Полный текст (6 264 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
فيروز هذا، وثانيهم فيروز النّوروزى، وثالثهم فيروز الرّكنى نائب مقدم [المماليك] «١» كان.
وتوفى الأمير حمزة بن قرايلك، واسم قرايلك عثمان بن طرعلى، صاحب ماردين وغيرها من ديار بكر، فى أوائل شهر رجب، ووصل الخبر بموته إلى القاهرة فى العشرين من شعبان، وكان غير مشكور السيرة على قاعدة أوباش التركمان الفسقة.
وتوفى الأمير سيف الدين طوخ بن عبد الله الأبوبكريّ المؤيّدى نائب غزة، خارج غزة؛ قتيلا بيد العربان الخارجة عن الطاعة؛ فى أواخر ذى الحجة؛ وتولى نيابة غزة بعده الأمير يلخجا من مامش الساقى الناصرى؛ وكان أصل طوخ هذا من مماليك الملك المؤيد شيخ وخاصكيّته، وتأمّر بعد موته بالبلاد الشأمية؛ ثم صار أتابك غزة سنين طويلة؛ إلى أن نقله الملك الظاهر جقمق إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق.
ثم ولاه بعد مدة يسيرة نيابة غزة، بعد موت الأمير طوخ مازى الناصرى فدام على نيابتها إلى أن خرج من غزة، وواقع العربان وكسرهم؛ وبعد كسرتهم تهاون فى أمرهم، ونزل بمكان، فعادوا نحوه وهجموا عليه، فركب بمن معه وقاتلهم حتى قتل هو وجماعة من مماليكه وغيرهم. وكان شجاعا مقداما إلا أنه كثير الطمع.
أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وخمسة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة: ثمانية عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.
стр. 5497
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٤٩]
السنة الثامنة من سلطنة الملك الظاهر جقمق على مصر وهى سنة تسع وأربعين وثمانمائة.
فيها توفى قاضى القضاة شمس الدين محمد بن إسماعيل بن محمد الونائى «١» ، الشافعى الفقيه العالم، معزولا عن قضاء دمشق، بالقاهرة، فى يوم الثلاثاء سابع عشر صفر، ودفن من الغد بالقرافة، وصلى عليه رفيقه فى الاشتغال، قاضى القضاة شمس الدين محمد القاياتى الشافعى. ومولده فى شعبان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة ببلده، ثم انتقل إلى القاهرة، وطلب العلم وحفظ التنبيه فى الفقه، وعدة مختصرات، وأقبل على الاشتغال، ولازم علماء عصره.
وأول اشتغاله كان فى سنة سبع وثمانمائة، وتكسّب بتحمّل الشهادة مدة، إلى أن برع فى الفقه والعربية والأصول، وتولى مشيخة التنكزية بالقرافة، ثم تدريس الفقه بالشّيخونية، ثم طلبه الملك الظاهر جقمق، وولّاه قضاء الشافعية [١٨٦] بدمشق، من غير سعى، فى سنة ثلاث وأربعين، فباشر قضاء دمشق بعفة، وعرف بالصيانة والديانة، إلى أن عزل وعاد إلى القاهرة؛ ثم وليها ثانيا، فباشرها أيضا مدة، ثم عزل وقدم القاهرة وتولى تدريس قبة الإمام الشافعى، إلى أن مات فى التاريخ المذكور. وكان معدودا من العلماء، وهو أحد من جمع بين معرفة المنقول والمعقول ﵀.
وتوفى الأمير الكبير، سيف الدين يشبك بن عبد الله السّودونى، المعروف بالمشدّ، أتابك العساكر بالديار المصرية، فى يوم الخميس ثالث شعبان، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمنى، وتولى الأتابكية من بعده الأمير إينال العلائى الناصرى الدّوادار الكبير. وكان أصل يشبك هذا من مماليك سودون الجلب نائب حلب،
стр. 5498
ومات عنه، فباعه الأمير يشبك الساقى الأعرج، وهو يوم ذاك نائب قلعة حلب، للأمير ططر، فأعتقه ططر وجعله من جملة مماليكه، فنازعه بعد مدة الأمير أيتمش الخضرى، وهو يوم ذاك متحدث على أيتام الملك الناصر فرج، وطلبه منه فادعى ططر أنه اشتراه من يشبك الساقى الأعرج، وهو وصىّ سودون الجلب فقال أيتمش: بيع يشبك له غير صحيح، لأن سودون الجلب انحصر إرثه فى أولاد الملك الناصر، وأنا «١» المتحدث على أولاد الملك الناصر، فاشتراه ططر ثانيا منه بمائة دينار.
ثم جعله ططرشادّ شراب خاناته، حتى تسلطن، فأنعم عليه بإمرة طبلخاناة، وجعله شادّ الشراب خاناة السلطانية، فدام على ذلك سنين، إلى أن أنعم عليه الملك الأشرف برسباى بإمرة مائة وتقدمة ألف بديار مصر، ثم جعله حاجب الحجاب بعد قرقماس الشعبانى بعد توجهه إلى نيابة حلب، ثم نقله الملك الظاهر جقمق فى أوائل سلطنته إلى إمرة مجلس، بعد آقبغا، [ثم] «٢» إلى إمرة سلاح عوضا عن آقبغا التّمرازى أيضا، ثم بعد أشهر خلع عليه باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية، بعد قدومه من بلاد الصعيد، عوضا عن آقبغا التّمرازى أيضا بحكم انتقال آقبغا إلى نيابة دمشق، بعد خروج إينال الجكمى عن الطاعة.
كل ذلك فى أشهر قليلة من سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، فدام يشبك فى الأتابكية سنين ونالته السعادة، وعظم وضخم فى الدولة، إلى أن اعتراه مرض تمادى به سنين، [ويقال إنه سمّ] «٣» وحصل له ارتخاء فى أعضائه، ثم عوفى قليلا، وركب إلى الخدمة ثم نقض عليه ألمه، فمات منه بعد أيام يسيرة.
وكان عاقلا ساكنا حشما، إلا أنه كان عاريا من كل علم وفن، غير أنه كان يحسن رمى النّشّاب، على عيوب كانت فى رميه؛ وكنت أظنه أولا ديّنا، إلى أن أخذ
стр. 5499
إقطاع الأتابك آقبغا التّمرازى، وصار بيننا وبينه مستحقّ أيتام آقبغا فى الإقطاع المذكور، فإذا به لا يحلل ولا يحرم، وعنده من الطمع وقلة الدين ما يقبح ذكره عن كائن من كان، هذا مع حدة زائدة وشراسة خلق وظلم زائد على حواشيه وخدمه، حتى أنه كان يضرب الواحد منهم نحو ألف عصاة على الذنب اليسير، ولم يكن له مهابة فى النفوس، لكونه كان من مماليك سودون الجلب، وأيضا من قرب عهده بالفقر، وخدم الأمراء، مع من كان عاصره من أكابر الأمراء الظاهرية البرقوقية ممن كان أكبر من أستاذه سودون الجلب، وأعظم فى النفوس- انتهى.
وتوفى الأمير سيف الدين قانى باى الجكمى حاجب حجاب حلب، على هيئة نسأل الله تعالى حسن الخاتمة، فى أواخر هذه السنة وكان من خبر موته أنه سكر ونام فى أيام الشتاء، وقد أوقد النار بين يديه على عادة الحلبيين وغيرهم فعظم الدخان عليه وعلى مملوكه فى البيت، وصارا من غلبة السكر لا يهتدى كل واحد «١» منهما إلى الخروج من باب الدار، من عظم الدخان وشدة السكر، فماتا على تلك الحالة؛ وكتب بذلك محضر وأرسل إلى السلطان [لئلا يتوهم خلافه] «٢» .
وكان أصل قانى باى هذا من مماليك الأمير جكم من عوض نائب حلب، ثم صار بعد موت الملك المؤيّد شيخ خاصكيّا، ودام على ذلك دهرا طويلا لا يلتفت إليه، إلى أن خلع عليه الملك الظاهر جقمق، باستقراره فى حجوبية حجاب حلب دفعة واحدة من الجندية؛ وعيب ذلك على الملك [١٨٧] الظاهر لكون قانى باى المذكور لم يكن من أعيان الخاصكيّة، ولا من المشاهير بالشجاعة والإقدام، ولا من العلماء «٣» ولا من العقلاء العارفين بفنون الفروسية، بل كان مهملا مسرفا على نفسه عاريا من كل علم وفن، ولم يدر «٤» أحد لأى معنى كان قدّمه الملك الظاهر جقمق، فرحمه الله تعالى وسامحه على
стр. 5500
هذه الفعلة، فإنها عدت من غلطاته الفاحشة التى ليس لها وجه من الوجوه. قلت:
وكما جاءته السعادة فجاءة جاءه الموت أيضا فجاءة، عفا الله عنه.
أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وخمسة عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة:
تسعة عشر ذراعا وتسعة «١» أصابع.
стр. 5501
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٥٠]
السنة التاسعة من سلطنة الملك الظاهر جقمق على مصر وهى سنة خمسين وثمانمائة.
فيها توفى قاضى القضاة شمس الدين محمد بن على بن محمد بن يعقوب القاياتى، الشافعى، قاضى قضاة الديار المصرية فى العشر الأخير من المحرم، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمنى من تحت القلعة، ودفن بتربة الصوفية خارج باب النصر؛ وكان مولده بقايات فى سنة خمس وثمانين وسبعمائة تخمينا، ثم نقل إلى القاهرة مع والده، وحفظ عدة مختصرات، وحضر دروس شيخ الإسلام «١» السراج البلقينى فى آخر عمره، ثم تفقّه بعمّه الشيخ ناصر الدين القاياتى وبجماعة أخر، حتى برع فى الفقه والعربية والأصلين وعلمى المعانى والبيان، وشارك فى عدة فنون، وسمع الحديث فى مبدأ أمره، وحدّث ببعض مسموعاته، وتكسّب مدة سنين بتحمل الشهادة بجامع الصالح خارج باب زويلة، [إلى أن قررّ طالبا بالجامع المؤيّدى داخل باب زويلة] «٢» .
