الصحيح، والإسلام الشرعيّ الصحيح: هو استسلام القلب بالاعتقاد، واللسان بالإقرار، والجوارح بالعمل"١.
فالشيخ ﵀ يؤكد أنه لا يحصل الإيمان الشرعي إلا بالقول والاعتقاد والعمل، لا يكفي واحد من هذه الأمور، بل لابدّ من الإتيان بها جميعا. وهذا ما اتفق عليه السلف رضوان الله عليهم:
قال الإمام الشافعي ﵀: "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم، وممن أدركناهم يقولون: إنّ الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر"٢.
وقال الإمام ابن عبد البرّ ﵀ "أجمع أهل الفقه والحديث على أنّ الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية. والإيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. والطاعات كلها عندهم تسمى إيمانا"٣.
وهذه الأقوال تشعرنا باتباع الشيخ الأمين –﵀ لمنهج السلف ﵏ في تقرير العقيدة؛ فهو متبع لطريقة السلف غيرمبتدع، وبما قالوا به يقول، وإلى ما ذهبوا إليه يذهب.
كما أكد الشيخ الأمين –﵀ أنه عند إطلاق مسمى الإيمان تدخل الأعمال فيه، أما إذا قرن الإيمان بالعمل؛ فالمراد به أصل الإيمان الذي في القلب:
يقول الشيخ ﵀: "الإيمان إذا ذكر مفردا: شمل الأعمال. وإذا ذكر معه العمل: انصرف إلى الإيمان الأكبر الذي هو الإيمان القلبي.
стр. 527
والقلب هو موضع الإيمان، والجوارح تبع له؛ كما قال الرسول ﷺ : "ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب "١"٢.
ثمّ ذكر الشيخ الأمين –﵀ أنّ للعمل الصالح ثلاثة شروط لابدّ من توفرها حتى يسمى إيمانا؛ فقال ﵀: "لا يكون العمل صالحا إلا إذا اجتمعت فيه ثلاثة أمور:
الأول: أن يكون مطابقا للشرع؛ لأنه لا يقبل عمل غير مطابق لما شرع الله تعالى: كما قال جلّ وعلا: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٣.
الثاني: أن يكون العمل مخلصا لله تعالى: بأن قصد به صاحبه وجه الله، ونقاه من شوائب إرادة المخلوقين؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤.
الثالث: أن يكون العمل مبنيا على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأنها للعمل كالأساس للبناء، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ ٥؛ فقدم الإيمان الذي هو العقيدة الصالحة على العمل"٦.
وبهذه الشروط الثلاثة التي ذكرها الشيخ الأمين –﵀ يستحقّ أن يسمى العمل إيمانا؛ لأنه تحقق فيه تجريد العبادة لله وحده ، وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ .
стр. 528
المبحث الثاني: الفرق بين الإسلام والإيمان
الإسلام والإيمان كما هو مقرر في قواعد أهل السنة والجماعة:
إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا١؛ أي إذا اجتمعا باللفظ افترقا بالمعنى؛ فيشمل الإسلام الأعمال الظاهرة. والإيمان الأعمال الباطنة. وإذا افترقا باللفظ اجتمعا بالمعنى؛ فيشمل كلّ واحد منهما الأعمال الظاهرة والباطنة.
وقد صرح بهذا المعنى الشيخ الأمين –﵀، وذكر أمثلة لورود الإيمان متضمنا للإسلام، شاملا للأعمال الظاهرة والباطنة.
وبين ﵀ أنّ الإيمان يطلق أحيانا على الأعمال القلبية فقط؛ فيكون مغايرا لمعنى الإسلام:
يقول ﵀ في بيان ذلك كله عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ٢:
"ظاهره المغايرة بين الإيمان والإسلام. وقد دلّ بعض الآيات على اتحادهما؛ كقوله تعالى: ﴿فأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣. ولا منافاة في ذلك؛ فإنّ الإيمان يطلق تارة على جميع ما يطلق عليه الإسلام من الاعتقاد والعمل؛ كما ثبت في
стр. 529
الصحيح من حديث وفد عبد القيس١. والأحاديث بمثل ذلك كثيرة. ومن أصرحها في ذلك قوله ﷺ : " الإيمان بضع وسبعون –وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح- وستون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" ٢؛ فقد سمى ﷺ "إماطة الأذى عن الطريق" إيمانا. وقد أطال البيهقي ﵀ في شعب الإيمان في ذكر الأعمال التي جاء الكتاب والسنة بتسميتها إيمانا. فالإيمان الشرعي التام، والإسلام الشرعي التام معناهما واحد.
وقد يطلق الإيمان إطلاقا آخر على خصوص ركنه الأكبر الذي هو الإيمان بالقلب؛ كما في حديث جبريل الثابت في الصحيح٣.
والقلب مضغة في الجسد إذا صلح الجسد كله؛ فغيره تابع له. وعلى هذا تحصل المغايرة في الجملة بين الإيمان والإسلام.
فالإيمان على هذا الإطلاق اعتقاد، والإسلام شامل للعمل. واعلم أنّ مغايرته تعالى بين الإيمان والإسلام في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٤؛ قال بعض العلماء: المراد بالإيمان هنا: معناه الشرعيّ، والمراد بالإسلام: معناه اللغويّ؛ لأنّ إذعان الجوارح وانقايدها دون إيمان القلب: إسلام لغة لا شرعا.
