← Акыда

Акыда · id 11991

جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف

عبد العزيز بن صالح بن إبراهيم الطويان

Полный текст (590 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

السلف لا يقصدون بإثباتهم صفة الاستواء لله أنها تشابه صفة استواء المخلوق، فكما أنّ لله الخالق ذاتاً لا تشابه الذوات، كذلك له صفات لا تشبه الصفات. ولذلك ذكر ﵀ أنّ اتصاف المخلوق بالاستواء هو على ما يليق به، كما أنّ استواء الخالق جلّ وعلا على ما يليق به. وأنّ الصفة وإن اشتركت في المعنى، إلا أنّ كل صفة تتبع موصوفها. فالله تعالى يقول عن استواء الإنسان: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ الآية٢، ويقول عن استواء السفينة: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ الآية٣. ثم قال ﵀ بعد ما ذكر هذه الآيات الكريمات: "وإنّ للخالق جلّ وعلا استواء لائقا بكماله وجلاله، وللمخلوق أيضاً استواء مناسب لحاله، وبين استواء الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين الخالق والمخلوق، على نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤"٥. وبذلك يقطع الشيخ ﵀ الطريق على الجاهلين الذين شبهوا الله بخلقه، ثمّ عطلوه عن صفة الكمال التي أثبتها لنفسه فهو ﵀ يؤكد أنّ صفة الاستواء التي اتصف بها الله ليست كما تصور لكم عقولكم، بل هو استواء لا نعلم كيفيته، كما أننا لا نعرف كيفية الذات، فلله سبحانه من هذه الصفة ما يليق بجلاله وعظمته من غير تشبيه أو

стр. 247

تكييف. وهذا هو المذهب الحقّ الذي تدلّ عليه نصوص الوحي المثبتة للصفات؛ لأنّ المنهج والطريقة في ذلك واضحة لم يدعنا الله تعالى فيها لعقولنا حين قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١؛ فالصفات ثابتة، وأما الكيفية فمنفية؛ إذ كيف نعرف كيفية صفته سبحانه، ونحن لم نعلم كيفية ذاته تعالى الله عما قاله المبطلون علواً كبيراً. فالشيخ ﵀ ينطلق في كلامه من الكتاب والسنة، ومن مفهوم السلف الصالح؛ الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. سئل الإمام مالك ﵀ عن الاستواء، فقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) ٢. وقال الأوزاعي ﵀: (كنا والتابعون متوافرون نقول: إنّ الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته جلّ وعلا) ٣. وقال الشيخ أبو نصر السجزي٤: (وأئمتنا؛ كسفيان الثوري٥، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة٦، وحماد بن سلمة٧، وحماد بن

стр. 248

زيد١، وعبد الله بن المبارك٢، والفضيل بن عياض٣، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه٤؛ متفقون على أنّ الله سبحانه بذاته فوق العرش، وعلمه بكلّ مكان، وأنه ينزل من السماء الدنيا، وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء" ٥. فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة في استواء الله على عرشه؛ فهم يؤمنون بها على مراد الله من غير تكييف لمعناها، ولا مشابهة لها بصفة المخلوقين. والشيخ ﵀ متبع لطريقة السلف المستندة إلى نصوص الوحي، فهو من دعاة الاتباع، ومن أشدّ أعداء الابتداع. موقف المتكلمين من صفة الاستواء، وردّ الشيخ الأمين رحمة الله عليهم: وفي معرض إيضاح الشيخ الأمين ﵀ لهذه الصفة بيّن رأي المتكلمين فيها، وذكر أنهم أكثروا من الخوض فيها حتى نفوها بأدلة جدلية كلامية عقيمة استدلوا بها لإبطال الحقّ وإحقاق الباطل حتى تجرأ كثير من الناس ممن يدعي الإسلام على تعطيل هذه الصفة عن ربّ السموات والأرض بهذه الأدلة الواهية التي يعارضون بها كلام الله سبحانه

стр. 249

وتعالى١، ولهم تأويلات مختلفة في نفي تلك الصفة عن الله، ولكنّ مؤدى الكل واحد من حيث تعطيل الله جلّ وعلا عن الاتصاف بهذه الصفة العظيمة، وتحريفها عن الاستواء إلى الاستيلاء٢. وقد ناقشهم الشيخ الأمين ﵀ مناقشة علمية رصينة أظهر من خلالها كثيراً من التحريفات التي وقعوا فيها، واستوعب مزاعمهم وأدلتهم التي جمعوها، وبيّن أنهم بهذه المزاعم يريدون التوصل إلى نفي الاستواء عن الله . ومن هذه المزاعم التي ذكروها: قالوا: إنّ قوله: على العرش استوى مجاز؛ فنفوا الاستواء؛ لأنه مجاز، وقالوا: معنى استوى: استولى. وشبهوا استيلاءه باستيلاء بشر بن مروان على العراق. وقالوا أيضاً: إنّ الاستواء يوهم غير اللائق بالله لاستلزامه مشابهة استواء الخلق، فجاؤوا بالاستيلاء لأنه هو اللائق به بزعمهم٣. ونبّه ﵀ إلى مشابهة المؤولة لليهود الذين بدلوا كلام الله وحرفوه، فغضب الله عليهم ولعنهم، وذكر أنّ المؤولة سلكوا الطريق نفسه الذي سلكه اليهود؛ فقال ﵀ مبينا هذا المعنى: (ولو تدبروا كتاب الله لمنعهم ذلك من تبديل الاستواء بالاستيلاء، وتبديل اليد بالقدرة، أو النعمة؛ لأنّ الله جلّ وعلا يقول في محكم كتابه في سورة القرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا منهم قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُون﴾ ٤، ويقول في الأعراف: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا

стр. 250

مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ١ فالقول الذي قاله الله لهم، هو قوله: "حطة"؛ وهي فعلة من الحطّ بمعنى الوضع: خبر مبتدأ محذوف؛ أي دعاؤنا ومسألتنا لك حطة لذنوبنا؛ أي حطّ وضعها عنا، فهي بمعنى طلب المغفرة. وفي بعض روايات الحديث٢ في شأنهم أنهم بدلوا هذا القول بأن زادوا نوناً فقط، فقالوا: حنطة؛ وهي القمح. وأهل التأويل قيل لهم على العرش استوى، فزادوا لاما فقالوا استولى. وهذه "اللام" التي زادوها أشبه شيء بالنون التي زادها اليهود في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ ٣، وبقول الله جلّ وعلا في منع تبديل القرآن بغيره: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٤. ولا شك أنّ من بدل استوى باستولى مثلا لم يتبع ما أوحي إلى النبي ﷺ , فعليه أن يجتنب التبديل، ويخاف العذاب العظيم الذي خافه رسول الله ﷺ لو عصى الله فبدل قرآنا بغيره، المذكور في قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . واليهود لم ينكروا أنّ اللفظ الذي قاله الله لهم هو لفظ حطة، ولكنهم حرفوه بالزيادة المذكورة، وأهل هذه المقالة لم ينكروا أنّ كلمة القرآن هي استوى، ولكن حرفوها وقالوا في معناها: استولى. وإنما أبدلوها بها لأنها أصلح في زعمهم من لفظ كلمة القرآن التي توهم غير اللائق، وكلمة استولى في زعمهم هي المنزهة اللائقة بالله، مع أنه لا يعقل تشبيه أشنع من تشبيه استيلاء الله على عرشه المزعوم باستيلاء بشر على

