← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

فى مشدّيّة «١» بندر جدّة، عوضا عن الأمير جانبك الظاهرى، حسبما نذكره من أمره ثانيا «٢» فيما «٣» يأتى مفصلا، إن شاء الله تعالى. [ثم] «٤» فى يوم السبت تاسع عشره، استقر القاضى ولىّ الدين الأسيوطى، فى مشيخة المدرسة الجماليّة، بعد تسحّب ولىّ الدين السّفطى واختفائه. ثم فى يوم الاثنين العشرين من ذى القعدة، استقر الأمير جانبك اليشبكى والى القاهرة، فى حسبة القاهرة، مضافا لما معه من الولاية وشدّ الدواوين والحجوبية؛ وجانبك هذا أحد من رقاه المقر الصاحبى ناظر الخاص المقدم ذكره. [ثم] «٥» فى يوم الخميس ثالث عشرين ذى القعدة أيضا، نودى بالقاهرة على ولى الدين السّفطى، بأن من أحضره إلى السلطان يكون له مائة دينار، وهدّد من أخفاه بعد ذلك بالعقوبة والنكال. ثم فى يوم الخميس ثامن ذى الحجة، وصل الأمير يشبك الصوفى المؤيدى، نائب طرابلس، إلى القاهرة، وطلع إلى القلعة وقبّل الأرض، فحال وقوفه «٦» رسم السلطان بتوجّهه إلى ثغر دمياط بطّالا، وذلك لسوء سيرته فى أهل طرابلس. وفيه عزل السلطان الأمير علان جلّق المؤيدى عن حجوبية حلب، لشكوى «٧» الأمير قانى باى الحمزاوى نائب حلب عليه، ثم انتقض ذلك، واستمر علّان على وظيفته. ووقع فى هذه السنة- أعنى ثلاث وخمسين- غريبة، وهى أنه مات فيها من ذوات الأربع، مثل الأغنام والأبقار وغيرها، شىء كثير «٨» ، من عدم العلوفة، لغلو الأسعار

стр. 5392

والفناء، فأيقن كلّ أحد بتزايد أثمان الأضحية، فلما كان العشر الأول من ذى الحجة، وصل إلى القاهرة من البقر والغنم شىء كثير، حتى أبيعت بأبخس الأثمان. ثم فى يوم تاسع عشر ذى الحجة المذكور، سمّر نجم الدين أيوب [بن حسن بن محمد نجم الدين بن البدر ناصر الدين] «١» بن بشارة، وطيف به، ثم وسّط من يومه، ووسّط معه شخص آخر من أصحابه، وقد ذكرنا سبب القبض عليه وما وقع له فى تاريخنا «حوادث الدهور فى مدى «٢» الأيام والشهور» ، إذ هو محله «٣» . ثم فى يوم السبت رابع عشرينه، عزل السلطان الأمير علان المؤيدى، عن حجوبية حجاب حلب، لأمر وقع بينه وبين نائب حلب، الأمير قانى باى الحمزاوى، ورسم بتوجّه علان المذكور إلى مدينة طرابلس بطالا، واستقر عوضه فى حجوبية حلب قاسم بن جمعة القساسى، وأنعم بإقطاع قاسم على الأمير جانبك المؤيدى المعروف بشيخ، المعزول أيضا [١٤٦] عن حجوبية حلب قبل تاريخه، والإقطاع إمرة طبلخانات بدمشق. وفيه رسم السلطان لما ماى السيفى بيبغا المظفرى، أحد الدّواداريّة الصغار، بالتوجه إلى ثغر دمياط، وأخذ الأمير يشبك الصوفى منه وتحبّسه بثغر الإسكندرية مقيّدا؛ ووقع ذلك. ثم فى يوم الخميس خامس عشرين ذى الحجة، رسم باستقرار الأمير يشبك النّوروزى، حاجب حجاب دمشق، فى نيابة طرابلس، عوضا عن يشبك الصوفى المقبوض عليه قبل تاريخه، وولاية يشبك المذكور طرابلس، على مال كبير بذله له، وحمل إليه التقليد والتشريف بنيابة طرابلس، الأمير أسنباى الجمالى الساقى الظاهرى

стр. 5393

جقمق، ورسم السلطان بإعادة الأمير جانبك الناصرى إلى حجوبية دمشق، عوضا عن يشبك النّوروزى. وفرغت هذه السنة والديار المصرية فى غاية ما يكون من غلو الأسعار. وفى هذه السنة أيضا، ورد الخبر بوقوع خسف بين أرض سيس وطرسوس، ولم أتحقق مقدار الأرض التى خسفت. وفيها أيضا كان فراغ مدرسة زين الدين الأستادّار، بخط بولاق على النيل، ولم أدر المصروف على بنائه من أى وجه، ومن كان له شىء فله أجره. [ما وقع من الحوادث سنة ٨٥٤] واستهلت سنة أربع وخمسين وثمانمائة الموافقة لحادى عشرين مسرى، والناس فى جهد وبلاء من غلو الأسعار، وسعر القمح ثمانمائة درهم الأردب، وقد ذكر سعر جميع المأكولات فى «حوادث الدهور» «١» . ولما كان يوم السبت أول محرم سنة أربع وخمسين المذكورة، وصل الأمير بردبك العجمى الجكمى المعزول عن نيابة حماة من ثغر دمياط، وطلع إلى القلعة، وأنعم السلطان عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق. وفى هذه الأيام وصلت إلى القاهرة رمّة «٢» قاسم المؤذى الكاشف، غريم السّفطى ليدفن بالقاهرة. ثم فى يوم الخميس ثالث عشر المحرم، وصل الأمير جرباش الكريمى، أمير سلاح من الحجاز، وتخلف قاضى القضاة بدر الدين الحنبلى عنه مع الركب الأول من الحاج، وكان الزينى عبد الباسط بن خليل، سبق الأمير جرباش من العقبة، ودخل القاهرة قبل تاريخه، وخلع السلطان على جرباش المذكور كاملية بمقلب سمّور، وخرج من عند السلطان، ودخل إلى ابنته زوجة السلطان، وهى يوم ذلك صاحبة القاعة

стр. 5394

[الكبرى بالدور السلطانية] «١» وسلّم عليها، ثم نزل إلى داره [المعروفة بالبيت الكبير تجاه القلعة] «٢» . ثم فى يوم الجمعة ثامن عشرينه، عقد السلطان عقد مملوكه الأمير أزبك من ططخ، على ابنته من مطلقته خوند بنت البارزى، وكان العقد بقلعة الدّهيشة، بحضرة السلطان بعد نزول الأمراء من صلاة الجمعة من غير جمع «٣» . ثم فى يوم الخميس رابع شهر صفر «٤» ، استقر أبو الفتح [الطيبى] «٥» أحد أصحاب أبى الخير النحاس [بسفارته] «٦» ، فى نظر جوالى دمشق، ووكالة بيت المال بها، على أنه يقوم فى السنة للخزانة الشريفة بخمسين ألف دينار، على ما قيل، وما سيأتى من خبر أبى الفتح، فأعجب. وفى هذه الأيام «٧» ، ظهر رجل من عبيد قاسم [الزين] «٨» الكاشف، [الملقب بالمؤذى] «٩» وشهر بالصلاح، وتردد الناس لزيارته، حتى جاوز أمره الحد، وخشى على الناس من إتلاف عقائدهم، فأمر السلطان الأمير تنبك حاجب الحجاب، أن يتوجه إليه، ويضربه ويحبسه، وصحبته جانبك الساقى والى القاهرة. فلما دخلا عليه، تهاون الأمير تنبك فى ضربه خشية من صلاحه، وبلغ «١٠» السلطان ذلك، فرسم بنفيه إلى ثغر دمياط بطّالا، ومسفّره «١١» جانبك الوالى، وتولى «١٢» خشقدم الطّواشى الظاهرى [الرومى] «١٣»

стр. 5395

ووالى القاهرة ضرب العبد المذكور وحبسه، وقد أوضحت أمر هذا العبد وما وقع له فى تاريخنا «الحوادث» فلينظر هناك «١» . ثم رسم السلطان بعد مدة، بقدوم الأمير خشقدم الناصرى المؤيدى أحد المقدمين بدمشق، إلى القاهرة، واستقراره فى حجوبية الحجاب، عوضا عن تنبك المذكور، ورسم للأمير علّان المؤيدى، المعزول عن حجوبية حلب، بإقطاع خشقدم المذكور بدمشق. ثم فى يوم الثلاثاء سادس عشر صفر، رسم السلطان بنقل الأمير جانم الأمير آخور قريب الملك الأشرف برسباى «٢» من القدس الشريف، وحبسه بسجن الكرك، وكان جانم المذكور، حبس عدة سنين، ثم أطلق وجاور بمكة سنيّات، ثم سأل فى القدوم إلى القدس، فأجيب، وقدمه، فتكلم فيه بعض أعدائه [١٤٧] إلى أن حبس بالكرك ثانيا. ثم فى يوم الخميس ثامن عشر صفر، قدم الأمير قانم التاجر المؤيدى من بلاد الروم إلى القاهرة، [وكان توجه إليها فى العام الماضى كما سلف.] «٣» ثم فى يوم الثلاثاء ثالث عشرين صفر المذكور، نودى بالقاهرة بأن لا يلبس النصارى واليهود على رؤوسهم أكثر من سبعة أذرع من العمائم، [لكونهم تعدوا فى ذلك وزادوا عن الحد] «٤» ؛ وفى هذه الأيام تزايد أمر النحّاس وطغى [وتجبر] «٥» ، ونسى ما وقع له من البهدلة والإخراق. وفى يوم الاثنين، رسم السلطان بالإفراج عن عبد قاسم الكاشف، من حبس المقشرة وتوجّهه إلى حيث شاء، ولا يسكن القاهرة. ثم فى يوم السبت ثانى عشر شهر ربيع الأول، ورد الخبر بموت الأمير شاد بك الجكمى، المعزول عن نيابة حماة، بالقدس بعد مرض طويل.

