Полный текст (6 264 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.
стр. 5216
جملة نواب السلطان، وكان الأمراء المجردون «١» كاتبوه فى دخوله فى طاعة السلطان فأجاب؛ وفى جملة الهدية دراهم ودنانير بسكة السلطان [الملك] «٢» الأشرف برسباى، فخلع على قاصده وأكرمه.
ثم خلع السلطان فى يوم الثلاثاء سادس عشر ذى الحجة على الأمير طوخ مازى الناصرى- ثانى رأس نوبة- باستقراره فى نيابة غزة بعد موت آقبردى القجماسى.
كل ذلك والسلطان يطيل السكوت فى المواكب السلطانية [و] «٣» لا يتكلم فى شئ من الأمور، وصار المتكلم فى الدولة ثلاثة أنفس: الأمير الكبير جقمق العلائى، والأمير إينال الأبوبكرى الأشرفى شادّ الشراب خاناه، والزينى عبد الباسط ناظر الجيش؛ فمشى الحال على ذلك أباما ثلاثة «٤» .
فلما كان يوم السبت العشرين من ذى الحجة، وقع بين الأمير إينال الأبوبكرى المذكور وبين جكم الخاصكى- خال [الملك] «٥» العزيز- مفاوضة آلت إلى شر؛ وابتدأت الفتنة من يومئذ، وعظّم الأمر بينهما «٦» من له غرض فى إثارة الفتن لغرض من الأغراض. وكان سبب الشر إنكار جكم على إينال لتحكمه فى الدولة، وأمره ونهيه، وكونه صار يبيت بالقلعة، فغضب إينال أيضا ونزل إلى داره، ومال إليه جماعة كبيرة من إنياته بطبقة الأشرفية. ثم نزل عبد الباسط إلى داره من الخدمة، فتجمع عليه جماعة كبيرة من المماليك الأشرفية وأحاطوا به وأوسعوه سبّا، وربما أراد بعضهم ضربه والأخراق به، لولا ما خلّصه [٧٩] بعض من كان معه من أمراء المؤيدية بأن تضرع للمماليك المذكورين ووعدهم بعمل المصلحة حتى تفرقوا عنه، وتوجه إلى داره على أقبح وجه.
стр. 5217
واستمر من هذا اليوم الكلمة مختلفة وأحوال الناس متوقفة، وصار كل من المماليك الأشرفية يريد أن يكون هو المتكلم فى الدولة، ويقدم إنياته ويجعلهم خاصكيّة.
كل ذلك والأمير الكبير جقمق سامع لهم ومطيع، وصار يدور معهم كيف ما أرادوا، وإينال المشدّ يزداد غضبه ويكثر من القالة، لتحكم جكم فى الباطن، والشر ساكن فى الظاهر، والمملكة مضطربة ليس للناس [فيها] «١» من يرجع إلى كلامه.
فلما كان يوم السبت سابع عشرين ذى الحجة أنعم السلطان الملك العزيز على الأتابك جقمق العلائى بإقطاعه الذي كان «٢» بيده فى حياة والده، بعد أن سأل السلطان الأتابك جقمق فى ذلك غير مرة، وأنعم بإقطاع الأتابك جقمق على الأمير تمراز القرمشى رأس نوبة النّوب، وهو أحد الأمراء المجردين إلى البلاد الشامية، وأنعم بإقطاع تمراز المذكور على تمرباى التمربغاوى الدوادار الثانى، والجميع تقادم ألوف لكن التفاوت فى كثرة الخراج وزيادة المغلّ فى السنة.
وأنعم بإقطاع تمرباى المذكور على الأمير علىّ باى الأشرفى الساقى الخازندار، وأنعم بإقطاع طوخ مازى الناصرى- المنتقل إلى نيابة غزة قبل تاريخه- على الأمير يخشباى الأشرفى الأمير آخور الثانى، وأنعم بإقطاع يخشباى المذكور على الأمير يلخجا من مامش الساقى الناصرى رأس نوبة، والجميع أيضا طبلخاناة.
وأنعم بإقطاع يلخجا الساقى على السيفى قانى باى الجاركسى وصار أمير عشرة، بعد أن جهد الأتابك جقمق فى أمره وسعى فى ذلك غاية السعى، وأرسل بسببه إلى عبد الباسط وإلى الأمير إينال المشد غير مرة حتى تم له ذلك. وخلع السلطان على الأمير إينال الأبوبكرى المشد باستقراره دوادارا ثانيا عوضا عن تمر باى؛ كل ذلك والقالة موجودة بين جميع العسكر ظاهرا وباطنا.
стр. 5218
ثم أصبح من الغد فى يوم الأحد خلع السلطان على الأمير على باى الخازندار، باستقراره شادّ الشراب خاناه، عوضا عن إينال الأبوبكريّ.
ثم فى يوم الاثنين استقر دمرداش الأشرفى، أحد أصاغر المماليك الأشرفية، والى القاهرة عوضا عن [عمر] «١» الشّوبكى، وانفض الموكب ونزل الأتابك إلى جهة بيته.
فلما كان فى أثناء الطريق اجتمع عليه جماعة كبيرة من المماليك الأشرفية وطلبوا منه أرزاقا، فأوعدهم وخادعهم وتخلص منهم، فتوجهوا إلى الزينى عبد الباسط ناظر الجيش فاختفى منهم، وقد صار فى أقبح حال منذ مات [الملك] «٢» الأشرف، من الذلة والهوان ومما داخله [من] «٣» الخوف من المماليك الأشرفية من كثرة التهديد والوعيد، وقد احتار فى أمره وهم على الهروب غير مرة.
واستهلت سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة يوم الثلاثاء، وقد ورد الخبر بقدوم عرب لبيد إلى البحيرة، فندب السلطان تغرى بردى البكلمشى المؤذى «٤» أحد مقدمى الألوف، فخرج من القاهرة فى يوم الجمعة رابع المحرم وصحبته عدة من المماليك السلطانية «٥» . وفى هذا اليوم خلع السلطان على خاله جكم باستقراره خازندارا كبيرا عوضا عن على باى الأشرفى، واستمر على إقطاع جنديته من غير إمرة.
ثم فى يوم الاثنين خامس عشر المحرم نزل الطلب إلى شيخ الشيوخ سعد الدين سعد الديرى، وخلع عليه باستقراره قاضى قضاة الحنفية بالديار المصرية بعد عزل قاضى القضاة بدر الدين محمود العينى، بعد تمنع كبير وشروط منها: أنه لا يقبل رسالة أحد منهم- أعنى أكابر الدولة- وأنه لا يتجوّه عليه فى شىء، وأشياء غير ذلك؛ ونزل إلى داره بالجامع المؤيدى وقد سر الناس بولايته غاية السرور.
стр. 5219
وفيه أنعم السلطان على سبعة من الخاصكية، لكل منهم بإمرة عشرة، وهم: قانم من صفر خجا المؤيّدى المعروف بالتاجر أحد الدوادارية، وجكم النّوروزى المجنون، وقانبك الأبوبكريّ الأشرفى الساقى، وجانبك الساقى الأشرفى المعروف بقلق سيز «١» ، وجانم الأشرفى أحد الدوادارية المعروف برأس نوبة سيّدى، وجرباش الأشرفى رأس نوبة [٨٠] الجمدارية المعروف بمشدّ سيّدى، والسابع ما أدرى: أهو جكم خال [الملك] «٢» العزيز أو هو آقبردى المظفّرى الظاهرى [برقوق] «٣» رأس نوبة الجمدارية؟
وفيه أيضا خلع السلطان على مراد قاصد الأمير حمزة بك بن قرايلك ورسم بسفره وصحبته شمس الدين القلمطاوى أحد موقّعى حلب، وجهز السلطان صحبتهما مبارك شاه البريدى وعلى يده جواب كتاب الأمير حمزة بشكره والثناء عليه، وتشريف له بنيابة السلطنة بممالكه، وفرس بقماش ذهب، وهدية هائلة، ما «٤» بين قماش سكندرى وسلاح وغيره، ونسخة يمين، وأجيب الأمراء المجردون أيضا عن كتبهم، ورسم لهم أن يسرعوا فى الحضور إلى الديار المصرية.
وفى هذه الأيام كثر الكلام بين الأمراء والخاصكية بسبب التوجه إلى البلاد الشامية وحمل تقاليد النواب بالاستمرار، إلى [أن كان] «٥» يوم السبت تاسع عشر المحرم خلع السلطان على الأمير أزبك «٦» السيفى قانى باى «٧» أحد أمراء العشرات ورأس نوبة- المعروف بجحا- وعين لتقليد الأمير إينال الجكمى نائب الشأم، باستمراره على عادته، وكان تقدم أن السلطان خلع على الأمير إينال الفقيه بتوجهه إلى نائب حلب، وخلع السلطان على إينال الخاصكى بتوجهه إلى الأمير جلبان نائب طرابلس،
стр. 5220
وعلى دولات باى الخاصكى [بالتوجه] «١» إلى قانى باى الحمزاوى نائب حماه، وعلى يشبك الخاصكى بالتوجه إلى إينال العلائى الناصرى نائب صفد، كل ذلك والنواب فى التجريدة صحبة الأمراء المصريين.
[و] «٢» فى هذا اليوم حل بالزينى عبد الباسط أمور غير مرضية من بعض المماليك الأشرفية فى وقت الخدمة السلطانية، هذا بعد ما نزل به قبل تاريخه فى هذه الأيام من «٣» أنواع من المكاره، ما بين تهديد ولكم وإساءة، احتاج من أجلها إلى بذل الأموال لهم ولمن يحميه منهم ليخلص «٤» من شرهم، فلم يتم له ذلك.
ثم فى ثالث عشرين المحرم قدم ركب الحاج إلى القاهرة، وأمير [حاج] «٥» المحمل آقبغا من مامش الناصرى المعروف بالتركمانى «٦» ، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، بعد أن حل بالحاج من البلاء ما لا مزيد عليه، من أخذهم وأخذ أموالهم ونهيهم، وقد فعلت الأعراب بهم ما فعله التّمريّة «٧» فى أهل البلاد الشامية، ومعظم المصيبة كانت بالركب الغزّاوى، فلم يلتفت أحد من أهل الدولة لذلك «٨» ، لشغل كل واحد بما يرومه من الوظائف والإقطاعات وغيرها «٩» ، ودع الدنيا تخرب ويحصل له مراده.
ثم فى يوم الثلاثاء تاسع عشرين «١٠» المحرم قدم إلى القاهرة مماليك نواب البلاد
стр. 5221
الشامية، وعلى أيديهم مطالعات تتضمن أنهم ملكوا مدينة أرزنكان «١» وأنه خطب بها باسم [السلطان] «٢» الملك الأشرف برسباى، ولم يعلموا إذ ذاك بموته.