стр. 251

العراق) ١. وبهذه الإلزامات التي ساقها الشيخ الأمين ﵀ برهن على صحة حكمه في المؤولة بأنهم سلكوا مسلك اليهود في تحريف كلام الله تعالى، ومعارضته. فليس كلامه ﵀ مجرد دعوى يلقيها على عواهنها، بل ضمّن ذلك أمثلة من القرآن الكريم ليتضح وجه الشبه بين اليهود والمؤولة. ثمّ يناقش الشيخ ﵀ هؤلاء المؤولة في صميم تأويلهم، فيطرح عليهم عدة أسئلة ينسف من خلالها تأويلهم الباطل؛ إذ هذه الأسئلة لا تحتمل إلا إجابة واحدة لا يستطيع المؤولة أن يقولوا بها. وهذه الأسئلة التي يطرحها الشيخ ﵀ هي من لوازم قولهم الشنيع في تأويل صفة استواء الربّ ؛ فيقول ﵀: (هل كان أحد يغالب الله على عرشه حتى غلبه على العرش واستولى عليه وهل يوجد شيء إلا والله مستولٍ عليه؟ فالله مستولٍ على كل شيء وهل يجوز أن يقال إنه تعالى استولى على كلّ شيء غير العرش؟ فافهم) ٢. وهكذا يُظهر الشيخ ﵀ شناعة هذا القول، وما يلزم عليه من لوازم كفرية إن اعتقدها المؤول، كلّ ذلك بأسلوب مقنع يُظهر فظاعة قول المؤولة الذين قالوا على الله بغير علم.

стр. 252

وأخيراً يجهز الشيخ الأمين ﵀ على تأويلهم ناسفاً له من أساسه، فبين لهم أنّ المحذور الذي فروا منه؛ وهو خوفهم من تشبيه استواء الخالق بالمخلوق، قد وقعوا فيه حين أولوا استوى باستولى. فيسألهم مستفسراً منهم هل تقصدون باستيلاء الله على عرشه استيلاء مشابهاً لاستيلاء بشر بن مروان على العراق، أم تريدون استيلاء خاصاً كما يليق بجلال الله وعظمته. وبلا شك فهم سيجيبون بالجواب الأخير؛ إذ هم قد أولوا الاستواء بالاستيلاء فراراً من التشبيه. وبهذه الطريقة ليس أمامهم من منفذ يخرجون منه إلا أن يذعنوا للحقّ، ويقولوا بقول أهل السنة والجماعة دون تلاعب بالألفاظ: إنّ الله مستو على العرش استواء يليق بجلاله سبحانه؛ إذ لفظ "استوى" هو اللفظ الذي أثنى الله به على نفسه، وتعبدنا بتلاوته، فهو أحق بأن يوصف الله تعالى به. وفي ذلك يقول ﵀: (تشبيه استيلاء الله على عرشه باستيلاء بشر بن مروان على العراق هو أفظع أنواع التشبيه، وليس بلائق قطعا. إلا أنه يقول: إن الاستيلاء المزعوم منزه عن مشابهة استيلاء الخلق، مع أنه ضرب له المثل باستيلاء بشر على العراق، والله يقول: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، ونحن نقول: أيها المؤول هذا التأويل: نحن نسألك إذا علمت أنه لا بدّ من تنزيه أحد اللفظين؛ أعني لفظ "استوى" الذي أنزل الله به الملك على النبي ﷺ قرآنا يتلى، كلّ حرف منه عشر حسنات، ومن أنكر أنه من كتاب الله كفر. ولفظة "استولى" التي جاء بها قوم من تلقاء أنفسهم من غير استناد إلى نص من كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا قول أحد من السلف. فأيّ الكلمتين أحقّ بالتنزيه في رأيك؟ آلأحق بالتنزيه كلمة القرآن المنزلة من الله على رسوله، أم كلمتكم التي جئتم بها من تلقاء أنفسكم من غير مستند

стр. 253

أصلاً؟ ونحن لا يخفي علينا الجواب الصحيح عن هذا السؤال إن كنت لا تعرفه) ١. وهذه الطريقة المقنعة التي سلكها الشيخ ﵀ تستعمل في كلّ تأويل فروا إليه خشية المشابهة؛ فإذا لم يقولوا فيه كما يليق بجلاله لزمتهم مشابهة الخالق بالمخلوق، ووقعوا فيما فروا منه. وحينئذ نقول لهم: نحن نثبت الصفات لله، ونقول: كما يليق بجلاله، وهذه صفات أثنى الله بها على نفسه، وتعبدنا بتلاوتها كما أوضح ذلك كله الشيخ الأمين رحمه الله تعالى. وقد سبق الشيخ الأمينَ إلى سلوك هذه الطريقة شيخُ الإسلام ابنُ تيمية في رده على المؤولة٢. وهذا من الأدلة الجلية على اقتداء الشيخ الأمين ﵀ بسلفه الصالح من العلماء الأجلاء الذين ردوا على من انحرف عن الطريق المستقيم، وجادلوا من عاند منهم، وقارعوا حججهم الواهية الباطلة بحجج في غاية القوة والوضوح والإقناع. ولم يكتف الشيخ الأمين ﵀ بإيراد تلك الحجة الظاهرة الساطعة البيان رادا بها هذا التأويل، بل نجده ﵀ يفرد مبحثا مستقلا لمناقشة المتكلمين في ردهم صفة الاستواء، يقيم فيه عليهم الحجة بمقتضى قواعدهم التي قعدوها لنفي معاني الصفات التي لا توافق أهواءهم؛ فهم يقولون: لو كان الله مستويا على العرش لكان مشابها للخلق، لكنه غير مشابه للخلق، فهو غير مستوٍ على العرش. وبهذه الطريقة القياسية نفوا صفة الاستواء الثابتة في سبعة مواضع من كتاب الله تعالى. يقول ﵀ موضحاً ذلك: (نحبّ أن نذكر كلمة قصيرة لجماعة قرؤوا في المنطق والكلام، وظنوا نفي بعض الصفات من أدلة كلامية؛ كالذي

