← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

ثم ولاه نيابة حلب بعد عزل قرقماس الشعبانى [١٧٣] عنها «١» فدام بحلب إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، فبايعه ولبس خلعته، ثم عصى بعد ذلك- وليت الخمول عصى أولا قبل مبايعته، فكان يصير له عذر فى الجملة! - ثم وقع له بعد عصيانه ما حكيناه فى ترجمة الملك الظاهر جقمق، إلى أن انكسر وأمسك، ثم ضربت رقبته تحت قلعة حلب، وسنّه نحو الخمسين. وكان تغرى برمش رجلا طوالا مليح الشكل عاقلا مدبرا كثير الدهاء والمكر، وكان يجيد رمى النشاب ولعب الكرة، وكان عارفا بأمور دنياه وأمر معيشته، متجملا فى مركبه وملبسه ومماليكه، إلا أنه كان بخيلا شحيحا حريصا على جمع المال، قليل الدين لا يحفظ مسألة تامة فى دينه، مع قلة فهم وذوق، وغلاظة طبع، على قاعدة أوباش التركمان «٢» ، وكان عاريا من سائر العلوم والفنون، غير ما ذكرنا، لم أره منذ «٣» عمرى مسك كتابا بيده ليقرأه، هذا مع الجبن وعدم الثبات فى الحروب، وقلة الرأى فى تنفيذ العساكر؛ وما وقع له مع ناصر الدين بك بن دلغادر فى نيابته على حلب من الحروب والانتصار عليه، كل ذلك كان بكثرة الشوكة وسعد الملك الأشرف برسباى. وأما لما صار الأمر له، لم يفلح فى واقعة من الوقائع، بل صار كلما دبّر أمرا انعكس عليه، فإنه كان ظنّينا برأى نفسه، وليس له اطلاع فى أحوال السلف بالكلية، ولم يستشر «٤» أحدا فى أمره، فحينئذ خمل وأخمل وتمزقت جميع عساكره وخانه حتى مماليكه مشترواته، ومع هذا كله، هو عند القوم فى رتبة عليا من العقل والمعرفة والتدبير؛ وعذرهم أنه لو لم يكن كذلك [ما] «٥» صار أميرا- انتهى.

стр. 5462

ومات تغرى برمش، والمحضر المكتتب عليه بسبب قتله لشاهين، عندنا. وقد طلبه منى غير مرة وأنا أسوّف به من وقت إلى وقت، وأبدى له أعذارا غير مقبولة، وأورّى «١» له فى كلامى، فيمشى عليه «٢» ذلك ويطيب [خاطره] «٣» . إلى أن عصى، فطلبنى الملك الظاهر جقمق، وسألنى عن المحضر، فقلت: «عندى» ، فكاد يطير فرحا. ثم أفحش أمر تغرى برمش فى الحلبيّين حتى أوجب ذلك قتله بغير محضر ولا حكم حاكم. وتوفى الملك الظاهر هزبر الدين عبد الله ابن الملك الأشرف إسماعيل بن على بن داؤد بن يوسف بن عمر بن على بن رسول، التركمانى الأصل، اليمنى، صاحب بلاد اليمن، فى يوم الخميس سلخ شهر رجب؛ وكانت مدة ملكه اثنتى عشرة «٤» سنة؛ وفى أيامه ضعفت مملكة اليمن، لاستيلاء العربان على بلادها وأموالها؛ وأقيم بعده فى ملك اليمن: الملك الأشرف إسماعيل وله من العمر نحو العشرين سنة، فأساء السيرة، وسفك الدماء وقتل الأمير برقوقا «٥» التركى القائم بدولتهم، فى عدة أخر من الأتراك، ووقع له أمور كثيرة، ليس لذكرها هنا فائدة. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة وعشرون أصبعا؛ [مبلغ الزيادة: ثمانية عشر ذراعا وعشرون أصبعا] «٦» .

стр. 5463

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٤٣] السنة الثانية من سلطنة الملك الظاهر أبى سعيد «١» جقمق على مصر وهى سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة. وفيها توفى الأمير علاء الدين آقبغا بن عبد الله من مامش الناصرى [فرج] «٢» التركمانى، نائب الكرك، بعد أن عزل عنها وحبس بقلعتها فى أواخر هذه السنة، وله نحو سنين «٣» سنة من العمر، ولم يشتهر فى عمره بدين ولا شجاعة ولا كرم. وتوفى الأتابك آقبغا التّمرازى نائب الشام بها فجاءة، وهو على ظهر فرسه، فى صبيحة يوم السبت سادس عشر «٤» شهر ربيع الآخر، وسنه سبعون سنة تخمينا. وكان خبر موته: أنه ركب من دار السعادة بعد أن انفجر «٥» الفجر من اليوم المذكور، وسار إلى الميدان، ولعب [به] «٦» الرمح، وغيّر فيه عدة خيول، ثم ساق البرجاس «٧» وغيّر فيه أيضا أفراسا كثيرة، ثم ضرب الكرة مع الأمراء على عدة خيول، يغيّرها «٨» من تحته، إلى أن انتهى، وليس عليه ما يردّ البرد عنه، وسار إلى باب الميدان ليخرج منه، ومماليكه مشاة بين يديه، فقال الرأس نوبته: «مر المماليك ليأكلوا السماط» ، ثم مال عن فرسه، فاعتنقه رأس نوبته المذكور،

стр. 5464

وحمله وأنزله إلى قاعة عند باب الميدان، فمات [١٧٤] من وقته، ولم يتكلم كلمة واحدة غير ما ذكرناه. وكان أصله من مماليك الأمير تمراز الناصرى نائب السلطنة فى دولة الناصر فرج، ونسبه تمراز أستاذه بالناصرى، لأستاذه خواجا ناصر الدين، وقد تقدم ذكره فى الدولة الناصرية، وخدم آقبغا هذا بعد موته عند الأتابك دمرداش المحمدى ثم اتصل بخدمة [الملك] «١» المؤيّد شيخ، فرقّاه المؤيّد لسيادة كانت له فى لعب الرمح، وأنعم عليه بإمرة عشرة، ثم طبلخاناة، وجعله أمير آخور ثانيا، ثم أنعم عليه الأمير ططر بإمرة مائة وتقدمة ألف، وجعله من الأمراء المقيمين بالقاهرة، لما سافر بالملك المظفر أحمد إلى دمشق، ثم صار أمير مجلس فى أوائل الدولة الأشرفية برسباى، ثم ولى نيابة الإسكندرية بعد أسندمر النّورى «٢» الظاهرى [برقوق] «٣» ، مضافا على تقدمته، ثم عزل بعد سنين وأعيد إلى إمرة مجلس، إلى أن جعله الملك الظاهر جقمق أمير سلاح، ثم أتابك العساكر بالديار المصرية، كلاهما بعد قرقماس الشعبانى، فباشر الأتابكية أشهرا، وتولى نيابة دمشق لما عصى الأتابك إينال الجكمى، وقد تقدم ذكر ذلك كله فى أول ترجمة الملك الظاهر جقمق. هذا ولم تطل مدة نيابته على دمشق سوى أشهر، ومات. وكان عارفا بأنواع الفروسية كلعب الرمح وضرب الكرة وسوق المحمل والبرجاس، رأسا فى ذلك جميعه، إمام عصره فى ركوب الخيل ومعرفة تقليبها فى أنواع الملاعيب المذكورة، انتهت إليه الرئاسة فى ذلك بلا مدافعة، لا أقول ذلك كونه صهرى، بل أقوله على الإنصاف، مع دين وعفة عن المنكرات والفروج، وقيام

стр. 5465

ليل وزيارة الصالحين دواما، غير أنه كان مسّيكا، وعنده حدّة مزاج، ولم تكن شجاعته فى الحروب بقدر معرفته لأنواع الملاعيب والفروسية، رحمه الله تعالى. وتوفى الأمير سيف الدين طوخ بن عبد الله الناصرى المعروف بطوخ مازى «١» ، نائب غزة، فى ليلة السبت حادى «٢» شهر رجب. وأصله من مماليك [الملك] «٣» الناصر فرج، وتأمّر- بعد موت الملك المؤيّد شيخ- عشرة، وصار فى الدولة الأشرفية برسباى، من جملة رؤوس النّوب، ثم ترقى بعد سنين إلى إمرة طبلخاناة وصار رأس نوبة ثانيا، ثم ولى نيابة غزة بعد موت آقبردى القجماسى فى الدولة العزيزية يوسف، إلى أن مات، وكان متوسط السيرة منهمكا فى اللذات عاريا من كل علم وفن، عفا الله عنه. وتوفى الأمير سيف الدين يلبغا بن عبد الله البهائى الظاهرى نائب الإسكندرية بها، فى يوم الخميس ثالث عشر جمادى الأولى، وهو فى عشر السبعين، وكان أصله من مماليك [الملك] «٤» الظاهر برقوق، وكان يعرف بيلبغا قراجا، لأنه «٥» كان أسمر اللون تركى الجنس. وكان تأمّر قديما إمرة عشرة، ودام على ذلك سنين، إلى أن أنعم عليه الملك الظاهر جقمق بإمرة طبلخاناة والحجوبية الثانية، عوضا عن أسنبغا الطّيّارى، ثم ولّاه نيابة الإسكندرية، إلى أن مات بها. وكان من خيار الناس عقلا ودينا وسكونا وعفة، مع مشاركة فى الفقه وغيره، ويكتب الخط المنسوب، وكان فصيحا باللغة العربية، حلو الكلام جيد المحاضرة، يذاكر بالأيام السالفة مذاكرة حسنة لذيذة، وهو «٦» أحد من أدركناه من النوادر فى معناه، رحمه الله تعالى.