ثم فى يوم الخميس أول صفر عملت الخدمة السلطانية ونزل كل واحد إلى داره، فلما كان عبد الباسط بالقرب من باب الوزير تجمع عليه عدة من المماليك الأشرفية وتحاوطوه وأوسعوه سبّا ووعيدا، وهمّوا به، وأراد [بعضهم] «٣» ضربه، حتى منعه عنه من كان معه من الأمراء، وتخلص منهم وولى هاربا يريد القلعة، حتى دخلها وهم فى أثره؛ فامتنع بها فأقام بالقلعة يومه كلّه وبات بها وهو يطلب الإعفاء من وظيفتى نظر الجيش والأستادارية.
وأصبح السلطان من الغد جلس بالحوش السلطانى على الدّكّة، وطلع الأمير الكبير جقمق نظام الملك واستدعى عبد الباسط إلى حضرة السلطان، والسلطان على عادته من السكات لا يتكلم فى شىء من أمور المملكة، وليس ذلك لصغر سنّه، وإنما هو لأمر يريده الله تعالى. فلما حضر عبد الباسط كلّمه الأمير الكبير فى استمراره على وظيفته، فشكا «٤» له ما يحلّ «٥» به، فلم يلتفت إلى شكواه وخلع عليه باستمراره، وعلى مملوك جانبك باستمراره على وظيفته الأستادارية، ونزلا إلى دورهما ومعهما جماعة كبيرة.
ثم فى يوم الأحد رابع صفر ورد على السلطان كتاب الأمير إينال الجكمى نائب الشام بوصوله بالعساكر المصرية والشامية من البلاد النمالية إلى حلب، وأن الأمير حسين بن أحمد المدعو تغرى برمش نائب حلب تأخر عنهم لما بلغه موت [الملك] «٦»
стр. 5222
الأشرف، وأنه أراد أن يكبس على الأمراء المصريين، فبلغهم ذلك فاحترزوا على نفوسهم [٨١] منه إلى أن دخلوا إلى حلب.
ثم فى يوم السبت عاشر صفر رسم [السلطان] «١» بأن تقتصر الخدمة السلطانية على أربعة أيام فى الجمعة، وأن تكون الخدمة بالقصر فقط عندما يحضر الأتابك جقمق، وأن تبطل خدمة الحوش لغيبة الأتابك منه، وهذا ابتداء أمر الأتابك جقمق وظهوره فى الدولة، لكثرة من انضم عليه من الطوائف من الأمراء وأعيان المماليك السلطانية.
ثم قدم كتاب نائب حلب يتضمن رحيل العساكر من حلب إلى دمشق فى سادس عشرين المحرم، وأنه قدم إلى حلب بعدهم فى ثامن عشرينه، وأنه كان تخوّف من الأمراء المصريين أن يقبضوا عليه فلهذا تخلف عنهم، وأنه فى طاعة السلطان وتحت أوامره، فلم يجب بشىء لشغل أهل الدولة بما هم فيه من تنافر قلوب بعضهم من بعض، وقد وقع أيضا بين المماليك الأشرفية [وبين خجداشهم، وأعظمهم الأمير إينال الأبوبكريّ الدوادار الثانى.
فلما كان يوم الاثنين ثانى عشر تجمع المماليك الأشرفية] «٢» بالقلعة يريدون قتل الأمير إينال الأبوبكريّ الدوادار الثانى «٣» [المقدم ذكره] «٤» ، ففرّ منهم بحماية بعضهم له، ونزل إلى داره، فوقفوا خارج القصر وسألوا الأمير جقمق بأن يكون هو المستبد فى الأمر والنهى والتحكم فى الدولة، وأن ترفع يد إينال وغيره من الحكم فى المملكة، فأجاب إلى ذلك ووعدهم بكل خير، ونزل. وقد اتسع للأتابك جقمق- بهذا الكلام- الميدان، ووجد لدخوله فى المملكة بابا كبيرا، فإنه كان عظم جمعه قبل ذلك لكنه كان تخشّى كثرة المماليك الأشرفية، فلما وقع الآن بينهم المباينة خفّ عنه أمرهم قليلا وقوى أمره؛ كل ذلك ولم يظهر منه الميل للوثوب على [الملك] «٥»
стр. 5223
العزيز بالكلية، غير أنه يوافق القوم فى الإنكار على فعل المماليك الأشرفية وكثرة شرورهم لا غير.
ولما كان صباح النهار المذكور، وهو يوم الثلاثاء ثالث عشر صفر، وقف جماعة كبيرة «١» من الأشرفية تحت القلعة بغير سلاح ووقع بينهم وبين خجداشيّتهم الذين هم من طبقة الأشرفية من إنيات «٢» إينال وإخوته، وقعة هائلة بالدبابيس، ثم انفضوا وعادوا من الغد فى يوم الأربعاء إلى مكانهم بسوق الخيل.
فلما وقع ذلك تحقق المماليك القرانيص وقوع الخلف بين المماليك الأشرفية، فقاموا عند ذلك وتجمعوا عند الأمير الكبير، ومعهم الأمير إينال المذكور بإنياته وخجداشيّته من المماليك الأشرفية وهم جمع كبير أيضا، وتكلموا مع الأمير الكبير بالقيام فى نصرة إينال المذكور، وليس ذلك مرادهم وإنما قصدهم غير ذلك، لكنهم لم يجدوا مندوحة لغرضهم أحسن من هذه الحركة، وأظهروا الميل الكلى إلى نصرة إينال، وصاروا له أصدقاء وهم فى الحقيقة أعدى العدى «٣» ، فمال الأتابك جقمق إلى نصرة إينال لكوامن كانت عنده من القوم، وقد صار بهذه القضية فى عسكر هائل وجمع كبير من المماليك الظاهرية [برقوق] «٤» وهم خجداشيته، والمماليك الناصرية [فرج] «٥» والمماليك المؤيدية شيخ والسّيفية وعالم كبير من المماليك الأشرفية أصحاب إينال.
وبقى العسكر قسمين: قسم مع الأمير الكبير جقمق، وهم من ذكرنا ومعظم الأمراء من مقدمى الألوف، وغالب أمراء الطبلخانات والعشرات، ما خلا جماعة من أمراء الأشرفية؛ وقسم آخر بالقلعة عند السلطان الملك العزيز، وهم أكثر المماليك الأشرفية، وعندهم الخليفة والخزائن والزّردخانة، إلا أنهم جهال بمكايد الأخصام
стр. 5224
ووقائع الحروب، لم تمر بهم التجارب ولا مارسوا الوقائع. وأعظم من هذا أنهم لم يقرّبوا أحدا من الأكابر وأرباب المعرفة، فضلّوا وأضلوا وذهبوا وأذهبوا وأضعفوا بسوء تدبيرهم قواهم، وتركوا الملك باختلاف آرائهم «١» لمن عداهم، على ما سيأتى بيان ذلك كله فى محله.
هذا، وكل من الطائفتين يدّعى طاعة الملك العزيز غير أن الخصم «٢» هو إينال، وقد التجأ إلى الأمير الكبير جقمق نظام الملك فقبله الأمير الكبير بمن معه، وقام فى الظاهر بنصرة إينال أتم قيام وفى الحقيقة إنما هو قام بنصرة نفسه، وقد ظهر ذلك لكل أحد حتى لإينال غير أنه صار يستبعد ذلك لعظم خديعة جقمق له، وأيضا لأنه أحوجه الدهر أن يكون من حزبه، كما قيل:
وما من حبّه أحنو عليه ... ولكن بغض قوم آخرين
[٨٢] ولما وقع ذلك استفحل أمر الأتابك، وتكاثف جمعه، ومعظم من قام فى هذه القضية معه المماليك المؤيّدية، وقد أظهروا ما كان فى ضمائرهم من الأحقاد القديمة فى الدولة الأشرفية، وأخذوا فى الكلام مع الأتابك وتقوية جنابه على الوثوب بالمماليك الأشرفية الذين بقلعة الجبل، وهو يتثاقل عن ذلك حتى يتحقق من أمرهم ما يثق به، وصار يعتذر لهم بأعذار كثيرة: منها قلة المال والسلاح، وأن الذين «٣» بقلعة الجبل أقوياء بالقلعة والمال والسلطان والسلاح. فقالوا: هو ما قلت، غير أن هؤلاء جهلة لا يدرون الوقائع ولا مقاومة الحروب ولا أمر العواقب، ونحن أعرف بذلك منهم، وجمعنا يقاتل معك من غير أن تبذل لهم الأموال.
ولا زالوا به حتى أذعن لهم، بعد أن بلغه عن بعضهم أنه يقول عنه: «الأمير
стр. 5225
الكبير دقن المرأة» ، وأشياء غير ذلك، كونه لا يوافقهم على الركوب، وأنهم يقولون:
«إن كان الأمير الكبير ما يوافقنا أقمنا لنا أستاذا غيره» .
ولما وافقهم الأمير الكبير على الركوب، أشاروا عليه بعدم الطلوع إلى الخدمة السلطانية من الغد فى موكب يوم الخميس خامس عشر صفر، فقبل منهم ذلك وأصبح يوم الخميس المذكور وقد كثر جمعه، وتحول من داره التى تجاه الكبش على بركة الفيل، إلى بيت نوروز الحافظى تجاه مصلاة المؤمنى، وقد اجتمع عليه خلائق من المماليك من سائر الطوائف وعليهم السلاح الكامل وآلة الحرب. وقبل أن يركب الأمير الكبير جقمق عند وضع رجله فى الركاب قال: «هذا دقن المرأة بيركب [حتى] «١» نبصر إيش تفعل الرجال الفحوله» فصلحوا بأجمعهم: «نقاتل بين يديك إلى أن نفنى أو ينصرك الله على من يعاديك» .
ثم سار بجموعه حتى وافى البيت المذكور فوقف على باب الدار، وقد اجتمع عليه جمع من المماليك والزّعر «٢» والعامة، فوعدهم الأمير الكبير بالنفقة والإحسان إليهم، كل ذلك ولم يقع إلى الآن قتال. فلما تحقق المماليك الأشرفية ركوب الأمير الكبير، ورأوهم من أعلى قلعة الجبل، أخرجوا السلطان من الدور إلى القصر المطل على «٣» الرّميلة واجتمعوا عليه بالقصر وغيره، وقد لبسوا السلاح أيضا.
