الثلاثاء أيضا عرض السلطان الخاصكيّة وعين منهم للسفر ثلاثمائة وثلاثين خاصكيّا، لتتمة ستمائة وستين خاصكيّا، ثم نقّص منهم خمسة بعد أيام. ثم فى يوم الأربعاء خامس عشرينه عيّن السلطان للسفر من أمراء الألوف: قراخجا الحسنى رأس نوبة النوب، وتمرباى السّيفى تمربغا المشطوب، ومن أمراء الطبلخانات: [الأمير] «٦» طوخ من تمراز الناصرى رأس نوبة ثانى، وهو مسفّر الأتابك آقبغا التّمرازى؛ ومن أمراء العشرات عشرة، وهم: أقطوه الموساوى، وقد صار أمير طبلخاناة، وتنم من عبد الرازق المؤيدى محتسب القاهرة ورأس نوبة،

стр. 5279

ثم أعفى بعد ذلك، ويشبك من أزوباى الناصرى رأس نوبة، وبايزير «١» من صفر خجا الأشرفى رأس نوبة، وآقبردى الأشرفى أمير آخور ثالث، وقيزطوغان العلائى، وسودون الإينالى المؤيدى المعروف بقراقاس رأس نوبة، وسودون العجمى النوروزى رأس نوبة، وسودون النوروزى السلاح دار رأس نوبة، وجانبك النوروزى رأس نوبة، وخشكلدى الناصرى البهلوان. ثم ورد الخبر على السلطان من الأمير طوغان العثمانى نائب القدس بأن إينال الجكمى، أطلق الأمراء الذين قبض عليهم قبل تاريخه، وحلّفهم للملك العزيز يوسف، وذلك بشفاعة قانى باى الناصرى البهلوان أتابك دمشق، فحزر أهل المعرفة أن أمر إينال الجكمى لا يتم لتضييعه الحزم فيما فعل من الإفراج عن الأمراء بعد أن تأكدت الوحشة بينهم، ومع ما كان بينه وبين الأمير برسباى الحاجب من حضوض «٢» الأنفس قديما، ونفرت القلوب بذلك عن إينال الجكمى، وأول من نفر عنه تغرى برمش نائب حلب، وقال فى نفسه عن إينال المذكور: هذا فى الحقيقة ليس بخارج عن الطاعة، وإنما قصد بالإشاعة عنه أنه عاص حتى أقدم عليه ويقبض علىّ تقرّبا لخاطر السلطان، وهو معذور فى ذلك، فإن مثل هؤلاء [١٠٤] ما كان يفرج عنهم بشفاعة ولا لشفقة عليهم، وقد قصد ما قصد، [ولله در المتنبى فى قوله] «٣» : [الكامل] لا يخدعنّك من عدوك دمعه ... وارحم شبابك من عدوّ ترحم لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدّم ومن يومئذ أخذ أمر إينال الجكمى فى الاضمحلال قليلا، واستخف كل أحد عقله وتعجب من سوء تدبيره، وكاد أخوه سودون العجمى «٤» أن يموت قهرا لما بلغه عن أخيه إينال [ذلك] ، «٥» وهو يوم ذاك من جملة أمراء العشرات بالديار المصرية.

стр. 5280

ثم ورد الخبر على السلطان بأن الأمير إينال العلائى الناصرى نائب صفد خرج منها، وسار حتى نزل بالرّملة فى سابع عشر [شهر] «١» رمضان، بعد ما أرسل إليه إينال الجكمى يدعوه لموافقته، وأعلمه أيضا أنه ما قام فى هذا الأمر إلا وقد وافقه نواب المماليك، وأركان الدولة وعظماء أمراء مصر، فلم يلتفت إينال العلائى لكلامه، ثم خشى أن يكبس بصفد، فخرج منها بعد أن جعل حريمه بقلعة صفد، وسار حتى نزل الرملة، فسرّ السلطان بذلك وكتب إليه بالثناء والشكر. ثم فى يوم الخميس سابع عشرين [شهر] «٢» رمضان المذكور أنفق السلطان فى العسكر المجرد إلى الشأم- وعدتهم ما بين خاصكىّ ومملوك: ستمائة واثنان وخمسون نفرا- كل واحد ثمانين «٣» دينارا. ثم قدم الخبر بأن الأمير جلبان، المستقر فى نيابة حلب، وصل إلى الرملة فى يوم الاثنين ثالث عشرين شهر رمضان فارّا من تغرى برمش نائب حلب، وكان من خبر تغرى برمش نائب حلب أنه لما قوى أمره وبلغه عصيان إينال الجكمى أيضا، عظم أمره واستدعى التركمان إلى حلب، فقدم عليه منهم جماعة كبيرة إلى الغاية؛ ثم عمل مكحلة «٤» عظيمة من نحاس، ليرمى بها على قلعة حلب، وأخذ مع هذا كله يستميل جماعة من أهل قلعة حلب فمالوا له فى الباطن، وواعدوه على «٥» تسليم القلعة له، وهو مع ذلك مستمر فى حصار القلعة المذكورة، والنقب فى جدر «٦» القلعة [عمّال] «٧» ، والقتال بينه وبينهم فى كل يوم يزداد، إلى أن بلغ الأمير حطط نائب قلعة حلب، عمن «٨» وافق تغرى برمش المذكور، من أهل القلعة، فقبض على الجميع، وأخذ

