Полный текст (6 264 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
أشاع هذا عنى، يعنى بذلك الأشرفية الكبار والأشرفية الصغار، قلت: قد عرّفت الأشرفية الكبار والأشرفية الصغار وأمرهما وما وقع في مرض السلطان من أوّله إلى آخره فى تاريخنا «الحوادث» ، وليس ما نذكر هنا إلا علم خبر لا غير- انتهى.
ثم طلع القاضى كاتب السّرّ بعد ظهر يوم الأحد المذكور وأحضر آلة العلامة، فلم يطق السلطان أن يعلّم شيئا، وقيل: إنه علّم على أربعة مناشير، وقيل غير ذلك، وقيل إنه لم يطق الجلوس إلا بشدّة، هذا مع التجلد الذي لا مزيد عليه، وكان هذا دأبه من أوّل مرضه إلى أن مات- التجلد وعدم إظهار العجز- ولله دره ما كان أجلده.
وبات السلطان في تلك الليلة على حاله، والناس في أمره على أقوال كثيرة، هذا وهو يستحث على سفر الأمراء المعينين إلى الصعيد، والقصاد منه ترد إليهم، وهم يعتذرون عن السفر بعدم حضور من عيّن معهم من المماليك السلطانية، فيأمر بالمناداة بسفرهم، فلم يخرج أحد.
فلما كان صبيحة يوم الثلاثاء سادسة طلع الأمير الكبير يلباى إلى السلطان ومعه خچداشه قانى بك المحمودى، وجانبك كوهيّة، والثلاثة أمراء ألوف مؤيديّة، فلما دخلوا على السلطان لم ينهض إليهم للجلوس، بل استمر على جنبه؛ لشدة مرضه، وشكا إليهم ما به، فتألموا لذلك ودعوا له، ثم أمر السلطان وهو على تلك الحالة أن ينادى بسفر العسكر إلى الصعيد، ثم خلع على يوسف بن فطيس أستادار السلطان بدمشق بمشيخة نابلس، وخرج الناس من عند السلطان، ولم يعلّم شيئا، وهذا أوّل يوم منع السلطان فيه العلامة من يوم مرض إلى هذا اليوم.
وأصبح يوم الخميس ثامنه وقد اشتدّ به المرض، ويئس الناس منه، وكذلك يوم الجمعة، ولكن عقله واع، ولسانه طلق، وكلامه كلام الأصحاء.
وأصبح يوم السبت عاشر شهر ربيع الأول وهو في السياق، فلما كان ضحوة النهار المذكور حدثت أمور ذكرناها في تاريخنا «الحوادث» ، واجتمع الأمراء الأكابر بمقعد الإسطبل السلطانى عند الأمير آخور الكبير، والأمير آخور المذكور حسّ بلا
стр. 6022
معنى، ليس له في المجلس إلا الحضور بالجثة، وجلس الأتابك يلباى في صدر المجلس وبإزائه الأمير تمربغا أمير مجلس، وهو متكلّم القوم، ولم يحضر قرقماس أمير سلاح لإقامته بساحل النيل كما تقدّم، وحضر جماعة من أمراء الألوف وكبير الظاهرية الخشقدميّة يوم ذاك خيربك الدّوادار الثانى، وأخذوا في الكلام إلى أن وقع الاتفاق بينهم على سلطنة الأتابك يلباى، ورضى به عظيم الأمراء الظاهرية الكبار الأمير تمربغا أمير مجلس، وكبير الظاهرية الصغار الخشقدميّة خيربك الدّوادار، وجميع من حضر، وكان رضاء الظاهرية الكبار بسلطنة يلباى بخلاف الظنّ، وكذلك الطاهريّة الصغار.
ثم تكلّم بعضهم بأن القوم يريدون من الأمير الكبير أن يحلف لهم بما يطمئن به قلوبهم وخواطرهم، فتناول المصحف الشريف بيده، وحلف لهم يمينا بما أرادوه، ثم حلف الأمير تمربغا أمير مجلس، وشرح اليمين وكيفيته معروفة، فإنه يمين لتمشية الحال، وأرادوا خيربك أن يحلف، فقال ما معناه. «نحن نخشاكم فحلّفناكم، فنحن نحلف على ماذا؟» .
ثم انفضّ المجلس ونزل الأتابك يلباى إلى داره وبين يديه وجوه الأمراء، ولم يحضر الأمير قايتباى الظاهرى معهم عند الاتفاق واكتفى عن الحضور بكبيرهم الأمير تمربغا الظاهرى، كل ذلك قبل الظهر بيسير، فلم يكن بعد أذان الظهر إلا بنحو ساعة رمل لا غير ومات السلطان بقاعة البيسرية، بعد أذان الظهر بدرجات، وفي حال وفاته طلعت جميع الأمراء إلى القلعة، وأخذوا في تجهيز السلطان الملك الظاهر خشقدم رحمه الله تعالى، وغسلوه وكفنوه، وصلوا عليه بباب القلّة من قلعة الجبل، كل ذلك قبل أن تبايع العساكر يلباى المذكور بالسلطنة كما سنذكره في سلطنة الأتابك يلباى، وهذا الذي وقع من تجهيز السلطان وإخراجه قبل أن يتسلطن سلطان بخلاف العادة، فإن «١» العادة جرت أنه «٢» لا يجهّز سلطان إلا بعد أن يتسلطن سلطان غيره، ثم يأخذون بعد ذلك في تجهيزه- انتهى.
стр. 6023
ولما صلّى عليه بباب القلّة، وحمل نعشه، وعلى نعشه مرقّعة الفقراء، ساروا به إلى أن أنزلوه من باب المدرج، ولم يكن معه كثير خلق، بل جميع من كان معه أمام نعشه، وحوله وخلفه من الأمراء والخاصكية دون العشرين نفرا، والأكثر منهم أجناد؛ فإنه لم ينزل معه أحد من أمراء الألوف كما هى العادة، ولا أحد من المباشرين غير الأمير شرف الدين بن كاتب غريب الأستادار وجماعة من أمراء الطبلخانات والعشرات، وساروا به وقد ازدحمت الناس والعوام حول نعشه، إلى أن وصلوه إلى تربته ومدرسته التي أنشأها بالصحراء بالقرب من قبة النّصر، ودفن بالقبة التي بالمدرسة المذكورة، وحضرت أنا دفنه- رحمه الله تعالى- ولم تتأسف الناس عليه يوم موته ذاك التأسّف العظيم، لكن تأسّفوا عليه بعد ذلك تأسّفا عظيما لما تسلطن بعده الأتابك يلباى، بل عظم فقده عند سلطنة يلباى على الناس قاطبة.
ومات الملك الظاهر خشقدم- رحمه الله تعالى- وسنه نحو خمس وستين سنة تخمينا، هكذا أملى علىّ من لفظه بعد سلطنته.
وكان الملك الظاهر خشقدم- رحمه الله تعالى- سلطانا جليلا عظيما، عاقلا مهابا، عارفا صبورا، مدبرا سيوسا، حشما متجملا في ملبسه ومركبه وشأنه إلى الغاية، بحيث إنه كان لا يعجبه من البعلبكى الأبيض إلا ما تزيد قيمته على ثلاثين دينارا، فما بالك بالصوف والسمّور وغير ذلك، وكان يقتنى من كل شىء أحسنه، وكان مع هذا التأنق لائقا في شكله وملبسه ومركبه، نشأ على ذلك عمره كله، أعرفه جنديا إلى أن صار سلطانا، وهو متجمل في ملبسه على ما حكيناه.
وكان مليح الشكل للطول أقرب، أعنى معتدل القامة، نحيف البدن، أبيض اللون، تعلوه صفرة ذهبية حسنة، كبير اللحية، تضرب إلى شقرة، قد شاب أكثرها، حسن فيها، وكان رشيق الحركات، خليقا للملك، عارفا بأنواع الملاعيب، كالرّمح والكرة، وسوق المحمل، له عمل كبير في ذلك أيام شبوبيّته، وله مشاركة في غير ذلك من أنواع الملاعيب جيدة.
стр. 6024
وكان له إلمام ببعض القراءات، ويبحث مع الفقهاء، وله فهم وذوق بحسب الحال، وكان كثير الأدب، ويجلّ العلماء ويقوم لغالبهم إن قدم أحد منهم عليه، مع حشمة كانت فيه وأدب في كلامه ولفظه، وكان يتكلم باللغة العربية كلاما يقارب الفصاحة على عجمة كانت في لسانه قليلة، وذلك بالنسبة إلى أبناء جنسه.
وكان يميل إلى جمع المال ويشره في ذلك من أى وجه كان جمعه، وله في ذلك أعذار كثيرة مقبولة وغير مقبولة، وعظم في أواخر عمره من سلطنته، وضخم وكبرت هيئته في قلوب عساكره ورعيته لبطن صار فيه، وإقدام على المهولات مع دربة ومعرفة فيما يفعله، فإن كان المسىء ممن يتلافى أمره زجره ولقنه حجته بدربة ولباقة، وإن كان ممن لا يخاف عاقبته قاصصه بما يردع به أمثاله، من الضرب المبرح والنفى، وعدّ ذلك من معايبه، يقول من قال: «القوة على الضعيف ضعف في القوة» .
ومن ذلك أيضا أنه كان في الغالب يقدم على ما يفعله من غير مشورة ولا تأن، ولهذا كانت أموره تنتقض في بعض الأحيان، بل في كثير من الأحيان، ومما كان يعاب به عليه إمساكه، وتشويش المماليك الذين كان اشتراهم في أيام سلطنته الأجلاب، مع أنه- رحمه الله تعالى- كان كثيرا ما ينهاهم عن أفعالهم القبيحة، ويردع بعضهم بالحبس والضرب والنفى وأنواع النّكال، وهذا بخلاف من كان قبله من الملوك، وكان له عذر مقبول في إنشائه هذه المماليك الأجلاب، لا ينبغى لى ذكره؛ يعرفه الحاذق، ومن كل وجه فالمال محبوب على كل حال، وبالجملة إنه كانت «١» محاسنه أضعاف مساوئه، وأيامه غرر أيام، لولا ما شان سؤدده وممالكه «٢» ، ولله در القائل:
[الطويل]
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلّها ... كفى المرء فخرا أن تعدّ معايبه «٣»
وعلى كل وجه هو من عظماء الملوك وأجلّائهم وأخفهم وطأة، مع شدة كانت فيه
стр. 6025
ولين، وتكبر واتضاع، وبخل وكرم، فمن أصابه شرّه يلجأ لله، ويجعل أجره على الله تعالى، ومن أمطره خيره ورفده فليترحّم عليه، وأنا ممن هو بين النوعين، لم يطرقنى شرّه ولا أمطرنى خيره، غير أنه كان معظما لى، وكلامى عنده مقبول، وحوائجى عنده مقضية، وما قلته فيه فهو على الإنصاف- إن شاء الله تعالى- وبعد كل شىء، فرحمه الله تعالى، وعفا عنه.
