السلف، فقال: "واعلم أن إمام الحرمين أبا المعالي الجويني، كان في زمانه من أعظم أئمة القائلين بالتأويل، وقد قرر التأويل وانتصر له في كتابه الإرشاد، ولكنه رجع عن ذلك في رسالته: العقيدة النظامية١" ٢.
ثم نقل ﵀ مقتطفات من هذه العقيدة موضحاً رجوعه إلى معتقد السلف وتوبته من طريقة الخلف.
من ذلك ما ذكره الذهبي من أن الجويني قال لأصحابه في مرض موته: "اشهدوا على أني قد رجعت عن كل مقالة قلتها أخالف فيها ما قال السلف الصالح، وأني أموت على ما تموت عليه عجائز نيسابور" ٣.
ونقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه قال في مرض موته: "لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت فيما نهوني عنه. والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنذا أموت على عقيدة أمي.." ٤.
ويقصد بعقيدة أمه، أو ما تموت عليه عجائز بلده الفطرة الصافية النقية من الشوائب.
[٤] أبو حامد الغزالي٥ ﵀:
قال عنه الشيخ ﵀: "وكذلك أبو حامد الغزالي. كان في زمانه من أعظم القائلين بالتأويل، ثم رجع عن ذلك، وبين أن الحق الذي لا شك فيه
стр. 317
هو مذهب السلف" ١.
ونقل ﵀ من كتابه إلجام العوام شواهد مستدلا بها على صحة رجوعه إلى طريقة السلف، وختم ذلك بقوله: "وذكر غير واحد عن الغزالي أنه رجع في آخر حياته إلى تلاوة كتاب الله وحفظ الأحاديث الصحيحة، والاعتراف بأن الحق هو ما في كتاب الله وسنة رسوله. وذكر بعضهم أنه مات وعلى صدره صحيح البخاري ﵀"٢.
[٥] الفخر الرازي٣ ﵀:
ذكر الشيخ ﵀ توبته، فقال: "واعلم أيضاً أن الفخر الرازي كان في زمانه أعظم أئمة التأويل، ورجع عن ذلك المذهب إلى مذهب السلف معترفاً بأن طريق الحق هي اتباع القرآن في صفات الله".
ونقل الشيخ الأمين –﵀ من كتاب الرازي (أقسام اللذات) ما يدل على رجوعه وتوبته.
فمن ذلك ما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من قوله: "لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
стр. 318
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ١، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٢، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ ٣. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ٤. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي" ٥.
[٦] الشهرستاني٦:
قال عنه الشيخ الأمين –﵀: "وذكروا عن الشهرستاني أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وقد قال في ذلك:
لعمري قد طفت المعاهد
وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كفّ حائر
على ذقن أو قارعا سنّ نادم٧
وأمثال هذا كثير٨.
وهذا يدلّ على تحيره وتخبطه، واضطرابه في نهاية حياته، وقد فطن إلى ما وقع فيه من تخبط، وتنبه إلى صحة مذهب السلف الموافق للفطرة، فقال كلمته: "فعليكم بدين العجائز فهو من أسنى الجوائز" ٩.
وما ذلك إلا لأن دين العجائز سالم من شوائب علم الكلام وترهاته.
стр. 319
وبعد أن ذكر الشيخ الأمين –﵀ من رجعوا من أئمة أهل التأويل عن مذهبهم إلى معتقد السلف١، وجه نداء إلى المتعصبين من المتأولة يحثهم فيه على الرجوع إلى الحق والتزام معتقد سلف هذه الأمة؛ فقال ﵀: "فيا أيها المعاصرون المتعصبون لدعوى أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها خبيث لا يليق بالله لاستلزامه التشبيه بصفات الخلق، وأنها يجب نفيها وتأويلها بمعان ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يقلها رسول الله ﷺ , ولا أحد من أصحابه، ولا من التابعين. فمن هو سلفكم في هذه الدعوى الباطلة المخالفة لإجماع السلف؟ إن كنتم تزعمون أن الأشعري يقول مثل قولكم، وأنه سلفكم في ذلك فهو بريء منكم ومن دعواكم. وهو مصرح في كتبه التي صنفها بعد الرجوع عن الاعتزال أن القائلين بالتأويل هم المعتزلة، وهم خصومه وهو خصمهم، كما أوضحنا كلامه في الإبانة والمقالات، وقد بينا أن أساطين القول بالتأويل قد اعترفوا بأن التأويل لا مستند له، وأن الحق هو اتباع مذهب السلف، كما أوضحنا ذلك عن أبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي الجويني، وأبي حامد الغزالي، وأبي عبد الله الفخر الرازي، وغيرهم ممن ذكرنا" ٢.
وفي الختام يوصيهم بتقوى الله، وعدم التعرض لصفاته بالتحريف أو التعطيل، وألا يقولوا على الله بغير علم، فيقول ﵀: "وفي الختام نوصي أنفسنا وإخواننا المسلمين بتقوى الله تعالى، وعدم التهجم على الله تعالى وعلى كتابه بالدعاوى الباطلة، والتمسك بنور الوحي الصحيح في
стр. 320
المعتقد وغيره؛ لأن السلامة متحققة في اتباع الوحي. وليست متحققة في شي غيره:
ونهج سبيلي واضح لمن اهتدى * ولكنها الأهواء عمت فأعمتِ١.
وبهذا البيان الرائع الذي ختم به الشيخ الأمين –﵀ نصيحته لأهل التأويل، ولم يبق أمام أصحاب العقول السليمة من المتأولة المعاصرين –بعد أن تبرأ كبار أئمتهم وشيوخهم من هذه العقيدة الفاسدة، وحذروا منها، وأعلنوا رجوعهم عنها إلى معتقد السلف- إلا أن يراجعوا مذهبهم، ويرجعوا عنه إلى معتقد السلف؛ إذ لا عذر لأحد منهم بعد أن أعلن أئمتهم المتبوعون رجوعهم إلى المعتقد الحق، وماتوا عليه.