стр. 5281

بعضهم وجعله فى المنجنيق ورمى به على تغرى برمش، ثم قتل جماعة منهم وجعل رؤوسهم على سور قلعة حلب، فلم يكترث تغرى برمش بذلك واستمر على ما هو عليه من حصار القلعة حتى أشرف على أخذها، فخوّفه بعض أصحابه من وثوب أهل مدينة حلب عليه وأشاروا عليه بأن ينادى لهم بالأمان، فأمر بذلك. وكان بلغ أهل حلب أن تغرى برمش يريد يأمر التركمان بنهب حلب، فلما نودى بالأمان تحققوا ما كان قيل من نهب حلب، وألقى الله فى نفوسهم أن يركبوا عليه ويقاتلوه قبل أن يأمر بنهبهم. فثارت العامة وأهل حلب بأجمعهم «١» بقسيّهم وسلاحهم على حين غفلة، وساروا يدا واحدة واحتاطوا بدار السعادة وبه النائب تغرى برمش؛ وقد تقدم أن تغرى برمش المذكور كان جبانا غير ثابت فى الحروب، ضعيف القلب عند ملاقاة العدو، وليس فيه [سوى] «٢» جودة التدبير وحسن السياسة بحسب الحال، وبالنسبة لأمثاله من الجهلة فعندما بلغه وثوب أهل حلب عليه لم يثبت، وذهب فارّا يريد الخروج من المدينة، وسار حتى خرج «٣» من السور، وصار «٤» واقفا «٥» خارج السور فى نحو الأربعين فارسا تخمينا، وقد نهبت العامة جميع ما كان له بدار السعادة، من الخيول والأموال والسلاح وامتدت أيديهم إلى مماليك تغرى برمش وأتباعه يقتلونهم وينهبونهم. وكان له المماليك الكثيرة المتجمّلة فى لبسهم وسلاحهم، غير أنهم كانوا على مذهب أستاذهم فى الجبن والخوف «٦» وعدم الثبات فى القتال، ولم يظهر لأحد منهم نتيجة فى هذا اليوم ولا فى يوم مصاففته للعسكر المصرى، بل هرب غالبهم وجاء «٧» إلى العساكر المصرية قبل وقوع القتال، وتركوا أستاذهم فى مثل ذلك اليوم مع عظم

