وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع..والقول الذي عليه جمهور الناس –وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف- إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقاً"١.
стр. 352
المطلب الرابع: أولو العزم من الرسل
أشار الشيخ الأمين –﵀ إلى أن أولي العزم من الرسل خمسة، هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ١.
ولم يرتض ﵀ قول من قال: إنهم جميع الرسل، بل قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٢: "اختلف العلماء في المراد بأولي العزم من الرسل في هذه الآية الكريمة اختلافاً كثيراً، وأشهر الأقوال في ذلك أنهم خمسة، وهم الذين قدمنا ذكرهم في الأحزاب، والشورى؛ وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وعلى هذا القول فالرسل الذين أمر رسول الله ﷺ أن يصبر كما صبروا أربعة، فصار هو ﷺ خامسهم. واعلم أن القول بأن المراد بأولي العزم جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن لفظة "من" في قوله: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ بيانية٣يظهر أنه خلاف التحقيق، كما دل على ذلك بعض الآيات القرآنية: كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ الآية٤، فأمر الله جل وعلا نبيه في آية القلم هذه بالصبر، ونهاه عن أن يكون مثل يونس؛
стр. 353
لأنه هو صاحب الحوت. وكقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ ١. فآية القلم، وآية طه المذكورتان، كلتاهما تدل على أن أولي العزم من الرسل الذين أمر النبي ﷺ بأن يصبر كصبرهم ليسوا جميع الرسل، والعلم عند الله تعالى"٢.
وما قرره الشيخ الأمين –﵀ هو المشهور عند العلماء. قال السفاريني٣-﵀: "أهل العزم: أي أهل الثبات والجد من الرسل، وهم على المشهور: إبراهيم الخليل، وموسى الكليم، وعيسى الروح، ونوح النجي، فيكونون خمسة بنبينا محمد ﷺ , وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ٤، فإنهم أصحاب الشرائع، وقدم نبينا ﷺ تعظيماً له، وتكريماً لشأنه. وهؤلاء الذين اجتهدوا في تأسيس الشرائع وتقريرها، وصبروا على تحمل المشاق من قومهم، ومعاداة الطاغين فيها"٥.
стр. 354
المطلب الخامس: هل آدم رسول أم نبي؟
وردت في القرآن أدلة تشعر بأن آدم ﵇ هو أول الرسل، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ ٣.
قال الإمام الطبري٤-﵀ في تفسيره: "لأن آدم كان هو النبي ﷺ أيام حياته بعد أن أهبط إلى الأرض والرسول من الله جل ثناؤه إلى ولده، فغير جائز أن يكون معنياً –وهو الرسول- ﷺ بقوله: "فإما يأتينكم مني هدى" خطاباً له ولزوجته: فإما يأتينكم مني هدى، أنبياء ورسل إلا على ما وصفت من التأويل"٥.
وقال القرطبي٦-﵀: " سئل رسول الله ﷺ عن آدم: أنبي مرسل هو؟ فقال: "نعم، نبي مكلم" ٧، قال ابن عطية٨:
стр. 355
على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه. ونوح هو أول رسول أرسل لقوم كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى، ويأمرهم بإخلاص العبادة له وحده. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية١؛ أي على الدين الحنيف، أي حتى كفر قوم نوح. وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ الآية٢، والله أعلم."٣.
وهذا جمع حسن، وفق الشيخ ﵀ من خلاله بين أدلة الفريقين، ولم يرجح قول أحدهما على الآخر.
وللشيخ حافظ حكمي٤-﵀ كلام مماثل للوجه الأخير من كلام الشيخ الأمين –﵀، قال فيه: "إن نوحاً أول الرسل والنبيين بعد الاختلاف، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ٥؛ لأن أمته أول من اختلف وغير وبدل، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ٦، وإلا فآدم قبله كان نبياً رسولاً، وكان الناس أمة واحدة على دينه"٧.
стр. 356
المطلب الخامس: هل آدم رسول أم نبي ؟
...
"وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصية موسى"١.
وفي المقابل وردت أدلة تثبت أن آدم ﵇ لم يكن رسولاً، منها: قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٢، وقوله ﷺ في حديث الشفاعة: "فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض" ٣، وقوله صلى الله عليه وسل: " أول نبي أرسل نوح" ٤.
وقد جمع الشيخ الأمين –﵀ بين هذين القولين؛ فقال ﵀: "والظاهر أنه لا طريق للجمع إلا من وجهين؛ الأول: أن آدم أرسل لزوجه وذريته في الجنة، ونوح أول رسولٍ أُرْسِلَ في الأرض. ويدل لهذا الجمع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما، ويقول: "ولكن ائتوا نوحاً؛ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض" الحديث٥، فقوله: "إلى أهل الأرض" لو لم يرد به الاحتزاز عن رسول بعث لغير أهل الأرض لكان ذلك الكلام حشواً، بل يفهم من مفهوم مخالفته ما ذكرنا، ويستأنس له بكلام ابن عطية٦"٧.
ثم ذكر ﵀ الوجه الثاني، فقال: "إن آدم أرسل إلى ذريته وهم
стр. 357
المبحث الثاني: حقيقة الخضر
المطلب الأول: هل الخضر نبي أو ولي ؟
...
المبحث الثاني: حقيقة الخضر
تمهيد:
الخضر هو صاحب موسى ﵇ الذي ورد ذكره في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ ١. وورد ذكره في السنة، في قوله ﷺ : "بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل جاءه رجل فقال: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى عبدنا الخضر.." الحديث٢.
