من اصطلاح أهل المنطق وأهل البحث والمناظرة، لينفع الله بذلك من أراد هدايته من خلقه"١.
لذلك نراه ﵀ يكره التعمق في آيات الصفات مشيراً إلى أن ذلك هو طريق السلف، فيقول ﵀: "اعلموا أن كثرة الخوض والتعمق في البحث في آيات الصفات، وكثرة الأسئلة في ذلك الموضوع من البدع التي يكرهها السلف"٢.
لأن عقيدة السلف واضحة تقوم على نصوص الكتاب والسنة، بعيدة عن شبه المعطلين والمشبهين، وتربط المسلم بسلفه الصالح، وتحجزه عن أن يتكلم في ذات الله وصفاته بغير علم.
لذلك نرى الشيخ ﵀ مستاءً من ابتعاد كثير من الناس عن طريق السلف الصالح، وانتهاجهم طريقة أهل المنطق التي توقع صاحبها في تعطيل الله عن صفاته.
يقول ﵀"أما هذا الكلام الذي يدرس في أقطار الدنيا اليوم في المسلمين؛ فإن أغلب الذين يدرسونه إنما يثبتون من الصفات التي يسمونها صفات المعاني سبع صفات فقط، وينكرون سواها من المعاني"٣.
لذا فقد اعتنى الشيخ ﵀ بإظهار العقيدة الصحيحة، والذبّ عنها؛ فقد أبرز ﵀ الأسس التي يقوم عليها منهج الأسماء والصفات عند السلف، وأنّ الضابط هو الكتاب والسنة؛ فكلّ ما ثبت فيهما من الصفات يوصف به الله على ما يليق بجلاله . وكذلك فقد أبان ﵀ عن كثير من الصفات بالتفصيل وفق العقيدة الصحيحة، مبينا أدلتها، وسهولة مأخذها وأنها بعيدة عن شوائب التشبيه والتعطيل.
стр. 212
ثم نراه ﵀ يبيّن خطأ طريقة المتكلمين في الصفات، موضحا شبههم، ورادا عليهم. وقد أثبت رجوع كثير من أئمتهم في أواخر حياتهم مؤيدا ذلك بنقولات من كتبهم.
وفي الأخير يعقد مقارنة بين مذهب السلف وبين الخلف مبرزا مذهب السلف، مشيرا إلى أنه هو الأسلم والأحكم والأعلم، وأنه المنجي يوم القيامة، موضحا الأخطاء التي وقع فيها أهل التأويل، وأنّ الاعتقاد فيهم أنهم اجتهدوا فأخطأوا فكان قصدهم حسنا، غير أنّ طريقهم سيئ.
هذه أبرز النقاط التي تحدث عنها الشيخ ﵀ عند كلامه على توحيد الأسماء والصفات.
وقد قمت بتقسيم هذا الفصل إلى مبحثين: تكلمت في الأول عن جهود الشيخ ﵀ في إبراز عقيدة السلف في الأسماء والصفات، وفي الثاني عن موقفه ﵀ من أهل التأويل.
стр. 213
المبحث الأول: جهود الشيخ في إبراز عقيدة السلف في الصفات
المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات:
يقوم هذا التعريف على أساسين، ذكرهما الله في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، وهما: إثبات صفات الكمال كما جاءت بالسمع، ونفي صفات العيوب والنقص. وقد اعتمد الشيخ ﵀ على هذه الآية عند تعريفه لهذا النوع من أنواع التوحيد؛ فقد أثبت الأسماء والصفات لله كما جاءت في الكتاب والسنة، مع نفي صفات النقص والعيوب. قال ﵀ عند تعريفه لأنواع التوحيد: (النوع الثالث) : هو توحيده جلّ وعلا في أسمائه وصفاته. وهذا النوع من التوحيد ينبني على أصلين، كما بينه جلّ وعلا: (الأول) : هو تنزيهه تعالى عن مشابهة صفات الحوادث.
(الثاني) : هو الإيمان بكل ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، حقيقة لا مجازا على الوجه اللائق بكماله وجلاله.
ومعلوم أنه لا يصف الله أعلم بالله من الله، ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله.
والله يقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ ٢، ويقول عن رسوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣، فقد بيّن تعالى نفي المماثلة عنه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، وبين إثبات الصفات له على الحقيقة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، فأول الآية يقضي بعدم التمثيل،
стр. 214
وآخرها يقضي بعدم التعطيل.
فيتضح من الآية أنّ الواجب إثبات الصفات حقيقة من غير تمثيل، ونفي المماثلة من غير تعطيل. وبيّن عجز الخلق من الإحاطة به جلّ وعلا، فقال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ ١ ... "٢.
ويقول ﵀ في موضع آخر:
"إن الحقّ الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة إثبات هذه الصفات التي أثبتها تعالى لنفسه، والإيمان بها من غير تكييف٣، ولا تشبيه٤، ولا تعطيل٥، ولا تمثيل٦ ... "٧.
ويزيد ﵀ هذا المعنى إيضاحا، مبينا الطريقة الصحيحة لفهم الصفات، والضابط الذي نميز به صفات الله حتى نعتقدها في قلوبنا، ونتعبد بها في جوارحنا، فيقول: "ومن اعتقد أنّ وصف الله يشابه صفات الخلق، فهو مشبه ملحد ضال. ومن أثبت ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ مع تنزيهه جلّ وعلا عن مشابهة الخلق، فهو مؤمن جامع بين الإيمان بصفات الكمال والجلال والتنزيه عن مشابهة الخلق سالم من ورطة التشبيه والتعطيل، والآية التي أوضح الله بها هذا هي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، فنفى عن نفسه جلّ وعلا مماثلة الحوادث بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، وأثبت لنفسه صفات الكمال والجلال بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، فصرح في
стр. 215
هذه الآية الكريمة بنفي المماثلة مع الاتصاف بصفات الكمال والجلال"١.
وقال الشيخ الأمين ﵀ في موضع آخر، عند تفسير قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ ٢: "فنحن معاشر المسلمين نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ , ونثبت له ما أثبت لنفسه، منزهين خالق السموات والأرض عن مشابهة الخلق، فلا نميل إلى التعطيل، ولا إلى التمثيل، بل نقرّ بصفات الله ونؤمن بها على سبيل مخالفة صفات الخلق، كما علمنا الله في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣ ... "٤.
وهذا المسلك الذي سلكه الشيخ الأمين ﵀ في توضيحه لتعريف توحيد الأسماء والصفات، هو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: "فالأصل في هذا الباب -توحيد الصفات- أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفيا وإثباتاً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه. وقد علم أنّ طريقة سلف الأمة وأئمتها: إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن
стр. 216
نفسه"١.