стр. 5396

ثم فى يوم الخميس سادس عشره، وصل إلى القاهرة الأمير خشقدم المؤيدى من دمشق، وقبّل الأرض وأنعم عليه السلطان بإمرة مائة وتقدمة ألف، عوضا عن تنبك البردبكى الحاجب، بحكم نفيه إلى دمياط. وفى هذا اليوم كان مهمّ الأمير أزبك وعرسه على بنت السلطان بالقاهرة، فى بيت خالها القاضى كمال الدين بن البارزى، ولم يعمل بالقلعة. ثم فى يوم الاثنين حادى عشرين شهر ربيع الأول، المذكور، استقر خشقدم عوضا عن تنبك المقدم ذكره فى حجوبية الحجاب. ثم فى يوم الخميس ثانى شهر ربيع الآخر، أنعم السلطان على تمراز الأشرفى الزّردكاش كان، بإقطاع على باى الساقى الأشرفى، بحكم وفاته، قلت: بئس البديل، وإن كان كل منهما أشرفيّا «١» ، فالفرق بينهما ظاهر. وفى هذه الأيام عظم أمر النحاس، حتى أنه ضاهى المقرّ الصاحبىّ ناظر الخواص، فى نفوذ الكلمة فى الدولة، لأمور صدرت بينهما يطول الشرح فى ذكرها، وليس لذلك فائدة ولا نتيجة؛ وملخص ذلك أن أبا الخير عظم فى الدولة، حتى هابه كلّ أحد من عظماء الدولة إلا المقر الجمالى، فأخذ أبو الخير يدبر عليه فى الباطن، ويوغر خاطر السلطان عليه، بأمور شتى، ولم ينهض أن يحوّل السلطان عنه بسرعة، لثبات قدمه فى المملكة، ولعظمه فى النفوس، كلّ ذلك والمقرّ الجمالى لا يتكلم فى حقه عند السلطان بكلمة واحدة، ولا يلتفت إلى ما هو فيه، وأبو الخير فى عمل جد مع السلطان فى أمر الجمالى المذكور، بكلتا يديه. وبينما هو فى ذلك، أخذه الله من حيث لا يحتسب، حسبما يأتى ذكره مفصلا إن شاء الله تعالى. ومن غريب الاتفاق، أنه دخل عليه «٢» قبل محنة أبى الخير النحاس «٣» بمدة يسيرة،

стр. 5397

رجل من أصحابه، وأخذ فى تعظيم المذكور، وبالغ فى أمره، حتى قال إنه قد تم له كل شىء طلبه، فأنشدته من باب المماجنة [المتقارب] : إذا تم أمر «١» بدا نقصه ... توقّ زوالا «٢» إذا قيل تمّ وافترقنا، فلم تمض أيام حتى وقع من أمره ما وقع. ثم فى يوم الاثنين، ثالث عشر شهر ربيع الآخر المقدم ذكره، نفى الأمير سودون الإينالى «٣» [المؤيدى] «٤» المعروف بقراقاش، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، لأمر مطول ذكرناه فى «الحوادث» «٥» . وفى هذه الأيام، برز المرسوم الشريف بعزل الأمير بيغوت من صفر خجا المؤيدى الأعرج، عن نيابة حماه، لأمور مطولة ذكرناها فى «الحوادث» «٦» من أولها إلى آخرها، وإلى حضوره إلى القاهرة، [وما وقع له] «٧» ببلاد الشرق وغيره. ورسم للأمير سودون الأبوبكريّ المؤيدى أتابك حلب، باستقراره عوضه فى نيابة حماه، وأنعم بأتابكية

стр. 5398

حلب على الأمير على باى العجمى المؤيدى، وأنعم بتقدمة على باى المذكور، على إينال الظاهرى جقمق، وقد نفى قبل تاريخه من الديار المصرية. ذكر مبدأ نكبة أبى الخير النحاس على سبيل الاختصار ولما كان يوم الأحد حادى عشر جمادى الأولى من سنة أربع وخمسين المذكورة، أحضر السلطان إلى بين يديه مماليك الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدى أمير مجلس، وعيّن منهم نحو العشرة، ورسم بحبسهم بسجن المقشرة، بسبب تجرّئهم على أستاذهم المذكور، وشكواه عليهم، فلما أصبح من الغد فى يوم الاثنين ثانى عشره، انفض الموكب السلطانى، ونزل الأمير تنم المذكور صحبة الأتابك «١» إينال العلائى وغيره من الأمراء، فلما صاروا تجاه سويقة منعم «٢» ، احتاطت بهم المماليك [١٤٨] السلطانية الجلبان، وخشّنوا لتنم فى القول، بسبب شكواه على مماليكه، فأخذ الأتابك إينال فى تسكينهم، وضمن لهم خلاص المماليك المذكورة من حبس المقشرة، فخلوا عنهم، ورجعوا غارة إلى زين الدين يحيى الأستادّار، فوافوه بعد نزوله من الخدمة بالقرب من جامع الماردانى «٣» ، وتناولوه بالدبابيس، فمن شدة الضرب ألقى بنفسه «٤» عن «٥» فرسه، وهرب إلى أن أنجده الأمير أزبك الساقى، والأمير جانبك اليشبكى الوالى، وأركباه على فرسه، وتوجّها به إلى داره. فلما فات المماليك زين الدين رجعوا غارة إلى جهة القلعة، ووقفوا تحت الطبلخانات بالصّوّة «٦» ، فى انتظار أبى «٧» الخير النحاس، وبلغ النحاس الخبر،

стр. 5399

فمكث نهاره عند السلطان بالقلعة لا ينزل إلى داره، فشقّ ذلك على المماليك، واتفقوا على نهب دار أبى الخير النحاس، فساروا من وقتهم إلى داره على هيئة مزعجة، فوجدوا باب داره قد غلقه «١» مماليكه وأعوانه، وقد وقفت مماليكه بأعلى بابه لمنع المماليك من الدخول؛ فوقع بينهم بعيض قتال، ثم هجمت المماليك السلطانية على بابه الذي كان من بين السورين، وأطلقوا فيه النار، واحترق الباب وما كان عليه من المبانى، ودخلوا إلى البيت، وامتدت الأيدى فى النهب، فما عفّوا ولا كفّوا، وأخذوا من الأقمشة والأمتعة والصينى والتحف ما يطول الشرح فى ذكره «٢» ، واستمرت النار تعمل فى باب أبى الخير، إلى أن اتصلت إلى عدة بيوت بجواره «٣» ، ولم تصل النار إلى داره، لأنها كانت فوق الريح، وأيضا كانت بالبعد عن الباب، وهى الدار التى عمّرها قديما صلاح الدين بن نصر الله، وانتقلت بعده إلى أقوام كثيرة، حتى ملكها النحاس هذا وجدّدها وتناهى «٤» فيها. ثم حضر والى القاهرة وغيره لطفى النار، فطفيت بعد جهد؛ ولما انتهى أمر المماليك من النهب، وعلموا أنه لم يبق بالدار ما يؤخذ، توجّهوا إلى حال سبيلهم، وقد تركوا [بيت] «٥» النحاس خاليا من جميع ما كان فيه، بعد أن سلبوا حريمه جميع ما كان عليهن «٦» من الأقمشة «٧» وأفحشوا فى أمرهن، من الهتكة والجرجرة، والهجم عليهن «٨» وعادوا من دار النحّاس وشقوا باب زويلة، وقد غلقت عدة حوانيت بالقاهرة، لعظم ما هالهم من النهب فى بيت النحاس، فمضوا ولم يتعرضوا لأحد بسوء، وباتوا تلك الليلة، وأصبحوا يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى المذكور، ووقفوا بالرملة

стр. 5400

محدقين بالقلعة، مصممين على الفتك بأبى الخير النحاس، وقد بات النحاس بالقلعة، وطلبوا تسليمه من السلطان، وعزل جوهر النّوروزى «١» عن تقدمة المماليك، وعزل زين الدين الأستادّار عن الأستادّاريّة؛ وانفض الموكب، ونزل كل من الأعيان إلى داره فى خفية، ونزل الأمير تمربغا الظاهرى الدّوادار الثانى، والأمير أزبك الساقى، وبرد بك البجمقدار «٢» ، إلى نحو بيوتهم؛ فلما صاروا بالرملة ضربوا عليهم المماليك الجلبان حلقة، وكلموهم فى عودهم إلى السلطان والتكلم معه فى مصالحهم، فقال لهم تمربغا: «ما هو غرضكم؟» ، قالوا: «عزل جوهر مقدم المماليك وتسليم غريمنا» ، يعنون، النحاس. فعاد تمربغا إلى القلعة من وقته وعرّف السلطان بمقصودهم، وكان الأمير الكبير إينال قد طلع باكر النهار إلى القلعة [وصحبته الأمير أسنبغا الطيّارى رأس نوبة النّوب؛ وأما الأمير تنم، فإنه كان طلع إلى القلعة] «٣» من أمسه وبات بها فى طبقة الزّمام، وأجمع رأيه أنه لا ينزل من القلعة، إلى أن يفرج عن مماليكه المحبوسين، خشية والمماليك الجلبان، فلما طلع الأمير الكبير باكر النهار، شفع فى مماليك الأمير تنم فرسم بإطلاقهم، ثم تكلم الأمير الكبير مع السلطان فى الرضى عن المماليك الجلبان، والسلطان مصمم على مقالته التى قالها بالأمس، أنه يرسل ولده المقام الفخرى عثمان وحريمه إلى الشام، ويتوجه هو إلى حال سبيله، فنهاه الأمير الكبير عن ذلك، وقام السلطان ودخل إلى الدّهيشة، فكلّمه بعض أمرائه أيضا فى أمرهم، فشقّ ثوبه غيظا منه، ونزل الأمير الكبير بمن معه إلى دورهم. ثم كان نزول تمربغا، والمقصود أن تمربغا لما عاد إلى السلطان، وعرّفه قصد المماليك، وقبل أن يتكلم، سبقه بعض أمرائه، وأظنه الأمير قراجا الخازندار، وقال: «يجبر مولانا [١٤٩] السلطان خاطر مماليكه، بعزل المقدم، وإخراج

