← Акыда

Акыда · id 11991

جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف

عبد العزيز بن صالح بن إبراهيم الطويان

Полный текст (590 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وسلم: " فيراهما جميعاً "١. وقد تعرض الشيخ الأمين ﵀ لعدة مسائل في هذا الباب، ولبيان هذه المسائل قسمت هذا المبحث إلى مطالب.

стр. 422

المطلب الأول: عذاب القبر ذكر الشيخ الأمين ﵀ أنّ عذاب القبر حقّ لا مرية فيه، فقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١: "الظاهر أنّ قوله: ﴿عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ هو ما عذبوا به في دار الدنيا من القتل وغيره، كما دلّ على ذلك قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَر﴾ الآية٢، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ ٣، إلى غير ذلك من الآيات. لا مانع من دخول عذاب القبر في ذلك لأنه قد يدخل في ظاهر الآية. وما قيل في معنى الآية غير هذا لا يتجه عندي، والعلم عند الله تعالى"٤. هل يعذب الميّت ببكاء أهله عليه؟ تناول الشيخ الأمين ﵀ مسألة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه؛ كما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ : "إنّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه "٥، وفي رواية: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه "٦. وبين ﵀ عدم معارضته، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٧؛ إذ قد يظنّ من لا يعلم أن تعذيب الميت ببكاء الحيّ عليه من مؤاخذة العبد بذنب غيره، وليس الأمر كذلك. وقد أجاب عن هذه المسألة بجوابين، فقال ﵀: "الأول: أن يكون

стр. 423

الميت أوصى بالنوح عليه؛ كما قال طرفة بن العبد في معلقته: إذا متّ فانعيني بما أنا أهله وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه، فتعذيبه بسبب إيصائه بالمنكر، وذلك من فعله لا فعل غيره. الثاني: أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه؛ لأنّ إهماله نهيهم تفريط منه ومخالفة لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارا﴾ ١. فتعذيبه إذن بسبب تفريطه وتركه ما أمر به من قوله: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. وهذا ظاهر كما ترى" ٢. قال عبد الله بن المبارك: "إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئاً من ذلك بعد وفاته لم يكن عليه شيء. والعذاب عندهم يعني العقاب"٣. هذا عن كلام الشيخ الأمين ﵀ عن عذاب القبر، أما نعيم القبر: فلم أجد له ﵀ كلاماً في ذلك؛ إذ من دأبه ﵀ أنه يفسر القرآن بالقرآن، ولم تأت مناسبة يتحدث فيها عن نعيم القبر. ويكفي في إثبات عذاب القبر ونعيمه قوله ﷺ : " إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي؛ إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة "٤.

стр. 424

المطلب الثاني: سماع الموتى سماع الموتى من المسائل الخلافية بين العلماء، فمنهم من يرى أنّ الأصل أنّ الموتى لا يسمعون؛ ويستثنون ما ورد فيه النصّ، مثل حديث خفق نعال المشيعين بعد الدفن، وسماع أهل القليب يوم بدر لنداء الرسول ﷺ , وخطابه لهم؛ فهو سماع مخصوص ببعض الأحوال. وقال أصحاب هذا القول: إنّ هذه قضايا جزئية لا تُشكّل قاعدة كلية يعارض بها الأصل المذكور١. ومن العلماء من يرى أنّ الموتى يسمعون كلام من كلمهم، وأنهم يسمعون سلام الأحياء وخطابهم. ويرون أنّ هذا السماع غير مخصوص بوقت معين، ولا بإنسان بعينه٢. وقد استدلّ الفريق الأول بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٣، وبقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ٤. واستدلّ المجيزون بحديث أهل القليب، وحديث قرع النعال، وقالوا: إنه غير مخصوص بأحد، ولا بوقت؛ إذ لا دليل على التخصيص. وأجابوا عن الآيتين: أنّ المراد بالموتى هنا: الأشقياء الذين لا يسمعون