وقال العلامة السفاريني٢-﵀ في تعريفه لهذا التوحيد: "توحيد الصفات: أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به نبيه ﷺ نفيا وإثباتا، فيثبت له ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه"٣.
وبهذا يتضح لنا أن الشيخ الأمين –﵀ متبع لمنهج أهل الحق الذي هو وسط بين المعطلة والممثلة.
стр. 217
المطلب الثاني: معتقد السلف في الصفات يقوم على ثلاثة أسس
إنّ من الأمور الأساسية لفهم العقيدة، ذكر المبادئ التي تقوم عليها، والضوابط المميزة لها، فهي المعيار الذي يعرف به قرب الشخص أو بعده في تحقيق العقيدة الصحيحة. وعقيدة السلف في الصفات تقوم على أسس عظيمة حرص الشيخ الأمين –﵀ على إبرازها، والإشارة إلى أهميتها، وأكد أنّ من أحرز تلك الدعائم الثابتة فهم الصفات كما فهمها السلف الصالح. وبيّن أنها الطريق الوحيد التي تأخذ بالعبد بعيدا عن أهل التعطيل والتشبيه.
وقد أوضح ﵀ أنّ هذه الأسس قائمة على الكتاب والسنة التي من اعتقدها ورعاها فقد أخذ بعقيدة الصفات طرية كما جاءت من عند الله، وفاز بثواب الدنيا والآخرة.
قال ﵀: "اعلم أن المعتقد الصحيح المنجي عند الله في آيات الصفات هو ما كان عليه السلف الصالح ﵃، وهو مقتضي نصوص القرآن العظيم. وهو مبني على ثلاثة أسس كلها صرح الله بها في كتابه عن نفسه وصرح بها رسوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة، ولا يصف الله أعلم بالله من الله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ ١. ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسوله ﷺ الذي قال سبحانه في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ
стр. 218
هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١.."٢.
وهذه الأسس التي أبرزها الشيخ الأمين –﵀ لكلّ من أراد أن يفهم عقيدة السلف في الصفات: ثلاثة:
(الأول) : تنزيه الله عن مشابهة الخلق.
(الثاني) : الإيمان بالصفات الثابتة بالكتاب والسنة.
(الثالث) : قطع الطمع عن إدراك الكيفية.
وقد كررها الشيخ الأمين –﵀ مرارا في مؤلفاته ومحاضراته ودروسه، حتى ترسخ في أذهان الناس، قتنعقد في قلوبهم.
وهذه الأسس كفيلة لمن أخذ بها أن يكون متمسكا بالعروة الوثقى، فهي طريق سلامة، آمن من سلكها.
قال الشيخ –﵀ موضحا أول هذه الأسس: "هو تنزيه خالق السموات والأرض جلّ وعلا عن مشابهة خلقه في شيء من ذواتهم أو صفاتهم أو أفعالهم عن ذلك علواً كبيراً. وهذا الأساس الأعظم للعقيدة الصحيحة، صرح الله به في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٤، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ٥، وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ ٦.
ومن وفقه الله لفهم هذا الأساس الأعظم، ونزه خالقه عن مشابهة الخلق تنزيها تاما جازما به قلبه، فإن قلبه يكون طاهرا من أقذار التشبيه، وتكون عقيدته مبنية على أساس صحيح، وهو تنزيه خالق السموات والأرض عن
стр. 219
مشابهة خلقه، في ضوء قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، ونحوها من الآيات. فإذا استحكم هذا الأساس الأعظم في قلب المؤمن كان استحكامه فيه سببا لتوفيقه للأساس الثاني"١.
ثمّ بيّن ﵀ الأساس الثاني، فقال: "ونعني بالأساس الثاني المذكور تصديق الله فيما أثنى به على نفسه، وتصديق رسول الله ﷺ فيما أثنى على ربه، والإيمان بتلك الصفات الثابتة في القرآن العظيم والسنة إيمانا مبنيا على أساس ذلك التنزيه" ٢.
ثم يزيد ﵀ هذين الأساسين إيضاحا، ويشرع في شرحهما شرحا وافيا فيقول: "فهذان أساسان عظيمان: الأول: تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه، والثاني: الإيمان بصفاته الثابتة في الوحي الصحيح إيمانا مبنيا على أساس ذلك التنزيه، بعيدا كل البعد عن مشابهة الخلق، وكيف يخطر في ذهن المؤمن العاقل مشابهة الخلق لخالقهم، فالصنعة لا تشبه صانعها بحال، وهذان الأساسان أوضحهما الله في محكم كتابه إيضاحا لا يترك في الحق لبسا ولا شبهة، وذلك في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ لأن قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فيه سر أعظم، وتعليم أكبر في أوضح عبارة وأوجزها لا يترك في الحق لبسا.
وإيضاح ذلك أنّ السمع والبصر من حيث هما سمع وبصر صفتان يتصف بهما جميع الحيوانات –ولله المثل الأعلى- فكأنّ الله يقول: يا عبدي لا يخطر في عقلك أن سمعي وبصري يشابهان أسماع المخلوقين وأبصارهم حتى تقول إنّ هذا النص يوهم غير اللائق فتؤوله أو تنفيه، بل أثبت لي سمعي وبصري كما أثنيت بهما على نفسي إثباتاً مبنيا على أساس التنزيه،
стр. 220
ولاحظ في ذلك قولي قبله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . وهذا تعليم قرآني لا يترك في الحق لبسا ولا شبهة، فأول الآية الكريمة الذي هو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ تنزيه تام غير تشبيه ولا تمثيل، فيجب علينا أن نعتقد ما دلّ عليه أولها من التنزيه، وما دل عليه آخرها من إثبات الصفات، والإيمان بها على أساس ذلك التنزيه، فلا نتنطع بين يدي خالقنا وننفي عنه صفة الكمال (التي) أثنى بها على نفسه، ولا نشبه خالقنا بخلقه، بل نجمع بين التنزيه أولا والإيمان بالصفات ثانيا حسبما دلت عليه آية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
وبعد هذا الشرح المستفيض من الشيخ ﵀ لهذين الأساسين العظيمين يوضح الأساس الثالث فيقول ﵀: "هو أن تعلم أن العقول البشرية عاجزة عن إدراك كيفية اتصاف الله جلّ وعلا بتلك الصفات؛ لأن قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ ٢صريح في أن إحاطة علم البشر به جلّ وعلا منفية نفيا باتا قرآنيا"٣.