وقد غلت الصوفية في قصة الخضر، وجعلت منها مصدراً للوحي والإلهام والعقائد والتشريع: "فقد زعموا أن الخضر حي إلى أبد الدهر، وأنه صاحب شريعة وعلم باطني يختلف عن علوم الشريعة الظاهرية، وأنه ولي وليس بنبي، وأن علمه علم لدني موهوب له من الله بغير وحي الأنبياء، وأن هذه العلوم تنزل إلى جميع الأولياء في كل وقت قبل بعثة الرسول ﷺ وبعد بعثته، وأن هذه العلوم أكبر وأعظم من العلوم التي مع الأنبياء، بل وعلوم الأنبياء لا تدانيها ولا تضاهيها؛ فكما أن الخضر –وهو ولي فقط في زعمهم- كان أعلم من موسى، فكذلك الأولياء من أمة محمد هم أعلم من محمد ﷺ ؛ لأن محمداً عالم بالشريعة الظاهرة فقط، والولي عالم بالحقيقة
стр. 358
الصوفية، وعلماء الحقيقة أعلم من علماء الشريعة. وزعموا كذلك أن الخضر يلتقي بالأولياء ويعلمهم هذه الحقائق، ويأخذ لهم العهود الصوفية، وأن الحقائق الصوفية تختلف عن الحقيقة المحمدية، ولذلك فلكل ولي شريعته المستقلة، فما يكون معصية في الشريعة؛ كشرب الخمر والزنا واللواط قد يكون حقيقة صوفية وقربة إلى الله حسب العلم الباطني. وكذلك في أمر العقائد ومسائل الإيمان فلكل وليّ كشفه الخاص، وعلمه الخاص اللدني الذي قد يختلف مع الوحي النبوي"١.
وقد بين العلماء٢ في القديم والحديث حقيقة الخضر، وردوا على هذه المزاعم التي يزعمها الزنادقة، ومن تلاعب بهم الشياطين والهوى.
ومن هؤلاء العلماء: الشيخ الأمين ﵀ الذي تحدث عن أهم الأمور التي تكتنف حياة الخضر، من الخلاف في حياته ونبوته؛ حيث ناقش أدلة القائلين بحياته وعدم نبوته مناقشة دقيقة بالحجج الواضحة، والأدلة الصريحة. ورد ما ينسج حوله من قصص خيالية وروايات موضوعة.
وكذا رد على من جوز العمل بالإلهام، وعلى من قال: إن الولي يسعه الخروج عن الوحي المحمدي كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى. وقد وصف الشيخ الأمين ﵀ هذا الصنيع بأنه زندقة.
стр. 359
المطلب الأول: هل الخضر نبي أو ولي؟
قال الشيخ الأمين ﵀: "العلماء مختلفون في الخضر: هل هو نبي، أو رسول، أو ولي؟ كما قال الراجز:
واختلف في خضر أهل العقول
قيل نبي أو ولي أو رسول
وقيل: ملك"١.
ثم رجح ﵀ نبوته ﵇، ونصر هذا القول، واستدل له وفق طريقته في تفسير القرآن بالقرآن؛ فقال ﵀: "يفهم من بعض الآيات أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوية، وأن هذا العلم اللدني علم وحي، مع العلم بأن في الاستدلال بها على ذلك مناقشات معروفة عند العلماء. اعلم أولاً: أن الرحمة تكرر إطلاقها على النبوة في القرآن، وكذلك العلم المؤتى من الله تكرر إطلاقه فيه على علم الوحي. فمن إطلاق الرحمة على النبوة قوله تعالى في الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ الآية٢؛ أي نبوته حتى يتحكموا في إنزال القرآن على رجل عظيم من القريتين. وقوله تعالى في سورة الدخان: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية٣. وقوله تعالى في آخر القصص: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية٤.
стр. 360
ومن إطلاق إيتاء العلم على النبوة قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ ١، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ الآية٢، إلى غير ذلك من الآيات"٣.
ثم تابع ﵀ ذكر أدلته في نصرة هذا القول، فقال: "ومعلوم أن الرحمة وإيتاء العلم اللدني أعم من كون ذلك عن طريق النبوة وغيرها. والاستدلال بالأعم على الأخص فيه أن وجود الأعم لايستلزم وجود الأخص كما هو معروف. ومن أظهر الأدلة في أن الرحمة والعلم اللدني اللذين امتن الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي، قوله تعالى عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ ٤؛ أي وإنما فعلته عن أمر الله جل وعلا، وأمر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي؛ إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلا الوحي من الله جل وعلا، ولاسيما قتل الأنفس البرئية في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس بخرقها؛ لأن العدوان على أنفس الناس وأموالهم لايصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى. وقد حصر تعالى طريق الإنذار في الوحي في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ ٥، و (إنما) صيغة حصر"٦.
وقد ساق ﵀ أدلة أخرى في تحقيق نبوة الخضر، أبرزها بقوله:
стр. 361
"ومما يستأنس به للقول بنبوته تواضع موسى ﵊ له في قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ ١، وقوله: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ ٢، مع قول الخضر له: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ ... "٣ ٤.
وبعد أن أيد ﵀ القول بنبوة الخضر ﵇ بالأدلة الواضحة، تطرق إلى مسألة خطيرة لها مؤيدوها وتابعوها، ألا وهي مسألة كون الولي يجوز له الخروج عن الطريقة المحمدية بطريقة الإلهام، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵉ –بزعمهم-. وقد ناقش الشيخ الأمين ﵀ هذه المسألة مناقشة علمية رصينة، مبيناً تهافت هذه المسألة وسقوط أدلتها، وقد وصفها بأنها مؤامرة خطيرة للانخلاع من دين الإسلام، وفتح باب الشر، وتبرير عمل الزنادقة.
وقد بدأ الشيخ الأمين ﵀ مناقشته لأصحاب هذا المبدأ الهدام بطرح سؤال على ألسنة أصحاب هذا القول؛ فحواه أن علم الخضر كان عن طريق الإلهام، وأجاب عليه ﵀ بقوله: "فالجواب: أن المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به، بل ولوجود الدليل على عدم الاستدلال به. وما يزعمه بعض المتصوفة من جواز العمل بالإلهام في حق الملهم وغيره، جاعلين الإلهام كالوحي المسموع، مستدلين بظاهر قوله
стр. 362
تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ١، وبخبر: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله "٢كله باطل لا يعول عليه لعدم اعتضاده بدليل، وغير المعصوم لا ثقة بخواطره؛ لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان. وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع، ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهمات. والإلهام في الاصطلاح: إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال بوحي ولا نظر في حجة عقلية، يختص الله به من يشاء من خلقه. أما ما يلهمه الأنبياء مما يلقيه الله في قلوبهم فليس كإلهام غيرهم؛ لأنهم معصومون بخلاف غيرهم. قال في مراقي السعود في كتاب الاستدلال٣:
وينبذالإلهام بالعراء
أعني به إلهام الأولياء
وقد رآه بعض من تصوفا
وعصمة النبي توجب اقتفاء
وبالجملة: فلا يخفى على من له إلمام بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه، وما يتقرب إليه به من فعل وترك إلا عن طريق الوحي. فمن ادعى أنه غني في الوصول إلى ما يرضي ربه عن الرسل، وما جاؤوا به ولو في مسألة واحدة، فلا شك في زندقته. والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا تحصى، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ٤، ولم يقل حتى نلقي في القلوب إلهاماً. وقال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٥، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا
стр. 363
أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِك﴾ الآية١. والآيات والأحاديث بمثل هذا كثيرة جداً ... وبذلك تعلم أن ما يدعيه كثير من الجهلة المدعين للتصوف من أن لهم ولأشياخهم طريقاً باطنة توافق الحق عند الله، ولو كانت مخالفة لظاهر الشرع، كمخالفة ما فعله الخضر لظاهر العلم الذي عند موسى –زندقة وذريعة إلى الانحلال بالكلية من دين الإسلام بدعوى أن الحق في أمور باطنة تخالف ظاهره"٢.
