← Акыда

Акыда · id 11991

جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف

عبد العزيز بن صالح بن إبراهيم الطويان

Полный текст (590 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وتفسير الورود اختلف فيه الصحابة، ومن بعدهم من العلماء١. والشيخ الأمين ﵀ حين يرجح أنّ الورود بمعنى الدخول لم يأت بشيء مبتدع، بل قاله غيره من علماء التفسير؛ أمثال القرطبي٢ ﵀، وغيره. بل قد قال الألوسي: "ذهب إلى ذلك جمع كثير من سلف المفسرين وأهل السنة"٣. وبالمقابل رجح بعض العلماء أنّ الورود: هو المرور على الصراط؛ ومن هؤلاء ابن أبي العز الحنفي ﵀، الذي قال: "اختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ ٤ ماهو؟ والأظهر الأقوى أنه المرور على الصراط"٥. وكذلك الحافظ ابن رجب ﵀ الذي قال: "ومما يستدلّ به على أنّ الورود ليس هو الدخول: ما خرجه مسلم من حديث جابر قال: أخبرتني أم بشر أنها سمعت النبيّ ﷺ يقول عند حفصة: " لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها". قالت: بلى يا رسول الله. فانتهرها. فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ ٦ فقال النبيّ ﷺ : "قد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ ٧"٨ ٩.

стр. 457

وكذلك الإمام الشوكاني١ ﵀ قال: "وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود وحمله على ظاهره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٢.... ولا يخفى أنّ القول بأنّ الورود هو المرور على الصراط، أو الورود على جهنم وهي خامدة: فيه جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة، فينبغي حمل هذه الآيات على ذلك"٣. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما الورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ ٤: فقد فسره النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح: رواه مسلم في صحيحه عن جابر: بأنه المرور على الصراط٥. والصراط هو الجسر، فلا بد من المرور عليه لكلّ من يدخل الجنة؛ من كان صغيراً في الدنيا، ومن لم يكن"٦.

стр. 458

المبحث السادس: الجنة المطلب الأول: نعيم الجنة ... المبحث السادس: الجنة الجنة لغة: عرفها الشيخ ﵀ بقوله: والجنة في لغة العرب: البستان. ومنه قول زهير بن أبي سلمى: كأنّ عيني في غربي مقلة من النواضح تسقي جنة سحقا فقوله: جنة سحقا؛ يعني: بستانا طويل النخل. وفي اصطلاح الشرع: هي دار الكرامة التي أعدّ الله لأوليائه يوم القيامة١، وفيها نهر يطرد، وغرفة عالية، وشجرة مثمرة، وزوجة حسناء. بل فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذّ الأعين؛ مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر٢؛ قال رسول الله ﷺ : " يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بش ر"٣.

стр. 459

المطلب الأول: نعيم الجنة أشار الشيخ الأمين ﵀ إلى نعيم الجنة، وصوره وذكر أنّ هذا النعيم باق لايفنى ولاينفذ. وذكر كثيراً من الآيات التي تتحدث عن أوصاف هذا النعيم المقيم؛ فقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ ١: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنّ المتقين يدخلون يوم القيامة جنات عدن. والعدن في لغة العرب: الإقامة؛ فمعنى جنات عدن: جنات إقامة في النعيم لايرحلون ولايتحولون. وبين في آيات كثيرة أنهم مقيمون في الجنة على الدوام، كما أشار له هنا بلفظ عدن؛ كقوله: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ ٢، وقوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية٣، والمقامة: الإقامة"٤. ثمّ قال ﵀: "وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿تجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ ٥؛ بين أنواع الأنهار في قوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ ٦. وقوله هنا: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ ٧ وضحه في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٨، وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ

стр. 460

وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُولاً﴾ ٢، وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ٤، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ ٥؛ يدلّ على أنّ تقوى الله هي السبب الذي به تنال الجنة. وقد أوضح تعالى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً﴾ ٦. وقوله، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٧. وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ٨، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ ٩، إلى غير ذلك من الآيات"١٠. وتحدث الشيخ ﵀ عن خلود الجنة وخلود أهلها، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً﴾ ١١، فقال: "أي خالدين فيه بلا انقطاع. وقد بين هذا المعنى في مواضع أخر كثيرة، كقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ١٢؛ أي غير مقطوع، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ ١٣؛ أي ماله انقطاع وانتهاء، وقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ

стр. 461

بَاقٍ﴾ ١، وقوله: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ٢، إلى غير ذلك من الآيات"٣. وتحدث الشيخ ﵀ عن نعيم الجنة وملذاتها، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٤؛ فقال: "وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أنّ الجنة فيها كلّ مشتهى، وكلّ مستلذ: جاء مبسوطا موضحة أنواعه في آيات كثيرة من كتاب الله، وجاء أيضا إجمالا شاملا لكلّ شيء من النعيم. أما إجمال ذلك: ففي قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥. وأما بسط ذلك وتفصيله: فقد بين القرآن أنّ من ذلك النعيم المذكور في الآية: المشارب، المآكل، والمناكح، والفرش، والسرر، والأواني، وأنواع الحلي، والملابس، والخدم، إلى غير ذلك. وسنذكر بعض الآيات الدالة على كلّ شيء من ذلك: أما المآكل: فقد قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ٦، وقال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ٧ وقال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ ٨، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ الآية٩، إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 462