ثم بين ﵀ أن من أخلّ بأحد هذه الأسس فقد جانب الصواب، وسار على غير هدى، فيقول –مخبرا عن هذه الأسس-: "من جاء بها كلها فقد وافق الصواب، وكان على الاعتقاد الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح، ومن أخلّ بواحد من تلك الأسس الثلاثة فقد ضلّ" ٤.
стр. 221
أما من تمسك بجميع هذه الأسس العظيمة فقد سار على طريق سلامة محقق. وهو ناج يوم العرض الأكبر؛ لأنه قد استنار بالكتاب والسنة.
قال ﵀: "لو متم يا إخواني وأنتم على هذا المعتقد أترون الله يوم القيامة يقول لكم: لم نزهتموني عن مشابهة الخلق ويلومكم على ذلك؟ لا وكلا، والله لا يلومكم على ذلك. أترون أنه يلومكم على أنكم آمنتم بصفاته وصدقتموه فيما أثنى به على نفسه ويقول لكم: لم أثبتم لي ما أثبت لنفسي، أو أثبت لي رسولي؟ لا والله لا يلومكم على ذلك، ولا تأتيكم عاقبة سيئة من ذلك. وكذلك لا يلومكم الله يوم القيامة ويقول لكم: لم قطعتم الطمع عن إدراك الكيفية ولم تحددوني بكيفية مدركة"١.
وبهذا الأسلوب الرائع من الشيخ –﵀ في عرضه العقيدة الصحيحة في الصفات، وبسطه لها بالكلام المقنع، ووضع القارئ أمام الأمر الواقع، وأنه سيقف أمام الله يوم القيامة. فمن أخذ بتلك الأسس فإنه سوف يستمسك بالأسباب المنجية. ولكنّ الخوف كل الخوف علىمن حاد عنها فعطل أو حرف أو شبه، فماذا يكون جوابه عن ذلك يوم الفزع الأكبر.
وبهذه الحجة المقنعة من الشيخ ﵀ نستطيع أن ندرك ما كان ﵀ يتمتع به من عقلية فذة، وعلم واسع، وحجة قوية، وفهم لعقيدة السلف، وحرص على العمل بها ونشرها بين الناس.
وبعد أن فهمنا هذه الأسس العظيمة كما قررها الشيخ الأمين –﵀ ولبيان سلامة فهم الشيخ، واتباعه لمنهج السلف، وبعده عن سواه من المناهج المبتدعة.
أختم الكلام بإيراد بعض أقوال السلف التي تؤيد ما ذكره الشيخ ﵀. وتدلّ على أنه مقتف آثار السلف الصالح، وعلى نهجهم يسير، وإلى ما ذهبوا إليه يذهب.
فقد قال الإمام الشافعي ﵀: "لله أسماء وصفات لا يسع أحدا
стр. 222
ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر. وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل: لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر، فنثبت هذه الصفات، وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١"٢.
وقال الإمام أبوالحسن الأشعري٣-﵀: "وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه، ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه، ولا تكييف له، وأن الإيمان به واجب، وترك التكييف له لازم"٤.
وقال الإمام ابن خزيمة٥-﵀: "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز، وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، ونقرّ بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا، من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، عزّ ربنا عن أن يشبه المخلوقين، وجلّ ربنا
стр. 223
عن مقالة المعطلين، وعزّ أن يكون عدماً كما قاله المبطلون؛ لأن ما لا صفة له: عدم. تعالى الله عما يقوله الجهميون"١.
وقال حافظ المغرب الإمام ابن عبد البر٢-﵀: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحددون فيه صفة محصورة"٣.
وقال ابن قدامة المقدسي٤-رحمه الله تعالى-: "وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله"٥.
وقال القاضي أبويعلى٦-﵀: "واعلم أنه لا يجوز ردّ هذه الأخبار على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وغيره من
стр. 224
أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين"١.
وقال الإمام ابن كثير٢-﵀: "وأما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً ليس هذا بموضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك، والأوزاعي٣، والثوري٤، والليث بن سعد٥، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه٦. وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً، وهو: إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفيّ عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير"٧.
стр. 225
وهكذا كانت طريقة السلف الصالح رضوان الله عليهم في جميع الصفات الثابتة لله بالكتاب والسنة: لا يعطلونها، ولا يحرفونها، بل يجرونها على ظاهرها مع عدم التعرض للكيفية، وكانوا يقولون عنها إنها لا تشابه صفات المخلوقين. وهم متفقون على هذا المنهج. وهو الذي سار عليه الشيخ الأمين -رحمه الله تعالى -، وجاهد من أجل إبرازه وتوضيحه وترسيخه في أذهان الناس، فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه خير الجزاء.
стр. 226
المطلب الثالث: قواعد في الصفات
ذكر العلماء ﵏ قواعد وأصولاً يقوم عليها هذا النوع من أنواع التوحيد؛ (أعني توحيد الأسماء والصفات) . وقد حرصوا على استنباطها ووضعها بغية تسهيل فهم هذا العلم ومعرفته وحفظه.
ومن هؤلاء العلماء الذين اهتموا بهذا الجانب: الشيخ الأمين –﵀؛ فقد جعل لإثبات الصفات والردّ على المخالف قواعد ملزمة فيها تقرير للمعتقد الصحيح.
أولى هذه القواعد: القول في الصفات جميعها من باب واحد:
قال ﵀: "أولاً: أن يعلم طالب العلم أنّ جميع الصفات من باب واحد؛ إذ لا فرق بينها البتة؛ لأنّ الموصوف بها واحد. وهو جلّ وعلا لا يشبه الخلق في شيء من صفاتهم البتة، فكما أنكم أثبتم له سمعاً وبصراً لائقين بجلاله لا يشبهان شيئاً من أسماع الحوادث وأبصارهم، فكذلك يلزم أن تجروا هذا بعينه في صفة الاستواء، والنزول، والمجيء، إلى غير ذلك من صفات الجلال والكمال التي أثنى الله بها على نفسه. واعلموا أن ربّ السموات والأرض يستحيل عقلاً أن يصف نفسه بما يلزم محذور ويلزمه محال أو يؤدي إلى نقص كل ذلك مستحيل عقلا؛ فإنّ الله لا يصف نفسه إلا بوصف بالغ من الشرف والعلو والكمال ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١"٢.