وهكذا يتضح موقف الشيخ الأمين ﵀ من هذه المسألة الخطيرة؛ حيث حشد الأدلة الكثيرة الدالة على نبوة الخضر ﵇، وتعقب ما أثاره المتصوفة من الضلالات والانحرافات بالهدم وبين بالحجة تهافت أدلتهم، وما استغلوه من الحكايات والروايات الضعيفة والموضوعة في إثبات حجتهم المفضية إلى التزندق والخروج من ملة الإسلام.
فمشاركة الشيخ الأمين ﵀ لعلماء الأمة مشاركة بارزة، تدل على رسوخ موقفه في الذود عن حياض العقيدة الصافية، وهكذا كان رأي العلماء المخلصين؛ منهم الحافظ ابن حجر٣ ﵀ الذي قال: "وكان بعض أكابر العلماء يقول: أول عقدة تحل من الزنادقة٤ اعتقاد كون الخضر نبياً؛
стр. 364
لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي، إلا أن الولي أفضل من النبي، كما قال قائلهم:
مقام النبوة في برزخ
فويق الرسول ودون الولي "١.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلمة تتعلق بمسألتنا هذه، قال فيها ﵀: "فلفظ الشرع والشريعة إذا أريد به الكتاب والسنة لم يكن لأحد من أولياء الله ولا لغيرهم أن يخرج عنه، ومن ظن أن لأحد من أولياء الله طريقاً إلى الله غير متابعة محمد ﷺ باطناً وظاهراً، فلم يتابعه باطناً وظاهراً فهو كافر. ومن احتج في ذلك بقصة موسى مع الخضر كان غالطاً من وجهين، أحدهما: أن موسى لم يكن مبعوثاً إلى الخضر، ولا كان على الخضر اتباعه، فإن موسى كان مبعوثاً إلى بني إسرائيل، وأما محمد ﷺ فرسالته عامة لجميع الثقلين، الجن والأنس، ولو أدركه من هو أفضل من الخضر كإبراهيم وموسى وعيسى، وجب عليهم اتباعه، فكيف بالخضر سواء كان نبياً أو ولياً. ولهذا قال الخضر لموسى: "أنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه"٢، وليس لأحد من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد ﷺ أن يقول مثل هذا.
الثاني: أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفاً لشريعة موسى ﵇، وموسى لم يكن علم الأسباب التي تبيح ذلك، فلما بينها له وافقه على ذلك"٣.
стр. 365
وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي ﵀: "وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر ﵇ في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني الذي يدعيه بعض من عدم التوفيق فهو ملحد زنديق؛ فإن موسى ﵇ لم يكن مبعوثاً إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأموراً بمتابعته، ولهذا قال له: أنت موسى نبي بني إسرائيل؟ قال: نعم. ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين، ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من أتباعه، وإذا نزل عيسى ﵇ إلى الأرض إنما يحكم بشريعة محمد. فمن ادعى أنه مع محمد ﷺ كالخضر مع موسى، أو جوز ذلك لأحد من الأمة فليجدد إسلامه، وليشهد شهادة الحق؛ فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلاً عن أن يكون من أولياء الله، وإنما هو من أولياء الشيطان. وهذا الموضوع مفرق بين زنادقة القوم وأهل الاستقامة"١.
وبهذا يتبين دقة فهم الشيخ الأمين ﵀ لعقيدة السلف –﵏؛ إذ من قرأ كلماته، وقرأ كلام السلف ﵏ أدرك مدى التوافق والتطابق بين منهج الشيخ ﵀ ومنهجهم، وهذا يدل على أنهم يردون مورداً واحداً، ويصدرون عن المورد نفسه.
стр. 366
المطلب الثاني: هل الخضر حيّ أم ميت ؟
تعرض الشيخ الأمين ﵀ لهذه المسألة، وأطال فيها النفس جداً، وأكثر من الكلام فيها١؛ فذكر اختلاف العلماء في وفاته، ثم سرد أدلة من قال بأنه حيّ، وناقش أدلتهم، ورد عليها، ورجح ﵀ وفاته بعدة براهين وحجج قوية؛ فقال ﵀: "اعلم أن العلماء اختلفوا في الخضر: هل هو حي إلى الآن، أو هو غير حي، بل ممن مات فيما مضى من الزمان؟ فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه حيّ، وأنه شرب من عين تسمى عين الحياة. وممن نصر القول بحياته: القرطبي، في تفسيره٢، والنووي في شرح مسلم٣وغيره، وابن الصلاح٤، والنقاش٥، وغيرهم. قال ابن عطية: وأطنب النقاش في هذا المعنى؛ يعني حياة الخضر وبقاءه إلى يوم القيامة، وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب وغيره، وكلها لا تقوم على ساق. انتهى بواسطة نقل القرطبي في تفسيره٦"٧.
стр. 367
ثم ذكر الشيخ الأمين ﵀ أن أقوى ما يستند عليه من قال بحياته، ما ذكره ابن عبد البر في التمهيد عن علي ﵁، قال: "لما توفي النبي ﷺ وسجي بثوب، هتف هاتف..إلخ"١، فذكر الحديث في تعزية الصحابة بالنبي ﷺ , فكانوا يرون أنه الخضر عليه السلام٢.
