المجلد الأول
المقدمة
...
جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف
تأليف: الدكتور/عبد العزيز بن صالح بن إبراهيم الطويان
المقدمة:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٣.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار٤.
وبعد: فإن الله أرسل رسوله الكريم رحمة لهذه الأمة ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وأنزل عليه الوحي فيه الهدى والبيان، فدعى إلى التوحيد الخالص ليكون الدين كله لله،
стр. 2
وليتأله العباد ربهم تعظيماً، ومحبة، وتوكلاً، ورغبة، ورهبة، وخوفاً، ورجاء، فيوحدوه بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
فدخل الناس في دين الله أفواجاً، وأظهر الله دينه على الرغم من كيد اليهود، ومكر المنافقين، وحقد المشركين.
ولم يمت رسول الله ﷺ حتى بلغ رسالة ربه، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده: لم يترك خيرا إلا دل عليه، ولا شرا إلا حذر منه.
والتحق ﵊ بالرفيق الأعلى بعد أن ترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً﴾ ١.
وقد حمل الأماجد الأوائل من المدرسة المحمدية بعد وفاة رسول الله ﷺ مشاعل النور والهدى إلى مشارق الأرض ومغاربها يبلغون رسالة ربهم، فأناروا الأرض بعبادة الله، وإبطال عبادة ما سواه. وضربوا أروع الأمثال في التضيحة والفداء.
وقد سار هؤلاء الأماجد؛ أعني بهم الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، على هذا الطريق الواضح على بصيرة من أمر دينهم؛ يرفضون الجاهلية عن علم، ويدعون إلى الله على دراية.
وقد دخل في هذا الدين من قصده الإفساد، فحالوا صرف المسلمين عن عبادة ربهم ودراسة كتابه العظيم وسنة نبيه ﷺ بشتى الخطط الماكرة، سالكين بذلك أساليب الشبهات والشهوات، ليكيدوا
стр. 3
للإسلام، ويمكروا بأهله مكراً، فظهرت الفرق والمذاهب الهدامة.
لكن الله مظهر دينه، وحافظ شريعته، ومعز أوليائه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١، وقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ٢.
وهذا مقتضى حكمة الله ؛ لأن الرسول ﷺ خاتم الأنبياء ولا نبي بعده، لذلك قيّض الله رجالاً فقهوا كتاب ربهم وسنة نبيهم يذوذون عن هذا الدين تحريف الغالين، وتلبيس الجاهلين، وانتحال المبطلين؛ يردون كل بدعة بالحجج القوية، والبراهين الساطعة.
وما زال الله سبحانه يظهر من يجدد ما اندرس من هذا الدين، فيعيد لهذه الأمة شبابها وحيويتها، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والله غالب على أمره ولو كره المبطلون.
لذلك بقي معتقد السلف ظاهر المعالم، واضح السبل، لا غموض فيه ولا دخن.
وكل ذلك بسبب حفظ الله جل وعلا لهذا الدين، ثم بجهود علماء السلف في العناية بإبراز هذه العقيدة الصافية، والذبّ عنها.
وكان من هؤلاء العلماء الأماجد الذين ذادوا عن هذا الدين تحريف الغالين، وتلبيس الجاهلين، وانتحال المبطلين: الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ الذي يُعدّ بحقّ علماً من أعلام هذه الأمة المحمدية؛ صرف وقته، وقضى عمره، وبذل جهده في خدمة هذا الدين، والنصح لهذه الأمة، وتوجيهها إلى ما فيه الخير لها في العاجلة والآجلة. فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
стр. 4
سبب اختيار الموضوع:
ولما كان نظام الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية يحتم على طلاب الدراسات العليا الذين يتقدمون للحصول على شهادة العالمية "الماجستير" أن يكتبوا بحثاً علمياً في مجال تخصصهم، فقد بحثت عن موضوع في تخصصي أتقدم به لنيل هذه الدرجة، فأشار عليّ الشيخ الفاضل عبد المحسن بن حمد العباد حفظه الله أن أوضح جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في خدمة عقيدة السلف، وقد رأيت منه استحساناً وتشجيعاً؛ إذ الشيخ عبد المحسن حفظه الله من معاصري الشيخ الشنقيطي ﵀, وممن أخذ عنه، وسبر شخصيته عن قرب.
وقد زادني تشجيعا على الكتابة في ذلك: كون هذا الموضوع لم يطرق من قبل؛ فقد كتب عن الشيخ الأمين ﵀ باحثون أفاضل في مجال التفسير، وأصول الفقه، فأحببت أن أضع في هذا العقد واسطته؛ ألا وهي العقيدة التي علمها أشرف العلوم. أضف إلى ذلك رغبتي في الاطلاع عن كثب على علم هذا العلامة الفاضل، والاستفادة مما كتب من تآليف تُعدّ بحق موسوعة علمية ترشد إلى تبحر هذا الإمام في مختلف الفنون، وخاصة العقيدة.
والشيخ الأمين ﵀ من مؤسسي الجامعة الإسلامية، وكان له جهود في إبرازها، ورقيها، ولكفاءته النادرة ذاع صيتها، واشتهرت عالمياً في شتى نواحي العلم والمعرفة الإسلامية. فكان من الواجب إبراز جهوده بالدراسة والبحث.
منهجي في هذا البحث:
وأما عن منهجي في هذا البحث فيتلخص فيما يأتي:
أولاً: جمعت الجزئيات المتعلقة بالعقيدة مما قاله الشيخ ﵀, أو كتبه؛
стр. 5
يستوي في ذلك المسموع، والمطبوع، والمخطوط.
ثانياً: وزّعت المادة العلمية التي جمعتها على أبواب العقيدة، مقسماً تلك الأبواب إلى فصول، والفصول إلى مباحث، والمباحث، إلى مطالب، وهكذا دواليك –حسب مقتضى الحال -.
ثالثاً: عند دراسة أي مسألة من مسائل العقيدة التي عرضها الشيخ الأمين ﵀ وقررها، أبدأ هذه المسألة بمدخل عام لها، أتبعه بذكر رأي الشيخ فيها ملخصاً بأسلوبي، ومن ثم أنقل كلام الشيخ الأمين ﵀ المؤيد لما ذكرت. وبعد ذلك أذكر أقوالاً لبعض السلف في هذه المسألة مدللاً بذلك على أن كلام الشيخ ﵀ موافق لمذهبهم، وأن الشيخ ﵀ متبع لهم يسير على منهجهم ويترسم خطاهم.
رابعاً: إذا كان للشيخ ﵀ رد على طائفة معينة ابتدعت رأياً في مسألة ما خالفت فيه معتقد السلف، أورد ذلك مصوراً رأي الفرقة التي يرد عليها في هذه المسألة، وناسباً هذا الرأي إلى مظانه في كتب الفرق، ثم أتبع ذلك بذكر كلام الشيخ في تفنيد هذه المسألة.
خامساً: عند الترجمة للشيخ الأمين ﵀ اعتمدت في الغالب على ما تلقيته مشافهة من بعض تلاميذه من معلومات تتصل بالشيخ، وشخصيته، وصفاته، وحياته العلمية.
سادساً: عزوت الآيات القرآنية الواردة في البحث إلى مواضعها في القرآن الكريم، ذاكراً اسم السورة، ورقم الآية.
سابعاً: خرّجت الأحاديث الواردة في البحث من كتب السنة: فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إلى موضعه في
стр. 6
الصحيح.
