← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

بيغوت بدمشق، على الناصرى محمد بن مبارك حاجب حجاب دمشق؛ وأنعم بإقطاع ابن المبارك، على آقباى السيفى جارقطلو، المعزول عن نيابة سيس. وفيه أيضا، استقر خير بك النوروزى المعزول عن نيابة غزة قبل تاريخه، أتابك صفد، كلاهما: أعنى خير بك وآقباى، بالبذل، لأنهما من أطراف الناس، لم تسبق لهما رئاسة بالديار المصرية. ثم فى يوم السبت رابعه، استقر السّوبينى فى قضاء طرابلس، واستقر [الشمس] «١» ابن عامر فى قضاء المالكية بصفد. ثم فى يوم الاثنين سادسه، استقر [الزينى] «٢» الطّواشى سرور الطربائى [الحبشى] «٣» ، فى مشيخة الخدام بالحرم النبوى، بعد عزل الطواشى فارس الرومى الأشرفى. ثم فى يوم الخميس سادس عشر شوال، أعيد القاضى حميد الدين [النعمانى] «٤» إلى قضاء الحنفية بدمشق، بعد عزل القاضى قوام الدين. وفيه خلع السلطان على المقر الجمالى ناظر الخواص، خلعة هائلة لفراغ الكسوة المجهزة لداخل البيت العتيق. ثم فى يوم السبت ثامن عشره، برز أمير حاجّ المحمل الأمير سونجبغا اليونسى [١٥٩] بالمحمل إلى بركة الحاج. ثم فى يوم الثلاثاء سابع عشرين ذى القعدة، أنعم السلطان على الأمير تنبك البردبكى المعزول عن حجوبية الحجاب قبل تاريخه، بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، بعد موت الشهابى أحمد بن على بن إينال اليوسفى. ثم فى يوم الخميس سادس ذى الحجة من سنة خمس وخمسين المذكورة، قدم الأمير أسنباى الجمالى الظاهرى، أحد أمراء العشرات من بلاد الروم. ثم فى يوم الثلاثاء حادى عشر ذى الحجة، استقر عمر الكردى، أحد أجناد الحلقة

стр. 5427

[فى] «١» أستادّارية السلطان بدمشق [واستقر شخص يسمى يونس الدمشقى، يعرف بابن دكدوك، فى أستادّارية السلطان الكبرى بدمشق] «٢» ، وعمر المذكور، ويونس هذا، [هما] «٣» من الأوباش الأطراف، وكلاهما ولى بالبذل. [ثم] «٤» فى يوم الخميس سابع عشرين ذى الحجة، وصل الأمير يشبك الفقيه من صفد، بعد ما قلد نائبها الأمير بيغوت. [ما وقع من الحوادث سنة ٨٥٦] ثم فى يوم الاثنين أول محرم سنة ست وخمسين وثمانمائة، أعيد القاضى جمال الدين يوسف الباعونى إلى قضاء دمشق، بعد عزل السراج الحمصى، بسفارة عظيم الدولة ناظر الخواص. ثم فى يوم الثلاثاء [ثالث عشرينه] «٥» ، وصل أمير حاجّ المحمل بالمحمل. وفيه سافر الأمير جانبك الظاهرى نائب جدة [إلى] «٦» البندر المذكور «٧» . ثم فى [يوم] «٨» الاثنين سادس صفر، استعفى الأمير ألطنبغا الظاهرى برقوق [المعلم] «٩» اللفّاف، أحد مقدمى الألوف، من الإمرة، فأعفى لطول مرضه وعجزه عن الحركة، وأنعم السلطان بإقطاعه على ولده المقام الفخرى عثمان، زيادة على ما بيده من تقدمة أخيه الناصرى محمد قبل تاريخه، فصار بيده تقدمة أخيه وهذه التقدمة. ثم فى يوم الجمعة ثانى شهر ربيع الأول «١٠» ، حضر المقام الفخرى عثمان صلاة الجمعة، عند أبيه بجامع القلعة، ورسم له والده السلطان أن يمشى الخدمة على عادة أولاد الملوك. ثم فى يوم الخميس ثامن شهر ربيع الأول المذكور، خلع السلطان على القاضى محب

стр. 5428

الدين محمد بن الأشقر، ناظر الجيش، باستقراره كاتب السر الشريف، عوضا عن القاضى كمال الدين بن البارزى بعد موته. وخلع السلطان أيضا على المقرّ الجمالى ناظر الخواص، باستقراره ناظر الجيوش المنصورة زيادة على ما بيده من نظر الخاص وغيره. ثم فى يوم السبت سابع عشره، نودى بالقاهرة، على الذهب الظاهرى الأشرفى، كل دينار بمائتى درهم وخمسة وثمانين «١» درهما، وهدّد من زاد فى صرفه على ذلك. ثم فى يوم الاثنين، ثالث شهر ربيع الآخر، استقر الشريف معز «٢» فى إمرة الينبوع، عوضا عن عمه سنقر [بن وبير] «٣» ؛ وفيه نقل يشبك الصوفى المؤيّدى المعزول عن نيابة طرابلس، من ثغر دمياط إلى القدس بطالا. ثم فى يوم السبت ثامن عشرين جمادى الأولى، أنعم السلطان على مملوكه جانم الساقى الظاهرى، بإمرة عشرة، بعد موت الأمير برسباى الساقى المؤيدى. ثم فى يوم السبت حادى عشر شهر رجب، وصل إلى القاهرة الأمير حاج إينال اليشبكى، نائب الكرك، وخلع السلطان عليه باستمراره. ثم فى يوم السبت ثامن عشر رجب المذكور، أنعم السلطان على حاج إينال المذكور بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، عوضا عن الأمير مازى «٤» الظاهرى برقوق، بحكم لزومه بيته، واستقر فى نيابة الكرك عوضا عن حاج إينال، طوغان، مملوك آقبردى المنقار، نقل إليها من دوادارية السلطان بدمشق، واستقر فى دوادارية السلطان بدمشق، خشكلدى الزينى عبد الرحمن بن الكويز الدوادار، واستقر عوضا عن خشكلدى فى الدوادارية الثالثة «٥» شخص من أولاد الناس، ممن كان فى خدمة الملك الظاهر قديما، يعرف بابن جانبك، لا يعرف له نسب ولا حسب.

стр. 5429

وفى هذه الأيام أشيع بالقاهرة، بمجيء النحاس إلى الديار المصرية، وأنه وصل على النّجب، وأنه نزل بتربة الأمير طيبغا الطويل بالصحراء خارج القاهرة، ثم انتقل [١٦٠] منها إلى القاهرة، وتحدث الناس برؤيته، وتعجب الناس من ذلك، واستغربت أنا وغيرى مجيئه من أن السلطان من يوم نكبه وصادره وحبسه ثم نفاه إلى طرسوس، ثم حبسه بقلعة طرسوس على أقبح وجه، وصار فى الحبس المذكور فى غاية الضيق، ونال أعداؤه منه فوق الغرض، وصار السلطان يتفقده فى كل قليل بعصيّات، حتى أنه ضرب فى مدة حبسه بطرسوس، على نفذات متفرقة، نحو الألف عصاة تخمينا، ولم يزل فى محبسه فى أسوأ حال، حتى أشيع مجيئه، ولم يدر بذلك أحد من أعيان الدولة، ولا يعرف أحد كيفية الإفراج عنه؛ وأخذ أعيان الدولة من الأكابر فى تكذيب [هذا الخبر] «١» ، وصار الناس فى أمره على قسمين: ما بين مصدق ومكذب. ثم قدم الأمير جانبك الظاهرى، نائب جدّة وصحبته قصّاد الحبشة من المسلمين من صاحب جبرت فى يوم الخميس ثامن شعبان، وعمل السلطان الموكب بالحوش السلطانى، وكان السلطان قد انقطع عن حضور الخدمة بالقصر نحو الشهر لضعف حركته. فلما كان يوم الجمعة تاسعه، طلع أبو الخير النحاس فى بكرته إلى القلعة، ودخل إلى الدّهيشة صحبة المعزّى عبد العزيز ابن أخى الخليفة القائم بأمر الله حمزة، وقد أمره عمه القائم بأمر الله حمزة ليشفع فى أبى الخير المذكور على لسان الخليفة، ولم يكن عند السلطان فى ذلك الوقت من أعيان الدولة سوى الأمير تمربغا الظاهرى الدّوادار الثانى، والأمير أسنباى الجمالى الظاهرى؛ فقام السلطان لابن أخى الخليفة المذكور وأجلسه، ثم دخل أبو الخير النحاس وقبّل رجل السلطان، فسبّه السلطان ولعنه وأخذ فى توبيخه، وذكر أفعاله القبيحة؛ ثم أمر بحبسه بالبرج من قلعة الجبل، ثم اعتذر لابن أخى الخليفة، وقال: «أنا كنت أريد توسيطه، ولأجل الخليفة قد عفوت عنه» . ثم أنعم على عبد العزيز المذكور بمائة دينار، وانفض المجلس.

стр. 5430

وأصبح السلطان من الغد فى يوم السبت، جلس على الدّكة بالحوش السلطانى، وأحضر أبا الخير المذكور، فى الملأ من الناس، ثم أمر به فضرب بين يديه نحو الألف عصاة، أو ما دونها تخمينا، على رجليه، وسائر بدنه؛ ثم أمر بحبسه ثانيا بالبرج من القلعة، فتحيّر الناس من هذه الأفعال المتناقضة، وهو كونه أفرج عنه سرا وأحضره إلى القاهرة؛ فظن كل أحد بعود المذكور إلى أعظم ما كان عليه، ثم وقع له ما ذكرناه من الإخراق والضرب والحبس. وقد كثر كلام الناس فى ذلك، فمنهم من يقول: أمر السلطان بإطلاقه لا مجيئه إلى القاهرة، فلما قدم بغير دستور، غضب السلطان عليه؛ فردّ على قائل هذا الكلام بأنه: من أين لأبى الخير النّجب التى قدم عليها مع ما كان عليه، لولا توصية السلطان لمن يعينه على ذلك؟. وأيضا: كيف تمكن من المجىء، لولا ما معه من المراسيم ما يدفع به نوّاب البلاد الشامية من منعه من الحضور؟. ومنهم من يقول: كان أمره قد انبرم مع السلطان، ورسم بحضوره، وإنما أعداؤه اجتهدوا فى إبعاده ثانيا، ووعدوا بأوعاد كثيرة، أضعاف ما وعده أبو الخير المذكور؛ وأقوال كثيرة أخر «١» . ثم فى هذا اليوم أخذ أبو عبد الله التريكى «٢» المغربى المالكى، المعزول عن قضاء دمشق قبل تاريخه، من بيته إلى بيت الوالى، ورسم عليه، ثم ادّعى عليه بمجلس القاضى المالكى، أنه التزم للسلطان عن أبى الخير النحاس بمائة ألف دينار أو أكثر، فقال: «أنا قلت إن ولّاه ما عيّنته من الوظائف» ولم يقع ذلك، وعرف كيف أجاب، فإنه كان من الفضلاء العلماء، فاستمر فى الترسيم إلى يوم الثلاثاء ثالث عشر شعبان، فطلب إلى القلعة، فطلع وفى رقبته جنزير، ثم أعيد إلى الترسيم من غير جنزير، وقد أشيع أنه وقع فى حق قاضى القضاة شرف الدين يحيى المناوى [١٦١] بأمور شنعة، ودام فى الترسيم إلى ما يأتى ذكره.

