← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11993

حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح

الطحطاوي

Полный текст (818 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

خطبة الكتاب ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " بسم الله الرحمن الرحيم " الحمد لله الذي شرف خلاصة عباده بوراثة صفوة خير ــ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد الله الذي أيد الشريعة بوراثها ورفع بها منارها وبسط مطوى أناثها, والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل مخلقوق وعلى آله وصحبه القائمين بالحقوق, أما بعد: فهذه تقييدات لطيفة على شرح نور الإيضاح المسمى بمراقي الفلاح, أسأل الله تعالى أن يمن بتمامها وحسن اختتامها, جمعتها لمن هو قاصر مثلي راجيا قبولها من الله تعالى الولي العلي, مأخوذة مما كتبه المرحوم عبد الرحمن أفندي خلوات, ومن شرح المؤلف الكبير وشرح السيد محمد أبي السعود رحم الله تعالى الجميع وشكر منهم السعي والصنيع مع فوائد أخر من غيرها, وفرائد فتح الله تعالى بها, فما كان فيها من صواب فمن المنقولات, ومن خطأ فمن كثير الزلات, وعلى الله أعتمد في كل حال, وأسأله الرضا والستر في الحال والمآل قال المؤلف: " بسم الله الرحمن الرحيم " لما كان من الواجب صناعة على كل مصنف ثلاثة أشياء البسملة والحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عيله وسلم, ومن الجائز أربعة: مدح الفن وذكر الباعث له وتسمية الكتاب وبيان كيفيته من التبويب والتفصيل افتتح المصنف كتابه بها وقدمها على غيرها لقوة حديثها ولموافقة أسلوب القرآن قال المحققون: ينبغي لكل شارع في فن أن يتكلم على البسملة بحسب ذلك الفن الذي ذكرت فيه وهذا الفن هو الفقه الذي موضوعه فعل المكلف من حيث ما يعرض له من الأحكام الخمسة وهي: الوجوب والندب والإباحة والحرمة والكراهة, والإتيان بالبسملة عمل يصدر من المكلف فلا بد أن يتصف بحكم, فتارة يكون فرضا كما عند الذبح, وإن كان لا يشترط هذا اللفظ بتمامه بل لا يسن, وإنما المنقول باسم الله, الله أكبر, ويكفي كل ذكر خالص لله تعالى, ولا يرد حل ذبيحة ناسي التسمية لأن الشرع أقام كونه مسلما

стр. 2

.............................................................................. ــ مقام الذكر للعجز وتارة يكون واجبا على القول بأنها آية من الفاتحة, وإن كان خلاف المذهب؛ لأن الأخبار الواردة فيها مع المواظبة تفيد الوجوب وتارة يكون سنة كما في الوضوء, وأول كل أمر ذي بال ومنه الأكل والجماع ونحوهما, وتارة يكون مباحا كما هي بين الفاتحة والسورة على الراجح, وفي ابتداء المشي والقعود مثلا؛ لأنها إنما تطلب لما فيه شرف صونا عن اقتران اسمه تعالى بالمحقرات وتيسيرا على العبادة, فإن أتي بها في محقرات الأمور كلبس النعال على وجه التعظيم والتبرك فهو حسن, وتارة يكون الإتيان بها حراما كما عند الزنا ووطء الحائض وشرب الخمر وأكل مغصوب, أو مسروق قبل الإستحلال, أو أداء الضمان, والصحيح أنه إن استحل ذلك عند فعل المعصية كفر, وإلا لا, وتلزمه التوبة إلا إذا كان على وجه الاستخفاف فيكفر أيضا, ومما فرع على القول الضعيف ما في آخر كتاب "الصيد من الدر المختار": إن السارق لو ذبح الشاة المسروقة ووجدها صاحبها لا تؤكل لكفر السارق بتسميته على المحرم القطعي بلا تملك ولا إذن شرعي, واعلم أن المستحل لا يكفر إلا إذا كان المحرم حراما لعينه وثبتت حرمته بدليل قطعي وإلا فلا, صرح به في الدرر عن الفتاوي في آخر كتاب الخطر, فينبغي أن تؤكل هذه الشاة ويؤيده قولهم تصح التضحية بشاة الغصب, لكنه لا يحل له التناول والانتفاع على المفتي به وإن ملكها قبل أداء الضمان أو رضا مالكها بأدائه أو إبرائه أو تضمين القاضي؛ لأن الحل قضية أخرى غير المالك, وتارة يكون الإتيان بها مكروها كما في أول سورة براءة ودون أثنائها فيستحب, وعند تعاطي الشبهات ومنه عند شرب الدخان وفي محل النجاسات, فإن قيل: الإبتداء بالباء ولفظ اسم ليس ابتداء باسم الله تعالى؛ لأنهما ليسا من أسمائه تعالى. أجيب عن الثاني: بأن التصدير باسم الله تعالى إما أن يكون بذكر اسم خاص كلفظ الله مثلا أو بذكر اسم عام كلفظ اسم مضاف إليه تعالى فإنه يراد به جميع أسمائه تعالى لعموم الإضافة, ويستفاد منه التبرك بالجميع وهو أولى, وعن الأول بأن الباء من تتمة ذكره على الوجوب المطلوب, قال القطب عبد القادر الجيلاني: الاسم الأعظم هو الله لكن بشرط أن تقول الله وليس في قلبك سواه, كذا في "شرح المشكاة". "والرحمن الرحيم": صفتان مشبهتان بنيتا للمبالغة أي يفيد أنها بحسب المادة والاستعمال لا بحسب الصيغة والوضع؛ لأن صيغ المبالغة منحصرة في الخمسة المشهورة, ومنها: فعيل بشرط أن يكون عاملا للنصب و"رحيم" هنا: ليس عاملا له, وبشرط أن يكون محولا عن فاعل, ولذا قالوا: إن كريما وظريفا ليسا منها لعدم تحويلهما, واختلف في "الرحمن والرحيم" هل هما بمعنى واحد: كندمان ونديم؟ ذكر أحدهما بعد الآخر تأكيدا. قيل: نعم. وقيل: بينهما فرق؛ فالرحمن: أبلغ من الرحيم, إما بحسب شمول الرحمن للدارين واختصاص الرحيم بالآخرة؛ فإنه المعافي, والعفو يختص بالمؤمنين في الآخرة ويؤيده حديث الرحمة المسلسل بالأولية, وإما باعتبار جلائل النعم ودقائقها فالأبلغية