وإذا لم يكن في الصحيحين اجتهدت في تخريجه من كتب السنة الأخرى ناقلا قول علماء أهل الشأن فيه؛ من تصحيح أو تحسين أو تضعيف.
ثامناً: اجتهدت في الترجمة لأعلام ورد ذكرهم في هذه الرسالة.
خطة البحث:
وقد سرت في هذا البحث على الخطة التالية:
قسمت الموضوع إلى مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة.
أما المقدمة: فقد اشتملت على أهم الدوافع التي حملتني على الكتابة في هذا الموضوع، وعلى منهج البحث، والخطة التي سرت عليها.
وأما التمهيد: فقد خصصته للتعريف بالشيخ محمد الأمين ﵀ وعقدت له فصلين:
الفصل الأول:
في الكلام عن حياة الشيخ الشخصية: وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: نسبه، وولادته.
المبحث الثاني: نشأته.
المبحث الثالث: قدومه المملكة، واستقراره فيها، واستقبال العلماء له.
المبحث الرابع: صفاته الخِلْقية.
стр. 7
المبحث الخامس: صفاته الخُلُقية.
المبحث السادس: أدبه، وذكاؤه، وظُرَفُه، وبعض مواقفه وأقواله.
المبحث السابع: وفاته.
الفصل الثاني: في الحديث عن حياته العلمية، وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: طلبه للعلم وشيوخه.
المبحث الثاني: عقيدته.
المبحث الثالث: أعماله، ووظائفه.
المبحث الرابع: تلاميذه.
المبحث الخامس: مؤلفاته.
المبحث السادس: ثناء العلماء عليه.
أما الباب الأول: فقد بينت فيه جهود الشيخ الأمين ﵀ في توضيح الإيمان بالله.
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في توحيد الربوبية.
الفصل الثاني: في توحيد الألوهية، وفيه أربعة مباحث.
المبحث الأول: تعريف التوحيد.
стр. 8
المبحث الثاني: براهين التوحيد، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: دلالة الصفات على توحيد الألوهية.
المطلب الثاني: البراهين الكونية.
المطلب الثالث: بطلان إلهية ما سوى الله.
المبحث الثالث: أنواع العبادة.
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: الدعاء.
المطلب الثاني: التوكل.
المطلب الثالث: الولاء والبراء.
المطلب الرابع: الخوف والرجاء.
المطلب الخامس: الحكم بما أنزل الله.
المبحث الرابع: ما يضاد إخلاص العبادة.
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: الشرك بالله.
المطلب الثاني: الذبح لغير الله.
المطلب الثالث: ادِّعاء علم الغيب.
المطلب الرابع: الحلف بغير الله.
стр. 9
المطلب الخامس: السحر.
المطلب السادس: البناء على القبور.
الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: جهوده في إبراز عقيدة السلف في توحيد الأسماء والصفات.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات.
المطلب الثاني: الأسس التي يقوم عليها معتقد السلف في الصفات.
المطلب الثالث: قواعد في الصفات.
المطلب الرابع: ذكر جملة من الصفات التي ذكرها الشيخ الأمين.
المبحث الثاني: موقف الشيخ الأمين من أهل التأويل.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: معاني التأويل.
المطلب الثاني: بعض شبه أهل التأويل، ورد الشيخ الأمين ﵀ عليها.
المطلب الثالث: مقارنةٌ بين مذهب السلف، ومذهب الخلف.
стр. 10
المطلب الرابع: رجوع بعض أئمة أهل التأويل إلى معتقد السلف.
أما الباب الثاني: فبينت فيه جهود الشيخ في توضيح بقية مباحث الإيمان.
وفيه سبعة فصول:
الفصل الأول: الإيمان بالملائكة.
الفصل الثاني: الإيمان بالكتب.
الفصل الثالث: جهوده في توضيح النبوات.
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الإيمان بالأنبياء.
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: دعوة الرسل واحدةٌ.
المطلب الثاني: الرسل لا يعلمون الغيب.
المطلب الثالث: عصمة الأنبياء.
المطلب الرابع: أولو العزم من الرسل.
المطلب الخامس: هل آدم رسول أم نبي؟.
المبحث الثاني: حقيقة الخضر.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: هل الخضر نبي أم وليّ؟.
стр. 11
المطلب الثاني: هل الخضر حي أم ميت؟.
المبحث الثالث: الإيمان بنبينا محمد ﷺ .
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: عموم رسالته.
المطلب الثاني: احترامه.
المطلب الثالث: تعظيمه.
المطلب الرابع: حياته البرزخية.
المبحث الرابع: معجزات بعض الأنبياء.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: من معجزات نبينا محمد ﷺ .
المطلب الثاني: من معجزات موسى ﵇.
المطلب الثالث: معجزة صالح ﵇.
الفصل الرابع: جهود الشيخ الأمين في توضيح اليوم الآخر.
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: بعض أشراط الساعة:
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: نزول عيسى ﵇.
المطلب الثاني: يأجوج ومأجوج.
стр. 12
المطلب الثالث: بعض العلامات الصغرى.
المبحث الثاني: القبر:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عذاب القبر.
المطلب الثاني: سماع الموتى.
المبحث الثالث: البعث:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: براهين البعث.
المطلب الثاني: الحشر.
المبحث الرابع: الميزان.
المبحث الخامس: الصراط.
المبحث السادس: الجنة:
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: نعيمها، وبقاؤها.
المطلب الثاني: رؤية المؤمنين ربهم في الجنة.
المطلب الثالث:هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلمربه ليلة المعراج؟
المبحث السابع: النار:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عذابها.
стр. 13
المطلب الثاني: الرد على من قال بفنائها.
الفصل الخامس: جهود الشيخ في توضيح الإيمان بالقدر:
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: مراتب القدر.
المبحث الثاني: الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية.
المبحث الثالث: الهداية.
المبحث الرابع: أفعال العباد بين الإفراط والتفريط:
وفيه ثلاثة مطالب.
المطلب الأول: وسطية أهل السنة والجماعة في أفعال العباد.
المطلب الثاني: موقف الشيخ الأمين من الجبرية.
المطلب الثالث: موقفه من القدرية النفاة.
الفصل السادس: حقيقة الإيمان:
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الإيمان.
المبحث الثاني: الفرق بين الإسلام والإيمان.
المبحث الثالث: زيادة الإيمان ونقصانه.
المبحث الرابع: مراتب المؤمنين.
المبحث الخامس: الكبائر.
المبحث السادس: حكم أهل الفترة.
الفصل السابع: جهود الشيخ الأمين في توضيح الإمامة.
ثم الخاتمة: وقد ذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها.
وفي الختام أشكر الله العلي القدير على توفيقه لي لإتمام هذا البحث،
стр. 14
وأسأله سبحانه أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبله بقبول حسن.
ثم أتقدم بالشكر الجزيل للقائمين على هذه الجامعة المباركة، وفي مقدمتهم فضيلة الدكتور عبد الله بن صالح العبيد على ماقدموه لأبناء العالم الإسلامي من زاد روحي ومعنوي.
كماأتقدم بالشكر إلى شيخي الفاضل فضيلة الدكتور أحمد بن عطية الغامدي على حسن تعامله معي، وصبره علي، وعلى حسن توجيهه وملاحظاته القيمة التي كان لها أكبر الأثر في إظهار هذا البحث بمظهره الذي هو عليه.