وكانت مدة سلطنته على مصر ستّ سنين وخمسة أشهر واثنين وعشرين يوما بيوم سلطنته- انتهى.
стр. 6026
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٦٥]
السنة الأولى «١» من سلطنة الملك الظاهر خشقدم على مصر وهى سنة خمس وستين وثمانمائة:
على أن السنة المذكورة حكم فيها ثلاثة ملوك.
حكم الأشرف إينال من أوّلها إلى أن خلع نفسه، وولى ولده الملك المؤيّد أحمد في يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الآخرة، ومات من الغد في يوم الخميس، وحكم ولده الملك المؤيّد أحمد من رابع عشر جمادى الآخرة إلى يوم الأحد تاسع عشر شهر رمضان.
ثم حكم في باقى السنة الملك الظاهر خشقدم إلى آخرها.
فيها توفّى الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله الإينالى المؤيّدى المعروف بقراقاش حاجب الحجاب بجزيرة قبرس في الغزاة من غير جراح، بل مرض نحو عشرة أيام، ومات في أول المحرم، وقد عرفنا أحواله في تاريخنا «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» ، وأيضا في تاريخنا «حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور» بما فيه كفاية عن ذكره ثانيا هنا، ومات وقد زاد سنّه على الستين، وكان مخلّطا في أموره، يقبل المدح والذم.
وتوفّى الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله النّوروزى، أحد أمراء الطبلخانات، ونائب الإسكندرية بها في يوم السبت مستهل صفر وقد ناهز الثمانين من العمر، وكان من مماليك الأمير نوروز الحافظى المتغلب على دمشق، وولى أيام أستاذه
стр. 6027
نيابة بعلبك، ولهذا كان يعرف بنائب بعلبك، وكان من خيار أبناء جنسه، كان شجاعا مقداما كريما متواضعا، ديّنا خيّرا، قلّ أن ترى العيون مثله.
وتوفّى الشيخ الصالح الزاهد العابد المعتقد عمر اليمنى «١» نزيل مكة في سحر ليلة الأربعاء ثالث شهر ربيع الأوّل بمكة، ودفن بمقابر باب شبيكة، وكان فردا في كثرة العبادة والزهد، وقد سألت عنه بمكة من صاحبنا القدوة أحمد الفوّى، أعاد الله علينا من بركاته فقال: «هذا يشبّه بعبّاد بنى إسرائيل» .
وتوفّى الشيخ الإمام العالم العلّامة أبو الفضل محمد بن أبى القاسم المشدّالى البجائى «٢» المغربى المالكى غريبا ببعض أعمال حلب، وهو في الكهولية، وكان إماما فى المعقول والمنقول، وشهرته القوية بالأول، كان إماما في النحو والمنطق وعلم المعانى والبيان والأصلين والطب والحكمة وعلوم الأوائل، وكان إذا حقق مسألة فقهية كان إلى كلامه المنتهى، وبالجملة إنه كان نادرة من النّوادر- ﵀.
وتوفّى الشيخ الإمام العالم الفقيه عزّ الدين محمد بن محمد بن عبد السلام «٣» أحد نواب الشافعية، فى ليلة الثلاثاء رابع عشر ربيع الآخر، وكان آخر من حضر دروس الشيخ سراج الدين عمر البلقينى- رحمه الله تعالى.
وتوفّى السلطان الملك الأشرف سيف الدين أبو النصر إينال العلائى ثم الظاهرى سلطان الديار المصرية في يوم الخميس خامس عشر جمادى الأولى وقد تقدّم ذكره.
وتوفّى جمال الدين جميل بن أحمد بن عميرة بن يوسف المعروف بابن يوسف، شيخ العرب ببعض إقليم الغربية والسخاوية بالوجه البحرى، فى جمادى الأولى وقد جاوز الستين.
стр. 6028
وتوفّى الزينى مرجان بن عبد الله الحصنى الحبشى الطواشى، مقدّم المماليك السلطانية، فى آخر يوم الأحد ثانى جمادى الآخرة، ودفن من الغد، وقد ناهز الستين من العمر، كان وضيعا في مبدأ أمره، وقاسى خطوب الدهر ألونا وتغرّب واحتاج في غربته إلى التكدّى والسؤال، ثم حسنت حاله، وخدم عند خلائق من الأمراء، إلى أن تحرّك له بعيض سعد، وترقّى إلى أن ولى نيابة المقدم، ثم التّقدمة، فلما ولى لم يراع النعمة، بل أخذ في الإسراف على نفسه فما عفّ ولا كفّ، ودام على ذلك إلى أن مات، وعلى كل حال فمستراح منه، وهو ممن يقال في حقه: «يأكل ما كان ويضيق بمكان» .
وتوفّى الوزير الصاحب سعد الدين فرج ابن مجد الدين ماجد بن النحّال القبطى المصرى بطّالا بالقاهرة، فى ليلة الثلاثاء حادى عشر جمادى الآخرة، وقد جاوز الستين من العمر، بعد أن ولى كتابة المماليك والوزر والأستادارية غير مرة- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين كزل بن عبد الله السّودونى المعلّم، أحد أمراء العشرات فى يوم السبت ثانى عشرين جمادى الآخرة، ودفن من الغد بتربته التي أنشأها بالصحراء، وسنه نحو التسعين سنة تخمينا، وقد انتهت إليه رئاسة الرّمح وتعليمه في زمانه، وكان أصله من مماليك سيّدى سودون نائب الشام قريب الملك الظاهر برقوق، وقد ذكرنا من أمره نبذة في ترجمة الملك الظاهر في «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» - رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير زين الدين فيروز بن عبد الله الطواشى الرومى النّوروزى الزّمام والخازندار، فى يوم الخميس رابع عشرين شعبان، وقد شاخ وجاوز الثمانين من العمر، وكان من عتقاء الأمير نوروز الحافظى نائب الشام، ثم وقع له بعد موت أستاذه محن وخطوب ذكرناها في غير موضع من مصنفاتنا، وليس هذا المحل محل إطناب في التراجم، وإنما هو إخبار بما وقع وحدث على سبيل الاختصار في هذه الترجمة وغيرها، ومات فيروز هذا بعد مرض طويل، ودفن بتربته التي أنشأها بالصحراء، وخلّف مالا
стр. 6029
كثيرا لم يظفر السلطان إلا ببعضه، وهو نحو المائة ألف دينار أو أزيد، وكان رأسا في البخل والشّح، يمشى من طبقته بقلعة الجبل إلى السلطان بالدهيشة، وإذا صلى الفريضة صلى جالسا إن صلى.
وتوفّى الأمير شرف الدين يونس الأقبائى الدّوادار الكبير بعد مرض طويل في يوم الأربعاء ثانى عشرين شهر رمضان، ودفن من يومه بتربته التي أنشأها بالصّحراء، وقد جاوز الستين من العمر، ولم يخلف بعده مثله سؤددا وكرما، وحشمة وشجاعة ورئاسة، وبالجملة إنه كان به تجمل في الزّمان- رحمه الله تعالى- وكان أصله من عتقاء الأمير آقباى المؤيّدى نائب الشام، حسبما ذكرنا محاسنه في غير موضع من تواريخنا.
وتوفّى الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله الأبوبكرى المؤيدى أتابك حلب بها في أواخر شهر رمضان، وهو مناهز الستين من العمر، وأصله من عتقاء الملك المؤيّد شيخ، وقد ولى أتابكية حلب غير مرّة، وولى في بعض الأحيان نيابة حماة، ثم نقل إلى تقدمة ألف بدمشق، ثم إلى أتابكية حلب، وكان عاقلا حشما، حسنة من حسنات الدنيا.
وتوفّى الأمير سيف الدين خشكلدى بن عبد الله الكوجكى، أحد أمراء طرابلس، فى أواخر شهر رمضان، وكان له شهرة، وولى نيابة حمص في وقت من الأوقات.
وتوفّى الوزير تاج الدين بن عبد الوهاب ابن الشمس نصر الله ابن الوجيه توما القبطى الأسلمى، الشهير بالشيخ الخطير- وهو لقب لوالده نصر الله- بعد ما شاخ، فى يوم الأربعاء خامس ذى القعدة، وكان معدودا من الكتبة، وباشر الوزر بعجز، لكنه كفّ عن المظالم، فهو أحسن الوزراء سيرة- والسّداد ميسّر.
وتوفّى قاضى القضاة ولىّ الدين أحمد ابن القاضى تقي الدين ابن العلّامة بدر الدين محمد ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى «١» الشافعى، قاضى قضاة دمشق معزولا
стр. 6030
بها، بعد مرض طويل، فى ذى القعدة، ومولده بالقاهرة في سنة أربع عشرة وثمانمائة، وكان- رحمه الله تعالى- عالما فاضلا ذكيا، فصيح العبارة، مستقيم الذهن، طلق اللسان جهورى الصوت، مليح الشكل، خطيبا بليغا مفوها، كثير الاستحضار للشعر وأنواعه، نادرة في أقاربه وأبناء جنسه، إلا أنه كان قليل الحظ عند الملوك والأكابر، كما هى عادات الدّهر من تقديم الجهلاء وتأخير الفضلاء.
وتوفّى الأمير سيف الدين خيربك بن عبد الله النّوروزى بعد عزله عن نيابة صفد وتوجهه إلى دمشق أميرا بها، وكان بلى المناصب الجليلة بالبذل لعدم أهليته، فإنه كان لا للسيف ولا للضيف.
وتوفّى الشيخ المعتقد الصالح المجذوب أحمد السطوحى، المعروف بالشيخ خروف «١» ، فى يوم السبت سابع ذى الحجة، ودفن بزاويته عند جامع ملكتمر الشيخونى، المعروف بالجامع الأخضر بطريق بولاق، وكان للناس فيه اعتقاد، وكان يعجبنى حاله في المجاذيب- رحمه الله تعالى.