стр. 3

....................................................................................... ــ على الأول من حيث الحكم, وعلى الثاني من حيث الكيف, وقيل: فعلان لمبالغة الفعل فيفيد جلالة الفعل, وفعيل: لمبالغة الفاعل فيفيد التكرار مرة بعد أخرى, ففي كل منهما مبالغة ليست في الآخر تتمة ورود في الحديث: "إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض فجعل في الأرض منها واحدة فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطيور بعضها على بعض وأخر تسعا وتسعين, فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة". رواه أحمد, وروى البخاري في "كتاب التوحيد" من صحيحه عن أبي هريرة فيما يرويه رسول الله ﷺ عن ربه : "إن رحمتي سبقت غضبي" وفي رواية: "تغلب غضبي", والمراد: بيان سعة الرحمة وشمولها للخلق حتى كأنها السابق والغالب كما في "شرح المشكاة", والمراد: السبق والغلبة باعتبار التعلق أي تعلق الرحمة غالب على تعلق الغضب؛ لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة, والغضب متوقف على صدور ذنب من العبد. قوله: " الحمد لله ", قال بعضهم: إن الأحكام المذكورة في البسملة تقال في الحمدلة, فتارة يكون الإتيان بها واجبا أي فرضا كما في خطبة الجمعة, وتارة يكون مندوبا كما في خطبة النكاح ونحوها, وفي ابتداء الدعاء ولأمر ذي البال وبعد أكل وشرب ونحو ذلك, وتارة يكون مكروها كما في الأماكن المستقذرة, وتارة يكون حراما كما في حالة الفرح بالمعصية, وبعد أكل حرام إلا أن يقصد الحمد على حصول الغذاء من حيث هو المستلزم لقوة البدن اهـ. وذكر في الهندية من الخطر والإباحة أن الحمدلة بعد أكل الحرام لا تحرم فينزل على هذا, وقوله: كما في خطبة الجمعة يعني: إذا اقتصر عليها فإنها تجزئ وتقع فرضا لا أن لفظها متعين؛ لأنه لو اقتصر على تسبيحة أو تهليلة تجزئ وتقع فرضا, وتارة يكون سنة مؤكدة كما في الحمدلة بعد العطاس. قوله: " شرف خلاصة عباده " أي: المختارين من عباده الذين استخلصهم لحفظ الشريعة وهم العلماء غير الأنبياء, قوله: " بوارثة صفوته " الباء للسببية والمراد بالصفوة الأنبياء والإضافة فيه وفي عباده وعباده لتشريف المضاف. وقوله: " خير عباده " بدل من صفوته, وعباد جمع عابد من العبادة, والأول جمع: عبد, والمراد بالعلماء هم أهل السنة والجماعة وهم أتباع أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي ﵄, قال ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك", وهؤلاء هم أهل العلوم الشرعية والإلهية من أهل السنة والجماعة؛ لأن الناس مع وجودهم آمنون من كل محنة وضلالة دينية, وقال ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لا يورثون درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر". صححه جماعة, وفي رواية: "يحبهم أهل السماء وتستغفر لهم الحيتان في البحر وإنما العالم من عمل بعلمه", وفي رواية أخرى: "أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد" , وفي رواية أخرى: "كاد حملة القرآن أن يكونوا أنبياء إلا أنهم لا

стр. 4

عباده وأمدهم بالعناية فأحسنوا لذاته العبادة وحفظوا شريعته وبلغوها عباده, وأشهد أن لا ــ يوحى إليهم", وفي رواية أخرى: "من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه", وفي رواية أخرى: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل", قال بعضهم: هذا الحديث لا أصل له, ولكن معناه صحيح لما تقرر أن العلماء ورثة الأنبياء. قاله ابن حجر في "شرح الهمزية". قوله: " وأمدهم بالعناية ": أي قواهم بالعناية: أي بعنايته بهم يعني أنه اعتنى بهم: أي سهل لهم أفعال الخير والبر فتيسرت لهم. قوله: " فأحسنوا لذاته العبادة ": اعلم أن العبادة أعلاها أن تكون لذاته لا لطمع في جنة ولا خوف من نار حتى لو لم يكونا كان مستحقا للعبادة وهي رتبة الكاملين من العباد وهم وإن أرادوا الجنة فإنما يريدونها لكونها محل المشاهدة والزيارة لا للتلذذ بالمستلذات فإن ذلك عادة من ألفها في الدنيا وأوسطها أن يعبد للطمع في الجنة والخوف من النار, وأدناها أن يعبد ليتيسر أمور معاشه مثلا في دنياه, فالمراد حينئذ من خلاصة العباد ليس مطلق العلماء؛ لأن هذه الرتبة لا تثبت لجميعهم بل المراد الكاملون. وقوله: "فأحسنوا": عطف على أمدهم مع إفادة التفريع, والعبادة: هي مطلق الطاعات, وفرق شيخ الإسلام بين العبادة والطاعة والقربة: فالأولى ما تتوقف على معرفة المعبود مع النية, والثانية: امتثال الأمر والنهي عرف الآمر والناهي أم لم يعرف. والثالثة: ما تتوقف على معرفة المتقرب إليه وإن لم تتوقف على نية كالعتق, فأخصها العبادة, وأعمها الطاعة لانفرادها في النظر الموصل إلى معرفة الله تعالى. قوله: " وحفظوا شريعته " أي: من كلا المبطلين والزائغين فهي مستورة بهم لا يقدر أحد على خرق منيع حجابها وحفظوها أيضا بتقريرها والعمل بها, والشريعة فعلية بمعنى مفعولة, وهي: الأحكام المشروعة, وهي النسب التامة المتعلقة بكيفية الأعمال قلبية وجوارحية: كثبوت الوجوب للنية في نحو الصلاة وثبوت السنية للمضمضة وثبوت الحرمة لبيع الغرر ونحو ذلك. قوله: " وبلغوها عباده ": عطف مغاير فإنه لا يلزم من الحفظ التبليغ أو من عطف الخاص إن أريد بالحفظ ما يعم الحفظ بالتقريركما مر وخصه لمزيد نفعه لقيام الأمر به. وقالوا: إن العالم لا يجب عليه السعي ويسأل العالم فإذا سأله وجب عليه السعي إلى الجاهل لإزالة جهله؛ وإنما يجب على الجاهل أن يسعى ويسأل العالم فإذا سأله وجبت إجابته ووجت إرشاده. قوله: " وأشهد أن لا إله إلا الله ": أي: أصدق بقلبي وأقر بلساني مع الإذعان والانقياد أنه لا إله إلا الله, والإتيان بهما في الخطب مطلوبة لخبر أبي داود والترمذي والبيهقي وصححه مرفوعا: "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" أي قليلة البركة, كذا في شرح المواهب, والقول الجامع المندفع عنه الموانع في معناها: أنه لا معبود مستحق للعبادة إلا الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد في الواقع, كما قاله العصام في "الأصول". قال السنوني: وإن شئت قلت: لا مستغني على العموم ولا مفترق إليه على العموم إلا الله . قال: وهذا المعنى أظهر من الأول وأقرب منه, وهو أصل له؛ إذ لا يستحق أن يعبد: أي يذل له كل شيء إلا من كان مستغنيا عن كل