стр. 5466

وتوفى الأمير سيف الدين قطج «١» بن عبد الله من تمراز الظاهرى، بطّالا بالقاهرة، فى يوم الاثنين ثامن عشرين شهر رمضان، وكان أصله من أصاغر مماليك الظاهر برقوق، وتأمّر أيضا- بعد موت الملك المؤيّد شيخ- عشرة، ثم ترقى إلى أن صار فى الدولة الأشرفية أمير مائة ومقدّم ألف، ودام على ذلك سنين، إلى أن أمسكه الأشرف وسجنه بثغر الإسكندرية مدة، ثم أفرج عنه وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بحلب، ثم نقله إلى أتابكيّه حلب، بعد نقل قانى باى البهلوان، إلى أتابكية دمشق، بحكم وفاة تغرى بردى المحمودى بآمد، فدام على ذلك سنين، إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، فقدم القاهرة، واستعفى من أتابكية حلب، فأعفى، يريد بذلك أن يكون من جملة أمراء مصر؛ فلم يكترث [١٧٥] المالك الظاهر بأمره، ودام بطّالا إلى أن مات. وكان يتمفقر فى حياته ويطلب من الأمراء، فلمّا مات، ظهر له مال كبير «٢» ، فأخذه من يستحقه، ولله درّ أبى الطيب المتنبى فيما قال فى هذا المعنى: [الطويل] ومن ينفق الساعات فى جمع ماله ... مخافة فقر فالذى فعل الفقر وتوفى الأمير سيف الدين سودون الظاهرى المغربى أحد أمراء العشرات والحجاب، ثم نائب ثغر دمياط، بطّالا بالقدس؛ وكان أيضا من مماليك [الملك] «٣» الظاهر برقوق، وتأمّر عشرة، وصار من جملة الحجاب فى الدولة الأشرفية برسباى، ثم ولى نظر القدس فى بعض الأحيان، ثم ولى نيابة دمياط، إلى أن أمسكه الملك الظاهر وحبسه مدة، ثم أخرجه إلى القدس بطّالا، إلى أن مات.

стр. 5467

وكان دينا خيرا عفيفا عن القاذورات، عارفا بأنواع الفروسية باجتهاده، فكان خطأه «١» فيه أكثر من صوابه، وكان يتفقّه، ويكثر من الاشتغال دواما، لا سيما لما اشتغل فى النحو فضيع فيه زمانه، ولم يحصل على طائل، لقصر فهمه وعدم تصوره، وكان يلح فى المسائل الفقيهة ويبحث فيها أشهرا، ولا يرضى إلا بجواب سمعه قديما من كائن من كان؛ وكان هذا سبب نفيه، فإنه بحث مرة مع الأمير بكتمر السعدى بحثا، فأجابه بكتمر بالصواب، فلم يرض بذلك سودون هذا، وألحّ فى السؤال على عادته، فنهره الملك الظاهر جقمق، وهو يوم ذاك أمير آخور، وقال له: «أنت حمار!» ، واحتدّ عليه، فقال سودون: «العلم ليس هو بالإمرة وإنما هو بالأعلم» . فحنق الملك الظاهر منه أكثر وأكثر، وانفض المجلس. وكان فيه أنواع ظريفة فى حكمه بين الناس، منها: أنه يتحقق فى عقله أن الحقّ لا يزال مع الضعيف من الناس، وأن القوىّ لا يزال يجبر الضعيف، فصار كلما دخل إليه خصمان فينظر إليهما، فيكون أحد الأخصام جنديا والآخر فلاحا، والحقّ مع الجندى، فلا يزال سودون يميل مع الفلاح ويقوّى كلامه وحجته، ويوهى كلام الجندى ودعواه، حتى يسأل الجندىّ فى المصالحة، أو يأخذ فلاحه ويذهب، إن كان له شوكة، هذا بعد أن يوبخ الجندىّ ويعظه ويحذره عقوبة الله ، ويذكر له أفعال أبناء جنسه من المماليك. وكان عنده كثرة كلام مع نشوفة، ولهذا سمى بالمغربى «٢» ، فلما تكرر منه ذلك وعرف الناس طبعه، ترامى الضعفاء عليه من الأماكن البعيدة، فانتفع به أناس وتضرر به آخرون؛ على أنه كان غالب اجتهاده فى خلاص الحق على قدر ما تصل قدرته إليه، رحمه الله تعالى. وتوفى قاضى قضاة حلب علاء الدين على بن محمد بن سعد بن محمد بن على بن عثمان

стр. 5468

الحلبى الشافعى، قاضى حلب، وعالمها ومؤرخها، المعروف بابن خطيب الناصرية «١» ، فى ليلة الثلاثاء تاسع ذى القعدة، بحلب. ومولده فى سنة أربع وسبعين وسبعمائة؛ وكان إماما عالما بارعا فى الفقه والأصول والعربية والحديث والتفسير، وأفتى ودرّس بحلب سنين، وتولى قضاءها، وقدم القاهرة غير مرة، وله مصنّفات منها: كتابه المسمى بالمنتخب فى تاريخ حلب، ذيّله على تاريخ ابن العديم، لكنه لم يسلك فيه ما شرطه فى الاقتداء بابن العديم، وسكت عن خلائق من أعيان العصر ممن ورد إلى حلب، حتى قال بعض الفضلاء: «هذا ذيل قصير إلى الركبة» . وكان، سامحه الله، مع فضله وعلمه، يتساهل فى تناول معالمه «٢» فى الأوقاف بشرط الواقف وبغير شرط الواقف، وكان له وظائف ومباشرة فى جامع الوالد بحلب، فكان يأخذ استحقاقه واستحقاق غيره، وكان له طولة روح واحتمال زائد لسماع المكروه، بسبب ذلك، وهو على ما هو عليه، ولسان حاله يقول: «لا بأس بالذل فى تحصيل المال» . وكان يتولى القضاء بالبذل، ويخدم أرباب الدولة بأموال كثيرة. وملخص الكلام: أنه كان عالما غير مشكور السيرة، وكان به صمم خفيف. وتوفى قاضى المدينة النبوية جمال الدين محمد بن أحمد بن محمد بن محمود بن إبراهيم ابن أحمد الكازرونى الأصل [١٧٦] المدنى المولد والمنشأ والوفاة، الشافعى، فى يوم الأربعاء عاشر ذى القعدة، ودفن بالبقيع ومولده سنة سبع وخمسين وسبعمائة؛ وكان بارعا فى الفقه وله مشاركة فى غيره، وتولى قضاء المدينة فى بعض الأحيان، ثم ترك ذلك ولزم العلم إلى أن مات. وتوفى مجد الدين ماجد بن النّحّال الأسلمى القبطى كاتب المماليك السلطانية،

стр. 5469

فى ليلة السبت سادس ذى الحجة، وكان أصله من نصارى مصر القديمة، وخدم فى عدة جهات وهو على دين النصرانية، ودام على ذلك إلى أن أكرهه الأمير نوروز الحافظى على الإسلام، فأظهر الإسلام وأبقى جميع ما عنده من النسوة والخدم على دين النصرانية، وهو والد فرج بن النحال وزير زماننا هذا وأستادّاره، ثم قدم ماجد عند الأمير جقمق الدّوادار، ثم ترقى إلى أن ولى كتابة المماليك السلطانية سنين، إلى أن مات. وكان فيه مروءة وخدمة لأصحابه، وأما غير ذلك فالسكات أجمل. وما أظرف ما قال الشيخ تقي الدين المقريزى ﵀، لما ذكر وفاته بعد كلام طويل، إلى أن قال: «وكان لا دين ولا دنيا» . أمر النيل [فى هذه السنة] «١» : الماء القديم أربعة أذرع وعشرة «٢» أصابع؛ مبلغ الزيادة: عشرون ذراعا وأحد عشر إصبعا.

