← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

الخالية، فيما أظن بمدينة شماخى «١» ولم تحرّر وفاته إلا في هذه السنة لبعد المسافة، ومات بعد أن ملك نحو أربعين سنة، وكان من أجلّ ملوك الشرق قدرا وأحسنهم سيرة، وأجودهم بضاعة وأكثرهم سياسة، وأحزمهم رأيا، وهو آخر من كان بقى من أكابر الملوك، وهو أحد من أوصاه السلطان مرادبك بن محمد بن عثمان ملك الرّوم على ولده محمد صاحب الروم في زماننا هذا، وقد ذكرنا أمره محررا فى «الحوادث» - رحمه الله تعالى. وتوفّى الوزير شمس الدين محمد البباوى، غريقا ببحر النيل بساحل بولاق بالقرب من فم الخور، وقت المغرب من يوم الأربعاء ثامن عشرين ذى الحجة، وهو في الكهولية؛ وكان سبب موته أنه توجه في مركب عقيبة «٢» إلى ناحية طناش بالجيزية أو غيرها، وعاد فغرق من شردريح وافى مركبه قلبتها، ولله الحمد. وكان اللباوى هذا أصله من بباالكبرى بالوجه القبلى، كان بها خفيرا، وقيل راعيا، وقيل غير ذلك، وقدم القاهرة، وصار بخدمة بعض الطباخين مرقدارا، ثم صار صبيا عند بعض معاملى اللحم، ولا زال ينتقل في هذه الصناعات إلى أن صار معاملا، وحسنت حاله، وركب حمارا، ولا زال أمره ينمو في صناعته إلى أن أثرى، وحصّل مالا كثيرا، وصار معوّل الوزراء عليه في حمل اللحم المرتب للمماليك السلطانية، وبقى يركب بغلا بنصف رحل بسلخ جلد خروف «٣» ، ويلبس قميصا أزرق كأكابر المعاملين. وسمع الملك الظاهر خشقدم بسعة ماله- وكان من الخسّة والطمع في محل كبير- فاحتال على أخذ ماله بأن ولّاه نظر الدّولة في أوائل ذى الحجة من سنة سبع وستين، ولبس البباوى العمامة والفرجيّة والخفّ والمهماز، وتزيّا بزى الكتاب، وترك زىّ المعاملين «٤» ، فشقّ ذلك على الناس قاطبة، وعدّوا ذلك من قبائح الملك الظاهر خشقدم،

стр. 6057

لأن البباوى هذا مع انحطاط قدره وجهله ووضاعته وسفالة أصله، مع عدم معرفته بالكتابة والقراءة، فإنه كان أمّيّا لا ينطق بحرف من حروف الهجاء، إلا إن كان تلقينا، ومع هذا كله كان غير لائق في زيّه، فباشر نظر الدّولة مدّة يسيرة، واختفى الأمير زين الدين الأستادار وولى الأستادارية من بعده المجد بن البقرى، وشغر الوزر عنه، وطلب السلطان البباوىّ هذا وولّاه الوزر في يوم الثلاثاء سابع عشر شهر ربيع الأول من سنة ثمان وستين وثمانمائة، وصار وزير الديار المصرية، فلم نعلم بأقبح حادثة وقعت في الديار المصرية قديما وحديثا من ولاية البباوى هذا للوزر؛ لأنه كان أحد الأعوام الأوباش الأطراف السّوقة، ووثب على هذه الوظيفة العظيمة التي هى أجلّ وظائف الدنيا بعد الخلافة شرقا وغربا، وقد وليها قديما جماعة كثيرة بالديار المصرية وغيرها من سادات الناس من زمن عبد الملك بن مروان إلى أيام الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، وهى إلى الآن أرفع الوظائف قدرا في سائر بلاد الله، وفي كل قطر من الأقطار إلا الديار المصرية فإنه انحطّ بها قدرها، ووليها من الأوباش وصغار الكتبة جماعة من أوائل القرن التاسع إلى يومنا هذا، فالذى وليها في عصرنا هذا ممن لا يصلح لولايتها ابن النجّار، وعلى بن الأهناسى البرددار، وأبوه الحاج محمد المقدّم [ذكره] «١» ، ويونس بن جربغا دوادار فيروز النّوروزى، وغيرهم من هذه المقولة، ومع هذا كله بلاء أعظم من بلاء، وأعظم الكل ولاية البباوى هذه، فإن كل واحد ممن ذكرنا من الذين ولّوا الوزر كان لكل واحد ميزة في نفسه، وقد تقدّم له نوع من أنواع الخدم والمباشرات، إلا البباوى هذا فإنه لم يتقدّم له نوع من أنواع الرئاسة، ومع هذه المساوئ باشر بظلم وعسف وعدم حشمة وقلة أدب مع الأكابر والأعيان، وساءت سيرته، وكثر الدعاء عليه، إلى أن أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، وأراح الله المسلمين منه؛ وقد هجاه الشعراء بأهاج كثيرة، ذكرنا بعضها في تاريخنا «الحوادث» ، وأنا أستغفر الله من لفظة وقعت منى في ترجمته، فإنى قلت في آخر ترجمته: ما ولى الوزر في الدنيا أحد أخسّ

стр. 6058

من البباوى هذا، ولا يليها أيضا أحد قبح منه إلى يوم القيامة، فوليها بعد مدة شخص من غلمانه يقال له قاسم جغيتة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع سواء، مبلغ الزيادة لم يتحرّر، نذكره في السنة الآتية عند انتهاء النيل.

стр. 6059

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٧٠] السنة السادسة من سلطنة الملك الظاهر خشقدم على مصر وهى سنة سبعين وثمانمائة. فيها توفّى الأمير زين الدين «١» قراجا بن عبد الله العمرى الناصرى أحد أمراء الألوف بدمشق بها في المحرم، وقد ناهز الثمانين من العمر، وهو من مماليك الناصر فرج بن برقوق، وطالت أيامه في الجندية إلى أن استقرّ به الملك الظاهر جقمق والى القاهرة، ثم تنقّل بعد ذلك في عدّة ولايات إلى أن صار أحد أمراء الألوف بدمشق، إلى أن مات في هذه السنة، وكان من المهملين المسرفين على أنفسهم مع شهرة بالشجاعة. وتوفّى الأمير إسحاق بن إبراهيم بن قرمان ملك الروم، غريبا عن بلاده بديار بكر عند حسن بك بن قرايلك في أوائل المحرم، بعد أن وقع له أمور وحروب لما ملك الروم وخالفه إخوته، وقد ذكرنا أمره في تاريخنا «الحوادث» مفصلا. وتوفّى الأمير سيف الدين جانم بن عبد الله المؤيّدى، المعروف بحرامى شكل، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، بعد مرض طويل وعمر طويل أيضا، وكان من أوباش مماليك الملك المؤيّد شيخ، وطالت أيامه في الخمول والفقر إلى أن جعله الملك الظاهر جقمق بوّابا، وأنعم عليه بإقطاع كبير، فحسن حاله، وامتنع عن الشحاتة من الأكابر، ودام على ذلك إلى أن تسلطن الملك الأشرف إينال، فطلب منه إمرة، فلم يعطه شيئا، فقام بين يديه في الملأ وقال: «إما توسطنى أو تعطينى إمرة» ، فضحك الناس وشفعوا له حتى أعطاه إمرة عشرة، ثم صار من جملة رءوس النوب،

стр. 6060

ودام على ذلك إلى أن مات، وكان له حكايات في البخل والجنون والنذالة نستحى من ذكرها، وبالجملة إنه كان بوجوده عارا على جنس بنى آدم. وتوفّى القاضى بدر الدين حسن الرهونى المالكى «١» أحد نوّاب الحكم المالكية بالقاهرة، فى يوم الثلاثاء أوّل شهر ربيع الأوّل، وقد قارب الستين من العمر، وكانت لديه فضيلة، إلا أنه كان متهوّرا في أحكامه. وتوفى القاضى نور الدين على الشيشينى الحنبلى «٢» ، أحد نوّاب الحكم الحنابلة فى صفر، وقد جاوز الكهولية، وكان فاضلا معدودا من فقهاء الحنابلة. وتوفى القاضى بدر الدين محمد ابن القاضى ناصر الدين محمد، المعروف بابن المخلّطة «٣» ، المالكى السكندرى الأصل، المصرى المولد والمنشأ والوفاة، فى ليلة السبت تاسع عشر ربيع الأول، ودفن من الغد بالصحراء، وهو في عنفوان الشبيبة، وكان ولى نيابة الحكم بالقاهرة، ثم ولى قضاء الإسكندرية، وحسنت سيرته، إلى أن مرض وقدم القاهرة مريضا، ولازم الفراش إلى أن مات، وكان فاضلا عالما فقيها أديبا، حسنة من حسنات الدهر- رحمه الله تعالى. وتوفّى الشيخ المعتقد إبراهيم الغنام «٤» بداره بالحسينية خارج القاهرة، فى يوم الخميس مستهل ربيع الآخر، وصلى عليه برحبة بالقرب من داره، ودفن بها، وكان من المعمرين، وللناس فيه اعتقاد حسن، وكان يبيع لبن المعز، يسوقها أمامه بالطرقات على عادة باعة «٥» اللبن، وكان مشهورا بالصلاح. وتوفى الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله من أمير الأشرفى المعروف