стр. 321
الباب الثاني: جهوده في توضيح بقية أركان ومباحث الإيمان
الفصل الأول: الإيمان بالملائكة والجن
الملائكة والجن من المخلوقات المغيبة، التى لا تراها أعين بني آدم؛ فهم من عالم الغيب.
والملائكة عباد مكرمون خلقهم الله من نور، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعلم عددهم إلا الله، وكلهم الله سبحانه بوظائف وأعمال مختلفة.
قال تعالى في وصفهم: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ ١، وقال: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاّ هُوَ وَمَا هِيَ إلاّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ ٣. وقال ﷺ : "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" ٤.
والإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ ٥.
ويجب الإيمان تفصيلاً بمن ورد ذكرهم في الكتاب والسنة من الملائكة بأسمائهم وأعمالهم؛ فأعظمهم جبريل الموكل بالوحي الذي به حياة القلوب، ينزل به على الأنبياء. وميكائيل الموكل بالقطر والنبات. وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور.
стр. 322
فهؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه حياة الإنسان.
وقد كان النبي ﷺ يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة.."١.
ويجب الإيمان إجمالاً بمن لم يرد تعيينه باسمه المخصوص، ولا تعيين نوعه المخصوص٢.
وقد أشار الأمين ﵀ إلى بعض وظائف الملائكة؛ فقال: "الملائكة يرسلها الله في شؤون وأمور مختلف، ولذا عبر عنها بالمقسمات، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ ٣؛ فمنهم من يرسل لتسخير المطر والريح، ومنهم من يرسل لكتابة الأعمال، ومنهم من يرسل لقبض الأرواح، ومنهم من يرسل لإهلاك الأمم؛ كما وقع لقوم صالح"٤.
ثم تطرق ﵀ إلى ذكر الملائكة الموكلين بكتابة أقوال بني آدم، فقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ٥: "والمتلقيان هما الملكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان. وقد دلت الآية الكريمة على أن مقعد أحدهما عن يمينه، ومقعد الآخر عن شماله.... وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ : أي ما ينطق بنطق، ولا يتكلم بكلام ﴿إلاّ لَدَيْهِ﴾ : أي: إلا والحال أن عنده رقيباً؛ أي ملكاً مراقباً لأعماله، حافظاً لها، شاهداً عليها، لا يفوته منها شيء. ﴿عَتِيدٌ﴾ : أي حاضر، ليس
стр. 323
بغائب يكتب عليه ما يقول من خير وشر. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإنسان عليه حفظة من الملائكة يكتبون أعماله، جاء موضحاً في آيات كثيرة من كتاب الله؛ كقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٢وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٣"٤.
وقد أوضح ﵀ أن كتابة أعمال العباد لا تتعارض مع إحاطة الله بكل شيء علماً، وإنما ذلك لحكم أرادها الله جل وعلا؛ يقول ﵀: "إن الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، في وقت كتابة الحفظة أعماله لا حاجة له لكتب الأعمال؛ لأنه عالم بها لا يخفى عليه شيء، وإنما أمر بكتابة الحفظة للأعمال لحكم أخرى؛ كإقامة الحجة على العبد يوم القيامة، كما أوضحه بقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ ٥"٦.
وتعرّض ﵀ للخلاف الحاصل في كتابة الحفظة لأقوال العباد؛ هل تشمل المباح، أو تقتصر على ما فيه ثواب وعقاب فقط؛ فذكر للعلماء قولين، ولم يرجح أحدهما على الآخر؛ فقال: "قال بعضهم٧: يكتب عليه
стр. 324
كل شيء، حتى الأنين في المرض وهذا ظاهر قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ١؛ لأن قوله: ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ : نكرة في سياق النفي زيدت قبلها لفظة: ﴿مِنْ﴾ ، فهي نص صريح في العموم. وقال بعض العلماء٢: لا يكتب من الأعمال إلا ما فيه ثواب أو عقاب؛ وكلهم مجمعون على أنه لا جزاء إلا فيما فيه ثواب أو عقاب فالذين يقولون لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب، والذين يقولون يكتب الجميع: متفقون على إسقاط ما لا ثواب فيه ولا عقاب، إلا أن بعضهم يقولون: لا يكتب أصلاً، وبعضهم يقولون: يكتب أولاً، ثم يمحى. وزعم بعضهم أن محو ذلك، وإثبات ما فيه ثواب وعقاب هو معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت﴾ الآية٣. والذين قالوا: لا يكتب ما لا جزاء فيه، قالوا: إن في الآية نعتاً محذوفاً سوغ حذفه العلم به: لأن كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا عقاب، وتقدير النعت المحذوف: ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء" ٤.
الجن:
أما الجن: فقد خلقوا من النار، كما قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ ٥.
وهم أمة مكلفة بالعبادة؛ فمنهم المؤمن، والكافر، والعاصي؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُون﴾ ٦. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالأنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَان﴾ ٨.
стр. 325
وهم يأكلون ويشربون ويتناسلون، ولهم ذرية؛ قال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ١. وهم يفنون ويموتون مثل الإنس، قال ﷺ : "والجن والإنس يموتون "٢.