وتوفّى القاضى أفضل الدين محمود بن عمر «٢» القرمى الأصل، الحنفى الفقيه المشهور، أحد نوّاب الحكم الحنفية بالديار المصريّة، وهو عائد من مجاورته بمكة بالقاع الكبير، فى ليلة الثلاثاء سابع عشر ذى الحجة، وحمل إلى منزلة بدر فدفن بها، وهو في عشر السبعين، وكان معدودا من فقهاء السّادة الحنفية، وله اشتغال قديم، وفضل ومشاركة، وناب في الحكم زيادة على ثلاثين سنة، مع أدب وحشمة.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرغ ونصف، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وواحد وعشرون إصبعا، وثبت إلى أيام من توت، ومع هذا الثبات شرق بلاد كثيرة من عدم إتقان الجسور- ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
стр. 6031
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٦٦]
السنة الثانية من سلطنة الملك الظاهر خشقدم على مصر وهى سنة ست وستين وثمانمائة:
فيها توفّى الأمير سيف الدين بيبرس بن أحمد بن بقر، شيخ العربان بالشّرقية من أعمال القاهرة بالوجه البحرى، وقد ناهز السبعين من العمر، فى يوم الأربعاء مستهل صفر بالقاهرة، وكان مشكور السّيرة نادرة في أبناء جنسه- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الشيخ الرّبانىّ الصّوفىّ المعتقد أبو عبد الله محمد الفوىّ «١» الشافعى، نزيل القاهرة بها، فى ليلة السبت سلخ شهر ربيع الأول، وهو في الثمانين تخمينا، ودفن من الغد بالصحراء، وكان من تلامذة الشيخ المسلك إبراهيم الإدكاوى، وخدم غيره أيضا من الصالحين، وكان رحمه الله تعالى أحد من أدركنا من أرباب الصلاح والخير- عفا الله تعالى عنه.
وتوفّى الأمير سيف الدين قانى باى بن عبد الله الچاركسى الأمير آخور الكبير- كان- بثغر دمياط بطّالا في يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الآخر، وحمل ميتا من دمياط إلى القاهرة، فغسّل بها وكفن وصلى عليه بمصلاة المؤمنى، وحضر السلطان الملك الظاهر خشقدم الصلاة عليه، ودفن بتربته التي جددها وبناها بالقرب من دار الضيافة «٢» ، وكان أستاذه الأمير چاركس القاسمى المصارع مدفونا بها، ومات قانى باى هذا وقد ناهز الثمانين من العمر، وكان أصله من مماليك الأتابك يشبك الشعبانى، وأنعم به على الأمير چاركس القاسمى المصارع، فأعتقه چاركس، واستمر بخدمته إلى أن قتل في سنة عشر وثمانمائة، وصار من جملة المماليك السلطانية، ثم صار
стр. 6032
خاصكيا بعد موت الملك المؤيد شيخ، وعاش على ذلك دهرا طويلا، إلى أن صار أمر الملك إلى الملك الظاهر جقمق في دولة الملك العزيز يوسف ابن الملك الأشرف برسباى وأنعم عليه بإمرة عشرة؛ لكونه من مماليك أخيه چاركس القاسمى، وكان چاركس أكبر في السن من أخيه الملك الظاهر جقمق، فلم يكن إلا مدّة يسيرة وتسلطن الملك الظاهر جقمق، وقرّب قانى باى هذا ورقّاه، وجعله شاد الشراب خاناه، وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف، ودام على وظيفته وهو من جملة المقدمين، ثم جعله دوادارا كبيرا، ثم أمير آخور كبيرا، ونالته السعادة، وعظم في الدولة الظاهرية حسبما ذكرنا أموره مفصلة في تاريخنا «الحوادث» ، ودام على ذلك إلى أن مات الملك الظاهر جقمق وتسلطن ولده الملك المنصور عثمان، وخرج عليه الأتابك إينال العلائى وتسلطن عوضه، فأمسك قانى باى هذا وحبسه بالإسكندرية سنين كثيرة إلى أن أخرجه الملك الظاهر خشقدم في أول سلطنته وسيّره إلى دمياط بطّالا، فدام بها إلى أن مات في التاريخ المذكور، وكان خيّرا ديّنا سليم الباطن مع طيش وخفة- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين تمرباى بن عبد الله من حمزة الناصرى المعروف بتمرباى ططر، أحد مقدمى الألوف، فى ليلة السبت ثامن عشرين جمادى الآخرة وقد ناهز الثمانين، وكان تركى الجنس من مماليك الملك الناصر فرج، ونزل به الدهر، ثم عاد إلى بيت السلطان وترقى ثانيا إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف في دولة الملك الظاهر خشقدم، وكان من المهملين المساكين.
وتوفّى الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله الجكمى نائب ملطية بها في شهر ربيع الآخر وقد أسنّ؛ لأنه من مماليك الأمير جكم من عوض نائب حلب- كان.
وتوفّى غيث بن ندى بن نصير الدّين، شيخ العربان بأحد جهات إقليم مصر «١» ، ودفن خارج القاهرة في يوم الاثنين خامس شهر رجب، وكان موته بعد قتل ابنه
стр. 6033
حمزة وسلخه باثنين وعشرين يوما، ومستراح منه ومن ابنه حمزة- ولله الحمد على موتهما.
وتوفّى الأمير سيف الدين حاج إينال اليشبكى نائب حلب بها في ليلة الخميس سابع عشرين شعبان بحلب، ودفن في يوم الخميس، وقد قارب الستين من العمر أو جاوزها، وكان أصله من مماليك الأمير يشبك الجكمى أمير آخور، وولى حلب عوضه الأمير جانبك التاجى المؤيّدى، وكان إينال هذا ولى عدّة أعمال بالبلاد الشّامية: حماة، وطرابلس، وحلب، غير أنه لم تسبق له رئاسة بمصر قط، وكان لا بأس به، لكنه لم يحمده الحلبيون في ولايته عليهم.
وتوفّى الأمير سيف الدين تنبك بن عبد الله الأشرفى المعروف بالصغير، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، قتيلا بيد العربان بالبحيرة، وقد ذكرنا واقعته وكيفية قتله في «الحوادث» ، وكذلك الأمير سنطباى قرا الظاهرى- رحمه الله تعالى.
وتوفّى المقام الناصرى محمد ابن السلطان الملك الأشرف إينال العلائى بثغر الإسكندرية في يوم الخميس مستهل ذى الحجة، وعمره نحو سبع عشرة «١» سنة، وهو شقيق الملك المؤيد أحمد، أمهما خوند زينب بنت بدر الدين بن خاص بك.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع، وثبت إلى أواخر توت على نحو ثمانية عشر ذراعا.
стр. 6034
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٦٧]
السنة الثالثة من سلطنة الملك الظاهر خشقدم على مصر وهى سنة سبع وستين وثمانمائة:
فيها توفّى الأمير الطواشى عنبر الطنبذى الحبشى نائب مقدم المماليك السلطانية بطالا في يوم السبت ثامن المحرم، وكان من أصاغر أبناء طائفته، كان من عتقاء التاجر نور الدين على الطّنبذى «١» ، وبنى مدرسة بخط سوق الغنم قبل موته بمدة يسيرة- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين جانم بن عبد الله الأشرفى نائب الشام قتيلا بيد بعض مماليكه بمدينة الرّها، فى ليلة الثلاثاء تاسع عشرين شهر ربيع الأوّل، وهو نزيل حسن بك صاحب ديار بكر، وقد تقدّم من ذكره في أول سلطنة الملك الظاهر هذا ما يغنى عن التعريف بأموره ثانيا هنا، وكان جانم رجلا للقصر أقرب، وفيه حدّة مزاج، وسرعة حركة، مع تديّن وجودة، ومحبة للفقهاء والفقراء وأرباب الصلاح، مع كرم وأدب وحشمة ورئاسة وعفة عن القاذورات والفواحش- رحمه الله تعالى.
وتوفّى قاضى القضاة شيخ الإسلام سعد الدين سعد ابن قاضى القضاة شيخ الإسلام شمس الدين محمد بن عبد الله بن سعد بن أبى بكر بن مصلح بن أبى بكر بن سعد العبسى الدّيرى «٢» المقدسى الحنفى، قاضى قضاة الديار المصرية وعالمها، معزولا عن القضاء بداره بمصر القديمة، فى ليلة الجمعة تاسع شهر ربيع الآخر، وحضر السلطان الصلاة
стр. 6035
عليه بمصلاة المؤمنى، ودفن بتربة السلطان الملك الظاهر خشقدم بالصحراء، ومولده ببيت المقدس في شهر رجب سنة ثمان وستين وسبعمائة، وبها نشأ وسمع الحديث على جماعة ذكرناهم في ترجمته في تاريخنا «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» ، وحفظ القرآن العزيز وعدّة متون في الفقه، وتفقّه بأبيه وغيره إلى أن برع في الفقه وأصوله، وأما فروع مذهبه والتّفسير فكان فيهما آية من آيات الله، ومات وقد انتهت إليه رئاسة الفقه في مذهبه شرقا وغربا، مع أنه كان رأسا أيضا في حفظ التفسير، وله مشاركة فى عدة فنون، وبالجملة فإنه مات ولم يخلف بعده مثله- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين شادبك بن عبد الله الصارمى نائب غزّة بها في يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر ربيع الأوّل، وقد قارب الستين، وكان من عتقاء المقام الصارمى إبراهيم ابن الملك المؤيّد شيخ المحمودى، وكان ولى غزّة بالبذل، ومات قبل أن يستوفى ما بذله في ولايتها، وخلف عليه ديونا- عفا الله تعالى عنه.
وتوفّيت خوند بنت السلطان الملك الظاهر جقمق، زوجة الأمير أزبك من ططخ الظاهرى، أحد مقدّمى الألوف بالديار المصرية، فى عصر يوم الاثنين عاشر جمادى الأولى، وحضر السلطان الصلاة عليها بمصلاة المؤمنى، ودفنت عند أبيها بتربة الأمير قانى باى الچاركسى، وكان موتها في غياب زوجها، كان مسافرا في السّرحة، وماتت وسنها دون ثلاثين سنة، وأمها خوند مغل أخت القاضى كمال الدين بن البارزى، وهى في قيد الحياة.
وتوفّى الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله القوامى المؤيدى، أحد أمراء العشرات بالقاهرة، فى يوم الجمعة ثامن عشرين جمادى الأولى، وحضر السلطان الملك الظاهر خشقدم الصلاة عليه بمصلاة المؤمنى وقت العصر، وكان من عتقاء الملك المؤيّد شيخ، وكان من الخيرين الساكنين.