ثم ولى تدريس الحديث بالمدرسة البرقوقية، عوضا عن الشيخ زين الدين القمنى، ثم استقر فى تدريس الفقه بالمدرسة الأشرفية بخطّ العنبريّين، ثم ولى مشيخة خانقاه سعيد السعداء، بعد موت القاضى شهاب الدين بن المحمّرة، وتصدّى للإفتاء والتدريس والإقراء سنين، وانتفع به الطلبة. وكان مع براعته فى العلوم، متقشفا فى ملبسه، ومركبه، بل كان يمشى على أقدامه فى غالب أوقاته «٣» وحاجاته، إلى أن طلبه الملك جقمق ليوليه قضاء الشافعية، فطلع بحضرتى على حمار إلى باب القلعة، ثم نزل ودخل إلى السلطان، وكان السلطان يعرفه من دروس العلامة علاء الدين البخارى، فكلّمه
стр. 5502
السلطان فى الولاية، وأنا أظن أنه لا يقبلها أبدا، فامتنع امتناعا ليس بذاك، ثم أجاب وأصبح تولّى القضاء، ونزل وبين يديه وجوه الدولة، وهو بغير خلعة بل بطيلسانه، وامتنع من لبس الخلعة، كونها تعمل من وجه غير مقبول عنده، وكان ذلك فى يوم رابع عشر محرم سنة تسع وأربعين.
ونزل إلى المدرسة الصالحية بين القصرين، وقام بعض الرسل ليدّعى على شخص، فلم يسمع دعواه، وقال: «هذه حيلة واصطلاح» . ففرح الناس بولايته، وظنوا أنه يحملهم على الحق المحض، من طريق السلف، ويحيى «١» سنة قضاة العدل، فوقع خلاف ذلك كله، وسار على طريق القوم- وأكثر- من النّوّاب، وراعى «٢» أرباب الدولة، وتعاظم، حتى فى سلامه، وحبّ المنصب حبّا، حتى لعله لو عزل منه لمات أسفا عليه؛ هذا مع ما كان عليه من العلم والعبادة والصيانة.
ولما أن خطب بالسلطان فى يوم الجمعة على عادة قضاة الشافعية، ورقى المنبر، لم يخشع أحد لخطبته لمسكة كانت فى لسانه، وعدم طلاقة، وكانت هذه عادته، حتى فى تقرير دروسه «٣» ؛ وكان يقرئ العلم على قاعدة الأعاجم من كتاب فى يده، وكان فيه بعض توسوس لا سيما فى تكرير النية عند دخوله إلى الصلاة؛ فلما ولى القضاء وخطب ونزل صلى بالسلطان، زال عنه ذلك ببركة المنصب، وأنا أقول: كانت حالته الأولى تعجبنى والناس، ولم تعجبنى أحواله بعد ولايته، ﵀ وسامحه «٤» .
وتوفى القاضى بهاء الدين محمد بن قاضى القضاة نجم الدين عمر، بن حجى [ابن موسى] «٥» الدمشقى المولد والمنشأ، الشافعى ناظر جيش دمشق بقاعة «٦» البرابخية بخط بولاق على النيل، فى يوم ثالث عشرين صفر، وحضر السلطان الصلاة بمصلاة
стр. 5503
المؤمنى من تحت قلعة الجبل، ودفن بالقرافة الصغرى تجاه شباك الإمام الشافعى وهو فى حدود [١٨٨] الأربعين من العمر تخمينا. وكان ولى قضاء دمشق بعد موت والده، ثم نقل إلى نظر جيشها، ثم قدم القاهرة وتولى نظر جيش مصر، بعد عزل القاضى محب الدين بن الأشقر، لوظيفة نظر جيش دمشق، فلم ينتج أمره، وعزل بعد أشهر، وخلع عليه باستقراره [على] «١» وظيفة نظر جيش دمشق.
ثم قدم القاهرة بعد ذلك ودام بها عند حميه «٢» المقر الكمالى بن البارزى كاتب السر، إلى أن مرض وطال مرضه، إلى أن مات فى التاريخ المذكور. وكان شابا طوالا جميلا جسيما طويل اللحية جدا، كريما مفرط الكرم، ومات وعليه جمل من الديون، فوفى «٣» موجوده بقضائها، رحمه الله تعالى.
وتوفى الشيخ عز الدين عبد العزيز شيخ الصّلاحية بالقدس الشريف، فى أوائل شهر رمضان، وتولّى عوضه مشيخة الصلاحية، جمال الدين عبد الله بن جماعة بمال بذله فى ذلك؛ وكان عزّ الدين فقيها عالما مفتيا، وتولى نيابة الحكم بالقاهرة سنين كثيرة، رحمه الله تعالى.
وتوفى الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن رجب بن الأمير طيبغا المجدى الشافعى، فى ليلة العاشر من ذى القعدة. وصلى عليه بجامع الأزهر. وكان مولده بالقاهرة فى سنة سبع وستين وسبعمائة، وبها نشأ واشتغل حتى برع فى الفقه والعربية والحساب والفرائض. والهيئة والهندسة، وصنّف وأقرأ وأشغل وانتفع به الناس.
وكان أجلّ علومه «٤» الفرائض والحساب والهندسة «٥» ، ويشارك فى غير ذلك.
стр. 5504
وتوفى الشيخ الإمام «١» [الصالح] «٢» المعتقد يوسف [بن محمد بن جامع] «٣» البحيرى، نزيل جامع الأزهر، فى ليلة الأحد حادى عشر «٤» ذى القعدة، وصلى عليه من الغد، فى جامع الأزهر، وحضرت غسله والصلاة عليه ودفنه، لصحبة كانت بيننا قديما. وكان شيخا جميل الطريقة قائما بقضاء حوائج الناس، ولأرباب الدولة والأكابر فيه اعتقاد كبير ومحبة، ﵀ [تعالى] «٥» .
وتوفى الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله السيفى سودون المحمدى الظاهرى. وكانت شهرته أيضا على شهرة أستاذه سودون المحمدى، وهو على نيابة قلعة دمشق، فى أوائل صفر. كان خاصكيّا فى دولة الأشرف برسباى، ورأس نوبة الجمدارية، وولى نظر الحرم بمكة المشرفة غير مرة، وهو الذي هدم سقف البيت الحرام وجدّده، وعظم ذلك على أرباب الصلاح وأهل العلم، بل ربما خرج بعضهم من مكة خشية من سخط [ينزل] «٦» بها، لكون البيت صار بلا سقف عدة أيام، وكان هدمه لسقف البيت من غير أمر يوجب ذلك، أراد بذلك التقرب إلى الله تعالى «٧» بهذه الفعلة، فوقع فى أمر كبير وهو لا يدرى- كعادة صلحاء الجهّال- فكان حاله فى هذا كقول القائل:
[الخفيف] :
رام نفعا فضرّ من غير قصد ... ومن البرّ ما يكون عقوقا «٨»
ومن يوم هدم سودون سقف الكعبة، صار الطير يجلس على البيت الشريف،
стр. 5505
وكان لا يجلس فوقه أبدا قبل ذلك، وقد أتعب ذلك خدمة الكعبة. فلو لم يكن من فعله إلا هذه الفعلة «١» لكفاه إثما. كل ذلك لظن سودون المذكور بنفسه، فإنه لم يشاور فى ذلك أحدا من أعيان أهل مكة ولا تكلم مع من له خبرة بأحوال مكة، وقد قيل: «ما خاب من استشار» . وكان يتدين ويتمعقل ويعف عن الفواحش، غير أنه كان يقع فى أمور محذورة، منها: أنه كان إذا سلم عليه الشخص لا يرد عليه «٢» [سلامه] «٣» ، تكبرا وتعاظما، وإذا ردّ فيرد ردا هينا خلاف السنة، ومنها: أنه كان فيه ظلم عظيم على خدمه وحواشيه، هذا مع انخفاض قدره، فإنه لم يتأمّر إلا عشرة فى دولة الملك الظاهر جقمق، ثم عمل نيابة قلعة دمشق لا غير، على أن أستاذه سودون المحمدى لم يعدّ من الملوك فكيف هو!
وتوفى الأمير سيف الدين يلخجا بن عبد الله من مامش الساقى الناصرى، الرأس نوبة الثانى، ثم نائب غزة، بعد مرض طويل، فى أوائل جمادى الآخرة، وسنه نيف على خمسين سنة. وكان أصله من مماليك الظاهر برقوق، أخذه مع أبيه وأمه، ثم أنعم به على ولده الملك المنصور عبد العزيز، ثم ملكه الملك الناصر فرج بعد أخيه عبد العزيز [١٨٩] المذكور ورقاه وجعله ساقيا، واختصّ به إلى الغاية، ورأس على جميع الناصرية، واستمر على رئاسته وتحشمه، إلى أن عزله الملك المؤيّد من وظيفة السقاية، ولم يبعده، بل صار عظيما أيضا فى الدوله المؤيدية، بل كان «٤» فى كل دولة، لكرم نفسه ولعظمه فى النفوس.