وقد اختلف في إبليس؛ هل خلق من جنس الملائكة، أم من الجن؟ فتطرق الشيخ الأمين –﵀ إلى ذكر هذين القولين، مع أدلة كل منهما؛ فقال ﵀: " وحجة من قال إن أصله ليس من الملائكة أمران؛ أحدهما: عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس، كما قال تعالى عنهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٤. الثاني: أن الله صرح في هذه الآية الكريمة بأنه من الجن، والجن من غير الملائكة؛ قالوا: وهو نص قرآني في محل النزاع. واحتج من قال إنه ملك في الأصل بما تكرر في الآيات القرآنية من قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ٥، قالوا: فإخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم. وقال بعضهم: والظواهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص، ومن المعلوم أن الأصل في الاستثناء الاتصال، لا الانقطاع، قالوا: ولا حجة لمن خالفنا في قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ ٦؛ لأن الجن قبيلة من الملائكة، خلقوا من بين الملائكة من نار السموم؛ كما روى ابن عباس. والعرب تعرف في لغتها إطلاق الجن على الملائكة، ومنه قول الأعشى في سليمان بن داود:
وسخر من جن الملائك تسعة
قياما لديه يعملون بلا أجر
قالوا: ومن إطلاق الجن على الملائكة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ
стр. 326
الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ ١، عند من يقول بأن المراد بذلك قولهم: " الملائكة بنات الله، عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله علواً كبيراً"٢.
ثم ذكر ﵀ من رجح القول الأول، فقال: "وممن جزم بأنه ليس من الملائكة في الأصل لظاهر هذه الآية الكريمة: الحسن البصري، ونصره الزمخشري٣في تفسيره" ٤.
ثم ذكر أيضاً من رجح القول الأخير، فقال: "وقال القرطبي في تفسيره سورة البقرة: إن كونه من الملائكة هو قول الجمهور؛ ابن عباس وابن مسعود، وابن جريج٥، وابن المسيب٦، وقتادة٧، وغيرهم. وهو اختيار الشيخ أبي الحسن٨، ورجحه الطبري، وهو ظاهر قوله: ﴿إلاّ إِبْلِيسَ﴾ ٩"١٠.
ثم رجح ﵀ أن أصله من الجن فقال: "وأظهر الحجج في المسألة حجة من قال إنه غير ملك؛ لأن قوله تعالى: ﴿إلاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ
стр. 327
فَفَسَق﴾ ١، وهو أظهر شيء في الموضوع من نصوص الوحي، والعلم عند الله تعالى"٢.
وما رجحه الشيخ الأمين –﵀ من كون إبليس من الجن هو ما تطمئن النفس إليه؛ لتضافر الأدلة عليه، وقد قال إبليس عن نفسه: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ٣. وجاء في الحديث: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" ٤؛ فهذا صريح في كونه من الجن، وهو ما رجحه أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقد قال عن إبليس لعنه الله: "وجعله بعض الناس من الملائكة لدخوله في الأمر بالسجود، وبعضهم من الجن لأن له قبيلاً وذرية، ولكونه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور. والتحقيق: أنه كان منهم باعتبار صورته، وليس منهم باعتبار أصله، ولا باعتبار مثاله"٥.
هل يدخل المؤمنون من الجن الجنة؟
تطرق ﵀ إلى هذه المسألة، وذكر لأهل العلم قولين فيها، ورد على من منع دخولهم الجنة مرجحاً أن المؤمنين من الجن يدخلونها؛ فقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٦: "تمسك جماعة من العلماء؛ منهم الإمام أبوحنيفة -رحمه الله تعالى- بظاهر هذه الآية، فقالوا: إن المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلون الجنة. مع أنه جاء في آية أخرى ما يدل على أن مؤمنيهم في الجنة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ٧؛ لأنه تعالى بين شموله للجن والإنس بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ
стр. 328
وَلا جَانٌّ﴾ ١؛ لأنه يشير إلى أن في الجنة جناً يطمثون النساء كالإنس"٢.
ثم قال ﵀: "إن آية الأحقاف نص فيها على الغفران والإجارة من العذاب، ولم يتعرض فيها لدخول الجنة بنفي ولا إثبات، وآية الرحمن نص فيها على دخولهم الجنة؛ لأنه تعالى قال فيها: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ "٣.
وقال ﵀ أيضاً: وحاصل هذه المسألة: أن الجن مكلفون على لسان نبينا محمد ﷺ بدلالة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وأن كافرهم في النار بإجماع المسلمين، وهو صريح قوله تعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ فِي النَّارِ﴾ ٦، إلى غير ذلك من الإيات. وأن مؤمنيهم اختلف في دخولهم الجنة، ومنشأ الخلاف الاختلاف في فهم الآيتين المذكورتين. والظاهر دخولهم الجنة كما بينا، والعلم عند الله"٧.
ولا ريب أن ما قاله الشيخ الأمين –﵀ هو الحق في هذه المسألة لما نقله من النصوص الصريحة في دخول مؤمنهم الجنة. ويؤيده أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُو﴾ ٨؛ فهو دليل على ثوابهم وعقابهم. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ
стр. 329
بَخْساً وَلا رَهَقاً﴾ ١؛ فالله يثيب على الإيمان، ويعاقب على الكفر.
وقد نقل شيخ الإسلام عن أكثر أهل العلم أن مؤمن الجن يدخل الجنة، ورجحه، فقال بعد أن ذكر إجماع العلماء على دخول كافرهم النار، وساق الآيات الدالة على ذلك: وأما مؤمنهم فأكثر العلماء على أنهم يدخلون الجنة، وقال طائفة: بل يصيرون تراباً كالدواب. والأول أصح؛ وهو قول الأوزاعي، وابن أبي ليلى٢، وأبي يوسف٣، ومحمد٤. ونقل ذلك عن مالك والشافعي وأحمد، وهو قول أصحابهم"٥.
стр. 330
الفصل الثاني: الإيمان بالكتب
الإيمان بالكتب ذو شقين: إيمان تفصيلي، وآخر إجمالي. فالتفصيلي: أن نؤمن بكل الكتب المنزلة على المرسلين، والتي سماها الله تعالى في كتابه؛ كالقرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى.
والإجمالي: أن نؤمن بأن الله سوى ذلك كتباً أنزلها على أنبيائه، لا يعرف أسماءها وعددها إلا هو، فيها الهدى والنور والرشاد. ولا يفرق بين الواحد والآخر؛ قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
هذا مع الإيمان أن القرآن الكريم ناسخ لكل الكتب السابقة، ومهيمن عليها، وأنه خاتمة الكتب المنزلة، وأنه محفوظ من التحريف؛ فهو الكتاب الذي يجب على جميع الإنس والجن العمل به٢.