стр. 254

يقول مثلاً: لو كان مستوياً على العرش لكان مشابهاً للحوادث، لكنه غير مشابه للحوادث، ينتج: فهو غير مستو على العرش. هذه النتيجة الباطلة تضادّ سبع آيات من المحكم المنزل، ولكننا الآن نقول في مثل هذا١ على طريق المناظرة والجدل المعروف عند المتكلمين؛ نقول: هذا قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة لزومية، استثنائية؛ استثنى فيه نقيض التالي، فأنتج نقيض المقدم، حسب ما يراه مقيم هذا الدليل. ونحن نقول: إنه تقرر عند عامة النظار أنّ القياس الاستثنائي المركب من شرطيه متصلة لزومية يتوجه عليه القدح من ثلاث جهات: ١- يتوجه عليه القدح من جهة استثنائية. ٢- ويتوجه عليه من جهة شرطية إذا كان الربط بين المقدم. ٣- ويتوجه عليه من جملة شرطية إذا كان الربط بين المقدم وهذه القضية كاذبة الشرطية. فالربط بين مقدمها وتاليها كاذب كذباً بحتاً، ولذا جاءت نتيجتها مخالفة لسبع آيات. إيضاحه: أن نقول: قولكم لو كان مستوياً على العرش لكان مشابهاً للحوادث. هذا الربط بين لو واللام كاذب كاذب كاذب، بل هو مستو على عرشه كما قال من غير مشابهة للحوادث، كما أنّ سائر صفاته واقعة كما قال من غير مشابهة للخلق. ولا يلزم من استوائه على عرشه كما قال أن يشبه شيئاً من المخلوقين في صفاتهم البتة، بل استواؤه صفة من صفاته، وجميع صفاته منزهة عن مشابهة الخلق، كما أنّ ذاته منزهة عن مشابهة ذوات الخلق. ويطّرد في الكل) ٢.

стр. 255

وهكذا يردّ عليهم الشيخ الأمين –﵀ بمنطقهم، مبيّنا أنّ هذه القاعدة الجدلية، والدليل الجدلي الذي اتخذوه ذريعة لنفي الاستواء: كاذب من أساسه، فلا شك أنّ النتيجة التي رتبوها على هذا الدليل الكاذب ستكون كاذبة أيضاً، وبذلك يتضح أنّ صفة الاستواء ثابتة لله كما يليق بجلاله وعظمته بأدلة النقل؛ من كتاب وسنة. ولا شك أن العقل السليم الذي لم تدخله الآراء الفاسدة والشبهات لا يعارض الدليل الصحيح، بل يسلم له؛ فالعقل السليم يوافق الدليل الصحيح. بقي أن أنبه إلى أنّ الشيخ الأمين –﵀ رغم معرفته للجدل والمنطق، ومعرفته لقواعده وجزئياته –كما تبيّن لنا من هذا الردّ- إلا أنه لم يجعله أساساً لإثبات الصفات، بل لم يستخدمه في مبحث التوحيد إلا للرد على من يعتقده ويأخذ به، وذلك لإقامة الحجة عليهم، وإبطال حججهم بمنطقهم الذي يفهمونه.

стр. 256

(٢) صفة الكلام: الكلام من صفات الله الثابتة على ما يليق بجلاله سبحانه. وهو صفة ذاتية باعتبار نوع الكلام، وصفة فعل لتعلقه بمشيئة الله باعتبار أفراد الكلام١. قال رسول الله ﷺ : " يقول الله يوم القيامة: يا آدم. فيقول: لبيك ربنا وسعديك؟ فينادي بصوت: إنّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار" ٢. فهو لم يزل متكلماً إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء. وهو متكلم بصوت يسمع٣؛ يُسمعه من شاء من خلقه؛ سمعه موسى ﵇ من غير واسطة، وسمعه من أذن له من ملائكته ورسله. وهو يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه. هذا معتقد سلف الأمة في صفة كلام الله . وهو ما قرره الشيخ الأمين –﵀، وبينه خير بيان؛ فقد قال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٤: "هذه الآية الكريمة من سورة براءة نص صريح في أنّ هذا الذي نقرؤه ونتلوه هو بعينه كلام الله؛ فالصوت صوت القاري، والكلام كلام الباري؛ لأن الله صرح أنّ هذا المشرك المستجير يسمع كلام الله يتلوه عليه نبيّ الله ﷺ .

стр. 257

هذا المحفوظ في الصدور، المقروء بالأسنة، المكتوب بالمصاحف هو كلام الله جلّ وعلا بمعانيه وألفاظه. ولا شك أنّ أصل الكلام صفة لله جلّ وعلا ونحن لا نحب إكثار الخوض فيه ولكن نقول: إنّ الكلام صفة الله التي لم يزل متصفاً بها، ولم يتجرد يوما عن كونه متكلماً، وهو في كلّ وقت يتكلم بما شاء كيف شاء على الوجه اللائق بكماله وجلاله؛ فكلامه صفة ليس بمخلوق"١. وهذا النصّ من كلام الشيخ الأمين –﵀ واضح الدلالة على أنّ عقيدته في كلام الله هي عقيدة السلف؛ أنّ الله يتكلم حقيقة متى يشاء، وكيف يشاء، وأننا لا نعلم كيفية كلامه ، والقرآن الكريم كلام الله غير مخلوق، وفي ذلك ردّ على الجهمية والمعتزلة، وهو ما سوف أوضحه فيما بعد إن شاء الله. ومن الأدلة على أنّ عقيدة الشيخ الأمين –﵀ في صفة الكلام هي عقيدة السلف عينها، أنّ ما قاله أئمة السلف عن صفة الكلام مطابق تمام المطابقة لما ذكره الشيخ الأمين –﵀: فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إنّ الله لم يزل متكلما إذا شاء، وأنه يتكلم بصوت كما جاءت به الآثار. والقرآن وغيره من الكتب الإلهية كلام الله تكلم به بمشيئته وقدرته، وليس ببائن عنه مخلوقاً، ولا يقولون إنه صار متكلماً بعد أن لم يكن متكلماً، ولا أنّ كلام الله تعالى من

стр. 258

حيث هو: هو حادث بل ما زال متكلماً إذا شاء، وإن كان كلم موسى وناداه بمشيئته وقدرته، فكلامه لا ينفد"١. وقال في موضع آخر مبينا القول الحق في القرآن "فالقرآن الذي نقرؤه هو كلام الله مبلغاً عنه لا مسموعاً منه، وإنما نقرؤه بحركاتنا وأصواتنا، الكلام كلام الباري، والصوت صوت القري، كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة مع العقل"٢. وقال تقيّ الدين عبد المغني المقدسي٣: "مذهب أهل الحقّ أنّ الله لم يزل متكلماً بكلام مسموع مفهوم مكتوب"٤. وقال ابن أبي العز الحنفي٥: "والحقّ أنّ التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام الله حقيقة، وكلام الله تعالى لا يتناهى؛ فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء، ولا يزال كذلك ... كلام الله محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف" ٦. وقال العلامة عبد الباقي المواهبي٧: "فلم يزل اللهمتكلما كيف يشاء، إذا شاء بلا كيف، يأمر بما شاء ويحكم"٨.

стр. 259

فهذا هو مذهب السلف الحقّ في إثبات صفة الكلام لله . وهو ما سار عليه الشيخ الأمين –﵀ في إثبات هذه الصفة وإيضاحها، وتقرير المعتقد الصحيح فيها مستنداً إلى أدلة الوحي.