стр. 425

الحقّ سماع هدى وقبول١. وقد استطرد الشيخ الأمين ﵀ في بيان هذه المسألة، والخلاف الذي وقع فيها، ورجح سماع الأموات لكلام الأحياء وخطابهم، واستدلّ على ذلك بحديث القليب، وحديث خفق النعال، وقال: إنه غير مخصوص بوقت، ولا بإنسان ومما قاله ﵀: "اعلم أنّ الذي يقتضي الدليل رجحانه هو أنّ الموتى في قبورهم يسمعون كلام من كلمهم، وأنّ قول عائشة ﵂، ومن تبعها: إنهم لا يسمعون، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ٢، وما جاء بمعناها من الآيات: غلط منها، وممن تبعها. وإيضاح كون الدليل يقتضي رجحان ذلك مبنيّ على مقدمتين: الأولى منهما: أنّ سماع الموتى ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث متعددة ثبوتاً لامطعن فيه، ولم يذكر ﷺ , أنّ ذلك خاصّ بإنسان ولابوقت. والمقدمة الثانية: هي أن النصوص الصحيحة عنه ﷺ في سماع الموتى لم يثبت في الكتاب ولا في السنة شيء يخالفها، وتأويل عائشة ﵂ بعض الآيات على معنى يخالف الأحاديث المذكورة: لا يجب الرجوع إليه؛ لأنّ غيره في معنى الآيات أولى بالصواب منه، فلا تردّ النصوص الصحيحة عن النبيّ ﷺ بتأويل بعض الصحابة بعض الآيات"٣.

стр. 426

وساق الشيخ ﵀ أدلة للمقدمة الأولى: منها حديث أهل القليب، الذي رواه أبو طلحة ﵁، وفيه: " ... حتى قام على شفة الركى، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله ﷺ ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم "، قال قتادة: أحياهم الله له حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندامة١. وقد عقب الشيخ الأمين ﵀ على هذا الحديث بقوله: (فهذا الحديث الصحيح أقسم فيه النبيّ ﷺ أنّ الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع لما يقول ﷺ من الموتى بعد ثلاث. وهو نصّ صحيح في سماع الموتى، ولم يذكر ﷺ في ذلك تخصيصا. وكلام قتادة الذي ذكره عنه البخاري اجتهاد منه فيما يظهر) ٢. وقد ذكر الأمين ﵀ أيضاً حديث القليب من رواية عمر ابن الخطاب٣، وابنه عبد الله٤، وأنس٥، ثمّ ختمه بقوله: (فيها التصريح من النبيّ ﷺ بأنّ الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع من أولئك الموتى لما يقوله ﷺ . وقد أقسم ﷺ على ذلك ولم يذكر تخصيصا) ٦.

стр. 427

واستدلّ الشيخ الأمين أيضاً بما رواه البخاري عن أنس ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؛ محمد ﷺ ؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا في الجنة" الحديث١. وعقب عليه الشيخ ﵀ بقوله: "وقد رأيت في هذا الحديث الصحيح تصريح النبيّ ﷺ بأنّ الميت في قبره يسمع قرع نعال من دفنوه إذا رجعوا، وهو نصّ صحيح صريح في سماع الموتى، ولم يذكر ﷺ فيه تخصيصاً) ٢. وذكر حديث أنس هذا من طريق مسلم٣. ومن الأحاديث التي استدلّ بها ﵀ على سماع المقبورين حديث عائشة ﵂، أنها قالت: كان النبيّ ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" ٤. ثمّ ذكر الشيخ ﵀ لهذا الحديث شواهد أخرى، وعقب عليها بقوله: "وخطابه ﷺ لأهل القبور بقوله: "السلام عليكم"، وقوله: "إنا إن شاء الله بكم"، ونحو ذلك يدلّ دلالة واضحة على أنهم يسمعون سلامه؛ لأنهم لو كانوا لا يسمعون سلامه وكلامه لكان خطابه لهم من جنس خطاب المعدوم. ولاشك أنّ ذلك ليس من شأن

стр. 428

العقلاء، فمن البعيد جدا صدوره منه ﷺ "١. وقد ختم الشيخ ﵀ هذا المبحث بقوله: "إنّ الذي يرجحه أن الموتى يسمعون سلام الأحياء وخطابهم، سواء قلنا: إنّ الله يردّ عليهم أرواحهم حتى يسمعوا الخطاب ويردوا الجواب، أو قلنا: إنّ الأرواح أيضا تسمع وتردّ بعد فناء الأجسام"٢. وهذه المسألة –كما مرّ- خلافية، ولكلّ أدلته. وللشيخ الأمين ﵀ سلف فيما ذهب إليه فكثير من العلماء قالوا بسماع الموتى، بل لقد قال ابن عبد البر: "إنّ الأكثرين على ذلك"،وهو اختيار ابن جرير الطبري٣، والقرطبي٤وابن كثير٥وابن القيم٦وابن رجب٧ ﵏. ومن العلماء من خصص السماع بما ورد السمع بسماعه، وهو اختيار الشوكاني٨، والألوسي٩، والألباني١٠.