стр. 5401

النحاس من القاهرة» ، فانقاد السلطان إلى كلامه، ورسم بعزل جوهر مقدم المماليك، وتوجّهه إلى المدينة الشريفة، وإخراج النحاس إلى مكة المشرفة؛ وعاد تمربغا إلى المماليك بهذا الخبر، فرضوا، وتوجّه كل واحد إلى حال سبيله؛ وتم ذلك إلى بعد «١» الظهر من اليوم المذكور. فلما كان بعد «٢» الظهر، توجه جماعة من المماليك إلى الأمير أسنبغا الطّيّارى رأس نوبة النوب، وكلموه أن يطلع إلى السلطان، ويطلب منه إنجاز ما وعدهم به من إخراج النحاس وعزل المقدم؛ فركب أسنبغا من وقته، وطلع إلى السلطان وكلمه فى ذلك، فلما سمع السلطان مقالة أسنبغا، اشتد غضبه، وطلب فى الحال جوهرا مقدم المماليك ونائبه مرجان العادلى المحمودى، وخلع عليهما باستقرارهما، ورسم أن يكون النحاس على حاله أولا بالقاهرة، ورسم للأمير تغرى برمش اليشبكى الزّردكاش أن يستعد لقتال المماليك الجلبان، فخرج الزّردكاش من وقته ونصب عدة مدافع على أبراج القلعة، وصمم السلطان على قتال مماليكه المذكورين. وبلغ الأمراء ذلك، فطلع منهم جماعة كبيرة إلى السلطان، وأقاموا ساعة بالدّهيشة، إلى أن أمرهم السلطان بالنزول إلى دورهم، ونزلوا، واستمر الحال إلى باكر يوم الأربعاء رابع عشره، فجلس السلطان بالحوش على الدّكّة، ثم التفت إلى شخص من خاصّكيته، وقال له: «أين الذين قلت عنهم؟» فقال: «الآن يحضروا» ، فقال السلطان: «انزل إليهم وأحضرهم» ، فنزل الرجل من وقته، وقام السلطان إلى الدهيشة، ونزل المذكور إلى المماليك، وأخذ منهم جماعة كبيرة، وطلع بهم إلى السلطان، فلما مثلوا بين يديه قال لهم: «عفوت عنكم، امضوا إلى أطباقكم» ، فلم يتكلم أحد منهم بكلمة. واستمر أبو الخير بالقلعة خائفا من النزول إلى داره، وقد أشيع سفره إلى الحجاز، إلى أن كان يوم الخميس خامس عشر جمادى الأولى، نزل أبو الخير إلى داره على حين غفلة قبل العصر بنحو خمس درج، وانحاز بداره، وقفل الباب

стр. 5402

[عليه] «١» إلى يوم الأربعاء حادى عشرينه؛ فوصل البلاطنسى «٢» من دمشق، وطلع إلى السلطان، وشكا «٣» على أبى الفتح الطيبى، الذي ولى وكالة بيت مال دمشق بسفارة النحاس، وذكر عنه عظائم، فعزله السلطان، ورسم بحضوره إلى القاهرة فى جنزير، ورسم لأبى الخير النحاس، بالسفر إلى المدينة الشريفة، ونزل البلاطنسى من القلعة بعد أن أكرمه السلطان، وحصل [على] «٤» مقصوده من عزل أبى الفتح الطيبى. ورسم السلطان لأبى الخير المذكور أن يكتب جميع موجوده ويرسله إلى السلطان من الغد، ورسم أيضا بعمل حسابه، وتردد إليه الصفوىّ جوهر الساقى من قبل السلطان غير مرة، وكثر الكلام بسببه، فقلق النحاس من ذلك غاية القلق، وعلم بزوال أمره، فأصبح من الغد، فى يوم الخميس ثانى عشرينه، طلع إلى القلعة فى الغلس من غير إذن السلطان، واختفى بالقلعة فى مكان، إلى أن انفض الموكب، فتحيل حتى دخل على السلطان، واجتمع به، ثم نزل من وقته، وقد أصلح ما كان فسد من أمره، وأنعم له السلطان بموجوده، وترك له جميع ما كان عزم على أخذه، واستمر بداره، وقد هابته الناس وكثر تردادهم إليه، ورسم بإبطال ما كان رسم به من عزل أبى الفتح الطيبى، وإحضاره، وأمر البلاطنسى بالسفر إلى دمشق، بعد أن لهج [الناس] «٥» بحبسه فى سجن المقشرة، فتحقق الناس بهذا الأمر ميل السلطان لأبى الخير، وكفّ جميع أعداء النحاس عن الكلام فى أمره مع السلطان. واستمر بداره والناس تتردد إليه، إلى يوم الخميس تاسع عشرين جمادى الأولى المذكور، رسم السلطان لجوهر الساقى بنزوله إلى أبى الخير النحاس، ومعه نقيب الجيش، ويمضيا به إلى بيت قاضى القضاة شرف الدين يحيى المناوى الشافعى ليدعى عليه

стр. 5403

التاجر شرف الدين موسى التّتائى الأنصارى «١» ، بمجلس الشرع، بدعاو كثيرة، ورسم السلطان لجوهر أن يحتاط بعد ذلك على جميع موجوده، فنزل جوهر المذكور من وقته إلى أبى الخير النحاس، وأخرجه من داره ماشيا ممسوكا مع نقيب الجيش، وقد ازدحم الناس على بابه للتفرج عليه والفتك به، فحماه جوهر ومن معه من المماليك [١٥٠] منهم، وأخذه ومضى، وانطلقت الألسن إليه بالسب واللعن والتوبيخ، وجوهر يكفهم عنه ساعة بعد ساعة، وهم خلفه وأمامه، وهو مار فى طريقه ماشيا إلى أن وصل بيت القاضى المذكور بسويقة الصاحب، من القاهرة، وأدخلوه إلى المدرسة الصاحبية «٢» ، [المجاورة لسكن قاضى الشافعية] «٣» محتفظا به، مع رسل الشرع. وعاد جوهر الساقى وشرف الدين التّتائى إلى الحوطة على موجود أبى الخير النحاس بداره وحواصله، ووجدت العامة بغياب جوهر فرصة إلى الدخول على أبى الخير المذكور، فهجموا عليه وأخذوه من أيدى الرسل، وضربوه ضربا مبرحا، فصاحت رسل الشرع عليهم، وأخذوه من أيديهم؛ وهرّبوه إلى مكان بالمدرسة المذكورة. وأعلموا القاضى بذلك، فأرسل القاضى خلف الأمير جانبك والى القاهرة،

стр. 5404

حتى حضر، وقدر على إخراجه من المدرسة المذكورة إلى بيت القاضى، وادعى شرف الدين التّتائى عليه بدعاء يطول الشرح فى ذكرها. والسبب الموجب لهذه القضية، أن أبا الخير النحاس لما وقع له ما وقع، وأقام بالقلعة من يوم الاثنين، إلى يوم الخميس، ثم نزل قبيل العصر إلى داره، بقى الناس فى أمره على قسمين: فمن الناس من لا سلّم عليه ولاراعاه، ومنهم من صار يترجّيه ويتردد إليه، ودام على ذلك إلى أن طلع أبو الخير إلى السلطان من غير إذن، وأصلح ما كان فسد من أمره، ونزل إلى داره، وقد وقع بينه وبين شرف الدين المذكور. وسبب ذلك أن شرف الدين كان فى هذه المدة هو رسول النحاس إلى السلطان، ومهما كان للنحاس من الحوائج يقضيها له عند السلطان، فظهر لأبى الخير المذكور، بطلوعه إلى القلعة فى ذلك اليوم، أن شرف الدين ليس هو له بصاحب، وأنه ينقل عنه إلى السلطان ما ليس هو مقصوده، بل ينهى عنه ما فيه دماره، فنزل إلى شرف الدين وأظهر له المباينة، وتوعّده بأمور، إن طالت يده، فانتدب عند ذلك شرف الدين له، ودبر عليه: وساعدته المقادير مع بغض الناس قاطبة له، حتى وقع ما حكيناه وادعى عليه بدعاو كثيرة. واستمر أبو الخير فى بيت القاضى شرف الدين «١» فى الترسيم، وهو يسمع من العامة والناس من أنواع البهدلة والسب مالا مزيد عليه مواجهة، بل يزدحمون على باب القاضى لرؤيته، وصارت تلك الحارة كبعض المفترجات، لعظم سرور الناس لما وقع لأبى الخير المذكور، حتى النساء وأهل الذمة، وأصبح من الغد نهار الجمعة، طلب السلطان خيوله ومماليكه فطلعوا بهم فى الحال، بعد أن شقوا بهم القاهرة، وازدحم الناس لرؤيتهم، فكانت عدة الخيول نيفا على أربعين فرسا، منها «٢» بغال أزيد من عشرة، والباقى خيول خاصّ هائلة، والمماليك نحو [من] «٣» عشرين نفرا، واستمر شرف الدين يتتبع آثاره وحواصله،

стр. 5405

هذا بعد أن أشهد على أبى الخير المذكور، أن جميع ما يملكه من الأملاك والذخائر والأمتعة والقماش وغير ذلك، هو ملك السلطان الملك الظاهر، دون ملكه، [و] «١» ليس له فى ذلك «٢» دافع ولا مطعن. ثم فى يوم السبت أول جمادى الآخرة، رسم بفتح حواصل أبى الخير، ففتحت، فوجد فيها من الذهب العين نحو سبعة عشر ألف دينار، ووجد له من الأقمشة والتحف والقرقلات «٣» التى برسم الحرب، والصينى الهائل، والكتب النفيسة، أشياء كثيرة، ووجد له حجج مكتتبة على جماعة بنحو ثلاثين ألف دينار، فحمل الذهب العين إلى السلطان، وبعض الأشياء المستظرفة، وختم على الباقى، حتى تباع، ودام شرف الدين فى الفحص على موجوده، وأخرج السلطان جميع تعلقات النحاس من الإقطاعات والحمايات والمستأجرات وغير ذلك. ثم فى يوم الأحد ثانى جمادى الآخرة، خلع السلطان على المقر الجمالى ناظر الخواص، وعلى زين الدين الأستادار، خلعتى الاستمرار، [وخلع] «٤» على شرف الدين موسى التّتائى، باستقراره فى جميع وظائف أبى الخير النحاس، وهم عدة وظائف ما بين نظر البيمارستان المنصورى، ونظر الجوالى، ونظر الكسوة، ووكالة بيت المال، ونظر خانقاه سعيد السّعداء، ووكيل السلطان، ووظائف أخر دينية، ومباشرات. ولبس شرف الدين خفّا ومهمازا وتولى جميع هذه الوظائف، عوضا عن أبى الخير دفعة واحدة. قلت: وما أحسن قول المتنبى فى هذا «٥» المعنى: [الطويل] [١٥١] بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد

стр. 5406

هذا والفقهاء والمتعممون «١» قد ألزموهم المماليك الجلبان بعدم ركوب الخيل، بحيث أنه لم يستجر أحد منهم أن يعلو على ظهر فرس، إلا أعيان مباشرى «٢» الدولة، وجميع من عداهم، قد ابتاعوا البغال، وركبوها، حتى تزايد لذلك سعر البغال إلى أمثال ما كان أولا. ثم أمر السلطان فى اليوم المذكور، بنقل أبى الخير النحاس من بيت القاضى الشافعى يحيى المناوى، من سويقة الصاحب، إلى بيت المالكى ولىّ الدين السنباطى، بالدرب الأصفر «٣» ، ليدّعى عليه عند القاضى المذكور بدعاو، فأخذه والى القاهرة ومضى به من بيت القاضى الشافعى إلى بيت المالكى، وقد أركبه حمارا، وشق به للقاهرة، والناس صفوف وجلوس بالشوارع والدكاكين، وهم ما بين شامت وضاحك ثم باك، فأما الشامت فهو من آذاه وظلمه، والضاحك من كان يعرفه قديما، ثم ترافع عليه، والباكى معتبر بما وقع له من ارتفاعه ثم هبوطه؛ قلت: وقد قيل فى الأمثال: «على قدر الصعود يكون الهبوط» . وسار به الوالى على تلك الهيئة إلى أن أدخله إلى بيت القاضى المالكى، وادعى عليه السيد الشريف شهاب الدين أحمد بن مصبح «٤» [دلّال العقارات] «٥» بدعوى شنعة «٦» ، أوجبت وضع الجنزير فى رقبة أبى الخير النحاس، بعد أن كتب محضرا بكفره، وأقام الشريف البينة عند القاضى المالكى بذلك، فلم يقبل القاضى بعض البينة، واستمر أبو الخير فى بيت القاضى فى الترسيم على صفّة، نسأل الله السلامة من زوال النعم، إلى عصر يومه، فنقل إلى حبس الدّيلم على حمار، وفى رقبته الجنزير، ومر بتلك الحالة من

стр. 5407

الشارع الأعظم، وعليه من الذل والصغار ما أحوج أعداءه الرحمة عليه، وحاله كقول القائل: [السريع] لم يبق إلا نفس خافت «١» ... ومقلة إنسانها باهت رثى «٢» له الشامت مما به ... يا ويح من يرثى له الشامت «٣» قلت: وأحسن من ذا «٤» ، [قول] «٥» من قال: يا من علا [و] «٦» علوّه ... أعجوبة بين البشر غلط الزّمان برفع قد ... رك ثم حطّك واعتذر «٧» ويعجبنى أيضا فى هذا المعنى، قول القائل: [البسيط] لو أنصفوا أنصفوا، لكن بغوا فبغى ... عليهم، فكأن العزّ لم يكن جاد الزّمان بصفو ثم كدّره ... هذا بذاك، ولا عتب على الزمن وقد سقنا أحوال أبى الخير هذا فى ترجمته فى تاريخنا «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» بأوسع من هذا، [إذ سياق] «٨» الكلام منتظم مع سياقه «٩» فى محل واحد؛

стр. 5408

وأيضا قد حررنا أموره بأضبط من هذا، فى تاريخنا «حوادث الدهور فى مدى الأيام والشهور» «١» إذ هو موضوع لتحرير الوقائع، وما ذكرناه هنا، على سبيل الاستطراد من شىء إلى شىء. واستمر أبو الخير [بسجن الديلم إلى ما يأتى ذكره] «٢» من خروجه من السجن، ونفيه، ثم حبسه، وجميع ما وقع له إلى يومنا هذا، إن شاء الله تعالى. وفى يوم حبس النحاس بحبس الدّيلم، ظهر القاضى ولىّ الدين السفطى من اختفائه، نحو ثمانية أشهر وسبعة أيام، وطلع من الغد فى يوم الخميس سادس جمادى الآخرة، إلى السلطان، فأكرمه السلطان، ونزل إلى داره، ثم فى يوم السبت ثامنه، ندب السلطان إينال الأشرفى المتفقّه، ليتوجه إلى دمشق، لكشف أخبار أبى الفتح الطيبى والفحص عن أمره. وفى هذه الأيام، ترادفت الأخبار من حلب وغيرها بمسير جهان شاه بن قرا يوسف، صاحب تبريز، على [معز الدين] «٣» جهان گير بن على «٤» بك بن قرايلك صاحب آمد، وأن جهان گير، ليس له ملجأ إلا القدوم إلى البلاد الحلبية مستجيرا بالسلطان، وأن جهان شاه يتبعه حيثما توجه، فتخوّف أهل حلب من هذا الخبر، [١٥٢] ونزح منها جماعة كثيرة، وغلا «٥» بها ثمن ذوات الأربع، لأجل السفر منها، ومدلول هذه الحكايات طلب عسكر «٦» يخرج من الديار المصرية إلى البلاد الشامية، فأوهم السلطان بخروج تجريدة، ثم فتر عزمه عن ذلك.

стр. 5409

وفى هذه الأيام أشيع بالقاهرة أن أبا «١» الخير النحاس قد تجنّن فى سجنه، وأنه صار يخلط فى كلامه، قلت: وحقّ له أن يتجنن، فإنه كان فى شىء، ثم صار فى شىء، ثم عاد إلى أسفل ما كان، وهو أنه كان أولا فقيرا مملقا متحيلا على الرزق، دائرا على قدميه فى النّزه والأوقات، ثم وافته «٢» السعادة على حين غفلة «٣» حتى نال منها حظا كبيرا، ثم حطه الدهر يدا واحدة، فصار فى الحبس، وفى رقبته الجنزير، يترقب ضرب الرقبة، بعد ما وقع له من الإخراق والبهدلة وشماته الأعداء، وأخذ أمواله ما وقع، فهو معذور: دعوه يتجنن ويتفنن فى جنونه «٤» . ثم فى يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة، استغاث الشريف غريم النحاس على رؤوس الأشهاد، وقال: قد ثبت الكفر على غريمى النحاس، وأقيمت البينة، والقاضى لا يحكم بموجب كفره وضرب رقبته؛ وكان الشريف هذا قد وقف إلى السلطان قبل تاريخه، وذكر نوعا من هذا الكلام، فرسم السلطان للقاضى المالكى، أنه إن ثبت على أبى الخير المذكور كفر، فليضرب رقبته بالشرع، ولا يلتفت لما بقى عنده من مال السلطان، فإن حقّ النبي ﷺ أبدا من «٥» حق السلطان. فلما سمع الشريف ذلك؛ اجتهد غاية الاجتهاد، والقاضى يتثبت فى أمره؛ ثم بلغ القاضى المالكى مقالة الشريف هذه، فركب وطلع إلى السلطان واجتمع به وكلمه فى أمر النحاس، فأعاد السلطان عليه الكلام كمقالته أولا، وقال له كلاما معناه: أنّ هذا أمره راجع إليك، ومهما كان الشرع افعله معه، ولا تتعوّق لمعنى من المعانى، فقال القاضى المالكى: يا مولانا السلطان، قد فوّضت هذه الدعوى لنائبى القاضى كمال الدين بن عبد الغفار، فهو ينظر فيها بحكم الله تعالى؛ وانفض المجلس.

стр. 5410

وكان السلطان قد أرسل فى أول هذا النهار جوهرا التركمانى الطّواشى، إلى أبى الخير النحاس، يسأله عن الأموال، ويهدده بالضرب وبالنكال، فلم يلتفت أبو الخير إلى ما جاء فيه جوهر، وقال: قد أخذ السلطان جميع مالى، وما بقى فهو يباع فى كل يوم. ثم أخذ أمر الشريف المدّعى على أبى الخير النحاس، فى انحلال، من كون [القاضى] «١» الشافعى أثبت فسق القاضى عز الدين البساطى، أحد نواب الحكم المالكى، وهو أحد من شهد على أبى الخير المذكور لأمر من الأمور، ولا نعرف على الرجل إلا خيرا، ووقع بسبب ذلك أمور، وعقد مجالس بالقضاة، بحضرة السلطان، وآل «٢» الأمر [على] «٣» أن السلطان حبس الشريف والشهود فى الحبس بالمقشرة، وتراجع أمر أبى الخير النحاس بعد ما أرجف بضرب رقبته غير مرة، ثم رسم السلطان فى اليوم الذي حبس فيه الجماعة المذكورة، بإخراج أبى الخير النحاس من حبس الديلم، وتوجّهه إلى بيت قاضى القضاة الشافعى، فأخرجه الوالى من سجن الديلم مجنزرا بين يديه، وشق به الشارع وهو راكب خلفه، ماش على قدر مشية النحاس، إلى أن أوصله إلى بيت القاضى الشافعى، بخط سويقة الصاحب، وقد ازدحمت الناس لرؤيته، وكان الوقت قبيل العصر بنحو العشر درج؛ ومرّ أبو الخير على مواضع كان يمر بها فى موكبه أيام عزه، والناس بين يديه؛ وبالجملة فخروجه الآن من حبس الديلم، خير من توجهه إليه من بيت القاضى المالكى، والمراد به الآن خير مما كان يراد به بعد «٤» ذاك. ولما وصل أبو الخير إلى بيت القاضى الشافعى، أسلمه والى القاهرة إليه، فأمر القاضى فى الوقت، برفع الجنزير من عنقه، ثم قام بعد ساعة، شخص وادعى على أبى الخير بدعاو كثيرة شنعة، اعترف أبو الخير ببعضها، وسكت عن البعض، فحكم القاضى عند ذلك بإسلامه، وحقن دمه، وفعل ما وجب عليه من التعزير، بمقتضى مذهبه،