وقال بعض العلماء: المراد بكلّ منهما معناه الشرعي، ولكن نفي الإيمان في قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ﴾ يراد به عند من قال هذا: نفي كمال الإيمان، لا نفي أصله. ولكنّ ظاهر الآية لا يساعد على هذا؛ لأن قوله:
стр. 530
"ولما يدخل" فعل في سياق النفي، وهو صيغة عموم على التحقيق وإن لم يؤكد بمصدر، ووجهه واضح جدا كما قدمنا مرارا"١.
وما ذكره الشيخ الأمين –﵀ هو قول المحققين من أهل العلم كما نقله الإمام النووي٢عن أبي عمرو بن الصلاح ﵀، وغيره.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لكن التحقيق ابتداء هو ما بينه ﷺ لما سئل عن الإسلام والإيمان؟ ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة. فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبيّ ﷺ .
وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام، وإذا أفرد الإسلام فقد يكون مع الإسلام مؤمنا بلا نزاع. وهذا هو الواجب"٣.
стр. 531
المبحث الثالث: زيادة الإيمان ونقصانه
أهل السنة والجماعة يقولون: الإيمان قول وعمل؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية١.
والخلاف في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه فرع عن الخلاف في تحديد معنى الإيمان الشرعي؛ فمن قال من المبتدعة: إنّ الإيمان هو التصديق، ولم يدخل العمل، قال بعدم الزيادة والنقصان. ومن قال بقول أهل السنة والجماعة أنّ الإيمان قول واعتقاد وعمل، قال بأنه يزيد وينقص.
وقد أوضح الشيخ الأمين –﵀ هذه المسألة، وبين أنّ الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
واستشهد على ذلك بآيات من القرآن الكريم؛ فقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ٢:
"ويفهم من هذه الآية الكريمة أنّ من آمن بربه وأطاعه زاده ربه هدى؛ لأنّ الطاعة سبب للمزيد من الهدى والإيمان. وهذا المفهوم من هذه الآية الكريمة جاء مبينا في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
стр. 532
الآية١، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ الآية٢، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ الآية٤، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ الآية٥، إلى غير ذلك من الآيات. وهذه الآيات المذكورة نصوص صريحة في أنّ الإيمان يزيد، مفهوم منها أنه ينقص أيضا، كما استدل بها البخاري ﵀ على ذلك. وهي تدلّ دلالة صريحة لاشك فيها.
فلا وجه معها للاختلاف في زيادة الإيمان ونقصه كما ترى والعلم عند الله تعالى".٦
وقال ﵀ في موضع آخر بعدما ذكر الآيات المتقدمة: "وتدل هذه الآيات بدلالة الالتزام على أنه ينقص أيضاً، لأن كل ما يزيد ينقص. وجاء مصرحاً به في أحاديث الشفاعة الصحيحة كقوله: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال حبة من إيمان "٧ونحو ذلك"٨. وقال ﵀ أيضاً: "والحق الذي لا شك فيه أن الإيمان يزيد وينقص كما عليه أهل السنة والجماعة. وقد دل عليه الوحي من الكتاب والسنة، كما
стр. 533
تقدم" ١. فالشيخ الأمين –﵀ على عقيدة السلف في هذه القضية وغيرها، فهو يقول: إن الإيمان يزيد وينقص. وأما المبتدعة ومن حاد عن الطريق المستقيم فإنهم أنكروا زيادة الإيمان ونقصانه. وقولهم لا مستند له صحيح، ولا تؤيده الأدلة.
стр. 534
المبحث الرابع: مراتب المؤمنين
هذه المسألة مترتبة على التي سبقتها؛ وهي زيادة الإيمان ونقصانه. فالذي حقق شعب الإيمان كلها أعلى مرتبة من الذي اقتصر على بعض الشعب.
والمؤمنون الكمل عندهم من تفاصيل علوم الإيمان، ومعارفه وأعماله ما لا يقاس بعلوم كثير من المؤمنين وأعمالهم وأخلاقهم؛ ولهذا فالمؤمنون على ثلاث مراتب١.
وقد ذكر الشيخ الأمين –﵀ مراتبهم مستشهدا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُجَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ ٢؛ فقال ﵀:
"فقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنّ إيراث هذه الأمة لهذا الكتاب دليل على أنّ الله اصطفاها في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ ، وبين أنهم ثلاثة أقسام:
الأول: الظالم لنفسه: وهو الذي يطيع الله، ولكنه يعصيه أيضا، فهو
стр. 535
الذي قال الله فيه: ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ ١.
والثاني: المقتصد: وهو الذي يطيع الله ولا يعصيه، ولكنه لا يتقرب بالنوافل من الطاعات.
والثالث: السابق بالخيرات: وهو الذي يأتي بالواجبات، ويجتنب المحرمات، ويتقرب إلى الله بالطاعات والقربات التي هي غير واجبة.
وهذا على أصح الأقوال في تفسير الظالم لنفسه والمقتصد والسابق"٢.
وقال ﵀ في موضع آخر: "وأظهر الأقوال في المقتصد، والسابق، والظالم أنّ المقتصد: هو من امتثل الأمر، واجتنب النهي، ولم يزد على ذلك. وأنّ السابق بالخيرات: هو من فعل ذلك، وزاد بالتقرب إلى الله بالنوافل، والتورع عن بعض الجائزات خوفا من أن يكون سببا لغيره. وأنّ الظالم هو المذكور في قوله: ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية٣. والعلم عند الله تعالى"٤.