стр. 429

ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام وسط بين القولين: وهو أنّ الميت يسمع سماعا لايفيده؛ فقد قال ﵀: فإنّ قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ١ إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع صاحبه؛ فإنّ هذا مثل ضرب للكفار، والكفار تسمع الصوت، لكن لا تسمع سماع قبول بفقه واتباع، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ ٢، فهكذا الموتى الذين ضرب لهم المثل لا يجب أن ينفي عنهم جميع السماع المعتاد أنواع السماع كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلا ينفى عنهم"٣. وما قاله شيخ الإسلام ﵀ هو الراجح فهم لا يستفيدون بهذا السماع٤. والعجيب أنّ الشيخ الأمين ﵀ نقل كلام شيخ الإسلام هذا ضمن أدلته على سماع الموتى، ثمّ بنى عليه حكما فقهيا، وهو ترجيحه جواز تلقين الميت٥ مع أنّ كلام ابن تيمية ﵀ يقول بأنّ الميت يسمع سماعا لايفيده، وقد سئل شيخ الإسلام ﵀ عن تلقين الميت في قبره بعد الفراغ من دفنه: هل صحّ فيه حديث عن النبيّ ﷺ , أو عن صحابته..؟ فأجاب ﵀: "هذا التلقين المذكور قد نقل عن طائفة

стр. 430

من الصحابة أنهم أمروا به؛ كأبي أمامة الباهلي، وغيره. وروي فيه حديث عن النبيّ ﷺ . لكنه مما لا يحكم بصحته، ولم يكن كثير من الصحابة يفعل ذلك..) ١. وعلى كل: فما رجحه الشيخ الأمين ﵀ من جواز تلقين الميت محلّ نظر؛ لأنّ التلقين بعد الموت من الأشياء التي لم يرد فيها دليل من كتاب أو سنة صحيحة. وهذا من أمور الغيب التي لا تثبت إلا بدليل فالصحيح عدم التلقين لأن الرسول ﷺ كان يقول لأصحابه بعد الدفن " استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" ولم يثبت عنه أنه لقن ميتا فعلينا بالاتباع وترك الابتداع.

стр. 431

المبحث الثالث: البعث المطلب الأول: براهين البعث ... المبحث الثالث: البعث تمهيد: البعث لغة: يقال: بعثه وابتعثه، بمعنى أرسله فانبعث. وقولهم: كنت في بعث فلان: أي في جيشه الذي بُعث معه. والبعوث: الجيوش. وبعثتُ الناقة: أثرتها. وبعثه من منامه: أي أهبّه. وبعث الموتى: نشرهم ليوم البعث١. قال الشيخ الأمين ﵀: "والبعث: التحريك من سكون؛ فيشمل بعث النائم والميت وغير ذلك"٢. والبعث اصطلاحاً: أن يبعث الله تعالى الموتى من القبور بأن يجمع أجزاءهم الأصلية، ويعيد الأرواح إليها٣؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٤. قال الحافظ ابن كثير ﵀، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٥: (أي يعيدهم بعد ما صاروا في قبورهم رمما، ويوجدهم بعد العدم) ٦. فالإيمان بالبعث أصل سعادة الفرد والمجتمع: فإنّ الإنسان إذا آمن بأنّ الله تعالى سيبعث الخلق بعد موتهم فيحاسبهم، ويجازيهم على أعمالهم؛

стр. 432

فمن أحسن جوزي بالإحسان، ومن أساء عذب بالنيران، وإذا آمن أنّ الله سيقتصّ من الظالم للمظلوم، حتى من الحيوان؛ فإن دابر الشرّ ينقطع، ويسود الخير في المجتمع، وتعمّ الفضيلة والطمأنينة الكلّ. لذلك أجمعت عليه الشرائع السماوية، وأنذر به الرسل أممهم١، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ٢.

стр. 433

المطلب الأول: براهين البعث ذكر الله البراهين على هذا الحدث العظيم بأدلة معنوية وحسية ليرسخ هذا المعتقد في القلوب، فيبعث على العمل والاستمساك بالعروة الوثقى. وقد تحدث الشيخ الأمين ﵀ عن هذه البراهين في ثنايا تفسيره، فاستنبطها من الآيات الكريمة الدالة على وقوع البعث لامحالة؛ لأنها قول الخالق العظيم الذي لا أحد أصدق منه قيلا، فهي لا تقبل التوقف أو التردد. ويحسن التنبيه هنا على أنّ بعض براهين البعث قد استشهد به الشيخ الأمين ﵀ على توحيد الألوهية، وقد أشار إلى ذلك عند براهين التوحيد، وذكر أنه أعادها لأهميتها١. ولا شكّ أنّ هذا ليس بتكرار؛ إذ إنه تناول كلّ قضية من جانب يختلف عن الجانب الذي تناول به القضية الأخرى. وقد ذكر ﵀ ستة براهين على البعث، وذكر عند كلّ برهان ما يعضده من الآيات على طريقته ﵀ في تفسير القرآن بالقرآن.