стр. 5506
وسافر أمير الرّكب الأول إلى الحجاز، فى الدولة المؤيّدية، واستمر على ذلك، إلى أن أنعم عليه الملك الأشرف برسباى بإمرة عشرة، وحج أيضا أمير الركب الأول ثانيا، ثم [توجه] «١» إلى شدّ بندر جدّة وصحبته الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ، بعد عزله عن الوزر والأستادّاريّة، ثم ترقى بعد ذلك إلى أن صار أمير طبلخاناة ورأس نوبة ثانيا فى دولة الملك الظاهر جقمق، ثم نقل إلى نيابة غزة بعد موت الأمير طوخ الأبوبكريّ المؤيّدى، فلم تطل مدته فى نيابة غزة، ومرض وطال مرضه، واستعفى وتوجه إلى القدس عليلا، فمات بعد أيام قليلة [ودفن بجامع ابن عثمان ظاهر غزة] . «٢» وكان أميرا جليلا رئيسا وجيها معظما فى الدول، عريقا فى الرئاسة، متجملا فى مركبه وملبسه ومماليكه، وكان تركى الجنس مليح الشكل إلى الغاية، وعنده سلامة باطن، مع خفة روح وبشاشة وتواضع، مع شجاعة وإقدام وحرمة وافرة، وكلمة نافذة؛ ولم يكن فيه ما يعاب، غير انهما كه فى اللذات، وبعض سطوة على غلمانه، عفا الله عنه «٣» .
وتوفى الأمير الطّواشى صفىّ الدين جوهر بن عبد الله التّمرازى الخازندار، ثم شيخ الخدام بالحرم الشريف «٤» النبوى، فى أواخر هذه السنة، وكان أصله من خدام الأمير تمراز الظاهرى النائب، وصار جمدارا فى أواخر دولة الملك المؤيّد شيخ، ودام على ذلك سنين، إلى أن استقر به الملك الظاهر خازندارا، بعد موت جوهر القنقبائى، فلم تطل مدته فى الخازندارية، وعزله السلطان بالطّواشى فيروز النّوروزى الرومى رأس نوبة الجمدارية؛ وصادره، ثم ولّاه مشيخة الخدّام بالحرم النبوى، إلى أن مات
стр. 5507
[واستقر بعده فى مشيخة الحرم الطواشى فارس كبير الطواشية هناك] «١» . وكان حبشىّ الجنس مليح الشكل، كريما حشيما، متواضعا لطيفا؛ وعنده فهم وذوق؛ وله محاضرة، مع تجمل فى أحواله، وكان بخلاف أبناء جنسه فى تحصيل المال، بل كان يصرفه فى معايشه، ويقصد الترف والعيش الرغد، ويظهر النعمة ويبر أصحابه بحسب طاقته، رحمه الله تعالى.
أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وستة وعشرون أصبعا؛ مبلغ الزيادة:
تسعة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا.
стр. 5508
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٥١]
السنة العاشرة من سلطنة الملك الظاهر جقمق على مصر وهى سنة إحدى وخمسين وثمانمائة.
فيها توفى الأمير أيتمش بن عبد الله من أزوباى الناصرى [فرج] «١» ثم المؤيّدى، أستادّار الصّحبة وأحد أمراء العشرات، فى يوم الأربعاء ثالث صفر، وتولى أستادّارية الصّحبة [١٩٠] بعده الأمير سنقر الظاهرى. وكان أيتمش المذكور من جملة من تأمّر بعد موت الملك الأشرف برسباى، ثم ولّاه الملك الظاهر جقمق أستادّارية الصّحبة، بعد مغلباى الجقمقى بحكم خروجه إلى دمشق أميرا، فدام أيتمش المذكور على وظيفته، إلى أن مات، وكان مسيكا مسرفا على نفسه، لم يشهر بشجاعة ولا كرم ولا تدين.
وتوفى الأمير سيف الدين قانى باى بن عبد الله الأبوبكريّ الناصرى، المعروف بالبهلوان، نائب حلب بها، فى شهر ربيع الأول؛ وتولى عوضه نيابة حلب الأمير برسباى الناصرى نائب طرابلس. وكان أصل قانى باى المذكور من مماليك الملك الناصر فرج، ثم حطّه الدهر بعد موت أستاذه، وخدم عند جماعة من الأمراء، مثل الوزير أرغون شاه النّوروزى، ومثل بردبك الجكمى العجمى، ثم اتصل بخدمة ططر، فلما تسلطن، أنعم عليه بإمرة عشرة، ثم صار أمير طبلخاناة فى أوائل دولة الملك الأشرف برسباى، وثانى رأس نوبة، بعد قطج من تمراز، بحكم انتقال قطج إلى تقدمة ألف، فدام على ذلك سنين، إلى أن نقله الملك الأشرف إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، ثم ولاه نيابة ملطية مضافا على تقدمته، فباشر ذلك مدة، ثم أخرج السلطان تقدمته عنه، واستمر فى نيابة ملطية فقط؛ ثم عزله
стр. 5509
وولاه أتابكية حلب، فدام على ذلك سنين، إلى أن نقله الملك الأشرف إلى أتابكية دمشق، بعد موت تغرى بردى المحمودى بآمد فى سنة ست وثلاثين وثمانمائة.
والعجب أنه لما صار أتابك حلب، كان يوم ذاك، حاجب حجابها أستاذه بردبك العجمى؛ ثم لما صار أتابك دمشق، كان يوم ذاك أستادّار السلطان بدمشق، أستاذه أرغون شاه النّوروزى الأعور، فانظر إلى حركات هذا الدهر وتقلباته!
واستمر قانى باى فى أتابكية دمشق، إلى أن خرج الأتابك إينال الجكمى نائب الشام عن طاعة الملك الظاهر جقمق، فوافقه قانى باى هذا، بل وحرّضه على «١» الخروج عن الطاعة ليصل بذلك لأغراضه، فلم تكن موافقته إلا مدة يسيرة، وأرسل إليه الملك الظاهر جقمق من مصر، يعده بأشياء إن ترك موافقة الجكمى وعاد إلى طاعته، ففى الحال عاد إلى طاعة السلطان وخذل إينال الجكمى، بعد أن كان هو أكبر الأسباب فى خروجه، فنقله السلطان إلى نيابة صفد، بعد عزل إينال العلائى الناصرى عنها، وقدومه إلى مصر أمير مائة [و] «٢» مقدم ألف بها، ثم نقله إلى نيابة حماة، بعد عزل أستاذه بردبك العجمى عنها، ثم نقل إلى نيابة حلب بعد عزل الأمير قانى باى الحمزاوى عنها، وقدومه إلى القاهرة أمير مائة ومقدم ألف بها، على إقطاع شاد بك الجكمى «٣» ، بحكم استقرار شاد بك فى نيابة حماة، عوضا عن قانى باى المذكور. واستقر قانى باى فى نيابة حلب، إلى أن مات، وهو فى عشر الستين. وكان مليح الشكل متوسط السيرة، مسرفا على نفسه، لم يشهر بشجاعة ولا معرفة بفن من الفنون، وكان يلقب بالبهلوان «٤» على سبيل المجاز لا على الحقيقة، رحمه الله تعالى «٥» .
стр. 5510
وتوفى الأمير سيف الدين إينال بن عبد الله الششمانى الناصرى [فرج] «١» أتابك دمشق بها، فى جمادى الأولى، وهو فى عشر الستين، وكان أيضا من مماليك الملك الناصر «٢» فرج، وتأمّر عشرة فى أيام أستاذه، ثم نكب وتعطل مدة سنين، إلى أن أنعم عليه الأتابك ططر بإمرة عشرة، وصار من جملة رؤوس النّوب، ثم ولاه الملك الأشرف حسبة القاهرة سنين، ثم عزله، ثم نقله بعد مدة إلى إمرة طبلخاناة، ثم صار ثانى رأس نوبة، وسافر أمير حاجّ المحمل، وكان سافر أمير الركب الأول قبل ذلك بسنين، ثم ولاه الأشرف نيابة صفد بعد موت الأمير مقبل الحسامى الدّوادار، فلم ينتج أمره فى صفد لرخو كان فيه، وعدم شجاعة، وعزله السلطان عن نيابة صفد. ثم أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، فدام على [١٩١] ذلك سنين إلى أن أقرّه الملك الظاهر جقمق أتابكا بدمشق. بعد توجّه قانى باى البهلوان إلى نيابة صفد، فدام على ذلك إلى أن مات. وكان ديّنا عفيفا عن الفواحش [مع جبن وشح] «٣» إلا أنه لم يشهر بشجاعة ولا كرم.
وتوفى الأمير سيف الدين برسباى بن عبد الله من حمزة الناصرى، نائب حلب، بها أو بظاهرها، بعد أن استعفى عن نيابة حلب، لطول مرضه، وكان أيضا من مماليك الملك الناصر فرج ومن خاصكيّته، ثم صار من جملة أمراء دمشق، ثم أمسكه الملك المؤيّد شيخ وحبسه سنين، ثم أطلقه، فدام بطّالا، إلى أن أنعم عليه الأتابك ططر بإمرة بدمشق، ثم ولاه الملك الأشرف حجوبية الحجاب بدمشق، فدام على الحجوبية سنين طويلة، ونالته السعادة، إلى أن نقله الملك الظاهر جقمق إلى نيابة طرابلس، بعد
стр. 5511
قانى باى الحمزاوى، بحكم انتقال الحمزاوى إلى نيابة حلب، بعد تولية جلبان على نيابة دمشق، بحكم موت آقبغا التمرازى؛ فدام برسباى فى نيابة طرابلس سنين، إلى أن نقل إلى نيابة حلب، بعد موت قانى باى البهلوان، فدام على نيابة حلب مدة، ومرض وطال مرضه، إلى أن استعفى، فأعفى، وخرج من حلب إلى جهة دمشق، فمات فى أثناء طريقه. وكان جليلا حشما دينا عفيفا عن المنكرات والفروج، وكان شديدا على المسرفين، فإنه كان يدخل إليه بالسارق أو قاطع الطريق فيقول: «خذوه إلى الشرع» ، ويدخل إليه بالسكران، فيضربه حدودا كبيرة. وفى الجملة أنه كان دينا خيرا، رحمه الله تعالى.