стр. 5

إله إلا الله الملك البر الرحيم وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله النبي الكريم القائل ــ شيء ومفتقرا إليه كل شيء. فظهر أن العبارة الثانية أحسن من الأولى؛ لأنها تستلزم اندراج جميع عقائد الإيمان تحت هذه الكلمة الشريفة, وينبغي أن لا يطيل مد ألف لا جدا وأن يقطع الهمزة من "إله" ومن "إلا", وأن يشدد اللام وأن يفخم اللفظ المعظم اهـ. وينبغي أن يظهر الهاء من لفظ الجلالة, وفي شرح الجوهرة لمؤلفها اختلف هل الأفضل للمكلف عند التلفظ بـ "لا إله إلا الله" مد ألف لا النافية يعني مدا زائدا على المد الطبيعي؟ إذ هو لا بد منه أو القصر يعني الاقتصار على المد الطبيعي, فمنهم من اختار المد ليستشعر المتلفظ بها نفي الألوهية عن كل ما سواه تعالى, ومنهم من اختار القصر لئلا تخترمه المنية قبل التلفظ بذكره تعالى, وفرق الفخر بين أن يكون أول كلام يعني عند دخوله في الإسلام فتقصر وإلا فتمد, ومن الواجب أن يستحضر الذاكر في ذهنه عند النفي وجود الفرد المعبود الواجب الوجود, وإلا فالنفي مطلقا كفر والعياذ بالله تعالى, وروى مالك وغيره: "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله", ويتفرع عليه أنه لو حلف ليذكرن الله تعالى بأفضل الذكر يبر بها. قوله: " الملك " أخص من "المالك"؛ لأنه من ملك الأشياء وتصرف بالأمر والنهي, ولا يلزم في المالك أن يكون متصرفا بهما, قوله: " البر " المحسن والبار: التقي الطائع. قوله: " وأشهد أن سيدنا " من ساد قومه يسودهم سيادة من باب: كتب, والاسم: السؤدد بالضم وهو المجد والشرف, والسيد: الرئيس والكريم والمالك. واختلف في أصله فقيل: سيود بوزن فيعل بسكون الياء وكسر العين وهو مذهب البصريين, اجتمع فيه الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء لاجتماع المثلين, والقاعدة أن المدغم هو الذي ينقلب ويرد من جنس المدغم فيه لكن لما كانت الياء أخف من الواو قلبت ياء مطلقا. وقيل: بفتح العين وهو مذهب الكوفيين؛ لأنه لا يوجد فيعل بكسر العين في الصحيح فتعين الفتح قياسا على عيطل ونحوه, ثم أبدلت الفتحة كسرة لمناسبة الياء وقيل: أصله سويد: كأمير: فاستثقلت الكسرة على الواو فحذفت فاجتمع ساكنان الواو والياء فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء, كما في "الصحاح والمصباح" وغيرهما. قال الفاسي "في شرح الدلائل": والأول أشهر اهـ. قوله: " محمدا " قيل: هو في التسمية سابق على أحمد قاله ابن القيم, وذهب القاضي عياض إلى أن أحمد كان قبل محمد؛ لأن تسميته بأحمد وقعت في الكتب السابقة وتسميته بمحمد وقعت في القرآن. قال ابن العربي: وأسماؤه صلى الله عليه سلم: ألف كأسمائه تعالى وهي توقيفية كأسمائه تعالى على المختار, ومحمد أشهر وأفضل من أحمد على الأصح كذا في "حاشية الحموي على الإشباه, وأحمد أفعل تفضيل محول عن الفاعل كأعلم أو عن المفعول كأشهر, لكن الأول لأفعل التفضيل أكثر أفاده المنلا علي في "شرح الشمائل", ومن عجائب خصائصه ﷺ أن حمى الله هذين الاسمين أن يسمى بأحدهما أحد قبل زمانه ﷺ مع ذكرهما في الكتب القديمة والأمم السابقة, ومع أنهما من الأعلام المنقولة

стр. 6

.......................................................................................... ــ فلم يقع ذلك لأحد قبله أصلا, أما أحمد فبالاتفاق, وأما محمد فعلى الأصح كما ذكره الشهاب في "شرح الشفاء", وقيل: لما قرب زمانه ونشر أهل الكتاب نعته سمى بعض العرب أبناءهم بمحمد رجاء أن يكون أحدهم هو والله أعلم حيث يجعل رسالته, وكنيته ﷺ أبو القاسم؛ لأنه أكبر أولاده وأولهم وقيل: لأنه يقسم الجنة بين أهلها, ويشترط لصحة الإيمان به ﷺ معرفة اسمه إذ لا تتم المعرفة إلا به وكونه بشرا من العرب وكونه خاتم النبيين اتفاقا لورود ذلك القواطع المتواترة, ولا يشترط معرفة اسم أبيه عندنا كما قاله العلامة زين في كتاب "السير من الإشباه" وتبعه الحموي, واشترط ذلك جمع من المحدثين كما في "اتحاف الموالي شرح بدء الأمالي" تنبيه لا يشترط عندنا في إسلام الكافر لفظ الشهادتين ولا ترتيبهما؛ لأنهم نصوا على أن من أنكر الصانع جل وعلا إسلامه بلا إله إلا الله, ومن أقر بالوحداينة وأنكر الرسالة لمحمد ﷺ يدخل في الإسلام بمحمد رسول الله. وقالو: إن من صلى في الوقت مقتديا وتمم صلاته يحكم عليه بالإسلام, وفي القهستاني من بحث المرتد إذا قال الكافر: لا إله لا الله محمد رسول الله صار مسلما, ولا بأس أن يكنى أبا القاسم, وما رواه البخاري وغيره من قوله ﷺ : "سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي", منسوخ لأن عليا ﵁ كنى ابنه محمد بن الحنفية أبا القاسم, ولولا علمه بالنسخ لما كناه بها, أو يقال: كان النهي مخصوصا بزمانه ﷺ لدفع الالتباس كما ذكره الفقهاء في كتاب الاستحسان. قوله: " عبده ": من الصفات التي غلبت عليها الاسمية مشتق من العبودية التي هي التذلل والخضوع لا من العبادة التي هي غايتها. قاله الشهاب القليوبي: وتبقى العبودية في الجنة دون العبادة, فهي أفضل من العبادة على الصحيح, وهو أشرف أوصافه وأحبها إليه ﷺ ؛ لأنه أحبها إلى الله تعالى, ومن ثم وصفه به في أشرف المقامات. قوله: " ورسوله " فعول بمعنى: مفعول, وهو إنسان حر ذكر أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه, فإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي فقط كما هو المشهور عندهم, وقيل: مترادفان. قوله: " النبي ": فعيل بمعنى فاعل, من النبأ وهو الخبر؛ لأنه مخبر عن الله أو بمعنى مفعول؛ لأنه مخبر فهو من المهموز عند المحققين منهم سيبويه وهو الحق كما قاله الزمخشري والرضي وغيرهما. قال في "الصحاح" نقلا عن سيبويه: غير أنهم تركوا الهمز في النبي كما تركوه في الذرية والبرية والخابية إلا أهل مكة فإنهم يهمزون هذه الأحرف يعني هذه الكلمات ولا يهمزون في غيرها, ويخالفون العرب في ذلك. وفي المصباح والإبدال والإدغام لغة فاشية وقيل: من النبوة بمعنى الرفعة؛ لأنه رفيع الرتبة فأبدلت الواو ياء لسبقها وسكونها, وروى أبو داود مرفوعا أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا, والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر, وفي بعض الأخبار: إن الأنبياء ألف ألف أو مائتا ألف وأربعة وعشرون ألفا. قال