стр. 434

البرهان الأول: خلق الناس استدلّ الشيخ الأمين ﵀ على أنّ من خلق الناس من العدم قادر على إعادتهم بعد فنائهم؛ حيث قال ﵀: "خلق الناس أولاً المشار إليه بقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ١، لأنّ الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني. وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآية٢، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ ٣، وكقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة﴾ ٤، وقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة﴾ ٥، وقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾ الآية٦، وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ ٧، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى﴾ ٨. ولذا ذكر تعالى أنّ من أنكر البعث فقد نسي الإيجاد الأول؛ كما في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ الآية٩، وقوله: ﴿وَيَقُولُ الإنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ ١٠.

стр. 435

ثمّ رتب على ذلك نتيجة الدليل بقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ الآية١..... إلى غير ذلك من الآيات"٢. وقال ﵀ أيضاً: "من خلقهم أولاً من طين، وأصله التراب المبلول، لايشك عاقل في قدرته على خلقهم مرة أخرى بعد أن صاروا تراباً؛ لأنّ الإعادة لا يعقل أن تكون أصعب من البدء"٣.

стр. 436

البرهان الثاني: خلق المخلوقات التي أكبرها السماوات والأرض بيَّن الشيخ الأمين ﵀ أنّ من قدر على إيجاد هذه المخلوقات العظيمة فهو قادر على بعث الخلق يوم القيامة، فقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ ١: "وجواب الاستفتاء المذكور الذي لا جواب له غيره هو أن يقال: من خلقت يا ربنا من الملائكة ومردة الجنّ والسموات والأرض والمشارق والمغارب والكواكب أشدّ خلقاً منا؛ لأنها مخلوقات عظام أكبر وأعظم منا، فيتضح بذلك البرهان القاطع على قدرته جل وعلا على البعث بعد الموت؛ لأنّ من المعلوم بالضرورة أنّ من خلق الأعظم الأكبر كالسموات والأرض وما ذكر معهما قادر على أن يخلق الأصغر الأقل، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاس﴾ ٢؛ أي: ومن قدر على خلق الأكبر فلا شك أنه قادر على أن يخلق الأصغر، كخلق الإنسان خلقاً جديداً بعد الموت"٣. ثمّ سرد ﵀ الآيات الدالة على هذا البرهان، فقال: "وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ

стр. 437

عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ٢، وقال تعالى في النازعات موضحاً الاستفتاء المذكور في آية الصافات هذه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ٣"٤.

стр. 438

البرهان الثالث: إحياء الأرض بعد موتها قال الشيخ الأمين ﵀: "من أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الناس بعد موتهم؛ لأنّ الجميع أحياء بعد موت. فمن الآيات الدالة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٤. فقوله: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي نبعثهم من قبورهم أحياء كما أخرجنا تلك الثمرات بعد عدمها، وأحيينا بإخراجها ذلك البلد الميت. وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ٥ يعني تخرجون من قبوركم أحياء بعد الموت.

стр. 439

وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ١. إلى غير ذلك من الآيات"٢. وعلق ﵀ على هذه البراهين بعد ذكرها بقوله: "فهذه البراهين الثلاثة يكثر جداً الاستدلال بها على البعث في كتاب الله"٣.

стр. 440

البرهان الرابع: إحياء بعض الأموات في الدنيا؛ دليل على إحياء جميع الخلق يوم القيامة ذكر الشيخ الأمين ﵀ هذا البرهان، وساق له خمسة أدلة من كتاب الله تعالى، أربعة منها فيها ذكر أناس عاشوا بعد الموت؛ فقال ﵀: "هناك برهان رابع يكثر الاستدلال به على البعث....وهو إحياء الله بعض الموتى في دار الدنيا كما تقدمت الإشارة إليه في سورة البقرة؛ لأنّ من أحيا نفساً واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ١. وقد ذكر جل وعلا هذا البرهان في سورة البقرة في خمسة مواضع: الأول: قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢. الثاني: قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٣. الثالث: قوله جل وعلا: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ٤. الرابع: قوله: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٥.

стр. 441

الخامس: قوله تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١"٢.