وتوفى قاضى قضاة دمشق وعالمها ومفتيها وفقيهها، تقىّ الدين أبو بكر [بن أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن ذوبب بن مشرق] «١» ، الدمشقى الشافعى، المعروف بابن قاضى شهبة «٢» ، فى ذى القعدة بدمشق فجاءة بطالا، بعد أن انتهت إليه الرئاسة فى فقه مذهبه وفروعه، وكان ولى قضاء دمشق، وخطب فى واقعة الجكمى للملك العزيز يوسف، فحقد عليه الملك الظاهر جقمق ذلك، وعزله، إنى أن مات، بعد أن تصدى للإفتاء والتدريس سنين كثيرة، وانتفع به غالب طلبة دمشق «٣» ، وصنف التصانيف المفيدة، رحمه الله تعالى «٤» .
وتوفى الأمير الطّواشى صفى الدين جوهر المنجكى نائب مقدم المماليك السلطانية، معزولا، فى أول ذى الحجة. وكان أولا من جماعة طواشيّة الأطباق،
стр. 5512
أعنى أنه كان مقدم طبقة المقدم، حتى ولّاه الملك الظاهر جقمق، نائب مقدم المماليك، بعد عزل فيروز الرّكنى الرومى عنها، فدام على ذلك سنين، ثم عزل بجوهر السيفى نوروز، إلى أن مات. وهو صاحب المدرسة التى أنشأها برأس سويقة منعم «١» ، تجاه مصلاة المؤمنى، وأوقف عليها وقفا بحسب حاله.
وتوفى الشيخ المسند المعمر، القاضى عز الدين عبد الرحيم [بن محمد بن عبد الرحيم بن على بن الحسين بن محمد بن عبد العزيز] «٢» ، بن الفرات الحنفى، أحد نواب الحكم، فى يوم السبت سادس عشرين «٣» ذى الحجة. وكان له رواية وسند عال فى أشياء كثيرة سماعا وإجازة، وحدّث سنين كثيرة، وصار رحلة زمانه، ولنا منه إجازة بجميع سماعه ومروياته، وقد استوعبنا ترجمته فى غير هذا الكتاب، «٤» [﵀] «٥» .
أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم أحد عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا، مبلغ الزيادة: تسعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.
стр. 5513
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٥٢]
السنة الحادية عشرة من سلطنة الملك الظاهر جقمق على مصر وهى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة.
فيها توفى الشيخ برهان الدين إبراهيم بن خضر العثمانى الشافعى، أحد فقهاء الشافعية، فى ليلة خامس عشر المحرم. وكان فاضلا فقيها، تفقه بالقاضى شهاب الدين ابن حجر وبغيره ودرّس وأقرأ، وعدّ من الفضلاء، إلا أنه كان دنس الثياب، غير ضوئى «١» الهيئة، رحمه الله تعالى.
وتوفى الشيخ شهاب الدين أحمد بن عثمان، [عرف بالكوم] «٢» الرّيشىّ الشافعى، فى يوم الأربعاء حادى عشرين المحرم. وكان له اشتغال قديم، مع توقف فى ذهنه وفهمه، ثم ترك الاشتغال، وتردد إلى أرباب الدولة لطلب الرزق، على أنه كان دينا خيرا، وعنده سلامة باطن، رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين آقطوه بن عبد الله الموساوى الظاهرى، بطّالا، فى ليلة الثلاثاء ثانى عشر صفر، ودفن من الغد.
وكان أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق، وصار من جملة الدّوادارية، فى الدولة المؤيّدية شيخ، ثم تأمّر عشرة، [١٩٢] بعد موته، ودام على ذلك دهرا طويلا، وصار مهمندارا [فى الأيام الأشرفية] «٣» ، ثم توجه فى الرسلية إلى القان معين الدين شاه رخ بن تيمور لنك «٤» ، ثم عاد ودام على ما هو عليه، إلى أن أنعم عليه الملك الظاهر جقمق، بإمرة طبلخاناة، ثم نفاه بعد سنين، ثم أعاده، وأنعم عليه
стр. 5514
بإمرة عشرة، ثم نفاه ثانيا، وشفع فيه بعد مدة، فعاد إلى القاهرة بطالا، ودام بها إلى أن مات.
كان تركى الجنس، ويتفقه ويشارك فى ظواهر مسائل، على قاعدة غالب فقهاء الأتراك، سألنى مرة سؤالا، وابتدأ فى سؤاله بقوله: «باب» ، فقبل أن يتم السؤال، قلت له: «باب مرفوع على أى وجه؟» ، فسكت، ثم قال: «هذا شىء لم أسمعه منذ عمرى» ، فضحك جميع من حضر، ولم يسألنى بعدها، إلى أن مات. وكان عفيفا عن الفواحش، إلا أنه كان فيه البخل وسوء الخلق وتعبيس الشكالة، ﵀.
وتوفى الشيخ زين الدين عبد الرحمن [بن محمد بن محمد بن يحيى] السّندبيسى «١» الشافعى، أحد فقهاء الشافعية، فى ليلة الأحد سابع عشر صفر، ودفن من الغد «٢» ، وكان معدودا من فقهاء الشافعية، رحمه الله تعالى «٣» .
وتوفى الأمير سيف الدين أسنباى بن عبد الله الظاهرى الزّردكاش، كان أحد أمراء العشرات، فى العشر الأخير من صفر، عن سنّ عال. وكان من أعيان مماليك الملك الظاهر برقوق، وممن صار فى أيام أستاذه، زردكاشا، وأسر فى كائنة تيمور، وحظى عنده، وجعله تيمورلنك زرد كاشه، ودام عنده إلى أن مات؛ فقدم القاهرة، ودام بها إلى أن استقر فى دولة الملك المؤيد أمير عشرة وزرد كاشا كبيرا، وصار مقربا عند الملك المؤيد إلى الغاية؛ ثم عزل عن الزردكاشية بعد موت الملك المؤيد، ودام على إمرة عشرة، وتولى نيابة دمياط غير مرة، إلى أن مات بالقاهرة على إمرته. وكان رجلا عاقلا عارفا بمداخلة الملوك وبصناعة الزردخاناة، وكان حلو المحاضرة أخباريّا، حافظا لما رأى من الوقائع والحروب وأحوال السلف، وكان حسن السمت، عليه أنس وخفر، ولكلامه رونق ولذة فى السمع؛ نقلت عنه كثيرا
стр. 5515
فى «المنهل الصافى» وغيره من أخبار خجداشيته الظاهرية وغيرهم. وكان بينى وبينه صحبة أكيدة. ولقد بلغنى بعد موته، أنه كان سيدا شريفا من أشراف بغداد الأتراك، ونهب منها فى سبى فى بعض السنين، ولم أسأله أنا عن ذلك، والله أعلم بصحة هذا القول «١» .
وتوفى الوزير الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن [الوزير] «٢» الصاحب تاج الدين عبد الرزاق، بن شمس الدين عبد الله، المعروف بابن كاتب المناخات، بالقاهرة بطّالا، بعد مرض طويل فى يوم الأحد، لعشر بقين من جمادى الآخرة، وسنه نيف على الخمسين. وكان لا بأس به بالنسبة لأبناء جنسه الكتبة، وقد تقدم أنه ولى نظر ديوان المفرد، ثم الوزر غير مرة، ثم الأستادّارية مرتين، ثم كتابة السر، ثم الوزر، ونكب وصودر وضرب بالمقارع فى بعض تعطّله، وتولى الكشف بالوجه القبلى، ثم توجه إلى جدة، ثم أعيد إلى الوزر سنين، ثم استعفى، وتولى عوضه الوزر الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم، رحمه الله تعالى «٣» .
وتوفى الأمير سيف الدين شاهين بن عبد الله السيفى طوغان الحسنى الدّوادار، وهو على نيابة قلعة دمشق، فى جمادى الأولى: وكان أصله من مماليك طوغان الحسنى الدوادار، واتصل [بعده] «٤» بخدمة الملك الظاهر جقمق، فى أيام إمرته، وصار دواداره، ولما تسلطن، جعله بعد مدة، دوادارا ثالثا، ثم ولّاه نيابة قلعة حلب؛ فوقع له بحلب أمور وعزل منها «٥» ، ونقل إلى نيابة قلعة دمشق، إلى أن مات. وكان يصبغ لحيته بالحناء مع بخل وشح، حتى على نفسه، عفا الله تعالى «٦» عنه.
وتوفى الناصرى محمد بن على بن شعبان ابن السلطان حسن، بن محمد بن قلاوون،
стр. 5516
أحد الأجناد، وندماء الملك الظاهر جقمق فى حياة أبيه وأمه، فى يوم الخميس سابع «١» جمادى الآخرة [ويعرف بابن السلطان حسن] «٢» . وكان لا بأس به، إلا أنه كان فى مبدإ أمره فقيرا، وجاءته السعادة لصحبته الملك الظاهر جقمق، فجأة، فكان حاله كقول القائل: [الطويل]
[ويا ويل] «٣»
من ذاق الغنا بعد حاجة ... يموت وقلبه من الفقر واجس
فكان كذلك، إلا أنه كان بشوشا، ويحسن رمى النّشّاب على قدر حاله، ويجيد الغناء الموسيقى، وفى الجملة، كان له محاسن، مع أصل وعراقة، [﵀] «٤» .