أما المشارب: فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾ الآية٢، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ ٦، إلى غير ذلك من الآيات.... وأما ما يتكئون عليه من الفرش والسرر ونحو ذلك: ففي آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ ٧. وقوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ٨. وقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ ٩؛ والسرر الموضونة هي المنسوجة بقضبان الذهب. وقوله تعالى: ﴿إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ١٠، وقوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ١١، وقوله

стр. 463

تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ ١، إلى غير ذلك من الآيات. وأما خدمهم: فقد قال تعالى في ذلك: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الآية٢. وقال تعالى في سورة الإنسان، في صفة هؤلاء الغلمان: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ ٣. وذكر نعيم الجنة بأبلغ صيغة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ ٤. والآيات الدالة على أنواع نعيم الجنة، وحسنها، وكمالها؛ كالظلال، والعيون، والأنهار، وغير ذلك، كثيرة جداً. ولنكتف منها بما ذكرنا" ٥. وهكذا يصف الشيخ الأمين ﵀ الجنة، ونعيمها، وملذاتها بأبلغ وصف، وفق منهجه في بيان القرآن بالقرآن؛ فيوضح ما أعدّ الله لأوليائه في دار كرامته، وما يتفضل به جل وعلا عليهم من الخلود في النعيم المقيم.

стр. 464

المطلب الثاني: رؤية المؤمنين ربهم في الجنة أعظم نعيم الجنة وملذاتها رؤية المؤمنين وجه ربهم الكريم الذي ليس كمثله شيء. والمؤمنون يرون ربهم في الجنة من فوقهم رؤية بصرية كما جاءت النصوص من القرآن والسنة النبوية: فمن القرآن: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١، وقوله: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٢، وقوله جلّ شأنه: ﴿عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ٣. ومن السنة: قوله ﷺ : "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لاتضامون في رؤيته. فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا" ٤، وقال، ﷺ : "إنكم سترون ربكم عياناً "٥. وقد أوضح الشيخ الأمين ﵀ هذه المسألة العظيمة من خلال تفسيره للآيات الدالة على رؤية الرب ؛ فذكر حقيقة الرؤية، وأدلتها، ومعتقد أهل السنة في إثباتها في الآخرة ومنعها في الدنيا، وذكر في المقابل أدلة المعطلة النافين لرؤية الله ، وبين خطأ استدلالهم، وردّ عليهم.

стр. 465

ومما قاله ﵀: "وقد ثبت عن النبيّ ﷺ -أنه قال في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ١؛ الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم٢. وذلك هو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٣. وقد تواترت الأحاديث عن النبيّ ﷺ : أنّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم. وتحقيق المسألة: أنّ رؤية الله جل وعلا بالأبصار جائزة عقلاً في الدنيا والآخرة. ومن أعظم الأدلة على جوازها عقلاً في دار الدنيا: قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ٤؛ لأنّ موسى لا يخفى عليه الجائز والمستحيل في حق الله تعالى. وأما شرعاً: فهي جائزة وواقعة في الآخرة؛ كما دلت عليه الآيات المذكورة، وتواترت به الأحاديث الصحاح. وأما في الدنيا: فممنوعة شرعاً كما تدلّ عليه آية "الأعراف"٥ هذه، وحديث: " إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا " ٦٧.

стр. 466

أما من منع رؤية الله: فهم المعتزلة والجهمية ومن تبعهم من الخوارج والإمامية. وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة١. وقد استدلوا على ماذهبوا إليه بأدلة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ٤، وغيرها من الأدلة. وقد استعرض الشيخ الأمين ﵀ هذه الأدلة، وبين أنها لاتعارض معتقد السلف في إثبات رؤية الله بالأبصار يوم القيامة، ودفع التوهم الذي التبس على هؤلاء المعطلة؛ فقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ﴾ الآية٥: هذه الآية الكريمة توهم أنّ الله تعالى لايرى بالأبصار. وقد جاءت آيات أخر تدلّ على أنه يرى بالأبصار؛ كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٦. وكقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٧؛ فالحسنى: الجنة. والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. وكذلك قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٨ على أحد القولين. وقوله تعالى في الكفار: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون﴾ ٩؛ يفهم من دليل خطابه أنّ المؤمنين ليسوا محجوبين عن ربهم. والجواب من