стр. 442

البرهان الخامس: إخراج النار من الشجر الأخضر قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ١. قال الشيخ الأمين ﵀ عند تفسير هذه الآيات: "والجواب الذي لاجواب غيره، أنت يا ربنا هو الذي أنشأت شجرتها، ونحن لا قدرة لنا بذلك. فيقال: كيف تنكرون البعث وأنتم تعلمون أنّ من أنشأ شجرة النار وأخرجها منها قادر على كلّ شيء. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون خلق النار من أدلة البعث جاء موضحاً في (يس) في قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ ٢؛ فقوله في آخر (يس) : ﴿توقدون﴾ ؛ هو معنى قوله في الواقعة: ﴿تورون﴾ ، وقوله في آية (يس) : ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَاراً﴾ بعد قوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ دليل واضح على أنّ خلق النار من أدلة البعث) ٣.

стр. 443

البرهان السادس: إيلاج الليل بالنهار والنهار بالليل قال الشيخ الأمين ﵀: "استدلّ على قدرته على الخلق والبعث، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١"٢. وهذه البراهين التي استدلّ بها الشيخ الأمين ﵀ على النشأة الثانية أدلة واضحة وصريحة من كتاب الله . وقد استدلّ بها غيره من العلماء؛ أمثال الإمام ابن القيم ﵀ حيث أورد أكثرها في كتابه إعلام الموقعين٣. وكذلك الإمام ابن أبي العزّ الحنفي شارح الطحاوية؛ ذكر خمسة منها٤.

стр. 444

المطلب الثاني: الحشر الحشر: هو جمع الناس حفاة، عراة، غرلاً، بهماً، على صعيد واحد للحساب والجزاء يوم القيامة١. وقد دلّ الكتاب والسنة على الحشر؛ فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ ٢. وقال رسول الله ﷺ : "تحشرون حفاة عراة غرلاً"، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: "الأمر أشدّ من أن يهمهم ذاك "٣. ولقد أوضح الشيخ الأمين ﵀ الحشر، وكيفيته، وأنواعه؛ فقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ ٤: "أي تشقق الأرض عنهم في حال كونهم مسرعين إلى الداعي؛ وهو الملك الذي ينفخ في الصور، ويدعو الناس إلى الحساب والجزاء. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنّ الناس يوم البعث يخرجون من قبورهم مسرعين إلى المحشر قاصدين نحو الداعي، جاء في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ٥.

стр. 445

وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ ١"٢. وقال أيضاً ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٣: "أي، والله لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة؛ أي حفاة عراة غرلاً؛ أي غير مختونين. كلّ واحد منكم فرد لا مال معه، ولا ولد، ولا خدم، ولا حشم"٤. وقد أوضح الشيخ ﵀ أنّ الحشر عام لجميع المخلوقات، حيث قال: "إنّ هذا الحشر المذكور شامل للعقلاء وغيرهم من أجناس المخلوقات، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ ٥"٦. أقسام المحشورين وكيفية حشرهم: (١) - حشر المتقين: قال الشيخ الأمين ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً﴾ ٧: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنّ المتقين الذين كانوا يتقونه في دار الدنيا بامتثال أمره واجتناب نهيه يحشرون إليه يوم القيامة في حال كونهم وفداً ... والوفد من يأتي إلى الملك مثلاً في أمر له شأن"٨.

стр. 446

ثمّ بين ﵀ كيفية حشرهم، فقال: "وجمهور المفسرين على أنّ معنى قوله: ﴿وفدا﴾ ؛ أي ركباناً. وبعض العلماء يقول: هم ركبان على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة، وبعضهم يقول: يحشرون ركباناً على صور من أعمالهم الصالحة في الدنيا في غاية الحسن وطيب الرائحة ... - إلى أن قال: وركوبهم المذكور إنما يكون من المحشر إلى الجنة. أما من القبر، فالظاهر أنهم يحشرون مشاة بدليل حديث ابن عباس الدالّ على أنهم يحشرون حفاة عراة غرلاً. هذا هو الظاهر، وجزم به القرطبي، والعلم عند الله" ١. (٢) - حشر الكافرين وشياطينهم: قال الشيخ الأمين ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾ ٢: "أقسم جل وعلا بنفسه الكريمة أنه يحشرهم، أي الكافرين المنكرين للبعث، وغيرهم من الناس، ويحشر معهم الشياطين الذين كانوا يضلونهم في الدنيا، وأنه يحضرهم حول جهنم جثياً. وهذان الأمران اللذان ذكرهما في الآية الكريمة أشار إليهما في غير هذا الموضع. أما حشره لهم ولشياطينهم، فقد أشار إليه في قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ ٣"٤. وقال ﵀ أيضاً: "فقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا

стр. 447

وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ ؛ أي: اجمعوا الظالمين وأشباههم ونظراءهم فاهدوهم إلى النار ليدخلها جميعهم. وبذلك نعلم أنّ قول من قال: المراد بأزواجهم: نساؤهم اللاتي على دينهم –خلاف الصواب. وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، أي: احشروا مع الكفار الشركاء التي كانوا يعبدونها من دون الله ليدخل العابدون والمعبودات جميعاً النار"١.