وقال ﵀ في موضع آخر أيضا: "ووعدنا على لسانه ﷺ وعدا يزيل الطمع من الفرق، وهو ما صحّ عنه أنّ مؤمننا في الجنة وإن زنى وإن سرق، وجعلنا ثلاث طوائف في كتابه المنير؛ قال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ٥. ووعد جميع الطوائف الثلاث بدخول الجنات
стр. 536
والتحلية بالأساور ولبس الحرير؛ قال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ ١؛ فأتى في قوله "يدخلونها" بواو الجمع الشاملة للظالم لنفسه، وقدمه لئلا يقنط، وأخر السابق بالخيرات لئلا يعجب بعمله فيحبط، وخاطب المسرفين منا خطابا تجعل لذته الأصمّ سميعا، قال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ ٢.
فاعجب لأمة يخاطب الله مسرفيها هذا الخطاب في الآيات البينات المحكمات من الكتاب"٣.
فالشيخ الأمين –﵀ قال بأنّ المؤمنين على ثلاث مراتب، كلّ مرتبة تخالف سابقتها في الفضل؛ فهم متفاوتون حسب اجتهادهم في الأعمال، وطريقة أدائهم لها. وليسوا كما قالت المرجئة على درجة واحدة من الإيمان.
وقد قال بهذا التقسيم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ومما قاله: "فقد قسم الله سبحانه الأمة التي أورثها الكتاب واصطفاها ثلاثة أصناف: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات.
وهؤلاء الثلاثة ينطبقون على الطبقات الثلاث المذكورة في حديث جبريل "الإسلام"، و"الإيمان"، و"الإحسان" ... ومعلوم أن الظالم لنفسه إن أريد به من اجتنب الكبائر، والتائب من جميع الذنوب؛ فذلك مقتصد أو سابق، فإنه ليس أحد من بني آدم يخلو عن ذنب، لكن من تاب كان مقتصداً، أو سابقا. كذلك من اجتنب الكبائر كفرت عنه السيئات؛ كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُم﴾ ٤.فلابدّ أن
стр. 537
يكون هناك ظالم لنفسه موعود بالجنة ولو بعد عذاب يطهر من الخطايا"١.
فالناس متفاوتون في درجات إيمانهم، وقربهم من بارئهم بحسب ما أدوا من واجبات وطاعات، واجتنبوا من محرمات. فلا ريب أنّ التفاوت الذي ذكره الشيخ الأمين –﵀ مستدلا عليه بالقرآن الكريم حقيقة واقعة لا مراء فيها.
نسأل الله جلّ وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا من أعلاهم درجة؛ من السابقين بالخيرات الذين هم أمثل الطوائف الثلاث إنه جواد كريم.
стр. 538
المبحث الخامس: الكبائر
دلت النصوص من الكتاب والسنة على أنّ الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر.
أما الكتاب: فمنها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ٣.
ومن السنة: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر" وفي رواية: "مالم تغش الكبائر "٤.
وأوضح الشيخ الأمين –﵀ انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، وبين معنى الكبائر، وهل تنحصر بعدد معين، وأكد أنّ اجتناب الكبائر مكفر للصغائر؛ فقال ﵀ عند قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ ٥:
"وقد صرح تعالى بأنّ المنهيات منها كبائر، ويفهم من ذلك أنّ منها
стр. 539
صغائر. وبين أنّ اجتناب الكبائر يكفر الله به الصغائر؛ وذلك في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ١. ويروى عن الفضيل بن عياض في هذه الآية أنه قال: "ضجوا من الصغائر قبل الكبائر"٢".
وهذا التقسيم واضح الدلالة من الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الإمام ابن القيم ﵀: "فقد دلّ الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم على أنّ الذنوب كبائر وصغائر"٣.
أما عن تعريف الكبيرة: فقد ذكر الشيخ الأمين –﵀ اختلاف العلماء فيه على أقوال متعددة؛ فقال: "واعلم أنّ أهل العلم اختلفوا في حدّ الكبيرة؛ فقال بعضهم٤: هي كلّ ذنب استوجب حدا من حدود الله.
وقال بعضهم٥: هي كلّ ذنب جاء الوعيد عليه بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب. واختار بعض المتأخرين٦حدّ الكبيرة بأنها هي كل ذنب دلّ على عدم اكتراث صاحبه بالدين ... وعن ابن عباس أنّ الكبائر أقرب إلى السبعين منها إلى السبع. وعنه أيضا: أنها أقرب إلى سبعمائة منها إلى سبع٧"٨.
стр. 540
ثمّ ذكر الشيخ الأمين –﵀ القول الراجح في حدّ الكبيرة؛ فقال: "والأظهر عندي في ضابط الكبيرة أنها كلّ ذنب اقترن بما يدلّ على أنه أعظم من مطلق المعصية؛ سواء كان ذلك الوعيد عليه بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب، أو كان وجوب الحدّ فيه، أو غير ذلك مما يدلّ على تغليظ التحريم وتوكيده"١.
وقد ردّ ﵀ علىمن قال إنّ المعاصي لا تنقسم إلى كبائر وصغائر، بل كلها كبائر، وأكد أنّ الذنوب منها ما هو كبير، ومنها ما هو صغير؛ كما دلّ عليه التنزيل؛ فقال ﵀: "مع أنّ بعض أهل العلم٢قال: إنّ كل ذنب كبيرة.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ : يدل على عدم المساواة، وأنّ بعض المعاصي كبائر وبعضها صغائر. والمعروف عند أهل العلم: أنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. والعلم عند الله تعالى"٣.