стр. 5431

ثم فى يوم الأربعاء رابع عشر شعبان المذكور، أخرج أبو الخير النحاس المذكور من البرج منفيّا إلى البلاد الشامية، ورسم بحبسه بقلعة الصّبيبة، فنزل على حالة غير مرضية، وهو أنه أركب على حمار، وفى رقبته باشة «١» وجنزير وموكل به جماعة من الجبليّة «٢» ، شقوا به شارع القاهرة إلى أن أخرج من باب النصر، والمشاعلىّ ينادى عليه: «هذا جزاء من يكذب على الملوك، ويأكل مال الأوقاف» ، ونحو ذلك، ورسم السلطان أن يفعل به ذلك فى كل بلد يمر بها، إلى أن يصل إلى محبسه. ثم فى يوم الخميس خامس عشره، استقر الأمير حاج إينال اليشبكى أحد مقدمى الألوف بدمشق، فى نيابة حماه، عوضا عن سودون الأبوبكريّ المؤيدى بحكم عزله، وتوجهه على إقطاع حاج إينال المذكور بدمشق. ثم فى يوم الثلاثاء العشرين من شعبان المذكور، جلس السلطان بالحوش، وأحضر القضاة ثم أحضر والى القاهرة أبا عبد الله التريكى المغربى، وكان التريكى قد أقام قبل ذلك ببيت القاضى الشافعى أياما، فلما مثل التريكى بين يدى السلطان، سأل السلطان قاضى القضاة شرف الدين يحيى المناوى الشافعى، عن أمر التريكى وما وجب عليه، فقال: «ثبت عليه عند نائبى نجم الدين بن نبيه، لمولانا السلطان عشرة آلاف دينار» ، وقام ابن النّبيه «٣» فى الحال، وأخبر السلطان بذلك، فنهر السلطان القاضى الشافعى عند مقالته عشرة آلاف دينار، وقال: «ما أسأل إلا عن ما وجب عليه من التّعزير. إيش العشرة آلاف دينار؟» ولم تحسن مقالة القاضى الشافعى بهذا القول ببال أحد؛ ثم أجاب ابن النبيه بأن قال: «أما المال فقد ثبت عندى، وأما التعزير فهو إلى القاضى شمس الدين بن خيرة، أحد نواب الحكم» . فقال ابن خيرة: «حكمت عليه بتغريبه «٤» سنتين، وأما التعزير

стр. 5432

فلمولانا السلطان على ما وقع منه من الأيمان الحانثة» . فلما سمع السلطان كلام ابن خيرة، أمر بالتريكى فطرح على الأرض، وضرب ضربا مبرحا، يزيد على مائتى عصاة، وأقيم، فتكلم فيه ابن النبيه أيضا، وأحضر محضرا مكتتبا عليه بدمشق، بواقعة وقعت له فى أيام حكمه بدمشق، فأمر به السلطان ثانيا فضرب نحوا مما ضرب أولا، واختلفت الأقوال فى عدة ما ضرب، فأكثر ما قيل ستمائة عصاة، وأقل ما قيل أربعمائة. ثم أنزلوه إلى بيت والى القاهرة، فأقام فى حبس الرّحبة «١» إلى يوم الأربعاء خامس شهر رمضان، فأخرج من الحبس وفى رقبته الجنزير ماشيا إلى بيت الوالى بين القصرين، ثم ركب من هناك، وأخرج منفيا فى الترسيم إلى بلاد «٢» المغرب، فسافر إلى المغرب «٣» إلى يومنا هذا. ثم فى يوم السبت ثامن شهر رمضان، سافر محبّ الدين بن الشحنة قاضى قضاة حلب من القاهرة، بعد ما أقام بها أشهرا، وقاسى من الذل والبهدلة أنواعا، ورسم عليه غير مرة، وأخرجت عنه وظيفتا «٤» كتابة سرّ حلب ونظر جيشها، وقد استوعبنا أحوال ابن الشّحنة هذا فى تاريخنا «حوادث الدهور فى مدى الأيام والشهور» ، مستوفاة من مبدأ أمره إلى يوم تاريخه، مما وقع له بحلب ومصر وغيرهما، من الأمور الشنعة وسوء السيرة، وما وقع له من التراسيم عليه وغير ذلك. ثم فى أواخر هذا الشهر، رسم السلطان بإخراج نصف إقطاع جانبك النّوروزى، المعروف بنائب بعلبك، للسيفى بردبك التاجى، وكلاهما مقيم بمكة «٥» ؛ وكان هذا

стр. 5433

الإقطاع أصله بين جانبك المذكور وبين تغرى برمش نائب القلعة، فلما نفى تغرى برمش، أنعم السلطان عليه بنصيبه إلى يوم تاريخه، فأخرجه عنه. ثم فى يوم الخميس رابع شوال، استقر الأمير تغرى بردى الظاهرى المعروف بالقلاوى «١» ، وزيرا بالديار المصرية، مضافا لما بيده من كشف الأشمونين والبلاد الجيزية، عوضا عن الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم، بحكم استعفائه عن الوزارة [١٦٢] ، وأنعم السلطان على تغرى بردى المذكور بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، وهو الإقطاع الذي كان أنعم به السلطان على ولده المقام الفخرى عثمان، بعد ألطنبغا اللّفّاف، ليستعين تغرى بردى المذكور بالإقطاع على [كلف] «٢» الدولة، وكانت خلعة تغرى بردى المذكور بالوزارة أطلسين متمّرا «٣» ثم فوقانيّا «٤» بطرز زركش عريض مثال خلعة الأتابكية بالديار المصرية. وخلع السلطان على زين الدين فرج بن ماجد سعد الدين بن المجد القبطى المصرى] «٥» بن النّحّال كاتب المماليك السلطانية، بوظيفة نظر الدولة مضافا لكتابة المماليك. وفى يوم الاثنين تاسعه، عملت الخدمة السلطانية بالدّهيشة من الحوش، ورسم السلطان بأن تكون الخدمة دائما فى يومى الاثنين والخميس، بها؛ كل ذلك لضعف حركة السلطان وهو يكتم ما به من الألم. وفى يوم الثلاثاء عاشره، استقر قانى باى طاز السيفى بكتمر جلّق «٦» فى نيابة قلعة

стр. 5434

صفد، بعد شغورها أشهرا من يوم مات الجمالى يوسف بن يغمور. وفى هذا اليوم أيضا وصل المقام الغرسى خليل ابن الملك الناصر فرج ابن الملك الظاهر برقوق، من ثغر الإسكندرية، وقد رسم له بالتوجه إلى الحجاز لقضاء الفرض، وطلع إلى السلطان، فأكرمه السلطان إلى الغاية، وهذا شىء لم يسمع بمثله، من أن ابن السلطان وله شوكة، يمكّن من سفر الحجاز، فلله درّه من ملك «١» ، وقد حكينا طلوعه إلى القلعة واجتماعه بالسلطان، فى ذهابه وإيابه فى «الحوادث» بأطول من هذا «٢» . وفى يوم الأربعاء ثامن عشره، ورد الخبر بقتل طوغان السيفى آقبردى المنقار «٣» ، نائب الكرك، على ما سنذكره فى الوفيات من هذه الترجمة. ثم فى يوم تاسع عشره، برز الأمير دولات باى المحمودى الدّوادار الكبير، أمير حاج المحمل، بالمحمل. وكان الحاج فى هذه السنة ركبا واحدا، وهذه حجة دولات باى المذكور الثانية، أمير الحاج، فلما خرج دولات باى إلى بركة الحاج، رسم له بأن يجعل دواداره فارس، أمير الركب الأول، ووقع ذلك، وسافر ابن الملك الناصر صحبة المحمل. ثم فى يوم الثلاثاء رابع عشرين شوال، رسم السلطان لطقتمر البارزى رأس نوبة الجمدارية، أن يتوجه إلى القدس الشريف، لإحضار الأمير يشبك الصوفى المؤيّدى منه، إلى القاهرة، ليتجهز ثم يعود إلى دمشق أتابكا بها، عوضا عن خير بك المؤيدى

стр. 5435

الأجرود، ورسم السلطان «١» أيضا لطقتمر المذكور، أن يتوجه إلى دمشق ويقبض على أتابكها خير بك المذكور، ويحمله «٢» إلى سجن الصّبيبة. وفيه أيضا، رسم بنقل الأمير يشبك طاز المؤيدى، من حكومة طرابلس، إلى نيابة الكرك، عوضا عن طوغان المقتول قبل تاريخه، واستقر «٣» عوضه فى حجوبية طرابلس، مغلباى البجاسى، أحد أمراء طرابلس كان، ثم نائب قلعة الروم، واستقر فى نيابة قلعة الروم، ناصر الدين محمد والى الحجر بقلعة حلب. [ثم] «٤» فى يوم الأحد سادس ذى القعدة من سنة ست وخمسين المقدم ذكرها، حبس السلطان تقىّ الدين عبد الرحمن بن حجّىّ بن عز الدين قاضى قضاة الشافعية بطرابلس بحبس المقشرة فحبس بها، بعد أن نودى عليه، وهو على حمار بشوارع القاهرة: «هذا جزاء من يزوّر المحاضر!» ثم أمر السلطان من وقته بحبس ماماى السيفى بيبغا المظفرى أحد الدّوادارية بالبرج من قلعة الجبل [لا تهامه بالغرض مع التقىّ المذكور] «٥» وكان ماماى المذكور هو المتوجه إلى طرابلس للكشف عن أحوال ابن عز الدين المقدم ذكره، واستمر ماماى بالبرج إلى يوم الاثنين سابع ذى القعدة، فأطلق، ورسم بنفيه إلى مدينة حماه، واستقر فى وظيفة ماماى الدّوادارية، قانصوه الظاهرى جقمق. ثم فى يوم الخميس عاشره، وصل الأمير يشبك الصوفى من القدس إلى القاهرة، وطلع إلى القلعة وقبّل الأرض. وفيه رسم بالإفراج عن جانبك المحمودى، من حبس المرقب [و] «٦» أن يتوجه إلى طرابلس بطالا. ثم فى يوم الاثنين ثامن عشرينه، خلع السلطان [١٦٣] على الأمير يشبك الصوفى باستقراره أتابك عساكر دمشق، وسافر فى يوم الخميس [ثانى ذى الحجة] «٧» .