وقد أوضح الشيخ الأمين –﵀ هذا الركن العظيم الذي لا يتم الإيمان إلا به؛ حيث قال ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ٣، لم يبين هنا هذا الذي أنزل إلى إبراهيم، ولكنه بين في سورة الأعلى أنه صحف، وأن من جملة ما في تلك الصحف: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ
стр. 331
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١، وذلك في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ٢. قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ ٣: لم يبين هنا ما أوتيه موسى وعيسى، ولكنه بينه في مواضع أخرى، فذكر أن ما أوتيه موسى هو التوراة المعبر عنها بالصحف في قوله: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ٤، وذلك كقوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَاب﴾ ٥، وهو التوراة بالإجماع. وذكر أن ما أوتيه عيسى هو الإنجيل، كما في قوله: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الأنْجِيلَ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ ٧: أمر الله النبي ﷺ والمسلمين في هذه الآية أن يؤمنوا بما أوتيه جميع النبيين، وأن لا يفرقوا بين أحد منهم، حيث قال: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ ٨، ولم يذكر هنا هل فعلوا ذلك أو لا؟ ولم يذكر جزاءهم إذا فعلوه، ولكنه بين كل ذلك في غير هذا الموضع؛ فصرح بأنهم امتثلوا الأمر بقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٩. وذكر جزاءهم على ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ١٠"١١.
стр. 332
أما القرآن الكريم: فيقول ﵀ عنه: "القرآن هو مطر أرض القلوب، إذا نزل مطر القرآن على أرض القلوب أثمرت القلوب ثمراتها الرائعة اليانعة من الإيمان بالله، والتقوى، والخشية والإنابة، والإيثار، وطاعة الله جل وعلا، والخوف منه، والانقياد لأوامره، واجتناب نواهيه....كما أن مطر السحاب هو مطر الأرض المثمر فيها....كذلك القلب الطيب إذا نزلت عليه أمطار القرآن؛ زواجره، ونواهيه، ومواعظه، وحلاله، وحرامه أثمر ذلك القرآن في ذلك القلب ثمرات أحسن من ثمرات الأرض الطيبة إذا نزل عليها المطر فأثمر الإيمان بالله ... وامتثال أمر الله واجتناب نواهيه، وكل خصلة حسنة ... كالخشية من الله، والتوبة عند الزلات، والإنابة إليه، والسخاء، والشجاعة، والرضا بقدر الله، والإيثار، وعدم الشح، إلى غير ذلك من الخصال الكريمة الجميلة"١.
ثم يصف ﵀ هذا القرآن بقوله: "هو كتاب الله جل وعلا الذي هو آخر كتاب نزل من السماء، وهو أعظم كتاب سماوي على أعظم رسول أرسله الله إلى الأرض؛ فهو آخر الكتب السماوية، دليل على آخر الرسل وخاتمهم ﷺ ؛ جمع الله فيه علوم الكتب السابقة. ولذا كان القرآن مهيمنا على الكتب السابقة ... وإنما سمي هذا القرآن كتاباً؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ٢. ومكتوب في صحف عند الملائكة ... ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ ٣..وأيضا مكتوب عند المسلمين، كما قال تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ٤"٥.
стр. 333
وقد اشار ﵀ إلى أن القرآن وحي من الله ؛ فقال عند قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ١: "أي علم نبيه ﷺ القرآن، فتلقته أمته عنه. وهذه الآية الكريمة تتضمن رد الله على الكفار في قولهم: إنه تعلم هذا القرآن من بشر كما تقدم، في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ٣؛ أي يرويه محمد عن غيره"٤.
ثم أوضح ﵀ أن القرآن الكريم مهيمن على الكتب السابقة، فاضح لما حرفه اليهود والنصارى، ولما كتموه من الحق؛ فقال: ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية٥: "لم يبين هنا شيئاً من ذلك الكثير الذي يبينه لهم الرسول ﷺ مما كانوا يخفون من الكتاب: يعني التوراة والإنجيل، وبين كثيراً منه في مواضع أخر. فمما كانوا يخفون من أحكام التوراة: رجم الزاني المحصن. بينه القرآن في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٦؛ يعني يدعون إلى التوراة ليحكم بينهم في حد الزاني المحصن بالرجم، وهم معرضون عن ذلك منكرون له. ومن ذلك ما أخفوه من صفات الرسول ﷺ في كتابهم، وإنكارهم أنهم يعرفون أنه هو الرسول، كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٧. ومن ذلك إنكارهم أن الله حرم
стр. 334
عليهم بعض الطيبات بسبب ظلمهم ومعاصيهم؛ كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ١، وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ٢؛ فإنهم أنكروا هذا، وقالوا: لم يحرم علينا إلا ما كان محرماً على إسرائيل، فكذبهم القرآن في ذلك في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إلاّ مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ ٣. ومن ذلك كتم النصارى بشارة عيسى ابن مريم لهم بمحمد ﷺ وقد بينها تعالى بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٤، إلى غير ذلك من الآيات المبينة لما أخفوه من كتبهم"٥.
ثم يطرح ﵀ سؤالاً، ويجيب عليه فيقول ﵀: "إن قيل: ما الفرق بين التوراة والقرآن؟ فإن كلا منهما كلام الله أنزله على رسول من رسله صلوات الله وسلامه عليهم. والتوراة حرفت وبدلت كما بيناه آنفاً، والقرآن محفوظ من التحريف والتبديل لو حرف منه أحد حرفاً واحداً فأبدله بغيره، أو زاد فيه حرفاً، أو نقص منه آخر، رد عليه آلاف الأطفال من صغار المسلمين فضلاً عن كبارهم. فالجواب: أن الله استحفظهم التوراة واستودعهم إياها فخانوا الأمانة، ولم يحفظوها، بل ضيعوها عمداً. والقرآن العظيم لم يكل الله حفظه إلى أحد حتى يمكنه
стр. 335
تضييعه، بل تولى حفظه جلّ وعلا بنفسه الكريمة المقدسة، كما أوضحه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ الآية٢، إلى غير ذلك من الآيات"٣.