стр. 448

المبحث الرابع: الميزان الميزان لغة: اسم للآلة التي توزن بها الأشياء. والوزن: معرفة قدر الشيء، يقال: وزنته وزناً وزنة، والمتعارف في الوزن عند العامة: ما يقدر بالقسط والقبان١. والميزان شرعا: هو ما ينصبه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد؛ ليجازيهم على أعمالهم. وهو ميزان حسي له كفتان ولسان. وقد دلّ عليه الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٢. وقال ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن؛ سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" ٣. وقال ﷺ عن ساقي عبد الله بن مسعود: "إنهما لفي الميزان أثقل من جبل أحد"٤. وقد أوضح الشيخ الأمين ﵀ حقيقة الميزان، وسرد الأدلة على وجوده، وأنه حقّ ثابت. وقد رجح في الأخير أنها موازين عدة لا واحد. قال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ٥: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يضع الموازين القسط

стр. 449

ليوم القيامة، فتوزن أعمالهم وزناً في غاية العدالة والإنصاف، فلا يظلم الله أحداً شيئاً، وأنّ عمله من الخير أو الشر وإن كان في غاية القلة والدقة كمثقال حبة من خردل، فإنّ الله يأتي به؛ لأنه لا يخفى عليه شيء، وكفى به جل وعلا حاسباً لإحاطة علمه بكلّ شيء. وبين في غير هذا الموضع أنّ الموازين عند ذلك الوزن منها ما يخفّ، ومنها ما يثقل، وأنّ من خفت موازينه هلك، ومن ثقلت موازينه نجا"١. ثمّ سرد ﵀ الآيات الدالة على ذلك من القرآن الكريم كعادته في تفسير القرآن بالقرآن، ورجح ﵀ تعدد الموازين، فقال: "وقوله في هذه الآية: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِين﴾ جمع ميزان. وظاهر القرآن تعدد الموازين لكلّ شخص؛ لقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ ٣: فظاهر القرآن يدلّ على أنّ للعامل الواحد موازين يوزن بكلّ واحد منها صنف من أعماله٤؛ كما قال الشاعر: ملك تقوم الحادثات لعدله فلكلّ حادثة لها ميزان والقاعدة المقررة في الأصول: أنّ ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: "الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة٥"٦. وأثبت ﵀ أنّ العامل يوزن، واستدلّ بحديث أبي هريرة رضي

стр. 450

الله عنه، عن النبيّ ﷺ : " إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة". وقال اقرؤوا: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ١"٢. ثمّ قال ﵀: "وفيه دلالة على وزن الأشخاص"٣. ويحسن بنا أن نختم هذا المبحث بأقوال السلف في حقيقة الميزان، وأنه يجب الإيمان به كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة. قال أبو إسحاق الزجاج٤ ﵀: "أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأنّ أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأنّ الميزان له لسان، وكفتان، ويميل بالأعمال"٥. وقال ابن أبي العزّ الحنفي ﵀: " ... فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وثبت أنّ الميزان له كفتان. والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات. فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق ﷺ من غير زيادة ولانقصان"٦.

стр. 451

المبحث الخامس: الصراط الصراط لغةً: قال الشيخ الأمين –﵀: "الصراط في لغة العرب: الطريق الواضح والمستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ومنه قول جرير: أمير المؤمنين على صراط إذ اعوج الموارد مستقيم١. وأما شرعاً: فهو جسر منصوب على متن جهنم، يمرّ عليه الناس إلى الجنة، فمنهم من يمرّ كالطرف، ومنهم كالريح، ومنهم من يمرّ كشدّ الرجل؛ يرمل رملاً، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمرّ الذي نوره على إبهام قدمه، ومنهم من يخطف فيلقى في النار، فمن يمرّ على الصراط دخل الجنة٢. وقد ورد في ذكر الصراط أحاديث منها: قوله ﷺ : " ... ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها. ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل. ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم. وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله ، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بقي بعمله، أو الموثق بعمله، ومنهم المخردل أو المجازى أو نحوه "٣.