стр. 5436

[ثم فى يوم الخميس سادس «١» ] «٢» عشر ذى الحجة، استقر القاضى حسام الدين محمد ابن تقي الدين عبد الرحمن بن بريطع قاضى قضاة الحنفية بحلب، عوضا عن محب الدين ابن الشّحنة، بعد أن وقع لابن الشحنة المذكور أمور مذكورة فى «الحوادث» بتمامها وكمالها. وفى يوم الاثنين عشرينه، استقر أسنبغا مملوك ابن كلبك نائب القدس، وناظره، بعد موت أمين الدين عبد الرحمن بن الديرى الحنفى. وفى يوم الثلاثاء حادى عشرينه، تكلم الأمير الوزير تغرى بردى القلاوى مع السلطان، فى عزل فرج بن النحال عن نظر الدولة، فعزله وأبقى معه كتابة المماليك على عادته. ابتداء مرض موت السلطان ولما كان يوم الجمعة رابع عشرينه، حضر السلطان الملك الظاهر جقمق الصلاة بجامع القلعة على العادة، وهو متوعك، فلما انقضت الصلاة، وخرج من الجامع، غشى عليه، فأرجف فى القاهرة بموته، وتكلم الناس بذلك، فأصبح من الغد فى يوم السبت خامس عشرينه، وحضر الخدمة فى الدّهيشة من القلعة، وحضر جميع أكابر الأمراء والخاصكيّة بغير كلفتاة، وعلّم السلطان على قصص «٣» كثيرة. ومن غريب الاتفاق ما وقع له، أنه لما خرج إلى الدّهيشة، ورأى» الناس وقوفا «٥» ، قال: «سبحان الحى الذي لا يموت!» ، فحسن ذلك ببال الناس كثيرا، عفا الله عنه. ثم أصبح

стр. 5437

فى يوم الأحد سادس عشرين ذى الحجة، فركب من القلعة ونزل إلى بيت بنته زوجة الأمير أزبك من ططخ الساقى، أحد أمراء العشرات، ورأس نوبة، غير أنه لم يطل الجلوس عندها وعاد إلى القلعة من وقته، وكان سكن أزبك المذكور يومئذ فى الدار الذي خلف حمام بشتك، وهى الآن ملك شخص من أصاغر المماليك الأشرفية، لا أعرفه، إلا فى هذه الدوله. ثم فى يوم الاثنين سابع عشرين ذى الحجة، عمل السلطان الموكب بالحوش لقصّاد جهان شاه بن قرا يوسف، متملّك تبريز وغيرها، وكان قدوم القصّاد المذكورين، لإعلام السلطان بأن جهان شاه المذكور، كسر عساكر بابور «١» بن باى سنقر بن شاه رخ بن تيمورلنك، وأنه استولى على عدة بلاد من ممالكه، وأن عساكر جغتاى ضعف أمرهم لوقوع الوباء فى خيولهم ومواشيهم. ثم فى يوم الأربعاء تاسع عشرينه، ضرب السلطان بعض نواب الحكم الشافعية، بيده عشرة عصىّ، لأمر لا يستحق ذلك. وفرغت سنة ست وخمسين، بعد أن وقع بها فتن كثيرة ببلاد الشرق، قتل فيها خلائق لا تدخل تحت حصر، استوعبنا غالبها فى «حوادث الدهور» ، كونه موضوعا «٢» لتحرير الوقائع، كما أن هذا الكتاب وظيفته الإطناب فى تراجم ملوك مصر. ومهما ذكرناه بعد ذلك من الوقائع يكون على سبيل الاستطراد وتكثير الفوائد لا غير. [ما وقع من الحوادث سنة ٨٥٧] واستهلّت سنة سبع وخمسين وثمانمائة، بيوم الجمعة، والسلطان الملك الظاهر جقمق صاحب الترجمة، متوعك، غير أنه يتجلد ولا ينام على الفراش، وأيضا لم يكن.

стр. 5438

على وجهه علامات مرض الموت إلا أنه غير صحيح البدن، وكان له على ذلك أشهر كثيرة، من أواخر سنة خمس وخمسين وثمانمائة-[انتهى] «١» . قلت: ويحسن ببالى أن أذكر فى أول هذه السنة، جميع أسماء أرباب الوظائف بالديار المصرية وغيرها، ليعلم بذلك فيما يأتى، كيف تقلبات الدهر، وتغيير الدول. فأقول: استهلت سنة سبع وخمسين وخليفة الوقت القائم بأمر الله حمزة، والقاضى الشافعى شرف الدين يحيى المناوى، والقاضى الحنفى سعد الدين سعد الديرى، والقاضى المالكى ولىّ الدين [محمد] «٢» السنباطى، والقاضى الحنبلى بدر الدين محمد بن عبد المنعم البغدادى، وأتابك العساكر إينال العلائى الناصرى، وأمير سلاح جرباش الكريمى الظاهرى برقوق المعروف بقاشق «٣» ، وأمير مجلس تنم من عبد الرزاق المؤيّدى، والأمير آخور الكبير قانى باى الجاركسى، ورأس نوبة النوب أسنبغا الناصرى الطّيارى، والدّوادار [١٦٤] الكبير دولات باى المحمودى المؤيّدى، وحاجب الحجاب خشقدم من ناصر الدين المؤيّدى، وباقى مقدمى الألوف أربعة: أعظمهم المقام الفخرى عثمان ابن السلطان، ثم الأمير تنبك البردبكى الظاهرى برقوق المعزول عن الحجوبية، والأمير طوخ من تمراز الناصرى «٤» [فرج] «٥» ، والأمير جرباش المحمدى الناصرى [المعروف] «٦» بكرد، والجميع أحد عشر مقدما، بأقل من النصف عما كان قديما. وأرباب الوظائف من الطبلخانات، والعشرات: شادّ الشراب خاناه يونس الأقبائى البواب أمير طبلخاناة، والخازندار قراجا الظاهرى جقمق أمير طبلخاناة، والزّردكاش

стр. 5439

لاجين الظاهرى جقمق أمير عشرة، ونائب القلعة يونس العلائى الناصرى أمير عشرة، والحاجب الثانى نوكار الناصرى [فرج أبو أحمد الماضى] «١» أمير عشرة، ووظيفة أمير جاندار بطالة، يليها بعض الأجناد، السكات عن ذكره أجمل؛ وأستادّار الصّحبة سنقر الظاهرى أمير عشرة. وهذه الوظائف كان قديما يليها مقدمو «٢» الألوف، ويستدل على ذلك من خلعهم فى الأعياد وغيرها- انتهى. والأمير آخور الثانى يرشباى الإينالى المؤيّدى أمير طبلخاناة، ورأس نوبة ثانى جانبك القرمانى الظاهرى برقوق أمير طبلخاناة، والدّوادار الثانى تمربغا الظاهرى جقمق أمير عشرة، غير أن معه زيادات كثيرة، والمهمندار بعض الأجناد، ووالى القاهرة جانبك اليشبكى أمير عشرة، والزّمام والخازندار فيروز الطّواشى الرومى النّوروزى أمير طبلخاناة، ومقدم المماليك مرجان العادلى المحمودى الحبشى أمير عشرة، ونائبه عنبر خادم نور الدّين الطّنبذى، ومباشرو الدولة، كاتب السر القاضى محبّ الدين محمد بن الأشقر، وناظر الجيش والخاصّ عظيم الدولة ومدبرها الجمالى يوسف ابن كاتب جكم، والوزير الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم، والأستادّار زين الدين يحيى [ابن عبد الرزاق القبطى القاهرى ابن أخت نقيب الجيش محمد بن أبى الفرج] «٣» الأشقر المعروف بابن كاتب حلوان، وبقريب ابن أبى الفرج وهو على زىّ الكتاب، ولهذا لم نذكره فى الأمراء، ومحتسب القاهرة ير على الخراسانى العجمى الطويل. ونواب البلاد الشامية «٤» نائب الشام جلبان الأمير آخور، ونائب حلب قانى باى الحمزاوى، ونائب طرابلس يشبك النّوروزى، ونائب حماه حاج إينال اليشبكى، ونائب صفد بيغوت الأعرج المؤيدى، ونائب غزة جانبك التاجى المؤيدى، ونائب الكرك يشبك طاز المؤيدى، ونائب الإسكندرية برسباى السيفى تنبك البجاسى أمير

стр. 5440

عشرة، وهؤلاء هم أعيان النواب، ومن يطلق فى حق كل منهم ملك الأمراء، ولا عبرة بولاية الوجه القبلى الآن، وباقى نواب القلاع والبلاد الشأمية فكثير- انتهى. ثم فى يوم الخميس سابع محرم، سنة سبع وخمسين المذكورة، أرجف فى القاهرة بموت السلطان، فلما كان يوم السبت تاسع المحرم، خرج السلطان من قاعة الدّهيشة، ماشيا على قدميه، حتى جلس على مرتبة، من غير أن يستعين بأحد فى مشيه، ولا استند فى مجلسه، بل جلس على مرتبته وعلّم على عدة مناشير، وأطلت أنا النظر فى وجهه، فلم أر عليه علامات تدل على موته بسرعة، ثم قام وعاد إلى القاعة، ولم يخرج بعدها إلى الدّهيشة، واستمر متمرضا بالقاعة المذكورة، والناس تخلط فى الكلام بسبب مرضه، والأقوال تختلف فى أحوال المملكة، على أن السلطان فى جميع مرضه غير منحجب عن الناس، وأرباب الدولة تتردد إليه بالقاعة المذكورة، وهو يعلّم فى كل يوم فى الغالب على المناشير والقصص، وينفذ بعض الأمور، إلا أن مرضه فى تزايد، وهو يتجلد. إلى أن كان يوم الأربعاء، العشرون «١» من المحرم، فوصل الأمير جانبك النّوروزى من مكة المشرفة، ودخل إلى السلطان وقبّل له الأرض، ثم قبّل يده وخرج وخرجنا جميعا من عنده، وقد اشتد به المرض، وظهر عليه أمارات رديئة «٢» تدل على موته بعد أيام، غير أنه صحيح العقل والفهم والحركة، ثم بعد خروجنا من عنده، تكلم السلطان فى هذا اليوم مع بعض [١٦٥] خواصه فى خلع نفسه من السلطنة، وسلطنة ولده المقام الفخرى عثمان فى حياته، فروجع فى ذلك فلم يقبل، ورسم بإحضار الخليفة والقضاة والأمراء من الغد بالدّهيشة. فلما كان الغد، وهو يوم الخميس حادى عشرون محرم سنة سبع وخمسين وثمانمائة، حضر الخليفة والقضاة وجميع الأمراء؛ وفى ظن الناس أنه يعهد لولده عثمان بالملك من بعده كما هى عادة الملوك، فلما حضر الخليفة والقضاة عنده بعد صلاة الصبح، خلع نفسه