[وتوفى] «٥» الشيخ زين الدين رضوان بن محمد بن يوسف العقبى الشافعى، مستملى الحديث، فى يوم الاثنين، ثالث شهر [١٩٣] رجب. وكان دينا فاضلا حسن السمت منور الشيبة، رحمه الله تعالى.
وتوفى الشيخ الإمام العالم المعتقد، فتح الدين أبو الفتح محمد بن أحمد بن الشيخ وفاء الإسكندرى الأصل، المصرى المولد والمنشأ والوفاة، المالكى الواعظ، المعروف بابن أبى الوفا، فى يوم الاثنين أول شعبان. وكانت جنازته مشهودة ودفن عند آبائه بتربتهم بالقرافة، بعد أن صلى عليه بجامع عمرو بمصر القديمة. وكان أعلم بنى الوفاء قاطبة، وأشعرهم فى زمانه، ومات وسنه نيف على ستين سنة تخمينا، وكان له فضل غزير وشعر رائق كثير، ذكرنا منه قطعة جيدة فى «الحوادث» «٦» ، ونذكر منه هنا قصيدة وهى التى أولها: [الكامل]
стр. 5517
الرّوح منّى فى المحبة ذاهبه ... فاسمح بوصل لاعدمتك ذا هبه
عرفت أياديك الكرام بأنّها ... تأسو الجراح من الخلائق قاطبه
قد خصّك الرحمن منه خصائصا ... فحللت من أوج الكمال مراتبه
وبنورك الوضّاح فى غسق الدّجى ... أطلعت فى فلك الوفاء كواكبه
ما زلت بالمعروف تعرف دائما ... وتنيل من آوى إليك مطالبه
لم يبق فى قلبى سواك من الورى ... كلّا، ولا فيه لغيرك شائبه
بك يمنح الله الوجود بجوده ... ويبثّ فيه عطاءه ومواهبه
وتطيب منك أصوله وفروعه ... وتعيش أرواح لبعدك ذائبه
رجع الوفاء بنور وجهك غامرا ... أغذيت للورّاد منه مشاربه
وجميل سترك بالوفا عمّ الورى ... فمن احتمى فيه سترت معايبه
وشعره كله فى هذا النسق «١» ، رحمه الله تعالى «٢» .
وتوفى الشهابى أحمد بن الأمير نوروز بن عبد الله الخضرى الظاهرى، المعروف بشادّ الأغنام: فى يوم الأحد، رابع عشر شعبان. وكان أبوه نوروز، من مماليك الملك الظاهر برقوق، وتولى حجوبية حلب فى نيابة الوالد على حلب، ثم نقل بعد مدة طويلة إلى حجوبية دمشق، أو إلى إمرة بها، فلم تطل مدته بها، وقبض عليه الأمير تنم الحسنى نائب الشام، لما خرج عن الطاعة، فى سنة اثنتين وثمانمائة، ووسّطه. ونشأ ولده هذا يتيما على حالة رديئة من الفقر والإفلاس، إلى أن خدم الملك الظاهر جقمق فى أيام إمرته، وطالت أيامه فى خدمته، فلما تسلطن قرّبة وأنعم عليه بإمرة بالبلاد الشامية، فلم يسكن الشام، ودام بمصر، حتى أنعم عليه الملك الظاهر جقمق «٣» أيضا بإمرة عشرة زيادة على ما بيده بالشام، ثم جعله شادّ الأغنام بالبلاد الشامية، فنالته السعادة من ذلك،
стр. 5518
وصار له كلمة فى الدولة، وترأس واقتنى المماليك والخيول، وبقى له حاشية واسم فى المملكة، فعند ذلك انتهز أحمد المذكور الفرصة، وانهمك فى اللذات، فما عفّ ولا كفّ، وبينما هو فى ذلك، طرقه هادم اللذات، ومات بعد مرض طويل، وقد استقر أمير الركب الأول من الحاج، فاستقر الأمير قانم التاجر المؤيّدى عوضه، فى إمرة الركب.
وكان أحمد المذكور مهملا، عاريا من كل علم وفن، أجنبيا عن كل فضيلة، وكان يتلفظ فى كلامه بألفاظ العامة السوقة، مثل: «أقاتل على حسبى» و «أخذت رحلى» ، وأشياء مثل ذلك «١» من هذا النسق. وكان مع ذلك يلثغ بالسين، ويرمى بعظائم، من: ترك الصلاة، وأخذ الأموال، وغير ذلك.
وتوفى الأمير سيف الدين تغرى برمش بن عبد الله الجلالى الناصرى، ثم المؤيّدى الفقيه، نائب قلعة الجبل، بطالا بالقدس الشريف، فى يوم الجمعة ثالث شهر رمضان؛ وقد أناف على الخمسين سنة، هكذا ذكر لى من لفظه، وقال لى: إن أباه كان مسلما فى بلاده، واشتراه بعض التجار ممن سرقه، وابتاعه منه خواجا جلال الدين، وقدم به إلى حلب، فاشتراه الملك الظاهر جقمق منه، وقد توجه جقمق: وهو يوم ذاك خاصكيّا، إلى الأمير جكم نائب حلب بكامليّة الشتاء من السلطان على العادة فى كل سنة، وقدم به جقمق إلى القاهرة، [١٩٤] وقدّمه إلى أخيه جاركس القاسمى المصارع، فلما عصى جاركس، أخذه الملك الناصر فرج فيما أخذ الجاركس.
ودام تغرى برمش بالطبقة بقلعة الجبل، حتى ملك الملك المؤيّد شيخ الديار المصرية فأخذه من جملة مماليك الملك الناصر فرج، وأعتقه، فادّعاه الظاهر جقمق، وهو يوم ذاك أمير طبلخاناة وخازندار، فدفع له الملك المؤيّد دراهم ومملوكا يسمى قمارى، وأبقى تغرى برمش على ملكه، ثم صار تغرى برمش بعد موت الملك المؤيد خاصكيّا، إلى أن أخرجه الملك الأشرف من الخاصكية مدة سنين، ثم أعاده بعد مدة، ودام على ذلك إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، فنفاه إلى قوص، لكونه خاشنه فى الكلام
стр. 5519
بسبب الإمرة، ثم شفع فيه بعد مدة، وأنعم عليه بإمرة عشرة، واستقر به فى نيابة قلعة الجبل، بعد موت ممجق النّوروزى، وقرّبه الملك الظاهر وأدناه، واختص به إلى الغاية وصار له كلمة فى الدولة، فلم يحسن العشرة مع من هو أقرب منه إلى الملك، وأطلق لسانه فى سائر أمور المملكة، حتى ألجأه ذلك إلى سفر الروم فى أمر من الأمور، ثم عاد فدام على ما هو عليه، ثم تكلم فى أمر المجاهدين وأنهم تراخوا فى أخذ رودس، فعيّنه السلطان إلى غزوة رودس، فسافر وعاد وهو على ما هو عليه، فنفاه السلطان إلى القدس بطّالا، فتوجه إليه ودام به إلى أن مات.
وكان تغرى برمش المذكور فاضلا عالما بالحديث ورجاله، مفننا فى أنواعه، كثير الاطلاع، جيد المذاكرة بالتاريخ والأدب وأيام الناس، وله نظم باللغة العربية والتركية، ويكتب المنسوب، ويشارك فى فنون كثيرة، وله محاضرة حسنة ومذاكرة حلوة، هذا مع معرفته بفنون الفروسية المعرفة التامة كآحاد أعيان أمراء الدولة، بل وأمثل منهم، ولا أعلم فى عصرنا من يشابهه فى المماليك خاصة، لما اشتمل عليه من الفضيلة التامة من الطرفين: من فنون الأتراك وعلوم الفقهاء، ومن هو منهم فى هذه الرتبة، اللهم إن كان الأمير بكتمر السعدى فنعم، وإن فاقه بكتمر بأنواع العلاج والقوة، فيزيده تغرى برمش هذا فى الكتابة ونظم الشعر والاطلاع الواسع.
وفى الجملة أنه كان من الأفراد فى عصره فى أبناء جنسه، لولا زهو كان فيه وإعجاب بنفسه، والتعاظم بفنونه، والازدراء بغيره، حتى أنه كان كثيرا ما يقول:
«يأتى واحد من هؤلاء الجهلة يمسك كتاب فى الفقه فيحفظه فى أشهر قليلة، ثم يقول فى نفسه: أنا بقيت فقيها! الفقيه من يعرف العلم الفلانى ثم العلم الفلانى، إيش هؤلاء الذين لا يعرفون معنى باسم الله الرحمن الرحيم!» . فلهذا كان غالب من يتفقه من الأتراك يغض منه ويحط عليه؛ وليس الأمر كذلك، وأنا، الحقّ أقوله، وإن كان فيهم من هو أفقه منه، فليس فيهم أحد يدانيه لكثرة فنونه، ولاتساع باعه فى النظر والاطلاع والفصاحة والأدب، وسوف أذكر من شعره ما يؤيد ما قلته، فمن شعره فى مليح يسمّى شقير: [البسيط]
стр. 5520
تفّاح خدّى شقير فيه ... مسكىّ لون زها وأزهر
قد بان منه النّوى فأضحى ... زهرىّ لون بخدّ مشعر
وقد ذكرنا من شعره أكثر من هذا فى تاريخنا «المنهل الصافى» «١» فى ترجمته، وأما نظمه باللغة التركية، فغاية لا تدرك، له قصيدة واحدة عارض بها شيخى شاعر الروم، يعجز عنها فحول الشعراء، وكان ﵀، من عظم إعجابه بنفسه، يقول: إن الأمر سيصير إليه، مع وجود من هو أمثل منه بأطباق، على أنه كان غير الجنس أيضا، ومن أصاغر الأمراء، ومع هذا كله كان لا يرجع عما فيه، قلت: هذه آفة معترضه للقول الصحيح، سامحه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين صرغتمش بن عبد الله القلمطاوى، أحد أمراء العشرات، فى يوم السبت رابع شهر رمضان. وكان أصله من مماليك الأمير قلمطاى الدّوادار، وكان صرغتمش المذكور، لا للسيف ولا للضيف، ولا ذات ولا أدوات.