стр. 5411

وسلمت مهجته، بعد أن أيقن كلّ أحد بسفك دمه، وذهاب روحه، وذلك لعدم أهلية أخصامه، وضعف شوكتهم، وعدم مساعدة المقر الجمالى ناظر الخواص «١» على قتله، فإنه لم يتكلم فى أمره من يوم أمسك [١٥٣] ، إلا فيما يتعلق به من شأنه، ولم يداخلهم فيما هم فيه البتة، مع أنه كان لا يكره ذلك، لو وقع، غير أنه لم يتصدّى لهذا الأمر فى الظاهر بالكلية، احتفاظا لرئاسته ودينه. وأنا أقول: لو كان أمر النحاس هذا مع ذلك الجزار جمال الدين الأستادّار، أو غيره من أمثاله، لألحقوه بمن تقدمه من الأمم السالفة، ولكن «لكل أجل كتاب» . وبعد أن عزّره القاضى، أمر بالترسيم عليه، حتى يتخلص من تعلقات السلطنة. ثم فى يوم الجمعة ثامن عشرين جمادى الآخرة، رسم السلطان بالإفراج عن الشريف غريم النحاس، وعن الشهود من حبس المقشرة؛ ورسم بنفى النحاس إلى مدينة طرسوس، محتفظا به، وأنه يقيد ويجنزر من خانقاه سرياقوس، فمضى جانبك الوالى إليه، وأخرجه من بيت القاضى الشافعى راكبا على فرس فى الثلث الأول من ليلة السبت تاسع عشرينه، وذلك بعد أن حلف أبو الخير المذكور فى أمسه يمينا مغلظا بمجلس قاضى القضاة شرف الدين يحيى المناوى، أنه لم يبق معه شىء من المال غير مبلغ يسير جدا، برسم النفقة، وأنه صار فقيرا لا يملك ما قلّ ولا جلّ، فسبحان المطلع على السرائر. وفرغ هذا الشهر والناس فى جهد وبلاء من غلوّ الأسعار فى جميع المأكولات، وتزايد أثمل البغال، لكثرة طلابها من الفقهاء والمتعممين، لشدة المماليك الجلبان فى منعهم من ركوب الخيل. ثم فى يوم الخميس رابع «٢» [شهر] «٣» رجب، برز الأمير سونجبغا اليونسى الناصرى من القاهرة، إلى بركة الحاج أمير الرجبية، وسافر فى الركب المذكور الأمير

стр. 5412

جرباش المحمدى الناصرى المعروف بكرد أحد مقدمى الألوف وصحبته زوجته خوند شقراء بنت الملك الناصر فرج [وعيالهما] «١» ، وسافر معه أيضا الأمير تغرى برمش السيفى يشبك «٢» ابن أزدمر الزّردكاش، أحد أمراء الطبلخانات، وعدة كبيرة من أعيان الناس وغيرهم، وسافر الجميع فى يوم الاثنين ثامنه. ثم فى يوم الأحد رابع عشر شهر رجب، الموافق لسلخ مسرى أحد شهور القبط، أمر السلطان الشيخ عليّا «٣» المحتسب أن يطوف فى شوارع القاهرة، وبين يديه المدراء «٤» ، يعلمون الناس بأن فى غد يكون الاستسقاء بالصحراء لتوقف النيل عن الزيادة؛ وأصبح من الغد فى يوم الاثنين خامس عشره، وهو أول يوم من أيام النّسىء «٥» ، خرج قاضى القضاة شرف الدين يحيى المناوى، إلى الصحراء ماشيا من داره بين الخلائق من الفقهاء والفقراء والصوفية، إلى أن وقف بين تربة الملك الظاهر برقوق، وبين قبة النصر، قريبا من الجبل، ونصب له هناك منبر، وحضر الخليفة وبقية القضاة، وصاروا فى جمع موفور من العالم من سائر الطوائف، وخرجت اليهود والنصارى بكتبهم، وصلى قاضى القضاة المذكور بجماعة من الناس ركعتين خفيفتين، ودعا الله ، بإجراء النيل، وأمّن الناس على دعائه وعظم ضجيج الخلائق من البكاء والنحيب والتضرع إلى الله تعالى ودام ذلك من بعد طلوع الشمس إلى آخر الساعة الثانية من النهار المذكور، ثم انصرفوا على ما هم عليه من الدعاء والابتهال إلى الله تعالى، فكان هذا اليوم من الأيام التى لم نعهد بمثلها.

стр. 5413

وفى هذا اليوم، ورد كتاب خير بك النّوروزى نائب غزة، يتضمن أن أبا الخير النحاس توعّك وأنه يسأل أن يقيم بغزة، إلى أن ينصل من مرضه، ثم يسافر إلى طرسوس، فكتب الجواب إليه بالتوجه إلى طرسوس من غير أن يتعوق اليوم الواحد. ثم فى يوم الخميس ثامن عشره، خرج الخليفة والقضاة الأربعة «١» إلى الاستسقاء ثانيا، بالمكان المذكور، وخرجت الخلائق، وصلى القاضى الشافعى، وخطب خطبة طويلة، وقد امتلأ الفضاء بالعالم، وطال وقوف الناس فى الدعاء فى هذا اليوم، بخلاف يوم الاثنين. وبينما الناس بدعائهم، ورد منادى البحر، ونادى بزيادة أصبع واحد من النقص، فسرّ الناس بذلك سرورا عظيما، ثم انفضّ الجمع. وعادوا إلى الاستسقاء أيضا من الغد فى يوم الجمعة ثالث مرة، وخطب القاضى على عادته فتشاءم الناس بوقوع خطبتين فى يوم واحد، فلم يقع إلا الخير والسلامة من جهة الملك، واستمر البحر فى زيادة ونقص إلى يوم الخميس عاشر شعبان الموافق لعشرين توت «٢» [١٥٤] فأجمع رأى السلطان على فتح خليج السد، من غير تخليق «٣» المقياس، وقد بقى على الوفاء ثمانية أصابع لتكملة ستة عشر ذراعا، فنزل والى القاهرة ومعه بعض أعوانه، وفتح سدّ الخليج، ومشى الماء فى الخلجان مشيا هينا، فكان هذا اليوم من الأيام العجيبة، من كثرة بكاء الناس ونحيبهم، ومما هالهم من أمر هذا النيل. وقد استوعبنا أمر زيادته من أوله إلى آخره فى تاريخنا «حوادث الدهور» ، وما وقع بسببه من التوجه إلى المقياس بالقراء والفقهاء [مرارا] «٤» وكذلك إلى الآثار النبوى «٥» ، وتكالب

стр. 5414

الناس على الغلال «١» ، ونهب الأرغفة من على الحوانيت، وأشياء كثيرة من هذا النموذج، يطول الشرح فى ذكر ها هنا «٢» . وفى هذه الأيام، ورد الخبر على السلطان بفرار تمراز البكتمرى المؤيدى المصارع، شادّ بندر جدّة، من جدة، إلى جهة الهند؛ وكان من خبره أن تمراز لما سار واستولى على ما تحصل من البندر من العشر، من الذي خصّ السلطان، بدا له أن يأخذ جميع ما تحصل عنده، ويتوجه إلى الهند عاصيا على السلطان، فاشترى مركبا مروّسا بألف دينار، من شخص يسمى يوسف البرصاوى «٣» [الرومى] «٤» وأشحنها بالسلاح والرجال، يوهم أنه ينزل فيها ويعود بما تحصل معه إلى مصر، فلما تهيأ أمره، أخذ جميع ما تحصل من المال وهو نحو الثلاثين ألف دينار، وسافر إلى جهة اليمن، وبلغ السلطان ذلك من كتاب الشريف بركات صاحب مكة، فعظم ذلك على السلطان، وعدّد ولاية تمراز هذا من جملة ذنوب النحّاس، ثم طلب السلطان مملوكه الأمير جانبك الظاهرى وخلع عليه باستقراره على التكلم على بندر جدّة، على عادته، ليقوم بهذا الأمر المهم الذي ليس فى المملكة من ينهض به غيره، وأعنى من تمراز، والفحص عليه والاجتهاد فى تحصيله؛ وتجهّز الأمير جانبك، وخرج إلى البندر على عادته، بأجمل زى وأعظم حرمة.

стр. 5415

وأما تمراز فإنه لما سافر من بندر جدّة إلى جهة بلاد الهند، صار كلما أتى إلى بلد ليقيم به، تستغيث تجار تلك البلد بحاكمها، ويقولون: «أموالنا بجدّة، ومتى ما علم صاحب جدة أنه عندنا، أخذ جميع مالنا، بسبب دخول تمراز هذا عندنا؛ فإنه قد أخذ مال السلطان وفرّ من جدة» ، فيطرده حاكم تلك البلد. ووقع له ذلك بعدة بلاد، وتحيّر فى أمره، وبلغ مسيره على ظهر البحر ستة أشهر، فعند ما عاين الهلاك، أرمى بنفسه بجميع ما معه فى مركبه، إلى مدينة كالكوت، وحاكم كالكوت سامرىّ، وجميع أهل البلد سمرة، وبها تجار غير سمرة، وأكثرهم من المسلمين، فثار «١» التجار، واستغاثوا بالسامرىّ، وقالوا له مثل مقالة غيرهم «٢» ، كل ذلك مراعاة لجهة جانبك نائب جدّة. وكنت أستبعد أنا ذلك، إلى أن أوقفنى مرة الأمير جانبك المذكور، على عدة مطالعات، وردت عليه من السامرى المذكور، وكلّ كتاب منهم، يشتمل على نظم ونثر وكلام فحل فائق، لا أدرى ذلك لفضيلة السامرى أو من كتّابه، وفى ضمن بعض الكتب الواردة صفة قائمة مكتوب «٣» فيها [عدة] «٤» الهدية التى أرسلها صحبة الكتاب المذكور، والقائمة خوصة، لعلها من ورق شجر جوز الهند، طول شبر ونصف، فى عرض إبهام، مكتوب عليها بالقلم الهندى خط «٥» باصطلاحهم، لا يعرف يقرأه إلا أبناء جنسهم، فى عاية الحسن والظرف- انتهى. ولما تكلم التجار المسلمون وغيرهم مع السامرى «٦» فى أمر تمراز، أراد السامرى مسك تمراز، فأحس تمراز بذلك، فأرسل إلى السامرى هدية هائلة، فأعاد عليه السامرى الجواب ب: «إن التجار يقولون إن معك مال السلطان» ، فقال تمراز: «نعم،