стр. 5441

من السلطنة، وقال للخليفة والقضاة: «الأمر لكم، انظروا فيمن تسلطنوه» ، أو معنى ذلك، لعلمه أنهم لا يعدلون عن ولده عثمان، فإنه كان أهلا للسلطنة بلا مدافعة، وأراد أيضا بهذا القول، أنه قد خلع نفسه وأنه يموت غير سلطان، وأنه أيضا لا يتحمل بوزر ولاية ولده المذكور، فكان مقصده جميلا فى القولين، رحمه الله تعالى. فلما سمع الخليفة كلام السلطان، لم يعدل عن المقام الفخرى عثمان، لما كان اشتمل عليه عثمان المذكور من العلم والفضل، وإدراكه سنّ الشبيبة، وبايعه بالسلطنة، وتسلطن فى يوم الخميس المذكور، حسبما نذكره إن شاء الله تعالى فى أول ترجمته من هذا الكتاب. واستمر الملك الظاهر [مريضا] «١» ملازما للفراش، وابنه الملك المنصور يأخذ ويعطى فى مملكته، ويعزل ويولّى، والملك الظاهر فى شغل بمرضه، وما به من الألم فى زيادة، إلى أن مات فى قاعة الدّهيشة الجوّانيّة بين المغرب والعشاء من ليلة الثلاثاء ثالث صفر من سنة سبع وخمسين وثمانمائة المقدم ذكرها. وقرئ حوله القرآن العزيز، إلى أن أصبح، وجهز وغسل وكفن من غير عجلة ولا اضطراب، حتى انتهى أمره وحمل على نعشه، وأخرج به، وأمام نعشه ولده السلطان الملك المنصور عثمان ماشيا وجميع أعيان المملكة، وساروا أمام نعشه بسكون ووقار، إلى أن صلى عليه بمصلّاة باب القلعة من قلعة الجبل، وصلى عليه الخليفة القائم بأمر الله أبو البقاء حمزة، وخلفه السلطان والقضاة وجميع الأمراء والعساكر، ثم حمل بعد انقضاء الصلاة عليه وأنزل من القلعة، حتى دفن بتربة أخيه الأمير جاركس القاسمى المصارع، التى جددها مملوكه قانى باى الجاركسى، بالقرب من دار الضيافة تجاه سور القلعة، التى جددها مملوكه المنصور دفنه، وعاد إلى القلعة من المصلاة. وشهد دفنه خلائق، وقعد الناس فى الطرقات لمشاهدة مشهده، وكان مشهده عظيما إلى الغاية، بخلاف جنائز المملوك السالفة، ولعل

стр. 5442

هذا لم يقع لملك قبله. كل ذلك لكونه سلطن ولده فى حياته، ثم مات بعد ذلك بأيام، فلهذا كانت جنازته على هذه الصورة. ومات الملك الظاهر وسنه نيف على ثمانين سنة تخمينا، ولم يخلّف بالحواصل ولا الخزائن إلا نزرا يسيرا من الذهب «١» يستحى من ذكره بالنسبة لما تخلفه الملوك، وكذلك [فى] «٢» جميع تعلقات السلطنة، من الخيول والجمال والسلاح والقماش، كل ذلك من كثرة بذله وعطائه، وكانت مدة ملكه «٣» امن يوم تسلطن بعد خلع الملك العزيز يوسف، فى يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الآخر [من] «٤» سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، إلى أن خلع نفسه بيده «٥» لولده الملك المنصور عثمان، فى الثانية من نهار الخميس الحادى والعشرين من محرم سنة سبع وخمسين وثمانمائة، أربع عشرة سنة وعشرة شهور، ويومين، وتوفى بعد خلعه من السلطنة باثنى عشر يوما. ووقع له فى سلطنته غرائب لم تقع لأحد قبله إلا نادرا جدا «٦» ، منها «٧» ركوبه وهو أتابك على الملك العزيز يوسف وقتاله له وانتصاره عليه، ولا نعرف أحدا قبله من الأمراء ركب على السلطان، ووقف بالرملة والسلطان بقلعة الجبل، وانتصر عليه، غيره. فإن قيل: واقعة الناصرى ومنطاش «٨» مع الملك الظاهر برقوق، فليس ذاك مما نحن فيه من وجوه عديدة، لا يحتاج إلى ذكرها. وإن قيل: نصرة منطاش وملكه لباب السلسلة

стр. 5443

فنقول: كان ركوب منطاش على رفيقه يلبغا الناصرى، وليس للملك المنصور حاجى ذكر بينهما «١» . ومنها [١٦٦] أنه سلّم عليه بالسلطنة ثلاثة خلفاء من بنى العباس، ولم يقع ذلك لملك قبله من ملوك مصر. ومنها أنه اجتمع له قضاة أربعة «٢» فى عصر واحد، لم يجتمع [مثلهم] «٣» لغيره «٤» من ملوك مصر، وهم قاضى القضاة شهاب الدين بن حجر الشافعى حافظ المشرق والمغرب، كان فردا فى معناه، لا يقاربه فى علم الحديث أحد فى عصره؛ وقاضى القضاة شيخ الإسلام سعد الدين سعد الديرى الحنفى، كان فقيه «٥» عصره شرقا وغربا، لا يقاربه أحد فى حفظ مذهبه واستحضاره، مع مشاركته فى علوم كثيرة، والعلامة قاضى القضاة شمس الدين البساطى المالكى، كان إمام عصره فى [علمى] «٦» المعقول والمنقول، قد انتهت إليه الرئاسة فى علوم كثيرة، ومات ولم يخلّف بعده مثله، وقاضى القضاة شيخ الإسلام محبّ الدين أحمد الحنبلى البغدادى، كان أيضا إمام عصره وعالم زمانه، انتهت إليه رئاسة مذهبه بلا مدافعة. ومنها أنه أقام فى ملك مصر هذه المدة الطويلة، لم يتجرد فيها تجريدة واحدة إلى البلاد الشامية، غير مرة واحدة، فى نوبة الجكمى فى أوائل سلطنته، وهذا أيضا لم يقع لملك قبله. ومنها أنه أذن للغرسى خليل ابن السلطان الملك الناصر فرج بالحج، فقدم القاهرة وحج وعاد مع عظم شوكته من مماليك أبيه وجده الملك الظاهر برقوق «٧» ، وهذا شىء لم يقع مثله فى دولة من الدول.

стр. 5444

ومنها ابنه المقام الناصرى محمد رحمه الله تعالى، من غزير علمه وكثرة فضائله، فإننا لا نعلم أحدا من ملوك الترك رزق ولدا مثله، بل ولا يقاربه ولا يشابهه مما كان اشتمل عليه من العلم والفضل والمعرفة التامة، وحسن السمت وجودة «١» التدبير، ولا نعرف أحدا من أولاد السلاطين من هو فى هذا المقام قديما وحديثا «٢» ، حتى ولو قلت: ولا من بنى أيوب، ممن ملكوا مصر، لكان يصدق قولى؛ ومن كان من بنى أيوب له فضيلة تامة غير الملك المعظم عيسى ابن الملك الكامل، والملك المؤيد إسماعيل صاحب حماه، وهما كانا بالبلاد الشامية؟ - انتهى. وقد استوعبنا أحوال الملك الظاهر هذا من مبدأ أمره إلى آخره، محررا بالشهر واليوم فى جميع ما وقع له من ولاية وعزل وغريبة وعجيبة، فى تاريخنا «حوادث الدهور فى مدى الأيام والشهور» ، فلينظر هناك «٣» ، [و] «٤» ما ذكرناه هنا جميعه [نوع] «٥» من تكثير الفائدة، لا القصة على جليتها، بل نشير بذكرها إعلاما لوقت واقعتها لا غير. وكان الملك الظاهر سلطانا ديّنا خيرا عفيفا صالحا [فقيها شجاعا] «٦» مقداما، عارفا بأنواع الفروسية، عفيفا عن المنكرات والفروج، لا نعلم أحدا من ملوك مصر فى الدولة الأيوبية ولا التركية على طريقته [فى ذلك] «٧» ، لم يشهر عنه فى صفره ولا فى كبره أنه تعاطى مسكرا ولا منكرا، حتى قيل إنه لم يكتشف حراما قط؛ وأما حب الشباب، فلعله كان لا يصدّق أن أحدا يقع فى ذلك لبعده عن معرفة هذا الشأن، وكان جلوسه فى غالب أوقاته على طهارة كاملة، وكان متقشفا فى ملبسه ومركبه إلى الغاية، لم يلبس

стр. 5445

الأحمر من الألوان فى عمره «١» ، منذ علم بكراهيته، ولم أره منذ تسلطن لبس كاملية بفرو [و] «٢» سمّور [و] «٣» بمقلب سمور غير مرة واحدة؛ وأما «٤» الركوب بالسرج الذهب والكنبوش الزّركش فلم يفعله إلا يوم ركوبه بأبهة السلطنة لا غير، وكان ما يلبسه أيام الصيف؛ وما على فرسه من آلة السرج وغيره، لا يساوى عشرة دنانير مصرية، وكان معظّما للشريعة محبا للفقهاء وطلبة العلم، وما وقع منه من الإخراق ببعضهم وحبسهم بحبس المقشرة، فلا تقول: كان ذلك بحق، بل نقول: الحاكم يجتهد، ثم يقع منه الصواب والخطأ، فإن كان ما فعله بحق فقد أصاب وإن كانت الأخرى فقد أخطأ وأعيب عليه ذلك [الطويل] ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلّها ... كفى المرء فخرا أن تعدّ معايبه وكان معظّما للسادة الأشراف، وكان يقوم لمن دخل عليه من الفقهاء والفقراء كائنا من كان، وإذا قرأ «٥» [١٦٧] عنده [أحد] «٦» فاتحة الكتاب، نزل عن مدوّرته، وجلس على الأرض إجلالا لكلام الله تعالى. وكان كريما جدا، يجود بالمال، حتى نسب إلى السرف، وكان ينعم بالعشرة آلاف دينار إلى ما دونها، وكان ممن أنعم عليه بعشرة آلاف دينار، الأتابك قرقماس الشعبانى، وأما دون ذلك من الألف إلى المائة، فدواما طول دهره، لا يملّ من ذلك، حتى أنه أتلف فى أيام سلطنته من الأموال، ما لا يدخل تحت حصر كثرة؛ ويكفيك أنه بلغت نفقاته على المماليك وصلات «٧» الأمراء والتراكمين وغيرهم، وفى أثمان مماليك اشتراهم، وتجاريد جرّدها، فى مدة أولها موت الملك الأشرف برسباى، وآخرها سلخ سنة أربع وأربعين وثمانمائة، وذلك مدة ثلاث سنين، مبلغ ثلاثة آلاف ألف