стр. 227
وهذه القاعدة التي ذكرها الشيخ ﵀ تتضمن إثبات الصفات جميعها، وتردّ على الأشاعرة الذين أثبتوا بعضها، ونفوا البعض الآخر. ففيها من الإلزام والقوة في الرد على المخالف ما يجعله يذعن ويستسلم للحقّ ممن ينشده، لأن من الأمور البديهية عدم التفريق بين المتماثلين إلا بدليل، وقد دل السمع والعقل على أنه لا يجوز التفريق بين الصفات، وإلا كان تحكماً وقولاً على الله بغير علم، وتنكبا للطريق المستقيم. فمن حاول أن يثبت البعض وينفي البعض الآخر فهو واقع في التناقض والاضطراب، وليس أمامه إلا أن يثبت جميع الصفات كما يليق بجلاله، لذلك يقول الشيخ الأمين –﵀: "فلا يشكل عليكم بعد هذا صفة نزول ولا مجيء، ولا صفة يد ولا أصابع، ولا عجب، ولا ضحك؛ لأنّ هذه الصفات كلها من باب واحد. فما وصف الله به نفسه منها فهو حقً، وهو لائق بكماله وجلاله لا يشبه شيئا من صفات المخلوقين. وما وصف به المخلوقون منها فهو حقّ مناسب لعجزهم وفنائهم وافتقارهم"١.
وقد سبق الشيخ الأمين –﵀ في تقرير هذه القاعدة وإيضاحها شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀، وردّ بها على من فرق بين الصفات، وهم الأشاعرة. فقال ﵀: "فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، يجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازاً، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات. قيل له:
لا فرق بين ما نفيته وما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن قلت: إن إرادته مثل المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا
стр. 228
وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به" ١.
وخلاصة القول: أن هذه القاعدة العظيمة حجة لمن أثبت جميع الصفات على ما يليق بجلال الله وكماله، ولم يفرق بينها؛ لأن طريقها واحد من حيث الإثبات ونفي المماثلة وعدم العلم بالكيفية؛ فالذي قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢هو الذي قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٣، والجميع لا نعلم كيفيته، لأنه قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٤. وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ٥، وقال: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٦.
القاعدة الثانية: القول في الصفات كالقول في الذات٧:
في هذه القاعدة يردّ الشيخ الأمين –﵀ على الذين أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات؛ وهم المعتزلة، فيقول لهم: كما أنكم تثبتون لله ذاتاً حقيقية على مايليق بجلاله من غير تشبيه لذات الخالق بذوات المخلوقين، فكذلك صفاته ثابتة بنفس المنهج ونفس الطريقة، إذ لا يعقل أن توجد ذات مجردة عن الصفات، فكما أنّ لله ذاتاً لا تشابه ذوات المخلوقين، فكذلك لله صفات لا تشابه صفات المخلوقين.
وبهذه الطريقة نلزمهم إثبات الصفات على ما يليق بجلال الله وكماله.
وفي تقرير هذه القاعدة يقول الشيخ الأمين –﵀: "الثاني: أن تعلموا أن الصفات والذات من باب واحد؛ فكما أننا نثبت ذات الله جلّ
стр. 229
وعلا إثبات وجود وإيمان، لا إثبات كيفية مكيفة محددة، فكذلك نثبت لهذه الذات الكريمة المقدسة صفات إثبات إيمان ووجود لا إثبات كيفية وتحديد" ١.
وهذا ما أوضحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة التدمرية فقال: "القول في الصفات كالقول في الذات؛ فإنّ الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقية لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل صفات سائر الذوات" ٢.
وهذا ما قرره أيضاً الخطيب البغدادي٣ ﵀ حين قال: "أما الكلام في الصفات: فإن ما روي منها في السنن الصحاح، مذهب السلف ﵃ إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها ... والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلوماً أن إثبات رب العلمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف" ٤.
وبهذا يتضح لنا أنّ الشيخ الأمين –﵀ متبع للسلف مقتف لآثارهم، فهو حين يقرر هذه القاعدة يسلك مسلكهم ويتبنى ماقرروه،
стр. 230
ويأخذ بهذه القاعدة العظيمة الملزمة لمن فرق بين الأسماء والصفات، أو بين الصفات والذات؛ إذ لا يعقل أن نثبت الأسماء وننفي الصفات، أو نثبت الذات وننفي الصفات، إذا لجميع من باب واحد.
ولا ريب أن هذه القاعدة ملزمة للمعطل: إما أن يثبت الصفات كما أثبت الذات من غير معرفة الكيفية، أو ينفي ما أثبته من الأسماء أو الذات فيكون بذلك نافياً لوجود الله، لأنه فرق بين الذات وبن الصفات من حيث الإثبات.
القاعدة الثالثة: آيات الصفات ليست من المتشابه:
أراد الشيخ الأمين –﵀ بإيراد هذه القاعدة أن يردّ على من قال بأنّ آيات الصفات من المتشابه. وهم المفوضة الذين يجعلون معرفة معاني آيات الصفات مما استأثر الله بعلمه، وبذلك لا يثبتون لها معاني صحيحة١، بل يقولون: إن هذه المتشابهات يجب القطع بأن مراد الله منها شيء يخالف ظاهرها، ويوجبون تفويض معناها إلى الله تعالى، ولا يجيزون الخوض في تفسيرها٢. ويقولون أيضاً: إن صفات الله من العقائد التي لا يكتفي فيها بالظن، بل لا بد من اليقين، ولا سبيل إليه. لذلك نتوقف ونكل التعيين إلى العليم الخبير٣.
فالشيخ الأمين ﵀ يردّ بهذه القاعدة الجليلة على هذا القول، ويؤكد أن آيات الصفات ليست من المتشابه، وإنما كيفية الصفات من المتشابه الذي لا نعلمه، والذي نكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى٤. وأما إثبات
стр. 231
الصفة على ما يليق بجلاله فهذا ليس من المتشابه؛ قال ﵀: "اعلموا أن آيات الصفات كثير من الناس يطلق عليها اسم المتشابه، وهذا من جهة غلط، ومن جهة قد يسوغ؛ كما بينه الإمام مالك بن أنس بقوله: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب"١، كذلك يقال في النزول: النزول غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب. واطرده في جميع الصفات؛ لأن هذه الصفات معروفة عند العرب. إلا أن ما وصف به خالق السموات والأرض أكمل وأجل وأعظم من أن يشبه شيئاً من صفات المخلوقين، كما أن ذات الخالق جلّ وعلا حق، والمخلوقون لهم ذوات، وذات الخالق جل وعلا أكمل وأنزه وأجلّ من أن تشبه شيئاً من ذوات المخلوقين"٢.
وما قاله الشيخ الأمين –﵀ حول هذه القاعدة قد قال به كثير من علماء الأمة المعتبرين؛ من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه ابن القيم ﵀، وغيرهما. وهذا يدل على أن الشيخ ﵀ قد سلك منهج سلف هذه الأمة، واقتفى أثرهم، وقال بقولهم، واتبع طريقتهم.