стр. 260

صفة المتكلمين من صفة الكلام وردّ الشيخ الأمين ﵀ عليهم أكثر المتكلمون من أشاعرة ومعتزلة وجهمية وغيرهم من الخوض في صفة الكلام، حتى قيل إنما سمي علم الكلام بهذا الاسم أخذاً من كثرة ما قيل فيها. ونظراً لما عرف عن القوم من حبّ في الإطالة والسفسطة والأخذ بالجدل العقيم الذي لا يسعفه عقل ولا نقل من أجل تقرير الباطل؛ فقد تشعبت فيها الأقوال، حتى ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنها سبعة أقوال، أو تزيد١، وذكر العلامة أبو العز الحنفي شارح الطحاوية تسعة أقوال في صفة الكلام٢. ولكن سوف أقتصر على أشهر هذه الأقوال التي انتشرت وذاع صيتها، والتي ذكرها الشيخ الأمين ﵀، وهما قول المعتزلة والجهمية، وقول الأشاعرة والكلابية٣؛ فقد ذكرهما ﵀ وكرّ عليهما بالتفنيد والإبطال بالحجج الدامغة من النقل والعقل. فالقول الأول: قول المعتزلة والجهمية: القائلين أنّ كلام الله مخلوق خلقه الله منفصلا عنه٤. والقول الثاني: قول الكلابية والأشاعرة: القائلين أنّ الكلام معنى واحد قديم قائم بذات الله، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار؛ إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه

стр. 261

بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة١. وسيأتي مزيد إيضاح لكلامه عند الردّ عليهم. الردّ على الجهمية والمعتزلة: سبق أن ذكرت أنّ الجهمية والمعتزلة نفوا صفات الله ، ومن الأولى أن ينفوا صفة الكلام عن الله، ولذلك قالوا عن كلام الله إنه مخلوق. وهذا ماصرح به عبد الجبار المعتزلي٢ بقوله: "وأما مذهبنا في ذلك فهو أنّ القرآن كلام الله تعالى ووحيه، وهو مخلوق محدث" ٣. وقد بيّن الشيخ الأمين ﵀ خطأ هذا القول وجهالة قائله، واستدل بالأدلة السمعية على بطلان هذا الرأي البعيد عن جادة الصواب والحقّ؛ فقال في تفسير النداء المذكور في قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ الآية٤: "فهو كلام الله أسمعه نبيه موسى. ولا يعقل أنه كلام مخلوق. ولا كلام خلقه الله في مخلوق كما يزعم ذلك بعض الجهلة الملاحدة؛ إذ لا يمكن أن يقول غير الله: ﴿إنه أنا الله العزيز الحكيم﴾ ٥، ولا أن يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ٦. ولو فرض أنّ الكلام

стр. 262

المذكور قاله مخلوق افتراء على الله كقول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ ١. على سبيل فرض المحال، فلا يمكن أن يذكره الله في معرض أنه حقّ وصواب. فقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ٢، وقوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣ صريح في أنّ الله هو المتكلم بذلك صراحة لا تحتمل غير ذلك، كما هو معلوم عند من له أدنى معرفة بدين الإسلام" ٤. الردّ على الكلابية والأشعرية: ذهب الكلابية والأشعرية إلى أنّ الله متكلم بكلام قائم بذاته أزلا وأبداً، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً. ونفوا أن يكون الله متكلماً بحرف وصوت؛ زاعمين أنّ كلامه سبحانه نفسيّ. أما القرآن الكريم: فقد صرحوا بأنه مخلوق محدث ليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله٥. وقد بيّن الشيخ الأمين ﵀ موقفهم من هذه الصفة بعبارة سهلة موجزة، فقال: "اعلم أنّ كثيراً من المتكلمين يزعمون أنّ كلام الله معنى قائم بذاته، مجرد عن الألفاظ والحروف. والأمر عندهم هو اقتضاء الفعل بذلك المعنى القائم بالنفس، المجرد عن الصيغة. ولأجل هذا الاعتقاد الفاسد قسموا الأمر إلى قسمين: نفسيّ ولفظيّ. فالأمر النفسي عندهم هو

стр. 263

ماذكرنا، والأمر اللفظي هو اللفظ الدالّ عليه كصيغة "افعل""١. ثمّ لما فصلّ ﵀ معتقدهم وموقفهم من كلام الله ، ردّ ﵀ على معتقدهم الفاسد مبيّنا بطلانه بالأدلة القوية المقنعة، مبرزاً القول الحقّ في هذه المسألة؛ فقال ﵀: "إذا علمت ذلك فاعلم أنّ هذا المذهب باطل، وأنّ الحقّ أنّ كلام الله هو هذا الذي نقرؤه بألفاظه؛ فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري. وقد صرح تعالى بذلك في قوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٢، فصرح بأنّ ما يسمع ذلك المشرك المستجير بألفاظه ومعانيه كلامه تعالى. وأقام الحجج على أنّ ما في النفس إن لم يتكلم به لا يسمى كلاما؛ كقوله في قصة زكريا: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النَّاس﴾ ٣، مع أنه أشار إليهم كما قال: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ ٤، فلم يكن ذلك المعنى القائم بنفسه الذي عبر عنه بالإشارة كلاماً. وكذلك قصة مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ الآية٥، مع قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ ٦، وفي الحديث: " إنّ الله عفى لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تتكلم أو تعمل به" ٧. واتفق أهل اللسان على أنّ الكلام: اسم، وفعل، وحرف. وأجمع الفقهاء على أنّ من حلف لا يتكلم لا يحنث بحديث النفس، وإنما يحنث بالكلام" ٨.

стр. 264

وهكذا يتبين بنا مدى فهم الشيخ الأمين ﵀ لعقيدة السلف، وتقريره لها؛ بإثبات الكلام لله ﵎ كما يليق بجلاله وعظمته، والرد على الكلابية والأشعرية الذين قسموا الكلام إلى كلام نفسي وكلام لفظي، جاعلين كلام الرب جل وعلا من القسم الأول. ولا ريب أن هذا التقسيم لم يقل به أحد من العقلاء، وأن الزعم بأن كلام الله نفسي قول على الله بغير علم. ولم يكتف الشيخ الأمين ﵀ بما ذكره آنفاً، بل استطرد في مواضع أخرى مبيناً أن الكلام في لغة العرب هو ما نطق به وتلفظ به، وسمع، لاما كان في النفس؛ إذ ماكان في النفس لا يسمى كلاماً، بل يقيد بما يدل عليه، فيقال: حديث النفس، أو قول النفس؛ يقول ﵀ موضحاً هذا الجانب: "وإذا أطلق الكلام في بعض الأحيان على مافي النفس، فلا بد أن يقيد بما يدل على ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ١. فلو لم يقيد بقوله ﴿نْفُسِهِمْ﴾ لانصرف إلى الكلام باللسان" ٢. وبهذا يتضح لنا بطلان مذهب الأشاعرة والكلابية لتهافت محتوياته أمام الأدلة الدامغة من الكتاب والسنة، والتي يستند إليها الشيخ ﵀ فيما ذهب إليه من رد أو تقرير. ٣- صفة اليدين: صفة اليدين صفة خبرية ذاتية حقيقية ثابتة لله كما يليق