стр. 5446

دينار ذهبا مصريا، وذلك خلاف الخلع والخيول والقماش والسلاح والغلال، وخلاف جوامك المماليك ورواتبهم المعتادة. وكان لا يلبس إلا القصير من الثياب، ونهى الأمراء وأكابر الدولة وأصاغرها عن لبس الثوب الطويل، وأمعن فى ذلك، حتى أنه بهدل بسبب ذلك جماعة من أعيان الدولة، وعاقب جماعة من الأصاغر، وقصّ أثواب آخرين فى الملأ من الناس، وكان أيضا يوبخ من لا يحفّ شاربه من الأتراك وغيرهم؛ وفى الجملة أنه كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، مع سرعة استحالة، وحدة مزاج، وبطش. وكان غالب ما يقع منه من الإخراق بالناس، يكون بحسب الواسطة من حواشيه، فإنه كان مهما ذكروه «١» له قبله منهم، وأخذه على طريق الصدق والنصيحة، لسلامة باطنه، وأيضا على قاعدة الأتراك من كون الحق عندهم لمن سبق. وبالجملة فكانت محاسنه أكثر من مساوئه، وهو أصلح من ولى ملك مصر من طائفته، فى أمر الدين والتقوى، فإنه كان قمع المفسدين والجبارين من كل طائفة، وكسدت فى أيامه أحوال أرباب الملاهى والمغانى، وتصولح غالب أمرائه وجنده، وبقى أكثرهم يصوم الأيام فى الشهر، ويعف عن المنكرات؛ كل ذلك مراعاة لخاطره، وخوفا من بطشه، وهذا كله بخلاف ما كان عليه كثير من الملوك السالفة، فإنه كان غالبهم يقع فيما ينهى عنه، فكيف يصير للنهى عنه بعد ذلك محل «٢» ؟ ومن عظم ذلك، قال بعض الفضلاء الظرفاء: «نابت هذه الدولة عن الموت، فى هدم اللذات والأيام الطيبة» . ولم يبق فى دولته ممن يتعاطى المسكرات إلا القليل، وصار الذي يفعل ذلك يتعاطاه فى خفية، ويرجفه فى تلك الحالة صفير الصافر. وكانت صفته قصيرا، للسمن أقرب، أبيض اللون مشربا بحمرة، صبيح الوجه، منوّر الشيبة، فصيحا باللغة التركية، وباللغة العربية لا بأس به بالنسبة لأبناء جنسه؛ وكان له

стр. 5447

اشتغال فى العلم، ويستحضر مسائل جيدة، ويبحث مع العلماء والفقهاء، ويلازم مشايخ القراءات ويقرأ عليهم دواما، وكان يقتنى الكتب النفيسة، ويعطى فيها الأثمان الزائدة عن ثمن المثل، وكان يحب مجالسة الفقهاء، ويكره اللهو والطرب، ينفر منهما بطبعه، وكان يتجنب المزاح وأهله، ولا يميل للتجمل فى الملبس، ويكره من يفعله فى الباطن. وكانت أيامه آمنة من عدم الفتن والتجاريد، ولشدة حرمته. وخلّف من الأولاد الذكور واحدا، وهو ولده الملك المنصور عثمان، وأمّه أم ولد رومية، وابنتين: الكبرى أمها خوند مغل بنت القاضى ناصر الدين بن البارزى، وزوّجها السلطان لمملوكه أزبك من ططخ الساقى، والصغرى بكر، وأمها أم ولد جاركسية ماتت قديما. ذكر من عاصره من الخلفاء: أولهم أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو الفتح داؤد، إلى أن توفى يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول، سنة خمس وأربعين، حسبما يأتى ذكره فى الوفيات هو وغيره؛ والمستكفى بالله سليمان، إلى أن مات فى يوم الجمعة [ثانى محرم] «١» سنة خمس وخمسين، والقائم بأمر الله حمزة؛ والثلاثة إخوة. ذكر قضاته بالديار المصرية: الشافعية: الحافظ شهاب الدين بن حجر، غير مرة، إلى أن توفى وهو معزول فى سنة اثنتين [١٦٨] وخمسين وثمانمائة، وقاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى غير مرة؛ ثم قاضى القضاة شمس الدين محمد القاياتى؛ إلى أن مات فى أوائل سنة خمسين؛ ثم قاضى القضاة ولىّ الدين محمد السّفطى، وعزل وامتحن؛ ثم قاضى القضاة شرف الدين يحيى المناوى. والحنفية: شيخ الإسلام سعد الدين سعد الديرى، ولى فى الدولة العزيزية ومات الملك الظاهر وهو قاض. والمالكية: العلامة قاضى القضاة شمس الدين محمد البساطىّ إلى أن مات فى ليلة ثالث عشر شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين؛ ثم قاضى القضاة بدر الدين محمد

стр. 5448

ابن التّنّسى، إلى أن مات بالطاعون فى أواخر يوم الأحد ثانى عشر صفر سنة ثلاث وخمسين؛ ثم قاضى القضاة ولى الدين محمد السنباطى، ومات وهو قاض. الحنابلة: شيخ الإسلام محبّ الدين أحمد البغدادى، إلى أن مات فى يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى سنة أربع وأربعين؛ ثم قاضى القضاة بدر الدين محمد بن عبد المنعم البغدادى، ومات وهو قاض ﵀. ذكر من ولى فى أيامه الوظائف السنية من الأمراء: وظيفة الأتابكية بالديار المصرية: وليها من بعده الأتابك قرقماس الشعبانى الناصرى أياما يسيرة دون نصف شهر، ثم من بعده الأتابك آقبغا التمرازى أشهرا، ونقل إلى نيابة دمشق، ومات فى سنة ثلاث وأربعين بدمشق. ثم الأتابك يشبك السودونى المعروف بالمشدّ، إلى أن مات فى سنة تسع وأربعين، ثم الأتابك إينال العلائى الناصرى. وظيفة إمرة سلاح: وليها آقبغا التمرازى أياما يسيرة، ثم من بعده يشبك السودونى المقدم ذكره أشهرا؛ ثم تمراز القرمشى أمير سلاح، إلى أن توفى بالطاعون فى صفر سنة ثلاث وخمسين؛ ثم جرباش الكريمى المعروف بقاشق. وظيفة إمرة مجلس: وليها يشبك السودونى أياما، ثم جرباش الكريمى قاشق سنين، ثم تنم من عبد الرزاق المؤيدى. وظيفة الأمير آخورية الكبرى: وليها تمراز القرمشى أشهرا، ثم الأمير قراخجا الحسنى سنين إلى أن مات بطاعون سنة ثلاث وخمسين، ثم قانى باى الجاركسى «١» وظيفة رأس نوبة النوب: [وليها تمراز القرمشى، ثم من بعده قراخجا الحسنى، ثم] «٢» تمرباى التمربغاوى [إلى أن مات بطاعون سنة ثلاث وخمسين «٣» ] ، ثم أسنبغا الناصرى الطيارى.

стр. 5449

وظيفة حجوبية الحجاب: باشرها يشبك السّودونى أياما، ثم من بعده تغرى بردى البكلمشى المؤيّدى أشهرا، ثم تنبك البردبكى الظاهرى برقوق سنين، إلى أن نفى فى سنة أربع وخمسين إلى دمياط، ثم خشقدم من ناصر الدين المؤيدى. وظيفة الدوادارية الكبرى: باشرها فى أيام «١» أوائل دولته أركماس الظاهرى أشهرا إلى أن نفى إلى ثغر دمياط، ثم من بعده تغرى بردى المؤيدى البكلمشى، إلى أن مات فى سنة ست وأربعين، ثم إينال العلائى الناصرى، إلى أن نقل منها إلى الأتابكية، ثم قانى باى الجاركسى، إلى أن نقل إلى أمير آخورية، ثم دولات باى المحمودى المؤيدى إلى أن [قبض عليه فى دولة المنصور عثمان] «٢» . ذكر أعيان مباشرى دولته: كتابة السر: باشرها الصاحب بدر الدين بن نصر الله أشهرا، ثم المقر الكمالى ابن البارزى إلى أن مات [فى] «٣» يوم الأحد سادس عشرين صفر سنة ست وخمسين، ثم القاضى محب الدين بن الأشقر. وظيفة نظر الجيش: الزينى عبد الباسط بن خليل الدمشقى إلى أن مسك وصودر، ثم القاضى محب الدين بن الأشقر، ثم القاضى بهاء الدين محمد بن حجى، ثم ابن الأشقر ثانيا، إلى أن نقل إلى كتابة السر، ثم عظيم الدولة الجمالى يوسف مضافا إلى نظر الخاص وتدبير المملكة. وظيفة «٤» الوزارة: باشرها الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخات سنين، ثم الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم أيضا سنين، ثم الأمير تغرى بردى القلاوى الظاهرى جقمق.