وقد رد الشيخ ﵀ هذا الأثر من وجهين؛ فقال: " الأول: أنه لم يثبت ذلك بسند صحيح؛ قال ابن كثير في تفسيره: وحكى النووي وغيره في بقاء الخضر إلى الآن، ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات عن السلف وغيرهم. وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك. وأشهرها حديث التعزية، وإسناده ضعيف. ا.?٣.
الثاني: أنه على فرض أن حديث التعزية صحيح، لا يلزم من ذلك عقلاً ولا شرعاً ولا عرفاً، أن يكون ذلك المعزي هو الخضر، بل يجوز أن يكون غير الخضر من مؤمني الجن؛ لأن الجن هم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ ٤. ودعوى أن ذلك المعزي هو الخضر تحكم بلا دليل. وقولهم: كانوا يرون أنه الخضر- ليس حجة يجب الرجوع إليها؛ لاحتمال أن يخطئوا في ظنهم، ولا يدل ذلك على إجماع شرعي معصوم، ولا متمسك لهم في دعواهم أنه الخضر كما ترى"٥.
ثم رجح ﵀ موت الخضر ﵇ مؤيداً ذلك بعدة أدلة؛
стр. 368
فقال ﵀: "الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسالة أن الخضر ليس بحيّ، بل توفي، وذلك لعدة أدلة:
الأول: ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ١؛ فقوله: ﴿لِبَشَرٍ﴾ نكرة في سياق النفي، فهي تعم كل البشر، فيلزم من ذلك نفي الخلد عن كل بشر من قبله، والخضر بشر من قبله، فلو كان شرب من عين الحياة وصار خالداً إلى يوم القيامة لكان الله قد جعل لذلك البشر الذي هو الخضر من قبله الخلد.
الثاني: قوله ﷺ : "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" ٢.. أي: لا تقع عبادة لك في الأرض. فاعلم أن ذلك النفي يشمل بعمومه وجود الخضر حياً في الأرض؛ لأنه على تقدير وجوده حياً في الأرض فإن الله يعبد في الأرض، ولو على فرض هلاك تلك العصابة من أهل الإسلام؛ لأن الخضر ما دام حياً فهو يعبد الله في الأرض ...
الثالث: إخباره ﷺ بأنه على رأس مائة سنة من الليلة التي تكلم فيها بالحديث لم يبق على وجه الأرض أحد ممن هو عليها تلك الليلة. فلو كان الخضر حياً في الأرض لما تأخر بعد المائة المذكورة"٣.
ثم ساق الشيخ الأمين ﵀ عدة روايات لهذا الحديث؛ منها ما رواه ابن عمر: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لايبقى ممن هو على ظهرها أحد" ٤، ومنها ما رواه أبو سعيد الخدري: "لا تأتي مائة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم" ٥.
стр. 369
ثم ذكر ﵀ المرجح الرابع والأخير الدال على وفاة الخضر ﵇ وعدم بقائه، فقال:
"الرابع: أن الخضر لو كان حياً إلى زمن النبي ﷺ لكان من أتباعه، ولنصره وقاتل معه؛ لأنه مبعوث إلى جميع الثقلين الإنس والجن. والآيات الدالة على عموم رسالته كثيرة جداً؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ٣. ويوضح هذا أنه تعالى بين في سورة آل عمران أنه أخذ على جميع النبيين الميثاق المؤكد أنهم إن جاءهم نبينا ﷺ مصدقاً لما معهم أن يؤمنوا به وينصروه، وذلك في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٤. وهذه الآية الكريمة على القول بأن المراد بالرسول فيها نبينا ﷺ , كما قال ابن عباس وغيره فالأمر واضح على أنها عامة، فهو ﷺ يدخل في عمومها دخولاً أولياً. فلو كان الخضر حياً في زمنه لجاءه ونصره وقاتل تحت رايته. ومما يوضح أنه لايدركه نبيّ
стр. 370
إلا اتبعه ما رواه الإمام أحمد، وابن أبي شيبة١، والبزار٢من حديث جابر ﵁ أن عمر ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه، فغضب وقال: " لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني "٣ا.?. قال ابن حجر في الفتح: "ورجاله موثقون، إلا أن في مجالد ضعفاً٤"٥.
وقد أورد الشيخ الأمين ﵀ كلاماً للقرطبي في إسقاط ونقض أدلة من قال بوفاة الخضر، ونصر القول بحياته، وذكر وجهة نظره وناقشها مناقشة دقيقة أجاب فيها على إشكالاته، ورد عليه فيها؛ فقال ﵀: "واعلم أن جماعة من أهل العلم ناقشوا الأدلة التي ذكرنا أنها تدل على وفاته فزعموا أنه لا يشمله عموم: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ ٦، ولا عموم حديث: " أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مائة سنة لم يبق على ظاهر الأرض أحد ممن هو عليها اليوم "٧كما تقدم"٨.
стр. 371
ثم ذكر ﵀ دعوى القرطبي ومناقشته لأدلة من قال بوفاته بنصها: "قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره، ﵀: ولا حجة لمن استدل به؛ يعني الحديث المذكور على بطلان قول من يقول: إن الخضر حيّ لعموم قوله: "ما من نفس منفوسة.." ١؛ لأن العموم وإن كان مؤكد الاستغراق ليس نصاً فيه، بل هو قابل للتخصيص، فكما لم يتناول عيسى ﵇ فإنه لم يمت ولم يقتل، بل هو حي بنص القرآن ومعناه، ولا يتناول الدجال مع أنه حيّ بدليل حديث الجساسة٢، فكذلك لم يتناول الخضر ﵇، وليس مشاهداً للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضاً، فمثل هذا العموم لا يتناوله. وقيل: إن أصحاب الكهف أحياء ويحجون مع عيسى ﵇ كما تقدم. وكذلك فتى موسى في قول ابن عباس كما ذكرنا. ا.? منه٣"٤.