стр. 6061

بالظريف «١» ، محبوسا بقلعة صفد في هذه السّنة، وقد جاوز الكهولية، وكان من صغار مماليك الملك الأشرف برسباى، وصار خاصكيا في دولة الملك الظاهر جقمق، ثم خازندارا صغيرا «٢» ثم دوادارا صغيرا «٣» ثم تأمّر عشرة، ثم صار خازندارا كبيرا في دولة الملك الأشرف إينال، ثم صار في دولة الملك الظاهر خشقدم دوادارا ثانيا بإمرة مائة وتقدمة ألف، فلم تطل أيامه فيها، وقبض عليه مع من قبض عليه من خچداشيته الأشرفية، وحبس سنين إلى أن مات في السجن، وكان شابا خفيفا، وفيه طيش مع تكبّر وتعاظم وبخل زائد، لكنه كان عارفا بأنواع الملاعيب كالرّمح والبرجاس وغير ذلك، وعلى كل حال كانت مساوئه أكثر من محاسنه. وتوفّى الأمير سيف الدين ملك أصلان بن سليمان بن ناصر الدين بك بن دلغادر نائب أبلستين قتيلا بها بيد فداوى في صلاة الجمعة بالجامع، وثب عليه الفداوى وضربه بسكين كان في يده إلى أن قتله، وقتل الفداوى في الوقت، وقيل إن الفداوى كان أرسله الملك الظاهر خشقدم، وحضر سيفه إلى الديار المصرية في عاشر ربيع الآخر، وولى بعده شاه بضع أخوه، ووقع بعد ذلك أمور وفتن قائمة إلى يومنا هذا. وتوفّى الشيخ الإمام الخطيب البليغ الأديب المفنن برهان الدين إبراهيم ابن قاضى القضاة شهاب الدين أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرج بن عبد الله بن عبد الرحمن «٤» الباعونى الأصل، الدّمشقى المولد والمنشأ والوفاة، فى يوم الخميس ربع عشرين شهر ربيع الأوّل، ودفن من يومه، وقد عمّر، ومولده في سابع عشرين شهر رمضان سنة سبع وسبعين وسبعمائة، ونشأ بدمشق، وطلب العلم، وقرأ على علماء عصره إلى أن برع في عدّة فنون من فقه وعربية وأدب، وغلب عليه الأدبيات والشعر، وله نظم رائق ونثر فائق، وقفت على عدّة كتب من مكاتباته تدلّ على فضل كبير

стр. 6062

وعلم غزير، واتساع باع في الأدب وأنواعه، وله رسالة عاطلة من النقط، أبدع فيها وأتى بغرائب، مع عدم التكلّف، وخمّس ألفية ابن مالك في النحو، وله غير ذلك من المصنفات، وولى خطابة دمشق، ومشيخة الباسطية، وسئل بقضاء دمشق فامتنع، ووليها أخوه القاضى جمال الدين يوسف الباغونى، ولم يزل الشيخ برهان الدين على أحسن طريقة إلى أن مات- رحمه الله تعالى. وتوفّيت خوند شكرباى الناصرية الأحمدية زوجة السلطان الملك الظاهر خشقدم فى يوم الأربعاء سادس جمادى الأولى، وصلى عليها تحت طبقة الزّمام تجاه باب الستارة، ودفنت بتربة زوجها السلطان الملك الظاهر خشقدم التي أنشأها بالصحراء، وأنزلت من القلعة، ولم يغطّ نعشها ببخشاناه «١» على عادة الخوندات، بل جعل على نعشها خرقة مرقعة للفقراء، وجعل أمام نعشها أعلام أحمدية «٢» ، وكان ذلك بوصية منها، وكان أصلها چاركسية الجنس، من عتقاء الملك الناصر فرج ابن الملك الظاهر برقوق، وتزوجت بعد موت أستاذها بالأمير أبرك الجكمى، واستولدها أبرك أولادا، منهم: خاتون أم الشهابى أحمد ابن العينى، وماتت خاتون المذكورة في سلطنة الملك الظاهر خشقدم، ولم يتزوّج السلطان الملك الظاهر غيرها إلا بعدها. وتوفّى الأمير سيف الدين كسباى بن عبد الله الششمانى الناصرى ثم المؤيدى، أحد أمراء الطبلخانات في ليلة الاثنين ثالث «٣» جمادى الآخرة، ودفن بتربته التي أنشأها خارج القاهرة، وكان أصله من مماليك الملك الناصر فرج، ثم ملكه الملك المؤيّد شيخ وأعتقه، وصار خاصكيا بعد موته ودام على ذلك إلى أن جعله الملك الظاهر جقمق دوادارا صغيرا، ووقع له معه أمور ومحن، إلى أن صار أميرا في دولة الملك

стр. 6063

الأشرف إينال، ثم صار من أمراء الطبلخانات في دولة خچداشه الملك الظاهر خشقدم إلى أن مات في التاريخ المذكور، وكان رأسا في فنون الفروسية، عارفا بأنواع الملاعيب، كالرمح والنشاب والبرجاس وغير ذلك، لكنه كان عنده خفة وطيش، مع سلامة باطن- رحمه الله تعالى وعفا عنه. وتوفّى القاضى فخر الدين محمد الأسيوطى الشافعى «١» أحد نواب الحكم الشافعية، فى يوم الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة، وسنه أزيد من سبعين سنة، وقد ناب فى الحكم أزيد من أربعين سنة، على أنه كان قليل العلم والعمل- عفا الله عنه. وتوفّى الشيخ الواعظ المذكّر أبو العباس أحمد بن عبد الله المقدسىّ «٢» الشافعى الواعظ، بعد مرض طويل، بالقاهرة في ليلة الأربعاء سادس عشرين جمادى الآخرة، ودفن من الغد بالقرافة الصّغرى، ومولده في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، هكذا ذكر لى عند ما استجارنى، وكان له اشتغال قديم، وغلب عليه الوعظ والتّذكير، وعمل المواعيد «٣» ، وكان لتذكيره تأثير في القلوب، وعليه أنس، وله باع واسع فى الحفظ للأحاديث والتفسير وكرامات الصالحين، وكان له في التذكير القبول الزائد من كل أحد، وأثرى من ذلك وجمع المال الكثير، والناس فيه على قسمين، ما بين معتقد ومنتقد، والظن الثانى أكثر، وكنت أنا من القسم الأول، لولا ما وقع له مع الحافظ العلّامة برهان الدين البقاعى ما وقع، وحكايته معه مشهورة أضربت عن ذكرها لقرب عهد الناس منها. وتوفّى الخادم الرئيس صفىّ الدين جوهر بن عبد الله الأرغون شاوى «٤»

стр. 6064

الظاهرى، الساقى الحبشى الجنس، رأس نوبة الجمدارية، فى ليلة الخميس عاشر شعبان، ودفن من الغد بتربة الأمير قانى باى الچاركسى، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلّاة المؤمنى، ومات وهو في عشر الستين، ولم يخلف بعده مثله دينا وأدبا وحشمة ورئاسة وتواضعا وعقلا، وبالجملة إنه كان من حسنات الدّهر- رحمه الله تعالى. وتوفّى الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله المؤيّدى الفقيه الأشقر، أحد أمراء العشرات، بعد مرض طويل، فى يوم الخميس سابع شهر رمضان، وكان من عتقاء الملك المؤيّد شيخ، وتأمّر في دولة الملك المؤيّد أحمد ابن الملك الأشرف إينال- فيما أظن- ودام على ذلك إلى أن مات، وكان فقيها ديّنا خيرا فاضلا- رحمه الله تعالى. وتوفّى الأديب الفاضل أبو العباس أحمد بن أبى السعود إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن سعيد بن على المنوفى «١» الشافعى، المعروف بابن أبى السعود الشاعر المشهور بالمدينة الشريفة في خامس عشرين شهر رمضان، ومولده في شوال سنة أربع عشرة وثمانمائة بمنوف العليا، ومن شعره في مليح منجم: [الوافر] لمحبوبى المنجّم قلت يوما ... فدتك النّفس يا بدر الكمال برانى الهجر، فاكشف عن ضميرى ... فهل يوما أرى بدرى وفى لى وقد ذكرنا من شعره قطعة جيدة في «الحوادث» وغيرها. وتوفّى القاضى جلال الدين عبد الرحمن ابن الشيخ نور الدين على ابن العلّامة سراج الدين عمر بن الملقّن «٢» الشافعى، فى صبيحة يوم الجمعة ثامن شوال، وقد جاوز الثمانين بأيام قليلة، ومات فجأة، وكان من بيت علم وفضل، وناب في الحكم سنين، وولى

стр. 6065

عدّة وظائف دينية، ودرّس بعدّة مدارس، وكان مشكور السّيرة ديّنا عاقلا، مليح الوجه حسن السّمت- رحمه الله تعالى. وتوفّى الشيخ زين الدين خالد بن أيوب بن خالد «١» ، شيخ خانقاه سعيد السعداء، فى يوم الأربعاء ثالث عشر شوال، بعد مرض طويل، وولى المسجد بعده الشيخ تقي الدين عبد الرحمن القلقشندى- رحمه الله تعالى. وتوفّى الأمير الوزير الصاحب شمس الدين منصور بن الصفى «٢» قتيلا، ضربت رقبته تجاه الصالحية بحكم قاضى القضاة حسام الدين بن حريز المالكى، فى يوم الأربعاء العشرين من شوال، وسنّه دون الأربعين سنة، بعد أن قاسى شدائد من الضرب والعصر والمصادرات والسجن «٣» ، لتحامل أهل الدولة عليه، وقد سقنا حكايته بتطويل في تاريخنا «الحوادث» - رحمه الله تعالى. وتوفّى الشيخ شمس الدين محمد بن على بن محمد المعروف بابن الفألاتى «٤» الفقيه الشافعى، فى يوم الجمعة رابع عشر ذى القعدة، وهو في أوائل الكهولية، والفألاتى «٥» كانت صناعة أبيه، وكان أبوه وأعمامه ثلاثة إخوة، كان عمه الواحد أديبا حكما لأدباء العوام، عاميا، يجلس على الطرقات في وسط حلقة، وعمه الآخر في قيد الحياة بتكسب بالتنجيم بالرّمل، وكان والد شمس الدين حكويّا يجلس على الطرقات، وعليه حلقة كعادة العوام، وكان مع هذا حكما للمصارعين، ونشأ شمس الدين هذا على هيئة العوام، إلا أنه حفظ القرآن العزيز، فلما كبر حبّب إليه الاشتغال بالعلم، فاشتغل على جماعة من العلماء في فنون كثيرة، وعدّ من أعيان الفقهاء- رحمه الله تعالى. وتوفّى الأمير سيف الدين تغرى برمش السيفى قراخجا الحسنى، أحد أمراء

стр. 6066

العشرات ورأس نوبة، فى ليلة الخميس ثامن عشر ذى الحجة، وقد ناهز الستين أو جاوزها بقليل، ودفن من الغد، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمنى- رحمه الله تعالى. وتوفّى بير بضع بن جهان شاه بن قرايوسف بن قرا محمد، التركمانى الأصل، صاحب بغداد والعراق، قتيلا بسيف والده جهان شاه، بعد أن حصره ببغداد نحو ثلاث سنين، وكان كآبائه وأجداده سيىء الاعتقاد، محلول العقيدة، راحت روحه إلى سقر، ويلحق الله به من بقى من أقاربه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع ونصف، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع.