стр. 5450

وظيفة نظر الخاصّ: باشرها المقر الجمالى من الدولة الأشرفية برسباى إلى يوم تاريخه. وظيفة الأستادّارية: باشرها جانبك الزينى عبد الباسط أشهرا، ثم الناصرى محمد بن أبى الفرج نقيب الجيش، ثم الأمير قيزطوغان العلائى، ثم الزينى عبد الرحمن ابن الكويز، ثم زين الدين يحيى بن «١» الأشقر المعروف بقريب ابن أبى الفرج. ذكر أمرائه بمكة والمدينة: أمراء مكة [المشرفة] «٢» : الشريف بركات بن حسن بن عجلان إلى أن عزل، ثم وليها أخوه الشريف على بن حسن بن عجلان، إلى أن قبض عليه وحمل إلى القاهرة، ثم وليها أخوه الشريف أبو القاسم بن حسن بن عجلان إلى أن عزل، وأعيد الشريف بركات بن حسن بن عجلان. ذكر «٣» [١٦٩] [أمراء] «٤» المدينة الشريفة «٥» : [الشريف] «٦» أميان إلى أن عزل، ثم الشريف سليمان بن غرير إلى أن قتل، ثم الشريف ضيغم إلى أن قتل أيضا، ثم أعيد الشريف أميان ثانيا إلى أن توفى سنة خمسين وثمانمائة؛ وولى بعده الشريف زبيرى بن قيس. ذكر نوابه بالبلاد الشامية: فبدمشق: الأمير إينال الجكمى إلى أن عصى «٧» وقتل، ثم الأتابك آقبغا التمرازى إلى أن توفى سنة ثلاث وأربعين، ثم الأمير جلبان الأمير آخور. وبحلب: الأمير حسين بن أحمد المدعو تغرى برمش البهسنى «٨» التركمانى إلى أن عصى وقتل، ثم جلبان الأمير آخور المقدم ذكره، ثم قانى باى الحمزاوى إلى أن عزل

стр. 5451

ثم برسباى الناصرى الحاجب، ثم قانى باى البهلوان إلى أن مات، ثم تنم من عبد الرزاق المؤيدى إلى أن عزل، وأعيد قانى باى الحمزاوى ثانيا. وبطرابلس: الأمير جلبان الأمير آخور أشهرا، ونقل إلى نيابة حلب، ثم قانى باى الحمزاوى، ثم برسباى الناصرى الحاجب، ثم يشبك الصوفى المؤيدى إلى أن عزل ونفى إلى دمياط، ثم شبك النوروزى. وبحماه: قانى باى الحمزاوى أشهرا، ثم بردبك العجمى الجكمى إلى أن عزل وحبس بالإسكندرية، ثم الأمير قانى باى الناصرى البهلوان «١» ، ثم شاد بك الجكمى إلى أن عزل وتوجه إلى القدس بطالا، ثم الأمير يشبك الصوفى المؤيدى، ثم الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيّدى، ثم بيغوت الأعرج المؤيّدى، ثم سودون الأبوبكريّ المؤيّدى أتابك حلب إلى أن عزل، ثم حاج إينال الجكمى. وبصفد: الأمير إينال العلائى الناصرى الذي تسلطن، إلى أن عزل وقدم القاهرة أمير مائة ومقدّم ألف بها، ثم قانى باى الناصرى البهلوان أتابك دمشق، ثم بيغوت من صفر خجا الأعرج المؤيّدى، ثم يشبك الحمزاوى نائب غزة إلى أن توفى، ثم أعيد بيغوت ثانيا بعد أمور وقعت له. وبغزة: طوخ مازى الناصرى إلى أن مات، ثم طوخ الأبوبكريّ المؤيّدى إلى أن قتل، ثم يلخجا الساقى الناصرى إلى أن مات، ثم حطط [الناصرى فرج] «٢» إلى أن عزل، ثم يشبك الحمزاوى دوادار السلطان بحلب، ثم طوغان العثمانى [ألطنبغا] «٣» إلى أن توفى، ثم خير بك النّوروزى إلى أن عزل، ثم جانبك التاجى المؤيّدى. وبالكرك: الصاحب غرس الدين خليل [بن] «٤» شاهين الشيخى إلى أن عزل،

стр. 5452

ثم آقبغا من مامش الناصرى [فرج] «١» التركمانى، [إلى أن عزل] «٢» وحبس، ثم مازى الظاهرى برقوق إلى أن عزل، ثم حاج إينال الجكمى، ثم طوغان السيفى آقبردى المنقار. ذكر زوجاته أيام سلطنته: أما قبل سلطنته فكثير جدا، وأولهم (كذا) فى أيام سلطنته، خوند مغل بنت البارزى، تزوجها قبل سنة ثلاثين، وطلقها فى سنة اثنتين وخمسين؛ ثم زينب جرباش الكريمى قاشق، ومات عنها؛ ثم شاه زاده بنت ابن عثمان ملك الروم، وطلقها فى سنة أربع وخمسين؛ ثم نفيسة بنت ناصر الدين [بك] «٣» ابن دلغادر ماتت فى سنة ثلاث وخمسين بالطاعون؛ ثم بنت حمزة بك بن ناصر الدين ابن دلغادر؛ ثم بنت كرتباى الجاركسية، قدم بها أبوها من بلاد الجاركس، وأسلم على ما قيل، ثم عاد إلى بلاده؛ ثم بنت زين الدين عبد الباسط، ولم يزل بكارتها، تزوجها بعد موت أبيها فى سنة خمس وخمسين وثمانمائة.

стр. 5453

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٤٢] السنة الأولى من سلطنة الملك الظاهر «١» جقمق على مصر وهى سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة. على أن الملك العزيز يوسف بن الملك الأشرف برسباى، حكم منها إلى تاسع عشر شهر «٢» ربيع الآخر، ثم حكم الملك الظاهر فى باقيها، وهى أول سلطنته على مصر على كل حال. وفيها، أعنى سنة اثنتين وأربعين، توفى حافظ الشام ومحدثه شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مجاهد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن على القيسى الدمشقى الشافعى المعروف بابن ناصر الدين، بدمشق، فى ثامن عشر شهر ربيع الآخر، ومولده فى محرم سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وسمع الكثير وطلب الحديث، ودأب وحصّل وكتب وصنّف، وصار حافظ دمشق ومحدثه إلى أن مات. وتوفى الأمير صفى الدين جوهر بن عبد الله الجلبانى، الحبشى الزّمام، المعروف باللالا، فى يوم الأربعاء ثالث عشرين جمادى الأولى، عن نحو ستين سنة تخمينا، وكان أصله من خدّام الأمير [عمر بن] «٣» بهادر المشرف، وأنعم به على أخته زوجة الأمير [١٧٠] جلبان الحاجب، فأعتقه جلبان، ودام بخدمته حتى مات. وماتت ستّه، زوجة الأمير جلبان الحاجب، فاتصل بعدهما بخدمة الملك الأشرف برسباى قبل سلطنته، ودام عنده إلى أن تسلطن، فرقّاه وجعله لالاة ابنه [الأكبر] «٤» المقام الناصرى محمد، ثم من بعده لالا ابنه الملك العزيز يوسف، ثم ولاه زماما، بعد موت الطّواشى خشقدم الرومى الظاهرى فى جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وثمانمائة، فاستمر فى وظيفته زماما، إلى أن توفى الملك الأشرف، وملك ولده الملك العزيز

стр. 5454

يوسف، ثم خلع العزيز وتسلطن الملك الظاهر جقمق، فأمسكه وهو مريض، وصادره وعزله، وولّى «١» عوضه زماما، الطواشىّ الرومىّ فيروز الساقى الجاركسى، فلم تطل أيام جوهر المذكور بعد ذلك، ومات؛ وكان من رؤساء الخدام حشمة وعقلا ودينا وكرما، وهو صاحب المدرسة والدار بالمصنع بالقرب من قلعة الجبل «٢» . [و] توفى «٣» قاضى القضاة علّامة عصره شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد ابن عثمان البساطى المالكى، قاضى قضاة الديار المصرية، وعالمها، فى ليلة الجمعة ثالث عشر شهر رمضان، ومولده [فى] «٤» محرم سنة ستين وسبعمائة، ومات وقد انتهت إليه الرئاسة فى المعقول والمنقول، وكان منشأه بالقاهرة، وبها تفقّه، وطلب العلم، واشتغل على علماء عصره حتى برع فى علوم كثيرة، وأفتى ودرّس، وتصدّى للاشتغال سنين كثيرة، وبه تخرّج غالب علماء عصرنا، من سائر المذاهب، وأول ما وليه من الوطائف: تدريس المالكية بمدرسة جمال الدين الأستادّار، وناب فى الحكم عن ابن عمه قاضى القضاة جمال الدين البساطى سنين، ثم استقل بالقضاء فى الدولة المؤيّدية شيخ، بعد جمال الدين البساطى المذكور، فباشر القضاء نحو عشرين سنة، إلى أن مات قاضيا. [وفيه] «٥» قتل الأمير سيف الدين قرقماس بن عبد الله الشعبانى الناصرى المعروف بأهرام ضاغ، بثغر الإسكندرية، حسبما يأتى ذكره. كان أصله من كتابية الملك الظاهر برقوق، فيما أظن، ثم أخذه الملك الناصر وأعتقه، وجعله خاصكيّا، ثم صار دوادارا فى الدولة المؤيّدية شيخ، من جملة الأجناد، إلى أن أمّره الأمير ططر عشرة، ثم صار أمير طبلخاناة ودوادارا ثانيا فى أوائل الدولة الأشرفية، وأجلس النقباء على بابه، وحكم بين الناس- ولم يكن ذلك بعادة: أن يحكم الدوادار الثانى

стр. 5455

بين الناس- ثم أنعم عليه الملك الأشرف برسباى بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية فى سنة ست وعشرين، وتولى الدوادارية الثانية بعده جانبك الخازندار الأشرفى، ثم وجّهه إلى مكة المشرّفة شريكا لأميرها الشريف عنان ابن مغامس بن رميثة الحسنى، فأقام بمكة مدة، ثم عاد إلى القاهرة، بعد أن أعيد الشريف حسن بن عجلان إلى إمرة مكة، ومات حسن، وتولى ابنه الشريف بركات. وقدم قرقماس المذكور إلى مصر، على إمرته، أمير مائة ومقدم ألف، ودام على ذلك سنين، إلى أن استقر حاجب الحجاب بالديار المصرية، بعد الأمير جرباش الكريمى قاشق، بحكم انتقال جرباش إلى إمرة مجلس، فباشر الحجوبية بحرمة زائدة [وعظمة وبطش فى الناس بحيث هابه كل أحد] «١» ، وصار يخلط فى حكوماته ما بين ظلم وعدل، ولين وجبروت، إلى أن استقر فى نيابة حلب بعد الأمير قصروه من تمراز الظاهرى برقوق؛ بحكم انتقاله إلى نيابة دمشق، بعد موت الأمير جارقطلو، فى حدود سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، فباشر نيابة حلب مدة تزيد على السنة، وعزل عنها، بعد أن أبدع فى المفسدين بها، وأشيع [الخبر] «٢» عنه بالخروج عن الطاعة. وقدم إلى القاهرة على النّجب، بطلب من السلطان، وخلع عليه باستقراره أمير سلاح، بعد الأمير جقمق العلائى صاحب الترجمة، بحكم انتقال جقمق للأتابكية، عوضا عن إينال الجكمى، بحكم استقرار الجكمى فى نيابة حلب، عوضا عن قرقماس المذكور، فاستمر أمير سلاح مدة، وتجرد إلى البلاد الشامية مقدم العساكر، ومعه سبعة أمراء من مقدمى الألوف، فى سنة إحدى وأربعين؛ وقد تقدم ذكر ذلك كله، فى ترجمة الملك الأشرف وغيره من هذا الكتاب؛ [١٧١] وإنما نذكره هنا ثانيا لينتظم سياق الكلام مع سياقه.