وتوفّى الإمام علاء الدين على المغربى الحنفى، إمام الملك الأشرف إينال، فى يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الآخرة، وهو في عشر الستين من العمر، وكانت لديه
стр. 6036
فضيلة مع وسوسة وطيش وخفة، وإسراف في الحال، وبالجملة إنه كان من المخلّطين- رحمه الله تعالى.
وتوفّى عظيم الدّولة ومدبّر المملكة الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله الظاهرى الدّوادار الكبير، المعروف بنائب جدّة قتيلا بيد المماليك الأجلاب بباب القلّة داخل قلعة الجبل، وقت صلاة الصبح من يوم الثلاثاء مستهل ذى الحجة، وقد ذكرنا قصة قتلته في «الحوادث» مستوفاة، لكن نذكرها هنا جملة «١» ، وهى أنه ركب من بيته سحر يوم الثلاثاء المذكور بغلس بعد صلاة الصبح بغير قماش الموكب، ومعه نحو خمسة نفر، وطلع إلى القلعة، ومشى بمن كان معه إلى أن وصل إلى باب القلّة، فسلّم على مقدم المماليك ثم مشى إلى أن جاوز العتبة الثانية من باب القلّة، والتفت عن يمينه إلى الجهة الموصلة إلى القصر السلطانى، فوجد هناك جماعة من المماليك السلطانية الأجلاب، فظن أن وقوفهم هناك لأجل أخذ الأضحية السلطانية على العادة فى كل سنة، فسلّم عليهم فردّوا ﵇ بأعلى أصواتهم، كما يفعلون ذلك مع أعيان الأمراء بطريق التجمل، ثم مشى إلى أن التفت إلى نحو العتبة التي تكون على شماله تجاه باب الجامع الناصرى، فرأى على درجات الباب المذكور جماعة من المماليك الأجلاب من أوّل الدّرج إلى آخرها، فسلّم عليهم كما فعل مع من صدفه منهم قبلهم، فلم يردّ أحد منهم السلام، وحال أن وقع بصرهم عليه نزلوا إليه دفعة واحدة، وأحاطوا به، ونزلوا عليه من جهاته الأربع بالسيوف وغيرها، وهرب من كان معه إلى جهة الحوش السلطانى والدهيشة، ولما ضرب على رأسه سقط في الحال من وقته، وضربه آخر في خاصرته بالسيف، ثم نهض وارتكن بحائط الجامع، ثم سقط من وقته، فسحبه بعضهم برجله إلى طريق المطبخ، فوجد به رمقا، فألقى على رأسه حجرا هائلا رضخ رأسه، فمات من وقته، وكان مقدار قتلته كلها من أول الإحاطة به إلى أن خرجت روحه دون نصف درجة رمل، ولما تحققوا قتله أخذوا ما كان عليه من
стр. 6037
القماش وغطّوه بحصير ورجعوا إلى جهة باب القلّة، ليلقوا من ندبوا إلى قتله أيضا من خچداشيته، فوافوا الأمير تنم رصاص الظاهرى المحتسب، وأحد أمراء الطبلخانات، قد أقبل في أثر الأمير جانبك المذكور فقصدوه، فاستجار بمقدّم المماليك أو بجماعة من إنّياته، فلم يغنوا عنه شيئا، وتناولته الأيدى بالضرب، فهجّ فيهم، وخرج من بينهم، وهو بغير سلاح، ومضى إلى جهة القصر، وهم في أثره في الظلام، ثم عاد وهم فى أثره إلى جهة الجامع حيث قتل الأمير جانبك، وقد ظفر منهم بعصاة، فضربهم بها، ودفع عن نفسه مع كثرة عددهم، وكاد أن ينجو منهم، فبادره بعضهم، وضربه بسيف ضربة طارت يده منها، ثم تكاثروا عليه بالضرب حتى ظنوا أنه مات، فحملته إنّياته إلى طبقته وبه رمق، وأخذوا في مداواة جراحه، فمات بعد قليل، ذلك والنجوم ظاهرة بالسماء.
ولما وقع هذا أغلقت أبواب القلعة، وماجت الناس، وذهب كلّ واحد من الأمراء والخاصكية إلى جهة من جهات القلعة، وأما السلطان فإنه كان جالسا بقاعة الدّهيشة والشمعة تقد بين يدية بعد أن صلّى الصبح، فدخل إليه جانم دوادار الأمير جانبك المذكور، ولم يعلم جانم بقتل أستاذه، وعرّف السلطان أن المماليك الأجلاب منعت أستاذه من الدخول إلى السلطان، فسكت السلطان، لعلمه بباطن الأمر، ثم قال بعد ساعة: «أيش الخبر؟» فقال له بعض من حضر من الأمراء: «خير» فقال غيره:
«وأى خير» والقائل الأول جانبك كوهيّة، والثانى مغلباى طاز وكلاهما مؤيّدى، ثم سكتوا فقال الأمير يلباى المؤيّدى الأمير آخور الكبير: «ما بقى اليوم خدمة؟» فقال السلطان: بلى نخرج إلى الحوش، وخرج إلى الحوش، وجلس على الدّكة، وذلك بعد طلوع الشمس، وجميع أبواب الحوش والقلعة مغلقة، فجلس السلطان ساعة وليس عنده الصحيح من خبر جانبك، إلى أن جاءه نائب المقدم وغيره، وأعلموا السلطان سرّا بواقعة الأمير جانبك وقتله، فقال السلطان إلى الخازندار: «أخرج ثوبين بعلبكيا لتكفين الأمير جانبك وتنم رصاص» .
стр. 6038
ثم أمر السلطان الأمير جانبك كوهيّة الدوادار الثانى أن يخرج ويتولّى أمرهما وتجهيزهما والصلاة عليهما، فخرج وفعل ذلك وصلى عليهما بباب القلّة ووجّههما على نعوشهما إلى محل دفنهما، وليس معهما كثير ناس بل جميع من كان معهما دون عشرة نفر، فدفن الأمير جانبك بتربته التي أنشأها خارج باب القرافة، ودفن الأمير تنم عند ليث ابن سعد «١» .
وكثر أسف الناس على الأمير جانبك إلى الغاية، وعظمت مصيبته على أصحابه وخچداشيته، وانطلقت الألسن بالوقيعة في السلطان، ورثاه بعضهم، وقالت المذاكرة في أمره قطعا في كيفية قتلته «٢» ، وفي عدم وفاء السلطان على ما كان قام بأمره حتى سلطنه وثبّت قواعد ملكه، واضطرب ملك الملك الظاهر خشقدم بقتله، وخاف كل أحد من خچداشيته وغيرهم على نفسه، وماجت المملكة وكثر الكلام في الدولة، ووقع أمور بعد ذلك ذكرناها في وقتها، ليس لذكرها هنا محل- انتهى.
ومات الأمير جانبك- رحمه الله تعالى- وهو في أوائل الكهولية، غير أنه كان بادره الشيب ببعض لحيته، وكان- رحمه الله تعالى- أصله چاركسى الجنس وجلب إلى الديار المصرية، وتنقّل من ملك واحد إلى آخر- ذكرنا أسماءهم في ترجمته فى غير موضع من مصنفاتنا- إلى أن ملكه الملك الظاهر جقمق في أيام إمرته وأعتقه، فلما تسلطن جعله خاصكيا وقرّبه، ولا زال يرقيه حتى أمّره وولاه بندر جدّة، ونالته السعادة في أيام أستاذه، وعظم وضخم ونهض في إمرة جدّة، بحيث إنه صار في وقته حاكم الحجاز جميعه حتى مات- فى دولة أستاذه وفي دولة غيره- وقد حررنا ذلك جميعه في «الحوادث» وغيره، وعظم بآخره عظمة زائدة، لا سيما لما ولى الدّوادارية الكبرى في دولة الملك الظاهر خشقدم، وصار هو مدبّر المملكة، وشاع ذكره، وبعد صيته، حتى كاتبه ملوك الأقطار من كل جهة وقطر.
стр. 6039
وأما ملوك اليمن والحجاز والهند فإنه أوقفنى مرّة على عدّة كثيرة من مكاتبات ملوك الهند، وبعضها مشتمل على نظم ونثر وفصاحة وبلاغة، وأماما كان يأتيه من ملوك الهند من الهدايا والتحف فشىء لا يحصر كثرة، وتضاعفت الهدايا له في هذه الدولة أضعاف ما كان يهدى إليه أوّلا، وقال له الدهر: خذ، فأخذ وأعطى حتى أسرف وبذّر، بحيث إنه لم يكن أحد من خچداشيته وغيرهم مع كثرتهم [له مال] «١» إلا من إنعامه عليه، أو هو ساكن في بيت أنعمه عليه، والذي أعرف أنا: أنه وهب تسعة دور من بيوت مقدمى الألوف بالدّيار المصريّة على تسعة نفر من خچداشيته الأكابر الأمراء وغيرهم، وقس على هذا من الخيول والقماش، وكان في مجاورتى بمكة في سنة ثلاث وستين يلازمنى وألازمه في الحرم كثيرا، ولم أنظره تصدّق على أحد فيما تصدّق به أقل من عشرة أشرفية، هذا مع اقتنائه من كل شىء أحسنه وأجمله وأكثره، لا سيما بركه «٢» وخيمه، فكان إليها المنتهى في الحسن، يضرب بها المثل.
وبكفيك من علو همته أنه أنشأ بداره بستانا أزيد من مائة فدان، بابه الواحد «٣» من داره قريب من خط قناطر السباع «٤» ، وبابه الآخر تجاه الروضة، ثم أنشأ به تلك القبة العظيمة والرصيف الهائل تجاه الروضة، وبالجملة والتفصيل إن بابه كان محط «٥» الرحال، وملجأ الطالبين الملهوفين، ونصرة المظلومين، وكثرة المحتاجين، فإنه كان يعطى الألفين دينارا دفعة واحدة إلى مادونها، وكان يعطى من المغلّ ألف أردب دفعة واحدة أيضا فى يوم واحد إلى ما دونها إلى عشرة أرادب، وأعطى في يوم واحد لبعض أعيان خچداشيتة مائة ناقة بأتباعها، يعرف هذا كلّ أحد، فقس على كرمه أيها المتأمل
стр. 6040
ما شئت أن تقيس، ثم أعلم أنه لم يخلف بعده مثله، وإن أشكل عليك هذا القول، فسل من أحد من أمرائك العصريّين عشرة من الإبل، فإن أعطاك فاشكر مولاك، واعلم أنّ الناس فيهم بقية كرم، وإن لم يعطك فاشهد بصدق مقالتى.