وكان كبراء الأشرفية الذين «٤» بالقلعة عند الملك العزيز، من أمراء الأشرفية وغيرهم جماعة: منهم الأمير يخشباى الأشرفى الأمير «٥» آخور الثانى، وعلى باى شادّ الشراب
стр. 5226
خاناة وتنبك النّوروزى المعروف بالجقمقى نائب قلعة الجبل، وخشكلدى من سيّدى بك الناصرى رأس نوبة، وكزل السّودونى المعلم رأس نوبة، وجكم الخازندار خال [الملك] «١» العزيز، وجماعة أخر ممن تأخر فى أمسه من المماليك الأشرفية، ومعظم الخاصكيّة الأشرفية، أصحاب الوظائف وغيرهم، ما خلا من نزل منهم مع الأمير إينال الأبوبكريّ، واستعدوا لقتال الأمير الكبير ومن معه، وباتوا تلك الليلة، بعد أن تناوشوا فى بعض الأحيان بالرمى بالنشاب، ولم يقع قتال فى مقابله.
وأصبحوا فى «٢» يوم الجمعة سادس عشر صفر على ما باتوا عليه، واستمر كل طائفة من الفريقين على تعبيتهم إلى بعد صلاة العصر، فزحف بعض «٣» أصحاب الأمير الكبير إلى باب القرافة، وهدموا جانبا من سور ميدان القلعة وغيره، ودخلوا إلى الميدان، فنزل إليهم طائفة من السلطانية ركبانا ومشاة وقاتلوهم مواجهة، حتى هزموهم وأخرجوهم من الميدان، وتراموا بالنشاب ساعة فحال بينهم الليل، وبات كل طائفة منهم على حذر. وتوجهت الأشرفية الذين بالقلعة، وفتحوا [باب] «٤» الزردخانة السلطانية، وأخذوا من السلاح الذي بها ما أرادوا، ونصبوا «٥» مكاحل النفط على سور القلعة، وأخذوا فى أهبة القتال.
حتى أصبحوا يوم السبت سابع عشر صفر وقد استفحل أمر السلطانية من عصر أمسه، فتجمعت الجقمقيّة وابتدأوا بقتال السلطانية، فوقع بين الطائفتين قتال بالنشاب والنفوط، فهلك من العامة خلائق ممن كان من حزب الأمير جقمق؛ كل ذلك وأمر السلطانية «٦» يقوى إلى بعيد «٧» الظهر، فلاح «٨» عليهم الخذلان من غير أمر
стр. 5227
يوجب [٨٣] ذلك، ومشت القضاة «١» بين السلطان والأمير الكبير جقمق غير مرة، فى الصلح والكفّ عن القتال وحقن دماء المسلمين، وإخماد الفتنة.
هذا وقد ترجح جهة الأمير الكبير جقمق، وطمعت عساكره فى السلطانية، فقال الأمير الكبير: أصطلح بشرط أن يرسل السلطان إلىّ بأربعة نفر، وهم: جكم خال [الملك] «٢» العزيز الخازندار، وتنم الساقى، وأزبك البواب، ويشبك الفقيه الأشرفى الدوادار؛ فأذعن السلطان ومن عنده لذلك بعد كلام كثير، فنزل «٣» الأربعة من القلعة، بعد صلاة العصر من يوم السبت المذكور، مع من كان تردد فى الصلح، وساروا حتى دخلوا بيت الأمير الكبير، فحال وقع بصره عليهم قبض عليهم واحتفظوا بهم.
وركب الأمير الكبير فرسه وساروا معه أعيان أصحابه إلى أن صار فى وسط الرّميلة تجاه باب السلسلة، فنزل عن فرسه بعد أن فرش [له] «٤» ثوب سرج جوخ، وقبّل الأرض بين يدى السلطان الملك العزيز لكونه أرسل إليه أخصامه، ثم ركب فى أصحابه وعاد إلى بيته بالكبش ومعه المقبوض عليهم، إلى أن نزل بداره فى موكب جليل إلى الغاية.
وأخذ أمر [الأمير] «٥» الكبير [جقمق] «٦» من هذا اليوم فى زيادة وقوة، وأمر [الملك] «٧» العزيز ومماليك أبيه [الأشرفية] «٨» فى نقص ووهن «٩» وإدبار.
وأصبح بكرة يوم الأحد ثامن عشر صفر أرسل الأمير الكبير إلى السلطان «١٠»
стр. 5228
فى طلب جماعة أخر من المماليك الأشرفية، فنزل إليه الأمير يخشباى الأمير آخور الثانى، والأمير على باى شادّ الشراب خاناه، وهما من عظماء القوم والمشار إليهما من القلعية الأشرفية، وقبّلا يد الأمير الكبير جقمق، فأكرمهما الأمير الكبير ووعدهما بكل خير، ثم أمر فى الحال بطلب [الأمير] الطواشى خشقدم اليشبكى مقدم المماليك السلطانية فحضر إليه وقبّل يده، فأمره الأمير الكبير أن يتقدم بنزول جميع من فى الأطباق من المماليك الأشرفية وهدّده إن لم يفعل ذلك، فاستبعد الناس وقوع ذلك لكثرة المماليك الأشرفية وشدة بأسهم.
فحالما طلع خشقدم وأمرهم بالنزول أجابه الجميع بالسمع والطاعة، ونزل صبيان طبقة بعد طبقة إلى بيت الأمير الكبير، وقد حضر عنده قضاة القضاة الأربعة «١» وأهل الدولة وأعيانها، وحلّفوا الأمير الكبير على طاعة السلطان، ثم حلّفوا المماليك الأشرفية على طاعة الأمير الكبير، وحكم قاضى القضاة سعد الدين [بن] «٢» الديرى الحنفى بسفك دم من خالف هذا اليمين.
وعند انقضاء الحلف، أمر الأمير الكبير بنزول جميع المماليك الأشرفية من أطباقهم بالقلعة إلى إسطبلاتهم، ما خلا المماليك الصغار فاعتذروا عن قلة مساكنهم بالقاهرة، فلم يقبل الأمير الكبير أعذارهم وشدّد عليهم، والناس تظن غير ذلك، فخرجوا. وفى الحال أخذوا فى تحويل متاعهم ونزلوا من الأطباق، بعد أن ظن كل أحد منهم أنه لا بد له من إثارة فتنة وشر كبير تسفك فيه دماء كثيرة قبل نزولهم، فلم يقع شىء من ذلك، ونزلوا من غير قتال ولا إكراه؛ وخلت الطباق منهم فى أسرع وقت خذلانا «٣» من الله تعالى، وتركوا السلطان والخزائن والسلاح والقلعة، ونزلوا من غير أمر يوجب النزول، وهم نحو الألف وخمسمائة نفر، هذا خلاف من كان انضم عليهم من الناصرية والمؤيدية والسيفية، ولله در القائل: [السريع]
стр. 5229
ما يفعل الأعداء فى حاهل ... ما يفعل الجاهل فى نفسه
وتعجب الناس من نزولهم، حتى الأمير الكبير جقمق، وصار يتحدث بذلك أوقاتا فى سلطنته، فإنه كان أولا تخوف منهم أن يقبضوا عليه عند طلوعه إلى القلعة غير مرة، ولهج الناس بذلك كثيرا وبلغ الأتابك أنهم يريدون أن يقبضوا عليه وعلى عبد الباسط وعلى الصاحب جمال الدين ناظر الخاص، فقال: وإيش يمنعهم من ذلك؟ وانقطع عن الخدمة السلطانية أياما، حتى كلمه أصحابه فى الطلوع وشجعوه وقالوا له: نحن نطلع فى خدمتك ولا يصيبك مكروه حتى تذهب أرواحنا. كل ذلك قبل أن يقع الشرّ بين الأمير إينال وخجداشيته، فهذا كله ذكرناه لتعرف به شدة بأس المماليك الأشرفية وكثرة عددهم.
[٨٤] فلما تكامل نزول [المماليك] «١» الأشرفية من الأطباق إلى حال سبيلهم، وهذا أول مبدأ زوال ملك السلطان الملك العزيز [يوسف] «٢» ، ومن يومئذ أخذ الأمير إينال الأبوبكريّ الأشرفىّ فى الندم بما وقع منه من الانفراد عن خجداشيته والانضمام على الأتابك جقمق، حتى إنه صار يبكى فى خلواته ويقول: «ليتنى كنت حبست بثغر الإسكندرية، ودام تحكم ابن أستاذى «٣» وخجداشيتى. وما عسى خجداشيتى كانوا يفعلون بى؟» . وندم حيث لا ينفع الندم، وربما بلغ الأمير الكبير عنه «٤» ذلك فأخذ يحلف له أنه لا يريد الوثوب على السلطنة، ولا خلع الملك العزيز، وأنه لا يريد إلا أن يكون نظام ملكه ومدبّر ممالكه، وأشياء غير ذلك.
قلت: وأنا أظن أن الأمير إينال ما طال حبسه إلا بهذا المقتضى، والله أعلم.
ثم فى يوم الأحد هذا قدم الأمير تغرى بردى البكلمشى المؤذى أحد مقدمى
стр. 5230
الألوف من البحيرة بمن كان صحبته من المماليك السلطانية، وكان الأتابك أرسل يستحثه «١» فى القدوم عليه ليكون من حزبه على قتال الأشرفية؛ فتقاعد عنه إلى أن انتهى أمر الوقعة وحضر، فأخذ الأتابك جقمق يوبخه لعدم حضوره، وهو يعتذر بعدم وصول الخبر إليه ويقبّل يده.
ثم ورد الخبر على السلطان بأن العسكر المجرد من الأمراء وصل إلى دمشق فى خامس صفر.
ثم فى يوم الثلاثاء العشرين من صفر شفع الملك العزيز فى خاله جكم ورفقته، فأفرج عنهم الأتابك جقمق وخلع على كل منهم كاملية مخمل بفرو سمور [و] «٢» بمقلب سمور.
ثم فى يوم الخميس ثانى عشرين صفر طلع الأمير الكبير جقمق إلى الخدمة السلطانية ومعه سائر الأمراء وأرباب الدولة، ومنع المماليك الأشرفية من الدخول إلى القصر فى وقت الخدمة، إلا من له نوبة عند السلطان من أصحاب الوظائف، وكان الأتابك جقمق شرط عليهم ذلك عند تحليفهم.
وحضر الأمير الكبير الخدمة، وخلع عليه السلطان تشريفا عظيما «٣» باستمراره على حاله، ونزل من وقته إلى باب السلسلة، وسكن الحراقة من الإسطبل السلطانى بعد أن نقل إليها قماشه ورخته «٤» فى أمسه؛ وبعد أن أمر الأمير يخشباى الأمير أخور الثانى بالنزول من الإسطبل إلى بيته قبل تاريخه، فنزل يخشباى إلى داره، وكانت دار قطلو بغا الكركى التى «٥» تجاه دار منجك اليوسفى بالقرب من الجامع الحسينى، وجلس وأغلق عليه باب الدار، ومنع الناس من التردد إليه، وصار كالمرسم عليه؛ وهذا أيضا من أعجب العجب، كون الشخص يكون على إقطاعه ووظيفته ويصير على هذه المثابة.