стр. 6067

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٧١] السنة السابعة من سلطنة الملك الظاهر خشقدم على مصر وهى سنة إحدى وسبعين وثمانمائة: فيها توفّى أتابك العساكر بالديار المصرية الأمير قانم من صفر خجا المؤيّدى، المعروف بالتاجر، فجاءة في ليلة الاثنين حادى عشر صفر، وسنه نحو السبعين، وكان أصله من مماليك المؤيّد شيخ وأعتقه، وصار خاصّكيّا في دولة ولده المظفر أحمد ابن شيخ، ولا زال على ذلك إلى أن تأمّر عشرة في دولة الملك العزيز يوسف ابن السلطان الملك الأشرف برسباى. واستمرّ في دولة الملك الظاهر جقمق كلها على ذلك، وحجّ أمير الركب الأوّل غير مرّة، وتوجّه في الرّسليّة إلى جهان شاه ابن قرايوسف ملك الشرق، ثم إلى خوندكار بن عثمان متملك بلاد الرّوم، ثم عاد ودام بمصر إلى أن صار في دولة الملك الأشرف إينال من جملة أمراء الطبلخانات، ثم صار أمير مائة ومقدّم ألف بعد موت خيربك النّوروزى المؤيّدى الأجرود، ثم صار في دولة الملك المؤيّد أحمد بن إينال رأس نوبة النّوب، بعد الأمير قرقماس الأشرفى، بحكم انتقاله إلى إمرة مجلس، واستمرّ على ذلك إلى أن نقله خچداشه الملك الظاهر خشقدم إلى إمرة مجلس، بعد انتقال قرقماس أيضا إلى إمرة سلاح، بعد انتقال الأمير جرباش إلى الأتابكية، عوضا عن الملك الظاهر خشقدم، وعظم قانم في دولة خچداشه خشقدم المذكور، ونالته السعادة زيادة على ما كان أولا، ودام على ذلك إلى أن نقله إلى الأتابكية بعد إخراج الأتابك جرباش المحمدى إلى ثغر دمياط بطّالا، فدام على الأتابكية إلى أن مات فجاءة في التاريخ المقدم ذكره، وكان من أجلّ الملوك وأعظمهم، لولا تكبّر كان فيه- رحمه الله تعالى وعفا عنه.

стр. 6068

وتوفّى الأمير سيف الدين برسباى بن عبد الله البجاسى نائب الشام بها في يوم الاثنين ثامن عشر صفر، وقد زاد سنه على الستين، بعد مرض طويل، وكان من عتقاء الأمير تنبك البجاسى نائب دمشق، الذي كان خرج على الملك الأشرف برسباى وقتل في سنة سبع وعشرين وثمانمائة، فكان بين وفاة برسباى هذا ووفاة أستاذه تنبك نحو من أربع وأربعين سنة، ولما قتل أستاذ برسباى هذا تنقّل في الخدم حتى صار من جملة المماليك السلطانية، وترقى إلى أن صار أمير عشرة في دولة الملك الظاهر جقمق، ثم جعله نائب الإسكندرية، ثم صار في دولة الأشرف إينال أمير مائة ومقدّم ألف. ثم لما مات حاجب الحجاب جانبك القرمانى الظاهرى في شوال سنة إحدى وستين جعل هذا موضعه حاجب الحجاب، ثم نقل إلى الأمير آخورية الكبرى في سنة أربع وستين بعد موت يونس العلائى، وذلك بعد أن صاهر السلطان وتزوج بنت الأمير بردبك الدوادار الثانى، وهى بنت بنت السلطان، فلم يكن مكافأة برسباى هذا للأشرف إينال على ما خوّله من النعم إلا أنه لمّا خرج القوم على ولده الملك المؤيّد أحمد بن إينال غدره ومال إلى الملك الظاهر خشقدم، فعابه كلّ أحد على ذلك، وليت الملك الظاهر خشقدم عرف له ذلك، بل أخرجه بعد قليل إلى نيابة طرابلس، ثم تنقّل بعد نيابة طرابلس إلى نيابة الشام ببذل المال، ولم يتهنأ بدمشق بل مرض وطال مرضه إلى أن مات، وكان رجلا عاقلا عفيفا عن المنكرات والفروج، ولم يعفّ عن الأموال، وكان بخيلا جدا- عفا الله عنه. وتوفى شيخ مكة ومحدّثها ومسندها تقىّ الدين أبو الفضل محمد بن نجم الدين محمد ابن أبى الخير محمد بن عبد الله بن فهد الهاشمى «١» المكى الشافعى، بمكة في يوم السبت سابع شهر ربيع الأول؛ ومولده بأصفون الجبلين «٢» من صعيد مصر، فى يوم الثلاثاء

стр. 6069

خامس شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين وسبعمائة، وقد استوعبنا ترجمته في تاريخنا «الحوادث» . وتوفى الأمير سيف الدين قانم بن عبد الله الأشرفى؛ المعروف بقانم نعجة، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، شبه الفجاءة، فى ليلة الأحد سادس عشر جمادى الأولى، وقد جاوز الستين، وكان من مماليك الملك الأشرف برسباى وتأمّر في دولة الملك الأشرف إينال إلى أن مات، وكان مسرفا على نفسه منهمكا في اللذات، وعنده بطش وظلم. وتوفّى الأمير سيف الدين تمراز بن عبد الله الإينالى الأشرفى الدّوادار الثانى- كان- مقتولا بسيف الشرع بقلعة المرقب، فى يوم السبت تاسع عشر جمادى الأولى، ومات وقد زاد سنّه على الستين، وحكاية تمراز هذا طويلة، وما وقع له من الحبس والنفى والمحن يطول الشرح في ذكره، استوعبنا غالب أموره في وقتها في تاريخنا «حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور» وبالجملة إن تمراز هذا كان من مساوئ الدهر لفظا ومعنى- عفا الله تعالى عنه. وتوفّى الخواجا التاجر بدر الدين حسن الطّاهر اليمنى الأصل والمولد والمنشأ، المكى الدار والوفاة، شاه بندر جدّة، بمكة في جمادى الأولى، وقد عمّر وشاخ، وانتهت إليه رئاسة التجار بمكة في كثرة المال والبخل، وقيل إنه كان زيدىّ المذهب مع جهل مفرط، وبعد عن كل علم وفن. وتوفّى قاضى القضاة شرف الدين يحيى ابن سعد الدين محمد بن محمد المناوى «١» الشافعى، قاضى قضاة الديار المصرية وعالمها- معزولا- فى ليلة الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة، ودفن من الغد بالقرافة الصغرى، وقد زاد سنه على السبعين، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلّاة المؤمنى، وكانت جنازته مشهودة، وكثر

стр. 6070

أسف الناس عليه، لغزير فضله ودينه وحسن سيرته، ومات ولم يخلف بعده مثله- رحمه الله تعالى. وتوفّى القاضى زين الدين عبد الغفار بن مخلوف السمديسى المالكى «١» ، أحد نواب الحكم بالديار المصرية، وهو في أواخر الكهولية، وكان معدودا من فضلاء المالكية. وتوفّى الإمام نور الدين على السويفى «٢» المالكى إمام السلطان، فى يوم الخميس رابع عشر شهر رجب، وهو في عشر المائة من العمر، بعد أن خدم عدّة ملوك، وولى حسبة القاهرة- رحمه الله تعالى. وتوفّى الحافظ تقي الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن قطب الدين أحمد القلقشندى «٣» الشافعى، شيخ خانقاه سعيد السعداء الصلاحية في ليلة الثلاثاء ثالث شعبان، ومولده في شهر رجب سنة سبع عشرة وثمانمائة، وكان من الفضلاء، وصحبنى سنين كثيرة، وسمعت أشياء عالية من الحديث بقراءته، ذكرنا ذلك كله في ترجمته في «الحوادث» - رحمه الله تعالى. وتوفّى الأمير شهاب الدين أحمد ابن ناصر الدين محمد، المعروف بابن قليب، حاجب حجّاب طرابلس وأستادار السلطان بها، فى يوم الخميس خامس شعبان. وتوفّى أميرزة ابن شاه أحمد بن قرايوسف في يوم السبت رابع ذى القعدة، بالقاهرة بسكنه بباب الوزير خارج القاهرة، وسنه زيادة على ثلاثين سنة، وأظنه حفيد شاه أحمد بن قرايوسف لا ولده «٤» - رحمه الله تعالى.

стр. 6071

وتوفّى الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله الناصرى المعروف بالمرتدّ أحد مقدمى الألوف بالديار المصرية- بطالا- بعد ما شاخ وكبر سنه، وكان من المهملين فى أيام عمله وبطالته- رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا سواء.

стр. 6072

[ما وقع من الحوادث سنة ٨٧٢] ذكر سلطنة الملك الظاهر أبى نصر يلباى الإينالى المؤيدى على مصر وهو السلطان التاسع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، والرابع عشر من الچراكسة وأولادهم. تسلطن في آخر نهار السبت عاشر شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، قبل الغروب بنحو ثلاث درج رمل، وسبب تأخيره إلى هذا الوقت أنه لما مات الملك الظاهر خشقدم بعد أذان ظهر يوم السبت المقدّم ذكره طلع الأتابك يلباى المذكور وجميع الأمراء إلى القلعة، وقبل أن يتكلموا في ولاية سلطان أخذوا في تجهيز الملك الظاهر خشقدم والصلاة عليه، فغسّلوا وأخرجوه وصلوا عليه عند باب القلّة، ونزلوا به إلى حيث دفن بمدرسته التي أنشأها بالصحراء بالقرب من قبة النصر، وحضرت أنا دفنه، ولم يحضره من أعيان الأمراء إلا جماعة يسبرة حسبما تقدّم ذكره في وفاته، وهذا كله بخلاف العادة، فإن العادة سلطنة سلطان ثم يؤخذ في تجهيز السلطان الذي مات. ولما أنزل نعش الملك الظاهر خشقدم من القلعة شرعوا عند ذلك في سلطنة الأتابك يلباى، وكان قد انبرم أمره في ضحوة نهار السبت هذا مع الأمراء ومماليك الملك الظاهر خشقدم، وكبيرهم يوم ذاك خيربك الدّوادار الثانى، وخشكلدى البيسقى أحد مقدّمى الألوف، ولما أذعن مماليك الظاهر الأجلاب بسلطنة يلباى لم يختلف عليه يومئذ أحد؛ لأن الشوكة كانت للأجلاب، وهم أرادوه، والظاهرية الكبار تبع لهم، وأما المؤيّدية فخچداشيته، فتمّ أمره. وكيفية سلطنته أنه لما عادوا من الصلاة على الملك الظاهر خشقدم جلسوا عند باب