وسأذكر بعض أقوال العلماء المؤيدة لما قاله، فمنها قول العلامة ابن القيم ﵀: قد فسر الإمام أحمد الآيات التي احتج بها الجهمية من المتشابه، وقال: "إنهم تأولوها على غير تأويلها" ٣ وبيان معناها. وكذلك الصحابة
стр. 232
والتابعون فسروا القرآن وعلموا المراد بآيات الصفات كما علموا المراد من آيات الأمر والنهي، وإن لم يعلموا الكيفية، كما علموا معاني ما أخبر الله به في الجنة والنار وإن لم يعلموا حقيقة كنهه وكيفيته فمن قال من السلف: إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله بهذا المعنى فهو حقّ. وأما من قال: إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد منه لا يعلمه إلا الله فهو غلط، والصحابة والتابعون وجمهور الأمة على خلافه"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الرد على من قال إن الصفات من المتشابه: "من قال إن هذا من المتشابه، وأنه لايُفهم معناه، فنقول: أما الدليل على [بطلان] ذلك: فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية ونفى أن يعلم أحد معناه، أو جعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا: إنّ الله ينزل كلاماً لا يفهم أحد معناه. وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: "تمر كما جاءت". ونهوا عن تأويلات الجهمية –وردوها وأبطلوها- التي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه" ٢.
وأما ما ذكره الشيخ الأمين –﵀ من أن جواب الإمام مالك يصح في جميع الصفات: فهذا ماقرره أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: "وهذا الجواب من مالك ﵀ في الاستواء شاف كاف في جميع الصفات؛ مثل النزول، والمجيء واليد، والوجه، وغيرهما، فيقال في مثل النزول: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال
стр. 233
عنه بدعة، هكذا يقال في سائر الصفات؛ إذ هي بمثابة الاستواء الوارد به الكتاب والسنة" ١.
وبهذا نرى الشيخ الأمين ﵀ يقرر هذه القاعدة الجليلة، ويبين أن المتشابه في آيات الصفات ليس كما قرره المتكلمون من أنه في باب المعاني، وإنما معانيها معلومة معروفة من لغة العرب. وإنما المتشابه كما أشار الشيخ ﵀ يكون في باب الكيفية؛ لأن معاني الصفات من الأمور المعلومة، أما الكيفية: فيجب الجزم بعدم إدراكها. وهو ماسبق تقريره.
القاعدة الرابعة: ليس ظاهر الصفات التشبيه حتى تحتاج إلى تأويل:
يرد الشيخ الأمين –﵀ بهذه القاعدة على الأشاعرة الذين يردون أكثر نصوص الصفات؛ كما قال صاحب الجوهرة٢:
وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها٣.
وكذلك ﵀ يردّ على المعتزلة والجهمية الذين ينفون الصفات خوفاً من التشبيه بصفات المخلوقين كما زعموا٤.
وقد ذكر ﵀ حجتهم في اعتقادهم أن ظاهر الصفات يدل على المشابهة، فقال ﵀: "فزعموا أن الظاهر المتبادر السابق إلى الفهم من
стр. 234
معنى الاستواء واليد مثلاً في الآيات القرآنية هو مشابهة صفات الحوادث. وقالوا: يجب علينا أن نصرفه عن ظاهره إجماعاً؛ لأن اعتقاد ظاهره كفر؛ لأن من شبه الخالق بالمخلوق فهو كافر" ١.
ثم بين ﵀ اللوازم التي تلزم هذا القول، فقال: "ولا يخفى على أدنى عاقل أن حقيقة معنى هذا القول: أن الله وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم الكفر بالله والقول فيه بما لا يليق به جل وعلا. والنبي ﷺ الذي قيل له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢ لم يبين حرفاً واحداً من ذلك، مع إجماع من يعتدّ به من العلماء على أنه ﷺ لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وأحرى في العقائد ولا سيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين، حتى جاء هؤلاء الجهلة المتأخرين، فزعموا أن الله أطلق على نفسه الوصف بما ظاهره المتبادر منه لا يليق، والنبي ﷺ كتم أن ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب صرف اللفظ عنه، وكل هذا من تلقاء أنفسهم من غير اعتماد على كتاب أو سنة، سبحانك هذا بهتان عظيم. ولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلال ومن أعظم الافتراء على الله جلّ وعلا، ورسوله ﷺ "٣.
ثم بين ﵀ القول الحق في ظاهر الصفات أنه كما يليق بجلاله ، وأن نصف الله كما وصف نفسه، ووصفه رسوله ﷺ , وليس من تشابه بين صفات الله وصفات خلقه؛ فقال ﵀: "والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل وصف وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ فظاهره المتبادر منه
стр. 235
السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث. فبمجرد إضافة الصفة إليه جلّ وعلا يتبادر إلى الفهم أنه لا مناسبة بين تلك الصفة الموصوف بها الخالق، وبين شيء من صفات المخلوقين، وهل ينكر عاقل أن السابق إلى الفهم المتبادر لكل عاقل: هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته، لا والله لا ينكر ذلك إلا مكابر" ١.
ثم يبيّن ﵀ السبب الذي جعل هؤلاء المعطلة يقولون إن الظاهر من معاني الصفات التشبيه؛ فيقول: "والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله لأنه كفر وتشبيه، وإنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله جلّ وعلا، وعدم الإيمان بها، مع أنه جلّ وعلا هو الذي وصف بها نفسه، فكان هذا الجاهل مشبهاً أولاً، ومعطلاً ثانياً. فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه عارفاً بالله كما ينبغي، معظما لله كما ينبغي، طاهراً من أقذار التشبيه، لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه: أن وصف الله جلّ وعلا بالغ من الكمال والجلال ما يقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون قلبه مستعداً للإيمان بصفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق، على نحو قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢"٣.
وقال ﵀ في موضع آخر: "إنه يجب على كل مسلم أن يعتقد هذا
стр. 236
الاعتقاد الذي يحل جميع الشبه. ويجيب عن جميع الأسئلة؛ وهو أن الإنسان إذا سمع وصفاً وصف به خالق السموات والأرض نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ , فليملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين. فيكون القلب منزهاً معظماً له جلّ وعلا غير متنجس بأقذار التشبيه، فتكون أرض قلبه قابلة للإيمان والتصديق بصفات الله التي تمدح بها، وأثنى عليه بها نبيه ﷺ على غرار ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ . والشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيضطر المسكين أن ينفي صفة الخالق بهذه الدعوى الكاذبة الخائنة" ١.