وأختم هذا الفصل بهذه الكلمة الجامعة للشيخ الأمين –﵀ عن القرآن الكريم؛ حيث يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿َهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ ٤: "فهذا القرآن كله بركات وخيرات؛ لأن الله قال: إنه مبارك، والمبارك كثير البركات؛ لأن فيه خير الدنيا والآخرة، يعتقد الإنسان عقائده، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويتأدب بآدابه، ويعتبر بأمثاله وقصصه، فيكون على أكمل حال في الدنيا والآخرة، فهو فيه البركات والخيرات لمن وفقه الله للعمل به جل وعلا، ولذا بينا مراراً أنه أعظم نعمة أنزلها الله على خلقه، ولذا علمهم أن يحمدوه على هذه النعمة والبركات في هذا القرآن العظيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ ٥، وبين إيراثه علامة الاصطفاء، وبين أن ذلك فضل كبير من الله، حيث قال في فاطر: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ ٦؛ فبين أن إيراث هذا الكتاب لا يكون إلا لمن اصطفاه الله. ثم قال في معرض التنويه به: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ٧؛ أي إيراثنا الكتاب إياهم غننبيهم هو الفضل من الله الكبير عليهم، كما قال هنا: أنه مبارك. وقوله: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ٨؛ معناه أن القرآن العظيم مصدق للكتب السماوية التي قبله، وتصديقه لها من جهات متعددة، منها: أنه لا يخالفها، وأن
стр. 336
العلامات التي كانت على النبي وعن كتابه الذي ينزل عليه جاءت كلها مطابقة، وأن ما تدعو إليه الكتب السماوية من التوحيد وطاعة الله ومكارم الأخلاق، كذلك جاء القرآن آمراً به. وعن تصديقه للكتب السماوية أنه يهيمن عليها، ويمنعها من التحريف كلما أرادوا أن يحرفوا منعهم القرآن، كما قال: ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ ١"٢.
وهكذا يرشد الشيخ الأمين –﵀ إلى الإيمان بهذه الكتب العظيمة على وجه الإجمال، ويبين أنها قد حرفت، إلا أن هيمنة القرآن العظيم عليها تدل على مواطن التحريف، لذا وجب الإيمان على وجه التفصيل بالقرآن الكريم الذي تولى الله جل وعلا حفظه بنفسه المقدسة، فسلم مما لحق بالكتب الأخرى، فهو الكتاب الخاتم المنزل على النبي الخاتم، المحفوظ بحفظ الله له، المهيمن على سائر الكتب السماوية السابقة.
стр. 337
المجلد الثاني
الباب الثاني: جهوده في توضيح بقية أركان ومباحث الإيمان (تابع)
الفصل الثالث: جهود الشيخ الأمين –﵀ في توضيح النبوات
المبحث الأول: الإيمان بالأنبياء
المطلب الأول: دعوة الأنبياء واحدة
...
الفصل الثالث: جهود الشيخ الأمين –﵀ في توضيح النبوات
تمهيد: تعريف النبي والرسول لغةً وشرعاً:
أولاً: تعريف النبي والرسول لغةً:
النبي لغةً مشتق من النبأ؛ وهو الخبر، كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ﴾ ١.
وقيل: إن النبي مأخوذ من النبوة، والنباوة؛ وهي الارتفاع؛ لارتفاع قدره، ولأنه شرف على سائر الخلق. فأصله غير مهموز. وقيل: النبي: الطريق. والأنبياء طرق الهدى٢.
أما الرسول لغةً: فهو الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذاً من قولهم: جاءت الإبل رسلاً، أي متتابعة.
والرسول: اسم من أرسلت. وأصل الرِسل: الانبعاث على التؤدة٣.
ثانيا: تعريف النبي والرسول شرعاً:
تعددت الآراء في تعريف النبي والرسول إلى أقوال كثيرة٤، وأشهرها:
أن الرسول مَنْ أُوحِي إليه بشرع، وأُمِرَ بتبليغه. والنبي من أُوحِي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه٥.
стр. 338
وهذا التفريق لا يسلم من الاعتراض؛ لأن الإنسان الذي دون النبي مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإبلاغ الناس أمور دينهم، وعدم كتمان العلم. فكيف بالنبي الذي هو منبأ عن الله ؛ لاشك أن مسؤوليته أعظم، وموقفه أخطر. وقد دلت النصوص على أن الأنبياء مأمورون بالإبلاغ؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ١، وقوله ﷺ : "عرضت عليّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد. "٢.
لذلك لم يرتض الشيخ الأمين –﵀ هذا التعريف، وبين تعارضه مع النصوص، فقال في معرض الرد عليه موضحاً القول الحق في هذه المسألة: "وآية الحج هذه٣تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبي هو من أوحي إليه وحي ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحي إليه وأمر بتبليغ ما أوحي إليه: غير صحيح؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ ٤يدل على أن كلاً منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير. واستظهر بعضهم أن النبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأن النبي المرسل الذي هو غير الرسول؛ هو من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله؛ كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة، كما بينه تعالى بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ ٥"٦.
стр. 339
وهذا التعريف الذي أخذ به الشيخ الأمين –﵀ أسلم من غيره من التعريفات؛ لذلك ارتضاه غير واحد من العلماء السابقين؛ منهم البيضاوي١-﵀ الذي قال في الفرق بين النبي والرسول: "الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه، ومن بعثه لتقرير شرع سابق؛ كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى ﵉. لذلك شبه النبي ﷺ علماء أمته بهم، فالنبي أعم من الرسول"٢.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعريف قريب من هذا التعريف؛ يقول فيه ﵀: "فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول. إلى أن قال: فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ ٣ دليل على أن النبي مرسل، ولا يسمى رسولاً عند الإطلاق؛ لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنه حق كالعالم، ولهذا قال النبي ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء." ٤"٥.