стр. 265

بجلال الله؛ قال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٢. وقال رسول الله ﷺ : " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" ٣. وقد دلت الآيات والأحاديث النبوية الكثيرة على هذه الصفة العظيمة لربنا . وقد أوضح الشيخ الأمين ﵀ هذه الصفة، وبين أنها صفة كمال لله وصف بها نفسه، وهي لا تشابه صفات المخلوقين؛ فقال ﵀: "فالظاهر المتبادر من لفظ اليد بالنسبة للمخلوق، هو كونها جارحة هي عظم ولحم ودم. هذا هو المتبادر إلى الذهن في نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٤. والظاهر المتبادر من اليد بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٥ أنها صفة كمال وجلال، لائقة بالله جل وعلا، ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله. وقد بين جل وعلا عظم هذه الصفة وما هي عليه من الكمال والجلال، وبين أنها من صفات التأثير كالقدرة؛ قال تعالى في تعظيم شأنها: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٦. وبين أنها

стр. 266

صفة تأثير كالقدرة في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ١؛ فتصريحه تعالى بأنه خلق نبيه آدم بهذه الصفة العظيمة التي هي من صفات كماله وجلاله يدل على أنها من صفات التأثير كما ترى" ٢. وهذا الكلام من الشيخ الأمين ﵀ هو معتقد السلف جميعاً في صفة اليدين لله على الحقيقة كما يليق بجلاله، وأنها لا تشابه يدي المخلوق كما أن ذات الله لا تشابه ذات المخلوق. قال الإمام ابن خزيمة ﵀: "نحن نقول: الله جل وعلا له يدان كما أعلمنا الخالق البارئ في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه المصطفى ﷺ , ونقول: كلتا يدي ربنا يمين" ٣. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد تواتر في السنة مجئ اليد في حديث النبي ﷺ , فالمفهوم من هذا الكلام أن لله تعالى يدين مختصتين به ذاتيتان له كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وأنه سبحانه يقبض الأرض ويطوي السموات بيده اليمنى، وأن يديه مبسوطتان. ومعنى بسطهما بذل الجود وسعة الإعطاء"٤. وهكذا نرى أن تناول الشيخ ﵀ لهذه الصفة ينطلق من اتباعه

стр. 267

لمنهج الوحي، وسلوكه مسلك السلف، ولذلك جاء تقريره للمذهب الحق المستند إلى الدليل في غاية القوة والبيان. موقف الشيخ الأمين ﵀ ممن تأول هذه الصفة: أوَّل المتكلمون هذه الصفة كدأبهم في تحريف الصفات التي لا تنطبق مع أقسيتهم وعقولهم، فعدوها من المتشابه؛ فأولتها المعتزلة بمعنى القوة أو النعمة١، وقال متأخرو الأشاعرة: هي بمعنى القدرة٢. أما متقدمو الأشاعرة فأثبتوها صفة لله تعالى على مايليق بجلاله كما هو معتقد السلف٣. وقد رد الشيخ الأمين ﵀ على من تأول هذه الصفة الكريمة، مظهراً زيف دعواهم، ومبيناً أن إثبات هذه الصفة على ما يليق بالله لا يأباه إلا ذوو القلوب المريضة بالتشبيه؛ فقال: "ولا يصح هنا تأويل اليد بالقدرة البتة؛ لإجماع أهل الحق والباطل كلهم على أنه لا يجوز تثنية القدرة. ولا يخطر في ذهن المسلم المراجع عقله دخول الجارحة التي هي عظم ولحم ودم في معنى هذا اللفظ الدال على هذه الصفة العظيمة من صفات خالق السموات والأرض" ٤. ثم ذكر ﵀ شبههم التي يتعلقون بها، ورد عليها، وبين اللوازم التي تلزم هذا القول؛ فقال: "فاعلم أيها المدعي أن ظاهر لفظ اليد في الآية

стр. 268

المذكورة وأمثالها لا يليق بالله؛ لأن ظاهرها التشبيه بجارحة الإنسان، وأنها يجب صرفها عن هذا الظاهر الخبيث. ولم تكتف بذلك حتى ادعيت الإجماع على صرفها عن ظاهرها. إن قولك هذا كله افتراء عظيم على الله تعالى وعلى كتابه العظيم، وإنك بسببه كنت أعظم المشبهين والمجسمين. وقد جرك شؤم هذا التشبيه إلى ورطة التعطيل؛ فنفيت الوصف الذي أثبته الله في كتابه لنفسه بدعوى أنه لا يليق به، وأولته بمعنى آخر من تلقاء نفسك بلا مستند من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول أحد من السلف. وماذا عليك لو صدقت وآمنت بما مدح به نفسه على الوجه اللائق بكماله وجلاله من غير كيف ولا تشبيه ولا تعطيل. وبأي موجب سوغت لذهنك أن يخطر فيه صفة المخلوق عند ذكر صفة الخالق؟ وهل تلتبس صفة الخالق بصفة المخلوق على أحد حتى يفهم صفة المخلوق من اللفظ الدال على صفة الخالق"١. وبعد هذا الرد من الشيخ ﵀ على المؤولة، والذي أبان فيه زيف دعاويهم، وأنها لا حظ لها من كلام الله ولا رسوله ولا إجماع المسلمين، ولا يدل عليها عقل ولا سمع: نراه ﵀ يحذّر المؤولة ويخوفهم بالله أن يتجرؤوا على تحريف وصف الله لنفسه، مبيناً لهم أن كيفية صفات الرب جل وعلا لايحيط بها أحد ولا يستطيع مخلوق معرفة كنهها، فهي ثابتة لله جل وعلا كما يليق بجلاله؛ فيقول ﵀: "فاخش الله يا إنسان، واحذر من التقوّل على الله بغير علم، وآمن بما جاء في كتاب الله مع تنزيه الله عن مشابهة خلقه. واعلم أن الله الذي أحاط علمه بكل شيء لا يخفى عليه الفرق بين الوصف اللائق به والوصف غير اللائق به، حتى

стр. 269

يأتي إنسان فيتحكم في ذلك فيقول: هذا الذي وصفت به نفسك غير لائق بك، وأنا أنفيه عنك بلا مستند منك ولا من رسولك، وآتيك بدله بالوصف اللائق بك؛ فاليد مثلاً التي وصفت بها نفسك لا تليق بك لدلالتها على التشبيه بالجارحة، وأنا انفيها باتاً وأبدلها لك بوصف لائق بك وهو النعمة أو القدرة مثلاً، "أو الجود" ١. وهكذا نلاحظ القوة التي يمتاز بها الشيخ ﵀ في إيضاح الحق ودمغ الباطل، ففيها من الغيرة على الحق ومحاربة الباطل مايجعلها قارعة على رؤوس المعطلين. إشكال، وتوضيحه: أورد الشيخ الأمين ﵀ قضية قد تشكل على بعض الناس. ومضمونها: أن القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع السلف دل على أن الله متصف بأن له يدين –بالتثنية-. وكذلك أجمعوا على أن الله لايوصف بصفة الأيدي –بالجمع-. مع أن الله وصف نفسه بذلك، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ٢. فلماذا أجمع السلف على تقديم آية ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٣ على آية ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ؟ ٤. وقد أجاب الشيخ ﵀ عن هذا السؤال: أنه لا تعارض ولا إشكال بين الآيتين، وأن صيغ الجموع لها معنيان. وقد بين ﵀ هذه المعاني