стр. 5231
وسكن الأمير الكبير بالسلسلة وتصرف فى أمور المملكة من غير مشارك، واستبد بتدبير أحوال السلطنة من ولاية الوظائف والإنعام بالإقطاعات والإمريات على من يريد ويختار، فصار الملك العزيز ليس له من السلطنة إلا مجرد الاسم فقط. فعظم ذلك على المماليك الأشرفية، وأنكروا سكنى الأمير الكبير بباب السلسلة، واتفقوا ووقفوا فى جمع كبير بالرّميلة وأكثروا من الكلام فى ذلك، ثم انفضّوا من غير طائل وفى أملهم أن الأمراء إذا قدموا من سفرهم أنكروا على الأمير الكبير ما فعله وقاموا بنصرة [الملك] «١» العزيز، وانتظروا ذلك.
وأخذ الأتابك جقمق فى تحصين باب السلسلة والقلعة وأشحنهما بالسلاح والرجال، وصارت الأعيان من كل طائفة تبيت عنده بباب السلسلة فى كل ليلة، والأمراء والأعيان تتردد «٢» إلى خدمته وتركت الخدمة السلطانية، واحتجّ الأمير الكبير بتركها أنه بلغه أن المماليك الأشرفية اتفقوا على قتله إذا طلع إلى الخدمة السلطانية، وجعل ذلك عذرا له عن عدم حضور الخدمة، وصار هو المخدوم والمشار إليه، وتردد مباشرو الدولة إلى بابه وسائر الناس، وتلاشى أمر السلطان [الملك] «٣» العزيز إلى الغاية.
ولهج الناس بسلطنة الأتابك جقمق، وشاع ذلك بين الناس، وصار الأتابك كلما بلغه ذلك أنكره وأسكت القائل بذلك [ولسان حاله ينشد] «٤» : [الكامل]
[٨٥]
لا تنطقنّ بحادث فلربما ... نطق اللسان بحادث فيكون
هذا والأتابك جقمق متخوف فى الباطن من الأمراء المجردين، لكونهم جمعا كبيرا «٥» وفيهم جماعة من حواشى [الملك] «٦» الأشرف ومماليكه، مثل أركماس
стр. 5232
الظاهرى الدوادار الكبير، وتمراز القرمشى رأس نوبة النّوب، وجانم الأشرفى الأمير آخور الكبير، وقراجا الأشرفى، وخجا سودون السّيفى بلاط الأعرج، وفيهم أيضا من تحدثه نفسه بالوثوب على الأمر وهو الأمير قرقماس الشعبانى الناصرى أمير سلاح المعروف بأهرام ضاغ «١» ؛ فلهذا صار الأتابك جقمق يقدم رجلا ويؤخر أخرى.
ثم قدم الخبر بخروج الأمراء من مدينة غزة إلى جهة الديار المصرية، وأن خجا سودون البلاطى أحد مقدمى الألوف تأخر عنهم على عادته فى كل سفرة، فندب الأتابك السيفىّ دمرداش الحسنى الظاهرى برقوق الخاصكى بالتوجه إلى غزة، وعلى يده مرسوم شريف بتوجه خجا سودون إلى القدس بطالا، فمضى دمرداش المذكور وفعل ما ندب إليه.
فلما كان يوم الأربعاء خامس شهر ربيع الأول وصل الأمراء إلى الديار المصرية وطلعوا الجميع إلى الأتابك جقمق، ما خلا الأمير يشبك السّودونى حاجب الحجاب فإنه قدم القاهرة فى الليل مريضا فى محفة إلى داره، ولم ينزل الأتابك إلى تلقى الأمراء المذكورين، وكان أرسل إليهم يخوّفهم من المماليك الأشرفية، وذكر لهم أنهم يريدون الركوب عليهم يوم دخولهم، فدخلوا الجميع بأطلابهم، ولما طلعوا إلى جقمق قام لهم واعتنقهم وأكرمهم غاية الإكرام.
وأرسل إلى الملك العزيز أنه يخرج ويجلس بشباك القصر حتى يقبّلوا له الأمراء الأرض من الإسطبل السلطانى ولا يطلع إليه أحد، ففعل [الملك] «٢» العزيز ذلك وجلس بشباك القصر حتى أخذ الأتابك جقمق الأمراء وسار بهم من الحراقة يريد الإسطبل السلطانى والجميع مشاة؛ وقد جلس السلطان [الملك] «٣» العزيز بشباك القصر فوقف الأمراء تحت شباك القصر وأومأوا برءوسهم كأنهم قبّلوا له «٤» الأرض،
стр. 5233
وأحضر إليهم التشاريف السلطانية فى الحال فلبسوها، وقبّلوا الأرض ثانيا كالمرة الأولى، وعادوا راجعين فى خدمة [الأمير الكبير] «١» حتى طلعوا معه إلى الحرّاقة، ثم سلموا عليه وعادوا وركبوا خيولهم وتوجهوا إلى دورهم.
وكنت لما لاقيت الأمير أقبغا التّمرازى أمير مجلس سألنى عن أحوال الأتابك جقمق، فقلت له كلاما متحصله أنه ليس بينه وبين السلطنة إلا أن تضرب له السكة ويخطب باسمه، فاستبعد ذلك لقوة بأس المماليك الأشرفية وعظم شوكتهم، فلما نزل من القلعة وعليه الخلعة قلت له قبل أن يصل إلى داره: كيف رأيت جقمق؟ قال: سلطان على رغم الأنف. ومعنى قوله: «على رغم الأنف» لأنه كان بينهما حضوض أنفس قديمة.
ثم أصبحوا يوم الخميس سادس شهر ربيع الأول حضروا الجميع إلى عند الأتابك جقمق بباب السلسلة، وجلس الأتابك فى الصدر وكل «٢» من الأمراء على يمينه وشماله، إلا قرقماس أمير سلاح فإنه زاحم الأتابك جقمق فى مجلسه وجلس معه على فراشه، والأمير جقمق يجذبه إلى عنده ويخدعه بأنه لا يفعل شيئا إلا بمشورته، وأنه قوّى أمره بقدومه وأنه شيخ كبير عاجز عن الحركة واقتحام الأهوال، إلا إن كان بقوة قرقماس المذكور، كل ذلك وهما جلوس على المرتبة، فانخدع قرقماس وطابت نفسه بما سمعه من الأتابك جقمق، أنه ربما [إن] «٣» تحرك بعد ذلك بحركة تمت له لضعف جقمق عن مقاومته.
هذا وقد برز الطلب لجماعة من الأشرفية وغيرهم، وجميع من هو بالقلعة من الأعيان، فلما حضروا أشار قرقماس لجماعة من الرءوس نوب، وأمراء جندار ممن حضر المجلس أن اقبضوا على هؤلاء.
وأول ما بدأ برفيقه الأمير جانم الأشرفى الأمير آخور الكبير «٤» ، ثم أشار
стр. 5234
لواحد بعد واحد إلى أن قبضوا على جماعة كبيرة من الأمراء والخاصكيّة، وهم:
الأمير جانم المقدم ذكره، ويخشباى الأمير آخور الثانى، وعلى باى شادّ الشراب خاناه، وتنبك السيفى نوروز الخضرى [المعروف] «١» بالجقمقى نائب قلعة الجبل، وخشقدم الطواشى الرومى اليشبكى مقدم المماليك [٨٦] ، ونائبه الطواشى فيروز الرّكنى الرومى أيضا، وخشكلدى من سيّدى بك الناصرى أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، وجكم خال [الملك] «٢» العزيز، وجرباش الأشرفى أحد أمراء العشرات المعروف بمشدّ سيّدى، وجانبك قلق سيز «٣» الساقى أحد أمراء العشرات؛ ومن الخاصكية: تنم الساقى، وأزبك البواب، ويشبك الفقيه؛ وكل من هؤلاء الثلاثة أحد الأربعة المقدم ذكرهم، وتنبك الفيسى المؤيدى رأس نوبة الجمداريّة، وأرغون شاه الساقى، وبيرم خجا أمير مشوى، ودمرداش الأشرفى والى القاهرة، وبايزير خال الملك العزيز، وقيّدوا الجميع.
وفى الحال خلع على الأمير تمرباى التّمربغاوى أحد مقدمى الألوف باستقراره فى نيابة الإسكندرية عوضا عن الزينى عبد الرحمن بن الكويز بحكم عزله، وأمر بالسفر إلى الإسكندرية من يومه، وخلع على قراجا العمرى الخاصكى الناصرى باستقراره فى ولاية القاهرة عوضا عن دمرداش الأشرفى بحكم القبض عليه.
ثم ندب الأمير الكبير الأمير تنبك البردبكى أحد مقدمى الألوف، والأمير أقطوه الموساوى أحد أمراء العشرات، البرقوقيين، فى عدة من المماليك السلطانية، أن يطلعوا إلى القلعة ويقيموا بها لحفظها. وكان تنبك المذكور ولى نيابة القلعة قبل تاريخه سنين كثيرة فى الدوله الأشرفية، فطلع إلى القلعة وسكن بمكانه أولا على العادة.
ثم انفضّ الموكب وقد تزايد عظمة الأمير الكبير جقمق، وهابته النفوس
стр. 5235
بما فعله قرقماس بين يديه من القبض على الأمراء المذكورين، وفهم الناس أنه فعل ذلك خدمة للأمير الكبير، وكان غرض قرقماس غير ذلك، فإنه رام نفع نفسه فنفع غيره، فكان حاله [كقول من قال] «١» :
مع الخواطئ سهم [صائب] «٢» ... ربّ رمية من غير رام
ونزل الأمراء إلى دورهم وقد استخف الناس عقل قرقماس وخفّته وطيشه فى سرعة ما فعله، كل ذلك لاقتحامه على [حب] «٣» الرئاسة. ونزل قرقماس إلى داره، وفى زعمه أن جميع من هو بخدمة الأمير الكبير ينقلبون «٤» عن الأمير الكبير إليه، ويترددون «٥» إلى بابه لأنه هو كان الحاكم فى هذا اليوم، ولم يدر أن القلوب نفرت منه لتحققهم ما يظنوه من كبره وجبروته وبطشه، وقد اعتادوا باين الأمير الكبير وبأخذه لخواطرهم فى هذه المدة وتمسكه عن قبض من كان لهم غرض فى قبضه، وقد صاروا له كالمماليك والخدم لطول تردادهم إليه فى باب السلسلة وغيرها، وقد انتهى أمره وحصل لهم ما كان فى أملهم. وأيضا أنهم لما رأرا قرقماس فعل ما فعل لم يشكّوا فى أمره أنه من جملة من يقوم بنصرة الأتابك وأنه كواحد منهم، فلم يطرق أحد منهم بابه ولم يدخل إليه فى ذلك اليوم إلا من يلوذ به من حواشيه ومماليكه.