стр. 467

ثلاثة أوجه: الأول: أنّ المعنى: "لاتدركه الأبصار": أي في الدنيا، فلا ينافي الرؤية في الآخرة. الثاني: أنه عام مخصوص برؤية المؤمنين له في الآخرة، وهذا قريب من المعنى الأول. الثالث: وهو الحقّ؛ أنّ المنفيّ في هذه الآية الإدراك المشعر بالإحاطة بالكنه. أما مطلق الرؤية فلا تدلّ الآية على نفيه، بل هو ثابت بهذه الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة واتفاق أهل السنة والجماعة على ذلك. وحاصل هذا الجواب: أنّ الإدارك أخصّ من مطلق الرؤية؛ لأنّ الإدراك المراد به الإحاطة، والعرب تقول: رأيت الشيء وما أدركته. فمعنى لاتدركه الأبصار: لاتحيط به، كما أنه تعالى يعلمه الخلق، ولايحيطون به علما. وقد اتفق العقلاء على أنّ نفي الأخصّ لايستلزم نفي الأعمّ؛ فانتفاء الإدراك لايلزم منه انتفاء مطلق الرؤية، مع أنّ الله تعالى لايدرك كنهه على الحقيقة أحد من الخلق؛ والدليل على هذا الوجه: ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى مرفوعا: "حجابه النور، أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ١. فالحديث صريح في عدم الرؤية في الدنيا، ويفهم منه عدم إمكان الإحاطة مطلقاً"٢. وقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ الآية٣: "استدلّ المعتزلة النافون لرؤية الله بالأبصار يوم القيامة بهذه الآية على مذهبهم الباطل. وقد جاءت آيات تدلّ على أنّ نفي الرؤية المذكور إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة: فإنّ المؤمنين يرونه جل وعلا بأبصارهم، كما

стр. 468

صرح به تعالى في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١، وقوله في الكفار: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٢؛ فإنه يفهم من مفهوم مخالفته أنّ المؤمنين ليسوا محجوبين عنه جل وعلا"٣. وقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ٤: "واستدلال المعتزلة بهذه الآية وأمثالها على أن رؤية الله مستحيلة استدلال باطل، ومذهبهم والعياذ بالله من أكبر الضلال وأعظم الباطل. وقول الزمخشري في كلامه على هذه الآية: إنّ الله لايرى: قول باطل، وكلام فاسد. والحقّ الذي لاشك فيه أنّ المؤمنين يرون الله بأبصارهم يوم القيامة؛ كما تواترت به الأحاديث عن الصادق المصدوق ﷺ , ودلت عليه الآيات القرآنية منطوقا ومفهوما"٥. وبهذا العرض الشيق من الشيخ ﵀ لأدلة السلف ﵏ في إثبات رؤية الباري جل وعلا في الآخرة، وبهذا الردّ القويّ على أدلة المنكرين وشبههم: يتضح للمنصف أنّ الحقّ في جانب السلف الذين تمسكوا بالنصوص فلم يوؤلوها بعقولهم. وأذكر ها هنا أقوالا لبعض السلف ﵏ في إثبات رؤية الربّ جل وعلا يوم القيامة، وأنها حقّ لا مرية فيه: قال الإمام ابن القيم ﵀: (قد دلّ القرآن والسنة المتواترة وإجماع الصحابة وأئمة الإسلام وأهل الحديث؛ عصابة الإسلام ونزل الإيمان

стр. 469

وخاصة رسول الله ﷺ على أنّ الله يرى يوم القيامة بالأبصار عيانا كما يرى القمر ليلة البدر صحوا، وكما ترى الشمس في الظهيرة"١. وقال العلامة ابن أبي العزّ الحنفي ﵀: "وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيا. ومن أحاط بها معرفة يقطع بأنّ الرسول ﷺ قالها"٢. وبذكر هذين المثالين من قولي هذين الإمامين الجليلين يتضح مذهب السلف ﵏ في هذه المسألة؛ من إثبات الرؤية البصرية كما جاءت النصوص من الكتاب والسنة المتواترة، وذلك أعظم ما يعطاه المؤمن في الجنة من النعيم، نسأل الله بمنه وفضله أن يرزقنا ذلك إنه جواد كريم.

стр. 470

المطلب الثالث: هل رأى رسول الله ﷺ ربه ليلة المعراج ؟ ذكر الشيخ الأمين ﵀ أنّ الصحابة اختلفوا في هذه المسألة؛ فقال: (اختلف العلماء: هل رأى رسول الله ﷺ ربه ليلة الإسراء بعين رأسه أو لا؟ فقال ابن عباس وغيره: رآه بعين رأسه. وقالت عائشة وغيرها: لم يره. وهو خلاف مشهور بين أهل العلم معروف) ١. وقد جمع الشيخ ﵀ بين هذه الأقوال، مرجحا عدم رؤية الرسول ﷺ لربه ، واعتمد في هذا الجمع والترجيح علي نصّ من رسول الله ﷺ في هذه المسألة، فقال ﵀: "التحقيق الذي دلت عليه نصوص الشرع أنه ﷺ لم يره بعين رأسه. وما جاء عن بعض السلف من أنه رآه: فالمراد به الرؤية بالقلب، كما في صحيح مسلم٢: أنه رآه بفؤاده مرتين لابعين الرأس٣. ومن أوضح الأدلة على ذلك: أنّ أبا ذر ﵁، وهو هو في صدق اللهجة سأل النبيّ ﷺ عن هذه المسألة بعينها، فأفتاه بما مقتضاه أنه لم يره"٤. ثم ذكر حديث أبي ذر ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ قال: " نور أنّى أراه "٥. وذكر رواية أخرى