стр. 270

مدللا عليها بآيات من القرآن الكريم؛ فقال "الجواب: أن لا خلاف بين أهل اللسان العربي، ولا بين المسلمين أن صيغ الجموع تأتي لمعنيين؛ أحدهما: إرادة التعظيم فقط، فلا يدخل في صيغة الجمع تعدد أصلاً؛ لأن صيغة الجمع المراد بها التعظيم إنما يراد بها واحد. الثاني: أن يراد بصيغة الجمع معنى الجمع المعروف. وإذا علمت ذلك فاعلم أن القرآن العظيم يكثر فيه جداً إطلاق الله جل وعلا على نفسه صيغة الجمع؛ يريد بذلك تعظيم نفسه، ولايريد بذلك تعدداً، ولا أن معه غيره عن ذلك علواً كبيراً، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١؛ فصيغة الجمع في قوله: ﴿إنا﴾ وفي قوله: ﴿نحن﴾ ، وفي قوله: ﴿نزلنا﴾ ، وقوله: ﴿حافظون﴾ لايراد بها أن معه منزلاً للذكر وحافظاً له غيره تعالى، بل هو وحده المنزل له والحافظ له. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ٤، ونحو هذا كثير في القرآن جداً، وبه تعلم أن صيغة الجمع في قوله: ﴿إنا﴾ ، وفي قوله: ﴿خلقنا﴾ ، وفي قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٥ إنما يراد بها التعظيم، ولا يراد بها التعدد أصلاً. وإذا كان يراد بها التعظيم لا التعدد علم بذلك أنها لا تصح بها معارضة قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٦؛ لأنها دلت على صفة اليدين، والجمع في

стр. 271

قوله: ﴿أيدينا﴾ لمجرد التعظيم. وما كان كذلك لا يدل على التعدد، فيطلب الدليل من غيره، فإن دل على أن المراد بالتعظيم واحد حكم به. فقوله مثلاً: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١ قام فيه البرهان القطعي أنه حافظ واحد. وكذلك قوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ٢، ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ ٣، ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ٤؛ فإنه قد قام في كل ذلك البرهان القطعي على أنه خالق واحد، ومنزل واحد، ومنشئ واحد. وأما قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فقد دل البرهان القطعي على أن الله موصوف بصفة اليدين كما صرح به في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ كما تقدم إيضاحه قريباً. وقد علمت أن صيغة الجمع في قوله: ﴿لَحَافِظُونَ﴾ ، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ ، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ، وقوله: ﴿خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٥، لا يراد بشيء منه معنى الجمع، وإنما يراد به التعظيم فقط"٦. وهذا الجواب من الشيخ ﵀ مقنع لمن أراد الحق ومعرفة معتقد السلف؛ فهو مقنع لطالب الحق غاية الإقناع بما اشتمل عليه من تقرير علمي رصين. وقد نبه الشيخ الأمين ﵀ إلى أن قوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ٧أن هذه الآية ليست من آيات الصفات، وأن ﴿أيد﴾ لا يراد منها صفة اليد، وإنما هي بمعنى القوة؛ فقال -

стр. 272

رحمه الله-: "قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بنيناها بأيد﴾ ليست من آيات الصفات المعروفة بهذا الاسم، لأن قوله: "بأيد" ليس جمع يد، وإنما الأيد: القوة، فوزن قوله هنا: ﴿بأيد﴾ فعل، ووزن الأيدي: أفعل؛ فالهمزة في قوله: "بأيد" في مكان الفاء، والياء في مكان العين، والدال في مكان اللام. ولو كان قوله تعالى: ﴿بأيد﴾ جمع يد، لكان وزنه أفعلا، فتكون الهمزة زائدة، والياء في مكان الفاء، والدال في مكان العين، والياء المحذوفة –لكونه منقوصاً- هي اللام. والأيد والآد في لغة العرب بمعنى القوة، ورجل أيد: قوي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ١؛ أي قويناه. فمن ظن أنه جمع يد في هذه الآية فقد غلط غلطاً فاحشاً، والمعنى: والسماء بنيناها بقوة"٢. [٤] صفة المعية: تطرق الشيخ الأمين ﵀ لهذه الصفة من عدة جوانب: أحدها: أقسامها. وثانيها: الجمع بينها وبين استواء الله على عرشه. وثالثها: الردّ على الجهمية القائلين إنّ الله معنا بذاته. أولاً: تقسيم المعية: أوضح الشيخ الأمين ﵀ أنّ المعية تنقسم إلى قسمين؛ خاصة وعامة؛ فقال ﵀: "إنّ لله معية خاصة ومعية عامة. فالمعية الخاصة بالنصر والتوفيق والإعانة، وهذه لخصوص المتقين المحسنين؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الآية٣، وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ الآية٤، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ

стр. 273

وَأَرَى﴾ ١، وقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٢. ومعيّة عامة بالإحاطة والعلم؛ لأنه تعالى أعظم وأكبر من كلّ شيء، محيط بكلّ شيء. فجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى"٣. وقال ﵀ في موضع آخر: "وأما المعية العامة لجميع الخلق: فهي بالإحاطة التامة والعلم ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته جل وعلا" ٤. ثانياً: الجمع بين معيته سبحانه، واستوائه على عرشه جل وعلا. لاشك أنّ من كان عالما بأحوال عباده، مطلعا عليهم، ومهيمنا عليهم، يسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، ويدبر جميع أمورهم: أنه معهم حقيقة، وإن كان فوق عرشه حقيقة؛ لأنّ المعية لا تستلزم الاجتماع في مكان٥. ومعيته لا تشبه معية مخلوق لمخلوق، بل هي معية على ما يليق بجلاله. وقد أشار الشيخ الأمين ﵀ إلى هذا المعنى؛ فقال: "إنه تعالى مستو على عرشه كما قال بلا كيف ولا تشبيه، استواء لائقاً بكماله وجلاله، وجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل، فهو مع جميعهم بالإحاطة الكاملة والعلم التام، ونفوذ القدرة علواً كبيراً. فلا منافاة بين علوه على عرشه ومعيته لجميع الخلائق؛ ألا ترى –ولله المثل الأعلى- أنّ أحدنا لو جعل في يده حبة خردل أنه ليس داخلا في شيء من أجزاء تلك الحبة مع انه محيط بجميع أجزائها ومع جميع أجزائها. والسموات والأرض ومن فيهما في يده تعالى اصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى علواً كبيراً. فهو أقرب إلى الواحد