стр. 340
المبحث الأول: الإيمان بالأنبياء
المطلب الأول: دعوة الأنبياء واحدة
جميع الرسل متفقون في الدعوة إلى التوحيد الخالص، والنهي عن الشرك؛ فالغاية التي بعثوا من أجلها: إفراد الله بالعبادة، والنهي عن جميع الموبقات؛ من الكفر والفسوق والعصيان؛ فالشرائع كلها تدعو إلى هذه الغاية العظيمة، فهذه مهمة جميع الرسل من نوح ﵇ إلى رسولنا محمد ﷺ فكل واحد من الأنبياء والرسل، ﵈، يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١.
وقد اهتم الشيخ الأمين –﵀ بتوضيح هذه المسألة الجليلة التي هي وسيلة لأعظم غاية من أجلها خلق الخلق وأوجدت الكائنات؛ فقال ﵀: "كل دعوات الرسل هي مضمون "لا إله إلا الله" التي قام عليها أمر السموات والأرض، وخلقت من أجلها الجنة والنار، وبعث رسل الله عليهم الصلاة والسلام. ولهذا كان كل رسول إنما يبدأ قومه بالدعاء إليها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢"٣.
стр. 341
وأوضح الشيخ –﵀ في موضع آخر أن من كذب رسولاً فقد كذب جميع الرسل؛ لأن دعوتهم واحدة، فكلهم يدعو إلى التوحيد الخالص، فقال ﵀: "إن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع المرسلين، ومن كذب نذيراً واحداً فقد كذب جميع النذر؛ لأن أصل دعوة جميع الرسل واحدة، وهي مضمون "لا إله إلا الله" كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٣. وأوضح تعالى أن من كذَّب بعضهم فقد كذّب جميعهم، في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ ٤، وأشار إلى ذلك في قوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٥، وقوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ٧. وقد أوضح تعالى في سورة الشعراء أن تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل، وذلك في قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٨، ثم بين أن تكذيبهم للمرسلين إنما وقع بتكذيبهم نوحاً
стр. 342
وحده، حيث أفرد ذلك بقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٢، ثم بين أن ذلك بتكذيب هود وحده، حيث أفرده بقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣. ونحو ذلك في قوله تعالى، في قصة صالح وقومه، ولوط وقومه، وشعيب وأصحاب الأيكة، كما هو معلوم، وهو واضح لا خفاء فيه. ويزيده إيضاحاً قوله ﷺ : "إنا معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد." ٤؛ يعني أنهم كلهم متفقون في الأصول، وإن اختلفت شرائعهم في بعض الفروع"٥.
وفي موضع آخر أشار الشيخ الأمين –﵀ إلى أن نبينا محمداً ﷺ هو أشد الأنبياء احتياطاً في حماية جناب التوحيد الذي هو أصل دعوة الرسل. فقال ﵀: "فإخلاص العبادة لله وحده هو دعوة عامة الرسل، وأشدهم فيه احتياطاً خاتمهم ﷺ ولذا منع بعض الأمور التي كانت مباحة عندهم احتياطاً في توحيد الله في عبادته جلّ وعلا؛ فالسجود لمخلوق في شريعته السمحة كفر بالله تعالى مع أنه كان جائزاً في شرع غيره من الرسل عليهم الصلاة
стр. 343
والسلام. كما قال تعالى عن يعقوب وأولاده في سجودهم ليوسف: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ ١، ولذلك أمر نبينا ﷺ أن يقول للناس: إنه ما أوحي إليه إلا توحيد الله تعالى في عبادته في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢.
وقد تقرر عند الأصوليين والبيانيين أن لفظ "إنما" من أدوات الحصر، فدلت الآية على حصر الموحى إليه ﷺ في أصله الأعظم الذي هو لا إله إلا الله؛ لأنها دعوة جميع الرسل، وغيرها من شرائع الإسلام وفروعها التابعة لها. ولهذا صار مكذب رسول واحد مكذباً لجميع الرسل؛ لأن دعوتهم واحدة" ٣.
وهكذا يتضح لنا اهتمام الشيخ الأمين –﵀ ببيان هذه المسألة العظيمة؛ حيث أقام الأدلة على أن الرسل بعثوا بالدعوة إلى توحيد العبادة، وأن أصل دينهم واحد، وهومضمون شهادة أن لا إله إلا الله.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام في "العقيدة التدمرية" يؤيد ما قاله الشيخ الأمين –﵀؛ فقد أوضح ﵀ أن جميع الأنبياء على دين الإسلام، وأن رأس الإسلام مطلقاً شهادة أن لا إله إلا الله، وبها بعث الله جميع رسله عليهم الصلاة والسلام٤.
стр. 344
المطلب الثاني: الرسل لا يعلمون الغيب
علم الغيب من خصائص الألوهية، وليس من صفات الأنبياء؛ لأنهم بشرٌ اصطفاهم الله لتبليغ أوامره ونواهيه، ولا يعلمون من المستقبل إلا ما أطلعهم الله عليه، وأذن لهم به.
وقد تناول الشيخ الأمين –﵀ هذا الموضوع بذكر الأدلة
التي تؤكد عجز الأنبياء عن الإطلاع على أمور كانت تخصهم، وأحوال كانوا عاجزين عن معرفة الحقيقة فيها؛ فقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ ١: "وهذه الآية الكريمة تدل على أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وهو كذلك، لأن الخلق لا يعلمون إلا ما علمهم خالقهم جل وعلا. وعن عائشة ﵂، قالت: من زعم أن رسول الله ﷺ يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية. والله يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٢. أخرجه مسلم٣"٤.