стр. 6073

الستارة وقتا هيّنا، وإذا بالأمير خيربك خرج من باب الحريم ومعه جماعة من خچداشيته وأخذوا الأتابك يلباى وأدخلوه من باب الحريم، ومضوا به إلى القصر السلطانى، وخاطبوه بالسلطنة، فامتنع امتناعا هينا، فلم يلتفتوا إلى كلامه، وأرسلوا إلى الأمراء أحضروهم إلى القصر من خارج، فوجدوا القصر قد سقط بابه، فدخلوا من الإيوان إلى القصر، فتفاءل الناس زواله بسرعة؛ لغلق باب القصر، فدخلت الأمراء قبل أن يحضر الخليفة والقضاة، وطال جلوسهم عنده، وقبّلت الأمراء الأرض قبل المبايعة وهم في هرج لإحضار الخليفة والقضاة إلى أن حضروا بعد مشقة كبيرة؛ لعسر طريق القصر، إذ المصير إليه من الإيوان السلطانى، وأيضا حتى لبست الأمراء قماش الموكب وتكاملوا بعد أن فرغ النهار، وقد أخذوا في بيعته وسلطنته ولبّسوه خلعة السلطنة بالقصر، وجلس على تخت الملك من غير أن يركب فرسا بأبهة الملك على العادة، وقبلوا «١» الأمراء الأرض بين يديه وتمّ أمره «٢» ، فكان جلوسه على كرسى السلطنة قبل الغروب بثلاث درج حسبما تقدم ذكره. وخلع على الأمير تمربغا أمير مجلس بالأتابكية، ثم خلع على الخليفة، فدقّت البشائر، ونودى بسلطنته، وتلقب بالملك الظاهر يلباى. والآن نشرع في التعريف به قبل أن نأخذ فيما وقع له في سلطنته من الحوادث فنقول: أصله چاركسى الجنس، جلبه الأمير إينال ضضع من بلاد الچاركس إلى الديار المصرية في عدة مماليك، فاشتراه الملك المؤيد شيخ قبل سنة عشرين وثمانمائة، وأعتقه وجعله من جملة المماليك السلطانية، وأسكنه بالقلعة بطبقة الرفرف «٣» ثم صار خاصكيا

стр. 6074

بعد موت أستاذه، ودام على ذلك إلى أن صار من أعيان الخاصكية، وأنعم الأشرف برسباى عليه بثلث قرية طحورية «١» ، ثم نقله الملك العزيز يوسف ابن السلطان الملك الأشرف برسباى إلى نصف بنها العسل بعد أيتمش المؤيدى، ثم صار ساقيا في أوائل دولة الملك الظاهر جقمق، فلم تطل أيامه في السقاية، وأمّره عشرة وجعله من جملة رءوس النوب، فدام على ذلك إلى أن تسحّب الملك العزيز يوسف ابن الملك الأشرف برسباى من قلعة الجبل واختفى إلى أن ظفر به يلباى هذا في بعض الأماكن، وطلع به إلى الملك الظاهر جقمق، فأنعم عليه الملك الظاهر جقمق بقرية سرياقوس زيادة على ما بيدة، وصار أمير طبلخاناه، ودام على ذلك إلى أن تسلطن الملك المنصور عثمان ابن السلطان الملك الظاهر جقمق، فقبض على يلباى هذا وعلى اثنين من خچداشيته: دولات باى الدّوادار الكبير ويرشباى الأمير آخور الثانى؛ وذلك في سنة سبع وخمسين، وحبس بثغر الإسكندرية إلى أن أطلقه الملك الأشرف إينال من سجن الإسكندرية، وأطلق خچداشيته المذكورين، ووجّهه إلى دمياطبطّالا- ثم أحضره إلى القاهرة بعد أيام قليلة، فاستمر بطالا مدة يسيرة. وقتل الأمير سونجبغا اليونسى «٢» الناصرى ببلاد الصعيد، وكان سونجبغا هو الذي أخذ إقطاع يلباى هذا بعد مسكه، فأعاده الملك الأشرف إينال إليه، وصار على عادته أولا أمير طبلخاناه إلى أن مات الأمير خيربك المؤيّدى الأشقر الأمير آخور الثانى، فنقل يلباى هذا إلى الأمير آخورية الثانية من بعده، فدام على ذلك إلى أن أنعم عليه الملك الأشرف إينال بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، فدام على ذلك إلى أن نقله الملك الظاهر خشقدم إلى حجوبية الحجاب بالديار المصرية، عوضا عن بيبرس خال العزيز، بحكم انتقاله إلى وظيفة رأس نوبة النّوب، بعد انتقال الأمير قانم إلى

стр. 6075

إمرة مجلس بعد انتقال قرقماس إلى إمرة سلاح؛ بحكم انتقال جرباش إلى الأتابكية، عوضا عن الملك الظاهر خشقدم، وذلك في يوم الأربعاء سابع شوال. فاستمرّ يلباى هذا على الحجوبية إلى أن نقله الملك الظاهر خشقدم إلى الأمير آخورية الكبرى، بعد توجه برسباى البجاسى إلى نيابة طرابلس، بعد القبض على الأمير إياس المحمدى الناصرى، وذلك في يوم الخميس سابع عشر المحرم سنة ست وستين. فدام يلباى هذا في هذه الوظيفة إلى أن نقل إلى أتابكية العساكر بالديار المصرية بعد موت الأتابك قانم دفعة واحدة، بعد أن كان يجلس في مجلس السلطان خامس رجل، وذلك في يوم الاثنين ثامن عشر صفر سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، واستمرّ على ذلك إلى أن مرض الملك الظاهر خشقدم، وثقل في مرضه، وتكلّم الناس فيمن يتسلطن فيما بينهم، فرشح جماعة، فاختارت الأجلاب يلباى هذا، كونه أتابك العساكر وأيضا خچداش أستاذهم، فتسلطن، وتمّ أمره حسبما تقدّم ذكره- انتهى. قلت: ولما استمر جلوسه بالقصر السلطانى رسم في الحال بسفر الأمير قرقماس أمير سلاح بمن كان عيّن معه من الأمراء والمماليك السلطانية إلى الصعيد، وكان له أيام مقيما بالمركب، وكذلك جميع من كان عيّن معه، وسافروا من يومهم أرسالا. ثم خلع الملك الظاهر يلباى على الأتابك تمربغا في يوم الاثنين ثانى عشره خلعة نظر البيمارستان المنصورى. وخلع على خچداشه الأمير قانى بك المحمودى المؤيدى بإمرة مجلس عوضا عن الأتابك تمربغا، وأنعم عليه بإقطاع تمربغا أيضا. وخلع على تمر المحمودى والى القاهرة خلعة الاستمرار، وكذلك على القاضى علم الدين كاتب المماليك. وفيه ورد كتاب يشبك من مهدى كاشف الوجه القبلى يتضمن أنّه ولّى سليمان

стр. 6076

ابن عمر الهوارى عوضا عن ابن عمه، وأنه لا حاجة له بتجريدة، فلم يلتفت السلطان إلى مقالته في عدم إرسال تجريدة إلى بلاد الصعيد لغرض يأتى بيانه. ثم في يوم الخميس خامس عشره خلع السلطان على جميع مباشرى الدولة باستمرارهم على وظائفهم. وفيه نودى بأن نفقة المماليك تكون من أول الشهر، يعنى أول ربيع الآخر. وفيه عمل المولد النبوى بالحوش على العادة، وقبل أن يفرغ المولد ندب السلطان الأمير برسباى قرا الظاهرى، والأمير جكم الظاهرى، وطرباى الظاهرى البواب، أن يتجهزوا إلى الصعيد لمسك الأمير قرقماس أمير سلاح والأمير قلمطاى رأس نوبة، والأمير أرغون شاه، ويتوجهوا بهم إلى حبس الإسكندرية، ولم يعلم أحد ما الموجب لذلك. وفي يوم السبت سابع عشره «١» أعاد السلطان القاضى قطب الدين الخيضرى إلى كتابة السّرّ بدمشق، بعد عزل الشريف إبراهيم بن السيد محمد. وفيه أيضا استقرّ الصارمى إبراهيم بن بيغوت الأعرج حاجب الحجّاب بدمشق عوضا عن شرامرد العثمانى المؤيدى. وفيه وصل الخبر بقدوم الأمير أزبك رأس نوبة النّوب من تجريدة العقبة، بعد أن أمسك مباركا شيخ بنى عقبة، الذي قطع الطريق على إقامة الحجاج. ثم وصل الأمير أزبك في يوم الاثنين تاسع عشره، وخلع السلطان عليه وعلى رفيقه الأمير جانبك قلقسيز حاجب الحجاب، ورسم بتسمير مبارك شيخ بنى عقبة المقدّم ذكره ورفقته، وكانوا أزيد من أربعين نفرا، فسمّروا الجميع، وطيف بهم الشوارع، ثم وسّطوا في آخر النهار عن آخرهم. وفي يوم الخميس ثانى عشرينه ورد الخبر على الملك الظاهر يلباى بعصيان الأمير

стр. 6077

بردبك نائب الشام، وأنه قتل جميع النوّاب المجردين معه لقتال شاه سوار بن دلغادر، وكان الأمر غير ذلك، ووقع أمور حكيناها مفصلة في تاريخنا «حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور» محصولها أن بردبك المذكور كان تهاون في قتال شاه سوار المذكور، وخذل العسكر الشامى لما كان في قلبه من الملك الظاهر خشقدم ﵀، فكان ذلك سببا لكسر العسكر الشامى والحلبى وغيرهم ونهبهم، وقتل في هذه الواقعة نائب طرابلس قانى باى الحسنى المؤيدى، ونائب حماة تنم خوبى الحسينى الأشرفى، وأتابك دمشق قراجا الخازندار الظاهرى، وأتابك حلب قانصوه المحمدى الأشرفى، وغيرهم من أمراء البلاد الشامية، وغيرهم حسبما يأتى ذكرهم في الوفيات على عادة هذا الكتاب- انتهى. قلت: وجاء هذا الخبر والديار المصرية غير مستقيمة الأحوال لعدم المدبر، والطرق «١» مخيفة، والسبل غير آمنة، وما ذاك إلا أن الملك الظاهر يلباى لما تسلطن وتمّ أمره غطّاه المنصب، وصار كالمذهول، ولزم السّكات وعدم الكلام، وضعف عن بتّ الأمور، وردع الأجلاب، بل صارت الأجلاب في أيامه كما كانت أولا وأعظم، فلم يحسن ذلك ببال أحد، وصار الأمير خيربك الدّوادار الثانى هو صاحب الحل والعقد في مملكته، وإليه جميع أمور المملكة، وشاع ذلك في الناس والأقطار، وسمّته العوام: «أيش كنت أنا؟ قل له» يعنون أن السلطان لما يسأل «٢» فى شىء يقول: «أيش كنت أنا، قل لخير بك» فبهذا وأشباهه اضطربت أحوال الديار المصرية. هذا مع ما ورد من البلاد الحلبية من أمر شاه سوار، وقتل أكابر أمراء البلاد الشامية، ونهبه للبلاد الحلبية، وأخذه قلاع أعمالها وأن نائب الشام بردبك فى أسره، وأن يشبك البجاسى نائب حلب دخل إلى حلب على أقبح وجه، فصار الناس بهذا المقتضى كالغنم بلا راع.