كما أشكر الشيخين الفاضلين فضيلة شيخنا الشيخ عبد المحسن بن حمد العبّاد، وفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن سعد السحيمي على تفضلهما بقراءة هذه الرسالة وتجشمهما عناء تصويبها، سائلا الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناتهما، كما أشكر جميع من أسدى إليّ نصحاً أو مشورة، راجيا من الله أن يجزيهم خير الجزاء.
وفي الختام أرجو من الله العلي القدير أن يعمنا بدعوة الشيخ الأمين ﵀ حيث يقول: "ونرجو الله القريب المجيب إذ وفقنا لخدمة هذا الكتاب المبارك أن يجعلنا مباركين أينما كنا، وأن يبارك لنا وعلينا، وأن يشملنا ببركاته العظيمة في الدنيا والآخرة، وأن يعم جميع إخواننا المسلمين الذين يأتمرون بأوامره بالبركات والخيرات في الدنيا والآخرة إنه قريب مجيب"١.
هذا وإني لأسأل الله العفو والغفران لما بدر مني من خطأ وزلات وأن يمن عليّ وعلى إخواني المسلمين بتوفيقه إنه جواد كريم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 15
التمهيد
الفصل الأول: حياة الشيخ الأمين الشخصية
المبحث الأول: نسبه، وولادته
...
المبحث الأول: نسبه، وولادته
نسبه:
هو العلامة محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد نوح بن محمد بن سيدي بن أحمد بن المختار. من أولاد الطالب أوبك. وهذا من أولاد أولاد كرير بن الموافي بن يعقوب بن جاكن الأبر؛ جد القبيلة الكبيرة المشهورة المعروفة بالجكنيين، ويعرفون بتجكانت.
ويرحع نسب القبيلة إلى حِمْيَر١.
لقبه:
آبّا؛ بمد الهمزة، وتشديد الباء من الإباء٢.
ولادته:
ولد ﵀ (عام١٣٢٥هـ) ، وكان مسقط رأسه ﵀ عند ماء يسمى (تَنْبه) ؛ من أعمال مديريةكيفا" من القطر المسمى بشنقيط"؛ وهو دولة موريتانيا الإسلامية الآن. علماً بأن كلمة شنقيط" كانت، ولا تزال تطلق على قرية من أعمال مديرية أطار" في أقصى موريتانيا في الشمال الغربي٣.
стр. 16
المبحث الثاني: نشأته
نشأ - أحسن الله مثواه - في جو يغلب عليه طلب العلم، وروح الفروسية، وقد نما وترعرع وشب متأثراً بالوسط القبلي المحيط به؛ وهو وسط تحتضنه البادية، ويغلب عليه التنقل من مكان إلى آخر طلباً للمناخ الأصلح. وإلى هذا يشير أحد مشايخ الجكنيين١ إذ يقول:
ونحن ركب من الأشراف مُنتظم أجل ذا العصر قدراً دون أدنانا
قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة بها نبين دين الله تبيانا
فهو يصف قومه بأنهم ركب" للدلالة على استمرار تنقلهم، ويرى أدنى فرد من قبيلته أعلى مكاناً من أعاظم رجال عصره، وأنهم مواظبون على مذاكرة العلم، لايمنعهم منه حل وترحال. إنه العلم الذي يثبت في القلوب دين الله، ويوضح لطالبيه أحكام الشريعة٢.
أما كرم الطبع في هذه القبيلة: "فهو سجية في جميعهم، وأمر يشب فيه الصغير، ويشيب عليه الكبير. وقد ألفوا الضيف لنجعة منازلهم. ومن عاداتهم إذا نزل وفد على بيت فإن أهل هذا المنزل يرسلون لأهل بيت المضيف حتى لو كان معدماً غداً واجداً، ويرحل الوفد وهو في غاية الرضا.
وفي ذلك الجو، وفي تلك البيئة نشأ الأمين ﵀.
يخبر ﵀ عن أحداث فترة طفولته بقوله: "توفي والدي وأنا
стр. 17
صغير أقرأ في جزء عم، وترك لي ثروة من الحيوان والمال. وكانت سكناي في بيت أخوالي، وأمي ابنة عم أبي. وحفظت القرآن على خالي عبد الله بن محمد المختار بن إبراهيم بن أحمد نوح؛ جد الأب المتقدم" ١.
стр. 18
المبحث الثالث: قدومه إلى المملكة، واستقراره بها، واستقبال العلماء له
كان خروج الشيخ الأمين ﵀ من بلاده لأداء فريضة الحج في السابع من شهر رجب، عام (١٣٦٧هـ) ، على نية العودة. وكان سفره براً، وقد كتب أثناءه رسالة سماها رحلة الحج"، ضمنها مباحث جليلة١.
وبعد وصوله إلى هذه البلاد في أواخر شهر ذي القعدة، من عام (١٣٦٧هـ) تجددت نية بقائه. ومن عجيب الاتفاق أن ينزل ﵀ في بعض منازل الحج، بجوار خيمة الأمير خالد السديري دون أن يعرف أحدهما الآخر. وكان الأمير يبحث مع جلسائه بيتاً في الأدب، وهو ذواقة أديب. وامتد الحديث إلى أن سألوا الشيخ لعله يشاركهم، فوجدوا بحراً لا ساحل له. ومن تلك الجلسة وذاك المنزل بدأت العلاقة والمعرفة، وأوصاه الأمير إن هو قدم المدينة أن يلتقي بالشيخين؛ الشيخ عبد الله بن زاحم، والشيخ عبد العزيز بن صالح رحمهما الله، وفي المدينة التقى بهما ﵀، وكان صريحاً معهما فيما يسمع عن البلاد، وكانا حكيمين فيما يعرضان عليه ما عليه أهل هذه البلاد من مذهب في الفقه ومنهج في العقيدة. وتوطدت العلاقة بين الطرفين، وتجددت رغبة متبادلة في بقائه لإفادة المسلمين، ورغب ﵀ في هذا الجوار الكريم، وكان يقول: "ليس من عمل أعظم من تفسير كتاب الله في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
ويحدثني الدكتور محمد الخضر الناجي عن أول قدوم الشيخ ﵀، وسبب بقائه؛ فيقول: "كان هناك وصية من الملك عبد العزيز أنه قدم
стр. 19
أحد من العلماء الكبار يحتفظون به، ويحاولون إبقاءه في البلاد هنا. فجاء أحد الإخوة، اسمه الشيخ أحمد خون، وأخبر به المحكمة الشرعية، واجتمعوا به، وتكلم معهم، وأعجبوا به، وأرسلوا إلى الملك عبد العزيز بأنهم وجدوا طلبته، فأمر أن يقيم هنا".
وهذا لايعارض ماكان في موسم الحج مع الأمير خالد السديري؛ فهذا حصل في موسم الحج، وهذا حصل في المدينة. ولا مانع من الجمع بين هاتين الوصيتين؛ لأن الوصية كانت عامة من الملك عبد العزيز ﵀.
стр. 20
المبحث الرابع: صفاته الخِلقية
كان ﵀ أسمر اللون، ربعاً معتدلاً، قوي البنية والعضلات، عظيم الهامة، معتدلاً في الضخامة، ليس بالضخم ولابالرقيق. إلا أنه في آخر حياته حين اشتد به المرض رق جسمه كثيراً١.
وقال عنه الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله: "لو مر في جمع من الناس وأنت لاتعرفه، لقلت هذا عالم كبير؛ لما تلمحه فيه من النبوغ والألمعية، ولما عليه من جلالة العلم، ووقار العلماء" ٢.
وقال ابنه د. محمد المختار: "إن والده كان شجاعاً، قوي البنية. وقد صرع رجلاً مشهوراً بالقوة.