وهذا الكلام الذي أورده الشيخ ﵀ في إيضاح القاعدة المذكورة، وفي إيضاح كيفية الرد بها على المخالفين في نقاش علمي رصين ليس ببدع فيه، بل قد سبقه إليه أساطين من علماء الأمة الذين جاهدوا في سبيل توضيح عقيدة الإسلام الصافية النقية مستندين في كل ما قالوه إلى الكتاب والسنة، لذلك كان لهم قصب السبق في توضيح الاعتقاد الصائب، والردّ على كلّ مخالف زائغ. ففي هذا الجانب يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من قال إن الظاهر غير مراد، بمعنى أن ظاهر صفات المخلوقين غير مراد، قلنا له: أصبت في هذا المعنى، لكن أخطأت في اللفظ وأوهمت البدعة، وجعلت للجهمية طريقاً إلى غرضهم، وكان يمكنك أن تقول: تمرّ كما جاءت على ظاهرها، مع العلم بأن صفات الله ليست كصفات المخلوقين، وأنه منزه مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه. ومن قال
стр. 237
إن الظاهر غير مراد بالتفسير؛ وهو مراد الجهمية، ومن تبعهم من المعتزلة والأشعرية وغيرهم: فقد أخطأ" ١.
وقال الشيخ مرعي المقدسي٢ ﵀: "ومن المعلوم أنه ﵇ كان يحضر في مجلسه الشريف والعالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي الجافي، ثم لا يجد –أي الناظر في نصوص الصفات- شيئاً يعقب تلك النصوص مما يصرفها عن حقائقها لا نصا ولا ظاهراً كما تأولها بعض هؤلاء المتكلمين. ولم ينقل عنه ﵇ أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين ونحو ذلك، ولا نقل عنه أن لهذه الصفات معاني أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها، ولما قال للجارية: "أين الله"؟ فقالت: في السماء، لم ينكر عليها بحضرة أصحابه كي لا يتوهموا أن الأمر على خلاف ما هو عليه، بل أقرها، وقال: "اعتقها فإنها مؤمنة" ٣"٤.
فأين في كل هذا ما ظاهره التشبيه إذا كانت الصفة تابعة للموصوف. فالله يوصف من هذه الصفات بما يليق بجلاله وعظمته، فليست صفته سبحانه مشابهة لصفات خلقه وإن اشتركت معها في اللفظ الوارد؛ لأن صفة المخلوق تابعه لضعفه وافتقاره، وصفه الخالق على ما يليق بكماله وعظمته وجلاله.
القاعدة الخامسة: الصفات على الحقيقة لا مجاز فيها:
يؤكد الشيخ الأمين –﵀ أن صفات الله تعالى الواردة في الكتاب
стр. 238
والسنة هي على الحقيقة كما يليق بجلاله، وليس كما يدعي المؤولة أنها مجاز، فيقولون: الاستواء: معناه الاستيلاء، واليد: القدرة، وهكذا، يحرفون الصفات، ويعطلون الله عن صفاته العظيمة.
قال الشيخ ﵀: "إن جميع ما وصف الله به نفسه في هذا القرآن من الصفات؛ كالاستواء، واليد، والوجه، ونحو ذلك من جميع الصفات فهو موصوف به حقيقة لا مجازاً١، مع تنزيهه جلّ وعلا عن مشابهة صفات الحوادث عن ذلك علوا كبيراً. وذلك البيان العظيم لجميع الصفات في قوله جلّ وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢، فنفى عنه مماثلة الحوادث بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، وأثبت
له الصفات على الحقيقة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ... "٣.
وقال ﵀ في موضع آخر: "فإثبات الحقيقة ونفي المجاز في صفات الله هو اعتقاد كل مسلم طاهر القلب من أقذار التشبيه؛ لأنه لا يسبق إلى ذهنه من اللفظ الدالّ على الصفة؛ كصفة اليد والوجه، إلا أنها صفة كمال منزهة عن مشابهة صفات الخلق. فلا يخطر في ذهنه التشبيه الذي هو سبب نفي الصفة وتأويلها بمعنى لا أصل له"٤.
وما أشار إليه الشيخ ﵀ أمر مجمع عليه عند السلف وقاعدة تُجرى على كل الصفات.
وسأذكر كلام بعض العلماء الذين سبقوا الشيخ الأمين –﵀ في
١ للشيخ الأمين ﵀ رسالة مفردة في نفي المجاز، سماها ((منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز)) أثبت فيها أن القرآن كله حقائق لا مجاز فيه، وأنّ القول بالمجاز ذريعة لنفي ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال بادعاء أنها مجاز وأنّ المجاز يجوز نفيه، وهذا من أعظم وسائل التعطيل.
стр. 239
تقرير هذه القاعدة. فمنهم: الحافظ ابن عبد البر الذي قال: "وأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنه لا يكيفون شيئا من ذلك. ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع، والجهمية١، والمعتزلة٢، والخوارج٣، فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة" ٤.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومن المعلوم باتفاق المسلمين أن الله حي حقيقة، عليم حقيقة، قدير حقيقة، سميع حقيقة، بصير حقيقة، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته"٥.
فما قرره الشيخ الأمين –﵀ بأن الحق في الصفات إثباتها على الحقيقة اللائقة بجلال الله ، وأنها ليست مجازاً، فلا تؤول
стр. 240
ولا تفوض: هو الذي تعضده نصوص الشرع وأقوال السلف رضوان الله عليهم.
وهكذا نرى شدة عناية الشيخ الأمين –﵀ بعقيدة السلف، وتقعيده القواعد لإيضاحها. وكذا شدة اهتمامه بتسهيلها، وشدة حرصه على تفهيمها للناس؛ حيث أرشد طالب العلم إلى الأخذ بهذه الأصول السهلة الميسرة التي تأخذ بيد طالب الحق، وتوصله إلى مبتغاه؛ إلى عقيدة الإثبات مع التنزيه. فلا يغلو في الإثبات حتى يشبه الله بخلقه، ولا يغلو في التنزيه حتى يعطل الله جلّ وعلا عن صفاته، بل يثبتها إثباتاً يليق بجلال الله وعظمته وكماله، منزها لها عن مشابهة صفات الحوادث، متبعاً لقول مولاه جلّ وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
стр. 241
المطلب الرابع: ذكر جملة من الصفات التي ذكرها الشيخ الأمين –﵀ -
فيما يلي أورد كلام الشيخ الأمين –﵀ مفصلا عن بعض الصفات التي كثر الكلام حولها بين السلف ومخالفيهم، وذلك كي أبيّن مدى التطابق بين ما سبق أن نقلته عنه منهج وقواعد قعدها، واستند إليها في الإثبات والردّ على الخصوم، وبين ما سأورده من كلامه التفصيلي حول بعض الصفات.