وعلى كل حال إنه كان ملكا كريما جليلا، مهابا شهما، عارفا حاذقا فطنا، فصيح العبارة في اللغة العربية والتركية بالنسبة لأبناء جنسه، وكان قصير القامة مع كيس فى قدّه، وظرف في تناسب أعضائه بعضها لبعض، وكان سيوسا حسن التدبير، ومن حسن سياسته أنه لم ينحطّ قدره بعد زوال دولة أستاذه الملك الظاهر جقمق، بل زادت حرمته أضعاف ما كانت في أيّام أستاذه، مع كثرة حكّام الدولة الأشرفية الإينالية وتفرّق كلمتهم، فساس كل واحد بحسب حاله، وأقام في دولتهم عظيما مبجّلا، وبوجوده كان أكبر الأسباب في إعادة دولة خچداشيته بعد موت الملك الأشرف إينال، وبالجملة إنه كان نادرة من نوادر دهره- رحمه الله تعالى- وقد استوعبت أحواله في غير هذا المصنف بأطول من هذا بحسب الباعثة والقريحة، ورثيته بقصيدة نونية في غاية الحسن- عفا الله عنه وصالح عنه أخصامه بمنّه وكرمه.
وتوفّى الأمير سيف الدين تنم رصاص من نخشايش الظاهرى المحتسب، أحد أمراء الطبلخانات، قتيلا بيد المماليك الأجلاب مع الأمير جانبك الدّوادار، وقد تقدّم ذكر قتله فيما تقدم.
وكان تنم هذا من عتقاء الملك الظاهر جقمق وخاصكيته، وترقّى بعد موته إلى أن ولى حسبة القاهرة في أواخر دولة الملك الأشرف إينال، ثم صار أمير عشرة في أوائل دولة الملك الظاهر خشقدم، ثم نقل إلى إمرة طبلخاناه، ودام على ذلك إلى أن قتل فى التاريخ المذكور في قصة الأمير جانبك، وهو يوم الثلاثاء أول ذى الحجة، وكان شابا مليح الشكل، شجاعا عارفا، كريما لسنا، متحركا حاضر الجواب، وكان أحد أعوان الأمير جانبك الدّوادار في مقاصده- رحمهما الله تعالى، وعفا عنهما أجمعين.
стр. 6041
وتوفّى القاضى شمس الدين محمد بن أحمد القرافى «١» المالكى أحد نواب الحكم المالكية وأعيان الفقهاء بالديار المصرية، فى ليلة الاثنين رابع عشر ذى الحجة، ودفن صبيحة يومه بالقرافة وقد جاوز السبعين من العمر، وكان له اشتغال كثير في ابتداء أمره، وعمل جيد مع ذكاء وحسن تصوّر، لا سيما في باب التوريق «٢» وصناعة القضاء والشروط رحمه الله تعالى وعفا عنه.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم- سبعة أذرع وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة تسعة [عشر] «٣» ذراعا وسبعة أصابع.
стр. 6042
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٦٨]
السنة الرابعة من سلطنة الملك الظاهر خشقدم على مصر وهى سنة ثمان وستين وثمانمائة.
فيها توفّى قاضى القضاة بدر الدين حسن بن محمد بن أحمد بن الصّوّاف الحنفى «١» الحموى قاضى قضاة حماة، ثم الديار المصرية، إلى أن مات في يوم الأحد رابع المحرم ودفن من الغد في يوم الاثنين، وسنه نحو الستين سنة تخمينا، وكان أصله من حماة من أولاد التجار، واشتغل بالعلم في مبدأ أمره يسيرا، ثم مال إلى المتجر وتحصيل المال إلى أن حصل على جانب كبير منه، وولى قضاء حماة بالبذل سنين كثيرة، وطال تكراره إلى القاهرة غير مرّة، وأخذ منه- بوسائطجمل مستكثرة من المال غصبا ورضا، ثم قدم القاهرة في سنة ست وستين لأمر من الأمور، وحصل بينه وبين قاضى القضاة محب الدين بن الشّحنة الحنفى شنآن بواسطة صهارة، فسعى عليه وعزله، وولى عوضه في ثانى عشرين شهر رجب من سنة سبع وستين إلى أن مات في المحرم من هذه السنة، بعد أن مرض نحو الشهر، فكانت مدته كلها في القضاء خمسة أشهر وأياما بما فيها أيام مرضه، ولقد تعب بولايته وأتعب، واستراح بموته وأراح.
وتوفّى السلطان الملك العزيز أبو المحاسن جمال الدين يوسف ابن السلطان الملك الأشرف أبى النصر برسباى الدقماقى الظاهرى، بعد خلعه من السلطنة بسنين كثيرة، بثغر الإسكندرية في يوم الاثنين تاسع عشر المحرم، وهو في أوائل الكهولية؛ لأن مولده بقلعة الجبل في سلطنة أبيه في سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وأمه خوند جلبّان أم ولد لأبيه چاركسية، تزوّجها أستاذها الملك الأشرف بعد أن ولدت الملك العزيز هذا،
стр. 6043
ومانت أيام والده الأشرف، ونشأ الملك العزيز تحت كنف والده بالدّور السلطانية، إلى أن عهد له أبوه الأشرف بالسلطنة في مرض موته، ومات بعد أيّام.
وتسلطن العزيز هذا بعد عصر نهار السبت ثالث عشر ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، وهو السلطان الثالث والثلاثون من ملوك الترك بالديار المصرية وأولادهم، والتاسع من الچراكسة وأولادهم، وتم أمره في الملك، وصار الأتابك جقمق مدبّر مملكته وفرّق النفقة على المماليك السلطانية كل واحد مائة دينار، لا يتنفّل أحد على أحد كائنا من كان، على قاعدة الملوك العظام، بخلاف من جاء بعده من الملوك، ودام في الملك إلى أن وقع بين الأتابك جقمق وبين مماليك أبيه الأشرفية أمور آلت إلى خلعه من السلطنة، وسلطنة الأتابك جقمق عوضه في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، فكانت مدة ملكه نحوا من خمسة وتسعين يوما، ليس له فيها إلّا مجرّد الاسم فقط.
وبعد خلعه من الملك رسم له بالسكن في قاعة من الحريم السلطانى بقلعة الجبل، فسكن بها إلى أن حسّن له بعض حواشيه التسحّب منها والنزول من القلعة إلى القاهرة لتثور مماليك أبيه به على الملك الظاهر جقمق، ففعل ذلك، وتزيّا في نزوله في زى بعض صبيان الطّباخين، ونزل بعد الفطر وقت صلاة المغرب إلى القاهرة من باب المدرج «١» وكانت أيام شهر رمضان، فنزل ولم يفطن به أحد، لاشتغال الخدام وغيرهم بالفطر، فلما نزل إلى تحت القلعة لم ير شيئا مما قيل له، فندم على نزوله، وبقى لا يمكنه العود إلى مكانه، فاختفى من وقته هو ومملوكه أزدمر وطواشيه صندل، وطباخه إبراهيم، ووقع له وللناس في اختفائه أمور ومحن، ونكبت جماعة كثيرة من الناس بسببه وضرب جماعة من مماليك أبيه بسببه بالمقارع والكسّارات، ووسّط بعضهم، وقلق الملك الظاهر جقمق بسببه قلقا زائدا.
وضاقت الدنيا على الملك العزيز يوسف، وتفرقت عنه أصحابه إلى أن ظفر به
стр. 6044
الملك الظاهر جقمق في أواخر شوال، وكان الذي أمسكه الملك الظاهر يلباى، وكان يوم ذاك أمير عشرة، فأنعم عليه الملك الظاهر جقمق بقرية سرياقوس، زيادة على ما بيده لكونه قبض على الملك العزيز في الليل، وطلع به إلى السلطان، ولما ظفر به الملك الظاهر جقمق حبسه بالدّور السلطانية، ثم بعثه إلى سجن الإسكندرية، فحبس بها إلى أن أطلقه الملك الظاهر خشقدم في أوائل سلطنته، هو والملك المنصور عثمان ابن الملك الظاهر جقمق، وسكن العزيز بدار في الإسكندرية إلى أن مات بها في التاريخ المقدّم ذكره، بعد أن قضى من عمره أياما عجيبة من حبس وقهر وتنغّص عيش- عوّضه الله الجنة بمنه وكرمه.
وتوفّى الشيخ الصالح المعتقد المجذوب عمر الببانى «١» الكردى بسكنه بجامع قيدان «٢» على الخليج بالقرب من قناطر الأوز «٣» خارج القاهرة، فى ليلة الجمعة سلخ محرم هذه السنة، وصلى عليه ثلاث مرار، مرّة بجامع قيدان حيث كان سكنه ووفاته، ومرّة في الطريق، ومرّة حيث دفن بتربة الملك الظاهر خشقدم في الصحراء، وكانت جنازته مشهودة إلى الغاية، بحيث إن نعشة رفع على الأصابع من كثرة الناس مع هذا المدى البعيد، ومات وقد جاوز الستين، وكان أصله ببانيّا- طائفة من الأكراد- ولد هناك وقدم القاهرة، ونزل صوفيا بخانقاه سعيد السعداء، ودام على ذلك دهرا إلى أن ظنّ منه نوع من الجنون الذي يسميه الفقراء جذبة، فنقله أهل الخانقاه عنهم، فسكن بدار، ثم انتقل إلى جامع قيدان، فدام به سنين كثيرة، وبه اشتهر بالصّلاح، وقصدته الناس للزيارة والتّبرّك بدعائه، مع أنه كان لا يقبل من أحد شيئا إلا نوع الأكل، وكانت جذبته غير مطبقة،
стр. 6045
لأنه كان لا يخل بالمكتوبة بل يغتسل في الغالب لكل صلاة صيفا وشتاء، وكان له في مبدأ أمره اشتغال ببلاده، ولم يبلغنى من كراماته شئ، وببان ببائين ثانى «١» الحروف مفتوحين وبعدهما ألف ونون ساكنة- أظنها قبيلة في الأكراد- رحمه الله تعالى.
وتوفّى المقام الشهابى أحمد ابن الملك الأشرف برسباى الدقماقى الظاهرى بدار عمّه زوج أمه الأمير قرقماس الأشرفى أمير سلاح، بخط التبّانة خارج القاهرة، فى يوم السبت سابع شهر ربيع الأول، حضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمنى، ودفن بتربة والده الملك الأشرف برسباى بالصحراء في فسقيّة واحدة، وبموت أحمد هذا انقرضت «٢» ذرية الملك الأشرف برسباى لصلبه، لأن أحمد المذكور خلّف بنات صغارا.