стр. 21
المبحث الخامس: صفاته الخُلقية
كان الشيخ الأمين ﵀ يتمتع بأخلاق ومزايا فاضلة عديدة حدثني عن بعضها تلميذه: "الدكتور محمد الخضر الناجي، فقال: "من أخلاقه الفاضلة أنه لاينتقم لنفسه. ويحب إذا كان له يد في الحصول على مصالح عامة يحاول أن يتساوى فيها إخوانه ولايفرق بين قريب وبعيد فيهم. ومن أخلاقه أيضاً أنه كان يتبسط مع إخوانه في الفكاهة والممازحة التي تدخل عليهم السرور، وله ملح ونوادر كثيرة في هذا المجال من غير أن يؤذي أحداً. وكنا نعتبر مجالسه مع الأخوان أيام أعياد وأعراس؛ كأننا نجلس في بستان ذي فواكه كثيرة، وذي أفنان كثيرة؛ مرة في العلم، ومرة في المرح، ومرة في النكت، ولايمكن أن يتعرض لشخص إلا غضب غضباً شديداً. ومن أخلاقه الفاضلة قضاء حاجة الضعيف، وغض الطرف عن زلة من زل عليه، وعن إساءة من أساء إليه ﵀"١.
كما أنه ﵀ كان معروفاً بفضائل أخرى، حدثني عن بعضها تلميذه الأستاذ محمد الأمين بن الحسين، فقال: "إنه ﵀ معروف بسعة الخاطر، وعدم الغضب؛ فكانت الناس تعجب من عدم غضبه؛ فكل من قال له مالايرضيه يقابله بالحسنة على الرغم من أنه كان من قبيلة ذات شوكة وخطورة ولاتخاف من أحد، وأهله كذلك. لكنه ﵀ من صغره لم يعلم أنه أساء إلى أحد، أو قابل أحداً إلا بشيء حسن. وكان كريماً، ومن كرمه أنه قال لي: "لم يسألني أحد قرضة من مال وأقرضه؛ ذلك لأنه إن كان عندي أعطيته ولم أقرضه، وإن لم يكن عندي طلبه فذلك شأن آخر. وما
стр. 22
يسأله أحد من ماله زائد عنه إلا أعطاه إياه، وهذا نعلمه. وكان ﵀ يأخذ من راتبه ويعطي لكل ضعيف من جماعته امرأة أو رجل صدقة سراً وعلانية. وكان ﵀ يحمل لواء جماعته هنا وهناك في إدارة مصالحهم. فكان جمع بين الدنيا والآخرة ﵀.وكان مهاباً لا يجلس في مجلس -حسب علمي به، وكثرة ملازمتي له - يستطيع أحد أن يناقشه في مسألة سواء جدية أو هزلية. وكان كثير القيام بالليل، كثير المطالعة، كثير قراءة القرآن والتدبر فيه" ١.
وأخبرني الأستاذ محمد الأمين بن الحسين عن بعض أخلاق الشيخ الأمين ﵀ أيضاً، فقال: "أمور الرجولة متناهية فيه كلها؛ فصيح اللسان، خطيب، إذا أراد أن يتكلم، لايستطيع أحد الحاضرين الكلام معه لا في مسألة جدية ولا هزلية ولامداعبة ونحو ذلك. وكان حسن المجلس، صاحب دعابة خالية من الغيبة، وخالية من القدح، ومما يغضب الناس. ولم يُغضب أحداً حسب علمي" ٢.
وقد حدثني ولده الدكتور عبد الله أن والده لم يكن يؤثرهم على تلاميذه وإخوانه؛ ومن أمثلة ذلك: "أن سيارة الشيخ رحمة الله عليه كان يركبها من يسبق إليها، وكنت مرة ذهبت معه رحمة الله عليه في وقت حار إلى المسجد النبوي، ولما جئت معه إلى السيارة بعد الظهر، وجدناها امتلأت. فقال لي: "ياولدي اذهب على رجليك. فأراد أحد الركاب أن ينزل، فقال: "لاتنزل أنت سبقته. فكانت السيارة؛ من سبق إليها يركب، ومن تأخر - ولو ابنه - يمشي على رجليه"٣.
стр. 23
وكان ﵀ لايرد الزوار عن بيته، ولا يقول لأحد لا تدخل، ولم يكن على بيته حاجب. ولكن إذا كان يشتغل وجاء الزوار، فإذا رأوه يشتغل إما أن يخرجوا أو يجلسوا، وكانوا إذا جلسوا يتفرغ لهم، ويترك عمله.
وكان ﵀ ينصح للمسئولين، وإذا رأى ما لا ينبغي يكتب لهم، ويقول لهم دائماً: "أنتم أكرمكم الله بالحرمين، ومادمتم تتمسكون بهذا الدين فإن الله لن يضيعكم١.
زهده في الدنيا:
يتحدث الشيخ عطية سالم عن زهد شيخه الشيخ الأمين ﵀ في الدنيا، فيقول: "الواقع أن الدنيا لم تكن تساوي عنده شيئاً، فلم يكن يهتم لها. ومنذ وجوده في المملكة، وصلته بالحكومة حتى فارق الدنيا لم يطلب عطاء، ولامرتباً، ولا ترفيعاً لمرتبه، ولاحصولاً على مكافأة أو علاوة. ولكن ماجاءه من غير سؤال أخذه، وماحصل عليه لم يكن يستبقيه، بل يوزعه في حينه على المعوزين؛ من أرامل ومنقطعين. وكنت أتولى توزيعه وإرساله من الرياض إلى كل من مكة والمدينة. ومات ولم يخلف درهماً ولاديناراً. وكان مستغنياً بعفته وقناعته، بل إن حقه الخاص ليتركه تعففاً عنه؛ كما فعل في مؤلفاته وهي فريدة في نوعها، لم يقبل التكسب بها، وتركها لطلبة العلم. وسمعته يقول: "لقد جئت معي من البلاد بكنز عظيم يكفيني مدى الحياة وأخشى عليه الضياع. فقلت له: "وما هو؟ قال القناعة. وكان شعاره في ذلك قول الشاعر:
стр. 24
الجوع يطرد بالرغيف اليابس
فعلام تكثر حسرتي ووساوسي
وكان اهتمامه بالعلم، والعلم وحده، وكل العلوم عنده آلة ووسيلة، وعلم الكتاب وحده غايته"١.
وحدثني ابنه عبد الله حفظه الله عن زهده فقال: "كان ﵀ لايريد الدنيا، ولايهتم بها، ويحرص على الاقتصاد".ويقول: "الذي يفرحنا أن الدنيا لو كانت ميتة لأباح الله منها سد الخلة. وكان يقول: "لم أقترض قط لأحد، ولم أبع، ولم أشتر، وترك لي والدي ثروة فكنت أعيش منها، وكان عندي كنز عظيم أرجو الله أن لا يضيع مني؛ هو القناعة"٢.
وقد أخبرني أيضاً أنه كان في المدينة، وكان لايوجد عنده أي مال، وقد وعده أحد جيرانه أن يقترض له مالاً. ولما أراد الشيخ ﵀ أن يأتيه وجده يشتغل، وعليه ملابس متبذلة، فرجع عنه وكأنه وجد في نفسه قليلاً أنه في عازة. قال: "ولم أشعر حتى خررت ساجداً في الطريق في الغبار، ورفعت رأسي وعندي فرح ونشوة لايعلمها إلا الله إكراماً لما أعطاني من العلم، فكيف أريد دنيا وربي أكرمني بالعلم، وبفهم كتاب الله. فذهبت إلى البيت وكأن الدنيا كملت لي لاستشعاري نعمة الله عليّ بما أعطاني من فهم القرآن. وقد سد الله لي تلك الحاجة من غير أن أسأل أحداً ونذهب لأحد إكراماً منه وفضلاً"٣.