стр. 5470

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٤٤] السنة الثالثة من سلطنة الملك الظاهر جقمق على مصر وهى سنة أربع وأربعين وثمانمائة. فيها توفى الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير صارم الدين إبراهيم، ابن الأمير الوزير منجك اليوسفى بدمشق، فى يوم الأحد خامس عشر شهر ربيع الأول، وهو فى عشر السبعين. وكان مولده بدمشق، وأعطى بها إمرة فى دولة الملك المؤيّد شيخ، وحظى عنده إلى الغاية، ثم صار على منزلته فى الرفعة وأعظم عند الملك الأشرف برسباى، حتى أنه كان يجلس فوق أمير سلاح، وكان إذا حضر مجلس السلطان لا يتكلم السلطان مع غيره إلا لحاجة، إجلالا له؛ وكان يقدم القاهرة فى كل سنة مرة فى مبادئ فصل الشتاء، ثم يعود إلى دمشق فى مبادئ فصل الصيف؛ وفى الجملة: أنه كان محظوظا من الملوك إلى الغاية من غير أمر يوجب ذلك. وقد حاضرته كثيرا فى مبادئ عمرى، فلم أجد له معرفة بعلم من العلوم، ولا فن من الفنون، غير لعب الكرة وأنواع الصيد بالجوارح فقط، والمال الكثير مع بخل وشح زائد يضرب به المثل؛ وكنت أراه يكثر السكوت؛ فأقول: «هذا لغزير عقله» «١» ، وإذا به من قلة رأس ماله. وقد حكى لى عنه بعض أكابر أعيان المملكة، قال: لما خرج قانى باى نائب الشأم عن طاعة المؤيّد، وعلم بذلك أعيان أهل دمشق، اجتمعوا بمكان يشتورون فيما يفعلون، لئلا يقبض عليهم قانى باى المذكور، وهم مثل القاضى: نجم الدين بن حجّىّ، والقاضى شهاب الدين بن الكشك، والشريف شهاب الدين، وخواجه شمس الدين ابن المزلق، وابن مبارك شاه، وابن منجك، وجماعة أخر من الأمراء وغيرهم، فأخذ ابن منجك يتكلم، فقال له القاضى شهاب الدين بن الكشك، متهكما عليه فى الباطن:

стр. 5471

«يا أمير محمد، أنت رجل غزير العقل «١» والرأى، ونحن ضعفاء العقول. لا تكلمنا على قدر عقلك، وإنما تحدّث معنا بقدر عقولنا» ؛ فقال ابن منجك المذكور: «إذا لا أحدثكم إلا على قدر عقولكم» . فقالوا: «الآن تعمل المصلحة» . وتكلموا فيما هم بصدده؛ قلت: هذا هو الغاية فى الجهل والتفنن فى الجنون؛ فإن كل واحد ممن كان اجتمع فى ذلك المجلس، يمكن أن يدبر مملكة سلطان وينفذ أموره على أحسن وجه- انتهى. وتوفى قاضى القضاة شيخ الإسلام محبّ الدين أبو الفضل أحمد بن الشيخ الإمام العلامة جلال الدين نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر التّسترى «٢» الأصل، البغدادى الحنبلى قاضى قضاة الديار المصرية، وعالم السادة الحنابلة فى زمانه، فى يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى بالقاهرة، وهو قاض؛ وتولى بعده قاضى القضاة بدر الدين محمد ابن عبد المنعم البغدادى، وكان مولد القاضى [١٧٧] محب الدين ببغداد فى شهر رجب سنة خمس وخمسين وسبعمائه، واشتغل بها وتفقه، وقدم القاهرة فى أول القرن واشتغل بها، حتى برع فى الفقه وأصوله والحديث والعربية والتفسير، وتصدى للإفتاء والتدريس سنين، وناب فى الحكم بالقاهرة عن القاضى علاء الدين بن مغلى، وبرع حتى صار المعوّل على فتواه، ثم ولى قضاء الحنابلة بعد موت قاضى القضاة علاء الدين بن مغلى فى يوم الاثنين سابع عشرين صفر سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، ودام فى الوظيفة إلى أن

стр. 5472

عزل بالقاضى عزّ الدين عبد العزيز بن على بن العز البغدادى، فى ثالث عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين، فلم تطل ولاية عز الدين، وعزل، وأعيد القاضى محبّ الدين هذا فى يوم الثلاثاء ثانى عشر صفر سنة ثلاثين، واستمر قاضيا إلى أن مات، وقد ذكرنا أحواله ومشايخه فى تاريخنا «المنهل الصافى [والمستوفى بعد الوافى» ] بأوسع من هذا فلينظر هناك «١» . وتوفى سعد الدين إبراهيم القبطى المصرى، المعروف بابن المرة «٢» ، فى يوم الخميس عاشر شهر ربيع الآخر بالقاهرة، وهو فى عشر السبعين، بعد أن افتقر واحتاج إلى السؤال، وكان ولى نظر ديوان المفرد [فى الأيام الأشرفية برسباى] «٣» ، ونظر بندر جدّة سنين كثيرة، وحصل له ثروة وعزوجاه، ثم زال عنه ذلك كله، ومات فقيرا، صدّق عليه بالكفن. وتوفى الأمير ناصر الدين محمد المرداوى المعروف بابن بوالى، وهو اسم كردى غير كنية. مات بدمشق، بعد أن ولى أستادّارية السلطان بالديار المصرية، ثم عزل وولى أستادّارية السلطان بدمشق، إلى أن مات. وقد تقدم ذكره فى ترجمة الملك الأشرف برسباى، عند ما ولى الأستادّارية عوضا عن أرغون شاه النّوروزى؛ وكان من الظّلمة، يقضى عمره فى مظالم العباد. وتوفى الأمير علاء الدين ألطنبغا بن عبد الله المرقبى المؤيدى أحد أمراء الألوف بالديار المصرية، فى يوم الاثنين عاشر شهر رجب، وكان من كبار مماليك الملك المؤيد شيخ، من أيام جنديته، ورقاه بعد سلطنته، وعمله نائب قلعة حلب، ثم أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، ثم ولاه حجوبية الحجاب، إلى أن أمسكه الأمير ططر مع من أمسك من أمراء المؤيدية، وحبس مدة، ثم أطلق، ودام بطّالا دهرا طويلا،

стр. 5473

إلى أن أنعم عليه الملك الظاهر جقمق بإمرة مائة وتقدمة ألف بمصر، فى أوائل دولته، فدام على ذلك إلى أن مات رحمه الله تعالى. وتوفى زين الدين قاسم البشتكى فى يوم السبت ثانى شهر رجب، وكان يتفقّه ويترأس، وتزوج بنت الأشرف شعبان، وكان مقربا من الملوك، وهو من مقولة ابن منجك فى نوع من الأنواع، غير أنه كانت لديه فضيلة بالنسبة إلى ابن منجك. وتوفى الأمير سيف الدين ممجق «١» بن عبد الله النّوروزى أحد أمراء العشرات، ونائب قلعة الجبل فى يوم مستهل شهر رجب، وكان أصله من مماليك الأمير نوروز الحافظى، واتصل بخدمة السلطان، فدام على ذلك دهرا طويلا، لا يلتفت إليه، إلى أن أمّره الملك الظاهر جقمق عشرة، وجعله نائب قلعة الجبل؛ فاستمر على وظيفته إلى أن مات. وكان لا ذات ولا أدوات، وتولى تغرى برمش الجلالى المؤيّدى الفقيه نيابة قلعة الجبل بعده، وأنعم عليه أيضا بإمرته. وتوفى القاضى شهاب الدين أحمد بن أبى بكر بن رسلّان [بن نصير بن صالح بن شهاب بن عبد الخالق بن محمد بن مسافر الشهاب] «٢» البلقينى «٣» ، [ثم المحلى] «٤» ، الشافعى المعروف بالعجيمى «٥» ، قاضى المحلة [فى يوم الأربعاء] «٦» رابع عشر جمادى الأولى، وكان من فضلاء الشافعية، وتولى قضاء المحلة سنين. وتوفى الأمير الطّواشى صفى الدين جوهر بن عبد الله القنقبائى الخازندار والزّمام، فى ليلة الاثنين أول شعبان، وله نحو سبعين» سنة، ودفن بمدرسته التى أنشأها بجوار

стр. 5474

جامع الأزهر، قبل أن تتم؛ وكان أصله من خدام الأمير قنقباى الإلجائى اللالا، ثم خدم بعد موت أستاذه عند خوند قنقباى أم الملك المنصور عبد العزيز، ثم من بعدها عند جماعة أخر، ثم اتصل بخدمة علم الدين [١٧٨] داؤد بن الكويز، ودام عنده إلى أن مات. وبخدمته «١» حسنت حاله، ثم صار بعد ذلك بطّالا، إلى أن نوّه بذكره صاحبه جوهر اللّالا، ولا زال يعظم أمره عند الملك الأشرف برسباى إلى أن طلبه وولاه خازندارا دفعة واحدة، بعد خشقدم الظاهرى الرومى، ولم تسبق لجوهر المذكور قبل ولايته الخازندارية رئاسة فى بيت السلطان، فباشر الخازندارية بعقل وتدبير ورأى فى الوظيفة، وناله من العز والجاه ونفوذ الكلمة ما لم ينله طواشى قبله فيما رأينا. ومات الملك الأشرف وهو على وظيفته، لحسن سياسته، ثم أضاف إليه الملك الظاهر وظيفة الزّمامية بعد عزل فيروز الجاركسى «٢» ، لما تسحّب الملك العزيز يوسف من الدّور السلطانية، حسبما تقدم ذكره، واستمر على وظيفة الزّمامية والخازندارية إلى أن مات من غير نكبة. ولم يخلّف ما لا له جرم بالنسبة لمقامه، فعظم ذلك على الملك الظاهر، فإنه كان فى عزمه أخذ ماله بوجه من الوجوه، وفطن جوهر بذلك وأدركته منيته ومات من غير أن يعلم أحدا بماله «٣» ، وكان جوهر عفيفا دينا عاقلا مدبرا سيوسا فاضلا يقرأ القرآن الكريم بالسبع، وله صدقات ومعروف، غير أنه دخل فى الدنيا واقتحم منها جانبا كبيرا، وصار من المخلطين «٤» ، وهو أحد من أدركناه من عقلاء الخدام، رحمه الله تعالى «٥» . وتوفى القاضى شرف الدين أبو بكر بن سليمان الأشقر المعروف بابن العجمى، الحلبى الأصل والمولد والمنشأ المصرى الدار والوفاة، نائب كاتب السر الشريف