وسافر تمرباى نائب الإسكندرية من الغد فى يوم الجمعة، وأصبح فى يوم السبت ثامن [شهر] «٦» ربيع الأول أنزل من باب السلسلة من تقدم ذكره من الأمراء الخاصكيّة الممسوكين على البغال بالقيود إلى سجن الإسكندرية، وقد اجتمع لرؤيتهم خلائق لا تحصى وهم قسمان: قسم باك عليهم، وقسم شامت لتقاعدهم عن
стр. 5236
القتال فى خدمة ابن أستاذهم الملك العزيز [يوسف] «١» ، وأيضا لما كان يقع منهم فى أيام ابن «٢» أستاذهم من التكبر والجبروت.
ثم أرسل الأمير الكبير فى اليوم المذكور إلى الأمراء القادمين من التجريدة بمال كبير له صورة، لا سيما ما حمله إلى قرقماس فإنه كان جملة مستكثرة.
ثم فى يوم الأحد تاسع شهر ربيع الأول خلع على الزينى عبد اللطيف [بن عبد الله] «٣» الطواشى الرومى المنجكى المعروف بالعثمانى «٤» أحد الجمداريّة باستقراره مقدم المماليك السلطانية، وأنعم عليه بإمرة عشرة لا غير وهو إقطاع النيابة الذي كان بيد فيروز الرّكنى نائب مقدم المماليك، وكانت الخلعة عليه بين يدى العزيز [٨٧] بعثه الأمير الكبير إليه وأمره أن يخلع عليه، واستقر فى نيابة المقدم جوهر المنجكى الحبشى أحد خدام الأطباق الضعفاء الحال ولم تسبق له رئاسة قبل ذلك.
ثم فى يوم الاثنين عاشره ركب السلطان الملك العزيز من القلعة ونزل إلى الميدان، ومعه الزينى عبد الباسط ناظر الجيش وجماعة أخرى من خواصه الأصاغر، وركب الأمير الكبير من الحرّافة وفى خدمته جميع الأمراء مشاة ما عدا أركماس الظاهرى الدوادار الكبير وآقبغا التّمرازى أمير مجلس، وساروا الثلاثة على خيولهم من الإسطبل السلطانى حتى نزلوا إلى الميدان وبه السلطان يسير.
فعندما رأوا الأمراء الملك العزيز ترجّلوا عن خيولهم وقبّلوا الأرض، وتقدم الأمير الكبير جقمق وقبّل رجل السلطان فى الركاب، ثم بعده جميع الأمراء فعلوا مثل فعله، ثم تقدم الأمير يشبك السّودونى حاجب الحجاب قبّل الأرض، وخلع عليه خلعة السفر لأنه كان انقطع عن رفقته لتوعك كان به، وطلع فى هذا
стр. 5237
اليوم؛ ثم انصرف الجميع عائدين فى خدمة الأمير الكبير إلى أن أوصلوه إلى سلم الحراقة، ووقفوا له هناك حتى سلّم عليهم، وعادوا إلى دورهم.
وكان سبب تأخر قرقماس عن الطلوع فى هذا اليوم والذي قبله، أمور: منها أنه كان فى نفسه الوثوب على الأمر، وفعل ما فعل من مسك الأمراء وغيرهم ليروج أمره بذلك، فلم ينتج أمره وتقهقر وزادت عظمة الأتابك جقمق، فعزّ عليه ذلك فى الباطن، وكان فى ظنه أنه لا بد أن يملك الديار المصرية من يوم توجّه إلى مكة وحكمها.
فلما عرف منه ذلك تقرب إليه جماعة من الذين يوهمون الناس أنهم صلحاء، ولهم اطلاع على المغيبات، وصاروا يبشرونه بسلطنة مصر، وتخبره جماعة أخر [بمنامات] «١» تدل على قصده فينعم عليهم بأشياء كثيرة.
ثم كلما نظر من «٢» يدعى معرفة علم النجوم «٣» يسأله عما فى خاطره- وقد أشيع عنه حب الرئاسة- فيبشره الرّمّال أو المنجم أيضا بما يسره من قبله وحسب اجتهاده لأخذ دراهمه.
فكان قرقماس ينتظر موت [الملك] «٤» الأشرف [يوما بيوم، فاتفق موت الملك الأشرف برسباى] «٥» وهو مسافر، وإلى أن يحضر انتظم أمر الأتابك جقمق وتمّ، فلم يلتفت إلى ما رأى من أمر جقمق بما سبق عنده أنه لا بد له من السلطنة، وأخذ يسلك طريقا تصادف ما هو قصده.
فدخل القاهرة مطلّبا «٦» ، فلم يلتفت إليه أحد. وطلع إلى الأتابك جقمق وامتنع من طلوع القلعة إلى الملك العزيز حتى قبّل الأرض من الإسطبل خوفا من أن يقبض عليه، يريد بذلك أن ينتبه إليه الناس، فلم ينظر إليه أحد.
стр. 5238
ثم أخذ فى مسك الأمراء، حتى يعظم فى النفوس، فلم يقع ذلك. فانقطع بداره عن الطلوع إلى الأتابك مدة أيام وتعلل بأنه بلغه عن الأمير الكبير وحواشيه ما غيّر خاطره، يظهر ذلك لتتسامع بغضبه الناس ويأتوه ليثور بهم، فلم ينضم إليه أحد؛ فاستدرك فارطه واستمر بداره إلى هذا اليوم.
فلما عاد الأتابك من عند الملك العزيز إلى سكنه بالحرّاقة من باب السلسلة، أرسل إلى الأمير قرقماس المذكور الأمير تمراز القرمشى رأس نوبة النّوب، وقراجا الأشرفى أحد مقدمى الألوف، والزينى عبد الباسط ناظر الجيش، يسألوه عن سبب انقطاعه عن [الطلوع] «١» إلى الأمير الكبير فى هذه الأيام، فذكر لهم أنه بلغه عن حواشى الأمير الكبير من المؤيّدية أنهم يتهموه بالركوب وإثارة الفتن وأنه يريد يتسلطن ولم يكن له علم بشىء من ذلك، فما زالوا به حتى ركب معهم.
وطلع إلى الأمير الكبير بالحرّاقة من الإسطبل السلطانى، فقام الأمير الكبير واعتنقه وأخذ بيده ودخلا مع أعيان الحاضرين إلى مبيت الحرّاقة، وجلسا فى خلوة وتعاتبا قليلا، وأخذ الأمير الكبير يقول له «٢» إن قرقماس عنده فى مقام روحه، وأنه لم يتصل إلى هذا الموصل إلا بقوته وكونه معه، وأخذ فى مخادعته والأخذ بخاطره، إلى أن تحقق قرقماس أنه لا يأتيه ما يكره من قبل الأتابك، إلى أن يدبر لنفسه ما يوصله [٨٨] إلى غرضه، ثم حلف له الأتابك على هذا المعنى جميعه وبكى واعتنقه، وخرجا من المبيت وقد صفا «٣» ما بينهما ظاهرا، والباطن فلا يعلم ما فيه إلا الله تعالى.
وهو أن قرقماس لم يطلع فى هذا اليوم إلى الأتابك إلا بعد أن عجز عما فى خاطره، فاحتاج إلى المداهنة حتى يطول أمره إلى أن يحصل له مراده، ولم يخف ذلك عن
стр. 5239
الأتابك جقمق، غير أنه رأى [أنه] «١» لا يتم أمره فيما يروم إلا بموافقة قرقماس له أولا، ثم بعد ذلك يفعل ما بدا له.
وعندما قام قرقماس من مجلس الأتابك ليتوجه إلى داره، قدم له الأتابك فرسا بقماش ذهب من مراكيبه، فركبه قرقماس ونزل إلى داره، ومعه أيضا الأمير تمراز رأس نوبة النّوب، وقراجا، وهما فى خدمته إلى داره، فأركب قرقماس كلّا منهما فرسا بقماش ذهب.
ثم أخذه القلق وأخذ يدبر فى تأليف المماليك الأشرفية عليه، فرأى أنه لا «٢» يتم له ذلك بالعطاء ولا بالملق، لكثرتهم، وإنما يتم له ذلك بسلطنة الأتابك جقمق، لينفر عنه من كان من حزبه من المماليك الأشرفية وينضموا عليه؛ وكان هذا حدسا صائبا «٣» ، ووقع له ما أراد، غير أنه استعجل لأمر يريده «٤» الله.
فأخذ قرقماس من يومذاك يحسّن للأتابك جقمق توليته السلطنة وخلع [الملك] «٥» العزيز، ولا زال يلح عليه فى ذلك وهو يلين تارة ويتوقف تارة؛ وكان هذا الأمر فى خاطر الأتابك وأصحابه غير أنه كان يستعظم الأمر ويخاف من نفور قرقماس عنه، إذا فعل ذلك، وأخذ ينتظر فرصة للوثوب بعد حين، فحرّك الله تعالى قرقماس حتى سأله فى ذلك وألحّ عليه لما فى غرضه فى أيسر مدة، لتعلم أن الله على كل شىء قدير.
ومن يومئذ هان الأمر على الأتابك وأخذ فى أسباب السلطنة، وكتب يطلب صهره القاضى كمال الدين مجمد؟؟؟ بن البارزى من دمشق.
ثم أصبح يوم الخميس ثالث عشر [شهر] «٦» ربيع الأول عملت الخدمة السلطانية
стр. 5240
وحضرها الأمير الكبير جقمق والأمير قرقماس أمير سلاح المذكور، وعامة الأمراء وأرباب الدولة على العادة.
وكانت الخدمة السلطانية قد تركت من مدة أيام، فأجراهم السلطان الملك العزيز على عادته من السّكات وعدم الكلام، وانفض الموكب.
ثم طلع الأمير قرقماس من الغد فى يوم الجمعة وحضر الصلاة مع السلطان بالمقصورة من جامع القلعة، ولم يطلع الأتابك جقمق. ونزل قرقماس ولم يتكلم مع السلطان كلمة واحدة.
ثم فى يوم السبت عملت الخدمة أيضا بالقصر على العادة، وحضر الأمير الكبير.