وتوفى الأمير سيف الدين طوغان بن عبد الله العثمانى، نائب القدس، ثم حاجب حلب، ثم نائب غزة بها، فى ذى القعدة. وأصله من مماليك الأتابك ألطنبغا العثمانى نائب الشام؛ وكان شجاعا مقداما كريما للسيف وللضيف، رحمه الله تعالى.
وتوفى قاضى القضاة شيخ الإسلام، [١٩٥] حافظ المشرق والمغرب، أمير المؤمنين فى الحديث [علامة الدهر، شيخ مشايخ الإسلام، حامل لواء سنة الأنام، قاضى القضاة، أوحد الحفاظ والرواة،] «٢» شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن الشيخ نور الدين على بن
стр. 5521
محمد بن محمد بن على بن أحمد [بن حجر] «١» ، المصرى المولد والمنشأ والدار والوفاة، العسقلانى الأصل، الشافعى، قاضى قضاة الديار المصرية وعالمها وحافظها وشاعرها، فى ليلة السبت ثامن عشرين ذى الحجة، وصلى عليه بمصلاة المؤمنى، وحضر السلطان الصلاة عليه، ودفن بالقرافة. حتى قال بعض الأذكياء: أنه حزر من مشى فى جنازته نحو الخمسين ألف إنسان. وكان لموته يوم عظيم «٢» على المسلمين، ومات ولم يخلّف بعد مثله شرقا ولا غربا، ولا نظر هو مثل نفسه فى علم الحديث.
وكان مولده بمصر القديمة فى ثانى عشرين شعبان، سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وقد أوضحنا أمره فى ترجمته فى «المنهل الصافى» من ذكر سماعاته ومشايخه وأسماء مصنفاته «٣» وولاياته من ابتداء أمره إلى منتهاه، فى أوراق كثيرة يطول الشرح فى ذكرها فى هذا المحل «٤» . وكان رحمه الله تعالى إماما عالما حافظا شاعرا أديبا مصنفا مليح الشكل منوّر الشيبة، حلو المحاضرة إلى الغاية والنهاية، عذب المذاكرة مع وقار وأبهة وعقل وسكون وحلم وسياسة ودربة بالأحكام، ومداراة الناس، قلّ أن كان يخاطب الرجل بما يكره، بل كان يحسن إلى من يسىء إليه، ويتجاوز عمن قدر عليه، هذا مع كثرة الصوم ولزوم العبادة والبر والصدقات؛ وبالجملة فإنه أحد من أدركنا من الأفراد ولم يكن فيه ما يعاب، إلا تقريبه لولده لجهل كان فى ولده، وسوء سيرته، وما عساه كان يفعل معه، وهو ولده لصلبه، ولم يكن له غيره؟
وأما شعره فكان فى غاية الحسن، ومما أنشدنى من لفظه لنفسه رحمه الله تعالى «٥» :
[الطويل]
خليلىّ ولّى العمر منّا ولم نتب ... وننوى فعال الصالحات ولكنّا
стр. 5522
فحتّى متى نبنى بيوتا مشيدة ... وأعمارنا منّا تهدّ وما تبنى «١»
وله: [المنسرح]
سألت من لحظه وحاجبه ... كالقوس والسّهم موعدا حسنا
ففوّق السّهم من لواحظه ... وانقوس الحاجبان واقترنا
وله: [الطويل]
أتى «٢» من أحبّائى رسول فقال لى: ... ترفّق وهن واخضع تفز برضانا
فكم عاشق قاسى الهوان بحبّنا ... فصار عزيزا حين ذاق هوانا «٣»
أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وثمانية عشر أصبعا؛ مبلغ الزيادة:
ثمانية عشر ذراعا وثلاثة وعشرون أصبعا.
стр. 5523
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٥٣]
السنة الثانية عشرة من سلطنة الملك الظاهر جقمق على مصر وهى سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة.
فيها فشا الطاعون بالديار المصرية وظواهرها، وكان ابتدأ من أواخر سنة اثنتين وخمسين، فى ذى الحجة، وعظم إلى أن ارتفع فى شهر ربيع الأول، ومات فيه عالم كثير من الأعيان، من جملتهم ثلاثة أمراء مقدمى ألوف، وهم: الأمير تمراز القرمشى أمير سلاح، والأمير قراخجا الحسنى الأمير آخور، وكلاهما كان مرشحا «١» للسلطنة، والأمير تمرباى التّمربغاوى، رأس نوبة النوب، [ومن يأتى ذكره من الأعيان وغيرهم، ﵏] «٢» .
وفيها توفى الشهابى [أحمد بن على بن إبراهيم] «٣» النهيتى [ثم الأزهرى] «٤» ، أحد فقهاء الشافعية، فى يوم الأحد رابع عشر المحرم، وكان مجاورا بجامع الأزهر.
وتوفى القاضى شهاب الدين أحمد [بن على بن عامر بن العدل نور الدين] «٥» المسطيهى [ثم القاهرى] «٦» الشافعى، أحد نواب الحكم بالقاهرة، فى يوم الاثنين «٧» خامس عشر «٨» المحرم.
وتوفى الشيخ الإمام العالم علاء الدين [على] «٩» الكرمانى الشافعى، شيخ خانقاة سعيد السّعداء، فى يوم الخميس ثانى صفر بالطاعون، وكان دينا فقيها صالحا.
وتوفى القاضى برهان الدين إبراهيم [بن محمد بن إبراهيم] بن ظهير الحنفى، ناظر
стр. 5524
الإسطبلات السلطانية، فى يوم الاثنين سادس صفر بالطاعون ودفن من الغد. وكان أحد حواشى الملك الظاهر جقمق، وممن نشأ فى هذه الدولة.
وتوفى السيد الشريف على بن حسن بن عجلان [بن رميثة] الحسنى «١» المكى، المعزول عن إمرة مكة قبل تاريخه، فى ثغر دمياط بالطاعون، فى أوائل صفر. وقد تقدم ذكر نسبه فى عدة أماكن من هذا الكتاب، وكان أحذق بنى حسن بن عجلان، وأفضلهم وأحسنهم محاضرة، وله ذوق وفهم ومذاكرة، ﵀ [تعالى] «٢» .
وتوفى الأمير سيف الدين تمراز بن عبد الله القرمشى الظاهرى أمير سلاح، بالطاعون، فى يوم الجمعة عاشر صفر، ودفن من الغد.
وتولى وظيفة إمرة سلاح [١٩٦] من بعده الأمير جرباش الكريمى قاشق، وكان تمراز من مماليك الملك الظاهر برقوق، ووقع له أمور، إلى أن تولى نيابة قلعة الروم.
ثم نقل بعد مدة إلى نيابة غزة فى الدولة الأشرفية برسباى، فدام على نيابة غزة سنين، ثم عزل، وطلب إلى القاهرة على إمرة مائة وتقدمة ألف بها، وتولى نيابة غزة من بعده الأمير إينال العلائى الناصرى.
ثم استقر بعد أشهر رأس نوبة النوب، بعد أركماس الظاهرى بحكم انتقال أركماس إلى الدوادارية الكبرى، بعد خروج أزبك الدوادار إلى القدس بطّالا، ودام تمراز رأس نوبة النّوب سنين كثيرة، إلى أن نقله الملك الظاهر جقمق إلى الأمير آخوريّة الكبرى، بعد مسك جانم الأشرفى.
ثم صار أمير سلاح بعد أشهر، عوضا عن يشبك السّودونى المشدّ، بحكم انتقال يشبك إلى الأتابكية، بعد توجّه آقبغا التمرازى إلى نيابة الشام، عوضا عن إينال الجكمى، فدام تمراز على ذلك إلى أن مات.
стр. 5525
وكان من محاسن الدنيا، لولا إسرافه على نفسه، وقد نسبه الشيخ تقي الدين المقريزى ﵀ فى مواضع كثيرة، إلى الأمير دقماق المحمدى «١» ، فقال:
تمراز الدّقماقى، وليس هو كذلك، وإنما تمراز تزوج السّت أردباى أم ولد دقماق لا غير.
وتوفى قاضى القضاة بدر الدين محمد بن قاضى القضاة ناصر الدين أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عطاء الله بن عواض بن نجا بن أبى الثناء حمود بن نهار [الشمس] «٢» ابن مؤنس بن حاتم بن نبلى بن جابر بن هشام بن عروة بن الزبير بن العوام رضى الله عنه، حوارىّ رسول الله ﷺ ، المعروف بابن التّنسى المالكى، قاضى قضاة الديار المصرية، فى يوم الاثنين ثالث عشر صفر بالقاهرة، وبها نشأ تحت كنف والده، وحفظ عدة متون وتفقه بعلماء عصره وبرع وأفتى ودرّس وناب فى الحكم سنين.
ثم استقل بوظيفة القضاء، بعد موت قاضى القضاة شمس الدين البساطى، فى سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، ولما ولى القضاء أكبّ على الاشتغال والإشغال، وكان مفرط الذكاء، جيد التصور، مع الفصاحة وطلاقة اللسان وحسن السيرة إلى الغاية والنهاية، والتحرى والتثبت فى أحكامه، والحط على شهود الزور، حتى أبادهم.