стр. 7

تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والحلم "وعلى آله وأصحابه القائمين بنصرة الدين في الحرب ــ النسفي: في "بحر الكلام": والسلامة في هذا المقام أن تقول: آمنت بالله وبجميع ما جاء من عند الله على ما أراد الله تعالى به وبجميع الأنبياء والرسل حتى لا يعتقد نبيا من ليس نبيا أوعكسه. قوله: " الكريم " فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه أكرمه الله تعالى على جميع خلقه حتى الرؤساء الأربعة من الملائكة, خلافا لمن شذ من المعتزلة وخرق الإجماع. ويحتمل أن يكون كريم بمعنى مكرم اسم فاعل, وكرمه ﷺ ظاهر, بل انتهى كماله إليه ﷺ في الدنيا والآخرة. قوله: " القائل تعلموا العلم " فيه براعة الاستهلال كقوله: آنفا "فأحسنوا لذاته العبادة", وقوله: "وحفظوا شريعته", والعلم والمعرفة بمعنى واحد, وإنما لا يطلق عليه تعالى عارف لعدم ورود الشرع به. قال رسول الله ﷺ : "العلم خير من العمل ملاك الدين الورع والعالم من يعمل بعلمه", وعنه ﷺ : "إن العمل القليل مع العلم ينفع, وإن العمل الكثير مع الجهل لا ينفع", رواه ابن عبد البر. والعلم نفعه متعد بخلاف العمل, ومن أعظم الأدلة على شرف العلم أن الله تعالى جعل العلماء في المرتبة الثالثة في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨] الآية. وقال ابن عباس: درجات العلماء فوق المؤمنين بسبعمائة درجة ما بين الدرجتين خمسمائة عام, وقال ﷺ : "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم", قال حجة الإسلام: فانظر كيف جعل العلم مقارنا لدرجة النبوة, وعنه صلى الله عليه سلم: "العلم حياة الإسلام وعماد الإيمان ومن علم علما أتم الله له أجره, ومن تعلم فعمل به علمه الله علم ما لم يعلم", وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم ﵇: "يا إبراهيم أنا عليم أحب كل عليم", وورد: "يشفع الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء" , وورد: "يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء", وورد: "من تفقه في دين الله كفاه الله همه ورزقه من حيث لا يحتسب", وورد: "أن طالب العلم إذا مات وهو في طلبه مات شهيدا وأنه إذا خرج من بيته لطلبه فهو في سبيل الله حتى يرجع", وروى الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بسنده إلى رسول الله الله ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم", وورد: "اطلبوا العلم ولو بالصين", وورد: "لأن تغدو فتعلم بابا من العلم خير من أن تصلي مائة ركعة", وورد: "العلم خزائن ومفاتيحها السؤال, ألا فسألوا فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل والعالم والسامع والمحب لهم", وورد: "لا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله ولا للعالم أن يسكت على علمه", واعلم أن كل علم يتوصل به إلى فرض عين فتحصيله فرض عين, كالعلم المتعلق بمعرفة الله تعالى والصلاة والزكاة والصوم والحج ومعرفة الحلال والحرام ونحو ذلك, وما يتوصل به إلى فرض الكفاية فتحصيله فرض كفاية وتمامه في خطبة الدر المختار, وتعليم المتعلم. قوله: " وتعلموا له السكينة والحلم ": أي تعلموا لتعليمه وتعلمه السكينة وهي سكون الأعضاء والوقار, والحلم: صفة راسخة لا يستفز صاحبها الغضب. قال ﷺ : "إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتخير

стр. 8

............................................................................................... ــ الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه". وقال ﷺ : "اطلبوا العلم واطلبوا مع العلم السكينة والحلم, لينوا لمن تعلمون ولمن تعلمون منه, ولا تكونوا جبابرة العلماء فيغلب جهلكم عليكم", قوله: " وعلى آله وأصحابه " كذا في النسخ والظاهر أن المصنف سقط من قلمه: " ﷺ " فتوهم ذكره فعطف عليه أو من الناسخ الأول, والصلاة هنا هي: المأمور بها في خبر: أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي؟ فقال: "قولوا اللهم صل على محمد" الخ. لا مطلق الصلاة, والفرق بينهما أن مطلق الصلاة معناه الرحمة, والصلاة المأمور بها: معناها طلب الرحمة؛ لأنها من مخلوق فيلاحظ كونها مأمورا بها ليحصل بها امتثال الأمر فتكون أتم من غيرها. وقيل: معناها العطف وهي فرض في العمر مرة واحدة, وتقوم مقامها الصلاة الواقعة في مكتوبة أو غيرها بعد البلوغ, وتجب كلما ذكر على أحد قولين, وتسن في كل تشهد أخير من الفرض وفي كل تشهد نفل إلا في سنة الظهر القبلية, والجمعة القبلية والبعدية, وتندب في أوقات الإمكان, وتحرم على الحرام, وتكره عند فتح التاجر متاعه, ولا يكره أفرادها عن السلام على الأصح عندنا, وهذا الخلاف في حق نبينا ﷺ . أما في حق غيره من الأنبياء فلا خلاف في عدم كراهة الأفراد لأحد من العلماء ذكره الحموي محشي "الإشباه". وظاهر ما في "النهاية" من كتاب الصلاة أنه لا يجب "السلام"؛ لأنه جعل الوجوب قول الشافعي: وأما قوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُوا﴾ فالمراد منه سلموا لقضائه, كذا في مبسوط شيخ الإسلام, والظاهر أن ذكر الآل والأصحاب مندوب. أما الأصحاب فظاهر؛ لأنهم سلفنا وقد أمرنا بالترضي عنهم ونهينا عن لعنهم, وأما الآل فلقوله ﷺ : "لا تصلوا علي الصلاة البتراء" قالوا: وما الصلاة البتراء يا رسول الله؟. قال: "تقولون اللهم صل على محمد وتمسكون, بل قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد", ذكره الفاسي وغيره, والمراد بالآل: هنا سائر أمة الإجابة مطلقا, وقوله ﷺ : "آل محمد كل تقي", حمل على التقوى من الشرك؛ لأن المقام للدعاء, ونقل اللفاني في شرح جوهرته أنه يطلق على مؤمني بني هاشم أشراف, والواحد: شريف كما هو مصطلح السلف, وإنما حدث تخصيص الشريف بولد الحسن والحسين مصر خاصة في عهد الفاطميين. قال: ويجب إكرام الأشراف ولو تحقق فسقهم؛ لأن فرع الشجرة منها ولو مال. وقوله: وأصحابه جمع صاحب بمعنى صحابي لأن فاعلا يجمع على أفعال صرح به سيبويه, ومثله بصاحب وأصحاب وارتضاه الزمخشري والرضي وأبو حيان وهو عند جمهور الأصوليين من طالت صحبته متبعا مدة يثبت معها إطلاق صاحب فلان عرفا بلا تحديد في الأصح, ولذا صح نفيه عن الوافد اتفاقا إذ يقال ليس صحابيا بل وفد وارتحل من ساعته, وقيل: لا يشترط. قال في التحرير: وينبني عليه ثبوت عدالة غير الملازم فلا يحتاج إلى التزكية أو يحتاج, وعلى هذا المذهب جرى الحنفية