стр. 5416

أخذت المال لأشترى به [للسلطان] «١» فلفلا» ، فقال له السامرى: «اشتر «٢» به فى هذا الوقت، واشحنه فى مراكب التجار» ، فاشترى به «٣» تمراز الفلفل وأشحنه فى مركبين للتجار، والباقى أشحنه فى المركب المروّس الذي تحته، وسار تمراز وقصد بندر جدّة، إلى أن وصل باب المندب من عمل اليمن، عند مدينة عدن، فأخذ المركبين المشحونين بالفلفل [١٥٥] وتوجّه بهما إلى جزيرة مقابلة الحديدة تسمى كمران «٤» ، فحضر أكابر الحديدة إلى عند تمراز المذكور، وحسنوا له أخذ مملكة اليمن جميعها، فمال تمراز إلى ذلك، وخرج إلى بلدهم وأخذ معه جميع ما «٥» كان له بالمركب. ثم قال له أهل الحديدة: «لنا عدوّ، وما نقدر نملك اليمن حتى ننتصر عليه، وبلد العدو تسمى سحيّة» «٦» ، فأجمع تمراز على قتال المذكورين، وركب معهم وقصد عدوّهم. والتقى «٧» الجمعان، فكان بينهم وقعة قتل فيها تمراز المذكور، وقتل معه جماعة من أصحابه، وسلم ممن كان معه شخص من المماليك السلطانية، يسمى أيضا تمراز [وهو حتى إلى يومنا هذا. فلما بلغ الأمير جانبك موت تمراز] «٨» ، أرسل شخصا من

стр. 5417

الخاصكية «١» الظاهرية ممن كان معه بجدة، يسمى تنم رصاص «٢» ، ومعه كتب جانبك المذكور إلى الحديدة، بطلب ما كان مع تمراز جميعه، فتوجّه تنم إلى الحديدة، فتلقاه أهلها بالرحب والقبول، وسلموه جميع ما كان مع تمراز، والمركب المروّس وغير ذلك. فعاد تنم بالجميع إلى جدة، بعد أن استبعد كل أحد رجوع المال، فأرسل الأمير جانبك يخبر السلطان بذلك كلّه، فلما ورد عليه هذا الخبر، سربه وشكر جانبك المذكور على ذلك- انتهى «٣» . ثم فى يوم الأربعاء، سابع شهر رمضان، وصل الأمير تنبك البردبكى المعزول عن حجوبية الحجاب قبل تاريخه، من ثغر دمياط، بطلب من السلطان، وطلع إلى القلعة وقبّل الأرض بين يدى السلطان، ووعد بخير، ورسم له بالمشى فى الخدمة السلطانية على عادته أولا، لكنه لم ينعم عليه بإقطاع ولا إمرة. وفى هذه الأيام، رسم السلطان لنائب طرسوس بالقبض على أبى الخير النحاس، وضربه على سائر جسده خمسمائة عصاة، وأن يأخذ جميع ما كان معه من المماليك والجوارى؛ وخرج المرسوم بذلك على يد نجّاب، ووقع ما رسم به السلطان. ثم فى يوم الاثنين سادس [عشرين] «٤» شهر رمضان، ورد الخبر من الشأم بضرب رقبة أبى الفتح الطيبى، أحد أصحاب أبى الخير النحاس؛ بحكم القاضى المالكى بدمشق، فى ليلة الأربعاء رابع [عشر] شهر رمضان المذكور، بعد أن ألغى حكم القاضى برهان الدين إبراهيم السوبينى الشافعى، بعد عزله بعد أمور وقعت حكيناها فى الحوادث «٥» . ثم فى يوم الاثنين سابع [عشر] شوال؛ برز الأمير تمربغا الظاهرى الدّوادار

стр. 5418

الثانى، أمير حاج المحمل، بالمحمل، إلى بركة الحاج، وأمير الركب الأول خير بك الأشقر المؤيدى أحد أمراء العشرات، وكان الحج قليلا جدا فى هذه السنة، لعظم الغلاء بالديار المصرية وغيرها. ثم فى يوم الخميس خامس ذى القعدة، برز المرسوم الشريف باستقرار الأمير جانبك التاجىّ «١» المؤيدى نائب بيروت، فى نيابة غزة، بعد عزل خيربك النوروزى عنها، وتوجهه إلى دمشق بطالا. ثم فى يوم الاثنين سادس عشر ذى القعدة، ورد الخبر على السلطان بموت الأمير تغرى برمش الزردكاش بمكة المشرفة؛ وكان المخبر بموته، جانبك الظاهرى الخاصكى البواب [عفريت] «٢» ، فأنعم السلطان فى يوم الخميس تاسع عشره، على السيفى دقماق اليشبكى، الخاصّكى، بإمرة عشرة، من إقطاع تغرى برمش الزردكاش، وأنعم بباقيه على الأمير قراجا الظاهرى الخازندار، زيادة على ما بيده ليكمل ما بيده إمرة طبلخاناة؛ وأنعم بإقطاع دقماق، ربع تفهنة «٣» ، على جانبك الأشرفى الخازندار الخاصكى، وهو بوم ذاك من جملة الدّوادارية. ثم خلع السلطان فى يوم الاثنين ثالث عشرينه، على دقماق المذكور، باستقراره زرد كاشيّا كبيرا، عوضا عن تغرى برمش المذكور، فأقام دقماق فى الزّردكاشيّة خمسة أيام، وعزل عن الوظيفة، واسترجع السلطان منه الإمرة المنعم عليه بها من إقطاع تغرى برمش وأعيد إليه إقطاعه القديم، وقد ذكرنا سبب عزله فى «حوادث الدهور»

стр. 5419

[١٥٦] مفصلا «١» ، واستقر الأمير لاجين الظاهرى زردكاشا، ولما أعيد إلى دقماق إقطاعه القديم، صار جانبك الأشرفى الخازندار بلا إقطاع، لأن السلطان كان أنعم بإقطاعه على جانبك الظاهرى البواب القادم من مكة، وساعد جانبك الأشرفىّ جماعة من الأعيان فى رد إقطاعه الأول عليه، أو ينعم عليه السلطان بالإمرة المسترجعة من دقماق، فلم يحسن ببال السلطان أخذ الإقطاع من جانبك الظاهرى؛ فحينئذ لزمه أن يعطى جانبك الخازندار هذه الإمرة المذكورة فأنعم عليه بها، فجاءت «٢» جانبك السعادة بغتة، من غير أن يترشح لذلك قبل تاريخه. وخلع السلطان على السيفى قايتباى الظاهرى الخاصكى باستقراره دوادارا، عوضا عن جانبك الخازندار المذكور، فإنه كان بقى من جملة الدوادارية، غير أنه كان لا يعرف إلا بالخازندار، [و] «٣» الظريف إلى يومنا هذا. ثم فى يوم الخميس ثالث ذى الحجة، خلع السلطان على القاضى ولىّ الدين الأسيوطى «٤» باستقراره فى [مشيخة] «٥» المدرسة الجمالية بعد موت ولى الدين السّفطى. ثم فى يوم الأحد ثالث عشر ذى الحجة، رسم السلطان بالإفراج عن الأمير يشبك الصوفى المؤيّدى المعزول عن نيابة طرابلس، من سجن الإسكندرية وتوجّهه إلى ثغر «٦» دمياط بطّالا. وفى يوم الاثنين رابع عشره، وصل كتاب الناصرى محمد بن مبارك نائب البيرة، يخبر أنه ورد عليه كتاب الأمير رستم، مقدم عساكر جهان شاه [بن] «٧» قرا يوسف،

стр. 5420

يتضمن أنه قبض على الأمير بيغوت [من صفر خجا] «١» المؤيّدى [الأعرج] «٢» المتسحّب من نيابة حماه إلى جهان گير بن قرايلك، وأنه أخذ جميع ما كان معه وجعله فى الترسيم. فكتب له الجواب بالشكر والثناء عليه، وطلب بيغوت المذكور منه، وقد أوضحت أمر بيغوت هذا فى كتابنا «حوادث الدهور» من أول أمره إلى آخره «٣» . [ما وقع من الحوادث سنة ٨٥٥] ثم فى يوم الخميس أول محرم سنة خمس وخمسين وثمانمائة، خلع السلطان على الأمير مرجان العادلى المحمودى الحبشى «٤» نائب مقدم المماليك السلطانية، باستقراره مقدم المماليك، عوضا عن جوهر النّوروزى، بحكم إخراجه إلى القدس الشريف بطالا، [و] «٥» استقر الطواشى عنبر خادم التاجر نور الدين على الطنبذى فى نيابة المقدم، عوضا عن مرجان المذكور. ثم فى يوم الاثنين خامس المحرم، كانت مبايعة الخليفة القائم بالله حمزة، بالخلافة، عوضا عن أخيه أمير المؤمنين المستكفى بالله سليمان، بعد وفاته، حسبما يأتى ذكر وفاته فى الوفيات من هذا الكتاب. ثم فى يوم السبت تاسع صفر، وصل إلى القاهرة، قصّاد جهان شاه بن قرا يوسف صاحب تبريز وغيرها، وطلعوا إلى القلعة فى يوم الاثنين حادى عشره، بعد أن عمل

стр. 5421

السلطان لهم موكبا جليلا «١» بالحوش من قلعة الجبل، وقدّموا ما على أيديهم من الهدية وغيرها «٢» . ثم فى يوم الأحد سابع عشر صفر، ورد الخبر بقدوم الأمير بيغوت نائب حماة، الخارج عن الطاعة، إلى حلب، وصحبة القاصد الوارد بهذا الخبر، عدة مطالعات من نواب البلاد الشأمية فى الشفاعة فى بيغوت المذكور، كونه كان تخلص من أسر رستم وقدم هو بنفسه إلى طاعة السلطان، فكتب السلطان بإحضار بيغوت المذكور على أحسن وجه، وقبل السلطان شفاعة الأمراء فيه. ثم فى يوم الاثنين ثامن عشره، عمل السلطان مدة هائلة لقصّاد جهان شاه بالقلعة، ثم أنعم عليه بمبلغ ألفى دينار فى يوم الأربعاء العشرين منه، وأنعم أيضا على الأمير قانم التاجر المؤيدى أحد أمراء العشرات بألفى دينار، وكان ندبه للتوجه فى الرسلية إلى جهان شاه صحبة قصّاده، فخرج قانم فى يوم الجمعة ثانى عشرين صفر. ثم فى يوم الأحد ثانى شهر ربيع الأول، من سنة خمس وخمسين المذكورة، نزل السلطان إلى عيادة زين الدين يحيى الأستادار، لانقطاعه عن الخدمة، وكان سبب انقطاعه عن الخدمة السلطانية أن المماليك السلطانية أوقعوا به بباب «٣» [١٥٧] القلة «٤» من قلعة الجبل، وضربوه وجرح فى رأسه، من شجة، ونزل محمولا إلى داره على أقبح حال. ولم يطل السلطان الجلوس عنده، وركب من عنده، وتوجّه إلى بيت عظيم الدوله المقر الجمالى ناظر الخواص، [ونزل عنده وأقام قليلا، ثم ركب وعاد إلى القلعة وأصبح