стр. 5456

ومات الملك الأشرف فى غيبته، ثم قدم القاهرة مع رفقته، وقد ترشح الأتابك جقمق للسلطنة، وسكن باب السلسلة من الإسطبل السلطانى، وكان حريصا على حب الرئاسة، فلما رأى أمر جقمق قد استفحل كاد يهلك فى الباطن، وما أمكنه إلا الموافقة، وقام معه حتى تسلطن، ثم وثب عليه حسبما تقدم ذكره، بعد أربعة عشر يوما من سلطنة الملك الظاهر جقمق، وقاتله، وانكسر بعد أمور حكيناها فى أصل هذه الترجمة، وهرب ثم ظهر وأمسك وحبس «١» بسجن الإسكندرية، إلى أن ضربت رقبته بالشرع فى ثغر الإسكندرية، فى يوم الاثنين ثانى عشر جمادى الآخرة. وكان قرقماس أميرا ضخما شجاعا مقداما عارفا بفنون الفروسية، وعنده مشاركة بحسب الحال، إلا أنه كان فيه ظلم وعسف وجبروت، وكان مع شجاعته وإقدامه، لا ينتج أمره فى الحروب، لعدم موافقة رجليه ليديه، فإنه كان إذا دخل الحرب، يبطل عمل رجليه فى تمشية الفرس، لشغله بيديه، وهو عيب كبير فى الفارس؛ وشهر ذلك عن جماعة من الأقدمين من فرسان الملوك، مثل الأتابك إينال اليوسفى، ويونس بلطا نائب طرابلس وغيرهما- انتهى. ومعنى «أهرام ضاغ» أى جبل الأهرام، سمى بذلك قديما لتكبره وتعاظمه. وتوفى القاضى علم الدين أحمد بن تاج الدين محمد بن علم الدين محمد بن كمال الدين محمد بن قاضى القضاة علم الدين محمد بن أبى بكر بن عيسى بن بدر الإخنائى «٢» المالكى، أحد فقهاء المالكية، ونواب الحكم بالقاهرة، فى يوم الأربعاء خامس عشرين شهر رمضان؛ وكان مشكور السيرة عفيفا عما يرمى به قضاة السوء. وتوفى قاضى القضاة بدمشق المالكى محيى الدين يحيى بن حسن بن محمد

стр. 5457

[ابن عبد الواسع المحيوى] «١» الحيحانى «٢» المغربى فى يوم الأربعاء حادى عشر ذى القعدة، وكان دينا عفيفا حسن السيرة فى أحكامه. وتوفى السيد الشريف أحمد بن [حسن] «٣» بن عجلان، المكى الحسنى، بعد ما فارق أخاه الشريف بركات بن حسن، وسافر «٤» إلى اليمن، فمات بزبيد. وتوفى الأتابك إينال بن عبد الله الجكمى نائب الشام قتيلا بقلعة دمشق، فى ليلة الاثنين ثانى عشرين ذى القعدة؛ وقد قدّمنا من ذكره فى أول ترجمة الملك الظاهر هذا وغيره نبذة كبيرة، تعرف منها أحواله؛ غير أننا نذكر الآن سبب ترقّيه لا غير: فأصله من مماليك الأمير جكم من عوض الظاهرى المتغلّب على حلب، وخدم من بعد «٥» أستاذه المذكور «٦» عند الأمير سودون [الظاهرى برقوق، ويعرف بسودون] «٧» بقجة، وصار خازنداره، ثم اتصل بخدمة الملك المؤيّد شيخ، فلما تسلطن شيخ، جعله ساقيا، ثم أمسكه وعاقبه عقوبة شديدة لأمر أوجب ذلك؛ ثم نفاه إلى البلاد الشامية، ثم أعاده بعد وقعة قانى باى نائب الشام، وأنعم عليه بإمرة عشرة، ثم جعله أمير طبلخاناة وشادّ الشراب خاناة، ثم أنعم عليه الأمير ططر بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، وولّاه رأس نوبة النّوب، ثم نائب حلب، ثم عزله بعد شهر وأيام وجعله أمير سلاح. ثم قبض عليه مع «٨» من قبض عليه من الأمراء المؤيّدية وغيرهم، كل ذلك فى مدة يسيرة؛ وحبس مدة سنين إلى أن أطلقه الملك الأشرف برسباى بشفاعة

стр. 5458

الناصرى محمد بن منجك، ووجّهه إلى الحجاز، ثم عاد وأقام بالقدس بطالا، إلى أن طلبه الملك الأشرف إلى مصر، وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف، عوضا عن الأتابك بيبغا «١» المظفرى [التركى] «٢» بحكم القبض عليه، وذلك فى سنة سبع وعشرين؛ ثم جعله أمير مجلس سنين، ثم نقله إلى إمرة سلاح بعد موت إينال النّوروزى، ثم جعله أتابكا بعد سودون من عبد الرحمن، وهو على إقطاعه، ولم ينعم السلطان عليه بإقطاع الأتابكية. فدام على ذلك مدة طويلة، إلى أن خلع السلطان عليه باستقراره فى نيابة حلب بعد عزل قرقماس الشعبانى، واستقر عوضه فى الأتابكية الأمير جقمق العلائى، فلم تطل مدته فى نيابة حلب، ونقل منها بعد أشهر إلى نيابة الشام بعد موت قصروه من تمراز، فدام فى نيابة دمشق إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، فبايع له أولا، ولبس خلعته وباس الأرض، ثم عصى بعد ذلك، ووقع ما حكيناه من أمره [١٧٢] فى ترجمة الملك الظاهر جقمق من قتاله لعسكر السلطان وهزيمته والقبض عليه وقتله. وكان إينال أميرا جليلا شجاعا مقداما عاقلا سيوسا حشما وقورا كريما رئيسا، كامل الأدوات كثير الأدب، مليح الشكل معتدل القد للسّمن «٣» أقرب، نادرة فى أبناء جنسه، قلّ أن ترى العيون مثله، عفا الله عنه، ومات وسنه نحو الخمسين «٤» سنة «٥» تخمينا. وتوفى الأمير سيف الدين يخشباى بن عبد الله المؤيّدى [شيخ] «٦» ثم الأشرفى [برسباى] «٧» ، أمير آخور الثانى قتيلا، بسيف الشرع، ضربت رقبته بثغر الإسكندرية، وقد تقدم ذكر سبب قتله فى أوائل ترجمة الملك الظاهر هذا، وقتل

стр. 5459

يخشباى وسنه نحو الثلاثين سنة تخمينا. وكان شابا طويلا جميلا، مليح الشكل عاقلا، عارفا بأنواع الفروسية، وعنده فهم وذوق ومعرفة ومحاضرة حسنة، وتذاكر بالفقه وغيره بحسب الحال، عوّض الله شبابه الجنة بمنه وكرمه. وتوفى الأمير حسين «١» بن أحمد المدعو تغرى برمش نائب حلب مضروب الرقبة بحلب، فى يوم الأحد سابع عشر ذى الحجة؛ وأصل تغرى برمش هذا من مدينة بهسنا «٢» وجفل هو وأخوه حسن- وكان حسن الأكبر- من بهسنا فى كائنة تيمور لنك، وقدما بعد ذلك بسنين إلى الديار المصرية، فخدم أخوه حسن تبعا عند الأمير قرا سنقر الظاهرى، وجلس حسين هذا عند بعض الخياطين بالمصنع من تحت القلعة، ثم انتقل أيضا إلى خدمة قرا سنقر [الجمالى] «٣» لجمال صورته، ثم انتقل من عند قرا سنقر إلى الأمير إينال حطب [العلائى] «٤» ، وصار عنده من جملة مماليكه الكتّابية، إلى أن مات إينال حطب، فأخذه دواداره الأمير فارس، وأتى به إلى الوالد. وكان الوالد من جملة أوصياء إينال حطب، فأخذه الوالد وجعله إنيا «٥» لمملوكه شاهين أمير آخور، فجعله شاهين فى الطبقة، وسمّاه تغرى برمش؛ ثم أخرج له الوالد خيلا وقماشا، ثم جعله من «٦» جملة مماليك أخر، وجعله جمدارا، فدام على ذلك، إلى أن تولى الوالد نيابة دمشق التى مات فيها، فأفسد تغرى برمش هذا من مماليك الوالد، مملوكين، وأخذهما «٧» وهرب إلى طرابلس: أحدهما فى قيد الحياة إلى يومنا هذا من جملة المماليك السلطانية، واسمه أيضا تغرى برمش الصغير؛ وبلغ الوالد خبرهما،

стр. 5460

فأمر أن يكتب إلى الأمير جانم نائب طرابلس بالقبض عليهم الثلاثة وإرسالهم إليه فى الحديد، فخشى أغانهم شاهين، الأمير آخور عليهم، من الضرب والإخراق، فسأل الوالد أنه يسافر إليهم ويقبض عليهم ويأتى بهم، فرسم له الوالد بذلك. وتوجه شاهين إليهم، فوجدهم بقاعة فى طرابلس، فنزل عن فرسه ودخل عليهم استخفافا بهم، فحال ما وقع بصرهم «١» عليه، هرب تغرى برمش الصغير ويوسف، ووثب تغرى برمش ليهرب، فلحقه شاهين، فجذب سيفه وضرب شاهين به فقتله، ثم هرب، فكتب الأمير جانم نائب طرابلس محضرا بواقعة الحال، وأرسله إلى الوالد، ومع المحضر يوسف وتغرى برمش الصغير؛ وهرب تغرى برمش هذا، فرسم الوالد بتحصيل تغرى برمش المذكور وشنقه. وكان الوالد مشغولا بمرض موته، ومات بعد مدة يسيرة. وخدم تغرى برمش هذا عند الأمير طوخ [الظاهرى برقوق، ويقال له طوخ] «٢» بطيخ نائب حلب، وترقى عنده، وصار رأس نوبته، ثم خدم بعده عند جقمق الأرغون شاوى الدّوادار، وصار أيضا رأس نوبته ثم دواداره فى آخر أيامه؛ وكان لجقمق دوادار آخر، يسمى إينال [الحمار] «٣» فكان جقمق يقول: «دوادارىّ: الواحد حمار والآخر ثور» . ثم مشى حال تغرى برمش بعد عند أبناء جنسه؛ وسببه أنه لما انكسر أستاذه جقمق فى دمشق، وتوجّه إلى بعض قلاع الشام، وتحصّن بها، إلى أن أنزل منها وقتل بدسيسة من تغرى برمش هذا، فأنعم عليه ططر بإمرة عشرة بالقاهرة، ثم جعله الملك الأشرف أمير طبلخاناة، ونائب قلعة الجبل، ثم أنعم عليه بتقدمة ألف فى سنة سبع وعشرين، ثم جعله نائب غيبته بديار مصر لما سافر لآمد، ثم جعله أمير آخور كبيرا بعد الأمير جقمق العلائى، بحكم انتقال جقمق إلى إمرة سلاح؛