стр. 471

لهذا الحديث عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته. فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: "رأيت نورا" ١. ثمّ ختم هذه المسألة بقوله: "والتحقيق الذي لاشك فيه هو أنّ معنى الحديث هو ما ذكر من كونه لايتمكن أحد من رؤيته لقوة النور الذي هو حجابه. ومن أصرح الأدلة على ذلك أيضا: حديث أبي موسى المتفق عليه: "حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"٢، وهذا هو معنى قوله ﷺ : "نور أنى أراه "٣؛ أي كيف أراه وحجابه نور، ومن صفته أنه لو كشفه لأحرق ما انتهى إليه بصره من خلقه"٤. وبهذا الجمع بين الروايات ينتفي التعارض، وتتم الموافقة بين الأدلة، ويتضح أنّ رسول الله ﷺ لم ير ربه جل وعلا بعيني رأسه، بل كانت الرؤية قلبية. وقد قال بهذا الجمع عدد غفير من أئمة السلف ﵏؛ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الذي قال: "وأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين"٥. وعائشة أنكرت الرؤية؛ فمن الناس من جمع بينهما، فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد. والألفاظ الثابتة عن ابن

стр. 472

عباس هي مطلقة ومقيدة بالفؤاد؛ تارة يقول: رأى محمد ربه، وتارة يقول: رآه محمد. ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده. ولم يقل أحد أنه سمع أحمد يقول رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين. وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة ولا في الكتاب والسنة ما يدلّ على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدلّ: كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه" ١،٢.

стр. 473

المبحث السابع: النار المطلب الأول: النار، وعذابها النار دار العذاب، أعدها الله للكافرين والعصاة فيها أشدّ العذاب، وصنوف العقوبات، وخزنتها ملائكة غلاظ شداد. والكفار مخلدون فيها، طعامهم الزقوم، وشرابهم الحميم. قال تعالى يحذر منها عباده المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداًلِلطَّاغِينَ مَآباً لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباًإِلاّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً جَزَاءً وِفَاقاً﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ٣. وقال رسول الله ﷺ : "ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حرّ جهنم" قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: " فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلها مثل حرها "٤.

стр. 474

وقال ﵊: "يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة: بكلّ جبار عنيد، وبكلّ من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين "١. وقد تحدث الشيخ الأمين –﵀ عن صفة النار، عدد أبوابها، وأن لها بصراً ولساناً وإرادة وأنها أشد من نار الدنيا بسبعين ضعفاً. ومما قاله ﵀ في وصف شدتها: (ونار الآخرة لو شددت نار الدنيا إلى منتهاها لكانت نار الآخرة أشدّ منها بسبعين ضعفا. وهي مسودة مظلمة يحطم بعضها بعضا"٢. وقال في وصف شرابها عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ ٣: "ذكر في هذه الآية الكريمة أنّ الذين كفروا يعذبون يوم القيامة بشرب الحميم، وبالعذاب الأليم، والحميم: الماء الحار. وذكر أوصاف هذا الحميم في آيات أخر: كقوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ ٥، وقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُود﴾ ٦، وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ الآية٧، وقوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ ٨. وذكر في موضع آخر أنّ الماء الذي يسقون صديد –أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من ذلك

стр. 475

بفضله ورحمته- وذلك في قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ الآية١. وذكر في موضع آخر أنهم يسقون مع الحميم الغساق؛ كقوله: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ ٢، وقوله: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً إِلاّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾ ٣؛ والغساق: صديد أهل النار –أعاذنا الله والمسلمين منها-، وأصله: غسقت العين: سال دمعها. وقيل: هو لغة البارد المنتن. والحميم الآني: الماء البالغ غاية الحرارة. والمهل: دُرْدِي٤الزيت أو المذاب من النحاس والرصاص ونحو ذلك، والآيات المبينة لأنواع عذاب أهل النار كثيرة جدا٥. وأما عدد أبواب جهنم؛ فقد ذكره الشيخ –﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ الآية٦فقال: "لم يبين هنا عدد أبوابها، ولكنه بين ذلك في سورة الحجر في قوله جلّ وعلا: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ٧أرجو الله أن يعيذنا وإخواننا المسلمين منها ومن جميع أبوابها إنه رحيم كريم"٨. ثم ذكر ﵀ أن النار تتكلم وتبصر فقال ﵀: "اعلم أن التحقيق أن النار تبصر الكفار يوم القيامة، كما صرح الله بذلك في قوله

стр. 476

هنا: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ١؛ ورؤيتها إياهم من مكان بعيد تدلّ على حدة بصرها كما لا يخفى. كما أنّ النار تتكلم كما صرح الله به في قوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ٢، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة؛ كحديث محاجة النار مع الجنة٣، وكحديث اشتكائها إلى ربها فأذن لها في نفسين٤، ونحو ذلك. ويكفي في ذلك أنّ الله جلّ وعلا صرح في هذه الآية أنها تراهم، وأنّ لها تغيظا على الكفار، وأنها تقول هل من مزيد"٥. وقال ﵀ في موضع آخر عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظ﴾ ٦: إثبات أنّ للنار حسا وإدراكا وإرادة، والقرآن أثبت للنار أنها تغتاظ، وتبصر، وتتكلم، وتطلب المزيد؛ كما قال هنا: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ٧. وقال: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ ٨، وقال: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ٩، ١٠. وقد ردّ الشيخ الأمين –﵀ على من تأول تلك النصوص وصرفها عن حقيقتها؛ فقال ﵀: (واعلم أنّ ما يزعمه كثير من المفسرين وغيرهم من المنتسبين للعلم من أن النار لا تبصر، ولا تتكلم، ولا تغتاظ،