стр. 5422

من الغد كلّ واحد من الجمالى ناظر الخواص] «١» وزين الدين الأستادار، جهزّ للسلطان تقدمة هائلة ذكرنا تفصيلها فى الحوادث «٢» . ثم فى يوم السبت ثالث عشر شهر ربيع الآخر، وصل الأمير بيغوت الأعرج [من صفرخجا] «٣» المؤيدى نائب حماه كان، إلى القاهرة، وطلع إلى السلطان، وقبل الأرض بين يديه، وخلع السلطان عليه سلاريّا أحمر بفرو سمور، ووعده بخير «٤» . ثم فى يوم الاثنين خامس عشر شهر ربيع الآخر المذكور، سافر الأمير أسنباى الجمالى الظاهرى أحد أمراء العشرات إلى بلاد الروم، لتولية خوندكار محمد السلطنة، بعد وفاة أبيه مراد بك. وفى هذا الشهر، أشيع بالقاهرة، أن السلطان ذكر أبا «٥» الخير النحاس بخير، وأنه فى عزمه الإفراج عنه والرضا عليه، فبلغ السلطان ذلك، فبرز مرسومه إلى نائب طرسوس بضرب النحاس مائة عصاة افتقده بها. ثم فى يوم الثلاثاء ثامن جمادى الأولى، سافر الأمير بيغوت إلى دمشق؛ ليقيم بها «٦» بطّالا، بعد أن رتب له فى كل شهر مائة دينار برسم النفقة، إلى أن ينحلّ له إقطاع «٧» . ثم فى يوم الخميس رابع [عشر] «٨» شهر رجب وصل الأمير قائم المؤيدى المتوجه إلى جهان شاه فى الرسلية، إلى القاهرة مريضا فى محفة. ثم فى يوم الاثنين تاسع شعبان، وصل الأمير جانبك نائب جدّة إلى القاهرة، وخلع السلطان عليه، ونزل إلى داره فى موكب جليل إلى الغاية.

стр. 5423

ثم فى يوم الخميس تاسع عشر شعبان، ورد الخبر على السلطان بموت الأمير بردبك العجمى الجكمى، أحد مقدمى الألوف بدمشق، فأنعم السلطان بإقطاعه على الأمير بيغوت الأعرج المؤيدى. ثم فى يوم الأحد ثانى عشرينه، نزل السلطان من القلعة وشق القاهرة، وسار حتى نظر المدرسة التى جدد بناءها الجمالى ناظر الخواص، بسويقة الصاحب، ثم عاد من المدرسة، ونزل إلى بيت ابنته زوجة الأمير أزبك من ططخ الساقى الظاهرى، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، بدرب الطنبذى بسويقة الصاحب، وأقام عندها ساعة جيدة، ثم ركب وطلع إلى القلعة. وبعد طلوعه أرسل إلى الأمير أزبك بعدة خيول خاص ومماليك وأصحن حلوى كثيرة، فقبل الحلوى ورد ما سواها. ثم فى يوم الاثنين ثالث عشرين شعبان من سنة خمس وخمسين المذكورة، رسم السلطان بتفرقة دراهم الكسوة، على المماليك السلطانية على العادة فى كل سنة، لكل مملوك ألف درهم، فامتنعوا من الأخذ، وطلبوا الزياده، وبلغ السلطان الخبر، فغضب من ذلك وخرج من وقته ماشيا حتى وصل إلى الإيوان، وجلس على السّلّمة السفلى بالقرب من الأرض، واستدعى كاتب المماليك أسماء جماعة فلم يخرج واحد، وصمموا على طلب الزيادة، وصاروا عصبة واحدة، فلم يسع السلطان إلا أن دعا عليهم، وقام غضبانا، وسار حتى وصل إلى الدّهيشة. واستمروا المماليك على ما هم عليه، وحصل أمور، إلى أن وقع الاتفاق على أنه يكون لكل مملوك من المماليك السلطانية ألفا «١» درهم، ورضوا بذلك، وأخذوا النفقة المذكورة، وقد تضاعف أمرها على ناظر الخاص. ثم استهل [شهر] «٢» رمضان، أوله الاثنين والناس فى أمر مريج من الغلاء المفرط فى سائر المأكولات لا سيما اللحوم، هذا مع اتساع الأراضى بالرى، واحتاجت الفلاحون

стр. 5424

إلى التقاوى والأبقار، وقد عزّ وجود البقر حتى أبيع الزوج البقر الهائل، بمائة وعشرين دينارا، وما دونها، وأغرب من ذلك ما حدثنى السيفى إياس خازندار الأتابك آقبغا التمرازى، بحضرة الأمير أزبك الساقى، أنه رأى ثورا هائلا، ينادى عليه بأربعين ألف درهم «١» ، فاستبعدت أنا ذلك، حتى قال [١٥٨] الأمير أزبك: «نعم، وأنا سمعته أيضا يقول هذا الخبر للمقر الجمالى ناظر الخواص» . ثم استشهد إياس المذكور بجماعة كثيرة على صدق مقالته، وهذا شىء لم نعهد بمثله. هذا مع كثرة الفقراء والمساكين، ممن افتقر فى هذه السنين المتداولة بالغلاء والقحط، مع أنه تمفقر خلائق كثيرة ممن ليس له مروءة، وأمسك فى هذه الأيام جماعة كثيرة من البيعة، ومعهم لحوم الدواب الميتة، ولحم الكلاب، يبيعونها [على الناس] «٢» ، وشهروا بالقاهرة، وقد استوعبنا أمر هذا الغلاء وما وقع فيه من الغرائب من ابتداء أمره إلى آخره، وقد مكث نحو الأربع سنين فى تاريخنا «حوادث الدهور فى «٣» مدى الأيام والشهور» ، محررا باليوم والساعة «٤» . ثم فى يوم الخميس حادى عشر شهر رمضان استقر الناصرى [ناصر الدين] «٥» محمد ابن مبارك [نائب البيرة] «٦» فى حجوبية دمشق؛ بعد عزل الأمير جانبك الناصرى؛ وتوجهه إلى القدس بطّالا.

стр. 5425

ووقع فى هذا الشهر، أعنى عن شهر رمضان، غريبة، وهى أن جماعة أرباب التقويم والحساب أجمعوا على أنه يكون فى أوائل العشر الأخير من هذا الشهر قران نحس يكون فيه قطع عظيم؛ على السلطان الملك الظاهر جقمق، ثم فى أواخر العشر المذكور يكون قران آخر، ويستمر القطع على السلطان من أول العشر إلى آخره، وأجمعوا على زوال السلطان بسبب هذه القطوع، فمضى هذا الشهر والسلطان فى خير وسلامة، فى بدنه وحواسه، ولازمته أنا فى العشر المذكورة ملازمة غير العادة، لأرى ما يقع له من التوعك أو الأنكاد، أو شىء يقارب مقالة هؤلاء، ليكون لهم مندوحة فى قولهم، فلم يقع له فى هذه المدة ما كدّر عليه؛ ولا تشوّش فى بدنه، ولا ورد عليه من الأخبار ما يسوء؛ ولا تنكد بسب من الأسباب؛ وقد كان شاع هذا القول حتى لعله بلغ السلطان أيضا، وفرغ الشهر، ولم يقع شىء مما قالوه بالكليّة؛ ويأبى الله إلا ما أراد؛ ويعجبنى فى هذا المعنى قول القائل، ولم أدر لمن هو: [البسيط] دع المنجّم يكبو فى ضلالته ... إن ادّعى علم ما يجرى به الفلك تفرّد الله بالعلم القديم فلا ... الإنسان «١» يشركه فيه ولا الملك ومثل هذا أيضا، وأظنه قد تقدم ذكره: [البسيط] دع النجوم لطرقىّ يعيش بها ... وبالعزيمة فانهض أيها الملك إن النّبيّ وأصحاب النّبيّ نهوا ... عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا ثم فى يوم الجمعة ثالث شوال، ورد الخبر بموت يشبك الحمزاوى نائب صفد بها، فى ليلة السبت سابع عشرين «٢» شهر رمضان، فرسم السلطان بنيابة صفد للأمير بيغوت الأعرج ثانيا، وحمل إليه التقليد والتشريف «٣» على يد الأمير يشبك الفقيه المؤيّدى، بنيابة صفد؛ ويشبك المذكور من محاسن الدنيا، نادرة فى أبناء جنسه؛ وأنعم بتقدمة

стр. 5426

بيغوت بدمشق، على الناصرى محمد بن مبارك حاجب حجاب دمشق؛ وأنعم بإقطاع ابن المبارك، على آقباى السيفى جارقطلو، المعزول عن نيابة سيس. وفيه أيضا، استقر خير بك النوروزى المعزول عن نيابة غزة قبل تاريخه، أتابك صفد، كلاهما: أعنى خير بك وآقباى، بالبذل، لأنهما من أطراف الناس، لم تسبق لهما رئاسة بالديار المصرية. ثم فى يوم السبت رابعه، استقر السّوبينى فى قضاء طرابلس، واستقر [الشمس] «١» ابن عامر فى قضاء المالكية بصفد. ثم فى يوم الاثنين سادسه، استقر [الزينى] «٢» الطّواشى سرور الطربائى [الحبشى] «٣» ، فى مشيخة الخدام بالحرم النبوى، بعد عزل الطواشى فارس الرومى الأشرفى. ثم فى يوم الخميس سادس عشر شوال، أعيد القاضى حميد الدين [النعمانى] «٤» إلى قضاء الحنفية بدمشق، بعد عزل القاضى قوام الدين. وفيه خلع السلطان على المقر الجمالى ناظر الخواص، خلعة هائلة لفراغ الكسوة المجهزة لداخل البيت العتيق. ثم فى يوم السبت ثامن عشره، برز أمير حاجّ المحمل الأمير سونجبغا اليونسى [١٥٩] بالمحمل إلى بركة الحاج. ثم فى يوم الثلاثاء سابع عشرين ذى القعدة، أنعم السلطان على الأمير تنبك البردبكى المعزول عن حجوبية الحجاب قبل تاريخه، بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، بعد موت الشهابى أحمد بن على بن إينال اليوسفى. ثم فى يوم الخميس سادس ذى الحجة من سنة خمس وخمسين المذكورة، قدم الأمير أسنباى الجمالى الظاهرى، أحد أمراء العشرات من بلاد الروم. ثم فى يوم الثلاثاء حادى عشر ذى الحجة، استقر عمر الكردى، أحد أجناد الحلقة