стр. 9

والسلم, " وبعد ": فيقول العبد الذليل الراجي عفو ربه الجليل حسن بن عمار بن علي ــ ولولا اختصاص الصحابي بحكم لأمكن جعل الخلاف في مجرد الاصطلاح ولا مشاحة فيه, اهـ. وحاصله أن غير الملازم يحتاج إلى التعديل ولا يقبل إرساله١ عند من لايقبل المرسل, ومن هنا يعلم اشتراط طول الصحبة في حق التابعين بالأولى, وأما من مات على الإسلام من الصحابة وقد تخللت منه ردة كالأشعث بن قيس فإن أحدا لم يتخلف عن ذكره في الصحابة, ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد وكان ارتد بعد النبي ﷺ فأتي به أسيرا إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فعاد إلى السلام فقبل أبو بكر منه ذلك وزوجه أخته, لكن يعود له اسم الصحبة فقط مجردا عن ثوابها, وذكر الأصحاب بعد الآل تخصيص بعد تعميم إن أريد بالآل جميع الأمة لعلو مقامهم بشرف الصحبة أو بالعكس أن أريد بهم أقرباؤه ﷺ . قوله: " القائمين بنصرة الدين " يحتمل قصره على الأصحاب ويحتمل حذف نظيره من الآل وهو يرشد إلى أن المراد بالآل المتقون والدين تقدم المراد بت. قوله: " في الحرب والسلم " يقال رجل حرب: أي عد ومحارب للذكر والأنثى والجمع والواحد أفاده في القاموس, ويطلق على مقابل الصلح وهو المراد هنا, والسلم بكسر السين المسالم, والصلح ويفتح ويؤنث, والسلم بفتح السين أيضا هو الدلو بعروة واحدة كدلو السقائين قاموس, والمعنى أنهم نصروا الدين في حالة القتال والصلح والمراد أنهم في جميع أحوالهم ناصرون للحق في رضاهم وغضبهم, ومخاصمتهم ومصالحتهم سواء كان ذلك مع القريب أم الغريب, ولا يسخطون الله تعالى برضا الخلق, ورد في صحيح ابن حبان على عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس", وفيه أيضا عنها ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أراد سخط الله ورضا الناس عاد حامده من الناس ذاما", وأخرج الطبراني بسند جيد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أسخط الله في رضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه من أرضاه في سخطه, ومن أرضى الله في سخط الناس ﵁ وأرضى عنه من أسخطه في رضاه حتى يزين قوله وعمله في عينه", اهـ. قوله: " وبعد ": الكلام فيها شهير, والذي يفيده صنيعه ﷺ في خطبه ومراسلاته سنية الإتيان بها, لكن بصيغة: "أما بعد", والظاهر أن قولهم: "وبعد" لتأديته معنى "أما بعد" يقوم مقامها في تحصيل المندوب, وقد فشا التعبير بها. قوله: "العبد" هو أشرف أوصاف الشخص وهو أحب أوصافه إليه صلى الله عيله وسلم؛ لكونه أحبها إليه تعالى وقد مر. قوله: "عفو ربه" العفو: الصفح وترك عقوبة المستحق, والمحو, والإمحاء٢, وأطيب الماء وخيار الشيء, فعله يتعدى بنفسه وباللام وبعن كذا في القاموس, "والرجاء": هو الطمع في

стр. 10

الشرنبلالي الحنفي غفر الله ذنوبه وستر عيوبه ولطف به في جميع أموره ما ظهر منها وما خفي وأحسن لوالديه ولمشايخه وذريته ومحبيه ومواليه. وأدام النعم مسبغة في الباطن ــ المطلوب مع الأخذ في الأسباب, وأما مع تركه والتمادي على الغفلات فهو مذموم, ومن كلام العارف يحيى ابن معاذ: أعمال كالسراب وقلوب من التقوى خراب وذنوب بعدد التراب وتطمع مع هذا في الكواعب الأتراب هيهات هيهات أنت سكران من غير شراب", أهـ. قوله: " الجليل ": هو العظيم كما في القاموس وبين الذليل والجليل الطباق. قوله: " الشرنبلالي " قال المؤلف في آخر رسالته در الكنوز: هذا هو الشائع والأصل الشرابلولي نسبة لقرية تجاه منف العليا بإقليم المنوفية بسواد مصر المحروسة, يقال لها شبرابلول واشتهرت النسبة إليها بلفظ الشرنبلالي اهـ, وفي القاموس: شبري كسكري ثلاثة وخمسون موضعا كلها بمصر منها عشرة بأشرقية وخمسة بالمرتاحية وستة بجزيرة قوسنيا وإحدى عشرة بالغربية وسبعة بالسمنودية وثلاثة بالمنوفية وثلاثة بجزيرة بني نصر وأربعة بالبحيرة واثنان برمسيس واثنان بالجيزة. قوله: " غفر الله له ذنوبه " أصل الغفر: الستر, ومنه سمى المغفر لأنه يستر الرأس عند الحرب. وغفر الذنوب سترها بعدم المؤاخذة بها, وقيل: محوها من الصحيفة بالكلية لقوله : ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] , قوله: " ذنوبه " أي معاصيه صغيرها وكبيرها. قوله: " وستر عيوبه " أي ما يعيبه ويشينه وإن لم يكن معصية, فإن العور مثلا عيب وليس بذنب فالمعطف للمغايرة أو من عطف العام. قوله: " ولطف به " أي أوصل إليه بره وإحسانه. قوله: " في جميع أموره " أي جليلها وحقيرها. قوله: " ما ظهر منها وما خفي ": يحتمل أن المراد ما يعم الأحوال الباطنية والظاهرية أي ما يتعلق بالقلب وما يتعلق بالجوارح, أو المراد بالباطنية ما لا يطلع عليه إلا خاصته كالأمور المتعلقة بالحلية والأولاد, وبالظاهرية ما تصدر مع غير هؤلاء كإخوان الدرس والمعاملة ويحتملها معا قوله: " وأحسن لوالديه " أي أنعم عليهما بأنواع النعم فإن الإحسان لفظ يعم كل خير ثم يحتمل أن قرأ والديه بالتثنية والجمع والدعاء لهما مطلوب, قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ . [الإسراء٢٤] . وهو مفتاح الرزق, ولبعضهم أقل الدعاء للوالدين في اليوم والليلة خمس مرات, كأنه يريد عقب كل مكتوب؛ لأن الله قرن الإحسان إليهما بعبادته, وأعظم العبادات الصلوات بعد الإيمان وهي خمس في اليوم والليلة. قوله: " ولمشايخه " بالياء من غير همز جمع شيخ, والدعاء لهم مطلوب؛ لأنهم آباء الأرواح كما أن الوالدين آباء الأشباح. قوله: " وذريته " أي: نسله من الذرء بمعنى: الخلق أي: الجماعة المخلوقين منه. قوله: " ومحبيه ": المراد بهم المحبون له حبا إيمانيا كأن يحبوه لعلمه وطاعته وإن لم يكن للنفس ميل لذلك. قوله: " وإليه ": إن قلت إن المطلوب تقديم نفسه في الدعاء كما قال الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ وقال نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً﴾ فكيف قدم من ذكر عليه؟ أجيب بأنه لما قدم نفسه أولا بقوله: غفر الله له ذنوبه سهل عليه تقديم غيره عليه ثانية, ولمراعاة السجع, قوله: " وأدم النعم مسبغة " أي عامة تامة, فالسابغة العامة كالدرع السابغة والثوب والمراد أنه