стр. 477

وأنّ ذلك كله من قبيل المجاز، أو أن الذي يفعل ذلك خزنتها: كله باطل، ولامعول عليه؛ لمخالفته نصوص الوحي الصحيحة بلا مستند والحقّ هو ما ذكرنا وقد أجمع من يعتد به من أهل العلم على أنّ النصوص من الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن ظاهرها إلا بدليل يجب الرجوع إليه كما هو معلوم في محله. وقال القرطبي في تفسيره هذه الآية الكريمة: إنّ القول بأنّ النار تراهم هو الأصحّ" ١،٢. وقد ذكر الشيخ الأمين –﵀ أنّ أهل النار هم أكثر الخلق؛ فقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣: "هذه الآية تدلّ على أن أكثر الناس ليسوا بمؤمنين؛ فأهل النار هم الأكثر؛ كما بين ذلك في آيات كثيرة وأحاديث؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ٥. وقد بينت الأحاديث الصحيحة أنّ نصيب النار تسعة وتسعون وتسعمائة من الألف، وأنّ نصيب الجنة واحد من الألف" ٦، ٧. ثمّ بين الشيخ الأمين –﵀ أنّ أهل النار يدخلونها جماعة جماعة؛ كما دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ٨"٩. ويتضح من وصف الشيخ الأمين –﵀ للنار –أعاذنا الله منها بكرمه- شدة تتبعه للأثر، ودقة فهمه له، وتوضيح الوصف بالأدلة من القرآن الكريم، كما هو دأبه ﵀ في تفسير القرآن بالقرآن.

стр. 478

المطلب الثاني: بقاء النار، والردّ على من قال بفنائها دلّ الكتاب والسنة على أبدية النار، وبقاء مَنْ فيها ممن يستحق البقاء تحت أنواع العذاب. أما الموحدون فلا بدّ من خروجهم منها برحمة أرحم الراحمين. والآيات والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة؛ منها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ ٣. ومن الأحاديث حديث الشفاعة الطويل، وفيه قوله ﷺ : " ... ثمّ أعود الرابعة فأقول ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود" ٤. وقال ﷺ : " يدخل الله أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثمّ يقوم مؤذن بينهم، فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كلّ خالد فيما هو فيه "٥. وعن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: " أما أهل النار

стр. 479

الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون. ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم –أو قال بخطاياهم- فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فحما أذن في الشفاعة ... " ١. وقد أوضح الشيخ الأمين –﵀ هذه المسألة، ودرسها من جوانب عدة في معرض تفسيره لبعض الآيات المتعلقة بالموضوع؛ فقد أشار في مواضع إلى بقاء أهل النار وعدم موتهم، وذكر الأدلة على ذلك. وأكد في مواضع أخرى عدم خروج الكفار من النار، بل خلودهم الأبدي فيها. وأفاض ﵀ في أماكن متفرقة في تقرير عدم فناء النار، وردّ على من قال بذلك. ومن كلامه يرحمه الله في عدم موت أهل النار، ما قاله عند تفسير قوله تعالى: ﴿َنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ٢: "وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ دليل على أنهم لا يجابون إلى الموت بل يمكثون في النار معذبين إلى غير نهاية. وقد دلّ القرآن العظيم على أنهم لا يموتون فيها فيستريحوا بالموت، ولا تفنى هي عنهم، ولا يخفف عنهم عذابها، ولا يخرجون منها. أما كونهم لا يموتون فيها: فالذي دلّ عليه قوله هنا: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ٣قد دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ ٥، وقوله تعالى:

стр. 480

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ الآية١، وقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ الآية٢"٣. وقال ﵀ في موضع آخر: "وقال تعالى في عدم موتهم في النار: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَاب﴾ ٦. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ ٧. وقال تعالى: ﴿ويتجنبها الأشقى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ ٨، ولما قالوا: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ٩أجابهم بقوله: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ١٠، ١١. ثم ذكر الشيخ الأمين –﵀ الأدلة على عدم خروج أهل النار: فقال: "وأما كونهم لا يخرجون منها: فقد جاء موضحا في آيات من كتاب الله؛ كقوله تعالى في البقرة: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ١٢، وقوله تعالى في المائدة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيم﴾ ١٣، وقوله

стр. 481

تعالى في الحج: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية١، وقوله تعالى في السجدة: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ ٢. وقوله تعالى في الجاثية: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ٣إلى غير ذلك من الآيات" ٤. أما كلامه ﵀ عن بقاء النار، وعدم فنائها: فقد أطال النفس فيه جدا، وناقش من قال بفنائها بالأدلة السمعية والمنطقية، وتعقب أدلتهم وأسقطها، وأوضح معنى الآيات التي توهم فناء النار، مبينا أن لا دلالة فيها على ذلك. قال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ٥: "هذه الآية الكريمة يفهم منها كون عذاب أهل النار غير باق بقاء لا انقطاع له أبدا. ونظيرها قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ ٧. وقد جاءت آيات تدلّ على أنّ عذابهم لا انقطاع له؛ كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا﴾ ٨، ٩.