стр. 5475

بالديار المصرية، فى يوم الأربعاء تاسع شهر رمضان، وهو فى عشر الثمانين، بعد أن رشّح لوظيفة كتابة سر مصر غير مرة، فلم يقبل؛ ثم ولاه الملك الأشرف كتابة سر حلب على كره منه، عوضا عن زين الدين عمر بن السفاح، فباشر ذلك مدة، ثم عزل بعد أن استعفى، وأعيدت إليه وظيفة نيابة كتابة السر، وولى كتابة سر حلب عوضه ولده القاضى معين «١» الدين عبد اللطيف. وكان شرف الدين «٢» المذكور رجلا عاقلا سيوسا عارفا بصناعة الإنشاء، قام بأعباء ديوان الإنشاء عدة سنين، وخدم عدة ملوك، وكان مقربا من خواطرهم محببا إليهم، رحمه الله تعالى. وتوفى شمس الدين محمد بن شعبان، فى حادى عشرين شوال، عن نيف وستين سنة، بعد أن ولى حسبة القاهرة بالسعى مرارا كثيرة؛ وكان عاميا يتزيا بزى الفقهاء، حدثنى من لفظه، قال: «ولّيت حسبة القاهرة نيف وعشرين مرة» ، فقلت له: «هذا هجو فى حقك، لا تتكلم به بعد ذلك، لأنك تسعى وتلى ثم تعزل بعد أيام قلائل، وتكرر لك ذلك غير مرة، فهذا مما يدل على عدم اكتراث أهل الدولة بشأنك، وإهمالهم أمرك» ، فلم يعد إلى ذكرها بعد ذلك. وتوفى الشيخ الإمام العالم نور الدين على بن عمر بن حسن بن حسين بن على بن صالح الجروانى «٣» الأصل، ثم التلوانى «٤» ، الشافعى الفقيه العالم المشهور، فى يوم الاثنين ثالث عشرين ذى القعدة، وكان أصله من بلاد الغرب «٥» ، وسكن والده جروان ولى قرية بالمنوفية من أعمال القاهرة بالوجه البحرى، فولد له بها ابنه نور الدين هذا بعد سنة ستين وسبعمائة، فنشأ بجروان، ثم انتقل إلى تلوانة [من قرى المنوفية] «٦» ، فعرف بالتلوانى، ثم قدم القاهرة وطلب العلم، ولازم شيخ

стр. 5476

الإسلام سراج الدين البلقينى، حتى أجازه بالفتوى والتدريس، فتصدى الشيخ نور الدين من تلك الأيام للإقراء والتدريس، وانتفع به جماعة من الطلبة، وتولّى عدة وظائف دينية، وتداريس عديدة، منها مشيخة الرّكنيّة «١» ، ثم تدريس قبة الشافعى بالقرافة. وكان دينا خيرا جهورىّ الصوت صحيح البنية، وله قوة، وفيه كرم وإفضال وهمة عالية، رحمه الله تعالى. [وتوفى الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن عمّار بن محمد بن أحمد، أحد علماء المالكية، فى يوم السبت رابع عشر ذى الحجة، وقد أناف على السبعين، بعد أن أفتى ودرّس عدة سنين، رحمه الله تعالى] «٢» . أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم، ستة أذرع وأربعة أصابع؛ مبلغ الزيادة: عشرون ذراعا وأحد وعشرون أصبعا.

стр. 5477

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٤٥] السنة الرابعة من سلطنة الملك الظاهر جقمق على مصر وهى سنة خمس وأربعين وثمانمائة. وفيها توفى الخليفة أمير المؤمنين [١٧٩] المعتضد بالله أبو الفتح داؤد، ابن الخليفة المتوكل على الله أبى عبد الله محمد، ابن الخليفة المعتضد بالله أبى بكر، ابن الخليفة المستكفى بالله أبى الربيع سليمان، ابن الخليفة الحاكم بأمر الله أبى العباس أحمد بن حسين بن أبى بكر بن على بن الحسين، ابن الخليفة الراشد بالله منصور، ابن الخليفة المقتدى بالله عبد الله، ابن الأمير ذخيرة الدين محمد، ابن الخليفة [القائم بأمر الله عبد الله، ابن الخليفة القادر بالله أحمد، ابن الأمير الموفق ولى العهد طلحة، ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر، ابن الخليفة المعتصم بالله محمد، ابن] «١» الخليفة الرشيد بالله هرون، بن الخليفة المهدى «٢» بالله محمد، ابن الخليفة أبى «٣» جعفر المنصور عبد الله، ابن [محمد بن على، ابن عبد الله بن] «٤» عباس بن عبد المطلب الهاشمى العباسى المصرى، فى يوم الأحد رابع «٥» شهر ربيع الأول، بعد مرض تمادى به أياما؛ وحضر السلطان الملك الظاهر جقمق الصلاة عليه [بمصلّاة] «٦» المؤمنى، ودفن بالمشهد النفيسى. وكانت خلافته تسعة وعشرين «٧» سنة وأياما، وتولى الخلافة من بعده أخوه شقيقه المستكفى بالله سليمان، بعهد منه إليه. وكان المعتضد خليقا للخلافة، سيّد بنى العباس فى زمانه، أهلا للخلافة بلا مدافعة، وكان كريما عاقلا حليما متواضعا دينا خيرا

стр. 5478

حلو المحاضرة كثير الصدقات والبر، وكان يحب مجالسة العلماء والفضلاء، وله مشاركة مع فهم وذكاء وفطنة. وقد أوضحنا أمره فى تاريخنا «١» «المنهل الصافى» بأوسع «٢» من هذا «٣» ، إذ هو كتاب تراجم على حدته «٤» . وتوفى الشيخ محبّ الدين بن الأوجاقى الحنفى، فى يوم الاثنين ثالث عشرين شهر رجب، بعد مرض طويل؛ وكانت لديه فضيلة، وفيه تدين وخير، وللناس فيه اعتقاد. وتوفى الشيخ الأديب المعروف بابن الزين بالوجه البحرى فى مستهل شهر ربيع الأول، بعد أن مدح النّبيّ ﷺ ، بما ينيف على عشرة آلاف قصيدة؛ قاله غير واحد. وتوفى الشيخ الإمام العالم المحدث المفنن، عمدة المؤرخين، ورأس المحدثين، تقىّ الدين أحمد بن على بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد البعلبكى الأصل المصرى المولد والوفاة المقريزى الحنفى، ثم الشافعى؛ هذا «٥» ما نقلناه من خطه، وأملى علىّ نسبه الناصرىّ محمد ابن أخيه بعد وفاته، إلى أن رفعه إلى علىّ بن أبى طالب من طريق الخلفاء الفاطميين، وذكرناه فى غير هذا المصنف- انتهى. وكانت وفاته فى يوم الخميس سادس عشر شهر رمضان ودفن من الغد بمقابر

стр. 5479

الصوفية، خارج باب النصر، ووهم قاضى القضاة بدر الدين محمود العينى فى تاريخ وفاته، فقال: فى يوم الجمعة التاسع والعشرين من شعبان- انتهى. سألت الشيخ تقي الدين، ﵀، عن مولده فقال: «بعد الستين وسبعمائة بسنيّات» . وكان مولده بالقاهرة، وبها نشأ وتفقه على مذهب الإمام الأعظم أبى حنيفة، وهو مذهب جده لأمه الشيخ شمس الدين محمد بن الصائغ الحنفى، ثم تحول شافعيا بعد مدة، [وذلك بعد موت والده فى سنة ست وثمانين] «١» [وسبعمائة] ، لأمر اقتضى ذلك، واشتغل على مذهب الشافعى؛ وسمع الكثير على عدة مشايخ، ذكرنا أسماء غالبهم فى ترجمته فى «المنهل الصافى» «٢» مع مصنفاته باستيعاب يضيق هذا المحل عن ذلك «٣» . وكان الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى إماما بارعا مفننا [متقنا] «٤» ضابطا دينا خيرا محبا لأهل السنة، يميل إلى الحديث والعمل به، حتى نسب إليه مذهب الظاهر «٥» ، وكان فيه تعصب على السادة الحنفية بغير لباقة؛ يعرف ذلك من مصنفاته، وفى الجملة هو أعظم من رأيناه وأدركناه «٦» فى علم التاريخ وضروبه، مع معرفتى لمن عاصره من علماء المؤرخين، والفرق بينهم [ظاهر] «٧» ؛ وليس فى التعصب فائدة. وتوفى قاضى الإسكندرية جمال الدين عبد الله بن الدّمامينى المالكى الإسكندرى بها فى يوم الأحد رابع ذى القعدة، وكان مشهورا بالسماحة، إلا أن بضاعته من العلوم كانت مزجاة «٨» . أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم عشرة أذرع ونصف؛ مبلغ الزيادة عشرون ذراعا وخمسة عشر أصبعا؛ وكان الوفاء سادس عشرين أبيب.