стр. 452

والمرور على الصراط هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ ١. وقد اختلف العلماء في المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ إلى أقوال كثيرة، ذكر الشيخ الأمين –﵀ أربعة منها، فقال: "الأول: أن المراد بالورود: الدخول ولكنّ الله يصرف أذاها عن عباده المتقين عند ذلك الدخول. الثاني: أن المراد بورود النار المذكور: الجواز على الصراط؛ لأنه جسر منصوب على متن جهنم. الثالث: أن الورود المذكور: هو الإشراف عليها والقرب منها. الرابع: أن حظّ المؤمنين من ذلك هو حرّ الحمى في دار الدنيا٢. ثمّ استدلّ للقول الأول "أنّ ورود النار جاء في القرآن في آيات متعددة، والمراد في كلّ واحد منها: الدخول. فاستدلّ بذلك ابن عباس على أنّ الورود في الآية التي فيها النزاع هو الدخول؛ لدلالة الآيات الأخرى على ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ ٣؛ قال: فهذا ورود دخول. وكقوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٤؛ فهو ورود دخول أيضا. وكقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ

стр. 453

مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ١. وبهذا استدلّ ابن عباس على نافع ابن الأزرق في٢أنّ الورود: الدخول"٣. ثمّ قال ﵀: "واحتج من قال بأنّ الورود: الإشراف والمقاربة، بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ الآية٤، قال: فهذا ورود مقاربة وإشراف عليه. وكذا قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ الآية٥. ونظيره من كلام العرب: قول زهير بن أبي سلمى في معلقته: فلما وردن الماء زرقاً جمامه وضعن عصيّ الحاضر المتخيم٦ قالوا والعرب تقول: وردت القافلة البلد، وإن لم تدخله، ولكن قربت منه. واحتجّ من قال بأنّ الورود في الآية التي نحن بصددها، ليس نفس الدخول، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُون﴾ ٧، قالوا: إبعادهم عنها المذكور في هذه الآية يدلّ على عدم دخولهم فيها، فالورود غير الدخول. واحتجّ من قال بأنّ ورود النار في الآية بالنسبة للمؤمنين: حرّ الحمى في دار الدنيا بحديث: " الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" ٨، وهو حديث

стр. 454

متفق عليه من حديث عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر، وابن عمر، ورافع بن خديج ﵃. رواه البخاري أيضاً مرفوعاً عن ابن عباس١. ثمّ نصر ﵀ القول الأول؛ القائل بأنّ الورود بمعنى الدخول، واستدلّ على ذلك بأربعة أدلة؛ فقال: الأول: ما ذكره ابن عباس ﵄ من أنّ جميع ما في القرآن من ورود النار؛ معناه دخولها، غير محلّ النزاع، فدلّ ذلك على أنّ محلّ النزاع كذلك، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. الدليل الثاني: هو أن في نفس الآية قرينة دالة على ذلك؛ وهي أنه تعالى لما خاطب جميع الناس بأنهم سيردون النار برهم وفاجرهم بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ ٢، بين مصيرهم ومآلهم بعد ذلك الورود المذكوربقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾ ٣أي نترك الظالمين فيها دليل على أنّ ورودهم لها: دخولهم فيها، إذ لو لم يدخلوها لم يقل: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾ ، بل يقول: وندخل الظالمين، وهذا واضح كما ترى، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ دليل على أنهم وقعوا فيما من شأنه أنه هلكة، ولذا عطف على قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ٤. أما الدليل الثالث: فقد استدلّ ﵀ بحديث جابر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها،

стр. 455

فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم حتى إن للنار ضجيجاً من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا" ١. ثم قال ﵀: "إن حديث جابر المذكور يعتضد بظاهر القرآن وبالآيات الأخر التي استدل بها ابن عباس"٢. أما الدليل الرابع: فقد استدلّ ﵀ بآثار جاءت عن علماء السلف ﵃، كلهم يقولون: إنه ورود دخول٣. وختم كلامه ﵀ بالردّ على أدلة من منع الدخول؛ فقال ﵀: "وأجاب من قال بأنّ الورود في الآية: الدخول عن قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٤؛ بأنهم مبعدون عن عذابها والآمها، فلا ينافي ذلك ورودهم إياها من غير شعورهم بألم ولا حرّ منها ... وأجابوا عن الاستدلال بحديث "الحمى من فيح جهنم" بالقول بموجبه، قالوا: الحديث حقّ صحيح، ولكنه لا دليل فيه لمحلّ النزاع؛ لأنّ السياق صريح في أنّ الكلام في النار في الآخرة، وليس في حرارة منها في الدنيا؛ لأنّ أول الكلام قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ ٥؛ فدل على أنّ كلّ ذلك في الآخرة لا في الدنيا كما ترى٦.