وأخبرني ولده عبد الله أيضاً، قال: "كان ﵀ يخاف من الدنيا، ويكلمني بقوله: "احذر من الدنيا؛ فإنها كالماء المالح، والشيطان يكذب عليك ويقول: "اجمع الأموال لتتصدق بها، وتبني بها المدارس، وتعمل بها
стр. 25
الأربطة. وهو يكذب عليك يريد أن يضيع وقتك، فإذا جمعت المال لا أنت تعطيه للناس، ويشغلك عن عبادة الله، فهذا شيطان يريد أن يصرفك عن ما هو خير لك، وأنا أقدر الناس على أن أكون أغنى الناس، وتركت الدنيا لأني أعلم إذا تلطخ بها العبد لا ينجو منها إلا من عصمه الله. ولم يوجب الله عليك أن تجمع الأموال لكي تتصدق بها على الناس، فاحذر ياولدي من الدنيا واعلم أنها كالماء المالح، وأن أهل الدنيا في شغل وتعب؛ فصاحب الدنيا النهار يشتغل في البضاعة والتجارة، وفي الليل يفكر فيها، ويموت عنها، وقد لا يترحم عليه الورثة، يقولون: "هذا ماله مات عنه. فاحذر يابني من الدنيا"١.
وأخبرني الدكتور محمد الخضر الناجي حفظه الله: "أن الشيخ لما كان في القاهرة للعلاج، وكانت السفارة تلبي رغبة الشيخ، فلما انتهى من العلاج، حسب البقية الباقية عنده من المادة التي أرسلتها الحكومة، وقال ليس لنا هذا، أعطوه لمندوب السفارة. وجاء مندوب السفارة وقال له: "سوف لن ينتفع بذلك أحد، وهذا ياشيخ لك، والحكومة أعطته لك، فقال: "أرسلوه لي لغرض العلاج، والعلاج قد انتهى، لن نأخذه".
وكان ﵀ زاهداً في الملبس، لايأبه للثياب، ولايبالي بها؛ حدثني الأستاذ محمد الأمين بن الحسين قال: "حضرته يوماً في الرياض، وكان قادماً لإلقاء محاضرة في المعهد العالي للدعوة، وكان عليه ثوب لايناسب في نظري الحضور، فقلت له: "نغير لك هذا الثوب؟ فقال: "يافلان القضية ليست بالثياب، وإنما ما تحت الثياب من العلم. ونحو ذلك".
حذره من الغيبة، وتحذيره منها:
لم يكن الشيخ الأمين ﵀ يغتاب أحداً، أو يسمح بغيبة أحد في
стр. 26
مجلسه. وكثيراً مايقول لإخوانه: "تكايسوا" أي من الكياسة والتحفظ من خطر الغيبة. ويقول: "إذا كان الإنسان يعلم أن كل مايتكلم به يأتي في صحيفته، فلا يأتي فيها إلا الشيء الطيب"١.
وأخبرني ابنه عبد الله أن والده كان يكره الكلام في الناس، أو التكلم في الدنيا، وكان لا يرضى من طلابه، ولا من جلسائه أن يغتابوا أحداً، ويقول لهم: "يا أبنائي وإخواني إن قتل الأولاد وأخذ الأموال يهون، لكن أخذ حسناتي وأنا شايب فهذا لاسكوت عليه، هذا خور وضعف، وأنا رجل مؤمن وهذه البقعة ملكنيها الله فلا يكون لأحد الغيبة فيها، ولا تأكلوا لي أعراض الناس. والله لو أخذتم مالي لتغاضيت عنكم، ولكن تأخذوا لي حسناتي وأنا شايب، هذا لا صبر لي عليه".وقد كنت يوماً أنا وأحد الطلاب، وكان عنده شيخ يصحح عليه تأليفاً له، وكنا في مكة، فقال أحد الجلوس: "ويكره التأليف من مقصر. فضحكت أنا، فغضب، وقال: "يابني ماذا فعلت لك؟ كيف تأكل الغيبة في المسجد الحرام".
ورعه عن الفتيا:
أخبرني ابنه عبد الله أنه في آخر حياته أصبح لايتكلم إلا في كتاب، أو سنة. ويقول: "كلام الناس لا أضعه في ذمتي. إذا كان عندي على المسألة نص من كتاب أو سنة أقول بها، وإذا لم يكن عندي نص أقول: "الله أعلم؛ لأن الله يقول: "ولاتقف ماليس لك به علم".وفي يوم من الأيام جاءه طلبة من الكويت، وسألوه عن مسائل من الأمور المستحدثة، فقال الشيخ: "أجيبكم من كتاب الله تعالى".فاشرأبت أعناق الحضور لسماع هذه الإجابة من كتاب الله تعالى، فقال: "أقول لكم: الله أعلم، والله تعالى يقول:
стр. 27
﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١.والله لا أعلم فيها شيئاً من كتاب ولا سنة. وكلام الناس لا أضعه في ذمتي، اذهبوا إلى غيري".
وحدثني الدكتور محمد الخضر الناجي عن هذه المزية العظيمة من مزايا الشيخ ﵀ بقوله: "من أفضل أخلاقه التي تعلمتها منه: هو قوله: "لا أدري" حين يستفتى في بعض الأحيان، والوقف عند مايشتبه من الأمور. ولي معه موقف في هذا الشأن؛ وهو أنني معه ذات يوم، ثقل عليّ الحال لكثرة قوله: "لا أدري، والله أعلم".فاجتمعنا مرة منفردين ليس معنا أحد سوى الله . فقلت له ياشيخي أنتم تقولون دائماً في دروسكم أنّ النبيّ ﷺ ترك هذه الشريعة محجة بيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. ومقتضى هذا أنها واضحة لا لبس فيها ولا غموض يخفى على أحد. ونحن نسأل من نثق بعلمه ومعرفته، فكثيراً ما يجيبنا: "لا أدري.-وأنا بالذات أعنيه هو -.فقال: "يابنيّ هذا بيّنه حديث: "إنّ الحلال بيّن وإن الحرام بينّ، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام "٢.وحديث: "دع مايريبك إلى مالايريبك" ٣؛ ومعنى هذا أنه إذا كان الأمر حلالا، وحليته واضحة، فقل: حلال، ولاتبالي. وإذا كان الأمر حراماً ودليله واضح فقل: حرام، ولاتبالي. وإذا كان مشتبهاً ليس دليل حرمته ولاحليته واضحاً، فالطريق الواضح أمامك، والذي هو كالمحجة البيضاء أن تقول: "لاأدري؛ فهذا هو معنى كونه ترك الناس على محجة بيضاء؛ لأنّ هذا
стр. 28
الحديث حديثه ﷺ . فاسترحت لهذا الجواب كثيراً؛ إذ جاء به من غير تكلف، وبوضوح".
حبه للرماية:
أخبرني ابنه عبد الله عن والده أنه كان يحب الرماية والسباحة، وكان عنده في البيت شوزن، وساكتون، وفي كلّ يوم خميس يذهب إلى الصيد١.