стр. 274

منا من عنق راحلته١، بل من حبل وريده٢، مع أنه مستو على عرشه، لا يخفى عليه شيء من عمل خلقه جل وعلا"٣. ثالثاً: الردّ على الجهمية القائلين إنّ الله معنا بذاته: يرى الجهمية أنّ الله في كلّ مكان، وأنه معنا بذاته٤. وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ٥، وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ ٦، إلى غير ذلك من الآيات. وقد ردّ عليهم الشيخ الأمين ﵀ مبيّنا لهم أنّ هذا الفهم لهذه الآية غير صحيح؛ فالله سبحانه هو الذي أحاط بمخلوقاته، ولا تحيط به جل وعلا، فهو أكبر من كلّ شيء؛ فقال ﵀: "اعلم أنّ ما يزعمه الجهمية من أنّ الله تعالى في كلّ مكان مستدلين بهذه الآية٧ على أنه في الأرض: ضلال مبين، وجهل بالله تعالى؛ لأنّ جميع الأمكنة الموجودة أحقر وأصغر من أن يحلّ في شيء منها ربّ السموات والأرض الذي هو أعظم من كلّ شيء، وأعلى من كلّ شيء، محيط بكلّ شيء ولا يحيط به

стр. 275

شيء، فالسموات والأرض في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل في يد أحدنا –وله المثل الأعلى-، فلو كانت حبة خردل في يد رجل، فهل يمكن أن يقال: إنه حالّ فيها، أو في كلّ جزء من أجزائها؟ لا، وكلا هي أصغر وأحقر من ذلك. فإذا علمت ذلك: اعلم أنّ ربّ السموات والأرض أكبر من كلّ شيء، وأعظم من كلّ شيء، محيط بكلّ شيء ولا يحيط به شيء، ولا يكون فوقه شيء. ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١ علواً كبيراً، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ ٢"٣. وبهذا يتضح لنا بطلان هذا القول القبيح الذي هو حلول صرف؛ إذ يلزم منه أنّ الله تعالى حالّ في كلّ مكان، ليس في مكان دون آخر، ويلزم منه أن تكون الأماكن القذرة، وأجواف الخنازير محلاً لله سبحانه وتعالى عما يقول المبطلون علواً كبيراً. [٥] صفة العلم: العلم من صفات الله الذاتية، فهي لا تنفك عنه جلّ وعلا. وعلمه محيط بكلّ شيء أزَلاً وأبداً. وهو أحد مراتب القدر الأربعة؛ فقد علم الله جميع ما هو كائن، ولم يطلع على غيبه أحداً من خلقه، إلا ما أطلع عليه رسله تأييداً لهم في دعوتهم الناس إلى الإيمان به جل وعلا.

стр. 276

وقد أوضح الشيخ ﵀ هذه الصفة العظيمة فقال: "علم الغيب صفة مختصة بالله تعالى، وقد نفاها عن كلّ خلقه. وكونه يطلع بعض خلقه على بعض الغيب لا يقتضي أن يوصفوا بما وصف به"١. وقال ﵀ في موضع آخر، عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ ٢: "بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يقصّ على عباده يوم القيامة ما كانوا يعملونه في الدنيا، وأخبرهم بأنه جل وعلا لم يكن غائباً عما فعلوه أيام فعلهم له في دار الدنيا، بل هو الرقيب الشهيد على جميع الخلق، المحيط علمه بكلّ ما فعلوه من صغير وكبير، وجليل وحقير. وبيّن هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣، وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٥"٦.

стр. 277

[٦] صفات العلوّ والعظمة والكبرياء: ذكر الشيخ الأمين ﵀ صفتي العلوّ والعظمة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ١؛ فقال ﵀: "وصف نفسه جل وعلا في هذه الآية الكريمة بالعلوّ والعظمة، وهما من الصفات الجامعة كما قدمنا في سورة الأعراف٢.... وما تضمنته هذه الآية الكريمة من وصفه تعالى نفسه بهاتين الصفتين الجامعتين لكلّ كمال وجلال، جاء مثله في آيات أخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ الآية٦، إلى غير ذلك من الآيات٧. وذكر ﵀ صفة الكبرياء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٨؛ فقال ﵀: " ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنّ له الكبرياء في السموات والأرض؛ يعني أنه المختص بالعظمة والكمال والجلال والسلطان في السموات والأرض؛ لأنه هو معبود أهل السموات والأرض، الذي يلزمهم تكبيره وتعظيمه وتمجيده والخضوع والذلّ له"٩.

стр. 278

ثمّ ذكر ﵀ أنّ ما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في آيات أخر؛ فذكر عدة آيات في القرآن الكريم، ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ١؛ فقال ﵀: "معناه أنّ له الوصف الأكمل الذي هو أعظم الأوصاف وأكملها وأجلها في السموات والأرض. وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد، عن النبي ﷺ : "إنّ الله يقول: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني في واحد منهما أسكنته ناري" ٢"٣. [٧] صفة القدرة: صفة القدرة من الصفات الذايتة. وقد ذكرها الشيخ ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤، قال: "أي قادر. وهذه الصفة التي هي صفة القدرة: هي التي يوجد الله جل وعلا بها الممكنات. وهو تعالى قادر على ما يشاء، وما لم يشأ؛ مثال ذلك: انه تعالى شاء إيمان أبي بكر وهدايته، وقد هداه للإيمان، ولم يشأ إيمان أبي جهل، وهو قادر عليه، ولم تتعلق به مشيئته، فلم يوجده. وكلّ صفات الله من الكمال؛ بحيث لو تصور شيء من المبالغة في الصفة فهي فوق ذلك"٥.

стр. 279

[٨] صفتا السمع والبصر: قال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ ١: أي ما أبصره وما أسمعه جل وعلا. وما ذكره في هذه الآية الكريمة من اتصافه جل وعلا بالسمع والبصر ذكره أيضاً في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢، وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٤، والآيات بذلك كثيرة جداً"٥. [٩] صفتا الحياة والقومية: قال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ ٦: "الحيّ: المتصف بالحياة، الذي لا يموت أبداً. والقيوم: صيغة مبالغة؛ لأنه جل وعلا هو القائم بتدبير شئون جميع الخلق، وهو القائم على كلّ نفس بما كسبت. وقيل: القيوم: الدائم الذي لا يزول" ٧. وصفة القيومية صفة ذاتية باعتبار، وفعلية باعتبار؛ فالله قائم بنفسه، ومقيم لغيره جل وعلا. وهذه الصفة تشبه صفة الكلام من

стр. 280

حيث كونها صفة ذاتية فعلية؛ إذ إنّ صفة الكلام صفة ذاتية باعتبار نوع الكلام، وفعلية باعتبار أفراد الكلام. [١٠] صفة الوجه: قال ﵀: "والوجه صفة من صفات الله العلي وصف بها نفسه. فعلينا أن نصدق ربنا، ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التامّ عن مشابهة صفات الخلق" ١. [١١] صفة العين: قال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿بأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ ٢: "العين صفة لله تعالى لائقة بجلاله، لا يشبه صفة المخلوقين. وإنما جمعت هنا لمناسبة إضافتها إلى الضمير المجموع للتعظيم" ٣. [١٢] صفة القدم: قال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٤: "وثبت في بعض الأحاديث أنّ النار لا يزال الله يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد. فيضع ربّ العزة قدمه عليها فتقول: قط قط٥. وهذه صفة لله تعالى لائقة بجلاله تثبت كغيرها على أساس التنزيه"٦.