وكان سيدى أحمد هذا أصغر أولاد الملك الأشرف، تركه حملا، وأمه أم ولد چاركسية، تزوجها الأمير قرقماس الأشرفى الجلب، وهو الذي تولّى تربيته إلى أن كبر، وماتت أمه، فلم يتركه قرقماس، واستمر عنده، وبهذا المقتضى لم يقدر أحد من السلاطين أن يأخذه منه وبرسله إلى ثغر الإسكندرية، ولما كبر أراد غير واحد من الملوك أن يرسله إلى الإسكندرية عند أخيه الملك العزيز يوسف المقدم ذكر وفاته في هذه السنة، فقال قرقماس: «إذا خرج أحمد هذا إلى جهة من الجهات أخرج أنا أيضا معه» فسكت القائل.
ولا زال الشهابى مقيما بالقاهرة إلى أن صار في حدود الرجال غير أنه لم ينظره أحد قط، ولم يخرج من بيته قط لأمر من الأمور حتى ولا إلى صلاة الجمعة ولا إلى العيدين، بل يسمع الناس به ولا يرونه إلى أن مات، ومع هذا كاء كانت الملوك مطمئنة بإقامته بالقاهرة لحسن طاعة قرقماس للسلاطين، وكان على ما قيل شابا طوالا جميلا فاضلا عارفا، وله محبة في الفضيلة ومطالعة الكتب، ويكتب المنسوب، وكان موته بعد أخيه العزيز من النوادر، فإنه عاش بعد موت أخيه العزيز شهرا وثمانية عشر يوما، والعجيب
стр. 6046
أنهما شابان كاملان ماتا في هذه المدّة اليسيرة من غير طاعون، وإنما هى آجال متقاربة، ومحل الظن بالملك، وأظنه برئ من ذلك، اللهم إن كان وقع شيء من غير الملك من جهة النسوة أو غيرها فيمكن- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الشيخ جمال الدين عبد الله ابن الشيخ الإمام القدوة المسلك الرّبانى نور الدين أبى الحسن على بن أيّوب «١» الدمشقى الأصل والمولد والمنشأ، المصرى الدار والوفاة، خادم خانقاه سعيد السعداء، فى ليلة الأربعاء سابع عشر شهر ربيع الآخر، وصلّى عليه بعد أذان العصر من يوم الأربعاء المذكور بمصلاة باب النصر، ودفن بمقابر الصوفية.
وكان رحمه الله تعالى له اشتغال وفضيلة مع فصاحة وطلاقة لسان، ومحاضرة حسنة، وكرم نفس، مع العزلة والقناعة، مع التجمل في ملبسه وشأنه، وكان الناس في أمن من يده ولسانه- عفا الله عنه.
وتوفّى الأمير سيف الدين تنم بن عبد الله من عبد الرزاق المؤيدى نائب الشام بها فى يوم الأربعاء ثانى عشرين جمادى الأولى، ودفن بدمشق بعد يومين لأمر اقتضى ذلك، لتعلق كان عليه، ومات وهو في عشر السبعين، وكان چاركسى الجنس، من عتقاء الملك المؤيد شيخ وخاصكيته الصغار، ثم جعله خازندارا صغيرا، ومات الملك المؤيّد وهو على ذلك، ثم صار في دولة الملك الأشرف برسباى رأس نوبة الجمدارية، ثم أمير عشرة، ثم ولى حسبة القاهرة في أوائل دولة الملك الظاهر جقمق، ثم نقل إلى نيابة إسكندرية، ثم عزل وقدم القاهرة، وبعد عزله بمدّة يسيرة ولى نيابة حماة، فلم تطل مدّته بحماة، ونقل إلى نيابة حلب، فلم ينتج أمره في نيابة حلب، ورجم من أهلها، فعزله الملك الظاهر جقمق، واستقدمه إلى مصر أمير مائة ومقدّم ألف بها، ثم صار أمير مجلس، ثم صار في دولة الملك المنصور عثمان أمير سلاح بعد جرباش الكريمى قاشق، بحكم عزله وعجزه، ودام على ذلك إلى أن كانت الفتنة
стр. 6047
بين الملك المنصور عثمان وبين أتابكه إينال العلائى، فكان تنم هذا من حزب الملك المنصور بالقلعة، فلما تسلطن الأتابك إينال حبس تنم المذكور بثغر الإسكندرية، إلى أن أطلقه الملك الظاهر خشقدم، وأطلق معه الأمير قانى باى الچاركسى، وسيّرهما إلى ثغر دمياط بطّالين، ثم بعد مدة يسيرة أحضره الظاهر خشقدم إلى القاهرة، وولّاه نيابة دمشق بعد عزل الأمير جانم الأشرفى، فتوجّه تنم إلى دمشق وحكمها، فلم تحمد سيرته وتشكر طريقته، إلى أن مات في التاريخ المذكور.
وكان- رحمه الله تعالى- له مساوئ ومحاسن، وأظن الأول أكثر، ومن غريب ما اتفق في أمره أنه لما كان محبوسا كان رجل من أصحابه ملتفتا إلى أمره ولما يصير من شأنه، فقصد الرجل بعض المشهورين بعلم النّجوم وأرباب التّقويم، فعمل الرجل لتنم المذكور زايرجاة، وأتقن عملها، فخرج له أبيات تشعر بسلطنة تنم المذكور، فجاءنى الرجل وهو مسرور، وحكى لى ذلك، فأجبته بكلام معناه:
إن هؤلاء كذبة، ليس لهم معرفة بهذه الأمور، وكل ما يقولونه كذب وبهتان واختلاق، نصبة على أخذ الأموال، فعظم ذلك عليه، فقلت له: «لى معك شرط، أكتب الأبيات، فإن تسلطن فهو كما تقول، وإن كانت الأخرى فأكتبها في ترجمة وفاته ليكون ذلك عبرة لمن يصدّق كذب هؤلاء الفسقة» فقال: نعم، الأبيات هى «١» [الطويل]
وإنّ الذي في السجن لا بدّ أنه ... يكون مليكا للأنام عزيزا
فأوله تاء وآخر اسمه ... على القطع ميم، كن عليه حريزا
وذلك كهل يا أخىّ وإنه ... لضخم القفا والصدر فاصغ مميزا
ولا بد أن يأتى الزمان بقوة ... ويعلو رقابا للعداة محيزا
فزايرجة في نظمها نطقت بذا ... فكن لى بهذا العلم منك مجيزا
وهذا الذي عمل هذه الزّابرجة الناس مجمعون على معرفته، فما العجب من كذب
стр. 6048
هؤلاء الكذبة الجهلة الأوقاح، وإنما العجب من تصديق الناس لكلامهم، وقد رأيت جماعة من ذوى العقول تقول: «صدق فلان في قوله كذا وكذا» فأقول له:
«ما صدق بل حزر مرّة وثانية وثالثة ورابعة فأخطأ، ثم أصاب في الخامسة، وكل أحد يقدر على أن يقول مثل ذلك، لان الخير والشر والولاية والعزل «١» واقع في كل أوان وزمان، وكل منتصب لا بدّ له من العزل أو الموت، فالفرق في هذا المعنى بين العارف والجاهل بباب الحزر واضح لا يحتاج إلى بيان» .
وتوفّى الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله التاجى المؤيدى المعزول عن نيابة حلب، والمرشح لنيابة الشّام بعد موت تنم المقدم ذكره، قبل أن يخرج من حلب بدار سعادتها، فى يوم الخميس ثامن جمادى الآخرة بعد أن مرض أياما يسيرة، وهو في عشر السبعين، وكان چاركسى الجنس، من صغار مماليك الملك المؤيّد شيخ، وصار خاصكيا بعد موته إلى أن صار نائب بيروت في أوائل دولة الملك الظاهر جقمق، ثم نقل إلى نيابة غزة، ثم ولى نيابة صفد، ثم حماة، كل ذلك ببذل المال لاتّضاع قدره، ثم ولى نيابة حلب بعد موت الحاج إينال اليشبكى، فباشر ذلك إلى هذه السنة، فرسم له أن يقدم إلى القاهرة «٢» أمير مائة ومقدّم ألف بالديار المصرية، فتهيأ للخروج من حلب فمات الأمير تنم نائب الشام، فأقره الملك الظاهر خشقدم عوضه في نيابة الشام، فمات جانبك هذا قبل أن يصل إليه الخبر بولاية دمشق، وقيل بعد وصول الخبر بيوم، وكان متوسط السّيرة في ولايته، ولم تسبق له رئاسة بالديار المصرية غير الخاصكية، وكان غالب ولايته ببذل المال، والذي يبذل المال لا بد له من الظلم، وقد بلغنا عنه أنه كان يستعمل لقيمة الفقراء «٣» الخضراء، والله أعلم بصحة ذلك.
стр. 6049
وتوفّى الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله الأبلق أحد أمراء العشرات قتيلا بيد الفرنج في الماغوصة بجزيرة قبرس في إحدى الجمادين، وقد ذكرنا سبب قتله فى «الحوادث» وحاصل الأمر: أنه لما ملك الماغوصة، مدّ يده لأولاد أهل الماغوصة من الفرنج، فعزّ على الفرنج ذلك، لأنه كان أخذها بالأمان: فشكوا ذلك إلى صاحب قبرس جاكم الفرنجى، فنهاه عن ذلك فلم ينته، فوقع بينهم تشاجر أدّى ذلك إلى قتله، ولم ينتطح في ذلك شاتان، وبالجملة إن جانبك المذكور كان غير مشكور السيرة في مدّة إقامته بقبرس- رحمه الله تعالى.
وتوفّى شيخ الإسلام قاضى القضاة علم الدين صالح ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير البلقينى الكنانى «١» الشافعى، قاضى قضاة الديار المصرية وعالمها، فى يوم الأربعاء وقت الزوال خامس شهر رجب، بعد أن مرض نحو عشرة أيام، ودفن من الغد بمدرسة والده تجاه داره بحارة بهاء الدين، بعد أن صلى عليه بالجامع الحاكمى، وتوجهوا بجنازته من طريق الجملون العتيق، ودخلوا بها من باب الجامع الذي بالشارع عند باب النصر، وعادوا بنعشه من الباب الذي بالقرب من باب الفتوح، وأعيد إلى مدفنه، وكانت جنازته مشهودة إلى الغاية.