стр. 5282

إحسانه لهم، وتخوّلهم فى النّعم. وكانت هذه الوقعة فى يوم الثلاثاء عاشر شهر رمضان، بعد ما كان تغرى برمش حاصر القلعة ثلاثة عشر يوما وتلاحق عدة من أصحاب تغرى برمش ومماليكه به ولم يجد له قوة للعود إلى حلب لقتال أهلها، فسار بمن معه يريد طرابلس، وانضم عليه الأمير طر على بن صقل «١» سيز التركمانى بأصحابه، فلما قارب طرابلس لم يثبت الأمير [١٠٥] جلبان، وانهزم من طرابلس فى العاجل، إلى نحو الرملة حتى قدمها، وانضم على من كان بالرّملة من النواب وغيرهم. وكان جلبان أيضا من مقولة تغرى برمش فى القتال، غير أن أمره كان فى ستر لأمور لا تخفى على أحد، فدقت البشائر لذلك، وسر السلطان بهذا الخبر، وتعجب الناس من نكبة تغرى برمش المذكور، مع قوة أمره وكثرة جموعه. ولما وصل جلبان إلى الرّملة واجتمع بالأمير إينال العلائى نائب صفد، والأمير طوخ مازى نائب غزة، والأمير طوغان العثمانى نائب القدس، اتفقوا على مكاتبة السلطان، فكتبوا له يستدعونه للسير بنفسه، بعد تجهيز العساكر بين يديه سريعا، وكان قدم بهذا الخبر صرغتمش السيفى تغرى بردى أحد مماليك الوالد، وهو يوم ذاك دوادار الأمير جلبان، فخلع عليه السلطان فى يوم الأحد تاسع عشرينه باستقراره دوادار السلطان بحلب، عوضا عن سودون النّوروزى بحكم انتقاله إلى حجوبية حلب، بعد بردبك العجمى المنتقل إلى نيابة حماه. ثم فى هذا اليوم قدم الأمير جانبك المحمودى المتوجه بتقليد قانى باى الحمزاوى بنيابة طرابلس، بعد أن وصل إلى الرّملة ولم يتمكن من التوجه إلى حماه خوفا من إينال الجكمى، فأثار عند قدومه إلى القاهرة سرورا عظيما «٢» ، فإنه زعم أنه ظفر بكتب جماعة من الأمراء وغيرهم إلى العصاة ببلاد الشام، أوقف عليها السلطان، فتعجب السلطان من ذلك غاية العجب، فإنه كان من يوم جلس على

стр. 5283

تخت الملك ويده ممدودة بالإحسان لكل أحد، حتى أنه ترقى فى أيامه إلى الوظائف السنية والإقطاعات الهائلة جماعة من الأوباش لم يكن لهم ذكر بين الناس قبل ذلك، وفيهم من لم أره قبل تاريخه ولا أعرف شكله جملة كافية، وصار منهم السقاة، ورؤوس نوب الجمداريّة، وبجمقداريّة، وسلاح دارية، وغير ذلك، وأثرى «١» منهم جماعة ممن كان غالب معيشته بالشحاذة والتّكدّى، لكثرة ما أغدق عليهم [الملك] «٢» الظاهر جقمق بالعطاء، وصار ينعم عليهم بالأقمشة الفاخرة، حتى أنه وهب لبعضهم الكوامل المخمل المنقوشة بأطواق السّمّور وبالطرز الزركش العريضة، وهو مستمر على ما هو عليه ليوم تاريخه؛ فلما وقف على الكتب قال: هذه مفتعلة، ولم ينتقم على أحد، وأخذ فيما هو فيه من تجهيز العساكر. فرار الملك العزيز ثم أصبح من الغد فى يوم الاثنين سلخه عملت الخدمة بالقصر على العادة، وبينما هو فى ذلك بلغه من الأمير قراخجا الحسنى رأس نوبة النوب فرار الملك العزيز يوسف من محبسه بدور قلعة الجبل- أعنى سكنه، فإنه كان سكن بقاعة البربرية «٣» من الحريم السلطانى- فاستبعد السلطان ذلك وندب بعض خواصه أن يتوجه إلى الأمير فيروز الزمام ويسأله عن صحة هذا الخبر، فمضى المذكور لفيروز وسأله عن لسان السلطان فأنكر فيروز ذلك، ودخل من وقته فلم يجد العزيز فى مكانه، ووجد نقبا بقاعة البربرية يتوصل منه إلى المطبخ السلطانى فعاد القاصد بصحة الخبر على السلطان. فلما تحقق السلطان ذهاب [الملك] «٤» العزيز كادت روحه أن تزهق، وعظم عليه الخبر، ونسى ما كان فيه من أمر إينال الجكمى وتغرى برمش، وعرّف السلطان الأمراء