стр. 5480

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٤٦] السنة الخامسة من سلطنة الملك الظاهر جقمق على مصر وهى سنة ست وأربعين وثمانمائة. وفيها توفى الشيخ الإمام العالم العامل العلامة، نور الدين عبادة بن على بن صالح بن عبد المنعم بن سراج بن نجم بن فضل [ابن فهد بن عمر، والعلامة زين الدين الأنصارى الخزرجى] «١» الزّرزاوى الفقيه المالكى المعروف بالشيخ عبادة [١٨٠] ، شيخ السادة المالكية، وعالمها بالديار المصرية، فى يوم الجمعة سابع شوال، وصلى عليه صاحبه الشيخ مدين بجامع الأزهر. ومات ولم يخلّف بعده مثله علما ودينا. وكان مولده فى جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وسبعمائة ببلده زرزا «٢» ، وطلب العلم وسمع الحديث واشتغل على علماء عصره، حتى برع فى الفقه والأصلين والعربية، وأفتى ودرّس، واشتغل سنين كثيرة، وانتفع به الطلبة، وسئل بالقضاء بعد موت العلامة شمس الدين البساطى المالكى، فامتنع، فألح عليه السلطان بالولاية، وألزمه بها غصبا، فلما رأى تصمّم السلطان على ولايته، وأنه لا يستطيع دفعه، قال: «حتى أستخير الله» . وفرّ من يومه من القاهرة، واختفى ببعض الأماكن، إلى أن ولّى السلطان القاضى بدر الدين محمد بن التّنسى، فلما بلغه ذلك حضر [إلى] «٣» القاهرة بعد أيام كثيرة. وهذا شىء لم يقع لغيره فى عصرنا هذا، فإننا لا نعلم من سئل بالقضاء وامتنع غيره، وأما سواه فهم «٤» على أقسام: قسم يتنزه عن الولاية، [و] «٥» يظهر ذلك حيلة، حتى يشاع عنه ذلك، فإذا طلب بعد ذلك للقضاء يأخذ فى التمنع، وفى ضمن

стр. 5481

تمنعه يشرط على السلطان شروطا، يعلم هو وكلّ أحد أنها لا تتم له، وإنما يقصد بذكرها إلا نوعا من الإجابة، لكونه كان امتنع أولا، فلا يمكنه القبول إلا بهذه الدورة، فلم يكن بمجرد ذكره للشروط، إلا وقد صار فى الحال قاضيا؛ ووقع ذلك لجماعة كثيرة فى عصرنا. وقسم آخر: [هم] «١» الذين يسعون فى الولاية سعيا زائدا، ويبذلون الأموال، ويتضرعون لأرباب الدولة، ويخضعون لهم، وهيهات! هل يسمح لهم بذلك أم لا! فلله درّ الشيخ عبادة فيما فعل، لأننا شاهدنا منه ما سمعناه عن السلف، ورأينا من زهده وعفته ما ورثه عنه الخلف. واستمر بعد ذلك سنين على حاله من ملازمة العلم والعمل، إلى أن مات رحمه الله تعالى «٢» . وتوفى قاضى القضاة عزّ الدين عبد العزيز «٣» بن العز البغدادى الحنبلى، قاضى قضاة الحنابلة بالديار المصرية، ثم بدمشق، [و] «٤» بها مات فى أواخر هذه السنة؛ وتولى عوضه قضاء دمشق ابن مفلح [على عادته] «٥» أولا، وكان القاضى عزّ الدين فقيها دينا متقشفا، عديم التكلف فى ملبسه ومركبه، مع دهاء ومكر ومعرفة تامة، وقد مرّ من ذكره، أنه لما ولى القضاء بالديار المصرية، صار يمشى فى الأسواق لحاجته ويردف عبده على بغلته، وأشياء من هذا النسق. وكانت «٦» جميع ولاياته من غير سعى، وكان يصحب الوالد، واستمرت الصحبة بيننا إلى أن مات ﵀. وتوفى جمال الدين عبد الله [بن الحسن بن على بن محمد بن عبد الرحمن الدمشقى

стр. 5482

الأصل] «١» الأذرعى «٢» ، أخو الإمام شهاب الدين، بالقاهرة فى يوم الاثنين سابع عشر شوال؛ وكان عاريا من كل علم وفن. وتوفى الشيخ الواعظ جمال الدين السنباطى الشافعى، أحد نواب الحكم بالقاهرة، فى يوم الخميس تاسع عشرين شهر رمضان، بعد مرض طويل عن ثمانين سنة؛ وكان يعمل المواعيد «٣» بالمساجد والجوامع، وعلى وعظه أنس ورونق، وكان يقرأ أيضا على الكرسى «٤» بين يدى صهرى شيخ الإسلام جلال الدين عبد الرحمن البلقينى فى صبيحة كل يوم جمعة، فيقرأ ساعة ثم إذا سكت، ابتدأ شيخ الإسلام فى عمل الميعاد، وكان هذا دأبه إلى أن مات ﵀ [تعالى] «٥» . وتوفى الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله بن حسن بن محمد [بن أحمد بن عبد الكريم بن عبد السلام] «٦» الأدكوى الأصل ثم الفوّىّ، كاتب سر الديار المصرية، وناظر جيشها وخاصّها، والوزير بها، ثم الأستادّار، ثم محتسب القاهرة، فى يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول، ودفن بتربته بالصحراء، بعد ما كبر سنه، واختلط عقله. وكان

стр. 5483

مولده بفوّة من المزاحميين، فى ليلة الثلاثاء ثالث عشر ربيع الأول سنة ست وستين «١» وسبعمائة، وبها نشأ وتعلق على الخدم الديوانية، فباشر فى عدة جهات، ثم انتقل إلى القاهرة، ولا زال يترقى حتى ولى نظر جيش مصر، ثم وزر بها، ثم ولى الخاصّ؛ كل ذلك فى الدولة الناصرية فرج. ثم ولى [١٨١] الوزارة والخاصّ أيضا فى دولة الملك المؤيّد شيخ، ثم صودر ونكب غير مرة، ثم ولى الأستادّارية فى دولة الملك الصالح محمد، ثم عزل وولى الخاصّ ثانيا عوضا عن مرجان الخازندار، ثم ولى الأستادارية ثانيا فى دولة الأشرف برسباى، عوضا عن ولده صلاح الدين محمد، وعزل عن نظر الخاص بالقاهرة «٢» [بالقاضى] «٣» كريم عبد الكريم ابن كاتب جكم، فى أوائل جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وعزل بعد مدة وصودر هو وولده صلاح الدين، ثم ولى الأستادّاريّة بعد سنين ثالث مرة، فلم تطل مدته فيها، وعزل ولزم داره سنين، إلى أن ولى كتابة السر بعد موت ولده صلاح الدين، فباشر وظيفة كتابة السر مدة يسيرة، وعزله الملك الظاهر جقمق بصهره المقرّ الكمالى بن البارزى، فلزم الصاحب بدر الدين بيته، إلى أن مات فى التاريخ المقدم ذكره. وكان شيخا طوالا ضخما حسن الشكالة، مدوّر اللحية، كريما واسع النفس على الطعام؛ تأصل فى الرئاسة، وطالت أيامه فى السعادة، فصار هو وولده صلاح الدين من أعيان رؤساء الديار المصرية، على أنه كان لا يسلم فى كل قليل من مصادرة، ومع هذا كان له أنعام وأفضال على جماعة كبيرة، إلا أنه كانت فيه بادرة وخلق سيّىء، مع حدة مزاج، وصياح فى كلامه، وكان لا يتحدث إلا بأعلى صوته، ولهذا ملّه الملك الأشرف برسباى وأبعده. وكان أكولا، أقصى مناه الناب والنصاب لا غير، لم يشهر بدين ولا علم.

стр. 5484

وتوفى الأمير سيف الدين تغرى بردى [الرومى] «١» بن عبد الله البكلمشى المعروف بالمؤذى «٢» الدوادار الكبير، فى يوم الثلاثاء حادى عشر جمادى الآخرة، بعد مرض طويل؛ وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمنى، ودفن بتربة طيبغا الطويل [الناصرى حسن؛ وطيبغا الطويل] «٣» هو أستاذ بكلمش، وبكلمش أستاذ تغرى بردى هذا، ثم ترقى [تغرى بردى هذا] «٤» بعد موت أستاذه حتى صار من جملة أمراء العشرات فى الدولة الناصرية فرج، ثم أمسك ولزم داره مدة، إلى أن أنعم عليه بإمرة عشرة ضعيفة، ودام على ذلك دهرا طويلا لا يلتفت إليه فى الدول، حتى أننى أقمت سنين أحسبه من جملة الأجناد. ثم تحرّك له سعد بعد سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وغيّر السلطان الملك الأشرف أقطاعه بعد موت الأمير جوبان المعلم «٥» ، وخلع عليه باستقراره من جملة رءوس النّوب، ثم لا زال يرقيه حتى صار أمير طبلخاناة ورأس نوبة ثانيا؛ فعند ذلك أظهر ما كان خفيا من لقبه بالمؤذى، فلله درّ القائل: «الظلم كمين فى النفس، العجز يخفيه والقوة تظهره» . وصار إذا مسك العصاة فى يده، لا يزال يضرب هذا وينهر هذا؛ والملوك تحب من يفعل ذلك بين يديهم، فأنعم عليه بعد سنين بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، ثم نقله الملك الظاهر جقمق إلى حجوبية الحجاب بعد يشبك السّودونى، ثم صار دوادارا كبيرا بعد [عزل] «٦» أركماس الظاهرى، كل ذلك فى سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة. [و] «٧» من يوم ولى الدوادارية، عظم وضخم، ونالته السعادة وعمّر مدرسة بالشارع الأعظم بالقرب من جامع ابن طولون [فى طرف سوق الأساكفة] «٨» ، وسار فى