وكان يحلّف حواشيه بالأيمان المغلظة على الأخذ من الناس على بابه، ثم بعد ذلك يأخذ فى الفحص عليهم، ويبذل جهده فى ذلك، مع ذكاء وحذق ومعرفة، لا يدخل عليه مع ذلك تنميق منمق، ولا خديعة خادع. وكان يتأمل فى أحكامه ومستندات الأخصام الأيام الكثيرة، وبالجملة أنه أعظم من رأينا من القضاة فى العفة وجودة سيرة حواشيه الذين هم على بابه بلا مدافعة، مع علمى بأحوال من عاصره
стр. 5526
من القضاة وغزير علمهم، ومع هذا كله، ليس فيهم أحد يدانيه فى ذلك، غير قاضى القضاة بدر الدين محمد بن عبد المنعم البغدادى الحنبلى، وإن كانت بضاعته مزجاة من العلوم، فهو أيضا كان من هذه المقولة، وليس حسن السيرة متعلقة بكثرة العلم وإنما ذلك متعلق: بالتحرى، والدين، والعقل، والحذق، والعفة.
وقد حكى لى صاحبنا محمد بن تلتى، قال: غضب علىّ السلطان بسبب تعلقات الذخيرة من جهة ميراث، ورسم أن أتوجه إلى القاضى الحنبلى، وأن يدّعى علىّ عنده، ويرسّم علىّ، فادّعى علىّ، فأجبت بجواب مرضىّ، فقال القاضى: اذهب إلى حال سبيلك، ليس لأحد عندك شىء. فقلت: أخشى من سطوة السلطان، لا بد أن أقيم فى الترسيم، فامتنع من ذلك، فقلت: أقيم على باب القاضى كأننى فى الترسيم خشية من السلطان، فأقمت نحو الشهر على بابه أحضر سماطه فى طرفى النهار، ورسل السلطان تترد إليه، وهو يردّ الجواب بأن لا حقّ لهم عندى، فلما أعياهم أمره، نقلونى من عنده إلى بيت بعض أعيان قضاة القضاة، ففى اليوم المذكور غرمت لحاشيته ثلاثين دينارا، وقرّر علىّ نحو المائة ألف درهم للسلطان بغير وجه شرعى، ولم أر وجه القاضى المذكور فى ذلك اليوم غير مرة واحدة، وإنما صرت بين أيدى حواشيه، كالفريسة يتناهبونى من كل جهة، حتى هان علىّ أنى أزن، مهما أرادوا، وأتخلص من أيديهم- انتهى.
قلت: وقد خرجنا عن المقصود بذكر هذه الحكاية عن القاضى الحنبلى، ووقع مثل هذا وأشباهه لقاضى القضاة بدر الدين هذا غير مرة، ومحصول الأمر: أنه كان عفيفا [١٩٧] ديّنا حسن السيرة مشكور الطريقة، بريّا عما يرمى به قضاة السوء، وكان ﵀، له سماع كثير فى الحديث وإلمام بالأدب، وله نظم جيد، ومما نظمه فى النوم فى طاعون سنة سبع وأربعين وأنشدنيه «١» قاضى القضاة بدر الدين المذكور، إجازة إن لم يكن سماعا: [الوافر]
стр. 5527
إله الخلق قد عظمت ذنوبى ... فّسامح، ما لعفوك من مشارك
أغث «١» يا سيدى عبدا فقيرا ... أناخ ببابك العالى ودارك
قلت: وهذا يشبه قول الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر، لنفسه، [﵀] : «٢»
[البسيط]
سرت وخلّفتنى غريبا ... فى الدار أصلى هوى بنارك
أدرك حشا حرّقت غراما ... فى ربعك المعتلى ودارك
ومن شعر القاضى بدر الدين أيضا، فيما يقرأ على قافيتين، مع استقامة الوزن:
[السريع]
جفوت من أهواه لا عن قلى ... فظلّ يجفونى يروم الكفاح
ثم وفى لى زائرا بعده ... فطاب نشر من حبيب وفاح
ومثل هذا أيضا للحافظ شهاب الدين بن حجر العسقلانى «٣» الشافعى: [السريع]
نسيمكم ينعشنى فى الدّجى ... طال، فمن لى بمجيء الصبّاح
ويا صباح الوجوه «٤» فارقتكم ... فشبت همّا إذ فقدت الصّباح
ومثله للشيخ شمس الدين محمد «٥» [بن الحسن بن على] «٦» النواجى «٧» [الشاعر
стр. 5528
المشهور] «١» : [الطويل]
خليلىّ هذا ربع عزّة فاسعيا ... إليه وإن سالت به «٢» أدمعى طوفان
فجفنى جفا طيب المنام وجفنها ... جفانى فيا لله من شرك الأجفان
ومثل ذلك، لقاضى القضاة صدر الدين على بن الأدمى «٣» الحنفى، وهو عندى مقدم على الجميع: [السريع]
يا متهمى بالسّقم كن منجدى ... ولا تطل رفضى فإنّى عليل «٤»
أنت خليلى فبحقّ الهوى ... كن لشجونى راحما يا خليل «٥»
وتوفى الأمير سيف الدين إينال بن عبد الله اليشبكى، أحد أمراء العشرات بالطاعون، فى يوم الأربعاء خامس عشر صفر. وكان أصله من مماليك الأتابك يشبك الشعبانى، وكان من المهملين، رحمه الله تعالى «٦» .
стр. 5529
وتوفى القاضى ولى الدين أبو اليمن محمد بن قاسم بن [عبد الله بن] «١» عبد الرحمن [بن محمد بن عبد القادر] «٢» الشيشينى الأصل، المحلّى، الشافعى، المعروف بابن قاسم، فى يوم الجمعة سابع عشر صفر. وكان فيه خفة روح ودعابة، ونادم الملك الأشرف برسباى، ونالته السعادة، وكان أولا يلى الحكم بالمحلة وغيرها، فلما تسلطن الملك الأشرف، قرّبه ونادمه لصحبة كانت بينهما قديمة، ثم استقر شيخ الخدام بالحرم النبوى، إلى أن طلبه الملك الظاهر جقمق، وصادره، ثم نادمه بعد ذلك، إلى أن مات. وكان دينا خيرا، إلا أنه كان مسّيكا جمّاعا للأموال، وكان سمينا جدا، لا يحمله إلا الجياد من الخيل.
وتوفى الأمير سيف الدين قراخجا بن عبد الله الحسنى الظاهرى، الأمير آخور الكبير، بالطاعون، فى يوم السبت ثامن عشر صفر، وتوفى ولده أيضا فى اليوم المذكور، فجهزا معا من الغد، وحضر السلطان الصلاة عليهما بمصلاة المؤمنى، ودفنا بالصحراء، وكان أصل قراخجا المذكور، من مماليك الملك الظاهر برقوق، وتأمّر بعد أمور وقعت له بعد موت الملك المؤيّد شيخ، وصار من جملة رؤوس النّوب، ثم نقله الملك الأشرف بعد سنين، إلى إمرة طبلخاناة، ثم صار رأس نوبة ثانيا، ثم مقدم ألف بالديار المصرية، إلى أن نقله الملك الظاهر جقمق، وجعله رأس نوبة النّوب، بعد الأمير تمراز القرمشى، بحكم انتقاله إلى الأمير آخوريّة، ثم نقل [١٩٨] قرا خجا بعد أشهر إلى الأمير آخورية بعد تمراز أيضا، فدام على ذلك حتى مات.
وكان أميرا جليلا شجاعا مقداما معظما فى الدول، عارفا بأنواع الفروسية، رأسا فى ذلك، مع العقل والديانة والصيانة والحشمة والوقار وكثرة الأدب؛ وهو أحد من أدركنا من الملوك العقلاء الرؤساء، رحمه الله تعالى؛ وهو صاحب المدرسة بالقرب من قنطرة طقزدمر خارج القاهرة.
стр. 5530
وتوفى السيد الشريف أبو القاسم بن حسن بن عجلان الحسنى المكّى المعزول عن إمرة مكة، قبل تاريخه، وكان قدم صحبة الحاج ليسعى فى إمرة مكة، فأدركته منيّته بالقاهرة، بالطاعون، فى ليلة الاثنين العشرين من صفر، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمنى من تحت القلعة.
وتوفيت «١» زوجة السلطان الملك الظاهر جقمق خوند نفيسة «٢» بنت الأمير ناصر الدين بك بن دلغادر، بالطاعون فى يوم الثلاثاء حادى عشرين صفر.
وتوفى الأمير سيف الدين بختك بن عبد الله الناصرى، أحد أمراء العشرات [وصهر يشبك الفقيه] «٣» بالطاعون، فى يوم الأربعاء ثانى عشرين صفر؛ وكان لا بأس به.
وتوفى الأمير مغلباى طاز بن عبد الله الساقى الظاهرى، بعد أن تأمّر بنحو العشرة أيام، فى يوم الأربعاء ثانى عشرين صفر، وكان من مماليك الملك الظاهر جقمق الأجلاب وأحد خواصّه، وكان لا ذات ولا أدوات.
وتوفى الشيخ الإمام العالم المعتقد محمد بن عبد الرحمن بن عيسى بن سلطان، المعروف بالشيخ محمد بن سلطان الغزّى الأصل، المصرى الدار والوفاة، الشافعى [الصوفى القادرى] «٤» ، فى يوم الأحد سادس عشرين صفر؛ وكان الناس فيه على قسمين: ما بين معتقد ومنتقد، والأول أكثر؛ وكان إماما عالما بفنون، وله اشتغال قديم، وله قدم فى العبادة والصلاح، وكان لا يتردد إلى أحد، والناس تتردد إليه من السلطان إلى من دونه [حتى وصفه غير واحد بالمنقطع ببيته] «٥» ، وكان يتهمه بعض الناس بمعرفة الكيميا أو طرف منها، لأنه عمر طويلا فى أرغد عيش
стр. 5531
ونعمة، ولم يقبل من أحد إلا نادرا، وكان شيخا منوّر الشيبة [عطر الرائحة] مفوّها فصيحا شاعرا عالما صوفيا، ومات وسنه أزيد من تسعين سنة فيما أظن، وهو متمتع بحواسه، رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين تمرباى بن عبد الله التّمر بغاوى رأس نوبة النوب بالطاعون، فى يوم الأربعاء تاسع عشرين صفر، وهو فى عشر الستين.