стр. 482

ثم ذكر الشيخ ﵀ الجواب عن هذا الإشكال، دافعا التعارض، ونافيا التوهم، ومبينا أنّ هذه الآيات يمكن أن تحمل على أحد ثلاثة أوجه؛ فقال مبينا هذه الأوجه: أحدهما: أنّ قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ١؛ معناه: إلا ما شاء الله عدم خلوده فيها من أهل الكبائر من الموحدين. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنّ بعض أهل النار يخرجون منها، وهم أهل الكبائر من الموحدين. ونقل ابن جرير هذا القول عن قتادة٢، والضحاك٣، وأبي سنان٤، وخالد بن معدان٥، واختاره ابن جرير. وغاية ما في هذا القول: إطلاق "ما"، وإرادة "من"، ونظيره في القرآن: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٦. الثاني: أنّ المدة التي استثناها الله هي المدة التي بين بعثهم من قبورهم واستقرارهم في مصيرهم قاله ابن جرير أيضا. الوجه الثالث: أنّ قوله: ﴿إِلاّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ٧فيه إجمال، وقد جاءت الآيات والأحاديث الصحيحة مصرحة بأنهم خالدون فيها أبدا، وظاهرها أنه خلود لا انقطاع له. والظهور من المرجحات، فالظاهر مقدم على المجمل كما تقرر في الأصول"٨.

стр. 483

وفي موضع آخر قال في الجمع بين هذه الآيات: "والجواب الحقّ أنّ أهل النار الكفرة خالدون فيها خلودا لا انقطاع له البتة. "والاستثناء بالمشيئة كما صرح به في أهل النار صرح به كذلك في أهل الجنة، مع أنه لا يقول أحد ممن يقول بانقطاع النار بانقطاع الجنة؛ كما قال تعالى هنا في سورة هود: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ١؛ وهذه المشيئة مجملة، لم نعرف ما أخرجته. والأدلة المنفصلة وضحت أنّ المشيئة اقتضت الخلود الأبدي؛ كما قال تعالى في أهل الجنة: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ ٧، والفعل بعد كلما يتكرر بتكررها: فمن ادعى خبوة للنار نهائية تفنى بها ليس بعده سعير، يردّ عليه بهذه الآية. ولو قيل للعبد: كلما جاء أحد أكرمه لزمه ذلك، ولا حقّ له أن يتعذر بأنه لم يفهم التكرار"٨.

стр. 484

أما قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ ١: فليست دالة على فناء النار كما زعم من قال بفنائها، وقد ذكر الشيخ الأمين أنها لا تدلّ على ذلك من عدة أوجه، أظهر هذه الأوجه عنده بينه في قوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ : متعلق بما بعده؛ أي لابثين فيها أحقابا في حال كونهم لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا، فإذا انقضت تلك الأحقاب عذبوا بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق. ويدلّ لهذا تصريحه تعالى بأنهم يعذبون بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق في قوله: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ ٢ ٣، أما مناقشته ﵀ لمن قال بفناء النار: فقد أورد عليهم ﵀ بالتقسيم والسبر خمس حالات تكون عليها النار، ويكون عليها أهلها، ثمّ أجاب عن أربع حالات منها بما يدلّ على بطلانها مؤيدا إجابته بآيات قرآنية؛ فقال ﵀: "إنّ المقام لا يخلو من إحدى خمس حالات بالتقسيم الصحيح، وغيرها راجع إليها: الأولى: أن يقال بفناء النار، وأنّ استراحتهم من العذاب بسبب فنائها. الثانية: أن يقال إنهم ماتوا وهي باقية. الثالثة: أن يقال إنهم أخرجوا منها وهي باقية. الرابعة: أن يقال إنهم باقون فيها إلا أنّ العذاب يخفّ عليهم، وذهاب العذاب رأسا واستحالته لذة فاكتفينا به لدلالة نفيه على نفيهما. وكل هذه الأقسام الأربعة يدل القرآن على بطلانه"٤. وقد أجاب ﵀ على الحالة الأولى بقوله: "أما فناؤها: فقد نصّ تعالى على عدمه بقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ ٥.

стр. 485

وقد قال تعالى: ﴿إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّك﴾ ١ في خلود أهل الجنة وخلود أهل النار، وبين عدم الانقطاع في خلود أهل الجنة بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ٢، وبقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ ٣، وقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ ٤.وبين عدم الانقطاع في خلود أهل النار بقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ ٥. فمن يقول إنّ للنار خبوة ليس بعدها زيادة سعير: ردّ عليه بهذه الآية الكريمة. ومعلوم أنّ "كلما" تقتضي التكرار بتكرر الفعل الذي بعدها، ونظيرها قوله تعالى: ﴿ُكلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ الآية"٦"٧. وأما الحالة الثانية فقد بين الشيخ ﵀ بطلانها بقوله: "وأما موتهم: فقد نصّ تعالى على عدمه بقوله: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ ٨، وقوله: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ ٩، وقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ ١٠. وقد بين ﷺ في الحديث الصحيح أنّ الموت يجاء به يوم القيامة في صورة كبش أملح، فيذبح. وإذا ذبح الموت حمل اليقين بأنه لاموت؛ كما قال ﷺ : " ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت "١١"١٢.