ثمّ رجح ﵀ أنّ الكبائر ليس لها حدّ معين، وأنه لا يمكن حصرها؛ فقال ﵀: "التحقيق أنها لا تنحصر في سبع، وأنّ ما دلّ عليه من الأحاديث على أنها سبع٤لا يقتضي انحصارها في ذلك العدد؛ لأنه إنما دلّ على نفي غير السبع بالمفهوم، وهو مفهوم لقب، والحقّ عدم اعتباره.
ولو قلنا إنه مفهوم عدد لكان غير معتبر أيضاً؛ لأن زيادة الكبائر على السبع مدلول عليها بالمنطوق. وقد جاء منها في الصحيح عدد أكثر من سبع،
стр. 541
والمنطوق مقدم على المفهوم، مع أنّ مفهوم العدد ليس من أقوى المفاهيم"١.
ثمّ ذكر ﵀ أمثلة للكبيرة من سنة رسول الله ﷺ ؛ فقال: "واعلم أنّ كبائر الإثم ليست محدودة في عدد معين. وقد جاء تعيين بعضها؛ كالسبع الموبقات؛ أي المهلكات لعظمها. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أنها: "الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحقّ، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" ٢.
وقد جاءت روايات كثيرة٣عن النبيّ ﷺ في تعيين بعض الكبائر؛ كعقوق الوالدين، واستحلال حرمة بيت الله الحرام، والرجوع إلىالبادية بعد الهجرة، وشرب الخمر، واليمين الغموس، والسرقة، ومنع فضل الماء، ومنع فضل الكلأ، وشهادة الزور.
وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح عن ابن مسعود: " إنّ أكبر الكبائر: الإشراك بالله الذي خلق الخلق، ثمّ قتل الرجل ولده خشية أن يطعم معه، ثمّ زناه بحليلة جاره" ٤، وفي بعضها أيضا: " إنّ من الكبائر تسبب الرجل في سبّ والديه" ٥، وفي بعضها أيضا: أن "سباب المسلم
стр. 542
فسوق وقتاله كفر " ١؛ وذلك يدلّ على أنهما من الكبائر. وفي بعض الروايات: أنّ " من الكبائر الوقوع في عرض المسلم، والسبَّتين بالسبة "٢.
وفي بعض الروايات أنّ منها جمع الصلاتين من غير عذر "٣، وفي بعضها:
أنّ منها " اليأس من روح الله، والأمن من مكر الله "٤:
ويدلّ عليهما قوله تعالى: ﴿رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٥، وقوله: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٦. وفي بعضها أنّ منها "سوء الظن بالله"٧؛ ويدلّ له قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ٨. وفي بعضها انّ منها "الإضرار بالوصية"٩.
стр. 543
وفي بعضها أنّ منها الغلول١؛ ويدلّ له قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٢؛ وقدمنا معنى الغلول في سورة الأنفال، وذكرنا حكم الغالّ. وفي بعضها: أنّ من أهل الكبائر الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا؛ ويدلّ له قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣. ولم نذكر أسانيد هذه الروايات ونصوص متونها خوف الإطالة. وأسانيد بعضها لاتخلو من نظر، لكنها لا يكاد يخلو شيء منها عن بعض الشواهد الصحيحة من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ "٤.
ثمّ ذكر الشيخ الأمين –﵀ أنّ الكبيرة لا تحبط العمل الصالح؛ فقال عند قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ﴾ ٥: "في هذه الآية الكريمة دليل على أنّ كبائر الذنوب لاتحبط العمل الصالح؛ لأنّ هجرة مسطح بن أثاثة من عمله الصالح، وقذفه لعائشة من الكبائر، ولم يبطل هجرته؛ لأنّ الله قال فيه بعد قذفه: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ فدلّ ذلك على أنّ هجرته في سبيل الله لم يحبطها قذفه لعائشة ﵂"٦.
ثمّ نقل ﵀ قول القرطبي مستشهدا به على صحة ما قاله: قال القرطبي: (في هذه الآية دليل على أنّ القذف وإن كان كبيرا لايحبط الأعمال، لأنّ الله تعالى وصف مسطحا –بعد قوله- بالهجرة والإيمان. وكذلك سائر الكبائر. ولايحبط الأعمال غير الشرك؛ قال تعالى: ﴿لَئِنْ
стр. 544
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك﴾ ١"٢.
ثمّ تعقب الشيخُ الأمين القرطبي بقوله: "وما ذكر من أنّ الآية وصفت مسطحاً بالإيمان لم يظهر من الآية، وإن كان معلوما"٣.
стр. 545
أما اجتناب الكبائر: فهو مكفر للصغائر؛ كما ذكر الشيخ الأمين –﵀ عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ ١؛ فقال: "وأظهر الأقوال في قوله: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ : أنّ المراد باللمم صغائر الذنوب. ومن أوضح الآيات القرآنية في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية٢؛ فدلت على أنّ اجتناب الكبائر سبب لغفران الصغائر، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. ويدلّ لهذا حديث ابن عباس الثابت في الصحيح، قال: ما رأيت شيئاً باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لامحالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" ٣"٤.