стр. 6078

فلما كان يوم الاثنين سادس عشرين ربيع الأول المذكور خلع الملك الظاهر يلباى على الأمير أزبك من ططخ الظاهرى رأس نوبة النوب باستقراره في نيابة الشام عوضا عن بردبك الظاهرى، بحكم انضمامه على شاه سوار. وفيه استقرّ الأمير قانى بك المحمودى المؤيّدى أمير مجلس أمير سلاح عوضا عن قرقماس الأشرفى بحكم القبض عليه وحبسه بالإسكندرية، واستقرّ قانى بك المذكور مقدم العساكر لقتال شاه سوار بن دلغادر. وعيّن السلطان في هذا اليوم عدة أمراء تجريدة لقتال شاه سوار، فعيّن من أمراء الألوف قانى بك المقدم ذكره، وجانبك الإينالى الأشرفى المعروف بقلقسيز حاجب الحجاب، وبردبك هجين أمير جاندار، وهؤلاء من أمراء الألوف، وعيّن أيضا عدة كثيرة من أمراء الطبلخانات والعشرات يأتى ذكر أسمائهم يوم سفرهم من القاهرة، ثم عيّن صحبتهم ستمائة مملوك من المماليك السلطانية. وفيه استقرّ الأمير إينال الأشقر الظاهرى نائب غزّة في نيابة حماة، عوضا عن ابن المبارك، وكان الناصرى محمد بن المبارك قد استقرّ في نيابة حماة قبل تاريخه عوضا عن الأمير تنم الحسينى الأشرفى، بحكم مرضه وعوده من تجريدة شاه سوار إلى حلب، وكان الناصرى محمد بن المبارك إلى الآن لم يخرج من الديار المصرية، فعزل عنها قبل أن يحكمها أو يتوجّه إليها، وكان إينال الأشقر قدم إلى القاهرة مع الأمير أزبك من تجريدة العقبة، ثم رشح ابن المبارك إلى نيابة غزّة، فامتنع عن ولايتها. ثم في يوم الخميس تاسع عشرين شهر ربيع الأول لبس إينال الأشقر خلعة السفر. ثم في يوم السبت ثانى شهر ربيع الآخر ابتدأ السلطان بالنفقة على المماليك السلطانية لكل واحد مائة دينار، ففرّقت هذه النفقة على أقبح وجه، وهو أن القوى يعطى، والغائب يقطع، والمسنّ يعطى نصف نفقة أو ربع نفقة، ومنع أولاد الناس والطواشية من الأخذ، وعاداتهم أخذ النفقة، فأحدث الظاهر يلباى هذا الحادث، وكثر الدعاء عليه بسبب ذلك، وتفاعل الناس بزوال ملكه لقطعه أرزاق الناس، فكان كذلك.

стр. 6079

ومنع السلطان أيضا أمراء الألوف وغيرهم من النفقة، ولم يعط إلا من كتب منهم إلى السّفر لا غير، فبهذا المقتضى وأمثاله نفرت القلوب من الظاهر يلباى، وعظمت الوقيعة في حقه، وكثرت المقالة في بخله، وعدّت مساوئه، ونسيت محاسنه- إن كان له محاسن- وصارت النفقة تفرّق في كل يوم سبت وثلاثاء طبقة واحدة أو أقل من طبقة؛ حتى تطول الأيام في التفرقة. وبالجملة فكانت أيام الملك الظاهر يلباى نكدة، قليلة الخير، كثيرة الشر، وعظم الغلاء في أيامه، وتزايدت الأسعار، وهو مع ذلك لا يأتى بشىء، ووجوده فى الملك وعدمه سواء؛ فإنه كان سالبة كليّة، لا يعرف القراءة ولا الهجاء، ولا يحسن العلامة على المناشير والمراسيم إلا بالنّقط «١» ، مع عسر في الكتابة، وكان الناس قد أهمّهم أمر الجلبان أيام أستاذهم الملك الظاهر خشقدم، فزادوا بسلطنة الملك الظاهر يلباى هذا همّا على همهم. ثم في يوم الاثنين حادى عشر ربيع الآخر استقرّ الأمير جانبك قلقسيز أمير مجلس عوضا عن قانى باى «٢» المحمودى المنتقل إلى إمرة سلاح، واستقر الأمير بردبك هجين عوضه حاجب الحجاب. وفيه أنعم السلطان على الأمير قايتباى المحمودى الظاهرى بإقطاع الأمير أزبك نائب الشام واستقرّ عوضه أيضا رأس نوبة النّوب، وأنعم بإقطاع الأمير قايتباى على الأمير سودون القصروى نائب القلعة، والإقطاع تقدمة ألف. وفيه أيضا استقرّ الأمير خشكلدى البيسقى في تقدمة الألوف عوضا «٣» عن قانى باى المحمودى المؤيّدى «٤» .

стр. 6080

ثم في يوم الثلاثاء ثانى عشر ربيع الآخر «١» استقر الأمير سودون البردبكى الفقيه المؤيّدى نائب قلعة الجبل بعد سودون القصروى. وفي يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر «٢» رسم السلطان أن ينتقل الأمير إينال الأشقر المقدّم ذكره من نيابة حماة إلى نيابة طرابلس بعد فقد نائبها الأمير قانى باى المؤيدى الحسنى في واقعة شاه سوار، وذلك بسعى من إينال المذكور، وذلك قبل أن يصل إينال المذكور إلى حماة. ثم في يوم الخميس رابع عشره استقرّ الناصرى محمد بن المبارك في نيابة حماة كما كان وليها أولا. وفيه استقرّ مغلباى الظاهرى المحتسب شاد الشراب خاناه بعد الأمير خشكلدى البيسقى، واستقر طرباى البواب محتسب القاهرة عوضا عن مغلباى المذكور، واستقرّ سودون السيفى أحمد بن إينال أمير عشرة وأستادار الصّحبة، وسودون هذا من الأوباش الأطراف. وفيه أنعم السلطان على جماعة من الأجلاب وغيرهم كل واحد بإمرة عشرة، والذين أعطوا أزيد من خمسة عشر نفرا، فالذى أخذ من الأجلاب أركماس البواب، وقايت البواب، وطرباى البواب الذي ولى الحسبة، وأصباى البواب الذي كان قتل قتيلين أيام أستاذه ولم ينتطح في ذلك عنزان، وأصطمر البواب، وجانم الدوادار، ومغلباى الساقى ابن أخت الأمير قايتباى، والذي أخذ الإمرة منهم من الظاهرية الكبار: أزبك الساقى، وجانم قشير، وقانم أمير شكار، وجكم قرا أمير آخور الجمال، وسودون الصغير الخازندار، وقرقماس أمير آخور. والذي أخذ من السيفية: تمرباى التمرازى المهمندار، وبرسباى خازندار يونس الدّوادار. وفيه ورد الخبر بأن الأمير بردبك نائب الشام فارق شاه سوار، وقدم إلى مرعش «٣» طائعا ثم سار إلى منزلة قارا «٤» فى يوم الخميس سابع عشر ربيع الآخر.

стр. 6081

ثم في يوم السبت سادس عشره تواترت الأخبار أن الأمير بردبك جاوز مدينة غزّة، فندب السلطان الأمير تمرباى المهمندار، والأمير جكم الظاهرى أن يخرجا إليه ويأخذاه، ويتوجها به إلى القدس الشريف بطالا. ثم في يوم الأحد سابع عشر ربيع الآخر أضاف السلطان الأمير أزبك نائب الشام، وخلع عليه كاملية بفرو سمّور بمقلب سمّور، وهى خلعة السّفر، فسافر في بكرة يوم الاثنين ثامن عشره. وفي يوم الاثنين هذا قرئ تقليد السلطان الملك الظاهر يلباى بالسلطنة، وخلع السلطان على الخليفة وكاتب السّرّ والقضاة، وعلى من له عادة بلبس الخلعة في مثل هذا اليوم. وأما أمر بردبك نائب الشام، فإن السلطان لما أرسل تمرباى وجكم إلى ملاقاته وأخذه إلى القدس، وسارا إلى جهته، فبينماهم في أثناء الطريق بلغهم أنه توجه إلى جهة الديار المصرية من على البدوية «١» ، ولم يجتز بمدينة قطيا، وقيل إنه مرّ بقطيا لكنه فاتهم وأنه قد وصل إلى القاهرة، فعادا من وقتهما؛ فلما وصل بردبك إلى ظاهر القاهرة أرسل إلى خچداشه الأمير تمر والى القاهرة يعرفه بمكانه، فعرّف تمر السلطان بذلك، فرسم السلطان في الحال للأمير أزدمر تمساح الظاهرى أن يتوجه إليه ويأخذه إلى القدس بطالا، ففعل أزدمر ذلك، وقيل في مجىء بردبك غير هذا القول، واللفظ مختلف والمعنى واحد. وفي يوم الثلاثاء تاسع عشره استقر الأمير جانبك الإسماعيلى المؤيّدى المعروف بكوهية أحد مقدمى الألوف أمير حاج المحمل، واستقرّ تنبك المعلّم الأشرفى ثانى رأس نوبة النوب أمير الركب الأول. ثم استهلّ جمادى الأولى، أوله الأحد، والقالة موجودة بين الناس بركوب المماليك الأجلاب، ولم يدر أحد صحة الخبر، غير أن الأمراء المؤيدية خچداشية السلطان امتنعوا

стр. 6082

فى «١» هذه الأيام من طلوع الخدمة؛ مخافة من الأمير خيربك «٢» الدّوادار الثانى وخچداشيته الأجلاب أن يقبضوا عليهم بالقصر السلطانى، واتفقت المؤيدية في الباطن مع الأشرفية الكبار والأشرفية الصغار، كل ذلك والأمر خفى على الناس إلا السلطان فإنه يعلم بأمره بل هو المدبر لهم فيما يفعلونه في الباطن حسبما يأتى ذكره من الوقعة وهى الواقعة التي خلع فيها الملك الظاهر يلباى من السلطنة.