ثم فى يوم الاثنين عملت الخدمة أيضا.
كلّ ذلك بتدبير قرقماس، وهو أنه لما علم أن الأمير الكبير جقمق تم أمره ولم يبق له منازع يعيقه عن السلطنة، أخذ فى عمل الخدمة حتى يجد نفسا من الملك العزيز أو من أحد من حواشيه، حتى تصير له مندوحة لمطاولة الأتابك على «١» السلطنة، لأنه ندم على ما تفوّه به ولم يجد لنفسه قوة حتى يرجع عن قوله، لقوة شوكة الأتابك وكثرة أعوانه ممن اجتمع عليه من الطوائف، لا سيما الطائفة المؤيّدية فإنهم صاروا عصبا له وغيريّة على قرقماس، لما كان بين قرقماس وبين الأمير دولات المحمودى المؤيدى من العداوة قديما، لسبب السّكات عنه أليق، ودولات هو يومذاك عين المؤيدية ورئيسهم، غير أن جميع طائفة الناصرية كانت مع قرقماس فى الباطن لكونه خجداشهم، ولكن هم أيضا ممن كان انضم على الأتابك وصار لهم به إلمام كبير، فلم يظهروا الميل لقرقماس فى الظاهر مخافة أن لا يتم أمره وينحط قدرهم عند الأتابك؛ فصاروا يلاحظونه
стр. 5241
بالقلب والخاطر لا بالفعل والقيام معه، والأتابك جقمق «١» يعرف جميع ذلك، غير أنه يتجاهل عليهم تجاهل العارف، لقضاء حاجته- انتهى.
ولما عملت الخدمة فى هذه الأيام [و] «٢» لم يحصل لقرقماس غرضه، عاد إلى رأيه الأول من الكلام فى سلطنة الأتابك جقمق، وألح عليه حتى أجابه [٨٩] صريحا.
وكان فى هذه الأيام كلّها كلما طلع الأمراء إلى الخدمة السلطانية، ينزل الجميع من القصر بعد انقضاء الخدمة إلى الأمير جقمق ويأكلون السماط عنده.
فلما كان آخر خدمة عملت عند [الملك] «٣» العزيز يوسف فى يوم الاثنين سابع عشر [شهر] «٤» ربيع الأول، نزل قرقماس من عند السلطان مع جملة الأمراء، واجتمع بالأمير الكبير وألح عليه بأنه يتسلطن فى اليوم المذكور، فلم يوافقه جقمق على ذلك وواعده على يوم الأربعاء تاسع عشر [شهر] «٥» ربيع الأول.
ووافقه جميع الأمراء على خلع الملك العزيز وسلطنته، إلا آقبغا التّمرازى فإنه أشار عليه أن يؤخر ذلك ويتجرد إلى البلاد الشامية ويمهدها، كما فعل [الملك] «٦» الظاهر ططر ثم يتسلطن، مخافة من عصيان النواب بالبلاد الشامية عليه عقيب سلطنته، قبل أن يرسخ قدمه، فردّ قوله قرقماس، وأشار بسلطنته فى يوم الأربعاء، ووافقه على ذلك جماعة المؤيدية؛ فتم الأمر على ما قاله قرقماس.
وكان الحزم ما قاله آقبغا التّمرازى، وبيانه أنه لولا سعد [الملك] «٧» الظاهر جقمق حرّك قرقماس للركوب فى غير وقته، لكان قرقماس انتصر عليه لكثرة من كان «٨» انضم عليه من المماليك الأشرفية وغيرهم؛ وأيضا لولا استعجال إينال الجكمى فى صدمته العساكر المصرية، لكان تم أمره لعظم ميل الناس إليه.
стр. 5242
وأما تغرى برمش نائب حلب فكان مسكه على غير القياس، فإنه كان تركمانيّا ووافقه جماعة كبيرة من التركمان، مع قوته وكثرة ماله، فكان يمكنه أن يتعب [الملك] «١» الظاهر جقمق بتلك البلاد طول عمره، فلهذا أشار آقبغا التّمرازى بسفره قبل سلطنته. وقد حسب البعيد ونظر فى العواقب، فلم يسمع [الملك] «٢» الظاهر له وتسلطن، وقاسى بعد ذلك شدائد وأهوالا، أشرف منها غير مرة على زوال ملكه، لولا مساعدة المقادير وخدمة السعد، لما سبق له فى القدم.
ولما كان يوم الأربعاء تاسع عشر [شهر] «٣» ربيع الأول من سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة خلع الملك العزيز يوسف من الملك، وتسلطن الأمير الكبير جقمق العلائى، وتلقب بالملك الظاهر، حسبما يأتى ذكره فى أوائل سلطنته. وكانت مدة سلطنة [الملك] «٤» العزيز على مصر أربعة «٥» وتسعين يوما وزال بخلعه الدولة الأشرفية، وتمزقت مماليك أبيه وتشتتت فى البلاد سنين، وحبس أعيانهم.
ولم يكن [للملك] «٦» العزيز فى السلطنة إلا مجرد الاسم فقط، ولم تطل أيامه ولا تحكّم فى الأمور لتشكر أفعاله أو تذم «٧» ، وإنما كان آلة فى الملك والمتصرف غيره، لصغر سنه وعدم أهلية مماليك أبيه.
ولما خلع [الملك] «٨» العزيز، أدخل إلى الدور السلطانيه واحتفظ به، وسكن بقاعة البربريّة «٩» أشهرا، حتى تسحّب منها ونزل إلى القاهرة واختفى أياما كثيرة، حتى ظفر به وحبس بالقلعة أياما قليلة، ثم نقل إلى سجن الإسكندرية، حسبما يأتى ذكر ذلك [كله] «١٠» مفصلا فى ترجمة [الملك] «١١» الظاهر جقمق [إن شاء الله تعالى] «١٢» .
стр. 5243
واستمر الملك العزيز بسجن الإسكندرية على أجمل حال وأحسن طريقة من طلب العلم وفعل الخير إلى يومنا هذا؛ أحسن الله عاقبته [بمحمد وآله] «١» . وهو ثانى سلطان لقب بالملك العزيز من ملوك مصر، والأول: العزيز عثمان بن [السلطان] «٢» صلاح الدين [يوسف] «٣» بن أيوب، والثانى: العزيز هذا. وهو أيضا ثانى من سمى يوسف، من ملوك مصر، فالأول: [السلطان] «٤» صلاح الدين يوسف هذا، [والله تعالى أعظم] «٥» .
стр. 5244
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٤٢]
[٩٠] ذكر سلطنة الملك الظاهر أبى «١» سعيد «٢» جقمق على مصر
السلطان الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد جقمق العلائى الظاهرى الجركسى، وهو الرابع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، والعاشر من الجراكسة وأولادهم، تسلطن بعد خلع [الملك] «٣» العزيز يوسف ابن [الملك] «٤» الأشرف برسباى، باتفاق الأمراء وأعيان المملكة على سلطنته.
ولما تم أمره استدعى الخليفة المعتضد بالله داؤد والقضاة الأربعة «٥» والأمير قرقماس أمير سلاح، وسائر الأمراء وجميع أعيان الدولة، إلى الحرّافة بباب السلسلة من الإسطبل السلطانى، وجلس كل واحد فى مجلسه «٦» فافتتح الأمير قرقماس بالكلام مع الخليفة والقضاة بأن قال: السلطان صغير والأحوال ضائعة لعدم اجتماع الكلمة فى واحد بعينه، ولا بد من سلطان ينظر فى مصالح المسلمين وينفرد بالكلمة، ولم يكن يصلح لهذا الأمر سوى الأمير الكبير جقمق هذا. فقال جقمق: هذا لا يتم إلا برضا الأمراء والجماعة. فصاح الجميع: نحن راضون بالأمير الكبير. فعند ذلك مد الخليفة يده وبايعه بالسلطنة؛ ثم بايعه القضاة والأمراء على العادة.
ثم قام من فوره إلى مبيت الحرّاقة، ولبس الخلعة الخليفتية السوداء، وتقلّد بالسيف وخرج ركب فرسا أعد له بأبهة السلطنة وشعار الملك، وحملت على رأسه القبة والطير، حملها الأمير قرقماس أمير سلاح، والأمراء مشاة بين يديه، وسار إلى أن طلع إلى
стр. 5245
القصر السلطانى بقلعة الجبل، وجلس على تخت الملك، وقبّل «١» الأمراء الأرض بين يديه على العادة.
وكان جلوسه على تخت الملك فى يوم الأربعاء التاسع عشر من [شهر] «٢» ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، على مضىّ سبع عشرة «٣» درجة من النهار المذكور، والطالع برج الميزان بعشر درجات وخمس وعشرين «٤» دقيقة، وكانت «٥» الشمس فى السادس والعشرين من السّنبلة، والقمر فى العاشر من الجوزاء، وزحل فى الثانى والعشرين من الحمل، والمشترى فى السابع عشر من القوس، والمريخ فى الخامس من الميزان، والزهرة فى الحادى عشر من الأسد، وعطارد فى الرابع عشر من السنبلة، والرأس فى الثانى من الميزان.
стр. 5246
ذكر أصل [الملك الظاهر جقمق] «١» وقدومه إلى مصر ونسبته بالعلائى ثم بالظاهرى
فنقول: [كان] جاركسىّ «٢» الجنس، وأخذ من بلاده صغيرا فاشتراه خواجا كزلك، وكزلك بفتح الكاف وسكون الزاى وفتح اللام وكسرها وسكون الكاف الثانية. وجلبه خواجا كزلك المذكور إلى الديار المصرية فابتاعه منه الأتابك إينال اليوسفى، وقيل ولده أمير على بن إينال المذكور وهو الأصح، ورباه عنده، وأرسله مع والدته «٣» إلى الحج، ثم عاد جقمق إلى القاهرة فى خدمة والده أمير على [المذكور، وكانت والدة أمير على] «٤» متزوجة بشخص من الأجناد [من] «٥» أمير آخورية السلطان يسمى نغتاى، ونغتاى بفتح النون والغين المعجمة، وبعدهما تاء مفتوحة وألف وياء ساكنة.