стр. 11

والظاهر عليهم وعليه: إن هذا كتاب صغير حجمه غزير علمه صحيح حكمه احتوى على ما ــ يحيط من ذكر بالنعم, واعلم أنه يجب الإيمان بأن الله تعالى يستجيب الدعاء ويعطيه به الرضا ويرد به القضاء وينفع به الأحياء والأموات, دل على ذلك الآيات القاطعة والأحاديث المتواترة. أخرج الطبري والخطيب من حديث ابن مسعود رفعه: "حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة وأعدوا للبلايا الدعاء", فإن قيل: نرى الداعي يبالغ في الدعاء ويضرع ولا يستجاب له. قلنا: إن للدعاء آدابا وشروطا فمن أتى بها كان من أهل الإجابة ومن أخطأها اعتدى فلا يستحق الإجابة, وأيضا قد تتأخر إلى وقتها فإن لكل شيء وقتا على أن الإجابة ليست منحصرة في الإسعاف بالمطلوب بل هي حصول واحد من الثلاثة المذكورة في قوله ﷺ : "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخرها له في الآخرة, وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها", رواه الإمام أحمد وصححه الحاكم, وقد يمنع العبد الإجابة لرفعة مقامه, وقد يجاب كراهة سؤاله. ومن شروط الإجابة: إخلاص النية. ومنها: أن لا يستعجل الإجابة لحديث: "يستجاب لأحدكم ما لم يقل دعوت فلم يستجب لي", وحضور القلب وأن لا يدعو بمحرم, ومنها: طيب المطعم والمشرب والملبس وأن يوقن الإجابة وأن لا يعلق بالمشيئة, وفي شرح الأربعين النووية للشرخيتي أن من التعليق قوله: "اللهم عاملنا بما أنت أهله كأنه -والله تعالى أعلم- يقول: "إن عاملتنا بما أنت أهله, ومنها أن لا يدعو بمستحيل. قوله: " إن هذا كتاب ": مقول القول قوله: " صغير حجمه ": أي جسمه أي بالنسبة للشرح الكبير ونحوه. قوله: " غزير علمه " بالغين والزاي المعجمتين أي كثير, قال في القاموس: الغزير الكثير من كل شيء وغزر ككرم غزارة وغزرا وغزرا بالضم. قوله: " صحيح حكمه ": مفرد مضاف فيعم كل حكم فيه, والإضافة فيه وفيما قبله لأدنى ملابسة لتحقيقهما فيه, واعلم أن الأحكام الصحيحة غالبها من كتب ظاهر الرواية المسماة بالأصول, وهي: "الجامع الكبير" و "الجامع الصغير" آخر مصنفات محمد بعد انصرافه من العراق, ولذا لم يروهما عنه أبو حفص وكلها لمحمد, ويعبر عن المبسوط بالأصل وبعضهم لم يعد السير بقسميه من الأصول وما عدا ذلك فهو رواية النوادر, كالأمالي لأبي يوسف "والرقيات" مسائل جمعها محمد حين كان قاضيا بالرقة بفتح الراء المهملة وتشديد القاف: مدينة على جانب الفرات, رواها عنه محمد إسماعيل "والكيسانيات" مسائل أملاها محمد على أبي عمر وسليمان بن شعيب الكيساني نسبة إلى كيسان بفتح الكاف فنسبت إليه و"الهارونيات": مسائل جمعها محمد في زمن هارون الرشيد و "الجرجانيات": مسائل جمعها محمد بجرجان, وكل ما كان كبيرا فهو من رواية محمد عن الإمام, والصغير روايته عن الإمام بواسطة أبي يوسف, روي أن الشافعي استحسن مبسوط الإمام محمد فحفظه وأسلم حكيم من كفار أهل الكتاب بسبب مطالعته, وقال: هذا كتاب محمدكم الأصغر فكيف كتاب محمدكم الأكبر؟ وفي النهاية وابن أمير حاج أن محمدا قرأ أكثر الكتب على أبي يوسف إلا ما كان فيه اسم الكبير كالمضاربة الكبير, والمزارعة الكبير

стр. 12

به تصحيح العبادات الخمس بعبارة منيرة كالبدر والشمس, دليله من الكتاب العزيز والسنة الشريفة والإجماع, تسربه قلوب المؤمنين وتلذ به الأعين والأسماع, جمعت فيه ما احتوى عليه شرحي للمقدمة بالتماس أفاضل أعيان للخيرات مقدمة, تقريبا للطلاب وتسهيلا لما به الفوز في المآب. وسميته: "مراقي الفلاح بإمداد الفتاح شرح نور الإيضاح ونجاة الأرواح" والله ــ والمأذون الكبير, والجامع الكبير والسير الكبير اهـ. ولم يذكر اسم أبي يوسف في شيء من السير الكبير؛ لأنه صنفه بعدما استحكمت النفرة بينهما, وكلما احتاج إلى رواية عنه قال: أخبرني الثقة اهـ. قوله: " احتوى ": أي اشتمل هذا الكتاب. قوله: " على ما به " أي على مسائل, والمراد دالها وهو النقوش وهو من احتوى الشيء على جزئه لأن الكتاب اسم للألفاظ الدالة على المعاني. وقوله: به أي بمعرفة تلك المسائل تصحيح العبادات الخمس أراد الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج, وعد الطهارة عبادة لأنه يثاب عليها بالنية وإن كانت لا تشترط فيها. قوله: " بعبارة ما حال من ": يعني أن الذي احتوى عليه هذا الكتاب كان بعبارة منيرة أي واضحة ظاهرة أو موضحة للمقصود للواقف عليها أو خبر عن الكتاب بعد الإخبار بما تقدم عنه, ويحتمل أنه ظرف لغو متعلق باحتوى ونسبة الإنارة إلى العبارة مجاز عقلي. قوله: " كالبدر " على حذف مضاف أي كإنارة البدر سمي بدر التمامة كتمام البدر التي هي عشرة آلاف درهم؛ أو لأنه يبادر طلوعه غروب الشمس وثلاثة أيام من أول الشهر هلال وبعده قمر إلى ستة وعشرين, وهذه إحدى طرق ذكره بعض مشايخي فيما كتب على مولد المدابغي, وذكر الشمس بعد القمر من باب الترقي. قوله: " دليله " الخ لم يذكر القياس؛ لأنه لم يخرج عنها. قوله: " تسر به قلوب المؤمنين " أي لما فيه من تصحيح عباداتهم. قوله: " وتلذ به الأعين والأسماع ": أي أصحاب الأعين والأسماع فمآله يرجع إلى ما قبله. قوله: " شرحي للمقدمة " يعني شرحه الكبير والأم في المقدمة شهير. قوله: " بالتماس أفاضل أعيان " عبر به إشارة إلى مساواة الطالب له بأن يكون من أقرانه ويحتمل أنه من تلامذته, وعبر به تواضعا وهو متعلق بجمعت, وقوله: " أفاضل أعيان " المراد بالأعيان: العلماء, والأفاضل: أعلمهم. قوله: " للخيرات مقدمة ": المجرور متعلق بما بعده يعني: أن هؤلاء الجماعة لا يقدمون إلا الخير, والخير: اسم عام لأنواع البر. قوله: " تقريبا " علة لجمعت الخ المفيد للاختصار, قوله: وتسهيلا: أي على الطلاب. قوله: لما به الفوز: أي الظفر وما به الفوز هو تصحيح العبادات الذي احتوى عليه هذا الكتاب. قوله: " في المآب ": أي المرجع وهو يوم القيامة. قوله: " مراقي الفلاح " المرقي: جمع مرقاة وهو السلم والفلاح الظفر بالمقصود شبه الفلاح بمنزل له مراق تشبيها مضمرا في النفس والمراقي تخييل وفي القاموس: والمراقاة وتكسر: الدرجة. قوله: " بإمداد الفتاح ": متعلق بمحذوف تقديره يرقاه بإمداد ولايصح تعليقه بمراقي؛ لأن الذي بإمداد الفتاح هنا هو الرقي, والمراد بالأمداد: الإستمداد والتحصيل أي إن الرقي بتحصيل الفتاح وذكره في القاموس معاني كثيرة للمادة. قوله: " نور الإيضاح " قال في القاموس: وضح الأمر يضح وضوحا وضحه وضحة وهو واضح ووضاح واتضح وأوضح وتوضح بأن وضحه وأوضحه فأفاد أن الإيضاح: الإبانة, ومعنى المصنف على هذا نور الإبانة أي الإبانة التي كالنور في