أما حكم صاحب الكبيرة: فلم أجد الشيخ الأمين –﵀ تكلم عليه كلاما صريحا، وإنما أشار في مواضع من تفسيره إلى أنّ أهل الكبائر لايخلدون في النار يوم القيامة؛ من ذلك ماذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ ٥ من أنّ الوعيد للكفار لايتخلف، أما العصاة فلا يمتنع إخلافه٦، وذكر ﵀ عذاب الكفار، فقال: "وليس فيه تطهير ولا تمحيص لهم، بخلاف عصاة المسلمين فإنهم وإن عذبوا فسيصيرون إلى الجنة بعد ذلك العذاب.
"فليس المقصود بعذابهم مجرد الإهانة، بل ليؤولوا بعده إلى الرحمة ودار
стр. 546
الكرامة"١.
وقال عند قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّه﴾ ٢: "ومعناه إلا من شاء الله عدم خلوده فيها من أهل الكبائر من الموحدين"٣.
وهذه النصوص تؤكد أنّ عقيدة الشيخ الأمين –﵀ في صاحب الكبيرة أنه تحت المشيئة؛ إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له وعفا عنه.
وهذا ما أكده لي الشيخ عطية سالم –وهو من تلاميذ الشيخ الأمين الذين لازموه طيلة حياته- فقد سألته عن حكم الشيخ ﵀ على صاحب الكبيرة؟ فقال: إنه كان يتحدث في مجالسه أنّ صاحب الكبيرة تحت المشيئة.
وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة؛ فهم لا يكفرون من ترك بعض الواجبات، أو فعل بعض المحرمات التي هي دون الشرك والكفر كما يفعله أهل الوعيد، ولا يعطونه الإيمان الكامل كما يفعله أهل الوعد من المرجئة. بل صاحب الكبيرة عندهم مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته، ناقص الإيمان، لاينفون عنه مطلق الإيمان، ولايثبتون له الإيمان الكامل، وهو باق عندهم في عداد المسلمين له ما لهم وعليه ماعليهم.
ومن فعل المعاصي نزل إلى مرتبة الظالم لنفسه –كما مرّ أثناء الكلام على مراتب المؤمنين-.
стр. 547
قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام١ ﵀: (إنّ المعاصي والذنوب لا تزيل إيمانا، ولا توجب كفرا. ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعت الله به أهله واشترطه عليهم في مواضع من كتابه) ٢.
وبهذا يتبين لنا أن الشيخ الأمين –﵀ يقول بما قال به السلف، ﵏ في حكم العصاة، وأنهم لا يخرجون بمعصيتهم عن حظيرة المؤمنين، بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان، وهم تحت المشيئة إن شاء الله عذبهم بعدله، وإن شاء عفا عنهم بمنه وكرمه .
стр. 548
ا لمبحث السادس: حكم أهل الفترة
بحث الشيخ الأمين ﵀ هذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ١؛ فذكر فيها قولين لأهل العلم مع أدلتهم من الكتاب والسنة. ثمّ ناقش هذين القولين، وجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض، ورجح ﵀ ما يقتضي الدليل رجحانه.
أما القول الأول في هذه المسألة فهو: "أنّ كلّ من مات على الكفر فهو في النار، ولو لم يأته نذير. واستدلوا بظواهر آيات من كتاب الله، وبأحاديث عن النبيّ ﷺ .
فمن الآيات: قوله تعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ٢، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٣.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ٤، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٥،
стр. 549
وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ١.
وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ الآية٢، وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٣، إلى غير ذلك من الآيات.
وظاهر جميع هذه الآيات العموم؛ لأنها لم تخصص كافرا دون كافر، بل ظاهرها شمول جميع الكفار"٤.
ومن الأحاديث التي ذكرها الشيخ الأمين ﵀ مدللا بها للقول الأول: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس أنّ رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: "في النار". فلما مضى دعاه فقال: "إنّ أبي وأباك في النار" ٥.
ولمسلم أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي" ٦. إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على عدم عذر المشركين.
والقول الثاني: قالت جماعة من أهل العلم: إنّ أهل الفترة معذورون بأنهم لم يأتهم نذير، ولو ماتوا على الكفر.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾ ٧؛ فصرح في هذه الآية الكريمة بأنه لابدّ أن يقطع
بالدليل هو الجمع بين الأدلة؛ لأن الجمع واجب إذا أمكن بلا خلاف. ووجه الجمع بين هذه الأدلة هو عذرهم بالفترة، وامتحانهم يوم القيامة بالأمر باقتحام نار؛ فمن اقتحمها دخل الجنة؛ وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا. ومن امتنع عذب بالنار؛ وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأنّ الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل.
وبهذا الجمع تتفق الأدلة: فيكون أهل الفترة معذورين، وقوم منهم من أهل النار بعد الامتحان، وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضا.
ويحمل كلّ واحد من القولين على بعض منهم علم الله مصيرهم وأعلم به نبيه ﷺ فيزول التعارض"١.
ثمّ ذكر ﵀ أنه رجح هذا القول لأمرين:
الأول: أنّ هذا ثبت عن رسول الله ﷺ . وثبوته عنه نص في محل النزاع، فلا وجه للنزاع البتة مع ذلك. قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها، بعد أن ساق الأحاديث الكثيرة الدالة على عذرهم بالفترة، وامتحانهم يوم القيامة، رادا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم، وامتحانهم؛ بأنّ الآخرة دار جزاء لا عمل، وأنّ التكليف بدخول النار تكليف بما لايطاق، وهو لايمكن، ما نصه: والجواب عما قال أنّ أحاديث هذا الباب منها ماهو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء. ومنها ماهو حسن. ومنها ماهو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن. وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة
стр. 552
متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها"١.