стр. 5284

وأكابر الدولة بذلك، فما منهم إلا من ظهر عليه الخوف والفزع. وماجت المملكة، وكثر الكلام، واختلفت الأقاويل فى أمر [الملك] » العزيز وفراره، وفى أين توجّه. وكان من خبر العزيز- على اختلاف النقول- أن الملك العزيز لما حبس بقاعة البربرية من الدور السلطانية «٢» ، أقرّ [الملك] «٣» الظاهر عنده دادته سرّ النّديم الحبشية ومعها عدة جوار أخر سرارىّ الملك العزيز، ومرضعته أيضا، ورسم لمرضعته أنها تخرج إلى حيث شاءت، وجعل القائم فى خدمة [الملك] «٤» العزيز لقضاء حوائجه طواشيّا «٥» هنديا من عتقاء أمه خوند جلبان يسمى صندلا «٦» ، وسنّه دون العشرين سنة، فصار صندل المذكور يتقاضى [حوائج العزيز، ويقبض له ما رتّب له من النفقة من أوقاف أبيه، فاحتوى صندل على جميع أمور الملك العزيز، وعرف جميع] «٧» أحواله. وكان عند الطواشى يقظة ومعرفة، وبقى كلما بلغه عن الملك العزيز شىء يبلغه له، فأشيع بالقاهرة أن السلطان يريد يرسل [الملك] «٨» العزيز إلى سجن الإسكندرية، ثم أشيع أنه يريد يكحله؛ فبلّغه صندل المذكور جميع ذلك، فخاف العزيز خوفا عظيما، ثم بلغه أن بعض علماء العصر أفتى بقتل العزيز صيانة لدماء المسلمين، من كونه مخلوعا «٩» عن الملك وله شوكة، والملك الظاهر متولّ ولم يكن له شوكة، فإن أبقى على العزيز ربما تثور شوكته ويقاتل السلطان، [١٠٦] فيقع بذلك الفساد وتسفك دماء كثيرة من المسلمين.

стр. 5285

فلما بلغ العزيز ذلك- على ما قيل- حار فى أمره، فحسّن له صندل المذكور الفرار، فاستبعد العزيز وقوع ذلك، ثم وافقه. وكان للملك العزيز طباخ «١» يسمى إبراهيم من أيام والده، فداخله صندل فى الكلام بفرار العزيز، فأجابه إبراهيم المذكور أنه ينهض بذلك، ويقدر على خروجه من القلعة بحيلة يدبرها. ثم أمر إبراهيم الطباخ صندلا أن ينقب من داخل القلعة نقبا يصل إلى المطبخ المذكور، وأن إبراهيم ينقب من خارج المطبخ مقابله، فأمر العزيز جواريه بالنقب من داخل القلعة مساعدة للطباخ، حتى تهيأ ذلك. وتم هذا، وصندل يتحدث مع جماعة من المماليك الأشرفية فى مساعدة [الملك] «٢» العزيز إذا خرج ونزل من القلعة، فمال إلى ذلك جماعة: منهم طوغان الزّردكاش، وأزدمر مشدّ [الملك] «٣» العزيز أيام أبيه، فى آخرين من [المماليك] «٤» الأشرفية، وبذلوا لصندل الطاعة فى ذلك، ورغّبوه فى نزول الملك العزيز إليهم، واستحثوه على ذلك. وتكلم طوغان الزّردكاش مع جماعة أخر من الأشرفية، فمال الجميع إلى نزوله إليهم، مع عدم الاتفاق مع أكابر الأشرفية، ولا تشاوروا فى ذلك، بل صاروا يحرضون [صندلا] «٥» على نزوله، ولم يعينوا له «٦» مكانا «٧» يجلس فيه إلى «٨» أن يفعلوا له ما هو قصدهم، فلم يعرّف صندل العزيز ذلك، بل صار يمليه بخلاف الواقع، إلى أن انتهى النقب المذكور. فلما كان وقت الإفطار من ليلة الاثنين سلخ شهر رمضان من سنة اثنتين وأربعين، والناس فى شغل بالصلاة والفطر، أخرج الطباخ الملك العزيز من النقب عريانا مكشوف الرأس، فألبسه الطباخ من ثيابه ثوبا مملوءا بسواد القدور والأوساخ، وحمّله قدرا فيه