وقال لي الدكتور/محمد الخضر الناجي: "ذهبنا مرة إلى العاقول، خارج حدود الحرم. واصطاد الشيخ حمامة في السماء، فرجعت إليها صاحبتها تحوم فوقها، فتعرضها بالبندقية فضربها فأسقط الثنتين".
وأخبرني الأستاذ/محمد الأمين بن الحسين قال: "كان الشيخ ﵀ يوماً من الأيام مع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن، وكان صديقاً له، وكانوا في بستان في الرياض. فقال يمزح مع الشيخ: "تقولون إنكم عرب وأهل رماية للأهداف، فهل تستطيع أن ترمي ذلك الطير - وكان يراه من بعيد-.فأخذ البندقية أحد تلاميذ الشيخ، فضربه فلم يصبه. فأخذ الشيخ ﵀ البندقية بعد أن أبعد الطير جداً، فرماه بتلك البندقية واصطاده، فأعجب الحاضرون بذلك. وكان ﵀ يحب الصيد، لا أنه يتعب من ورائه ويسافر لأجله".
стр. 29
المبحث السادس: أدبه، وذكاؤه وظرفه، ومن مواقفه وأقواله
كان الشيخ الأمين ﵀ أديبا ضليعاً، شهد بذلك معاصروه من العلماء، وتلامذته. وهذا ما تراه جليا في كتبه.
يقول الشيخ محمد المجذوب: "إنّ الغزارة في محفوظ الشيخ من شعر العرب دليل قاطع على تذوقه إياه. ولابدّ للحافظ المتذوق أن تواتيه الموهبة على صياغته. وكذلك كان شيخنا -طيب الله مثواه-؛ فهو رهيف الحسّ، سريع التأثر بالكلمة البليغة. وقد سبق أن طالعنا بعض محاولاته الأولى، فلمحنا ما وراءها من استعداد للاندفاع، إلا أنّ انشغاله اليومي بالجوانب الأخرى قد أدى به إلى الانصراف عن الشعر الخالص"١.
وأخبرني ابنه عبد الله أن والده ﵀ كان يحبّ الأدب، ويخصص يوماً في الأسبوع في أول زمن دراسته للأدب، ويقول: "نحن نحفظ الأدب لنستشهد به على لغة العرب.
وكان أحياناً يأتي بأبيات قد يكون ظاهرها سمجاً، ويبيّن أنّ القصد ما فيها من اللغة. وكان دائماً يكرر ذا البيت٢:
ولولا الشعر بالعلماء يزري
لكنت اليوم أشعر من لبيد
وقد ذكر ﵀ أبياتاً في آخر حياته تدلّ على قوته في الشعر، ذكر في أولها أنّ الشعر لاينبغي له. يقول ﵀:
стр. 30
قد صدّ بي حلم الأكابر عن لمى
شفة الفتاة الطفلة المغناج
ماء الشبيبة زارع في صدرها
رمانتي روض كحقّ العاج
وكأنها قد أدرجت في برقع
ياويلتاه بها شعاع سراج
وكأنما شمس الأصيل مذابة
تنساب فوق جبينها الوهاج
قال لي د/ عبد الله بن الشيخ محمد الأمين: "وهذا نوع من التمثيل لم أره قبل الشيخ ﵀؛ وهو أن تجعل الشمس مرهماً يدهن به الوجه، فهذا ابتكار في التشبيه، لم يسبق إليه حسب علمي".
وقال د/عبد الله أيضاً: "وكان يقول لي:
تأدب إذا مادخلت على أناس
وكن منهم بمنزلة الأقلّ
فإن رفعوك كان الفضل منهم
وإن وضعوك فقل هذا محلي
وكان ﵀ دائماً يتمثل بهذه الأبيات، وخصوصاً إذا كنا ذاهبين للصيد:
قال الطريفة ماتبقى دراهمنا يوما
ومابنا سرف فيها ولا خرق
إنَّا إذا اجتمعت يوماً دراهمنا
ظلت إلى طرق الخيرات تستبق
لايألف الدرهم المضروب صرتنا
لكن يمرّ عليها وهو منطلق
حتى يصير إلى نذل يخلده
يكاد من صره إياه ينمزق١
وأحياناً: "كان ﵀ يتمثل ببعض الأبيات التي تتعلق بمكارم الأخلاق، أو بالفضل والتسامح.
стр. 31
وأخبرني الأستاذ/محمد الأمين بن الحسين: "إنه ﵀ كان شاعراً مغلقاً إلى أبعد الحدود، إلا أنه صار في آخر حياته يكره أن يقال له ذلك. وطلبنا منه بعض القصائد التي قالها، فامتنع وغضب، وقال: "أحبّ إليّ أن يقال: طالب علم، من أن يقال: شاعر. هذا مع قدرته على الشعر واللغة العربية".وسمعته يقول: "حينما بدأت في قراءة اللغة العربية فتح الله عليّ في قول الشعر فتحاً عجيباً، ولاسيما في الهجو منه، فنذرت لله أن لا أقول هجوا بأحد كائنا من كان، ولا أمدح أحداً، فكان شعره ﵀ في الحثّ على العلم، ونحو ذلك".
من مواقفه وأقواله:
أختار من مواقفه ﵀ هذه الحادثة التي ذكرها الشيخ محمد المجذوب فقال: في مؤتمر العلماء الذي عقدوه في الرياض للبحث في موضوع الإمامة، وقرروا فيه إلغاء بيعة المرحوم الملك سعود بن عبد العزيز، ومبايعة أخيه فقيد الإسلام والعروبة فيصل بن عبد العزيز إيثاراً للمصلحة العامة التي لم يكن أجدر من فيصل للقيام بأعبائها: "أنابوا عنهم الشيخ الأمين لإبلاغ قرارهم الملك سعود، فقام بالمهمة خير قيام، وكان لكلمته الحكيمة أطيب الوقع في نفسه، عقّب عليها بإعلانه ثقته التامة بنصيحة العلماء وخضوعه لمقرارتهم. ولا حاجة للتنبيه إلى أنّ مثل هذه الثقة التي أحرزها الشيخ في أوساط أولي الأمر وكبار أهل العلم إنما تدل على مميزات شخصية من النوع النادر. بها استحق كل ذلك التقدير من عارفيه"١.
ومن أقواله ﵀: ماحدثني به ابنه د/عبد الله أنّ والده قال له: "الكرة الأرضية أصغر من أن تكون لرجل وطنا".
يقول د/عبد الله: "وماكنت أفهم هذا في البداية، ولكن بعد ذلك
стр. 32
فهمت أنّ قصده أنّ المسلم كلّ العالم أهله، فيحاول أن يساعدهم ويقومهم، وينصحهم، وينصر ضعيفهم، ويساعد فقيرهم؛ لأنّ المسلم للمسلم كالبنيان، إنما المؤمنون إخوة، فكان يقول لي: يابني اعلم أن المسلمين في أنحاء البلاد هم إخوانك، والمسلم لايتقوقع ولاينتمي لجهة عن جهة، وإن كان الأقربون أولى بالمعروف".
ذكاؤه، وظرفه ﵀:
امتاز الشيخ الأمين ﵀ بالذكاء الشديد منذ نعومة أظفاره، وهذا ماشهد له به أحد شيوخه؛ كما أخبرني بذلك ابنه عبد الله بقوله: "إنّ الله نفعه بشيخ له في صباه، كان يقول له: "اعلم أنّ فروض الكفاية فرض عين عليك؛ لأنّ الفقهاء يقولون: "إذا كان هناك ذكيّ ذكاء خارقاً، فإنّ فروض الكفاية تبقى فرض عين عليه، فاتق الله في المسلمين، واحفظ عليهم دينهم؛ لأنك مقتدر على أن تحفظ العلوم بسرعة".