стр. 5485

الدوادارية على طريق السلف من الحرمة وإقامة «١» الناموس، لا فى كثرة المماليك وجودة السماط، وكان يتفقّه ويكتب الخط بحسب الحال، ويعف عن المنكرات والفروج، وعنده شجاعة وإقدام مع بخل وفحش فى لفظه، وجبروت وسوء خلق وحدة مزاج، إلا أنه كان مشكور السيرة فى أحكامه، وينصف المظلوم من الظالم، ولا يسمع رسالة مرسل كائن من كان، فعدّ «٢» ذلك من محاسنه. وكان رومى الجنس، ويدعى أنه تركى الجنس، رحمه الله تعالى. وتوفى الأمير سيف الدين أيتمش بن عبد الله الخضرى الظاهرى برقوق، أحد أمراء العشرات، وأستادّار، وهو بطّال، فى آخر ليلة السبت العشرين من شهر رجب، ودفن بتربة الأمير قطلو بك بالصحراء، بعد ما تعطل ولزم داره سنين، من بياض أصابه فى جسده. وكان أصله من مماليك الظاهر [١٨٢] برقوق. ثم صار من جملة الدوادارية فى الدولة الناصرية فرج، ثم [صار] «٣» أمير عشرة فى دولة الملك المؤيد شيخ، ثم أنعم عليه الملك الظاهر ططر بإمرة طبلخاناة، فلم تطل مدته، ونفاه الملك الأشرف برسباى، ثم شفع فيه بعد أشهر، وأعيد من القدس إلى القاهرة، وأنعم عليه بإمرة عشرة، ثم ولى الأستادّارية، فلم ينتج أمره، وعزل عنها بعد أن باشر الأستادّارية نحو الشهرين. واستمر أمير عشرة على عادته إلى سنة نيف وثلاثين. فابتلى فى جسده بالبياض [بحيث كان يستره بالحمرة] «٤» ، فأخرج [السلطان] «٥» الملك الأشرف إقطاعه، ورسم له بلزوم داره، فصار يتردد إلى الجامع الأزهر، وكان يسكن بدار بشير

стр. 5486

الجمدار [بالأبّارين] «١» بالقرب من الجامع المذكور، ويحضر «٢» الدروس، ويشوّش على الطلبة، ويسأل الأسئلة التى لا محل لها من الدرس التى (كذا) هم بصدده، وكان قليل الفهم وتصوّره غير صحيح، مع جهل مفرط وعدم اشتغال قديما وحديثا، فإن أجابه أحد من الطلبة بجواب لا يفهمه، سفه عليه، وإن سكت القوم ازدراهم ووبخهم. وكان فصيحا باللغة العربية على قاعدة العامة، وكان قبل تاريخه ناب فى نظر الجامع الأزهر عن جرباش الكريمى قاشق، ووقع له مع أهل الجامع أمور أيام توليته، فلما زاد ذلك منه على الطّلبة [و] «٣» بلغ الأشرف [أمره] «٤» ، رسم بنقلته من داره المذكورة [و] «٥» بسكنته بقرافة مصر، فشفع فيه بعد أيام، على أنه يسكن بداره، ولا يدخل الجامع إلا فى أوقات الصلوات. ولما سافر الملك الأشرف إلى آمد، أخرجه إلى القدس بطّالا، ثم أعيد إلى القاهرة بعد عود «٦» السلطان [من آمد، ودام بها] «٧» إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، [ف] «٨» داخله فى الأمور من غير أن بلى إمرة ولا وظيفة. وزاد وأمعن، وصار يتكلم فيما لا يعنيه، فغضب عليه الملك الظاهر جقمق، ونفاه إلى القدس [بطّالا] «٩» ، ثم شفع فيه عديله الأمير إينال العلائى الناصرى، أعنى الملك الأشرف، فأعيد إلى القاهرة، ولزم داره إلى [أن سقط عليه جدار فغطاه، فأخرج من تحته مغشيا عليه، فعاش بعده قليلا] «١٠» [و] مات وهو فى عشر السبعين. وكان من مساوئ الدهر طيشا وخفة، مع كثرة كلام فى مالا يعنيه، ويخاطب الرجل بما يكره، ويوبخ الشخص بما فيه من المعايب من غير أن يكون بينه وبين ذلك الرجل

стр. 5487

عداوة ولا صحبة، وفيه بادرة وجرأة «١» وإفحاش فى اللفظ، مع إسراف على نفسه. وفى الجملة أن بقاءه «٢» كان عارا على بنى آدم. وتوفى الأمير ناصر الدين محمد بك بن دلغادر صاحب أبلستين وحمو الملك الظاهر جقمق، بأبلستين فى أوائل جمادى الآخرة، وقيل إنه قتل على فراشه، والأول أصح؛ وكان كثير الشرور والعصيان على الملوك، وقد مرّ من «٣» ذكره فى ترجمة الملك الأشرف من عصيانه وموافقته مع الأتابك جانبك الصوفى، ثم فى ترجمة الملك الظاهر جقمق من دخوله فى طاعته وقدومه إلى القاهرة ما يغنى عن إعادته ثانيا هنا. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ثمانية أذرع وخمسة أصابع، مبلغ الزيادة: عشرون ذراعا وأحد وعشرون أصبعا.

стр. 5488

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٤٧] السنة السادسة من سلطنة الملك الظاهر جقمق على مصر وهى سنة سبع وأربعين وثمانمائة. فيها توفى الشيخ الإمام العالم [الفقيه] «١» الربانى الصوفى [الشاذلى] «٢» ، شمس الدين محمد بن حسن، المعروف بالشيخ الحنفى، بزاويته خارج قنطرة طقزدمر، من ظاهر القاهرة فى أوائل شهر ربيع الأوّل، وهو فى حدود الثمانين، ودفن بزاويته المذكورة. وكان ديّنا خيرا فقيها عالما مسلّكا؛ كان يعظ الناس ويعلمهم، وكان على وعظه رونق ولكلامه وقع فى القلوب، وأفنى عمره فى العبادة وطلب العلم وإطعام الطعام وبر الفقراء والقادمين عليه، وكان محظوظا من الملوك، ولهم فيه اعتقاد ومحبة زائدة، وصحب الوالد سنين كثيرة، ثم الملك الظاهر ططر، ونالته منه السعادة فى أيام سلطنته، واجتمعت به غير مرة، وانتفعت بمجالسته [١٨٣] ، وكان الناس فيه على قسمين: ما بين متغال إلى الغاية، وما بين منكر إلى النهاية. قلت: وهذا شأن الناس فى معاصريهم «٣» ، رحمه الله تعالى «٤» .

стр. 5489

وتوفى الشيخ الإمام العالم العلامة، زين الدين أبو بكر إسحاق بن خالد الكختاوى «١» الحنفى، المعروف بالشيخ باكير، شيخ الشيوخ بخانقاه شيخون، فى ليلة الأربعاء ثالث عشر جمادى الأولى، وحضر السلطان الملك الظاهر جقمق الصلاة عليه بمصلاة المؤمنى، من تحت القلعة، ثم أعيد إلى الشّيخونية، فدفن بها، واستقر عوضه فى مشيخة الشيخونية العلامة كمال الدين محمد بن الهمام، وكان الشيخ باكير المذكور إماما عالما بارعا مفننا فى علوم كثيرة، [وولى قضاء حلب مدة طويلة، وحمدت سيرته، وأفتى ودرّس وأشغل سنين كثيرة بحلب، ثم بمصر، لما طلبه السلطان من قضاء حلب] «٢» وولاه «٣» مشيخة الشيخونية؛ غير أنه كان فى لسانه شبه لكنة، مع سكون وعقل زائد، يؤدى ذلك إلى عدم الانتصاف فى أبحاثه، ومع هذا كان تقريره للطلبة فى غاية الحسن والفصاحة؛ ومحصول أمره أنه كان عالما مفيدا للطلبة غير بحّاث مع أقرانه من العلماء، وكان مليح الشكل منوّر الشيبة طاهر اللون وقورا معظّما عند الخاص والعام؛ وكان مولده بمدينة كختا «٤» فى حدود السبعين وسبعمائة، رحمه الله تعالى. وتوفى فتح الدين صدقة المحرّقى «٥» ناظر الجوالى، فى ليلة الخميس سلخ شوال، ودفن خارج باب الجديد «٦» من القاهرة، وكان عاميا فى زى فقيه، لم أعرفه إلا فى دولة الملك الظاهر جقمق، لأنه كان بخدمته ورقاه فى سلطنته. وتوفى غرس الدين خليل [بن أحمد] «٧» السخاوى، ناظر الحرمين: القدس