стр. 6083

ذكر خلع الملك الظاهر يلباى من سلطنة مصر ولما كان عصر يوم الأربعاء رابع جمادى الأولى المقدم ذكره وطلعت أمراء الألوف إلى القلعة ليبيتوا بالقصر على العادة امتنعت المؤيدية عن الطلوع بمن وافقهم ما خلا الأمير جانبك الإينالى الأشرفى المعروف بقلقسيز أمير مجلس، وهو كبير الأشرفية الكبار يومئذ، فإنه طلع إلى القلعة ووافق الظاهرية الكبار والظاهرية الصغار الأجلاب، فلما تكامل طلوع من طلع من الأمراء في عصر يوم الأربعاء المذكور امتنع الأمير يشبك الفقيه المؤيدى الدّوادار الكبير وخچداشيته، وهم: الأمير قانى بك المحمودى المؤيدى أمير سلاح، ومغلباى طاز الأبوبكرى المؤيدى، وجانبك الإسماعيلى المؤيدى المعروف بكوهية، وهؤلاء الأربعة مقدمو ألوف، وجماعة أخر من خچداشيتهم من أمراء الطبلخانات والعشرات، أجلّهم الأمير طوخ الزّردكاش، وهو الذي حوّل غالب ما كان بزردخانات السلطان من آلات الحرب والنّفوط وغير ذلك إلى بيت الأمير يشبك الدّوادار، وانضم عليهم جماعة كثيرة من أمراء العشرات من الأشرفية الكبار وخچداشيتهم أعيان الخاصكية، وغيرهم، بل غالب المماليك الأشرفية الكبار والأشرفية الصغار وجماعة كثيرة أيضا من أمراء السيفية وأعيان خاصكيتهم، فصاروا فى عسكر كبير وجمع هائل إلى الغاية، لكن صار أمرهم لا ينتج في القتال لعدم من يقوم بأمرهم، لأن يشبك الدّوادار كان الملك الظاهر يلباى قد وعده عند ما أملاه ما يفعله من شأن هذه الوقعة أنه ينزل إليه ومعه الظاهرية الكبار، وفاته الحزم فإنه لم يحسب أنه يصير هو كالأسير في أيدى الأجلاب إذا تحققوا وثوب الأمير يشبك وقتاله، فصار يشبك بسبب ذلك كالمقيّد عن القتال لمّا وقع القتال الآتى ذكره.

стр. 6084

وكان الملك الظاهر يلباى لما وافق يشبك الدوادار على ما فعله قد ضاقت حصيرته، وتغلّب مع خيربك والأجلاب، وخاف إن شرع في القبض عليهم لا يتم له ذلك، فرمّ هذه المرمة ليأخذ الثأر بيد غيره، وأنهم إذا استفحل أمرهم يسألهم الملك الظاهر يلباى ما الغرض من ركوبهم؟ فيقولون: غرضنا نزول الأجلاب من الأطباق وإبعاد خيربك وغيره من خچداشيته، ويكون هذا القول عند ما تنغلب الأجلاب فإذا أذعنوا بالنزول من الأطباق، وخلت القلعة منهم فعل فيهم الملك الظاهر يلباى عند ذلك ما أراد. وكان هذا التدبير لا بأس به لو أنه «١» نزل إليهم في أوائل الأمر واجتمع بهم، أو طلعوا عنده وصاروا يدا واحدة، ففاته ذلك، وأقام هو بالقلعة، وفهم خير بك والأجلاب أنّ ذلك كله مكيدة منه لأخذهم، فاحتاطوا به، واحتاجوا إلى الإذعان للظاهرية الكبار ومطاوعتهم على أنهم يخلعون يلباى من السلطنة، ويولون أحدا من كبار أمراء الظاهرية، فوافقتهم الظاهرية على ذلك، ومالوا إليهم، واستمالت الظاهرية أيضا الأمير جانبك قلقسيز الأشرفى أمير مجلس، فمال إليهم، ووعدهم بممالأة خچداشيته الأشرفية إليهم، وخذلان يشبك الدّوادار، فعند ذلك صار الملك الظاهر يلباى وحده أسيرا في أيدى القلعيّين. فلما أصبحوا يوم الخميس خامس جمادى الأولى أعلن الأمير يشبك الفقيه، ولبسوا آلة الحرب، وركب بمن معه من المؤيدية والأشرفية الكبار والأشرفية الصغار، والسيفية، ولبسوا آلة الحرب، واجتمع عليهم خلائق من كل طائفة، ومالت زعر الديار المصرية إليهم، وبلغ من بالقلعة أمرهم، فخافوهم خوفا شديدا، ولبسوا هم أيضا آلة الحرب، ونزلوا بالسلطان الملك الظاهر يلباى إلى مقعد الإسطبل السلطانى المطل على الرّميلة، وشرعوا في قتال الأمير يشبك «٢» بمن معه في الأزقّة والشوارع بالصليبة، وهم لا يعلمون حقيقة أمر يشبك «٣» ، ولم يقع بين الأجلاب والظاهرية الاتفاق المذكور إلى

стр. 6085

الآن، فإن الاتفاق بما ذكرناه لم يقع بين الأجلاب والظاهرية بالقلعة إلا في آخر يوم الخميس، وكذلك الاحتراز على السلطان لم يقع إلا في آخر يوم الخميس. وأما أول نهار الخميس ما كانت القلعيّون إلا كالحيارى، ولما وقع القتال بين أصحاب يشبك وبين القلعيّين تقاعد يشبك عن القتال، ولم يركب بنفسه البتة، بل صار يترقّب نزول السلطان إليه، هذا والقتال واقع بين الفريقين بشوارع الصّليبة من أول النهار إلى آخره، وقتل بين الفريقين جماعة كثيرة، فلما رأى الناس تقاعد يشبك بنفسه عن القتال ظنوا أن ذلك عجز منه عن مقاومة القلعيّين فنفر لذلك عنه خلائق، ووافق ذلك اتفاق الظاهريّة الكبار مع الأجلاب بالقلعة. وأصبح يوم الجمعة سادس جمادى الأولى والقتال عمّال بين الفريقين بشارع الصّليبة من أول النهار إلى آخره، فلما مالت الأشرفية الكبار إلى القلعيّين وفارقت يشبك خارت طباع الأشرفية الصغار ومالوا أيضا للقلعيّين، وكانت القلعيّون استمالتهم أيضا، فما أمسى الليل إلا ويشبك الدّوادار بقى وحده مع خچداشيته المؤيّديّة لا غير، فلما رأى أمره آل إلى ذلك قام من وقته واختفى، وكذلك فعل غالب خچداشيته المؤيدية لا غير، وأما الملك الظاهر يلباى فإنه لما نزل إلى المقعد بالإسطبل السلطانى في باكر يوم الخميس وشرع القتال بين القلعيّين وبين يشبك وأصحابه كان حينئذ إلى ذلك الوقت في عز السلطان، ولم يظهر إلى ذلك الوقت أن الذي فعله يشبك كان صادرا عنه وبتدبيره، فلما فهموا ذلك وأبرموا أمرهم مع الظاهرية الكبار حسبما ذكرناه في أول الكلام أخذوا في مقته والازدراء به والتلويح له بما يكره، بل ربما صرّح له ذلك بعضهم فى الوجه. وطال هذا الأمر والحصر عليه يومى الخميس والجمعة وليس له فيها إلا الجلوس على المدوّرة، والأتابك تمربغا جالس بين يديه وقد رشح للسلطنة عوضه، وهو يعرف هذا بالقرائن، لأن الذي بقى يطلع إلى القلعة من الطوائف طائعا يبوس له الأرض ثم يقبّل يد الأتابك تمربغا، هذا والأمير قايتباى المحمودى رأس نوبة النوب، والأمير جانبك

стр. 6086

قلقسيز أمير مجلس بمن معهم من خچداشيتهم الظاهرية والأشرفية ركّاب على خيولهم، لإرسال الأمداد لقتال يشبك الدوادار. فلما جاء الليل ليلة السبت أدخل يلباى إلى مبيت الحرّاقة، وبات به على هيئة عجيبة، إلى أن أصبح النهار وأخذوه وطلعوا به إلى القصر الأبلق، وحبسوه في المخبأة التي تحت الخرجة، بعد أن طلعوا به ماشيا على هيئة الخلع من السلطنة، وأخذوا الناس في سلطنة الملك الظاهر تمربغا، وزال ملك يلباى هذا كأنه لم يكن، فسبحان من لا يزول ملكه. وكانت مدة ملكه شهرين إلا أربعة أيام، ليس له فيها إلا مجرد الاسم فقط، ولم نعلم أحدا من أكابر ملوك الترك في السن، خاصة من مسّه الرق، خلع من السلطنة فى أقل من مدة يلباى هذا، وبعده الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، فإن مدة بيبرس أيضا كانت سنة تنقص ثلاثة وعشرين يوما، ثم الملك العادل كتبغا المنصورى كانت مدة سلطنته سنتين وسبعة عشر يوما، وأما الملك الظاهر برقوق فإنه خلع بعد سلطنته بنحو سبع سنين، ثم أعيد. ومع هذه المدة اليسيرة كانت أيّامه: أعنى الملك الظاهر يلباى، أشرّ الأيام وأقبحها، فى أيامه زادت الأجلاب في الفساد، وضيقت السبل، وعظم قطع الطرقات على المسافرين مصرا وشاما، وما برحت الفتنة في أيّامه قائمة في الأرياف قبليّها وبحريّها، وتوقفت أحوال الناس لا سيما الواردين من الأقطار، وزادت الأسعار في جميع المأكولات، وضاعت الحقوق، وظلم الناس بعضهم بعضا، وصار في أيامه كل مفعول جائزا، وما ذلك إلا لعدم معرفته، وسوء سيرته، وضعفه عن تدبير الأمور، وبت القضايا وتنفيذ أحوال الدولة، وقلة عقله، فإنه كان في القديم لا يعرف إلا بيلباى تلى، أى يلباى المجنون، فهذه كانت شهرته قديما وحديثا في أيام شبيبته، فما بالك به وقد شاخ وكبر سنه، وذهل عقله، وقلّ نظره وسمعه. وقد حكى الأمير برسباى قرا الخازندار الظاهرى أنه لما أخذه من مخبأة القصر