وكان ﵀ سريع البديهة، مع ظرف ودعابة ونكتة مستملحة:
فمن سرعة بديهته ﵀: "ماحدثني به الشيخ محمد الأمين ابن الحسين قال: "سمعت منه أنّ مندوبا من التعليم، وهو إذ ذاك مدرس في الكليات والمعاهد في الرياض جاءه يطلب منه الشهادات العلمية أسوة بغيره من المدرسين. فقال: "عندي شهادة واحدة. ولست أعطيها لأحد. فقال: "ماهي؟ قال: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله، فلا أعطيها أحداً. وليس عندي غيرها. فضحك الحاضرون من دعابته".
وحضرته يوماً وقد ألقى محاضرة في الجامعة الإسلامية يحثّ فيها طلبة العلم على الصبر وعلى التحمل، وعلى الأخلاق الحميدة، وأن يخلصوا الدعوة لله في تعليمهم للمسلمين، وأنهم سيُؤْذّوْن في سبيل الله؛ لأنهم ورثة الأنبياء، والأنبياء أوذوا في دعوتهم، فقام الشيخ محمود
стр. 33
الصواف يعلق على كلام الشيخ ﵀ قائلاً أنا أعتقد أني أخاف عليكم أن يغالى في محبتكم حتى تعبدوا، أو نحو ذلك، وإنكم سترون كثيراً من الترحيب في العالم الإسلامي فالتفت إليه الشيخ الأمين وقال: "أودّ أن أسأل فضيلة الشيخ محمود الصواف: "هل يستطيع أن يأتي للعراق؟ لأنه من المعلوم أنه محكوم عليه بالإعدام. وهو من طلبة العلم. فضحك الحاضرون، وعلى رأسهم الشيخ عبد العزيز بن باز قائلاً: "الشيخ سريع البديهة سريع الجواب".
وحدثني ابنه د/عبد الله عن بعض القصص التي تدلّ على سرعة بديهة والده ﵀ فقال: "قال لي الشيخ مرة إنه مسافر. وكانت له ثياب تغسل، ورآه أحد الجلوس وهو يقلب ثيابه، ومن بينها سروال. فظنّ هذا الشخص أنّ الشيخ يريد لبس لباسه أمام الناس، فقال له: "ولسراويل بهذا الجمع، فقال له الشيخ: "أبشر لن ألبس ثيابي بحضرة الناس، ولن نصرف مفاعيل. لأنّ نصّ الألفية:
ولسروايل بهذا الجمع
شبه اقتضى عموم المنع١
فكان المكلم للشيخ ذكيا، وفهم الشيخ قصده بسرعة"٢.
وقال أيضاً: "ومن نكته الظريفة: أنه لما تولى فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد نيابة رئاسة الجامعة الإسلامية قال له الشيخ: "يافضيلة الشيخ أنت الآن كمن تزوجت أمه، لايدري هل يعزى أو يهنى؟ فقال له فضيلة الشيخ عبد المحسن حفظه الله: "أنا يُدعى لي فقط. ومن نكته أيضاً: "قال له شخص: يافضيلة الشيخ أحسن أن يأخذ الإنسان من عرض لحيته أو من
стр. 34
طولها؟ فقال له: "ذلك مقطوع طوله في عرضه".
وذكر لي د/محمد الخضر الناجي بعض ظرفه ودعابته؛ منها: "أنه جاءته امرأة تشتكي من زوجها، وكان عنده أخرى قبلها مشترطة أن لا يكون معها أحد. فجاءت عند الشيخ فقال لها: "ماذا فعل؟ قالت: "رأيته يوصل لها النقود في المنديل. قال هذا طبق نصاً من نصوص مختصر ابن عاشر:
وصّل ماعسر بالمنديل
ونحوه كالحبل والتكويل
والنكتة في هذا: "أنّ المصنف يتحدث عن الغسل، وأنّ ماعسر عن وصول الماء إليه يوصل إليه بوسيلة، منها المنديل أو غيره فضحك الناس كثيراً.
وكنا في نزهة برية حول وادي العاقول، وكان الطلاب متحلقين حول الشيخ يستمعون إلى أيّ شيء يصدر منه. فجاء الشيخ مختار بن أحمد مزيد؛ أحد مدرسي الحرم، وهو شيخ فاضل، فقال: "هذه رؤيا رأيتها. فقال: "ماهي؟ قال: "رأيت النبي ﷺ وعليه ثياب جميلة، وكان بيني وبين بعض الناس مناقشة وخلاف في مسألة من مسائل العلم، وأشار إليّ وقال: "الحقّ مع هذا، قال: فأمسكت ثيابه أريد أن يسمعه الناس، فنزع مني ثيابه بسرعة، فقال له الشيخ: أمسكته لكي تعمل عليه محضر، فضحكنا كثيراً، ومثل هذا كثير، لايحضرني الآن"اهـ كلام الدكتور الناجي".
стр. 35
المبحث السابع: وفاته
توفي ﵀ ضحى يوم الخميس ١٧/١٢/١٣٩٣?.وكانت وفاته بمكة المكرمة، مرجعه من الحجّ ودفن في مقبرة المعلاة، وصلى عليه سماحة رئيس الجامعة الإسلامية فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في الحرم المكي، مع من حضر من المسلمين بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم.
وفي ليلة الأحد ٢٠/١٢ أقيمت عليه صلاة الغائب بالمسجد النبويّ. وصلى عليه صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح آل صالح - إمام وخطيب المسجد النبوي، ورئيس الدائرة الشرعية بالمدينة ومحاكم منطقة المدينة - بعد صلاة العشاء مباشرة، وصلى عليه من حضر من الحجاج ما لا يحصى عدداً١. وقد حزن عليه الناس حزنًا شديدً، ورثاه عدد كبير من الشعراء بأبيات كثيرة، أذكر مقتطفات منها:
فمن ذلك ما رثاه به تلميذه وابن عمه لشيخ أحمد بن أحمد الجكني الشنقيطي في قصيدة طويلة، منها٢:
أبكي الأمين وليتني من علمه
ما عشت فزت بنيل كلّ بيان
أبكي الأمين محمدًا وإنني
أبكي الأمين لشرعة القرآن
стр. 36
من ذا يلومك إن بكيت مفوها
سمح الخليفة من بني الإنسان
ومن ذلك أيضًا ما رثاه به الشيخ محمد بن عبد الله بن أحمد مزيد الجكني الشنقيطي في قصيدة طويلة، منها١:
نعي الأمين نعاة قد نعوا علما
بحرًا خضمًا بموج العلم ملتطمًا
أبكته أجيال علم حين عدّ له
ربع الحجون مصيرًا بعدما ختما
من للنوازل مثل الشيخ إن نزلت
أو للحوادث إن أدمت بنا كلما
ومن ذلك أيضًا ما رثاه الشيخ محمد بن مدين الشنقيطي في قصيدة طويلة، أذكر منها٢:
الله أكبر مات العلم والورع
يا ليت ما قد مضى من ذلك يرتجع
يبك الكتاب كتاب الله غيبته
كذا المدارس والآداب والجمع
حدث بما شئت من حلم ومن كرم
وانتشر مآثره فالباب متّسع
ورثاه الشيخ محمد الأمين بن مختار الجكني، الملقب بـ (التعدي) ابن عم الشيخ ﵀ في قصيدة طويلة منها٣:
هو الموت لا ينفك يفجع معشرًا
بكوكبه الدري بين الكواكب
فتى لم ير الراؤون شرواه بعده
ولا أنجبت شرواه بيض الكواعب
ورثاه الشيخ عبد الرحمن المنير؛ الأستاذ بالمعهد العلمي بالمدينة المنورة
стр. 37
بقصيدة طويلة، أسرق منها هذه الأبيات١:
أتاني من الأنباء ما سد مسمعي فكادت
لها روحي يجن جنونها
وما كنت أدري ليتني عند حفرة
عشية سواها حصاها وطينها
من الشيخ أن فاضت على الخد دمعتي
أكفكفها صبرًا ويأبى هتونها
ترقبته من حجّ مكة سالمًا
فشحت به معلاتها وحجونها
ورثاه أيضًا الشيخ أحمد بن محمد بن عبد الله بن آدّ الشنقيطي بقصيدة طويلة، أذكر منها٢.