ثم أجاب ﵀ عن هذه الإشكالات وتتبعها، ووصفها بالسقوط، فقال: "كلام القرطبي هذا ظاهر السقوط كما لا يخفى على من له إلمام بعلوم الشرع، فإنه اعترف بأن حديث النبي ﷺ عام في كل نفس منفوسة عموماً مؤكداً؛ لأن زيادة (من) قبل النكرة في سياق النفي تجعلها نصاً صريحاً في العموم لا ظاهراً فيه كما هو مقرر في الأصول ... ولو فرضنا صحة ما قاله القرطبي -رحمه الله تعالى- من أن ظاهر العموم لانص فيه، وقررنا أنه قابل للتخصيص كما هو الحق في كل عام، فإن العلماء يجمعون على وجوب استصحاب عموم العام حتى يرد دليل مخصص صالح للتخصيص سنداً ومتناً. فالدعوى المجردة عن دليل
стр. 372
من كتاب أو سنة لا يجوز أن يخصص بها نص من كتاب أو سنة إجماعاً. وقوله: "إن عيسى لم يتناوله عموم الحديث" فيه أن لفظ الحديث من أصله لم يتناول عيسى؛ لأن النبي ﷺ , قال فيه: "لم يبق على ظهر الأرض، ممن هو بها اليوم أحد "١فخصص ذلك بظهر الأرض، فلم يتناول اللفظ من في السماء، وعيسى قد رفعه الله من الأرض كما صرح بذلك في قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ٢، وهذا واضح كما ترى، ودعوى حياة أصحاب الكهف، وفتى موسى ظاهرة السقوط، ولو فرضنا حياتهم، فإن الحديث يدل على موتهم عند المائة كما تقدم، ولم يثبت شيء يعارضه. وقوله: "إن الخضر ليس مشاهداً للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضاً"، يقال فيه: إن الاعتراض يتوجه عليه من جهتين:
الأولى: أن دعوى كون الخضر محجوباً عن أعين الناس كالجن والملائكة دعوى لا دليل عليها، والأصل خلافها؛ لأن الأصل أن بني آدم يري بعضهم بعضاً لاتفاقهم في الصفات النفسية ومشابهتهم فيما بينهم.
الثانية: أنا لو فرضنا أنه لايراه بنو آدم، فالله الذي أعلم النبي بالغيب الذي هو: "هلاك كل نفس منفوسة في تلك المائة" عالم بالخضر، وبأنه نفس منفوسة. ولو سلمنا جدلاً أنه فرد نادر لا تراه العيون، وأن مثله لم يقصد بالشمول في العموم؛ فأصح القولين عند علماء الأصول شمول العام والمطلق للفرد النادر والفرد الغير مقصود، خلافاً لمن زعم أن الفرد النادر وغير المقصود لا يشملهما العام ولا المطلق"٣.
стр. 373
ثم ذكر ﵀ أقوال الأصوليين تأييداً لما ذهب إليه، ثم قال: "وما ذكره القرطبي في خروج الدجال من تلك العمومات –بدليل حديث الجساسة- لا دليل فيه؛ لأن الدجال أخرجه دليل صالح للتخصيص، وهو الحديث الذي أشار له القرطبي، وهو حديث ثابت في الصحيح من حديث فاطمة بنت قيس، ﵂: سمعت النبي ﷺ يقول: إنه حدثه تميم الداري١، وأنه أعجبه حديث تميم المذكور؛ لأنه وافق ما كان يحدث به أصحابه من خبر الدجال.."٢. ثم ساق ﵀ الحديث بطوله٣.
وقد عقب على ذلك بقوله: "فهذا نص صحيح صريح في أن الدجال حيّ موجود في تلك الجزيرة البحرية المذكورة في حديث تميم الداري المذكور، وأنه باق، وهو حيّ حتى يخرج في آخر الزمان. وهذا نص صالح للتخصيص يخرج الدجال من عموم حديث موت كل نفس في تلك المائة. والقاعدة المقررة في الأصول أن العموم يجب إبقاؤه على عمومه؛ فما أخرجه نص مخصص خرج من العموم وبقي العام حجة في بقية الأفراد التي لم يدل على إخراجها دليل ... وهو الحق ومذهب الجمهور. وغالب ما في الكتاب والسنة من العمومات يخرج منها بعض الأفراد بنص مخصص، ويبقى العام حجة في الباقي"٤.
ثم ختم الشيخ ﵀ في هذا المبحث بقوله: "وبهذا يتبين أن
стр. 374
النصوص الدالة على موت كل إنسان على وجه الأرض في ظرف تلك المائة، ونفي الخلد عن كل بشر تتناول بظواهرها الخضر ولم يخرج منها نص صالح للتخصيص كما رأيت. والعلم عند الله"١.
وبذلك أشبع الشيخ الأمين ﵀ هذه المسألة بحثاً وتحقيقاً وأماط اللثام عن جوانبها، وأسقط ﵀ ما ذهب إليه القرطبي وغيره من القول بحياة الخضر ﵇، وناقشه مناقشة جيدة.
ويجدر بنا أن نورد بعض أقوال الأئمة الذين حققوا وفاته ﵇، ولم يتقبلوا القصص والروايات التي تشير إلى حياته وبقائه في هذه الدنيا:
فمنهم العلامة أبو الخطاب بن دحية٢الذي قال: ".. ولاثبت اجتماع الخضر مع أحد من الأنبياء إلا مع موسى، كما قص الله تعالى من خبرهما. وجميع ما ورد في حياته لا يصح منها شيء باتفاق أهل النقل، وإنما يذكر ذلك من يروي الخبر ولا يذكر علته؛ إما لكونه لا يعرفها، وإما لوضوحها عند أهل الحديث. وأما ما جاء عن المشايخ فهو مما يتعجب منه، كيف يجوز لعاقل أن يلقى شخصاً لا يعرفه، فيقول له: أنا فلان، فيصدقه. وأما حديث التعزية الذي ذكره أبو عمر: فهو موضوع"٣.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الخضر وإلياس، وهل هما معمران؟ فأجاب: "إنهما ليسا في الأحياء، ولا معمران. وقد سأل إبراهيم الحربي٤أحمد بن حنبل عن تعمير الخضر وإلياس، وأنهما باقيان
стр. 375
يُريان، ويروى عنهما فقال الإمام أحمد: من أحال على غائب لم ينصف منه، وما ألقى هذا إلا الشيطان وسئل البخاري عن الخضر وإلياس: هل هما في الأحياء؟ فقال: كيف يكون هذا، وقد قال النبي ﷺ : "لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على وجه الأرض أحد "١، وقال أبو الفرج ابن الجوزي٢: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ ٣، وليس هما في الأحياء. والله أعلم"٤.