ومات وسنه سبع وسبعون سنة، لأن مولده بعد عشاء ليلة الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وهو من جملة الفقهاء الذين قرأت عليهم القرآن في صغرى، لأن أختى كانت تحت أخيه قاضى القضاة جلال الدين البلقينى، فكنّا بهذا المقتضى كشىء واحد، وكان إماما عالما فقيها، درّس وأفتى سنين كثيرة، وناب في الحكم عن أخيه جلال الدين المذكور، ثم ولى القضاء بعد ذلك غير مرّة، وطالت أيّامه في المنصب، وانتهت إليه رئاسة مذهبه في زمانه، وقد استوعبنا حاله في عدة مواضع من مصنفاتنا، ليس لذكرها في هذا المختصر محل، وفي شهرته ما يغنى عن الإطناب في ذكره هنا- رحمه الله تعالى ورضى عنه.
стр. 6050
وتوفّى الأمير سيف الدين كمشبغا بن عبد الله السيفى نخشباى نائب ألبيرة بها فى أواخر شوال، وكان من عتقاء الأمير نخشباى الذي ضرب الملك الظاهر جقمق رقبته، ثم خدم كمشبغا هذا في بيت السلطان، ثم صار خاصكيا، ودام على ذلك دهرا إلى أن سعى في نيابة قلعة حلب فوليها دفعة واحدة بالبذل، فلم تشكر سيرته وعزل، ونقل إلى ألبيرة، فلم تطل مدته بها، ومات في التاريخ المذكور، وكان لا ذات ولا أدوات، ولولا أنه ولى هاتين الولايتين ما ذكرناه هنا.
وتوفّى الشيخ أبو الفضل محمد ابن الشيخ الإمام الفقيه الصالح القدوة المسلك شمس الدين محمد بن حسن المعروف والده بالشيخ الحنفى، فى ليلة السبت ثامن ذى الحجة بجزيرة أروى المعروفة بالوسطانية، بعد مجيئه من الوجه البحرى، وحمل من الجزيرة في باكر نهار «١» السبت المذكور، وصلّى عليه ودفن بزاوية أبيه خارج قنطرة طقزدمر «٢» ، وهو في عشر الستين من العمر، وكانت لديه فضيلة، وله اشتغال بحسب الحال، ولكنه لم يكن أمينا على الأوقاف- عفا الله تعالى عنه بمنه وكرمه.
وتوفّى الوزير علاء الدين على ابن الحاج محمد الأهناسى «٣» بمكة المشرفة بطالا في حياة أبيه، فى ثانى عشرين ذى القعدة، ومات وهو في أوائل الكهولية، وقد ولى على هذا الوزر والأستادارية والخاص غير مرّة، وعلىّ هذا وأبوه محمد هما من أطراف الناس الأوباش المعدودة رئاستهم من غلطات الدّهر، وقد ذكرنا من أحوال على هذا وولاياته نبذة كبيرة في تاريخنا «الحوادث» تغنى عن العيادة هنا- انتهى- رحمه الله تعالى.
وتوفّى السلطان صارم الدين إبراهيم بن محمد بن على بن قرمان صاحب بلاد الرّوم- قونية، ولا رنده وقيسارية وغيرها- فى أواخر ذى القعدة أو أوائل ذى الحجة
стр. 6051
وقد ناهز الستين من العمر، بعد أن ولى بلاد قرمان أكثر من خمس وأربعين سنة، وتولى بعده ابنه إسحاق، وفي لغتهم إسحاق أيسق، ووقع الخلف بسبب ولاية إسحاق بين أولاده.
وبنو قرمان هؤلاء من أصلاء الملوك كابرا عن كابر، أبا عن جد فصاعدا إلى السلطان علاء الدين السّلجوقى، وقيل إن بنى قرمان هؤلاء من ذرية بايندر أحد أكابر أمراء جانكزخان ملك التّرك الأعظم.
وتوفّى القاضى شمس الدين محمد ابن الشيخ بدر الدين محمد بن السّحماوى «١» الشافعى أحد أعيان موقعى الدست الشريف بالديار المصرية، فى ليلة السبت خامس عشر ذى الحجة، ودفن صبيحة يوم السبت المذكور عن اثنتين وثمانين سنة، وكانت لديه فضيلة وعنده حشمة وأدب وتواضع، وباشر التوقيع أزيد من خمسين سنة، وخدم بالتوقيع عند جماعة من أعيان الأمراء، آخرهم الملك الظاهر خشقدم إلى أن تسلطن- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين طوخ بن عبد الله الجكمى الرأس نوبة الثانى- كان- وأحد أمراء الطبلخانات بطالا بعد ما كفّ بصره، فى ليلة الأربعاء تاسع عشر ذى الحجة، ودفن من الغد بالصحراء، وقد زاد سنه على الثمانين ولم يحج حجة الإسلام، وكان أصله من مماليك جكم المتغلب على حلب، وكان من مساوئ الدهر لا يصلح لدين ولا لدنيا، وكان مسرفا على نفسه، ما أظنه ترك الشرب إلا في مرض موته، ولم يحج حجة الإسلام مع طول عمره وسعة ماله- ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، اللهم وفقنا لما تحب وترضى يا رب العالمين.
وتوفّى الأمير سيف الدين بردبك بن عبد الله الأشرفى الدّوادار الثانى- كان-، قتيلا بيد العربان بالقرب من منزلة خليص «٢» فى عوده من الحج في يوم
стр. 6052
الاثنين سادس عشر ذى الحجة، وقد ناهز الخمسين أو جاوزها، وكان أصله من سبى قبرس قبيل سنة ثلاثين وثمانمائة مراهقا، وملكه الملك الأشرف إينال أيّام إمرته، وربّاه وأعتقه وجعله خازنداره، وزوّجه بابنته الكبرى، ثم جعله دواداره، ولما تسلطن أمّره وجعله دوادارا ثالثا ثم جعله دوادارا ثانيا، ونالته السعادة، وعظم في الدولة وقصده الناس لقضاء حوائجهم، وشاع ذكره وبعد صيته، وحمدت سيرته، وعمّر الجوامع في عدّة بلاد، وله مآثر وذكر في الصدقات والإعطاء، ودام على الدّوادارية إلى أن نكب ابن أستاذه السلطان الملك المؤيّد أحمد ابن الملك الأشرف إينال، وخلع من السلطنة، وأمسك بردبك هذا وصودر، وأخذ منه نحو من مائتى ألف دينار، ووقع له أمور.
وبالجملة إنه كان لا بأس به لولا محبته لجمع المال من أى وجه كان- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الشيخ الفقيه العالم المقرئ تاج الدين محمد بن أحمد الفطويسى «١» الإسكندرى المالكى إمام السلطان، ومدرس الحديث بالظاهرية العتيقة، مات في نصف ذى القعدة، ومولده سنة خمس عشرة وثمانمائة، واشتغل كثيرا في عدّة علوم، لكنه لم يكن ماهرا فى غير القراءات، وحصلت له وجاهة آخر عمره.
وتوفّى الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله اليشبكى التركمانى المعروف بسودون قندورة، أحد مقدمى الألوف بدمشق وأمير حاج المحمل الشامى، بعد خروجه من المدينة الشريفة إلى جهة الشام، فى أواخر ذى الحجة، أو في أوائل المحرم، وقد زاد سنه على الستين، وكان من مماليك الأمير يشبك الجكمى الأمير آخور، وبقى بعد أستاذه من جملة مماليك السلطان، ودام على ذلك دهرا طويلا لا يلتفت إليه، إلى أن تحرك له بعيض سعد، وانتمى للصاحب جمال الدين ناظر الخاص ابن كاتب جكم بواسطة خچداشه جانبك اليشبكى والى القاهرة، فولى بعض قلاع البلاد الشامية:
стр. 6053
قلعة صفد، وقلعة الشام، ثم تنقل في البلاد بالبذل إلى أن صار من أمره ما كان، ولم يكن سودون هذا من أعيان الأمراء لتشكر أفعاله أو تذم.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وخمسة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وثلاثة عشر إصبعا.
стр. 6054
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٦٩]
السنة الخامسة من سلطنة الملك الظاهر خشقدم على مصر وهى سنة تسع وستين وثمانمائة:
فيها توفّى الأمير سيف الدين قانى باى طاز بن عبد الله البكتمرى نائب ألبيرة بها، فى أواخر شهر ربيع الأول أو أوائل شهر ربيع الآخر، وهو في الثمانين تخمينا، وكان أصله من مماليك بكتمر جلّق الظاهرى نائب الشام، وصار بعد موت أستاذه من مماليك السلطان، ثم نقل في أواخر عمره إلى نيابة قلعة صفد، ثم إلى نيابة ألبيرة، إلى أن مات، وهو من مقولة سودون تركمان المقدم ذكره في السنة الخالية.
وتوفّى الأمير موسى [بن محمد بن موسى «١» ] صاحب حلى ابن يعقوب «٢» من بلاد اليمن في شهر ربيع الآخر بمدينة حلى ابن يعقوب، وكان معدودا من أعيان الأمراء ومن ذوى البيوت في الممالك، ولجده موسى مع الشريف حسن بن عجلان صاحب مكّة وقائع ذكرناها في ترجمة حسن المذكور في تاريخنا «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» .
وتوفّى الشهاب بديد بن شكر «٣» وزير الشريف محمد بن بركات صاحب مكّة، فى ليلة السبت السابع من جمادى الأولى بوادى الآبار من عمل مكة، وحمل بقية ليلته على الرقاب إلى بطن مكة، فغسّل بالبيت الذي أنشأه الشريف محمد بن بركات بمكة، وصلى عليه صلاة الصبح بالحرم، ودفن بالمعلاة على والده، وكانت جنازته مشهودة،
стр. 6055
وأسف الناس عليه؛ لأنه كان مقصودا للخير، ومن بقية الشيوخ والأكابر المشار إليهم، وبديد بباء موحدة ثانية الحروف مضمومة وبعدها دال مهملة مفتوحة، ثم ياء آخر الحروف ثم دال ساكنتين.
وتوفّى القاضى بدر الدين محمد ابن قاضى القضاة شيخ الإسلام شهاب الدين أحمد ابن على بن حجر «١» العسقلانى الشافعى في يوم الأربعاء سادس عشر جمادى الآخرة وقد جاوز الخمسين من العمر، ولم يخلف قاضى القضاة ولدا ذكرا غيره ولا أنثى، وبموته انقطع نسل ابن حجر من الذكور «٢» .