стр. 5490

والخليل ﵇، فى ليلة العشر من جمادى الأولى، وكان أيضا من أطراف الناس، وهو «١» أحد من رقّاه الملك الظاهر جقمق، وكان فى مبدأ أمره يبيع الحلوى «٢» ، ثم صار جابيا للأملاك، [يجبى وعلى كتفه خرج] «٣» ، ثم خدم جماعة كبيرة، إلى أن حسنت حاله وصار يركب بغلة برحل «٤» ، رأيته أنا على تلك الهيئة، ثم خدم الملك الظاهر جقمق أيام إمرته، ولازم خدمته إلى أن تسلطن، فقرّبه وولاه نظر الحرمين، وعدّه الناس من الأعيان، فلم تطل مدته، ومات. وكان يتديّن من صلاة وعبادة، إلا أنه كان عاريا سالبة كلية «٥» ، [فكان صفته كقول من قال: ذقن وشاش على لاش] «٦» . وتوفى المقام الناصرى محمد بن السلطان الملك الظاهر جقمق، فى ليلة السبت ثانى عشرين ذى الحجة بقلعة الجبل، بعد مرض طويل، وصلى عليه من الغد بباب القلة «٧» من قلعة الجبل، وحضر والده السلطان الملك الظاهر جقمق الصلاة عليه، ودفن بتربة عمه جاركس القاسمى المصارع، التى «٨» جددها مملوكه قانى باى الجاركسى عند دار الضيافة، تجاه سور القلعة. ومات وهو فى حدود الثلاثين تخمينا، وأمّه السّتّ قراجا بنت الأمير أرغون شاه أمير مجلس الملك الظاهر برقوق. وكان مولده بالقاهرة، وبها نشأ تحت كنف والده، وحج وسافر مع والده إلى آمد فى سنة ست وثلاثين، واشتغل اشتغالا يسيرا حتى برع فى المعقول وشارك فى المنقول، وساد فى فنون كثيرة من العلوم، يساعده فى ذلك جودة ذهنه وحسن تصوره وعظيم

стр. 5491

حفظه، حتى صار معدودا من العلماء، ولا نعلم أحدا من أبناء جنسه من ابن أمير ولا سلطان وصل إلى هذه الرتبة غيره قديما ولا حديثا، بل ولا فى الدولة التركية قاطبة من المشاهير أولاد الملوك، هذا مع المحاضرة الحسنة والمذاكرة اللطيفة والنوادر الطريفة والاطلاع الزائد فى أخبار السلف وأيام الناس. وكان يسألنى عن مسائل دقيقة مشكلة فى التاريخ على الدوام، لم يسألنى عنها أحد من بعده إلى يومنا هذا، وأما حفظه للشعر باللعتين التركية والعربية، فغاية لا تدرك «١» ، وكان مجلسه لا يبرح مشحونا بالعلماء مشايخ الإسلام يتداولونه بالنوبة، فكان لقاضى القضاة شهاب الدين بن حجر وقت «٢» يحضر فيه فى كل جمعة مرتين، ولقاضى القضاة سعد الدين بن الديرى الحنفى وقت غير ذلك يحضر فيه [أيضا] «٣» فى الجمعة مرتين، وأما العلامة محيى الدين الكافيجى الحنفى، والعلامة قاسم الحنفى، فكانا يلازمانه فى غالب الأوقات ليلا ونهارا، وأما غير هؤلاء من الطلبة الأعيان، فكثير يطول [١٨٤] الشرح فى ذكرهم. [وكان] «٤» مع هذه الفضيلة [التامة] «٥» والرئاسة الضخمة والترشيح للسلطنة، متواضعا بشوشا هيّنا [لينا] «٦» ، مع حسن الشكالة وخفة الروح والميل إلى الطرب، على قاعدة الصوفية والعقلاء من الرؤساء؛ وكان لا يمل من المحاضرة والمذاكرة بالعلوم والفنون؛ وكان رميه بالنشّاب فى غاية الجودة، ويشارك فى ملاعيب كثيرة، لولا سمن كان اعتراه، وكره هو ذلك، وأخذ يتداوى فى منع السمن بأشياء كثيرة، ربما كان بعضها

стр. 5492

سببا لهلاكه، مثل شرب الخل على الريق، ومنع أكل الخبز سنين، وكثرة دخول الحمّام، حتى أنه كان غالب جلوسنا معه فى الخلوة فى مسلخ الحمام الذي ابتناه بطبقة الغور «١» من القلعة، ويداخله فى الحرارة، وأشياء غير ذلك؛ وكان بينى وبينه صحبة قديمة وحديثة ومحبة زائدة، ثم صار بيننا أيام سلطنة والده صهارة، فإنه تزوج ببنت الأتابك آقبغا التّمرازى، وهى بنت كريمتى؛ ولم يفرق بيننا إلا الموت، رحمه الله تعالى. ولقد كان حسنة من حسنات الزمان «٢» ، خليقا للملك والسلطنة، ولو طال عمره إلى أن آل إليه الأمر، لما اختلف عليه اثنان غصبا ومروءة؛ فإنه كان هيّنا مع الهين فتّاكا على العسر، وأنا أعرف بحاله من غيرى؛ ولقد سمعت منه كلمات من أفعال يفعلها إن تمّ أمره فى الملك، تدل على معقول وتدبير عظيم وحدس «٣» صائب، وإقماع المفسدين، لم أسمعها من أحد غيره كائنا من كان. وأنا أقول: لو ملك الديار المصرية [و] «٤» تم أمره، نفقت فى أيامه بضائع أرباب الكمالات الكاسدة من كل علم وفن: وظهرت من الزوايا خبايا، وتجدّد ما بعد عهده من الطرائف، وأبدى كل أستاذ من فنه أعاجيب ولطائف؛ ومن أجله صنّفت هذا الكتاب من غير أن يأمرنى بتصنيفه، غير أنى قصدت بترتيب هذا الكتاب من ذكر ملك بعد ملك، أنه إذا تسلطن، أختم هذا الكتاب بذكره، بعد أن أستوعب أحواله وأموره على طريق السيرة، ولوّحت له بذلك، فكاد يطير فرحا، وبينا نحن فى ذلك، انتقل إلى رحمة الله تعالى، فكان حالى معه كقول مسعود بن محمد الشاعر: [الكامل]

стр. 5493

بأبى، حبيب زارنى متنكّرا ... فبدا الوشاة له فولّى معرضا فكأنّنى وكأنّه وكأنّها ... أمل ونيل حال بينهما القضا وأحسن من هذا قول من قال، وهو فى معنى فقده: [الطويل] غدا يتنأى صاحب كان لى إنسا ... فلا مصبحا لى بالسرور ولا ممسا «١» أخ لى لو أعطى الدّنى باسم فقده ... بلا «٢» فقده كانت به ثمنا بخسا أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم، ستة أذرع وعشرون أصبعا؛ مبلغ الزيادة: تسعة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون أصبعا.

стр. 5494

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٤٨] السنة السابعة من سلطنة الملك الظاهر جقمق على مصر وهى سنة ثمان وأربعين وثمانمائة. فيها لهج المنجمون بأن فى هذه السنة يكون انقضاء مدة الملك الظاهر جقمق من ملك مصر، فإنهم كانوا أجمعوا على أنه لا يقيم فى الملك أكثر من سبع سنين؛ وكان هذا القول بعد أقوال كثيرة فى مدة ملكه، فلم يصدقوا فى واحدة منها، ومضت هذه السنة والسلطان فى خير وعافية. [و] «١» فيها كان الطاعون بالديار المصرية، وكان مبدأه فى ذى الحجة من السنة الخالية، وعظم فى المحرم من هذه السنة وأوائل صفر، ومات فيه عالم كبير جدا حسبما تقدم «٢» ذكره فى أصل الترجمة «٣» . وفيها، أعنى سنة ثمان وأربعين المذكورة، توفى الخطيب الواعظ شمس الدين محمد الحموى خطيب الجامع الأشرفى بالعنبريّين «٤» ، فى يوم الأربعاء ثالث ذى القعدة، عن نيف وسبعين سنة تخمينا، وكان يعظ الناس فى الأماكن، ويعمل المواعيد، وكان له قبول من العامة والنسوة، وكان فصيحا فى خطبته [١٨٥] ويستحضر الكثير من الأحاديث والتفسير، رحمه الله تعالى. وتوفى الأمير الطّواشى فيروز بن عبد الله الجاركسى الرومى الساقى الزّمام، بطّالا بالقاهرة، فى يوم الأربعاء رابع عشر شعبان، ودفن بمدرسته التى أنشأها بالقرب من داره، عند سوق القرب [بالقرب من الحارة الوزيرية] «٥» بالقاهرة.