وقال الحافظ ابن حجر، ﵀: "وأقوى الأدلة على عدم بقائه عدم مجيئه إلى رسول الله، ﷺ , وانفراده بالتعمير من بين أهل الأعصار المتقدمة بغير دليل شرعي"٥.
وبهذا يتضح لنا صحة ما ذهب إليه الشيخ الأمين ﵀، ويتبين أن قوله هو القول الذي ذهب إليه أهل التحقيق من أهل العلم، وأن قول من قال ببقاء الخضر حياً وخلوده قول متهافت لا دليل عليه. والله أعلم.
стр. 376
المبحث الثالث: الإيمان بنبوة نبينا محمد ﷺ
لمطلب الأول: عموم رسالته ﷺ
...
المبحث الثالث: الإيمان بنبوة نبينا محمد ﷺ
تمهيد:
الإيمان بنبوته ﷺ أصل عظيم من أصول الإيمان فلا يحصل الإيمان إلا بطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، واحترامه، والاعتقاد بأنه رسول الله إلى الناس كافة، وأنه أفضل الأنبياء وخاتمهم، وأنه خليل الرحمن، وصاحب الشفاعة العظمى والمقام المحمود والحوض المورود، وأن طاعته من طاعة الله، ومحبته من محبة الله، وأنه مقدم على النفس والأهل والولد؛ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٢.
يقول الشيخ الأمين ﵀: "إن جميع حسنات هذه الأمة في صحيفة النبي ﷺ , فله مثل أجور جميعهم؛ لأنه صلوات الله عليه وسلامه هو الذي سن لهم السنن الحسنة جميعها في الإسلام، نرجو الله له الدرجة الرفيعة، وأن يصلي ويسلم عليه أتم صلاة وأزكى سلام"٣.
وقد اهتم ﵀ ببيان هذا الأصل العظيم في مواضع من مؤلفاته فأشار إلى عموم رسالته، ومحبته واحترامه، وأشار إلى حياته البرزخية، وذكر شيئاً من معجزاته العظيمة.
стр. 377
المطلب الأول: عموم رسالته ﷺ
نبينا محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبي بعده؛ لذلك فرسالته عالمية للإنس والجن، والأبيض والأسود، والعربي والعجمي.
وقد أكد الشيخ الأمين ﵀ عموم رسالته ﷺ وساق الأدلة على ذلك من الكتاب الكريم؛ فقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ١: "صرح في هذه الآية الكريمة بأنه ﷺ منذر لكل من بلغه هذا القرآن العظيم كائناً من كان. ويفهم من الآية أن الإنذار به عام لكل من بلغه، وأن كل من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار وهو كذلك، وأما عموم إنذاره لكل من بلغه فقد دلت عليه آيات أخر أيضاً، كقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ٣، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ ٤. وأما دخول من لم يؤمن به النار: فقد صرح به تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ ٥. وأما من لم تبلغه دعوة الرسول ﷺ فله حكم أهل الفترة الذين لم يأتهم رسول. والله أعلم"٦.
стр. 378
المطلب الثاني: احترام الرسول ﷺ
بيّن الشيخ الأمين ﵀ أن المسلم مطالب باحترام رسول الله ﷺ , والتأدب معه في المخاطبة بأن لا يرفع الصوت فوق صوته ﵊. وبما أنه ﷺ قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، فقد نبه ﵀ إلى أن حرمته في الممات كحرمته في الحياة؛ فلا ترفع الأصوات عند السلام عليه عند قبره؛ إذ هذا من المنكرات التي ينبغي إزالتها.
قال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ١: "وهذه الآية الكريمة علم الله فيها المؤمنين أن يعظموا النبي ﷺ ويحترموه ويوقروه فنهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض؛ أي ينادون باسمه يا محمد، يا أحمد، كما ينادي بعضهم بعضاً. وإنما أمروا أن يخاطبوه خطاباً يليق بمقامه ليس كخطاب بعضهم لبعض؛ كأن يقولوا: يا نبي الله، أو يا رسول الله، ونحو ذلك"٢.
ثم أكد ﵀ أن هذا الخلق من علامات كمال التقوى، ومن تمسك به فله الأجر الجزيل من الله؛ فقال: "وقد بين تعالى أن توقيره واحترامه ﷺ بغضّ الصوت عنده، لا يكون إلا من الذين امتحن
стр. 379
الله قلوبهم للتقوى؛ أي أخلصها لها، وأن لهم بذلك عند الله المغفرة والأجر العظيم، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ١"٢.
وأنكر ﵀ ما يحصل عند قبر النبي ﷺ من رفع الأصوات وعدم السكينة، مبيناً أن احترام رسول الله ﷺ وخفض الأصوات عند السلام عليه يكون في حياته وبعد مماته؛ فقال ﵀: "ومعلوم أن حرمة النبي ﷺ بعد وفاته كحرمته في أيام حياته، وبه تعلم أن ماجرت به العادة اليوم من اجتماع الناس عند قبره ﷺ وهم في صخب ولغط، وأصواتهم مرتفعة ارتفاعاً مزعجاً كله لا يجوز، ولا يليق، وإقرارهم عليه من المنكر٣. وقد شدد عمر ﵁ النكير على رجلين رفعا أصواتهما في مسجده ﷺ , وقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً٤"٥.
وأنكر الشيخ الأمين ﵀ أيضاً على من يضع يده اليمنى على اليسرى حال السلام عليه ﷺ , فقال ﵀: "فلا ينبغي للمُسَلِّم عليه ﷺ أن يضع يده اليمنى على اليسرى كهيئة المصلي؛ لأن هيئة الصلاة داخلة في جملتها، فينبغي أن تكون خالصة
стр. 380
لله، كما كان ﷺ هو وأصحابه يخلصون العبادات وهيئتها لله وحده"١.
فالشيخ ﵀ يحذر المسلمين من هذه المنكرات التي تحدث عند قبره ﷺ , ويدعوهم إلى احترامه ﷺ كما كان يفعل الرعيل الأول رضوان الله عليهم؛ إذ كانوا من أشد الناس موافقة له ﵇، ومن أبعد الناس عن مخالفته أو ابتداع ما ليس من دين الله.