стр. 486

وعن الحالة الثالثة أجاب ﵀ بقوله: "وأما إخراجهم منها: فنصّ تعالى على عدمه بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ١، وبقوله ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ ٢، وبقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ ٣"٤. وأما الحالة الرابعة، فقد أجاب عنها ﵀ بقوله: "وأما تخفيف العذاب عنهم: فنصّ تعالى على عدمه بقوله: ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ ٥، وقوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذَاباً﴾ ٦، وقوله: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُون﴾ ٧، وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ ٨، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ ٩، وقوله تعالى ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ١٠، وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ ١١. ولا يخفى أنّ قوله: ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ ١٢، وقوله ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ ١٣: كلاهما فعل في سياق النفي؛ فحرف النفي ينفي المصدر الكامن في الفعل، فهو في معنى: لا تخفيف للعذاب عنهم، ولاتفتير له. والقول بفنائها يلزمه تخفيف العذاب وتفتيره المنفيان في هذه الآيات، بل يلزمه ذهابهما رأسا، كما أنه يلزمه نفي ملازمة العذاب المنصوص عليها

стр. 487

بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ ١، وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ ٢. وإقامته المنصوص عليها بقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ ٣ فظاهر هذه الآيات عدم فناء النار المصرح به في قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ ٤"٥. ثمّ ختم هذه الردود بقوله: "فإذا تبين بهذه النصوص بطلان جميع هذه الأقسام، تعين القسم الخامس الذي هو خلودهم فيها أبدا بلا انقطاع ولا تخفيف بالتقسيم والسبر الصحيح"٦. ثمّ أورد الشيخ الأمين –﵀ ما احتج به من قال بفناء النار، فقال: "وما احتج به بعض العلماء٧ من أنه لو فرض أنّ الله أخبر بعدم فنائها أنّ

стр. 488

ذلك لا يمنع فناءها؛ لأنه وعيد، وإخلاف الوعيد من الحسن لا من القبيح. وأنّ الله تعالى ذكر أنه لا يخلف وعده، ولم يذكر أنه لا يخلف وعيده. وأنّ الشاعر قال: وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي"١. وقد ردّ ﵀ على هذه الشبه بقوله: "فالظاهر عدم صحته لأمرين: الأول: أنه يلزم جواز ألا يدخل النار كافر؛ لأن الخبر بذلك وعيد، وإخلافه على هذا القول لابأس به. الثاني: أنه تعالى صرح بحق وعيده على من كذب رسله، حيث قال: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ ٢. وقد تقرر في مسلك النص من مسالك العلة أنّ الفاء من حروف التعليل؛ كقولهم: سها فسجد؛ أي سجد لعلة سهوه. وسرق فقطعت يده؛ أي لعلة سرقته. فقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ ٣؛ أي وجب وقوع الوعيد عليهم لعلة تكذيب الرسل. ونظيرها قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ ٤. ومن الأدلة الصريحة في ذلك: تصريحه تعالى بأنّ قوله لا يبدل فيما أوعد به أهل النار؛ حيث قال: ﴿قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِمَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٥. ويستأنس لذلك بظاهر قوله: ﴿وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ –إلى قوله- ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ٦، وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ ٧.

стр. 489

فالظاهر أنّ الوعيد الذي يجوز إخلافه وعيد عصاة المؤمنين؛ لأنّ الله بين ذلك بقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ ١"٢. وفي آخر هذا المبحث أجاب ﵀ عن شبهة للملاحدة؛ وهي قولهم: "لاشك أنّ ربكم في غاية الإنصاف والعدل، ولكن يشكل عليه الجواب على هذا السؤال، وهو: كيف يكون عصيان الكافر في مدة قليلة جدا، وعذابه يستمر إلى ما لانهاية، مع أنّ مقتضى العدل أن يعذب بقدر ما عصى؟ فأين الإنصاف وأين العدل؟!) ،٣؛ فقال ﵀: (والجواب أنّ سبب هذا الاستمرار هو ملازمة الخبث لذلك الكافر دائما، وعدم مفارقته له في أيّ حال من الأحوال؛ فهو منطو عليه لا يزول، وباستمرار السبب الذي هو الخبث استمر المسبب الذي هو العذاب. والدليل على استمرار خبثه: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٤؛ فبديمومة السبب الذي هو الكفر دام المسبب الذي هو العذاب"٥. وقال الشيخ الأمين –﵀ في موضع آخر: "ولا غرابة في ذلك؛ لأنّ خبثهم الطبيعي دائم لا يزول، فكان جزاؤهم دائما لا يزول. والدليل على أنّ خبثهم لايزول: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ﴾ الآية٦. فقوله: "خيرا" نكرة في سياق الشرط؛ فهي تعمّ، فلو كان فيهم خير ما في وقت لعلمه الله ... وعذاب الكفار للإهانة والانتقام، لا