стр. 13

الكريم أسأل, وبحبيب المصطفى إليه أتوسل أن ينفع به جميع الأمة وأن يتقبله بفضله, ويحفظه من شر من ليس من أهله إذ هو من أجل النعمة, وأعظم المنة والله أسال أن ينفع به عباده ويديم به الإفادة: إنه على ما يشاء قدير, وبالإجابة جدير آمين. ــ الظهور والاهتداء. قوله: " ونجاة الأرواح ": أي من العذاب فإن العذاب يقع على الروح كما يقع على الجسم, وإنما كان بهذا المتن نجاة الأرواح؛ لأن فيه تصحيح العبادة. والغالب أن من صحت عبادته لا سيما الصلاة انتهى عن الفحشاء والمنكر فينجو من العذاب. قوله: " والله الكريم أسأل ": أي لا أطلب النفع والقبول وحفظ هذا الكتاب إلا من الله تعالى. قوله: " وبحبيبه المصطفى الخ ": أي: لا أتوسل إليه في إتمام هذه المرادات إلا بحبيبه محمد ﷺ . ورد: " توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم ", قوله: " أن ينتفع به جميع الأمة ": المراد بالجمع المجموع فإنه لا يتعبد كلهم على مذهب أبي حنيفة ﵁, والنفع إيصال الخير إلى الغير, قوله: وأن يتقبله بفضله بأن يجعله خالصا لا لرياء ولا سمعة فإن العلم إذا صاحبه نحو الرياء كان سببا للعذاب, فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمته فعرفها قال: فما فعلت فيها قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل, ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار, ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمته فعرفها قال: فما عملت فيها قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل, ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" الحديث. وقبوله هو الرضا به والإنابة عليه. قوله: بفضله أشار به إلى الرد على فرقة من المعتزلة أوجبت عليه تعالى الصلاح والإصلاح, قوله: " من ليس من أهله " كالحاسد الذي يحمل بعض تراكيبه على غير المراد منها أو يدخل فيه ما ليس منه أو يتعلمه ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه. قوله: " إذ هو من أجل النعمة " علة للجمل الثلاثة أي من أجل النعمة على الأمة إن نفعهم الله به؛ لأن فيه تصحيح عباداتهم ومن أجل النعمة على المؤلف أن تقبله منه ومن أجل النعمة التي يتنافس في مثلها ويحسد عليها فدعا بحفظه من شر من ذكر, قوله: " وأعظم المنة " هي النعمة, قال في القاموس: من عليه منا أنعم واصطنع عنده صنيعة, فالعطف عطف مرادف. قوله: " والله أسأل أن ينفع به عباده " أعاده ثانيا لشدة رغبته في ذلك وحرصه عليه, قوله: " إنه على ما يشاء قدير " ومن جملته نفع العباد بهذا الكتاب, وإدامة الإفادة به. قوله: " وبالإجابة جدير ". قال في القاموس: الجدير: مكان بني حواليه, والخليق والجمع جديرون وجدراء أهـ والمراد هنا المعنى الثاني.

стр. 14

كتاب الطهارة مدخل ... كتاب الطهارة الكتاب والكتابة لغة: الجمع واصطلاحا طائفة من المسائل الفقهية اعتبرت مستقلة شملت أنواعا أو لم تشمل والطهارة بفتح الطاء مصدر طهر الشيء بمعنى النظافة وبكسرها: الآلة وبضمها فضل ما يتطهر به وشرعا حكم يظهر بالمحل الذي تتعلق به الصلاة لاستعمال المطهر والإضافة بمعنى اللام وقدمت الطهارة على الصلاة لكونها شرطا ــ قوله: " كتاب الطهارة ", قال في المصباح: كتب من باب قتل كتبا وكتبة وكتبة بالكسر, وكتابا والاسم الكتابة؛ لأنها صناعة كالتجارة والعطارة. قال: وتطلق الكتب والكتاب على المكتوب. قوله: " الجمع " ومنه يقال: كتب البغلة, أو الناقة إذا جمع بين شفريها بفتح الشين جانبي فرجها بحلقة أو سير ليمنع الوثب, وسميت الجماعة من الجيش كتيبة لاجتماعهم وأطلق الكتاب على هذه النقوش لما فيه من جمع حروفها بعضها إلى بعض. قوله: " الفقهية ". مثله في العناية والتقييد به لخصوص المقام. قوله: " اعتبرت مستقلة ", أي اعتبرها المعبر به مستقلة بحيث لا يتوقف تصور ما فيه على شيء قبله, أو بعده, وإنما إذ اعتبرت ليدخل نحو الطهارة فإنها من توابع الصلاة إلا أنها اعتبرت مستقلة بالمعنى السابق فأفردت بكتاب على حدة. قوله: " شملت أنواعا " كهذا الكتاب فإن فيه طهارة الوضوء وطهارة الغسل والطهارة بالماء والطهارة بالتراب إلى غير ذلك. قوله: " أولم تشمل " بأن لم يكن تحته باب ولا فصل ككتاب اللقيط واللقيط والآبق والفقود. قوله: " طهر الشيء " بفتح الهاء أفصح من ضمها. قوله: وبكسرها الآلة كالماء والتراب, قوله: " فضل ما يتطهر به " أي اسم لما فضل بعد التطهير, قوله: حكم يظهر بالمحل الذي في كبيره أثر يظهر بالمحل حكما وهي أظهر. قوله: " بالمحل الذي تتعلق به الصلاة ", قال في كبيره ما معناه: إنما عبرت بالمحل أي لا بالبدن ليشمل الثوب والمكان وعرفها في البحر بأنها زوال حدث أو خبث, قال السيد في شرحه لهذا الكتاب: " وهو المراد بالسيد حيث أطلق كما أن المراد بالشرح عند الإطلاق كبير المؤلف ", عرف صاحب البحر الطهارة شرعا: بأنها زوال حدث أو خبث وهو تعريف صحيح لصدقه بالوضوء وغيره كالغسل من الجنابة أو الحيض أو النفاس بل وبالتيمم أيضا لكن لو عبر في البحر بدل زوال بالإزالة؛ لأن الفن بالحدث عن فعل المكلف, وهو الإزالة لكان أولى وفيه إن التعريف للطهارة وهي الزوال, وأما الإزالة فلا تناسب تعريفا إلا للتطهير. قوله: " لاستعمال الماء الطاهر " لو حذفه