стр. 5286

طعام، وقيل صحنا فيه منفوع الطباخين من الطعام، يوهم الطباخ بذلك أنه صبيّه، ثم جعل على يده خافقيّة فيها طعام، وغيرّ وجه الملك العزيز ويديه بالزفر وسواد القدور. وخرجا جميعا من غير هرج ولا اضطراب ولا خوف حتى وصلا إلى باب القلعة، فوافاهم «١» الأمراء والخاصكية وقد خرجوا بعد إفطارهم من عند السلطان، فلما رأى «٢» إبراهيم الطباخ الأمراء والخاصكية خاف أن «٣» يفطن به أحد، لجمال وجهه وحسن سمته ولما عليه من الرّونق، فضربه «٤» ضربة بيده وسبّه، يريد بذلك أنه صبيّه، ويستحثه على سرعة الحركة والمشى، ليردّ الوهم عنه بذلك، فأسرع الملك العزيز فى المشى وسارا «٥» حتى نزلا من قلعة الجبل، فإذا صندل وطوغان الزّردكاش وأزدمر مشدّ العزيز فى آخرين واقفين فى انتظاره «٦» ، فحال ما رأوه قبّلوا يده وأخذوه إلى دار بعضهم، فأنكر العزيز ذلك منهم، ونهر صندلا الطّواشى، وقال: ما على هذا أنزلت؛ وكان فى ظن العزيز أنه ساعة ما ينزل إليهم، يأخذوه ويركبون «٧» به إلى جهة قبة النصر أو غيرها بمجموعهم، ويقاتلون «٨» السلطان الملك الظاهر، حتى يملكوا منه القلعة، على ما كان صندل يقول له مثل ذلك. وأراد العزيز العود إلى مكانه بالقلعة فلم يمكنه ذلك، وقام طوغان فى منعه ووعده بقيام جميع خشداشيّته من الأشرفية بنصرته، وأنهم اتفقوا على ذلك، وأنهم إلى الآن لم يصدّقوا بنزول الملك العزيز، فإذا علموا ذلك

стр. 5287

اجتمع «١» الكلّ فى القيام بنصرة الملك العزيز، فإن «٢» لم يفعلوا ذلك أخذه هو وسار به إلى بلاد الصعيد، عند الأمير يشبك السّودونى أمير سلاح المجرد قبل تاريخه لقتال عرب الصعيد، وكان صحبة يشبك جماعة كبيرة من المماليك الأشرفية نحو سبعمائة مملوك، مع ميل يشبك إلى الأشرفية فى الباطن، لكونه كان ممن أنشأه الملك الأشرف برسباى ورقّاه. ثم افترقوا، واختفى الملك العزيز ومعه صندل وأزدمر وإبراهيم الطباخ فى مكان ليلته، ثم تنقّل فى عدة أماكن أخر، وأخذ طوغان فى الكلام مع خجداشيته الأشرفية فى القيام بنصرة ابن أستاذهم الملك العزيز، فاعتلّوا بأن غالبهم قد توجه إلى بلاد الصعيد ولم يجيبوا له دعوة، فلما علم منهم ذلك ركب هجنا وسار إلى بلاد الصعيد لإعلام الأمير يشبك والمماليك الأشرفية بنزول الملك العزيز إليه، ودخل جماعة كبيرة منهم إلى الأمير إينال الأبوبكريّ الأشرفى، وكلموه فى القيام بنصرة ابن أستاذه «٣» ، فخاف العواقب ولم يوافقهم، وتسحّب من داره على بغل ثم نزل ماشيا واختفى. هذا ما بلغنا من أفواه الناس، فإنى لم أجتمع مع إينال المذكور بعد ذلك؛ هذا والسلطان وحاشيته «٤» قد عظم قلقهم، وصار السلطان لا يعلم أين ذهب [الملك] «٥» العزيز، ولم يشك هو وغيره أن [١٠٧] الأمير إينال الأبوبكريّ أخذ العزيز على هجنه المجهزة لسفر الحجاز، فإنه كان ولى إمرة الحاجّ، وسار إلى الأمير إينال الجكمى. قلت: ولو فعل إينال ذلك لكان تم له ما قصد، لكثرة هجنه «٦» ورواحله وعظم حواشيه من