أما المرجح الثاني: فقال ﵀: "إنّ الجمع بن الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف؛ لأنّ إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان. فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان، ويتفق بذلك جميع الأدلة. والعلم عند الله تعالى"٢.
ونقل ﵀ عن الحافظ ابن كثير ما يؤيد ما ذهب إليه فقال: "وقال ابن كثير رحمه الله تعالى ... ما نصه: ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات؛ فمن أطاع دخل الجنة. وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة. وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها. وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض. وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو
стр. 553
الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد١"٢.
وممن قال بعذر أهل الفترة: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: "لا يهلكهم الله ويعذبهم حتى يرسل إليهم رسولا". وقد رويت آثار متعددة من أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث إليه رسول يوم القيامة في عرصات القيامة"٣.
стр. 554
الفصل السابع: جهود الشيخ الأمين في توضيح مباحث الإمامة
الإمامة لغة:
الإمام: كلّ من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم، أو كانوا ضالين. وإمام كلّ شيء قيّمه والمصلح له. والقرآن إمام المسلمين. وسيدنا محمد ﷺ إمام الأئمة. والخليفة إمام الرعية. وإمام الجند قائدهم١.
الإمامة اصطلاحا:
عرفها ابن خلدون بقوله: "هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا"٢.
وقد اهتمّ الشيخ الأمين ﵀ بالإمامة، وتناولها في أربع عشرة صفحة، تحدث فيها عن وجوب نصب الإمام، والأمور التي تنعقد بها الإمامة، وشروطها، ومتى تفسخ، وهل يجوز نصب خليفتين، وهل للإمام أن يعزل نفسه، وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ وقد استطرد ﵀ في تقرير هذه المسائل.
стр. 555
أولا: وجوب نصب الإمام:
قال الشيخ الأمين ﵀: "من الواضح المعلوم من ضرورة الدين أنّ المسلمين يجب عليهم نصب إمام تجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الله في أرضه. ولم يخالف في هذا إلا من لايعتدّ به.. وأكثر العلماء على أنّ وجوب الإمامة الكبرى بطريق الشرع؛ كما دلت عليه الآية المتقدمة١ وأشباهها وإجماع الصحابة ﵃، ولأن الله تعالى قد يزع بالسلطان ما لايزعه بالقرآن؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ٢؛ لأنّ قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فيه إشارة إلى إعمال السيف عند الإباء بعد إقامة الحجة"٣.
وقد أوضح الإمام القرطبي ﵀ ذلك، وذكر الأدلة الشرعية الدالة على وجوب نصب الإمام٤.
ثانيا: الأمور التي تنعقد بها الإمامة:
ذكر الشيخ الأمين ﵀ أنّ الإمامة تنعقد بعدة أمور، فقال:
"الأول: ما لو نص ﷺ على أنّ فلانا هو الإمام فإنها تنعقد له بذلك. وقال بعض العلماء٥: إنّ إمامة أبي بكر ﵁ من هذا القبيل؛ لأنّ تقديم النبيّ ﷺ له في إمامة الصلاة وهي
стр. 556
أهمّ شيء: فيه إشارة إلى التقديم للإمامة الكبرى، وهو ظاهر.
الثاني: اتفاق أهل الحل والعقد على بيعته، وقال بعض العلماء١: إنّ إمامة أبي بكر منه لإجماع أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار عليها بعد الخلاف، ولاعبرة بعدم رضى بعضهم؛ كما وقع من سعد بن عبادة ﵁ من عدم قبوله بيعة أبي بكر ﵁.
الثالث: أن يعهد إليه الخليفة الذي قبله؛ كما وقع من أبي بكر لعمر ﵄.
ومن هذا القبيل جعل عمر ﵁ الخلافة شورى بين ستة من أصحاب رسول الله ﷺ مات وهو عنهم راض.
الرابع: أن يتغلب على الناس بسيفه، وينزع الخلافة بالقوة حتى يستتبّ له الأمر، وتدين له الناس لما في الخروج عليه حينئذ من شقّ عصا المسلمين وإراقة دمائهم. قال بعض العلماء: ومن هذا القبيل قيام عبد الملك ابن مروان على عبد الله بن الزبير وقتله إياه في مكة على يد الحجاج بن يوسف، فاستتبّ الأمر له"٢.
وقد ذكر هذه الأمور التي تنعقد بها الإمامة الإمام القرطبي٣ ﵀.
стр. 557
ثالثا: الشروط الواجب توفرها في الإمام:
ذكر الشيخ الأمين ﵀ الشروط التي لابدّ من توفرها في الإمام لتصح إمامته، وهي:
الأول: أن يكون قرشيا. وذلك مشروط بإقامتهم الدين، وإطاعتهم لله ورسوله، فإن خالفوا أمر الله فغيرهم ممن يطيع الله تعالى وينفذ أوامره أولى منهم.
الثاني: كونه ذكرا. ولاخلاف في ذلك بين العلماء؛ لقوله ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة "١.
الثالث: كونه حرا. فلا يجوز أن يكون عبدا. ولاخلاف في هذا بين العلماء. أما لو تغلب عبد حقيقة بالقوة فإنّ طاعته تجب إخمادا للفتنة، وصونا للدماء، مالم يأمر بمعصية.