وتوفّى الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله الناصرى نائب طرابلس بها في يوم الأربعاء حادى عشرين شهر رجب، وقد جاوز السبعين من العمر، وكان من صغار مماليك الملك الناصر فرج وعتقائه، ثم خدم بعد موت أستاذه عند خچداشه الأمير برسباى حاجب حجاب دمشق، وبخدمته عرف بين الناس، ودام بخدمته إلى أن خرج الأمير إينال الجكمى نائب الشام على الملك الظاهر جقمق وانهزم، فقبض جانبك عليه، وقد ذكرنا كيفية القبض عليه في غير موضع من مصنفاتنا، ليس لذكرها في هذا المختصر محل، فأنعم عليه الملك الظاهر جقمق بإمرة طبلخاناه بدمشق، ثم تنقل بعد ذلك بعدّة وظائف وأعمال غالبها بالبذل، إلى أن مات رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير عجل بن نعير أمير عرب آل فضل «٣» بالبلاد الشامية، وهو بطّال بالقرب من أعمال حلب.
وتوفى السلطان خليل بن إبراهيم «٤» صاحب مملكة شماخى وما والاها في السنة
стр. 6056
الخالية، فيما أظن بمدينة شماخى «١» ولم تحرّر وفاته إلا في هذه السنة لبعد المسافة، ومات بعد أن ملك نحو أربعين سنة، وكان من أجلّ ملوك الشرق قدرا وأحسنهم سيرة، وأجودهم بضاعة وأكثرهم سياسة، وأحزمهم رأيا، وهو آخر من كان بقى من أكابر الملوك، وهو أحد من أوصاه السلطان مرادبك بن محمد بن عثمان ملك الرّوم على ولده محمد صاحب الروم في زماننا هذا، وقد ذكرنا أمره محررا فى «الحوادث» - رحمه الله تعالى.
وتوفّى الوزير شمس الدين محمد البباوى، غريقا ببحر النيل بساحل بولاق بالقرب من فم الخور، وقت المغرب من يوم الأربعاء ثامن عشرين ذى الحجة، وهو في الكهولية؛ وكان سبب موته أنه توجه في مركب عقيبة «٢» إلى ناحية طناش بالجيزية أو غيرها، وعاد فغرق من شردريح وافى مركبه قلبتها، ولله الحمد.
وكان اللباوى هذا أصله من بباالكبرى بالوجه القبلى، كان بها خفيرا، وقيل راعيا، وقيل غير ذلك، وقدم القاهرة، وصار بخدمة بعض الطباخين مرقدارا، ثم صار صبيا عند بعض معاملى اللحم، ولا زال ينتقل في هذه الصناعات إلى أن صار معاملا، وحسنت حاله، وركب حمارا، ولا زال أمره ينمو في صناعته إلى أن أثرى، وحصّل مالا كثيرا، وصار معوّل الوزراء عليه في حمل اللحم المرتب للمماليك السلطانية، وبقى يركب بغلا بنصف رحل بسلخ جلد خروف «٣» ، ويلبس قميصا أزرق كأكابر المعاملين.
وسمع الملك الظاهر خشقدم بسعة ماله- وكان من الخسّة والطمع في محل كبير- فاحتال على أخذ ماله بأن ولّاه نظر الدّولة في أوائل ذى الحجة من سنة سبع وستين، ولبس البباوى العمامة والفرجيّة والخفّ والمهماز، وتزيّا بزى الكتاب، وترك زىّ المعاملين «٤» ، فشقّ ذلك على الناس قاطبة، وعدّوا ذلك من قبائح الملك الظاهر خشقدم،
стр. 6057
لأن البباوى هذا مع انحطاط قدره وجهله ووضاعته وسفالة أصله، مع عدم معرفته بالكتابة والقراءة، فإنه كان أمّيّا لا ينطق بحرف من حروف الهجاء، إلا إن كان تلقينا، ومع هذا كله كان غير لائق في زيّه، فباشر نظر الدّولة مدّة يسيرة، واختفى الأمير زين الدين الأستادار وولى الأستادارية من بعده المجد بن البقرى، وشغر الوزر عنه، وطلب السلطان البباوىّ هذا وولّاه الوزر في يوم الثلاثاء سابع عشر شهر ربيع الأول من سنة ثمان وستين وثمانمائة، وصار وزير الديار المصرية، فلم نعلم بأقبح حادثة وقعت في الديار المصرية قديما وحديثا من ولاية البباوى هذا للوزر؛ لأنه كان أحد الأعوام الأوباش الأطراف السّوقة، ووثب على هذه الوظيفة العظيمة التي هى أجلّ وظائف الدنيا بعد الخلافة شرقا وغربا، وقد وليها قديما جماعة كثيرة بالديار المصرية وغيرها من سادات الناس من زمن عبد الملك بن مروان إلى أيام الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، وهى إلى الآن أرفع الوظائف قدرا في سائر بلاد الله، وفي كل قطر من الأقطار إلا الديار المصرية فإنه انحطّ بها قدرها، ووليها من الأوباش وصغار الكتبة جماعة من أوائل القرن التاسع إلى يومنا هذا، فالذى وليها في عصرنا هذا ممن لا يصلح لولايتها ابن النجّار، وعلى بن الأهناسى البرددار، وأبوه الحاج محمد المقدّم [ذكره] «١» ، ويونس بن جربغا دوادار فيروز النّوروزى، وغيرهم من هذه المقولة، ومع هذا كله بلاء أعظم من بلاء، وأعظم الكل ولاية البباوى هذه، فإن كل واحد ممن ذكرنا من الذين ولّوا الوزر كان لكل واحد ميزة في نفسه، وقد تقدّم له نوع من أنواع الخدم والمباشرات، إلا البباوى هذا فإنه لم يتقدّم له نوع من أنواع الرئاسة، ومع هذه المساوئ باشر بظلم وعسف وعدم حشمة وقلة أدب مع الأكابر والأعيان، وساءت سيرته، وكثر الدعاء عليه، إلى أن أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، وأراح الله المسلمين منه؛ وقد هجاه الشعراء بأهاج كثيرة، ذكرنا بعضها في تاريخنا «الحوادث» ، وأنا أستغفر الله من لفظة وقعت منى في ترجمته، فإنى قلت في آخر ترجمته: ما ولى الوزر في الدنيا أحد أخسّ
стр. 6058
من البباوى هذا، ولا يليها أيضا أحد قبح منه إلى يوم القيامة، فوليها بعد مدة شخص من غلمانه يقال له قاسم جغيتة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع سواء، مبلغ الزيادة لم يتحرّر، نذكره في السنة الآتية عند انتهاء النيل.
стр. 6059
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٧٠]
السنة السادسة من سلطنة الملك الظاهر خشقدم على مصر وهى سنة سبعين وثمانمائة.
فيها توفّى الأمير زين الدين «١» قراجا بن عبد الله العمرى الناصرى أحد أمراء الألوف بدمشق بها في المحرم، وقد ناهز الثمانين من العمر، وهو من مماليك الناصر فرج بن برقوق، وطالت أيامه في الجندية إلى أن استقرّ به الملك الظاهر جقمق والى القاهرة، ثم تنقّل بعد ذلك في عدّة ولايات إلى أن صار أحد أمراء الألوف بدمشق، إلى أن مات في هذه السنة، وكان من المهملين المسرفين على أنفسهم مع شهرة بالشجاعة.
وتوفّى الأمير إسحاق بن إبراهيم بن قرمان ملك الروم، غريبا عن بلاده بديار بكر عند حسن بك بن قرايلك في أوائل المحرم، بعد أن وقع له أمور وحروب لما ملك الروم وخالفه إخوته، وقد ذكرنا أمره في تاريخنا «الحوادث» مفصلا.
وتوفّى الأمير سيف الدين جانم بن عبد الله المؤيّدى، المعروف بحرامى شكل، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، بعد مرض طويل وعمر طويل أيضا، وكان من أوباش مماليك الملك المؤيّد شيخ، وطالت أيامه في الخمول والفقر إلى أن جعله الملك الظاهر جقمق بوّابا، وأنعم عليه بإقطاع كبير، فحسن حاله، وامتنع عن الشحاتة من الأكابر، ودام على ذلك إلى أن تسلطن الملك الأشرف إينال، فطلب منه إمرة، فلم يعطه شيئا، فقام بين يديه في الملأ وقال: «إما توسطنى أو تعطينى إمرة» ، فضحك الناس وشفعوا له حتى أعطاه إمرة عشرة، ثم صار من جملة رءوس النوب،
стр. 6060
ودام على ذلك إلى أن مات، وكان له حكايات في البخل والجنون والنذالة نستحى من ذكرها، وبالجملة إنه كان بوجوده عارا على جنس بنى آدم.
وتوفّى القاضى بدر الدين حسن الرهونى المالكى «١» أحد نوّاب الحكم المالكية بالقاهرة، فى يوم الثلاثاء أوّل شهر ربيع الأوّل، وقد قارب الستين من العمر، وكانت لديه فضيلة، إلا أنه كان متهوّرا في أحكامه.
وتوفى القاضى نور الدين على الشيشينى الحنبلى «٢» ، أحد نوّاب الحكم الحنابلة فى صفر، وقد جاوز الكهولية، وكان فاضلا معدودا من فقهاء الحنابلة.
وتوفى القاضى بدر الدين محمد ابن القاضى ناصر الدين محمد، المعروف بابن المخلّطة «٣» ، المالكى السكندرى الأصل، المصرى المولد والمنشأ والوفاة، فى ليلة السبت تاسع عشر ربيع الأول، ودفن من الغد بالصحراء، وهو في عنفوان الشبيبة، وكان ولى نيابة الحكم بالقاهرة، ثم ولى قضاء الإسكندرية، وحسنت سيرته، إلى أن مرض وقدم القاهرة مريضا، ولازم الفراش إلى أن مات، وكان فاضلا عالما فقيها أديبا، حسنة من حسنات الدهر- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الشيخ المعتقد إبراهيم الغنام «٤» بداره بالحسينية خارج القاهرة، فى يوم الخميس مستهل ربيع الآخر، وصلى عليه برحبة بالقرب من داره، ودفن بها، وكان من المعمرين، وللناس فيه اعتقاد حسن، وكان يبيع لبن المعز، يسوقها أمامه بالطرقات على عادة باعة «٥» اللبن، وكان مشهورا بالصلاح.
وتوفى الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله من أمير الأشرفى المعروف
следующие страницы →