стр. 456

وتفسير الورود اختلف فيه الصحابة، ومن بعدهم من العلماء١. والشيخ الأمين ﵀ حين يرجح أنّ الورود بمعنى الدخول لم يأت بشيء مبتدع، بل قاله غيره من علماء التفسير؛ أمثال القرطبي٢ ﵀، وغيره. بل قد قال الألوسي: "ذهب إلى ذلك جمع كثير من سلف المفسرين وأهل السنة"٣. وبالمقابل رجح بعض العلماء أنّ الورود: هو المرور على الصراط؛ ومن هؤلاء ابن أبي العز الحنفي ﵀، الذي قال: "اختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ ٤ ماهو؟ والأظهر الأقوى أنه المرور على الصراط"٥. وكذلك الحافظ ابن رجب ﵀ الذي قال: "ومما يستدلّ به على أنّ الورود ليس هو الدخول: ما خرجه مسلم من حديث جابر قال: أخبرتني أم بشر أنها سمعت النبيّ ﷺ يقول عند حفصة: " لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها". قالت: بلى يا رسول الله. فانتهرها. فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ ٦ فقال النبيّ ﷺ : "قد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ ٧"٨ ٩.

стр. 457

وكذلك الإمام الشوكاني١ ﵀ قال: "وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود وحمله على ظاهره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٢.... ولا يخفى أنّ القول بأنّ الورود هو المرور على الصراط، أو الورود على جهنم وهي خامدة: فيه جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة، فينبغي حمل هذه الآيات على ذلك"٣. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما الورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ ٤: فقد فسره النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح: رواه مسلم في صحيحه عن جابر: بأنه المرور على الصراط٥. والصراط هو الجسر، فلا بد من المرور عليه لكلّ من يدخل الجنة؛ من كان صغيراً في الدنيا، ومن لم يكن"٦.

стр. 458

المبحث السادس: الجنة المطلب الأول: نعيم الجنة ... المبحث السادس: الجنة الجنة لغة: عرفها الشيخ ﵀ بقوله: والجنة في لغة العرب: البستان. ومنه قول زهير بن أبي سلمى: كأنّ عيني في غربي مقلة من النواضح تسقي جنة سحقا فقوله: جنة سحقا؛ يعني: بستانا طويل النخل. وفي اصطلاح الشرع: هي دار الكرامة التي أعدّ الله لأوليائه يوم القيامة١، وفيها نهر يطرد، وغرفة عالية، وشجرة مثمرة، وزوجة حسناء. بل فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذّ الأعين؛ مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر٢؛ قال رسول الله ﷺ : " يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بش ر"٣.

стр. 459

المطلب الأول: نعيم الجنة أشار الشيخ الأمين ﵀ إلى نعيم الجنة، وصوره وذكر أنّ هذا النعيم باق لايفنى ولاينفذ. وذكر كثيراً من الآيات التي تتحدث عن أوصاف هذا النعيم المقيم؛ فقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ ١: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنّ المتقين يدخلون يوم القيامة جنات عدن. والعدن في لغة العرب: الإقامة؛ فمعنى جنات عدن: جنات إقامة في النعيم لايرحلون ولايتحولون. وبين في آيات كثيرة أنهم مقيمون في الجنة على الدوام، كما أشار له هنا بلفظ عدن؛ كقوله: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ ٢، وقوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية٣، والمقامة: الإقامة"٤. ثمّ قال ﵀: "وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿تجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ ٥؛ بين أنواع الأنهار في قوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ ٦. وقوله هنا: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ ٧ وضحه في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٨، وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ

стр. 460

وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُولاً﴾ ٢، وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ٤، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ ٥؛ يدلّ على أنّ تقوى الله هي السبب الذي به تنال الجنة. وقد أوضح تعالى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً﴾ ٦. وقوله، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٧. وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ٨، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ ٩، إلى غير ذلك من الآيات"١٠. وتحدث الشيخ ﵀ عن خلود الجنة وخلود أهلها، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً﴾ ١١، فقال: "أي خالدين فيه بلا انقطاع. وقد بين هذا المعنى في مواضع أخر كثيرة، كقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ١٢؛ أي غير مقطوع، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ ١٣؛ أي ماله انقطاع وانتهاء، وقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ
следующие страницы →