ثم ذكر ﵀ أن الله أمر نبيه ﷺ في هذه الآية أن يعلن للناس أنه لا يعلم الغيب، وذلك في قوله: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا
стр. 345
يُوحَى إِلَيَّ﴾ ١. ثم ساق ﵀ أمثلة ووقائع حصلت للرسل تدل على أنهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه؛ فذكر أولاً أمثلة ووقائع حصلت لرسولنا ﷺ تدل على أنه لا يعلم الغيب، ثم أتبعها بوقائع حصلت لعدد من الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، تدل أيضاً على أنهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه؛ فقال ﵀: "لما رميت عائشة ﵂ بالإفك لم يعلم؛ أهي بريئة أم لا، حتى أخبره الله تعالى بقوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُون﴾ ٢. وقد ذبح إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجله للملائكة، ولا علم له بأنهم ملائكة حتىأخبروه، وقالوا له: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ٣..
ولما جاؤا لوطاً لم يعلم أيضاً أنهم ملائكة، ولذا ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ يخاف عليهم من أن يفعل بهم قومه فاحشتهم المعروفة، حتى قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ، ولم يعلم خبرهم حتى قالوا له: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ الآيات٤..
ويعقوب ﵇ ابيضت عيناه من الحزن على يوسف، وهو في مصر لا يدري خبره حتى أظهر الله خبر يوسف. وسليمان ﵇، مع أن الله سخر له الشياطين والريح، ما كان يدري عن أهل مأرب قوم بلقيس حتى جاءه الهدهد، وقال له: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ الآيات٥. ونوح –عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- ما كان يدري أن ابنه الذي غرق ليس من أهله الموعود بنجاتهم، حتى قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي
стр. 346
مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقّ﴾ الآية١، ولم يعلم حقيقة الأمر حتى أخبره الله تعالى بقوله: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٢. وقد قال تعالى عن نوح في سورة هود: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ٣. والملائكة عليهم الصلاة والسلام لما قال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ٤"٥.
ثم عقب ﵀ على هذه الأمثلة بقوله: "فقد ظهر أن أعلم المخلوقات –وهم الرسل-، والملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى. وهو تعالى يعلم رسله من غيبه ما شاء؛ كما أشار له بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٦، وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداًإِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول﴾ ٧"٨.
وقال ﵀ في موضع آخر: "وقد أطلع الله جلّ وعلا نبينا ﷺ , على أمور كثيرة من المغيبات، حتى إنه قام ذات يوم يخطب في قومه من بعد صلاة الفجر حتى الظهر، ثم صلى الظهر وقام
стр. 347
يخطب فيهم حتى صلى العصر، ثم قام يخطب حتى صلى المغرب، وذكر أموراً كثيرة هائلة في ذلك اليوم، حفظها من حفظ، ونسيها من نسي١. وقد أخبر الله جلّ وعلا أنه هو المختص بعلم الغيب، حيث نفاه عن كلّ أحد سواه، وأثبته لنفسه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٢"٣.
وقد سئل ﵀: أيجوز إطلاق علم الغيب على أحد من الرسل الذين أطلعهم الله على بعض المغيبات، كما يطلق على الذي يعلم مسائل الفقه أنه فقيه، أم لايجوز ذلك؟.
فأجاب ﵀ على هذا السؤال إجابة مفصلة قال فيها: "إن ذلك لايجوز أبداً؛ لأن علم الغيب صفة مختصة بالله تعالى، وقد نفاها عن كل خلقه. وكونه يطلع بعض خلقه على بعض الغيب لا يقتضي أن يوصفوا بما وصف به، وليس هذا من تعظيم الرسل كما يزعم بعضهم، بل إن تعظيم الرسل في نفي علم الغيب عنهم؛ لأنهم هم الذين أخبرونا أن علم الغيب مختص بالله تعالى، وأنهم لا يعلمون إلا ما علمهم به هو. وفرق بعيد بين ما ذكر من كون من يعلم بعض المسائل الفقهية يطلق عليه أنه فقيه، وبين من أطلعه الله على بعض الغيب؛ فإن الأول علم مسائل الفقه بملكة راسخة فيه يستطيع بها أن يصل إلى علم المسائل باستمرار. أما الثاني فلا طريق له إلى الوصول إلى علم الغيب فيه إلا ما أخبره الله به. وهذا آخر الرسل وأفضلهم؛ نبينا ﷺ , يقول الله تعالى عنه: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ
стр. 348
الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١. والله جلّ وعلا يخاطب خلقه بقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ٢: فهل فطن الذين يزعمون أن الرسول ﷺ علم كل المغيبات لهذه الآيات وأمثالها مما يصعب حصره، ثم هو ﷺ في حجة الوداع في آخر حياته يقول: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" ٣. وقد سبق أن الله تعالى أطلعه على كثير من المغيبات، ومما أخبر به ووقع ما جاء في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لتتركن القلاص٤ فلا يسعى عليها "٥. ومن أكثر الناس حفظاً ورواية لما أخبر به النبي ﷺ من المغيبات: حذيفة وأبو هريرة ﵄" ٦.
стр. 349
المطلب الثالث: عصمة الأنبياء
الله اصطفى لرسالته وتبليغها أفضل خلقه، وأكملهم خِلقاً وخُلقاً، وعصمهم من الزلات والخطايا، وبرأهم من كل عيب مَشين، حتى يؤدوا أمانة الوحي إلى أممهم.
والأنبياء هم قدوة البشر، وطرق الهدى، ومصابيح الدجى، فهم الهداة الذين أمرنا الله بالاقتداء بهم، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٢.