ولما قدم جقمق إلى القاهرة أقام بها مدة يسيرة، وتعارف مع أخيه جاركس القاسمى المصارع، وكان جاركس يوم ذاك من أعيان خاصكية أستاذه [الملك] «٦» الظاهر برقوق، فكلم جاركس [الملك] «٧» الظاهر برقوقا فى أخذ جقمق هذا من أستاذه أمير على بن إينال، فطلبه [الملك] «٨» الظاهر منه فى سرحة سرياقوس، وأخذه وأعطاه لأخيه جاركس، إنيا بطبقة الزمام من قلعة الجبل. وقد اختلفت «٩» الأقوال فى أمر عتقه: فمن الناس من قال إن أمير على كان أعتقه قبل أن يطلبه [الملك] «١٠» الظاهر منه، فلما طلبه [الملك] «١١» الظاهر سكت أمير على
стр. 5247
عن عتقه لتنال جقمق السعادة بأن يكون من جملة مشتروات [الملك] «١» الظاهر، وكان كذلك. وهذا القول هو الأقوى [و] «٢» المتواتر بين الناس ولما يأتى بيانه.
ومن الناس من قال إنه كان فى الرق وقدّمه أمير على إلى الملك الظاهر لما طلبه منه، ولو كان حرّا يوم ذاك لاعتذر بعتقه، وهذا أيضا مقبول، [٩١] غير أن الذي يقوّى القول الأول يحتج بأن الملك الظاهر [جقمق] «٣» هذا لما كان أمير طبلخاناة وخازندارا فى الدولة المؤيدية [شيخ] «٤» ، أخذ الشهابى أحمد بن أمير على بن إينال اليوسفى وهو صغير، ووقف به إلى السلطان الملك المؤيد، وسأل السلطان فيه ليكون من جملة المماليك السلطانية، فسأل المؤيد عن أحمد المذكور فقال جقمق:
ياخوند، هذا ابن أستاذى أمير على، فقال المؤيد: ومن أين يكون هذا ابن أستاذك؟
[الملك] «٥» الظاهر أعتقك بحضرتنا الجميع، وأخرج لك خيلا على العادة. فقال جقمق:
نعم هو كما قال السلطان، غير أن أمير على كان أعتقنى قبل ذلك، وسكت عن عتقى لما طلبنى [الملك] «٦» الظاهر منه، فغضب الملك المؤيد من ذلك ووبخه، كونه أنكر عتاقة [الملك] «٧» الظاهر له واعترف بعتاقة أمير على؛ ولم ينزل لذلك أحمد المذكور فى جملة المماليك السلطانية، فأخذه جقمق عنده وتولى تربيته.
قلت: وعندى اعتراض آخر، وهو أنه يمكن أن الملك الظاهر كان هو الذي أعتقه، وإنما أراد [الملك] «٨» الظاهر جقمق بقوله إن أمير على أعتقه، ليعظم الأمر على الملك المؤيد، لينزل أحمد المذكور فى جملة المماليك السلطانية، لكثرة حنوه على أحمد المذكور، ولم يدر أن [الملك] «٩» المؤيد يغضبه ذلك، فإنه يقال فى الأمثال: «صاحب الحاجة أعمى لا يريد إلا قضاءها» .
стр. 5248
وكان [الملك] «١» الظاهر جقمق فى طبعه «٢» الرأفة والشفقة على أيتام الأجانب، فكيف الأقارب؟ ولا أستبعد ذلك- انتهى.
ذكر ما وقع له من ابتداء أمره إلى أن تسلطن
فنقول: واستمر جقمق هذا عند أخيه بطبقة الزّماميّة «٣» مدة يسيرة، وأعتقه [الملك] «٤» الظاهر برقوق، وأخرج له خيلا وقماشا على العادة بمفرده، وهو أن بعض المماليك السلطانية من طبقة الزمام المذكورة توفى، فقام جاركس فى مساعدة أخيه جقمق هذا حتى أخذ له جامكيّته وخيله. وأعتقه [الملك] «٥» الظاهر، ثم جعله بعد قليل خاصكيّا، كل ذلك بسفارة أخيه جاركس المذكور. واستمر جقمق خاصكيّا إلى أن مات [الظاهر] «٦» برقوق، وصار ساقيا فى سلطنة [الملك الناصر فرج] «٧» ، ثم تأمّر عشرة، إلى أن خرج أخوه جاركس عن طاعة [الملك] «٨» الناصر [فرج] «٩» فأمسك السلطان جقمق هذا، وحبسه بواسطة عصيان أخيه، فدام فى السجن إلى أن شفع فيه الوالد وجمال الدين يوسف الأستادّار وأطلق من السجن، ثم قتل جاركس فانكفّ جقمق هذا عن الدولة بتلطف، إلى أن قتل [الملك] «١٠» الناصر، وملك شيخ [المحمودى] «١١» الديار المصرية، فأنعم عليه بإمرة عشرة، ثم نقله بعد سلطنته بمدة إلى إمرة طبلخاناه، ثم جعله خازندارا كبيرا بعد انتقال الأمير يونس الركنى إلى نيابة غزة، ثم نقل إلى إمرة مائة وتقدمة ألف فى دولة المظفّر أحمد ابن [الملك] «١٢» المؤيّد شيخ، ثم صار حاجب الحجّاب بعد الأمير طرباى، فى أواخر الدولة الصالحية محمد أو فى أوائل الدولة الأشرفية [برسباى] «١٣» ، ثم نقل إلى الأمير آخورية الكبرى عوضا عن الأمير قصروه من تمراز، بحكم انتقال قصروه إلى نيابة طرابلس فى أوائل صفر من سنة ست وعشرين [وثمانمائة] «١٤» ، وتولى الحجوبية
стр. 5249
من بعده الأمير جرباش الكريمى المعروف بقاشق «١» ، ثم نقل من الأمير آخورية إلى إمرة سلاح بعد إينال الجكمى، واستقر عوضه فى الأمير آخورية الأمير حسين بن أحمد البهسنى التركمانى المدعو تغرى برمش، ودام على ذلك سنين إلى أن نقل إلى أتابكية العساكر بالديار المصرية، عوضا عن إينال الجكمى أيضا بحكم انتقال الجكمى إلى نيابة حلب، بعد عزل قرقماس الشعبانى وقدومه على إقطاع إينال الجكمى مقدم ألف بالقاهرة، فاستمر أتابكا إلى أن مات [الملك] «٢» الأشرف [برسباى] «٣» فى ذى الحجة سنة إحدى وأربعين [وثمانمائة] «٤» ، بعد أن أوصى جقمق على ولده وجعله مدبّر مملكته، إلى أن صار من أمره ما رقّاه إلى السلطنة. وقد ذكرنا ذلك كلّه مفصلا، غير أننا أعدناه هنا لينتظم سياق الكلام مع سياقه- انتهى.
ولنعد «٥» الآن إلى ما كنا فيه:
ولما جلس الملك الظاهر جقمق على تخت الملك وتم أمره، خلع على الخليفة وعلى الأمير [٩٢] قرقماس وقيّد لهما فرسنين بقماش ذهب، ولقب بالملك الظاهر أبى «٦» سعيد جقمق، ثم نودى فى الحال بالقاهرة ومصر بسلطنته والدعاء له، وأن النفقة لكل مملوك من المماليك السلطانية مائة دينار، فابتهج الناس بسلطنته. ثم أمر السلطان فقبض على الطواشى صفىّ الدين جوهر الجلبانى الخبشى لالا الملك العزيز وهو يومئذ زمام الدار السلطانى «٧» ، وخلع على الزّينى فيروز الجاركسى الطواشى الرومى باستقراره زماما عوضا عن جوهر المذكور.
ثم أصبح فى يوم الخميس العشرين من شهر ربيع الأول المذكور خلع على الأمير
стр. 5250
قرقماس الشعبانى الناصرى- أمير سلاح المعروف بأهرام ضاغ- باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن نفسه، وخلع على الأمير آقبغا التّمرازى أمير مجلس باستقراره أمير سلاح عوضا عن قرقماس المذكور، وخلع على الأمير يشبك السّودونى حاجب الحجاب باستقراره أمير مجلس عوضا عن آقبغا التمرازى، وكان السلطان خيّر تمراز القرمشى رأس نوبة النوب فى وظيفة أمير مجلس أو الأمير آخورية الكبرى، فمال إلى الأمير آخورية الكبرى، فخلع عليه بها عوضا عن الأمير جانم الأشرفى بحكم حبسه بثغر الإسكندرية، وخلع على أركماس الظاهرى الدوادار الكبير باستمراره على وظيفة الدوادارية، وعلى الأمير قراخجا الحسنى الظاهرى باستقراره رأس نوبة النوب عوضا عن تمراز القرمشى، وعلى الأمير تغرى بردى البكلمشى المؤذى باستقراره حاجب الحجاب عوضا عن يشبك السّودونى، وعلى الأمير تنبك البردبكى أحد أمراء الألوف باستقراره فى نيابة قلعة الجبل، ثانى مرة عوضا عن تنبك النّوروزى الجقمقى، وخلع على الأمير قراجا الأشرفى فوقانيّا «١» وهو آخر من بقى من مقدمى الألوف، وباقى الإقطاعات شاغرة إلى الآن عن أصحابها، وكتب بحضور الأمير جرباش الكريمى قاشق من ثغر دمياط، وكان له به سنين كثيرة بطالا، ثم خلع السلطان على دولات باى المحمودى الساقى المؤيدى- أحد أمراء العشرات ورأس نوبة- باستقراره أمير آخور ثانيا، عوضا عن يخشباى المقبوض عليه قبل تاريخه، وعلى الأمير تنم من عبد الرزّاق المؤيدى- أحد أمراء العشرات ورأس نوبة- باستقراره محتسب القاهرة عوضا عن الإمام نور الدين السويفى، وعلى قانى باى الجاركسى- الذي تأمّر قبل تاريخه بمدة يسيرة- باستقراره شادّ الشراب خاناه عوضا عن على باى الأشرفى بحكم القبض عليه، واستمر على إمرة عشرة؛ وعلى الأمير قانى باى الأبوبكريّ الأشرفى الساقى باستقراره خازندارا عوضا عن جكم خال العزيز بحكم القبض عليه [أيضا] «٢» .
стр. 5251
ثم أنعم السلطان على جماعة كثيرة جدا باستقرارهم أمراء عشرات يطول الشرح فى ذكرهم، لأنها دولة أقيمت بعد ذهاب دولة، وتغير جميع من «١» كان من أرباب الوظائف الذين كانوا فى الدولة الأشرفية من الخاصكية وغيرهم، واستقرّ جماعة كبيرة رؤوس نوب، منهم من خلع عليه قبل أن يلبس فوقانىّ الإمرة، وهو إلى الآن بحياصة ذهب، ونالت السعادة جميع المماليك المؤيدية الأصاغر، بحيث أن بعضهم كان فقيرا يعيش بالتّكدّى فأخذ إقطاعا هائلا واستقر بوابا دفعة واحدة، وأشياء كثيرة من هذا ذكرناها فى غير هذا المحل.