стр. 5495

وكان أصله من خدام الأمير جاركس القاسمى المصارع، المقدم ذكره فى دولة الملك الناصر فرج، وترقى بعد موته إلى أن صار ساقيا للسلطان، وحظى عند الملك المؤيّد شيخ، ثم عند الأشرف برسباى، ثم انحطّ قدره، وعزله الأشرف، وأخرجه إلى المدينة النبوية «١» ، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام «٢» . ثم أعاده بعد مدة، واستقر به ساقيا على عادته، ودام على ذلك حتى غضب عليه فى مرض موته، بعد أن وسّط الحكيمين «٣» ، وعزله عن وظيفة السّقاية، بعد أن هدّده بالتوسيط. فلزم فيروز هذا بيته، إلى أن مات الملك الأشرف، وصار الأمر إلى الملك الظاهر جقمق، فطلبه وولّاه زماما عوضا عن جوهر الجلبانى [اللالا] «٤» بحكم عزله ومصادرته، وذلك فى أحد الرّبيعين من سنة اثنتين وأربعين، فظن كل أحد بطول مدة فيروز هذا فى وظيفة الزمامية، لكونه من خدام أخى السلطان الأمير جاركس، فلم يقم فى الوظيفة إلا نحو ستة أشهر. وعزل لكونه فرّط فى أمر الملك العزيز حين فرّ من الدّور السلطانية، وتقدم «٥» ذكر ذلك كله فى أصل هذه الترجمة، وولّى السلطان عوضه زماما، جوهر الخازندار القنقبائى، ولزم فيروز هذا بيته خاملا إلى أن مات. وكان لا بأس به فى أبناء جنسه، لتجمل كان فيه ومحاضرة حسنة، وهو أحسن الثلاثة حالا ممن اسم كلّ واحد منهم فيروز، وهم فى عصر واحد [أولهم] «٦»

стр. 5496

فيروز هذا، وثانيهم فيروز النّوروزى، وثالثهم فيروز الرّكنى نائب مقدم [المماليك] «١» كان. وتوفى الأمير حمزة بن قرايلك، واسم قرايلك عثمان بن طرعلى، صاحب ماردين وغيرها من ديار بكر، فى أوائل شهر رجب، ووصل الخبر بموته إلى القاهرة فى العشرين من شعبان، وكان غير مشكور السيرة على قاعدة أوباش التركمان الفسقة. وتوفى الأمير سيف الدين طوخ بن عبد الله الأبوبكريّ المؤيّدى نائب غزة، خارج غزة؛ قتيلا بيد العربان الخارجة عن الطاعة؛ فى أواخر ذى الحجة؛ وتولى نيابة غزة بعده الأمير يلخجا من مامش الساقى الناصرى؛ وكان أصل طوخ هذا من مماليك الملك المؤيد شيخ وخاصكيّته، وتأمّر بعد موته بالبلاد الشأمية؛ ثم صار أتابك غزة سنين طويلة؛ إلى أن نقله الملك الظاهر جقمق إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق. ثم ولاه بعد مدة يسيرة نيابة غزة، بعد موت الأمير طوخ مازى الناصرى فدام على نيابتها إلى أن خرج من غزة، وواقع العربان وكسرهم؛ وبعد كسرتهم تهاون فى أمرهم، ونزل بمكان، فعادوا نحوه وهجموا عليه، فركب بمن معه وقاتلهم حتى قتل هو وجماعة من مماليكه وغيرهم. وكان شجاعا مقداما إلا أنه كثير الطمع. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وخمسة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة: ثمانية عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.

стр. 5497

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٤٩] السنة الثامنة من سلطنة الملك الظاهر جقمق على مصر وهى سنة تسع وأربعين وثمانمائة. فيها توفى قاضى القضاة شمس الدين محمد بن إسماعيل بن محمد الونائى «١» ، الشافعى الفقيه العالم، معزولا عن قضاء دمشق، بالقاهرة، فى يوم الثلاثاء سابع عشر صفر، ودفن من الغد بالقرافة، وصلى عليه رفيقه فى الاشتغال، قاضى القضاة شمس الدين محمد القاياتى الشافعى. ومولده فى شعبان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة ببلده، ثم انتقل إلى القاهرة، وطلب العلم وحفظ التنبيه فى الفقه، وعدة مختصرات، وأقبل على الاشتغال، ولازم علماء عصره. وأول اشتغاله كان فى سنة سبع وثمانمائة، وتكسّب بتحمّل الشهادة مدة، إلى أن برع فى الفقه والعربية والأصول، وتولى مشيخة التنكزية بالقرافة، ثم تدريس الفقه بالشّيخونية، ثم طلبه الملك الظاهر جقمق، وولّاه قضاء الشافعية [١٨٦] بدمشق، من غير سعى، فى سنة ثلاث وأربعين، فباشر قضاء دمشق بعفة، وعرف بالصيانة والديانة، إلى أن عزل وعاد إلى القاهرة؛ ثم وليها ثانيا، فباشرها أيضا مدة، ثم عزل وقدم القاهرة وتولى تدريس قبة الإمام الشافعى، إلى أن مات فى التاريخ المذكور. وكان معدودا من العلماء، وهو أحد من جمع بين معرفة المنقول والمعقول ﵀. وتوفى الأمير الكبير، سيف الدين يشبك بن عبد الله السّودونى، المعروف بالمشدّ، أتابك العساكر بالديار المصرية، فى يوم الخميس ثالث شعبان، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمنى، وتولى الأتابكية من بعده الأمير إينال العلائى الناصرى الدّوادار الكبير. وكان أصل يشبك هذا من مماليك سودون الجلب نائب حلب،

стр. 5498

ومات عنه، فباعه الأمير يشبك الساقى الأعرج، وهو يوم ذاك نائب قلعة حلب، للأمير ططر، فأعتقه ططر وجعله من جملة مماليكه، فنازعه بعد مدة الأمير أيتمش الخضرى، وهو يوم ذاك متحدث على أيتام الملك الناصر فرج، وطلبه منه فادعى ططر أنه اشتراه من يشبك الساقى الأعرج، وهو وصىّ سودون الجلب فقال أيتمش: بيع يشبك له غير صحيح، لأن سودون الجلب انحصر إرثه فى أولاد الملك الناصر، وأنا «١» المتحدث على أولاد الملك الناصر، فاشتراه ططر ثانيا منه بمائة دينار. ثم جعله ططرشادّ شراب خاناته، حتى تسلطن، فأنعم عليه بإمرة طبلخاناة، وجعله شادّ الشراب خاناة السلطانية، فدام على ذلك سنين، إلى أن أنعم عليه الملك الأشرف برسباى بإمرة مائة وتقدمة ألف بديار مصر، ثم جعله حاجب الحجاب بعد قرقماس الشعبانى بعد توجهه إلى نيابة حلب، ثم نقله الملك الظاهر جقمق فى أوائل سلطنته إلى إمرة مجلس، بعد آقبغا، [ثم] «٢» إلى إمرة سلاح عوضا عن آقبغا التّمرازى أيضا، ثم بعد أشهر خلع عليه باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية، بعد قدومه من بلاد الصعيد، عوضا عن آقبغا التّمرازى أيضا بحكم انتقال آقبغا إلى نيابة دمشق، بعد خروج إينال الجكمى عن الطاعة. كل ذلك فى أشهر قليلة من سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، فدام يشبك فى الأتابكية سنين ونالته السعادة، وعظم وضخم فى الدولة، إلى أن اعتراه مرض تمادى به سنين، [ويقال إنه سمّ] «٣» وحصل له ارتخاء فى أعضائه، ثم عوفى قليلا، وركب إلى الخدمة ثم نقض عليه ألمه، فمات منه بعد أيام يسيرة. وكان عاقلا ساكنا حشما، إلا أنه كان عاريا من كل علم وفن، غير أنه كان يحسن رمى النّشّاب، على عيوب كانت فى رميه؛ وكنت أظنه أولا ديّنا، إلى أن أخذ

стр. 5499

إقطاع الأتابك آقبغا التّمرازى، وصار بيننا وبينه مستحقّ أيتام آقبغا فى الإقطاع المذكور، فإذا به لا يحلل ولا يحرم، وعنده من الطمع وقلة الدين ما يقبح ذكره عن كائن من كان، هذا مع حدة زائدة وشراسة خلق وظلم زائد على حواشيه وخدمه، حتى أنه كان يضرب الواحد منهم نحو ألف عصاة على الذنب اليسير، ولم يكن له مهابة فى النفوس، لكونه كان من مماليك سودون الجلب، وأيضا من قرب عهده بالفقر، وخدم الأمراء، مع من كان عاصره من أكابر الأمراء الظاهرية البرقوقية ممن كان أكبر من أستاذه سودون الجلب، وأعظم فى النفوس- انتهى. وتوفى الأمير سيف الدين قانى باى الجكمى حاجب حجاب حلب، على هيئة نسأل الله تعالى حسن الخاتمة، فى أواخر هذه السنة وكان من خبر موته أنه سكر ونام فى أيام الشتاء، وقد أوقد النار بين يديه على عادة الحلبيين وغيرهم فعظم الدخان عليه وعلى مملوكه فى البيت، وصارا من غلبة السكر لا يهتدى كل واحد «١» منهما إلى الخروج من باب الدار، من عظم الدخان وشدة السكر، فماتا على تلك الحالة؛ وكتب بذلك محضر وأرسل إلى السلطان [لئلا يتوهم خلافه] «٢» . وكان أصل قانى باى هذا من مماليك الأمير جكم من عوض نائب حلب، ثم صار بعد موت الملك المؤيّد شيخ خاصكيّا، ودام على ذلك دهرا طويلا لا يلتفت إليه، إلى أن خلع عليه الملك الظاهر جقمق، باستقراره فى حجوبية حجاب حلب دفعة واحدة من الجندية؛ وعيب ذلك على الملك [١٨٧] الظاهر لكون قانى باى المذكور لم يكن من أعيان الخاصكيّة، ولا من المشاهير بالشجاعة والإقدام، ولا من العلماء «٣» ولا من العقلاء العارفين بفنون الفروسية، بل كان مهملا مسرفا على نفسه عاريا من كل علم وفن، ولم يدر «٤» أحد لأى معنى كان قدّمه الملك الظاهر جقمق، فرحمه الله تعالى وسامحه على

стр. 5500

هذه الفعلة، فإنها عدت من غلطاته الفاحشة التى ليس لها وجه من الوجوه. قلت: وكما جاءته السعادة فجاءة جاءه الموت أيضا فجاءة، عفا الله عنه. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وخمسة عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة: تسعة عشر ذراعا وتسعة «١» أصابع.
следующие страницы →