الرابع: أن يكون بالغا. فلا تجوز إمامة الصبيّ إجماعا لعدم قدرته على القيام بأعباء الخلافة.
الخامس: أن يكون عاقلا. فلا تجوز إمامة المجنون ولا المعتوه. وهذا لا نزاع فيه.
السادس: أن يكون عدلا. فلا تجوز إمامة فاسق. واستدلّ عليه بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ٢ ويدخل في اشتراط العدالة اشتراط الإسلام؛ لأنّ العدل لا يكون غير مسلم.
السابع: أن يكون ممن يصلح أن يكون من قضاة المسلمين مجتهدا يمكنه
стр. 558
الاستغناء عن استفتاء غيره في الحوادث.
الثامن: أن يكون سليم الأعضاء غير زمن ولا أعمى ونحو ذلك.
ويدلّ لهذين الشرطين الأخيرين؛ أعني العلم، وسلامة الجسم قوله تعالى في طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ ١.
التاسع: أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب، وتدبير الجيوش، وسد الثغور، وحماية بيضة المسلمين، وردع الأمة، والانتقام من الظالم، والأخذ للمظلوم.
العاشر: أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود، ولافزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأعضاء٢.
وقد ذكر هذه الشروط أيضا: الإمام القرطبي ﵀، إلا أنه زاد شرطا هو الإسلام٣، مع أنه ذكر الشرط السادس بلفظه، وهو يغني عن زيادة هذا الشرط.
وقد توفرت هذه الشروط كلها في الخلفاء الراشدين ﵃، لذلك صحت خلافتهم، قال الشيخ الأمين ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٤ مخبرا عن صحة خلافة الخلفاء الراشدين ﵃: "هذه الآيات تدلّ على صحة خلافة الخلفاء الراشدين؛ لأنّ الله نصرهم على أعدائهم لأنهم نصروه، فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر.
وقد مكن لهم، واستخلفهم في الأرض كما قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ﴾ الآية٥. والحق أنّ
стр. 559
الآيات المذكورة تشمل أصحاب رسول الله ﷺ , وكل من قام بنصرة دين الله على الوجه الأكمل. والعلم عند الله"١.
وقال عن إمامة الصديق أبي بكر ﵁ عند قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٢: "يوخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر ﵁؛ لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم؛ أعني الفاتحة بأن نسأله أن يهدينا صراطهم. فدل ذلك على أنّ صراطهم هو الصراط المستقيم؛ وذلك في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم﴾ . وقد بين الذين أنعم عليهم، فعدّ منهم الصديق.
وقد بين ﷺ أنّ أبا بكر من الصديقين؛ فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم، الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم، فلم يبق لبس في أنّ أبا بكر الصديق ﵁ على الصراط المستقيم، وأنّ إمامته حقّ"٣.
وقد ذكر الشيخ الأمين ﵀ بعض المسائل التي تتعلق بالإمامة وأجاب عنها:
المسألة الأولى: إذا طرأ على الإمام الأعظم فسق أو دعوة إلى بدعة هل يكون ذلك سببا لعزله والقيام عليه، أولا؟
أجاب ﵀ على هذا السؤال بقوله: "قال بعض العلماء٤: إذا
стр. 560
صار فاسقا، أو داعيا إلى بدعة، جاز القيام عليه لخلعه. والتحقيق الذي لاشك فيه أنه لايجوز القيام عليه لخلعه إلا إذا ارتكب كفرا بواحا عليه من الله برهان"١.
ثمّ استشهد ﵀ بعدة أحاديث، منها حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا، ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: "إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان "٢.
وحديث أم سلمة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ قال: " ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون. فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم. ولكن من رضي وتابع". قالوا: يارسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلوا "٣.
ثمّ قال ﵀: "والأحاديث في هذا كثيرة. فهذه النصوص تدل على منع القيام عليه ولو كان مرتكبا لما لا يجوز، إلا إذا ارتكب الكفر الصريح الذي قام البرهان الشرعيّ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أنه كفرٌ بواح، أي ظاهرٌ باد، لا لبس فيه. وقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعة القول بخلق القرآن، وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل والضرب والحبس وأنواع الإهانة. ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك، ودام الأمر بضع عشرة سنة حتى ولي المتوكل فأبطل المحنة، وأمر بإظهار السنة.
стр. 561
واعلم أنه أجمع جميع المسلمين على أنه لاطاعة لإمام ولا غيره في معصية الله. وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا لبس فيها ولا مطعن، كحديث ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره، مالم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" أخرجه الشيخان وأبو داود١.
وعن عليّ بن أبي طالب ﵁، عن النبيّ ﷺ أنه قال في السرية الذين أمرهم أميرهم أن يدخلوا في النار: "لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف "٢.
وفي الكتاب العزيز: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ ٣"٤.
وهذا الذي ذكره الشيخ الأمين هو القول الصحيح الذي نختاره ونعتقده وهو معتقد أهل السنة، قال القاضي عياض ﵀ مخبراً عن معتقد أهل السنة في الإمام الفاسق: "جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولايخلع، ولايجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه؛ للأحاديث الواردة في ذلك"٥.
بل حكى القاضي ﵀ الإجماع على ذلك فقال: "وقيل إن هذا الخلاف كان أولاً ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم والله أعلم"، وقال الإمام النووي ﵀: "وأجمع أهل السنة أنه لاينعزل السلطان
стр. 562
بالفسق"١.