стр. 6087

الأبلق وتوجّه به إلى البحرة ليحبس بها فاجتاز به من طريق الحريم السلطانى، أنه عيى في الطريق وجلس ليستريح، ثم سأل الأمير برسباى المذكور: «إلى أين أروح «١» ؟» فقال له: «إلى البحرة يا مولانا السلطان معزوزا «٢» مكرّما» ، فقال: «والله ما أنا سلطان، أنا أمير، وما كنت أفعل بالسلطنة، وقد كبر سنى وذهل عقلى، وقلّ نظرى وسمعى؟! بالله سلّم على السلطان وقل له إنى لست بسلطان، وسله أن يرسلنى إلى ثغر دمياط أو موضع آخر غير حبس، فأكون فيه إلى أن أموت وأنا مأمون العاقبة، لأنى ما عرفت أدبّر المملكة وأنا مولّى سلطانا، فكيف يقع منى ما يكرهه السلطان؟!» . ثم بكى أولى وثانية. قال برسباى: «فشرعت أزيد في تعظيمه، وأسليه، وأعده بكل خير» . والمقصود من هذه الحكاية اعترافه بالعجز عن القيام بأمور المملكة. وبالجملة كانت سلطنته غلطة من غلطات الدهر. ودام الملك الظاهر يلباى بالبحرة إلى ليلة الثلاثاء عاشر جمادى الأولى من سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، فحمل إلى سجن الإسكندرية في بحر النيل، ومسفّره الأمير قانصوه اليحياوى الظاهرى المستقر في نيابة الإسكندرية بعد عزل كسباى المؤيّدى، وتوجّه إلى دمياط بطالا، فحبس الملك الظاهر يلباى ببعض أبراج الإسكندرية إلى أن توفّى بحبسه من البرج بإسكندرية في ليلة الاثنين مستهلّ شهر ربيع الأوّل من سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة، وقد جاوز السبعين من العمر. وكان ملكا ضخما، سليم الباطن مع قلّة معرفته بأمور المملكة، بل بغالب الأمور، أمّيّا لا يحسن الكتابة ولا القراءة ولا الكلام العرفىّ إلا بمشقّة، وكان في

стр. 6088

ابتداء أمره يعرف بيلباى تلّى أى مجنون، وكان عديم التجمّل في ملبسه ومركبه ومماليكه وسماطه، مشهورا بالبخل والشّحّ، نالته السعادة في ابتداء أمره إلى يوم تسلطن، تنقّل في أوائل أمره من منزلة سنيّة إلى منزلة أخرى إلى يوم تسلطن، فلما تسلطن كان ذلك نهاية سعده، وأخذ أمره من يوم جلس على تخت الملك فى إدبار، واعتراه الصمت والسّكات، وعجز عن تنفيذ الأمور، وظهر عليه ذلك؛ بحيث إنه علمه منه كلّ أحد، وصارت أمور المملكة جميعها معذوقة «١» بالأمير خيربك الدوادار، وصار هو في السلطنة حسّا والمعنى خيربك، وكل أمر لا يبتّه خيربك المذكور فهو موقوف لا يقضى، وعلم منه ذلك كل أحد، ولهجت العوامّ عنه بقولهم «أيش كنت أنا؟ قل له» ، يعنون بذلك أنه إذا قدمت له مظلمة أو قصة بأمر من الأمور يقول لهم: «قولوا لخيربك» وأشياء من هذا النمط يطول شرحها، ذكرنا غالبها في تاريخنا «الحوادث» مفصلة، كل واقعة في وقتها. وبالجملة إنه كان رجلا ساكنا غير أهل للسلطنة- رحمه الله تعالى، وعفا عنه.

стр. 6089

ذكر سلطنة الملك الظاهر أبى سعيد تمربغا الظاهرى على مصر وهو السلطان الذي تكمل به عدّة أربعين ملكا من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، والثانى من الأروام إذا لم يكن الملك المعز أيبك التركمانى من الروم، والملك المنصور لاچين المنصورى، فإن كانا من الأروام، فيكون الملك الظاهر تمربغا هذا الرابع منهم. وكان وقت سلطنته باكر نهار السبت سابع جمادى الأولى من سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة- الموافق لثامن كيهك- بعد أن اتّفق جميع أكابر الأمراء من سائر الطوائف على سلطنته، وقد جلس بصدر المقعد بالإسطبل السلطانى المعروف بالحرّاقة، وحضر الخليفة المستنجد بالله أبو المظفر يوسف، والقاضى الشافعى والقاضى الحنفى، وتخلّف المالكى لتوعكه، والحنبلى لإبطائه، وحضر غالب أرباب الدّولة والأعيان وبايعوه بالسلطنة، فقام من وقته ودخل مبيت الحرّاقة، ولبس خلعة السلطنة- السواد الخليفتى- ثم خرج من المبيت المذكور وركب فرس النوبة من سلم الحرّاقة بأبهة الملك، وركب الخليفة أمامه، ومشت أكابر الأمراء بين يديه، وجميع العسكر، وحمل السنجق السلطانى على رأسه الأمير قايتباى المحمودى رأس نوبة النّوب، ولم تحمل القبّة والطّير على رأسه؛ فإنهم لم يجدوها في الزّردخاناه، وكانت أخذت فيما أخذ يوم الوقعة لما نقل طوخ الزّردكاش ما في الزّردخاناه، فجعلوا السنجق عوضا عن القبّة والطير، وسار الملك الظاهر تمربغا في موكب السلطنة «١» إلى أن طلع من باب سرّ القصر السلطانى، وجلس على تخت الملك، وقبّلت الأمراء الأرض بين يديه، وخلع على

стр. 6090

قايتباى رأس نوبة النّوب باستقراره أتابك العساكر عوضا عن نفسه، ولقّب بالملك الظاهر أبى سعيد تمربغا، وهذا ثالث سلطان لقّب بالملك الظاهر واحدا بعد واحد لم يكن بينهم أحد، ولم يقع ذلك في دولة من الدّول بسائر الأقطار. ودقّت البشائر ونودى باسمه بشوارع القاهرة ومصر، وكان حين سلطنته الثانية من النهار والساعة للمشترى، والطالع الجدى وزحل. وتمّ أمر الملك الظاهر في الملك، وزالت دولة الملك الظاهر يلباى كأنها لم تكن، وطلع الأعيان لتهنئته أفواجا، وسرّ الناس بسلطنته سرورا زائدا، تشارك فيه الخاص والعام قاطبة؛ لكونه أهلا للسلطنة بلا مدافعة، فإننا لا نعلم في ملوك مصر في الدولة التركية أفضل منه ولا أجمع للفنون والفضائل؛ مع علمى بمن ولى مصر قديما وحديثا كما مرّ ذكره في هذا الكتاب، من يوم افتتحها عمرو بن العاص- رضى الله عنه- إلى يوم تاريخه، ولو شئت لقلت: ولا من بنى أيوب؛ مع علمى محاسن السلطان صلاح الدين السعيد الشهيد، وماله من اليد البيضاء في الإسلام، والمواقف العظيمة والفتوحات الجليلة، والهمم العالية- أسكنه الله الجنة بمنه وكرمه «١» . غير أن الملك الظاهر تمربغا هذا في نوع تحصيل الفنون والفضائل أجمع من الكل؛ فإنه يصنع القوس بيده وكذلك النشاب، ثم يرمى بهما رميا لا يكاد يشاركه فيه أحد شرقا ولا غربا، انتهت إليه رئاسة الرمى في زمانه، وله مع هذا اليد الطولى فى فنّ الرمح وتعليمه، وكذلك البرجاس، وسوق المحمل، وتعبئة العساكر، وأما فن اللجام ومعرفته، والمهماز وأنواع الضرب به فلا يجارى فيهما، ويعرف فنّ الضرب بالسيف، وأما فن الدّبّوس فهو فيه أيضا أستاذ مفتن، بل تلامذته فيه أعيان الدنيا، هذا مع معرفة الفقه على مذهب الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان- رضى الله عنه- معرفة جيدة، كثير الاستحضار لفروع المذهب وغيرها، ثم مشاركة كبيرة في التاريخ والشعر

стр. 6091

والأدب والمحاضرة الحسنة والمذاكرة الحلوة، مع عقل تام وتؤدة في كلامه ولفظه، غير فحّاش ولا سبّاب. وكان فيه أولا في مبدأ أمره بعيض شمم وتعاظم، فلما نقل إلى المناصب الجليلة تغيّر عن ذلك كله، لا سيما لما تسلطن صار كالماء الزلال، وأظهر من الحشمة والأدب والاتّضاع مالا عين رأت ولا أذن سمعت، وبقى يقوم لغالب من يأتيه من أصاغر طلبة العلم ذهابا وإيابا، ويجلّ العلماء والفقراء، وسلك مع الناس مسالك استجلب بها قلوب الخاص والعام. ولما دام جلوسه يومه كله بالقصر السلطانى جلوسا عاما لتهنئة الناس، وهنّأه الناس على قدر منازلهم، فصار يلقى كلّ من دخل إليه بالبشاشة والإكرام وحسن الردّ بلسان فصيح مع تؤدة ورئاسة وإنصاف، فتزايد سرور الناس به أضعاف مسرتهم أولا، وبالله أقسم إنى لم أر فيما رأيت أطلق وجها ولا أحسن عبارة ولا أحشم مجلسا في ملوك مصر منه. ولما كان عصر نهار السبت المذكور أخذ الأمير قانى بك المحمودى المؤيّدى أمير سلاح من اختفائه ببيت الشيخ سيف الدين الحنفى، فقيّد وحبس بعد أن نهبت العامة بيته، وأخذت أمواله من غير إذن السلطان ولا إذن أحد من أرباب الدولة، بل بأمر الغوغاء والسواد الأعظم يوم الوقعة عند انهزام يشبك الفقيه الدّوادار واختفائه، وكان هذا المسكين جميع ماله من المال والسكر والقنود والأعسال والقماش في داره، فنهب ذلك جميعه، وما ذاك إلا لصدق «١» الخبر: «بشّر مال البخيل بحادث أو وارث» ، وكذلك فعلته العامة والغوغاء في بيت الأمير يشبك الفقيه الدّوادار، ولكن ما أخذ من بيت قانى بك من المتاع والمال أكثر. وفيه شفع الأمير قايتباى المحمودى في الأمير مغلباى طاز المؤيّدى، فقبل السلطان شفاعته ورسم له بالتوجه إلى دمياط بطّالا.