وكان أصله من مماليك الأمير تمربغا المشطوب نائب حلب.
ثم خدم عند الأمير ططر؛ فلما تسلطن ططر جعله دوادارا ثالثا، فدام على ذلك مدة، إلى أن نقله الملك الأشرف إلى الدوادارية الثانية، بعد موت جانبك الدوادار الأشرفى، فباشر الدوادارية الثانية على الجندية أياما.
ثم أنعم عليه بإمرة عشرة.
ثم بعد مدة طويلة، بإمرة طبلخاناة، ودام على ذلك، إلى أن أنعم عليه الملك العزيز يوسف «١» بن السلطان الملك الأشرف برسباى «٢» ، بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية.
ثم صار نائب الإسكندرية مدة.
ثم عزل واستقر رأس نوبة النّوب، بعد انتقال قراخجا الحسنى إلى الأمير آخورية، فدام على ذلك إلى أن مات. وكان يعف عن المنكرات ويتصدق كثيرا، غير أنه كان عاريا من كل علم وفن، مع حدة خلق وبذاءة لسان، رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين أركماس بن عبد الله المؤيدى الأشقر. المعروف بالبواب. أحد أمراء العشرات ورأس نوبة فى يوم السبت سلخ شهر ربيع الآخر وكان مهملا [زائد الغفلة] «٣» ، غير متجمل فى ملبسه ومركبه، إلا أنه كان مشهورا بالشجاعة والإقدام «٤» .
стр. 5532
وتوفى الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله المؤيدى، الأمير آخور الثانى، المعروف بسودون أتمكجى، أى خبّاز، فى يوم الاثنين ثانى عشر شهر رجب، وهو فى عشر الخمسين أو أكثر. واستقر بعده [١٩٩] الأمير يرشباى الإينالى، الأمير آخور الثالث، أمير آخور ثانيا. وكان سودون المذكور شجاعا مقداما عارفا بأنواع الفروسية، كريما حشما معظما فى الدول، وعنده تواضع وأدب، رحمه الله تعالى، فإنه كان من محاسن أبناء جنسه.
وتوفى الأمير سيف الدين بيسق اليشبكى نائب قلعة دمشق بها، فى شعبان، وكان من مماليك الأتابك يشبك الشعبانى، وتأمر فى دولة الملك الظاهر جقمق [خمسة ثم] «١» عشرة، ثم ولاه نيابة ثغر دمياط، ثم نيابة قلعة صفد.
ثم عزله وأنعم عليه أيضا بإمرة عشرة بمصر، [ثم ولاه نيابة دمياط] «٢» ثم ولاه نيابة قلعة دمشق بعد موت شاهين الطّوغانى، إلى أن مات. ونعم الرجل، كان [ذا] «٣» شجاعة وكرم وعقل وتواضع، لا أعرف فى اليشبكيّة من يقاربه فى معناه، رحمه الله تعالى.
وتوفى شرف الدين يحيى بن أحمد [بن عمر بن يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن إبراهيم بن محمد بن أبى بكر الشرف التنوخى الحموى الأصل الكركى المولد] «٤» الشهير بابن العطار، الشاعر المشهور، فى يوم الخميس سادس عشر ذى القعدة، ولم يكن يحيى المذكور من الأعيان، ولا ممن له عراقة ورئاسة سابقة «٥» لتشكر أفعاله أو تذم، وإنما كانت شهرته بصهارة أخيه، الأمير ناصر الدين محمد بن العطار، لبنى البارزى،
стр. 5533
فعرف لهذا المعنى «١» بين الناس. وكان له شعر، ويكتب المنسوب بحسب الحال، وكان أولا يتزيّا بزىّ الجند، وخدم دوادارا عند الشهاب، أستادّار المحلّة، ثم عند القاضى ناصر الدين بن للبارزى، فلم ينتج أمره، وعزل، ثم بعد مدة، ترك الجنديّة، وتزيّا بزىّ الفقهاء، وخدم موقّعا عند الزينى عبد الباسط ناظر الجيش، فملأه سبّا وتوبيخا منذ مباشرته عنده، إلى أن ملّ ذلك، وترك التوقيع، وانقطع إلى المقر الكمالى بن البارزى، وصار يتردد إلى الأكابر، ثم تردد فى الدولة الظاهرية، لخدمة أبى الخير النحاس، ومات وهو ملازم لصحبته.
وقد استوعبنا حاله بأوسع من هذا فى «المنهل الصافى» «٢» ، وذكرنا من شعره نبذة كبيرة، ونذكر منه هنا نبذة يسيرة، ليعلم بذلك طبقته فى نظم القريض، فإنه كان لا يحسن غيره، فمن شعره قوله: [الخفيف]
أهل بدر إن أحسنوا أو أساءوا ... أهل بدر فليفعلوا ما شاءوا «٣»
إن أفاضوا «٤» دمعى فكم قد أفادوا ... منّة من ودادهم وأفاءوا
وعيونى إن فجّروها عيونا ... بدموع «٥» كأنّهنّ دماء
لا تلمهم على احمرار دموعى ... فلهم عندى اليد البيضاء
أنا راض منهم وإن هم رضونى ... فسواء عندى القلى والقلاء
يا نزولا بمهجتى «٦» فى رياض ... من وداد أغصانها لفّاء
كلّ غصن عليه طائر قلبى ... صادح تقتدى به الورقاء
صدحه كلّه حنين ووجد ... واشتياق ولوعة وبكاء
منع السّهد طيفكم ولحظّى ... صار حتى من عندى الرّجاء
وعذولى يرى سلوّى فرضا ... أنا من رأيه علىّ براء
стр. 5534
يدّعى فى الهوى إخائى ونصحى ... ليت شعرى من أين هذا الإخاء؟
عينه عن محاسن الحبّ عميا ... ء وأذنى عن عذله صمّاء
وهى أطول من هذا، تزيد على ستين بيتا، كلها على هذا النسق «١» ، «٢» عفا الله تعالى عنه «٣» :
[٢٠٠] وتوفى السيد الشريف سراج الدين عبد اللطيف الفاسى الأصل، المكى المولد والمنشأ، الحنبلى، قاضى قضاة الحنابلة بمكة، بها، فى أواخر هذه السنة، عن سن عال، وكان سيدا كريما متواضعا، رحل إلى بلاد الشرق غير مرة، وأقبل عليه [القان معين الدين] شاه رخ بن تيمور وابنه ألوغ «٤» بك صاحب سمرقند، وعاد إلى مكة بأموال كثيرة، أتلفها فى مدة يسيرة، لكرم كان فيه، وهو «٥» أول حنبلى تولى القضاء بمكة استقلالا، رحمه الله تعالى «٦» .
وتوفى قاضى القضاة أمين الدين أبو اليمن محمد [بن محمد بن على بن أحمد بن العزيز الهاشمى العقيلى] «٧» النويرى الشافعى، قاضى قضاة مكة وخطيبها، فى ذى القعدة عن نحو ستين سنة تخمينا، وهو قاض، وكان فاضلا دينا خيّرا خطيبا فصيحا مفوها كثير الصوم والعبادة، مشكور السيرة فى أحكامه، فردا فى معناه، لم أر بمكة المشرفة فى مدة مجاورتى من يدانيه فى الطواف، وفى كثرة العبادة، رحمه الله تعالى «٨» .
أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وخمسة عشر أصبعا، مبلغ الزيادة:
ثمانية عشر ذراعا وثلاثة أصابع.
стр. 5535
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٥٤]
السنة الثالثة عشرة من سلطنة الملك الظاهر جقمق على مصر وهى سنة أربع وخمسين وثمانمائة.
فيها كان الشراقى العظيم «١» بمصر، والغلاء المفرط المتداول إلى سنة سبع وخمسين، وكان ابتداء الغلاء من السنة الخالية، لكنه عظم فى هذه السنة بوقع الشراقى، وتزايد، وبلغ سعر القمح إلى ألفى درهم الأردب، والحمل التبن إلى سبعمائة درهم، وقس على ذلك حسبما نذكره فى وقته، على طول السنين.
[فيها] «٢» توفى المسند «٣» المعمر شمس الدين محمد بن الخطيب عبد الله الرشيدى، الشافعى، خطيب جامع الأمير حسين بحكر النّوبى «٤» خارج القاهرة، فى يوم الجمعة حادى عشر شهر [ربيع الأول، ومولده فى ليلة رابع عشر] «٥» شهر رجب سنة تسع وستين وسبعمائة، وكانت له مسموعات كثيرة، وحدّث سنين وتفرّد بأشياء كثيرة، ولنا منه إجازة، وكان شيخا منوّر الشيبة فصيحا مفوها خطيبا بليغا، ﵀.
وتوفى الأمير سيف الدين شاد بك بن عبد الله الجكمى، أحد مقدمى الألوف بديار مصر، ثم نائب الرّها، ثم حماة، بطالا بالقدس، بعد مرض طويل، فى يوم الأربعاء ثانى شهر ربيع الأول؛ وكان أصله من مماليك الأمير جكم من عوض نائب حلب، وتنقل فى الخدم من بعده، إلى أن صار بخدمة الأمير ططر، فلما تسلطن ططر، قرّبه وأنعم عليه، ثم تأمّر عشرة بعد موته، وصار من جملة رؤوس النوب، ثم
следующие страницы →