стр. 381
المطلب الثالث: تعظيم الرسول ﷺ
اهتم الشيخ الأمين ﵀ ببيان خطورة الغلو في مدح الرسول ﷺ وتعظيمه، وخلع بعض صفات الألوهية أو الربوبية عليه. وقد وصف فاعل ذلك بأنه من أعداء الله ورسوله، ومن الكاذبين في ادعائهم محبة رسول الله ﷺ .
وبالمقابل نهى عن الاستخفاف برسول الله والاستهزاء به وترك تعظيمه بما هو أهله. وبين أن ذلك كفر مخرج من الملة؛ إذ كلا الطرفين ذميم.
وقد أكد الشيخ ﵀ أن الواجب في حقه احترامه ﵇ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ووصفه بما يليق به لكونه بشر اختصه الله تعالى بالرسالة؛ فقال ﵀: "اعلم أن عدم احترام النبي ﷺ المشعر بالغض منه أو تنقصه ﷺ والاستخفاف به أو الاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله. وقد قال تعالى في الذين استهزءّوا بالنبي ﷺ , وسخروا منه في غزوة تبوك لما ضلت راحلته: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١"٢.
ثم أشار ﵀ إلى الطرف الآخر؛ وهو الغلو فيه صلوات الله وسلامه عليه، فقال: "واعلم أن كل عاقل إذا رأى رجلاً متديناً في زعمه،
стр. 382
مدعياً حب النبي ﷺ وتعظيمه وهو يعظم النبي ﷺ ويمدحه بأنه هو الذي خلق السموات والأرض، وأنزل الماء من السماء، وأنبت به الحدائق ذات البهجة. وأنه ﷺ , هو الذي جعل الأرض قراراً، وجعل خلالها أنهاراً، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزاً ... فإن ذلك العاقل لايشك في أن ذلك المادح المعظم في زعمه من أعداء الله ورسوله، المتعدين لحدود الله"١.
وقد سئل ﵀: هل العالم كله مخلوق ومرزوق من بركة النبي ﷺ ؟ فأجاب بأن الحكم التي خلق من أجلها العالم ورزق، كلها إلهية ربانية، لا نبوية. ثم ساق البراهين والأدلة من القرآن الكريم، والتي تنص على أن الله خلق الخلق لعبادته ... إلى أن قال ﵀ في آخر الجواب: "وعلى كل حال فسيدنا وسيد الخلائق كلها محمد ﷺ أعطاه الله جل وعلا من التشريف والتعظيم والتكريم وعلو الشأن في العالم العلوي والسفلي مما هو ثابت في كتاب الله والسنة الصحيحة ما هو في أشد الغنى عن ادعاء تعظيمه بأمور لا أساس لها، ولا مستند لها البتة، ولم يقل ﷺ حرفاً منها. فعلى المسلم أن يتثبت ويتحفظ، وألا يقول على نبينا ﷺ شيئاً إلا بعد ثبوت صحته؛ لأنه ﷺ روى عنه سبعون من أصحابه، أنه قال: "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" ٢. وعلى كل حال، فمن المعلوم الواضح أنه لا ينبغي لأحد أن يقول: إن فرعون، وهامان، وقارون، وعاقر ناقة صالح، وأبا جهل، وأمية بن خلف، ونحوهم من أئمة الكفر خلقوا من بركة سيدنا محمد، ﷺ , وكذلك
стр. 383
سائر المشركين والكفار؛ لأنه ﷺ خير كله، ولا ينشأ عنه إلا خير محض، كما لا يخفى"١.
ثم أرشد ﵀ إلى الواجب على المسلم من معرفة حق الله وحق رسوله ﷺ , ومن المحبة الصادقة والتعظيم المطلوب من العباد لرسول الله ﷺ ؛ فقال: "فعلينا معاشر المسلمين أن ننتبه من نومة الجهل، وأن نعظم ربنا بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وإخلاص العبادة له، وتعظيم نبينا محمد ﷺ باتباعه والاقتداء به في تعظيم الله والإخلاص له، والاقتداء به في كل ما جاء به. وألا نخالفه ﷺ ولا نعصيه، وألا نفعل شيئاً يشعر بعدم التعظيم والاحترام؛ كرفع الأصوات قرب قبره ﷺ . وقصدنا النصيحة والشفقة لإخواننا المسلمين ليعملوا بكتاب الله، ويعظموا نبيه ﷺ التعظيم الموافق لما جاء به ﷺ , ويتركوا ما يسميه الجهلة محبة وتعظيماً، وهو في الحقيقة احتقار وازدراء وانتهاك لحرمات الله ورسوله ﷺ . ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ "٢ ٣.
وقد أوضح ﵀ أن المحبة الصحيحة لرسول الله ﷺ هي التي تبعث على الاقتداء بهديه، والاتباع لسنته، وترك ما يخالف سبيله ﵇، فقال ﵀: "إن علامة المحبة الصادقة لله
стр. 384
ورسوله ﷺ هي اتباعه ﷺ . فالذي يخالف ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر؛ إذ لو كان محباً له لأطاعه. ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة، ومنه قول الشاعر:
لو كان حبك صادقاً لأطعته
إن المحبّ لمن يحب مطيع "١.
فالشيخ الأمين ﵀ يرشد إخوانه المسلمين إلى عدم الإفراط أو التفريط في تعظيم الرسول ﷺ , فلا يعطى صفات الألوهية، ولا ينقص قدره وحقه من الاحترام والمحبة التي من أبرز علاماتها الاتباع لشرعه وترسم خطاه، والسير على هديه ﵊.
стр. 385
المطلب الرابع: حياة نبينا محمد ﷺ في البرزخ
أوضح الشيخ الأمين ﵀ ما يتعلق بحياة نبينا ﷺ , مبيناً أنه وسائر الأنبياء أحياء عند ربهم حياة برزخية هي أكمل وأعلى من حياة الشهداء الذين قال الله فيهم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ١، وقال نبيه ﷺ مخبراً أنه يموت كما يموت البشر: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ٢.
فحياته ﷺ في قبره حياة أكمل من حياة الشهداء، لكنها ليست كحياته على وجه الأرض، فهي حياة برزخية لا تزيل عنه اسم الموت، وهي غير معلومة لنا.