стр. 5427

[فى] «١» أستادّارية السلطان بدمشق [واستقر شخص يسمى يونس الدمشقى، يعرف بابن دكدوك، فى أستادّارية السلطان الكبرى بدمشق] «٢» ، وعمر المذكور، ويونس هذا، [هما] «٣» من الأوباش الأطراف، وكلاهما ولى بالبذل. [ثم] «٤» فى يوم الخميس سابع عشرين ذى الحجة، وصل الأمير يشبك الفقيه من صفد، بعد ما قلد نائبها الأمير بيغوت. [ما وقع من الحوادث سنة ٨٥٦] ثم فى يوم الاثنين أول محرم سنة ست وخمسين وثمانمائة، أعيد القاضى جمال الدين يوسف الباعونى إلى قضاء دمشق، بعد عزل السراج الحمصى، بسفارة عظيم الدولة ناظر الخواص. ثم فى يوم الثلاثاء [ثالث عشرينه] «٥» ، وصل أمير حاجّ المحمل بالمحمل. وفيه سافر الأمير جانبك الظاهرى نائب جدة [إلى] «٦» البندر المذكور «٧» . ثم فى [يوم] «٨» الاثنين سادس صفر، استعفى الأمير ألطنبغا الظاهرى برقوق [المعلم] «٩» اللفّاف، أحد مقدمى الألوف، من الإمرة، فأعفى لطول مرضه وعجزه عن الحركة، وأنعم السلطان بإقطاعه على ولده المقام الفخرى عثمان، زيادة على ما بيده من تقدمة أخيه الناصرى محمد قبل تاريخه، فصار بيده تقدمة أخيه وهذه التقدمة. ثم فى يوم الجمعة ثانى شهر ربيع الأول «١٠» ، حضر المقام الفخرى عثمان صلاة الجمعة، عند أبيه بجامع القلعة، ورسم له والده السلطان أن يمشى الخدمة على عادة أولاد الملوك. ثم فى يوم الخميس ثامن شهر ربيع الأول المذكور، خلع السلطان على القاضى محب

стр. 5428

الدين محمد بن الأشقر، ناظر الجيش، باستقراره كاتب السر الشريف، عوضا عن القاضى كمال الدين بن البارزى بعد موته. وخلع السلطان أيضا على المقرّ الجمالى ناظر الخواص، باستقراره ناظر الجيوش المنصورة زيادة على ما بيده من نظر الخاص وغيره. ثم فى يوم السبت سابع عشره، نودى بالقاهرة، على الذهب الظاهرى الأشرفى، كل دينار بمائتى درهم وخمسة وثمانين «١» درهما، وهدّد من زاد فى صرفه على ذلك. ثم فى يوم الاثنين، ثالث شهر ربيع الآخر، استقر الشريف معز «٢» فى إمرة الينبوع، عوضا عن عمه سنقر [بن وبير] «٣» ؛ وفيه نقل يشبك الصوفى المؤيّدى المعزول عن نيابة طرابلس، من ثغر دمياط إلى القدس بطالا. ثم فى يوم السبت ثامن عشرين جمادى الأولى، أنعم السلطان على مملوكه جانم الساقى الظاهرى، بإمرة عشرة، بعد موت الأمير برسباى الساقى المؤيدى. ثم فى يوم السبت حادى عشر شهر رجب، وصل إلى القاهرة الأمير حاج إينال اليشبكى، نائب الكرك، وخلع السلطان عليه باستمراره. ثم فى يوم السبت ثامن عشر رجب المذكور، أنعم السلطان على حاج إينال المذكور بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، عوضا عن الأمير مازى «٤» الظاهرى برقوق، بحكم لزومه بيته، واستقر فى نيابة الكرك عوضا عن حاج إينال، طوغان، مملوك آقبردى المنقار، نقل إليها من دوادارية السلطان بدمشق، واستقر فى دوادارية السلطان بدمشق، خشكلدى الزينى عبد الرحمن بن الكويز الدوادار، واستقر عوضا عن خشكلدى فى الدوادارية الثالثة «٥» شخص من أولاد الناس، ممن كان فى خدمة الملك الظاهر قديما، يعرف بابن جانبك، لا يعرف له نسب ولا حسب.

стр. 5429

وفى هذه الأيام أشيع بالقاهرة، بمجيء النحاس إلى الديار المصرية، وأنه وصل على النّجب، وأنه نزل بتربة الأمير طيبغا الطويل بالصحراء خارج القاهرة، ثم انتقل [١٦٠] منها إلى القاهرة، وتحدث الناس برؤيته، وتعجب الناس من ذلك، واستغربت أنا وغيرى مجيئه من أن السلطان من يوم نكبه وصادره وحبسه ثم نفاه إلى طرسوس، ثم حبسه بقلعة طرسوس على أقبح وجه، وصار فى الحبس المذكور فى غاية الضيق، ونال أعداؤه منه فوق الغرض، وصار السلطان يتفقده فى كل قليل بعصيّات، حتى أنه ضرب فى مدة حبسه بطرسوس، على نفذات متفرقة، نحو الألف عصاة تخمينا، ولم يزل فى محبسه فى أسوأ حال، حتى أشيع مجيئه، ولم يدر بذلك أحد من أعيان الدولة، ولا يعرف أحد كيفية الإفراج عنه؛ وأخذ أعيان الدولة من الأكابر فى تكذيب [هذا الخبر] «١» ، وصار الناس فى أمره على قسمين: ما بين مصدق ومكذب. ثم قدم الأمير جانبك الظاهرى، نائب جدّة وصحبته قصّاد الحبشة من المسلمين من صاحب جبرت فى يوم الخميس ثامن شعبان، وعمل السلطان الموكب بالحوش السلطانى، وكان السلطان قد انقطع عن حضور الخدمة بالقصر نحو الشهر لضعف حركته. فلما كان يوم الجمعة تاسعه، طلع أبو الخير النحاس فى بكرته إلى القلعة، ودخل إلى الدّهيشة صحبة المعزّى عبد العزيز ابن أخى الخليفة القائم بأمر الله حمزة، وقد أمره عمه القائم بأمر الله حمزة ليشفع فى أبى الخير المذكور على لسان الخليفة، ولم يكن عند السلطان فى ذلك الوقت من أعيان الدولة سوى الأمير تمربغا الظاهرى الدّوادار الثانى، والأمير أسنباى الجمالى الظاهرى؛ فقام السلطان لابن أخى الخليفة المذكور وأجلسه، ثم دخل أبو الخير النحاس وقبّل رجل السلطان، فسبّه السلطان ولعنه وأخذ فى توبيخه، وذكر أفعاله القبيحة؛ ثم أمر بحبسه بالبرج من قلعة الجبل، ثم اعتذر لابن أخى الخليفة، وقال: «أنا كنت أريد توسيطه، ولأجل الخليفة قد عفوت عنه» . ثم أنعم على عبد العزيز المذكور بمائة دينار، وانفض المجلس.

стр. 5430

وأصبح السلطان من الغد فى يوم السبت، جلس على الدّكة بالحوش السلطانى، وأحضر أبا الخير المذكور، فى الملأ من الناس، ثم أمر به فضرب بين يديه نحو الألف عصاة، أو ما دونها تخمينا، على رجليه، وسائر بدنه؛ ثم أمر بحبسه ثانيا بالبرج من القلعة، فتحيّر الناس من هذه الأفعال المتناقضة، وهو كونه أفرج عنه سرا وأحضره إلى القاهرة؛ فظن كل أحد بعود المذكور إلى أعظم ما كان عليه، ثم وقع له ما ذكرناه من الإخراق والضرب والحبس. وقد كثر كلام الناس فى ذلك، فمنهم من يقول: أمر السلطان بإطلاقه لا مجيئه إلى القاهرة، فلما قدم بغير دستور، غضب السلطان عليه؛ فردّ على قائل هذا الكلام بأنه: من أين لأبى الخير النّجب التى قدم عليها مع ما كان عليه، لولا توصية السلطان لمن يعينه على ذلك؟. وأيضا: كيف تمكن من المجىء، لولا ما معه من المراسيم ما يدفع به نوّاب البلاد الشامية من منعه من الحضور؟. ومنهم من يقول: كان أمره قد انبرم مع السلطان، ورسم بحضوره، وإنما أعداؤه اجتهدوا فى إبعاده ثانيا، ووعدوا بأوعاد كثيرة، أضعاف ما وعده أبو الخير المذكور؛ وأقوال كثيرة أخر «١» . ثم فى هذا اليوم أخذ أبو عبد الله التريكى «٢» المغربى المالكى، المعزول عن قضاء دمشق قبل تاريخه، من بيته إلى بيت الوالى، ورسم عليه، ثم ادّعى عليه بمجلس القاضى المالكى، أنه التزم للسلطان عن أبى الخير النحاس بمائة ألف دينار أو أكثر، فقال: «أنا قلت إن ولّاه ما عيّنته من الوظائف» ولم يقع ذلك، وعرف كيف أجاب، فإنه كان من الفضلاء العلماء، فاستمر فى الترسيم إلى يوم الثلاثاء ثالث عشر شعبان، فطلب إلى القلعة، فطلع وفى رقبته جنزير، ثم أعيد إلى الترسيم من غير جنزير، وقد أشيع أنه وقع فى حق قاضى القضاة شرف الدين يحيى المناوى [١٦١] بأمور شنعة، ودام فى الترسيم إلى ما يأتى ذكره.
следующие страницы →