أعينيّ جودا بالدموع السواكب
لمن ضوءه قد فاق ضوء الكواكب
له الفضل في التفسير إن رمت باحثًا
وفي الفقه والتوحيد من كلّ جانب
ففي النحو أستاذ وفي الشعر حجة
وفي الجود بحر يرتجي للنوائد
حواه ثرى المعلا فيا حسن ما حوى
إمام له في الدين أولى المراتب
وقد خلف الشيخ الأمين ﵀ ولدين عالمين فاضلين؛ أحدهما فضيلة الدكتور محمد المختار رئيس قسم أصول الفقه بالجامعة الإسلامية، والآخر فضيلة الدكتور عبد الله عميد كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية.
جعلها الله خير خلف لخير سلف.
стр. 38
الفصل الثاني: حياة الشيخ الأمين العلمية
المبحث الأول: "طلبه للعلم، وشيوخه
قال الشيخ عطية سالم يخبر عن الشيخ الأمين ﵀:
حفظ القرآن في بيت أخواله، على خاله عبد الله، وعمره عشر سنوات، قال ﵀: "ثمّ تعلمت رسم المصحف العثماني المصحف الأم) عن ابن خالي سيدي محمد بن أحمد بن محمد بن المختار، وقرأت عليه التجويد في مقرأ نافع برواية ورش، من طريق أبي يعقوب الأزرق.
وقالون؛ من رواية أبي نشيط. وأخذت عنه سنداً بذلك إلى النبيّ ﷺ ، ذلك وعمري ست عشرة سنة"١.
أنواع الدراسة في القرآن: "تعتبر الدراسة في علوم القرآن منهجاً متكاملاً، لا تقتصر على الحفظ والأداء، بل تتناول معرفة رسم المصحف؛ أي نوع كتابته؛ ما كان موصولاً أو مفصولاً، وما رسم فيه المدّ أو كان يمدّ بدون وجود حرف المدّ، وقد يكون حرفاً صغيراً أو نحو ذلك. ثمّ ضبط ما فيه من منشأيه في الرسم أو التلاوة. ومن المشهور عندهم في هذا رجز محمد بن بوجه) المشهور. المعروف بالبحر، تعرض فيه لكلِّ كلمة جاءت في القرآن مرة واحدة، أو مرتين، أو ثلاث مرات إلى سبع وعشرين مرة؛ أي من الكلمات المشتبهة. وأفرد كلّ عدد بفصل؛ فمثلا: "كلمة أعينهم" بالرفع: "جاءت ثلاث مرات، قال فيها:
أعينهم بالرفع من غير حضور
من بعد كانت وتولت وتدور
ومن الثنائي: "كلمة الأشياع" بالعين، قال فيه:
أشياع بالعين فهل من مدكر
في سبأ من قبل بأنهم ذكر
стр. 39
وقد درس هذا كله في طفولته، وكانت له زيادة نظم على ذلك تذييلا لزيادة الفائدة، كما قال على البيت الأخير مبيناً حركاته وإعرابه:
في سورة القمر خاطب وانصبا
وجره وغيبه في سبا
أي في سورة القمر تكون تلاوتها الخطاب والنصب: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ .وفي سورة سبأ تكون تلاوتها بالغيبة والجر: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ .وهذه دراسة لا تكاد توجد إلا ما شاء الله، وهي من المهام العلمية لحفظها رسم القرآن من التغيير والتبديل، وهي من آثار تعهد الله بحفظ هذا القرآن المنزل من عنده سبحانه.
ثم قال ﵀: "وفي أثناء هذه القراءة درست بعض المختصرات في فقه مالك؛ كرجز الشيخ ابن عاشر. وفي أثنائها أيضاً درست دراسة واسعة في الأدب على زوجة خالي أم ولد الخال؛ -أي أن ولد خاله يعلمه العلوم الخاصة بالقرآن، وأمه تعلمه الأدب - قال: "أخذت عنها مبادئ النحو؛ كالأجرومية، وتمرينات ودروس واسعة في أنساب العرب وأيامهم، والسيرة النبوية، ونظم الغزوات لأحمد البدوي الشنقيطي؛ وهو يزيد على خمسمائة بيت، وشروحه لابن أخت المؤلف المعروف بحماد، ونظم عمود النسب للمؤلف؛ وهو يعدّ بالآلاف، وشرحه لابن أخته المذكور على خصوص العدنانيين؛ لأنه مات قبل شرح ما يتعلق بالقحطانيين.
هذه دراسة في علوم القرآن والآداب والسير والتاريخ، كانت في بيت أخواله؛ على أخواله؛ وأبناء أخواله، وزوجات أخواله؛ أي كان بيت أخواله المدرسة الأولى له. أما بقية الفنون؛ فقال:
أولا: الفقه المالكي: "وهو المذهب السائد في البلاد: "درست مختصر خليل. بدأ دراسته فيه على الشيخ محمد بن صالح إلى قسم العبادات، ثمّ درس عليه النصف من ألفية ابن مالك، ثمّ أخذ بقية
стр. 40
الفنون على مشايخ متعددين في فنون مختلفة، وكلهم من الجكنيين، ومنهم مشاهير العلماء في البلاد، منهم:
١- الشيخ محمد بن صالح المشهور بابن أحمد الأفرم.
٢- والشيخ أحمد الأفرم بن محمد المختار.
٣- والشيخ العلامة أحمد بن عمر.
٤- والفقيه الكبير محمد النعمة بن زيدان.
٥- والفقيه الكبير أحمد بن مُودْ.
٦- والعلامة المتبحر في الفنون أحمد فال بن آدُه.
وغيرهم من المشايخ الجكنيين.
وقال ﵀: "وقد أخذنا عن هؤلاء المشايخ كلّ الفنون؛ النحو، والصرف، والأصول، والبلاغة، وبعض التفسير والحديث. أما المنطق وآداب البحث والمناظرة فقد حصلناه بالمطالعة"؛ هذا ما أملاه عليّ ﵀.وسجلته عنه.
علما بأنّ الفنّ الذي درسه على المشايخ، أو مطالعة من الكتب لم يقتصر في تحصيله على دراسته، بل كان دائماً يديم النظر، ويواصل التحصيل، حتى غدا في كلّ منه كأنه متخصص فيه، بل وله في كلّ منه اجتهادات ومباحث مبتكرة١.
دراسة الشيخ ﵀:
وقد أوجزها الشيخ عطية سالم فيما يأتي:
١ - في مبدأ دراسته تقدم أنه أتيح له في بادئ دراسته ما لم يتح لغيره؛