قال الشيخ الأمين ﵀، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ الآية٣: "هذه الآية تدل بظاهرها علىأن الشهداء أحياء غيرأموات، وقد قال في آية أخرى لمن هو أفضل من كل الشهداء؛ ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٤. والجواب عن هذا: أن الشهداء يموتون الموتة الدنيوية، فتورث أموالهم، وتنكح نساؤهم بإجماع المسلمين. وهذه الموتة هي التي أخبر الله نبيه أنه يموتها، ﷺ . وقد ثبت في الصحيح عن صاحبه الصديق _
стр. 386
رضي الله عنه _ أنه قال، لما توفي ﷺ : "بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين؛ أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها. وقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات"١، واستدل على ذلك بالقرآن، ورجع إليه جميع أصحاب النبي ﷺ . وأما الحياة التي أثبتها الله للشهداء في القرآن، وحياته ﷺ التي ثبتت في الحديث أنه يرد بها السلام على من سلم عليه٢؛ فكلتاهما حياة برزخية ليست معقولة لأهل الدنيا؛ أما في الشهداء فقد نص تعالى على ذلك بقوله: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٣، وقد فسرها النبي ﷺ بأنهم تجعل أرواحهم في حواصل طيور خضر ترتع في الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فهم يتنعمون بذلك٤وأما ما ثبت عنه ﷺ من أنه لا يسلم عليه أحد إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇، وأن الله وَكَّلَ ملائكة يبلغون سلام أمته٥؛ فإن تلك الحياة أيضاً لايعقل حقيقتها أهل الدنيا؛ لأنها ثابتة له ﷺ , مع أن روحه الكريمة في أعلى عليين مع الرفيق الأعلى فوق أرواح الشهداء، فتعلق هذه الروح الطاهرة التي هي في أعلى عليين بهذا البدن الشريف الذي لا تأكله الأرض يعلم الله حقيقتها ولا يعلمها الخلق، كما قال في جنس ذلك: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٦"٧.
стр. 387
ثم فند بالأدلة والبراهين القوية ما قد يتوهم من أن حياته ﷺ في قبره كحياته في الدنيا، فقال ﵀: "ولو كانت كالحياة التي يعرفها أهل الدنيا لما قال الصديق ﵁: إنه ﷺ مات، ولما جاز دفنه ولانصب خليفة غيره، ولا قتل عثمان، ولا اختلف أصحابه، ولاجرى على عائشة ما جرى، وليسألوه عن الأحكام التي اختلفوا فيها بعده؛ كالعول، وميراث الجد والإخوة، ونحو ذلك. وإذا صرح القرآن بأن الشهداء أحياء في قوله تعالى: ﴿بل أحياء﴾ ، وصرح القرآن بأن هذه الحياة لا يعرف حقيقتها أهل الدنيا بقوله: ﴿ولكن لا تشعرون﴾ ، وكان النبي ﷺ أثبت حياته في القبر بحيث يسمع السلام ويرده، وأصحابه الذين دفنوه ﷺ لا تشعر حواسهم بتلك الحياة: عرفنا أنها حياة لا يعقلها أهل الدنيا أيضاً، ومما يقرب هذا للذهن حياة النائم؛ فإنه يخالف الحي في جميع التصرفات، مع أنه يدرك الرؤيا ويعقل المعاني. والله أعلم"١.
ثم استشهد ﵀ بكلام ابن القيم، فقال: "قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتاب الروح، ما نصه: ومعلوم بالضرورة أن جسده ﷺ في الأرض طري مطرى، وقد سأله الصحابة: "كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ " فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء "٢. ولو لم يكن جسده في ضريحه لما أجاب بهذا الجواب. وقد صح عنه أنه خرج بين أبي بكر وعمر، وقال: " هكذا نبعث "٣، هذا مع القطع بأن روحه الكريمة في الرفيق الأعلى في أعلى
стр. 388
عليين مع أرواح الأنبياء. وقد صح عنه أنه رأى موسى يصلي في قبره ليلة الإسراء، ورآه في السماء السادسة أو السابعة١؛ فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن في القبر وإشراف عليه وتعلق به بحيث يصلي في قبره، ويرد سلام من يسلم عليه، وهي في الرفيق الأعلى، ولا تنافي بين الأمرين؛ فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان"٢.
ثم عقب ﵀ بقوله: "وهو يدل على أن الحياة المذكورة غير معلومة الحقيقة لأهل الدنيا، قال تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٣. والعلم عند الله"٤.
стр. 389
المبحث الرابع: معجزات الأنبياء
المطلب الأول: من معجزات رسولنا محمد ﷺ
...
المبحث الرابع: معجزات الأنبياء
تمهيد:
المعجزة، كما عرفها الإمام السفاريني ﵀، هي: "ما خرق العادة من قول أو فعل، إذا وافق دعوى الرسالة وقارنها وطابقها على جهة التحدي ابتداء، بحيث لايقدر أحد عليها ولا على مثلها ولا على ما يقاربها"١.
فالله أيد أنبياءه بالآيات الدالة على صدقهم فيما جاءُوا به من عند ربهم.
يقول الشيخ الأمين ﵀: "وما أرسل الله من رسول إلا مصحوباً بالمعجزات التي تصدقه وتؤيده. وقد بين ذلك الصادق المصدوق بقوله، ﷺ : "ما من الأنبياء من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحى الله به إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً "٢، وهو صريح أنه ما أرسل الله رسولاً إلا أيده بما يدل على صدقه، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ٤. والآيات في ذلك كثيرة
стр. 390
جداً"١.
وقال ﵀ في موضع آخر: "إن من آياته التي يريها بعض خلقه: معجزات رسله؛ لأن المعجزات آيات؛ أي دلالات وعلامات على صدق الرسل، كما قال تعالى في فرعون: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ ٢. وبين في موضع آخر أن من آياته التي يريها خلقه: عقوبته المكذبين رسله؛ كما قال تعالى في قصة إهلاكه قوم لوط: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٣وقال في عقوبته فرعون وقومه بالطوفان والجراد والقمل ... إلخ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ ٤"٥.
وسوف أذكر بعض معجزات الأنبياء ﵈، التي تطرق إلى ذكرها الشيخ الأمين ﵀ بادئاً بمعجزات نبينا ﵇.