стр. 6092

وفيه رسم السلطان بإطلاق الملك المؤيّد أحمد ابن السلطان الملك الأشرف إينال من حبس الإسكندرية، ورسم أن يسكن في الإسكندرية في أى بيت شاء، وأنه يحضر صلاة الجمعة راكبا، وأرسل إليه فرسا بقماش ذهب. ثم رسم السلطان أيضا للملك المنصور عثمان ابن الملك الظاهر جقمق بفرس بقماش ذهب وخلعة عظيمة، ورسم له أن يركب ويخرج من أى باب شاء من أبواب الإسكندرية وأنه يتوجه حيث أراد من غير مانع يمنعه من ذلك، قلت: وفعل الملك الظاهر تمربغا هذا مع الملك المنصور عثمان كان من أعظم المعروف، فإنه ابن أستاذه وغرس نعمة والده. وفيه أيضا رسم السلطان بإطلاق الأمير قرقماس أمير سلاح، ورفيقيه قلمطاى، وأرغون شاه [الأشرفيين] «١» من سجن الإسكندرية، وكتب أيضا بإحضار دولات باى النجمى وتمراز الأشرفيين من ثغر دمياط. وكتب أيضا عدّة مراسيم إلى البلاد الشامية والأقطار الحجازية بإطلاق من بها من المحابيس «٢» ، ومجىء البطالين. وفيه رسم السلطان بأن كل من كانت له جامكية في بيت السلطان من المماليك الإينالية الأشرفية وقطعت قبل تاريخه، تعاد إليه من غير مشورة، فعمّ الناس السرور بهذه الأشياء من وجوه كثيرة، وتباشرت الناس بيمن سلطنته. قلت: وقبل أن نشرع في ذكر حوادث السلطان نذكر قبل ذلك التعريف به ثم نشرع في ذكر حوادثه، فنقول: أصل الملك الظاهر تمربغا هذا رومى الجنس من قبيلة أرنؤط «٣» ، وجلبه بعض

стр. 6093

التجار في صغره إلى البلاد الشامية في حدود سنة أربع وعشرين وثمانمائة، فاشتراه الأمير شاهين الزّردكاش نائب طرابلس كان، ثم نقل إلى ملك غيره إلى أن ملكه الملك الظاهر جقمق وهو يوم ذاك الأمير آخور الكبير، فربّاه الملك الظاهر وأدّبه وأعتقه وجعله من جملة مماليكه الخواص به، ودام على ذلك إلى أن تسلطن فقرّبه وأدناه، وجعله خاصكيا سلاحدارا مدة، ثم جعله خازندارا، ثم أمّره في أواخر سنة ست وأربعين وثمانمائة إمرة عشرة عوضا عن آقبردى الأمير آخور الأشرفى، واستمر على ذلك مدة طويلة، وهو معدود يوم ذاك من خواص الملك، إلى أن نقله إلى الدوادارية الثانية عوضا عن دولات باى المحمودى المؤيدى، بحكم انتقاله إلى تقدمة ألف، فباشر تمربغا هذا الدوادارية الثانية بحرمة وعظمة زائدة، ونالته السعادة، وعظم في الدولة، وشاع اسمه في الأقطار، وبعد صيته، وقصدته أرباب الحوائج من البلاد والأقطار، وصار أمر المملكة معذوقا به، والدوادار الكبير بالنسبة إليه في الحرمة ونفوذ الكلمة كآحاد الدوادارية الصغار الأجناد. واستمرّ على ذلك إلى أن مات الملك الظاهر جقمق رحمه الله تعالى، وتسلطن بعده ولده الملك المنصور عثمان، فصار تمربغا عند ذلك هو مدبر المملكة وصاحب عقدها وحلها، والملك المنصور معه حسّ في الملك والمعنى هو، لا سيما لما أمسك الملك المنصور الأمير دولات باى الدّوادار والأمير يلباى المؤيّدى هذا الذي تسلطن، والأمير يرشباى المؤيدى الأمير آخور الثانى، واستقر تمربغا هذا دوادارا كبيرا عوضا عن دولات باى المذكور وبقى ملك مصر وأموره معذوقا به، والناس تحت أوامره، فلم تطل أيامه بعد ذلك، ووقعت الفتنة بين الملك المنصور عثمان وبين أتابكه الأشرف إينال، وهى الواقعة التي خلع فيها الملك المنصور عثمان وتسلطن من بعده الأشرف إينال. ودام القتال بين الطائفتين من يوم الاثنين إلى يوم الأحد، أعنى سبعة أيام والقتال عمال بين الطائفتين، وكان القائم بحرب إينال بالقلعة هو الملك الظاهر تمربغا مع خچداشيته الظاهرية، والمعول عليه فيها، مع علمى بمن كان عند الملك المنصور غير

стр. 6094

تمربغا من أكابر الأمراء، مثل تنم من عبد الرزاق أمير سلاح، والأمير قانى باى الچاركسى الأمير آخور الكبير، ومع هذا كله كان أمر القتال وتحصين القلعة والقيام بقتال الأتابك إينال متعلقا بالملك الظاهر تمربغا هذا، فلما تسلطن إينال وانتصر أمسك الملك الظاهر تمربغا هذا وسجنه بالإسكندرية أشهرا، ثم نقله إلى حبس الصّبيبة بالبلاد الشامية، فحبس بالصّبيبة أكثر من خمس سنين. وكانت مدة سجنه بالإسكندرية والصّبيبة نحو ست ستين، إلى أن أطلقه الملك الأشرف إينال في أواخر سنة اثنتين وستين، وأمره أن يتوجّه إلى دمشق ليتجهز بها، ويتوجه مع موسم الحاج الشامى إلى مكة ويقيم بها، فسار إلى مكة وجاور بها سنة ثلاث وستين، وكنت أنا أيضا مجاورا بمكة في تلك السنة، فتأكدت الصحبة بينى وبينه بها، ووقعت لنا محاضرات ومجالسات، ودام هو بمكّة إلى أن تسلطن الملك الظاهر خشقدم في سنة خمس وستين وثمانمائة، فقدم القاهرة، فأجلّه الملك الظاهر، وزاد في تعظيمه وأجلسه فوق جماعة كثيرة من أمراء الألوف الأعيان، ثم أنعم عليه فى يوم الاثنين سلخ ذى الحجة من سنة خمس وستين وثمانمائة المذكورة بإمرة مائة وتقدمة ألف عوضا عن جانبك الأشرفى المشد بحكم القبض عليه، وخلع عليه في اليوم المذكور باستقراره رأس نوبة النوب، عوضا عن بيبرس الأشرفى خال الملك العزيز يوسف، بحكم القبض عليه أيضا، فدام على ذلك إلى أن أخرج الملك الظاهر خشقدم «١» الأتابك جرباش إلى ثغر دمياط بطالا، واستقرّ عوضه في الأتابكية الأمير قانم أمير مجلس، فنقل الملك الظاهر تمربغا إلى إمرة مجلس عوضا عن قانم المذكور، وذلك في شهر رمضان سنة تسع وستين وثمانمائة، فدام على إمرة مجلس إلى أن مات الملك الظاهر خشقدم «٢» فى عاشر شهر ربيع الأول. وتسلطن الملك الظاهر يلباى، فصار الملك الظاهر تمربغا هذا أتابك العساكر عوضا «٣» عن الملك الظاهر يلباى المذكور، فعند ذلك تحقق كل أحد أن الأمر

стр. 6095

يؤول إليه، فكان كذلك حسبما تقدم ذكره، ولنعد الآن إلى ما وعدنا بذكره من الحوادث: ولما كان يوم الاثنين تاسع جمادى الأولى أنعم السلطان الملك الظاهر تمربغا على جماعة من الأمراء بعدة وظائف: فاستقرّ الأمير جانبك قلقسيز أمير مجلس أمير سلاح عوضا عن قانى بك المحمودى المؤيّدى بحكم القبض عليه. واستقرّ الشهابى أحمد بن العينى الأمير آخور الكبير أمير مجلس عوضا عن جانبك قلقسيز. واستقرّ الأمير بردبك هجين الظاهرى حاجب الحجاب أمير آخورا كبيرا عوضا عن ابن العينى. واستقرّ الأمير خيربك الظاهرى الدوادار الثانى دوادارا كبيرا عوضا عن يشبك الفقيه بحكم القبض عليه وإخراجه إلى القدس الشريف بطالا. واستقرّ الأمير كسباى الظاهرى أحد أمراء العشرات دوادارا ثانيا، عوضا عن خيربك. واستقرّ الأمير خشكلدى البيسقى «١» رأس نوبة النوب، عوضا عن الأتابك قايتباى. واستقر الأمير قانصوه اليحياوى الظاهرى أحد أمراء العشرات ورأس نوبة فى نيابة الإسكندرية عوضا عن كسباى المؤيدى السمين بحكم عزله وتوجهه إلى دمياط بطالا، بعد أن أنعم الملك الظاهر على قانصوه المذكور بإمرة طبلخاناه عوضا عن طوخ الزردكاش، بحكم توجهه إلى دمياط بطالا. وفي ليلة الثلاثاء عاشره حمل الملك الظاهر يلباى في النيل إلى إسكندرية
следующие страницы →