وسنلاحظ عند الكلام عن الصفات تفصيلاً أنّ الشيخ الأمين –﵀ قد اهتمّ بذكر رأيه في الصفات في ضوء الدليل، ووفق المنهج المرسوم. وسنلاحظ أيضاً أنه لا يطيل في الحديث عنها؛ لأنه اكتفى ببيان المنهج، ووضع القواعد العامة التي تشترك فيها سائر الصفات.
ومن الصفات التي فصّل الشيخ الأمين –﵀ فيها الكلام: صفة الاستواء، وصفة الكلام، وصفة اليدين، وصفة المعية، وصفة العلم، وصفة العلو، وصفة العظمة، وصفة الكبرياء، وصفة القدرة، وصفة السمع، وصفة البصر، وصفة الحياة، وصفة القيومية، وصفة الوجه، وصفة العين، وصفة القدم، وصفة الغضب، وصفة الرحمة، وصفة المجيء.
[١] صفة الاستواء:
الاستواء على العرش١ من صفات الله الفعلية الثابتة على ما يليق
стр. 242
بجلاله وكماله، فلا يُتطرق إلى تشبيه معناها، بل تثبت من غير كيف، وفق منهج السلف الذين يثبتون الصفات من غير تكييف –كما مرّ آنفا-.
وهذه الصفة العظيمة أطال المتكلمون حولها النقاش، وحشدوا لردها كلّ ما استطاعوا من جدل وسفسطه، وكلها تضمحلّ أمام سبع آيات من القرآن الكريم أثنى الله بها على نفسه واصفا لها بالاستواء على العرش، وجعلها من صفات الكمال التي يمتدح بها جلّ وعلا.
وقد قرر الشيخ الأمين –﵀ هذه الصفة بأسلوب سهل، وبدون تعقيد مستشهداً على ذلك بالنقل من آيات القرآن الكريم مؤكداً أنّ هذه الصفة من صفات الجلال والكمال، وهي ثابتة لله على ما يليق بجلاله، فقال ﵀: "اعلموا أنّ هذه الصفة التي هي صفة الاستواء صفة كمال وجلال، تمدح بها ربّ السموات والأرض. والقرينة على أنها صفة كمال وجلال أنّ الله ما ذكرها في موضع من كتابه إلا مصحوبة بما يبهر العقول من صفات جلاله وكماله" ١.
ثمّ استدلّ ﵀ على هذه الصفة العظيمة بكلام الله ، الذي امتدح نفسه بها في سبعة مواضع من القرآن الكريم.
والشيخ ﵀ حين يورد هذه الآيات الكريمات يؤكد أنه لا مجال معها لتأويل متأول، أو تحريف محرف، وأنّ الحقّ مع من أثبتها لله كما يليق بجلاله؛ وهم أهل السنة والجماعة.
وقد أورد ﵀ هذه الآيات السبع التي ذكر الله فيها
استواءه على عرشه حسب ترتيبها في القرآن الكريم، مبتدأ بقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
стр. 243
وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
ثمّ عقب ﵀ على إيراده الآية بقوله: (فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال) ٢.
ثمّ ذكر ﵀ الموضع الثاني الذي ذكر فيه الاستواء؛ وهو قوله تعالى في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ٣، وعقّب على هذه الآيات الكريمات بقوله: (فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على هذا الكمال والجلال) ٤.
ثمّ ذكر ﵀ الموضع الثالث من سورة الرعد، وهو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الأياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٥. ثمّ قال ﵀ بعد ذكر هذه الآيات الكريمات "فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة
стр. 244
على الجلال والكمال" ١.
ثمّ ذكر ﵀ الموضع الرابع من سورة طه، من قوله تعالى: ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَىاللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢، ثمّ قال ﵀: "فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال" ٣.
ثمّ ذكر ﵀ الموضع الخامس؛ من سورة الفرقان، وهو قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرا الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ٤. وقال بعد ذلك: "فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال" ٥.
ثمّ ذكر ﵀ الموضع السادس، وهو من سورة السجدة، وهو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ﴾ ٦، ثمّ قال بعد أن أورده: "فهل لأحد أن ينفي شيئاً
من هذه الصفات الدالة على الغاية من الجلال والكمال"٧.
стр. 245
ثمّ ذكر ﵀ الموضع السابع من المواضع التي ذكرت فيها هذه الصفة العظيمة؛ وهو قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الأوَّلُ وَالأخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ "١ ٢.
وبعد أن أورد الشيخ ﵀ هذه الآيات الكريمات الدالة على ثبوت اتصاف الله بهذه الصفة العظيمة، نوه بأنّ بعض المتكلمين تجرأ على هذه الصفة الكريمة التي وصف الله تعالى بها نفسه فحرفها عن موضعها، وانتحل لها من تلقاء نفسه معاني عطلتها عن معناها الحقيقي المتضمن للكمال المطلق، زاعماً أنّ إثباتها على ظاهرها يجعلها صفة نقص لا يجوز اتصاف الربّ بها، لذلك تؤول بمعنى آخر غير المعنى الظاهر المتبادر إلى الذهن.
يقول الشيخ الأمين –﵀ مبيّنا حال هؤلاء القوم: "فالشاهد أنّ هذه الصفات التي يظنّ الجاهلون أنها صفة نقص، ويتهجمون على ربّ السموات والأرض بأنه وصف نفسه بصفة نقص، ثمّ يسببون عن هذا أن ينفوها ويؤولوها، مع أنّ الله جلّ وعلا تمدح بها، وجعلها من صفات الجلال والكمال، مقرونة بما يبهر من صفات الجلال والكمال. وهذا يدلّ على جهل وهوس من ينفي بعض صفات الله جلّ وعلا بالتأويل" ٣.
ولإبعاد الشبهة التي استقرت في عقول المؤولة؛ وهي أنّ صفة الاستواء تشابه صفة المخلوق، لذلك تحرف إلى استولى، أو غيرها أكد ﵀ أنّ
стр. 246
السلف لا يقصدون بإثباتهم صفة الاستواء لله أنها تشابه صفة استواء المخلوق، فكما أنّ لله الخالق ذاتاً لا تشابه الذوات، كذلك له صفات لا تشبه الصفات.
ولذلك ذكر ﵀ أنّ اتصاف المخلوق بالاستواء هو على ما يليق به، كما أنّ استواء الخالق جلّ وعلا على ما يليق به. وأنّ الصفة وإن اشتركت في المعنى، إلا أنّ كل صفة تتبع موصوفها. فالله تعالى يقول عن استواء الإنسان: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ الآية٢، ويقول عن استواء السفينة: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ الآية٣.