стр. 490

للتطهير والتمحيص، كما أشار له تعالى بقوله: ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ ١، وبقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٢. والعلم عند الله تعالى"٣. والقول بعدم فناء النار –الذي نصره الشيخ الأمين –﵀ ودلل له، وردّ على الشبه التي أوردها المخالفون، وناقشهم مناقشة جادة مبطلا بذلك مذهبهم- هذا القول هو معتقد أهل السنة والجماعة. أما ما نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله من القول بفناء النار فلا يصح؛ إذ لا يوجد في مؤلفات شيخ الإسلام ﵀ على كثرتها- ما يدلّ على أنه قال بهذا القول، بل تجده دائما يؤكد على عدم فناء النار؛ من ذلك قوله: "وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أنّ من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية؛ كالجنة والنار والعرش، وغير ذلك ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين؛ كجهم بن صفوان، ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسلف الأمة وأئمتها"٤. وأما ابن القيم ﵀: فقد حقق موقفه د/علي بن علي جابر اليماني؛ حيث قال: "إنّ للعلامة ابن القيم في هذه المسألة ثلاثة مواقف: الأول: الميل٥ إلى القول بفناء النار:

стр. 491

كونه نصر ذلك بكثرة الوجوه البالغة خمسة وعشرين وجها بأدلتها المحيرة للعقول كما سبق بيانه عن الحادي، ومختصر الصواعق، وشفاء العليل. الثاني: التوقف؛ كما هو صريح كلامه في هذه المراجع المذكورة. الثالث: القول بأبدية النار تلميحا وتصريحا ... –إلى أن قال-: وهذا هو الأخير من كلام ابن القيم ﵀ كما يبدو لي. والله أعلم"١، ثمّ أيد ذلك بنصوص من كلام العلامة ابن القيم ﵀-٢.

стр. 492

الفصل الخامس: جهود الشيخ الأمين في توضيح الإيمان بالقدر المبحث الأول: بيانه لمراتب القدر ... الفصل الخامس: جهود الشيخ الأمين في توضيح الإيمان بالقدر القدر لغة: القضاء والحكم ومبلغ الشيء. والتقدير: التروية والتفكر في تسوية الأمر١. وشرعا: ما سبق به العلم، وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد. وأن قدر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها٢. والإيمان بالقدر: أحد أركان الإيمان الستة التي لايتمّ الإيمان إلا بها، كما جاءت في حديث جبريل ﵇ لما سأل رسول الله ﷺ عن الإيمان، فأجابه: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"٣. وقد دلّ على وجوب الإيمان بالقدر أدلة كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية: فمن الآيات القرآنية: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٤، وقوله سبحانه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ ٥. وقوله جل وعلا: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿مَا

стр. 493

أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ١. ومن الأحاديث النبوية: حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لايؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه "٢. وحديث عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لايؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر" ٣. وحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " كلّ شيء بقدر، حتى العجز والكيس "٤. وقد عرض الشيخ الأمين ﵀ عقيدة القدر في ثنايا تفسيره عند كلامه على بعض الآيات المتعلقة بهذا الباب، فذكر بعض مراتب القدر، وتكلم عن أفعال العباد، والفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وأقسام الهداية. وتصدى ﵀ لشبه القدرية النفاة، والجبرية، ففندها وأبطل احتجاجهم بها، وأقام الحجة عليهم مستدلا بالآيات القرآنية، والبراهين العقلية. ولبيان ذلك كله قسمت هذا الفصل إلى مباحث:

стр. 494

المبحث الأول: بيانه لمراتب القدر مراتب القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة أربع، ولايتم إيمان العبد بالقدر إلا بإيمانه بهن: المرتبة الأولى: العلم: وهي أن يؤمن الإنسان بأن الله بكلّ شيء عليم؛ يعلم ما كان، وما يكون قبل أن يكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون. المرتبة الثانية: الكتابة: وهي الإيمان بأنّ الله كتب عنده في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. المرتبة الثالثة: المشيئة: وهي الإيمان بأنه ما وجد من موجود إلا بمشيئة الله تعالى، وما عدم من معدوم إلا بمشيئته تعالى. المرتبة الرابعة: الخلق: وهي الإيمان بأنّ الله تعالى خالق كلّ شيء؛ فما من موجود في السموات والأرض إلا الله خالقه، حتى الموت خلقه الله وإن كان هو عدم الحياة١. وقد دلّ القرآن الكريم على هذه المراتب: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَاب﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ

стр. 495

يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٢. وقد تناول الشيخ الأمين ﵀ بعض هذه المراتب أثناء تفسيره للآيات المتعلقة بالقدر؛ فقد أشار ﵀ إلى مرتبة العلم عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَة﴾ ٣، فقال: "أنّ معنى "كما بدأكم تعودون"؛ أي كما سبق لكم في علم الله من سعادة أو شقاوة، فإنكم تصيرون إليه، فمن سبق له العلم بأنه سعيد صار إلى السعادة، ومن سبق له العلم بأنه شقيّ صار إلى الشقاوة"٤. وقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٥: "هذه الآية الكريمة تدلّ على أنّ الله جل وعلا الذي أحاط علمه بكلّ موجود ومعدوم يعلم المعدوم الذي سبق في الأزل أنه لا يكون، لو وجد كيف يكون؛ لأنه يعلم أنّ ردّ الكفار يوم القيامة إلى الدنيا مرة أخرى لا يكون، ويعلم هذا الردّ الذي لا يكون لو وقع كيف يكون) ٦. وقال ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْه﴾ ٧:
следующие страницы →