стр. 5461

ثم ولاه نيابة حلب بعد عزل قرقماس الشعبانى [١٧٣] عنها «١» فدام بحلب إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، فبايعه ولبس خلعته، ثم عصى بعد ذلك- وليت الخمول عصى أولا قبل مبايعته، فكان يصير له عذر فى الجملة! - ثم وقع له بعد عصيانه ما حكيناه فى ترجمة الملك الظاهر جقمق، إلى أن انكسر وأمسك، ثم ضربت رقبته تحت قلعة حلب، وسنّه نحو الخمسين. وكان تغرى برمش رجلا طوالا مليح الشكل عاقلا مدبرا كثير الدهاء والمكر، وكان يجيد رمى النشاب ولعب الكرة، وكان عارفا بأمور دنياه وأمر معيشته، متجملا فى مركبه وملبسه ومماليكه، إلا أنه كان بخيلا شحيحا حريصا على جمع المال، قليل الدين لا يحفظ مسألة تامة فى دينه، مع قلة فهم وذوق، وغلاظة طبع، على قاعدة أوباش التركمان «٢» ، وكان عاريا من سائر العلوم والفنون، غير ما ذكرنا، لم أره منذ «٣» عمرى مسك كتابا بيده ليقرأه، هذا مع الجبن وعدم الثبات فى الحروب، وقلة الرأى فى تنفيذ العساكر؛ وما وقع له مع ناصر الدين بك بن دلغادر فى نيابته على حلب من الحروب والانتصار عليه، كل ذلك كان بكثرة الشوكة وسعد الملك الأشرف برسباى. وأما لما صار الأمر له، لم يفلح فى واقعة من الوقائع، بل صار كلما دبّر أمرا انعكس عليه، فإنه كان ظنّينا برأى نفسه، وليس له اطلاع فى أحوال السلف بالكلية، ولم يستشر «٤» أحدا فى أمره، فحينئذ خمل وأخمل وتمزقت جميع عساكره وخانه حتى مماليكه مشترواته، ومع هذا كله، هو عند القوم فى رتبة عليا من العقل والمعرفة والتدبير؛ وعذرهم أنه لو لم يكن كذلك [ما] «٥» صار أميرا- انتهى.

стр. 5462

ومات تغرى برمش، والمحضر المكتتب عليه بسبب قتله لشاهين، عندنا. وقد طلبه منى غير مرة وأنا أسوّف به من وقت إلى وقت، وأبدى له أعذارا غير مقبولة، وأورّى «١» له فى كلامى، فيمشى عليه «٢» ذلك ويطيب [خاطره] «٣» . إلى أن عصى، فطلبنى الملك الظاهر جقمق، وسألنى عن المحضر، فقلت: «عندى» ، فكاد يطير فرحا. ثم أفحش أمر تغرى برمش فى الحلبيّين حتى أوجب ذلك قتله بغير محضر ولا حكم حاكم. وتوفى الملك الظاهر هزبر الدين عبد الله ابن الملك الأشرف إسماعيل بن على بن داؤد بن يوسف بن عمر بن على بن رسول، التركمانى الأصل، اليمنى، صاحب بلاد اليمن، فى يوم الخميس سلخ شهر رجب؛ وكانت مدة ملكه اثنتى عشرة «٤» سنة؛ وفى أيامه ضعفت مملكة اليمن، لاستيلاء العربان على بلادها وأموالها؛ وأقيم بعده فى ملك اليمن: الملك الأشرف إسماعيل وله من العمر نحو العشرين سنة، فأساء السيرة، وسفك الدماء وقتل الأمير برقوقا «٥» التركى القائم بدولتهم، فى عدة أخر من الأتراك، ووقع له أمور كثيرة، ليس لذكرها هنا فائدة. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة وعشرون أصبعا؛ [مبلغ الزيادة: ثمانية عشر ذراعا وعشرون أصبعا] «٦» .

стр. 5463

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٤٣] السنة الثانية من سلطنة الملك الظاهر أبى سعيد «١» جقمق على مصر وهى سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة. وفيها توفى الأمير علاء الدين آقبغا بن عبد الله من مامش الناصرى [فرج] «٢» التركمانى، نائب الكرك، بعد أن عزل عنها وحبس بقلعتها فى أواخر هذه السنة، وله نحو سنين «٣» سنة من العمر، ولم يشتهر فى عمره بدين ولا شجاعة ولا كرم. وتوفى الأتابك آقبغا التّمرازى نائب الشام بها فجاءة، وهو على ظهر فرسه، فى صبيحة يوم السبت سادس عشر «٤» شهر ربيع الآخر، وسنه سبعون سنة تخمينا. وكان خبر موته: أنه ركب من دار السعادة بعد أن انفجر «٥» الفجر من اليوم المذكور، وسار إلى الميدان، ولعب [به] «٦» الرمح، وغيّر فيه عدة خيول، ثم ساق البرجاس «٧» وغيّر فيه أيضا أفراسا كثيرة، ثم ضرب الكرة مع الأمراء على عدة خيول، يغيّرها «٨» من تحته، إلى أن انتهى، وليس عليه ما يردّ البرد عنه، وسار إلى باب الميدان ليخرج منه، ومماليكه مشاة بين يديه، فقال الرأس نوبته: «مر المماليك ليأكلوا السماط» ، ثم مال عن فرسه، فاعتنقه رأس نوبته المذكور،

стр. 5464

وحمله وأنزله إلى قاعة عند باب الميدان، فمات [١٧٤] من وقته، ولم يتكلم كلمة واحدة غير ما ذكرناه. وكان أصله من مماليك الأمير تمراز الناصرى نائب السلطنة فى دولة الناصر فرج، ونسبه تمراز أستاذه بالناصرى، لأستاذه خواجا ناصر الدين، وقد تقدم ذكره فى الدولة الناصرية، وخدم آقبغا هذا بعد موته عند الأتابك دمرداش المحمدى ثم اتصل بخدمة [الملك] «١» المؤيّد شيخ، فرقّاه المؤيّد لسيادة كانت له فى لعب الرمح، وأنعم عليه بإمرة عشرة، ثم طبلخاناة، وجعله أمير آخور ثانيا، ثم أنعم عليه الأمير ططر بإمرة مائة وتقدمة ألف، وجعله من الأمراء المقيمين بالقاهرة، لما سافر بالملك المظفر أحمد إلى دمشق، ثم صار أمير مجلس فى أوائل الدولة الأشرفية برسباى، ثم ولى نيابة الإسكندرية بعد أسندمر النّورى «٢» الظاهرى [برقوق] «٣» ، مضافا على تقدمته، ثم عزل بعد سنين وأعيد إلى إمرة مجلس، إلى أن جعله الملك الظاهر جقمق أمير سلاح، ثم أتابك العساكر بالديار المصرية، كلاهما بعد قرقماس الشعبانى، فباشر الأتابكية أشهرا، وتولى نيابة دمشق لما عصى الأتابك إينال الجكمى، وقد تقدم ذكر ذلك كله فى أول ترجمة الملك الظاهر جقمق. هذا ولم تطل مدة نيابته على دمشق سوى أشهر، ومات. وكان عارفا بأنواع الفروسية كلعب الرمح وضرب الكرة وسوق المحمل والبرجاس، رأسا فى ذلك جميعه، إمام عصره فى ركوب الخيل ومعرفة تقليبها فى أنواع الملاعيب المذكورة، انتهت إليه الرئاسة فى ذلك بلا مدافعة، لا أقول ذلك كونه صهرى، بل أقوله على الإنصاف، مع دين وعفة عن المنكرات والفروج، وقيام

стр. 5465

ليل وزيارة الصالحين دواما، غير أنه كان مسّيكا، وعنده حدّة مزاج، ولم تكن شجاعته فى الحروب بقدر معرفته لأنواع الملاعيب والفروسية، رحمه الله تعالى. وتوفى الأمير سيف الدين طوخ بن عبد الله الناصرى المعروف بطوخ مازى «١» ، نائب غزة، فى ليلة السبت حادى «٢» شهر رجب. وأصله من مماليك [الملك] «٣» الناصر فرج، وتأمّر- بعد موت الملك المؤيّد شيخ- عشرة، وصار فى الدولة الأشرفية برسباى، من جملة رؤوس النّوب، ثم ترقى بعد سنين إلى إمرة طبلخاناة وصار رأس نوبة ثانيا، ثم ولى نيابة غزة بعد موت آقبردى القجماسى فى الدولة العزيزية يوسف، إلى أن مات، وكان متوسط السيرة منهمكا فى اللذات عاريا من كل علم وفن، عفا الله عنه. وتوفى الأمير سيف الدين يلبغا بن عبد الله البهائى الظاهرى نائب الإسكندرية بها، فى يوم الخميس ثالث عشر جمادى الأولى، وهو فى عشر السبعين، وكان أصله من مماليك [الملك] «٤» الظاهر برقوق، وكان يعرف بيلبغا قراجا، لأنه «٥» كان أسمر اللون تركى الجنس. وكان تأمّر قديما إمرة عشرة، ودام على ذلك سنين، إلى أن أنعم عليه الملك الظاهر جقمق بإمرة طبلخاناة والحجوبية الثانية، عوضا عن أسنبغا الطّيّارى، ثم ولّاه نيابة الإسكندرية، إلى أن مات بها. وكان من خيار الناس عقلا ودينا وسكونا وعفة، مع مشاركة فى الفقه وغيره، ويكتب الخط المنسوب، وكان فصيحا باللغة العربية، حلو الكلام جيد المحاضرة، يذاكر بالأيام السالفة مذاكرة حسنة لذيذة، وهو «٦» أحد من أدركناه من النوادر فى معناه، رحمه الله تعالى.
следующие страницы →