стр. 5288

خجداشية «١» وغيرهم، وكان ذلك هو الرأى فحسّن الله له» غير ذلك، حتى يصل كل موعود إلى ما وعد. كل ذلك فى يوم سلخ رمضان. فلما كان الليل، وهى ليلة عيد الفطر التى تسحّب فيها إينال المذكور، تفرّقت المماليك المؤيدية وغيرهم إلى طرقات القاهرة، ودار منهم طائفة كبيرة حول القلعة وبالقرب من بيت إينال المذكور، مخافة أن يخرج إينال فى الليل بالملك العزيز، وكثر هرج الناس فى تلك الليلة وتخوّفوا من وقوع فتنة من الغد. ومضت تلك الليلة على أبشع وجه من اضطراب الناس وتخوفهم، وأصبح السلطان صلى صلاة العيد بجامع القلعة وهو على تخوف، وقد وقف جماعة بالسلاح مصلتا على رأسه حتى قضى صلاته. وخطب قاضى القضاة شهاب الدين بن حجر وأوجز فى خطبته، كما أسرع فى صلاته، وعندما فرغ من الخطبة، وصل الخبر للسلطان بأن الأمير إينال تسحب فى الليل، فعظم الخطب. فلما علم «٣» السلطان بتسحّب إينال أمر فنودى بالقاهرة أن لا يتخلف أحد من المماليك [عن الخدمة، وهدد من تخلف بالقتل، فلما طلعوا قبض على جماعة من المماليك] «٤» الأشرفية، ثم نودى أيضا فى الناس بإصلاح الدروب وغلقهم أبواب دورهم، وأن لا يخرج أحد من بيته بعد عشاء الآخرة، وصارت أبواب القاهرة تغلق قبل عادة إغلاقها «٥» من الليل، فكانت ليلة هذا العيد ويومه وثانيه من الأيام النكدة البشعة. ثم فى يوم الخميس ثالث شوال خلع السلطان على الأمير تنبك البردبكى، أحد مقدمى الألوف باستقراره أمير حاجّ المحمل، عوضا عن إينال المذكور، بحكم تسحبه، وخلع على قراجا الناصرى الخاصكى البواب باستقراره والى القاهرة،

стр. 5289

بعد عزل علاء الدين على بن الطّبلاوى، وخلع على الأمير ممجق النّوروزى أحد أمراء العشرات باستقراره فى نيابة قلعة الجبل عوضا عن تنبك المستقر فى إمرة حاج المحمل، وفيه أيضا أمسك السلطان جماعة [كبيرة] «١» من المماليك الأشرفية. ثم فى يوم الجمعة رابع شوال سار عسكر من الخاصكية إلى جهة الغربية تزيد عدتهم على سبعين فارسا، لمسك الأمير قراجا الأشرفى أحد مقدمى الألوف، وكان ولى كشف الجسور «٢» بالغربية، فسار العسكر المذكور إلى جهة المحلة، وبلغ قراجا ذلك فخرج إليهم وسلّم نفسه، فأخذ وقيد وحمل إلى الإسكندرية فسجن بها. وأما السلطان فإنه أصبح فى يوم [السبت] خامس «٣» شوال عزل الأمير أركماس الظاهرى عن الدوادارية الكبرى، وأخذت خيوله وخيول الأمير قراجا المقدم ذكره.

стр. 5290

ثم فى يوم الاثنين سابع شوال نودى بأن من وجد أحدا من غرماء السلطان وطلع به فله خمسمائة دينار وإقطاع، ومن غمز عليه أنه أخفى أحدا منهم حلّ ماله ودمه؛ هذا والمؤيدية قد تجردت للفحص عن الملك العزيز وعن المماليك الأشرفية فى جميع الأماكن، وقبضوا على جماعة من غلمانهم حتى دلّوهم على أماكن بعضهم، وصاروا يكبسون الدور والترب وديارات «١» النصارى والبساتين وضواحى القاهرة ومصر، ويمرون فى الليل فى الأزقة متنكّرين، فإنهم صاروا [هم] «٢» أكثر تخوفا «٣» من السلطان على نفوسهم «٤» . وسبب ذلك أن طائفة المماليك المؤيدية كانوا قاموا مع السلطان الملك الظاهر فى [أمر] «٥» سلطنته أتم قيام، مع من ساعدهم من جميع الطوائف، غير أنهم كانوا هم أشدّ بأسا فى ذلك؛ فلما تسلطن الملك الظاهر عرف لهم ذلك ورقاهم وقرّبهم، حتى صاروا هم عقد المملكة وحلّها وتحكموا فى الدولة، وأخرجوا المماليك الأشرفية من الديار المصرية إلى السجون وإلى الثغور وإلى البلاد، وأهانوهم بعد عزهم واتضع جانبهم بعد [١٠٨] رفعتهم. فلما وقع لهم ذلك جدّوا فى الإغراء بالملك العزيز وقتله خوف العواقب، فلم يسمع لهم السلطان، فحسّنوا له أن يكحله فلم يوافق أيضا على ذلك، فلما ثار الأمير إينال الجكمى نائب الشأم ودعا للملك العزيز، وكان تغرى برمش نائب حلب أيضا أعظم ميلا «٦» للملك العزيز لكونه نشء والده الملك الأشرف [برسباى] «٧» ، تحققت المؤيدية أنهم مقتولون أشر قتلة، إن ملك العزيز ثانيا وصار لشوكته دولة، فحرّضوا
следующие страницы →