ثم فى يوم الاثنين رابع عشرين شهر ربيع الأول المذكور، جلس السلطان الملك الظاهر جقمق بالمقعد المطل على الحوش، تجاه باب الحوش المذكور، وابتدأ فيه بنفقة المماليك السلطانية لكل واحد مائة دينار، واستمرت النفقة فيهم فى كل [يوم] «٢» موكب، إلى أن انتهى أمرهم فيها.
ثم فى يوم الثلاثاء خامس عشرينه وصل الأمير جرباش قاشق [من ثغر دمياط] «٣» فأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالقاهرة.
ثم فى يوم الخميس سابع عشرينه عمل السلطان المولد النبوى بالحوش على العادة، وزاد فيه زيادات حسنة [٩٣] من كثرة الأسمطة والحلاوات؛ وانفض الجميع بعد صلاة المغرب.
ثم فى يوم السبت تاسع عشرينه تجمع تحت القلعة نحو ألف مملوك من مماليك الأمراء، يريدون النفقة كما نفق على المماليك السلطانية، فأمر لهم السلطان بنفقة، فنفقت فيهم؛ ولم يكن لذلك عادة قبل تاريخه.
ثم فى يوم الاثنين ثالث «٤» شهر ربيع الآخر قبض السلطان على تاج الدين
стр. 5252
عبد الوهاب الأسلمى- المدعو بالخطير- ناظر الإسطبل السلطانى وعلى ولديه، والثلاثة أشكال عجيبة.
وفيه كانت [مبادئ] «١» وقعة قرقماس مع الملك الظاهر جقمق، وخبره أنه لما كان يوم الثلاثاء المذكور، ثار جماعة كبيرة من المماليك القرانيص ممن كان قام مع الملك الظاهر جقمق، على المماليك الأشرفية، وطلبوا زيادة جوامكهم ورواتب لحمهم، ووقفوا تحت القلعة فأرسل إليهم السلطان يعدهم بعمل المصلحة، فلم يرضوا بذلك وأصبحوا من الغد فى يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الآخر على مواقفهم. وركب السلطان ولعب الكرة بالحوش السلطانى مع الأتابك قرقماس الشعبانى وغيره من الأمراء إلى أن انتهى لعبهم، فأسرّ بعض من تأمّر من المماليك المؤيّدية إلى السلطان، بأن الأتابك قرقماس يريد الركوب على السلطان، فنهره السلطان واستبعد وقوع ذلك من قرقماس، لا سيما فى هذا اليوم.
هذا وقد كثر جمع المماليك السلطانية من الأشرفية وغيرهم، ووقفوا تحت القلعة كما كانوا فى أمسه، ثم [وقفوا] «٢» عند باب المدرج أحد أبواب القلعة، وصاروا كلما نزل أمير من الخدمة السلطانية اجتمعوا به وكلموه فى عمل مصالحهم، ووقع لهم ذلك مع جماعة كبيرة من الأمراء، إلى أن نزل الأتابك قرقماس فأحاطوا به وحدثوه فى ذلك وأغلظوا فى حق السلطان، فوعدهم قرقماس بأنه يتحدث بسببهم مع السلطان، وبشّ لهم وألان معهم فى الكلام، فطمعوا فيه وأبوا أن يمكنوه من الرجوع إلى السلطان، وكلموه فى الركوب على السلطان وهم يوافقوه على ذلك، فأخذ يمتنع تمنعا ليس بذاك.
وظهر من كلامه فى القرائن أنه يريد كثرة من يكون معه، وأن ذلك لا يكون فى هذا اليوم، فلما فهموا منه ذلك تحركت كوامن المماليك الأشرفية من الملك
стр. 5253
الظاهر جقمق، [و] «١» انتهزوا الفرصة وقصدوا الركوب ووقوع الحرب فى الحال، بجهل وعدم دربة بالوقائع والحروب، وأخذوه ومضوا وهم فى خدمته إلى بيته، وكان سكنه بملكه بالقرب من المدابغ خارج باب زويلة. وتلاحق بهم جماعة كثيرة من أعيان المماليك السلطانية وبعض الأمراء وعليهم السلاح، وراودوه على الركوب فلم يعجبه ذلك، وقال لهم ما معناه أن له أصحابا «٢» وخجداشية كثيرة وجماعة من أكابر الأمراء لهم معه ميل وغرض، فاصبروا إلى باكر النهار من الغد لنتشاور معهم فى أمرنا هذا وفيما نفعله، فامتنعوا من ذلك وأظهروا له إن لم يركب فى هذا اليوم لم يوافقوه بعد ذلك.
وكان جمعهم قد كثر إلى الغاية، ولكن غالبهم المماليك الأشرفية، وكان الذي قال له ذلك الأمير مغلباى الجقمقى أستادار الصحبة على لسان بعض أصحابه، وقيل إن قرقماس أراد بهذا الكلام توقفهم حتى يتفرقوا عنه ثم يصعد هو إلى القلعة ويعلم السلطان بذلك.
وعندى أن الصحيح [أنه] «٣» لم يرد بقوله هذا إلا تحكيم أمره حتى يأتوه من الغد بجموعهم، ويأخذوه غصبا كما فعل القوم بالملك الظاهر جقمق، ويجتمع عليه حواشيه وأصحابه- وأنا أعرف بحاله من غيرى- فأبوا عليه وألحوا فى ركوبه فى الوقت، وخوّفوه تفرّق من اجتمع عليه فى هذا اليوم، وكانوا خلائق كثيرة إلى الغاية. فنظر عند ذلك فى أمره، فلم يجد بدا من موافقتهم وركوبه معهم فى هذا اليوم لما فى نفسه من الوثوب على السلطنة [والاستبداد بالأمر] «٤» ، وكان فيه طيش وخفة [فى صفة] «٥» عقل ورزانة [٩٤] لا يفهم منه ذلك إلا من له ذوق ومعرفة بنقد الرجال.
وخاف قرقماس إن لم يركب فى هذا اليوم وأراد الركوب بعد ذلك، لا يوافقه أحد من
стр. 5254
هؤلاء، فينحلّ بذلك برمه ويطول عليه الأمر، لعظم ما كان داخله الحسد للملك الظاهر جقمق، ولله دار القائل: «الحاسد ظالم فى صفة مظلوم مبتلى غير مرحوم» .
وأحسن من هذا قول القائل، وهو لسان حال الملك الظاهر جقمق: [الطويل]
وكلّ أداريه على حسب حاله ... سوى حاسدى فهى التى لا أنالها
وكيف يدارى المرء حاسد نعمة ... إذا كان لا يرضيه إلا زوالها
فعند ذلك قام ولبس آلة الحرب هو ومماليكه، وركب من وقته قريب الظهر من يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الآخر المذكور، وخرج من بيته بعساكر عظيمة، ومعه أمراء العشرات: الأمير أزبك السيفى قانى باى نائب الشام المعروف بأزبك جحا، والأمير جانم الأشرفى [المعروف برأس نوبة سيّدى، وكلاهما أمير غشرة «١» ، وقد وافقه غيرهما مثل الأمير قراجا] «٢» الأشرفى أحد مقدمى الألوف، والأمير مغلباى الجقمقى أستادار الصحبة، ووعداه أنهما يوافياه «٣» بمماليكهما «٤» بالرملة.
وخرج الأمير قرقماس من بيته بجموعه فوافيته خارج باب زويلة من غير ميعاد، وسرت معه، وصحبته عساكر كثيرة من الأشرفية وغيرهم، وأنا بجانبه. فتأملت فى أمره فلم يعجبنى حاله، لاضطراب عساكره ولعدم من يرأسهم من أعيان الأمراء ممن مرّت بهم التجارب، وأيضا لكثرة قلقه فى مسيره وعدم ثباته فى كلامه، وظهر لى منه أيضا أنه لم يعجبه ما هو فيه من اختلاف كلمة من هو معه من المماليك السلطانية وآرائهم المفلوكة وكثرة هرجهم، ثم صار يقول فى مسيره: الله ينصر الحق، فيقول آخر: الله ينصر الملك العزيز يوسف، ويقول آخر: الله ينصر الأمير قرقماس، ومنهم من قال: الله ينصر السلطان، ولم أدر أىّ سلطان قصد؛ كل ذلك فى تلك المسافة القريبة من بيته إلى الرملة.
стр. 5255
ثم كشف قرقماس رأسه وصاح: «الله ينصر الحق» غير مرة، فتعجبت أنا من دعائه، لأىّ حق يريد؟ فلما أن كشف رأسه تفاعل الناس بخذلانه، وظهر لى منه أيضا أنه كان يتخوف من المماليك الأشرفية، لما بلغنى بعد ذلك أنه بلغه فى اليوم المذكور أنهم إذا انتصروا على [الملك] «١» الظاهر جقمق وملكوا القلعة ضربوا رقبة قرقماس، فنفر خاطره من ذلك. وكأنه بلغه ذلك بعد ركوبه وشروعه فيما هو فيه، فبقى لا يمكنه إلا الإتمام، لأن الشروع ملزم؛ والمقصود أنه سار إلى أن وصل قريبا من جامع السلطان حسن، فوافاه الأمير قراجا بطلبه ومماليكه وعليهم السلاح، والأمير مغلباى الجقمقى، وسارا معه من تحت مدرسة السلطان حسن إلى بيت قوصون تجاه باب السلسلة.
وكان يسكنه يوم ذاك الأمير أركماس الظاهرى الدوادار الكبير، وقد أغلقه مماليك أركماس [المذكور] «٢» ، فقصد قرقماس [المذكور] «٣» عبور البيت المذكور فوجده مغلقا، ثم دخله بعد أمور، فإذا بأركماس الظاهرى قد خرج من باب سرّ البيت المذكور، ومضى إلى حال سبيله [محمولا] «٤» لعجزه عن الحركة لوجع كان يعتريه برجليه، وأيضا لم يكن من هذا القبيل.
وملك قرقماس البيت ودخله، وأخذ فيما يفعله مع عساكر السلطان من القتال وغيره، فلم ينتظم له أمر ولا رتب له طلب من كثرة الغوغاء والهرج، حتى أن باب السلسلة كان مفتوحا منذ قدم قرقماس إلى الرملة وأخذ بيت أركماس الظاهرى، والأمير تمراز القرمشى الأمير آخور الكبير لم يلتفت إلى غلقه ولا تحرك من مجلسه ولا ألبس أحدا من مماليكه السلاح، ومن عظم تراخيه فى ذلك «٥» نسبوه للمالأة مع قرقماس- ولا يبعد ذلك. ومع هذا كله لم يلتفت أحد من أصحاب قرقماس إلى أخذ باب السلسلة، ولا سار أحد إلى جهته جملة كافية، لعظم
следующие страницы →