стр. 281

[١٣] صفة الغضب: قال ﵀: "اعلم أنّ الغضب صفة وصف الله بها نفسه إذا انتهكت حرماته، تظهر آثارها في المغضوب عليهم. نعوذ بالله من غضبه جل وعلا. ونحن معاشر المسلمين نمرها كما جاءت؛ فنصدق ربنا في كلّ ما وصف به نفسه، ولا نكذب بشيء من ذلك مع تنزيهنا التامّ له جل وعلا عن مشابهة المخلوقين عن ذلك علواً كبيراً" ١. فهي إذاً صفة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته؛ لا يشبه غضبه غضب خلقه، كما أنّ صفاته كلها لا تشبه صفات خلقه؛ إذ الصفات تتبع المتصف بها، كما سبق أن قرر الشيخ الأمين ﵀ ذلك. [١٤] صفة الرحمة: وفي بيان هذه الصفة يقول ﵀: "الرحمة صفة الله التي اشتق لنفسه منها اسمه الرحمن، واسمه الرحيم: وهي صفة تظهر آثارها في خلقه الذين يرحمهم، وصيغة التفضيل في قوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٢؛ لأن المخلوقين قد يرحم بعضهم بعضاً، ولا شك أنّ رحمة الله تخالف رحمة خلقه؛ كمخالفة ذاته وسائر صفاته لذواتهم وصفاتهم٣.

стр. 282

[١٥] صفة المجيء: قال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ١: "ومثل هذا من صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه يمرّ كما جاء، ويؤمن بها، ويعتقد أنها حقّ، وأنه لا يشبه شيئاً من صفات المخلوقين. فسبحان من أحاط بكلّ شيء علماً، "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما"٢"٣. [١٦] صفة العجب: قال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ ٤: "هذه الآية الكريمة على قراءة حمزة والكسائي فيها إثبات العجب لله تعالى، فهي إذاً من آيات الصفات على هذه القراءة"٥. [١٧] صفة النور: قال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ٦: وصف الله بأنه نور. ومن أسمائه تعالى: النور. ومما يدلّ على وصفه به قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ ٧"٨. وقد ذكر الشيخ الأمين ﵀ بعض الصفات بإيجاز، وبيّن أنها ثابتة

стр. 283

لله على ما يليق بجلاله؛ مثل صفة الإرادة١، وصفة الرضا٢، وغيرهما. وقد سرد الشيخ ﵀ بعض الصفات، فقال: فلا يشكل عليكم بعد هذا صفة نزول ولا مجيء، ولا صفة يد ولا أصابع، ولا عجب، ولا ضحك؛ لأنّ هذه الصفات كلها من باب واحد؛ فما وصف الله به نفسه منها: فهو حقّ، وهو لائق بكماله وجلاله، لا يشبه شيئاً من صفات المخلوقين. وما وصف به المخلقو منها: فهو حقّ مناسب لعجزهم وفنائهم وافتقارهم"٣. وبهذا يتضح لنا من الصفات التي ذكرها الشيخ الأمين ﵀ مفصلة، ومن الأخرى التي سردها سرداً أنّ منهجه ﵀ هو منهج السلف؛ لا يتجاوزون الكتاب والسنة؛ فما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله محمد ﷺ أثبتوه لله على ما يليق بجلاله وكماله. وما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله محمد ﷺ نفوه عن الله جل وعلا. وهم في إثبات الصفات ينزهون الله ﵎ عن مشابهة المخلوقين تنزيها لا يصل إلى التعطيل، بل يتقيّدون بقوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤. وبما أوردته من كلام الشيخ الأمين ﵀ حول الصفات يتضح لنا أنه ﵀ سلفي العقيدة والمنهج؛ فعلى منهج السلف في الإثبات سار، وبما قالوا به قال ﵀ رحمة واسعة وأجزل له المثوبة.

стр. 284

المبحث الثاني: موقف الشيخ ﵀ من أهل التأويل المطلب الأول: معاني التأويل التأويل له معان ثلاثة؛ أوضحها الشيخ الأمين ﵀ وفصّلها، وهي: الأول: بمعنى العاقبة، وما يؤول إليه الحال. والثاني: بمعنى التفسير. والثالث: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به. وهذا الأخير من وضع المتأخرين. قال الشيخ ﵀ مبيناً هذه الأقسام بأدلتها: "اعلموا أنّ التأويل يطلق في الاصطلاح مشتركاً بين ثلاثة معان: ١- يطلق على ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال. وهذا هو معناه في القرآن نحو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١، ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ٢، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْل﴾ ٣: أي ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال. ٢- ويطلق التأويل بمعنى التفسير، وهذا قول معروف؛ كقول ابن جرير: القول في تأويل قوله تعالى: كذا؛ أي تفسيره. ٣- أما في اصطلاح الأصوليين: "فالتأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره

стр. 285

المتبادر منه لدليل" ١. ثمّ بيّن ﵀ أنّ التأويل بمعناه الأخير له ثلاث حالات. وذكر ﵀ تلك الحالات مقرونة بأدلتها، مبينا المقبول منه من غير المقبول؛ فقال ﵀: وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه له عند علماء الأصول ثلاث حالات: أ-إما أن يصرفه عن ظاهره المتبادر منه لدليل صحيح من كتاب أو سنة. وهذا النوع من التأويل صحيح مقبول لا نزاع فيه. ومثال هذا النوع: ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "الجار أحقّ بسقبه" ٢؛ فظاهر هذا الحديث ثبوت الشفعة للجار. وحمل هذا الحديث على الشريك المقاسم حمل للفظ على محتمل مرجوح غير ظاهر متبادر. إلا أنّ حديث جابر الصحيح: "فإذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" ٣ دلّ على أنّ المراد بالجار الذي هو أحقّ بصقبه خصوص الشريك المقاسم. فهذا النوع من صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل واضح من كتاب أو سنة يجب الرجوع إليه. وهذا التأويل يسمى تأويلاً صحيحاً، وتأويلاً قريباً. ولا مانع منه إذا دلّ عليه النصّ. ب- الثاني: هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده المجتهد دليلا، وهو في نفس الأمر ليس بدليل. فهذا يسمى تأويلاً بعيداً، ويقال له: فاسد. ومثّل له بعض العلماء بتأويل الإمام أبي حنيفة ﵀ لفظ
следующие страницы →