وممن ذكر الإجماع على ذلك ابن بطال٢. وابن مجاهد٣.
وقال شيخ الإسلام ﵀ أنه مذهب أهل الحديث٤.
وقال ابن حجر ﵀ "وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه وأنه لاينخلع بالفسق) ٥.
ومما يدل على معتقد أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وحفاظهم على اجتماع كلمة الأمة ودرء الفتنة عنها موقف الإمام أحمد بن حنبل ﵀ مع الخلفاء الثلاثة المأمون والمعتصم والواثق، مع ماحصل عليه من أذى كبير ليحمل على اعتقاد باطل، والأمة كانت تنتظر إشارة منه لنصرته، ومع ذلك يرى عدم المساس بجناب السلطان لما في ذلك من الفتن العظيمة التي لايعلم مداها إلا الله، فما أجدرنا بالاقتداء بهؤلاء الأعلام، سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن. نسأل الله أن يحفظنا راعيا ورعية من مضلات الفتن.
المسألة الثانية: هل للإمام أن يعزل نفسه؟
ذكر الشيخ الأمين ﵀ في هذه المسألة قولين لأهل العلم، الأول: أنّ له عزل نفسه. وعزاه للقرطبي. والثاني: ليس له عزل نفسه؛ لأنه تقلد
стр. 563
حقوق المسلمين.
وعقب ﵀ على هذين القولين بقوله: "إن كان عزله لنفسه لموجب يقتضي ذلك، كإخماد فتنة كانت ستشتعل لو لم يعزل نفسه، أو لعلمه من نفسه العجز عن القيام بأعباء الخلافة: فلا نزاع في جواز عزله لنفسه. ولذا أجمع جميع المسلمين على الثناء على سبط رسول الله ﷺ , الحسن بن علي ﵄؛ لعزله نفسه وتسليمه الأمر إلى معاوية بعد أن بايعه أهل العراق؛ حقنا لدماء المسلمين. وأثنى عليه بذلك قبل وقوعه جده، رسول الله ﷺ بقوله: " إنّ ابني هذا سيد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" ١"٢.
المسألة الثالثة: هل يجوز نصب خليفتين كلاهما مستقلّ دون الآخر؟
ذكر الشيخ الأمين ﵀ ثلاثة أقوال لأهل العلم في ذلك:
الأول: جواز ذلك مطلقا. ونسبه للكرامية.
الثاني: لا يجوز تعدد الإمام الأعظم. ونسبه للجمهور٣.
الثالث: التفصيل. فيمنع نصب إمامين في البلد الواحد والبلاد المتقاربة، ويجوز في الأقطار المتنائية؛ كالأندلس وخراسان٤.
ونقل ﵀ قول القرطبي في هذه المسألة: (لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت، كالأندلس وخراسان جاز ذلك) ٥.
ونقل أيضا قول ابن كثير: "وهذا يشبه حال خلفاء بني العباس بالعراق،
стр. 564
والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب"١.
ولم يختر ﵀ قولا من هذه الأقوال الثلاثة، وإنما اكتفى بسردها، ونقل كلام بعض العلماء في ذلك.
المسألة الرابعة: هل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟
ذكر الشيخ الأمين ﵀ قولين لأهل العلم في هذه المسألة:
الأول: لا يجب؛ لأنه يحتاج إلى دليل من النقل، وهذا لادليل عليه منه.
الثاني: يجب الإشهاد عليه؛ لئلا يدعي مدع أنّ الإمامة عقدت له سرا، فيؤدي ذلك إلى الشقاق والفتنة٢.
ولم يختر ﵀ واحدا من هذين القولين أيضا.
وهكذا فصل الشيخ الأمين ﵀ القول في الإمامة وما يتعلق بها من مسائل؛ إذ هي من أهمّ المسائل التي يجب العناية بها؛ لما يترتب عليها من وحدة الأمة، وصون حقوقها، ورفع راية الدين، والذود عنه، وإقامة أمره.
стр. 565
الخاتمة
الحمد لله الرب الكريم، الذي بنعمته تتمّ الصالحات، وبتوفيقه تقضى الحاجات، فقد تمّ هذا البحث، وتوصلت فيه إلى النتائج التالية:
(١) - إنّ عقيدة الشيخ ﵀ هي عقيدة السلف الصالح التي ترتكز على الوحيين، الكتاب والسنة.
وقد وافقهم في جميع محتويات العقيدة، ولم يخرج عن منهجهم قيد أنملة، فقد عرف الإيمان بأنه قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
كما قسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.
وأوضح بقية مباحث الإيمان الأخرى؛ كالإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقضاء والقدر؛ خيره وشره، وذكر جزئيات هذه المباحث.
(٢) - أظهر ﵀ هذه العقيدة، ودعا إليها في جميع كتبه، ومحاضراته، ودروسه. وكان لايترك مناسبة إلا وحرص على ذكرها والدعوة إليها.
(٣) - أبرز ﵀ العقيدة الصافية، واستنبطها من نصوص القرآن الكريم بأسلوبه الرائع وطريقته المعروفة في تفسير القرآن بالقرآن.
(٤) - أكد ﵀ أنّ الآيات الدالة على توحيد الربوبية في القرآن الكريم إنما هي إلزام للمشركين أن يوحدوا الله في العبادة.
(٥) - اهتم ﵀ بعقيدة السلف في الأسماء والصفات، وجعلها من أنواع البيان المذكورة في أضواء البيان، ومن أهمها.