وقد أوضح الشيخ الأمين –﵀ هذه المسألة، وأبان التفصيل فيها مبيناً الإجماع على القول بعصمتهم في التبليغ، وذاكراً الخلاف في عصمتهم من الصغائر، ومؤكداً أن الصغائر إذا صدرت منهم فإنهم سرعان ما يتوبون إلى الله وينيبون إليه، فتكون كأن لم تكن، وينالون بذلك منزلة أعلى من منزلتهم السابقة، فقال ﵀: "واعلم أن جميع العلماء أجمعوا على عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في كل ما يتعلق بالتبليغ. واختلفوا في عصمتهم من الصغائر التي لا تعلق لها بالتبليغ اختلافاً مشهوراً معروفاً في الأصول. ولا شك أنهم صلوات الله عليهم وسلامه إن وقع منهم بعض الشيء فإنهم يتداركونه بصدق الإنابة إلى الله
стр. 350
حتى يبلغوا درجة أعلى من درجة من لم يقع منه ذلك، كما قال هنا: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ ، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ١"٢.
وقال ﵀ في موضع آخر بعد أن ذكر أقوال العلماء في عصمة الأنبياء: "الذي يظهر لنا أن الصواب في هذه المسألة أن الأنبياء –صلوات الله وسلامه عليهم- لم يقع منهم ما يزري بمراتبهم العلية ومناصبهم السامية، ولا يستوجب خطأ منهم ولا نقصاً فيهم صلوات الله وسلامه عليهم. ولو فرضنا أنه وقع منهم بعض الذنوب فإنهم يتداركون ما وقع منهم بالتوبة والإخلاص وصدق الإنابة إلى الله، حتى ينالوا بذلك أعلى الدرجات، فتكون بذلك درجاتهم أعلى من درجة من لم يرتكب شيئاً من ذلك. ومما يوضح هذا قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ٣فانظر أي أثر يبقى للعصيان والغي بعد توبة الله عليه واجتبائه، أي اصطفائه إياه وهدايته له. ولاشك أن بعض الزلات ينال صاحبها بالتوبة منها درجة أعلى من درجته قل ارتكاب تلك الزلة. والعلم عند الله تعالى"٤.
وقول الشيخ الأمين –﵀ مطابق تمام المطابقة لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، الذي قال: "الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه..–إلى أن قال ﵀:
стр. 351
وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع..والقول الذي عليه جمهور الناس –وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف- إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقاً"١.
стр. 352
المطلب الرابع: أولو العزم من الرسل
أشار الشيخ الأمين –﵀ إلى أن أولي العزم من الرسل خمسة، هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ١.
ولم يرتض ﵀ قول من قال: إنهم جميع الرسل، بل قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٢: "اختلف العلماء في المراد بأولي العزم من الرسل في هذه الآية الكريمة اختلافاً كثيراً، وأشهر الأقوال في ذلك أنهم خمسة، وهم الذين قدمنا ذكرهم في الأحزاب، والشورى؛ وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وعلى هذا القول فالرسل الذين أمر رسول الله ﷺ أن يصبر كما صبروا أربعة، فصار هو ﷺ خامسهم. واعلم أن القول بأن المراد بأولي العزم جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن لفظة "من" في قوله: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ بيانية٣يظهر أنه خلاف التحقيق، كما دل على ذلك بعض الآيات القرآنية: كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ الآية٤، فأمر الله جل وعلا نبيه في آية القلم هذه بالصبر، ونهاه عن أن يكون مثل يونس؛
стр. 353
لأنه هو صاحب الحوت. وكقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ ١. فآية القلم، وآية طه المذكورتان، كلتاهما تدل على أن أولي العزم من الرسل الذين أمر النبي ﷺ بأن يصبر كصبرهم ليسوا جميع الرسل، والعلم عند الله تعالى"٢.
وما قرره الشيخ الأمين –﵀ هو المشهور عند العلماء. قال السفاريني٣-﵀: "أهل العزم: أي أهل الثبات والجد من الرسل، وهم على المشهور: إبراهيم الخليل، وموسى الكليم، وعيسى الروح، ونوح النجي، فيكونون خمسة بنبينا محمد ﷺ , وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ٤، فإنهم أصحاب الشرائع، وقدم نبينا ﷺ تعظيماً له، وتكريماً لشأنه. وهؤلاء الذين اجتهدوا في تأسيس الشرائع وتقريرها، وصبروا على تحمل المشاق من قومهم، ومعاداة الطاغين فيها"٥.
стр. 354
المطلب الخامس: هل آدم رسول أم نبي؟
وردت في القرآن أدلة تشعر بأن آدم ﵇ هو أول الرسل، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ ٣.
قال الإمام الطبري٤-﵀ في تفسيره: "لأن آدم كان هو النبي ﷺ أيام حياته بعد أن أهبط إلى الأرض والرسول من الله جل ثناؤه إلى ولده، فغير جائز أن يكون معنياً –وهو الرسول- ﷺ بقوله: "فإما يأتينكم مني هدى" خطاباً له ولزوجته: فإما يأتينكم مني هدى، أنبياء ورسل إلا على ما وصفت من التأويل"٥.
وقال القرطبي٦-﵀: " سئل رسول الله ﷺ عن آدم: أنبي مرسل هو؟ فقال: "نعم، نبي مكلم" ٧، قال ابن عطية٨:
стр. 355
على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه. ونوح هو أول رسول أرسل لقوم كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى، ويأمرهم بإخلاص العبادة له وحده. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية١؛ أي على الدين الحنيف، أي حتى كفر قوم نوح. وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ الآية٢، والله أعلم."٣.
وهذا جمع حسن، وفق الشيخ ﵀ من خلاله بين أدلة الفريقين، ولم يرجح قول أحدهما على الآخر.
وللشيخ حافظ حكمي٤-﵀ كلام مماثل للوجه الأخير من كلام الشيخ الأمين –﵀، قال فيه: "إن نوحاً أول الرسل والنبيين بعد الاختلاف، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ٥؛ لأن أمته أول من اختلف وغير وبدل، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ٦، وإلا فآدم قبله كان نبياً رسولاً، وكان الناس أمة واحدة على دينه"٧.