ثم قال ﵀ بعد ما ذكر هذه الآيات الكريمات: "وإنّ للخالق جلّ وعلا استواء لائقا بكماله وجلاله، وللمخلوق أيضاً استواء مناسب لحاله، وبين استواء الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين الخالق والمخلوق، على نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤"٥.
وبذلك يقطع الشيخ ﵀ الطريق على الجاهلين الذين شبهوا الله بخلقه، ثمّ عطلوه عن صفة الكمال التي أثبتها لنفسه فهو ﵀ يؤكد أنّ صفة الاستواء التي اتصف بها الله ليست كما تصور لكم عقولكم، بل هو استواء لا نعلم كيفيته، كما أننا لا نعرف كيفية الذات، فلله سبحانه من هذه الصفة ما يليق بجلاله وعظمته من غير تشبيه أو
стр. 247
تكييف. وهذا هو المذهب الحقّ الذي تدلّ عليه نصوص الوحي المثبتة للصفات؛ لأنّ المنهج والطريقة في ذلك واضحة لم يدعنا الله تعالى فيها لعقولنا حين قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١؛ فالصفات ثابتة، وأما الكيفية فمنفية؛ إذ كيف نعرف كيفية صفته سبحانه، ونحن لم نعلم كيفية ذاته تعالى الله عما قاله المبطلون علواً كبيراً.
فالشيخ ﵀ ينطلق في كلامه من الكتاب والسنة، ومن مفهوم السلف الصالح؛ الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
سئل الإمام مالك ﵀ عن الاستواء، فقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) ٢.
وقال الأوزاعي ﵀: (كنا والتابعون متوافرون نقول: إنّ الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته جلّ وعلا) ٣.
وقال الشيخ أبو نصر السجزي٤: (وأئمتنا؛ كسفيان الثوري٥، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة٦، وحماد بن سلمة٧، وحماد بن
стр. 248
زيد١، وعبد الله بن المبارك٢، والفضيل بن عياض٣، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه٤؛ متفقون على أنّ الله سبحانه بذاته فوق العرش، وعلمه بكلّ مكان، وأنه ينزل من السماء الدنيا، وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء" ٥.
فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة في استواء الله على عرشه؛ فهم يؤمنون بها على مراد الله من غير تكييف لمعناها، ولا مشابهة لها بصفة المخلوقين.
والشيخ ﵀ متبع لطريقة السلف المستندة إلى نصوص الوحي، فهو من دعاة الاتباع، ومن أشدّ أعداء الابتداع.
موقف المتكلمين من صفة الاستواء، وردّ الشيخ الأمين رحمة الله عليهم:
وفي معرض إيضاح الشيخ الأمين ﵀ لهذه الصفة بيّن رأي المتكلمين فيها، وذكر أنهم أكثروا من الخوض فيها حتى نفوها بأدلة جدلية كلامية عقيمة استدلوا بها لإبطال الحقّ وإحقاق الباطل حتى تجرأ كثير من الناس ممن يدعي الإسلام على تعطيل هذه الصفة عن ربّ السموات والأرض بهذه الأدلة الواهية التي يعارضون بها كلام الله سبحانه
стр. 249
وتعالى١، ولهم تأويلات مختلفة في نفي تلك الصفة عن الله، ولكنّ مؤدى الكل واحد من حيث تعطيل الله جلّ وعلا عن الاتصاف بهذه الصفة العظيمة، وتحريفها عن الاستواء إلى الاستيلاء٢.
وقد ناقشهم الشيخ الأمين ﵀ مناقشة علمية رصينة أظهر من خلالها كثيراً من التحريفات التي وقعوا فيها، واستوعب مزاعمهم وأدلتهم التي جمعوها، وبيّن أنهم بهذه المزاعم يريدون التوصل إلى نفي الاستواء عن الله .
ومن هذه المزاعم التي ذكروها: قالوا: إنّ قوله: على العرش استوى مجاز؛ فنفوا الاستواء؛ لأنه مجاز، وقالوا: معنى استوى: استولى. وشبهوا استيلاءه باستيلاء بشر بن مروان على العراق. وقالوا أيضاً: إنّ الاستواء يوهم غير اللائق بالله لاستلزامه مشابهة استواء الخلق، فجاؤوا بالاستيلاء لأنه هو اللائق به بزعمهم٣.
ونبّه ﵀ إلى مشابهة المؤولة لليهود الذين بدلوا كلام الله وحرفوه، فغضب الله عليهم ولعنهم، وذكر أنّ المؤولة سلكوا الطريق نفسه الذي سلكه اليهود؛ فقال ﵀ مبينا هذا المعنى: (ولو تدبروا كتاب الله لمنعهم ذلك من تبديل الاستواء بالاستيلاء، وتبديل اليد بالقدرة، أو النعمة؛ لأنّ الله جلّ وعلا يقول في محكم كتابه في سورة القرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا منهم قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُون﴾ ٤، ويقول في الأعراف: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
стр. 250
مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ١ فالقول الذي قاله الله لهم، هو قوله: "حطة"؛ وهي فعلة من الحطّ بمعنى الوضع: خبر مبتدأ محذوف؛ أي دعاؤنا ومسألتنا لك حطة لذنوبنا؛ أي حطّ وضعها عنا، فهي بمعنى طلب المغفرة. وفي بعض روايات الحديث٢ في شأنهم أنهم بدلوا هذا القول بأن زادوا نوناً فقط، فقالوا: حنطة؛ وهي القمح. وأهل التأويل قيل لهم على العرش استوى، فزادوا لاما فقالوا استولى. وهذه "اللام" التي زادوها أشبه شيء بالنون التي زادها اليهود في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ ٣، وبقول الله جلّ وعلا في منع تبديل القرآن بغيره: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٤. ولا شك أنّ من بدل استوى باستولى مثلا لم يتبع ما أوحي إلى النبي ﷺ , فعليه أن يجتنب التبديل، ويخاف العذاب العظيم الذي خافه رسول الله ﷺ لو عصى الله فبدل قرآنا بغيره، المذكور في قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . واليهود لم ينكروا أنّ اللفظ الذي قاله الله لهم هو لفظ حطة، ولكنهم حرفوه بالزيادة المذكورة، وأهل هذه المقالة لم ينكروا أنّ كلمة القرآن هي استوى، ولكن حرفوها وقالوا في معناها: استولى. وإنما أبدلوها بها لأنها أصلح في زعمهم من لفظ كلمة القرآن التي توهم غير اللائق، وكلمة استولى في زعمهم هي المنزهة اللائقة بالله، مع أنه لا يعقل تشبيه أشنع من تشبيه استيلاء الله على عرشه المزعوم باستيلاء بشر على