стр. 15

وهو مقدم " والمزيل للحدث والخبث " اتفاقا. " المياه ": جمع كثرة, وجمع القلة أمواه, والماء جوهر شفاف لطيف سيال والعذب منه به حياة كل نام وهو ممدود وقد يقصر. وأقسام المياه " التي يجوز " أي يصح " التطهير بها سبعة مياه ". أصلها " ماء السماء " لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ ــ كما في الشرح لكان أولى لعدم شموله التيمم اللهم إلا أن يقال المراد لاستعمال الماء ونحوه, فليس المراد التقييد وهو علة لقوله: يظهر بالمحل, وفي النسخة لاستعمال المطهر وهي أولى. قوله: " والإضافة بمعنى اللام " وهو على تقدير مضافين والتقدير هذا كتاب لبيان أحكام الطهارة. قال في الشرح: ويبعد كونها بمعنى من لأن ضابطها صحة الإخبار عن الأول بالثاني كخاتم فضة وهو مفقود هنا إذا لا يصح أن يقال الكتاب طهارة. قوله: " وقدمت الطهارة " جواب سؤال حاصل أن الصلاة هي المقصود الأهم فلم قدمت الطهارة عليها. قوله: " وهو مقدم " أي شرعا فإن الصلاة تتوقف عليها شرعا فقدمها وضعا أي ذكرا, والمراد أنها شرط لصحة الدخول فيها فلا ترد القعدة الأخيرة بناء على ما هو التحقيق إنها شرط؛ لأنها الخروج لكن يرد عليه الستر واستقبال القبلة أجيب بأنه سؤال دوري أو أن الطهارة ألزم وأهم, ولو يبين حكمة تقديم المياه على سائر أحكام الطهارة وبينها بعض الحذف الحذاق. فقال: وبدأ منها بيان المياه لأنها آلة وآلة الشيء مقدمة عليه إذ لا وجود له بدونها. قوله: " والمزيل للحدث الخ ", أخرج المصنف متنه عن إعرابه ولكن حيث كان الكلام له فله التصرف فيه. قوله: " اتفاقا ", وأما غير الماء من المائعات فالمعتمد من المذهب أنها مزيلة للأخباث وقال محمد والشافعي رضي الله تعالى عنهما: يشترط لطهارتها الماء المطلق أيضا, قوله: " المياه " أصله مواه فعل به ما فعل بميزان. قوله: " جمع كثرة وجمع القلة أمواه " والفرق بينهما أن جمع القلة يدل حقيقة بالوضع على ثلاثة فأكثر إلى عشرة فقط, وجمع الكثرة يدل كذلك على ما فوق العشرة إلى غير نهاية, وقد يستعمل أحدهما موضع الآخر مجازا, فإن قيل: كان الأول التعبير بجمع القلة ليطابق المبتدأ الخبر وتحرزا عن ارتكاب المجاز بغير ضرورة فالجواب أن جمعي القلة والكثرة إنما يعتبران في نكرات المجموع. أما في المعارف كما هنا فلا فرق بينهما. قوله: " شفاف " قال في القاموس: شف الثوب يشف شفوفا وشفيفا رق فجلا ما تحته اهـ. فمعناه الرقيق الذي لا يحجب ما تحته أي حيث خلا عن العوارض زاد في الشرح الذي يتلون بلون الإناء قوله: " والعذب منه الخ " خرج به الملح فإنه لا يحيا الناس به وهذا يفيد أن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ﴾ , [الأنبياء ٣٠] . خاص بالعذب. قوله: " وهو ممدود " وأصله موه قلبت الواو ألفا لانفتاح ما قبلها والهاء همزة لتناسب الألف وجعل الشارح إبدال الهاء همزة إبدالا شاذا, قوله: " وقد يقصر " أفاد أن القصر قليل. قوله: " أي يصح ", فسر الجواز بالصحة ولم يفسره بالحل لأن الكلام في بيان ما يصح به التطهير, وإن كان لا يحل كماء الغير المحرز في نحو جب وصهريج. قوله: " أصلها ماء السماء " اعترض بأن هذه العبارة تفيد أن السبعة غيره لأنها فروعه

стр. 16

تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ , وهو طهور لقوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ , وهو ماء المطر لأن السماء ككل ما علاك فأظلك وسقف البيت سماء, وماء الطل وهو الندى مطهر في الصحيح " و "كذا: " ماء البحر " الملح لقوله ﷺ : " هو الطهور ماؤه ــ مع أنه معدود منها, وأجيب بأن المراد الذي هو أحدها فالتقدير أصلها ماء السماء الذي هو أحدها, قال السيد: فإن قيل الكل ماء السماء لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الحج: ٦٣] الآية, وهذه العبارة أي عبارة المصنف التي فيها العطف تفيد المغايرة فالجواب كما ذكره العيني أن القسمة بحسب ما تشهد به العادة انتهى. قوله: " لقوله تعالى " علة للأصالة قيل: كل ماء من السماء ينزل إلى صخرة بيت المقدس ثم يقسمه الله تعالى, قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إن قيل: ليس في الآية ما يدل على أن جميع المياه من السماء؛ لأن ماء نكرة وهي في الإثبات تخص فلا تفيد العموم فالجواب أن ذلك عند عدم قرينة تدل عليه والقرينة ذكره في مقام الامتنان فلو لم تدل على العموم لفات المطلوب كما في السراج, وفي البناية والنكرة في الإثبات تفيد العموم بقرينة تدل عليه كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ , قوله: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أدخله أماكن منها ينبع فيها قوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ صدر الآية: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ , قوله: وهو ماء المطر, لو قال: وهو ماء السحاب لكان أولى ليتجه الكلام الآتي, واعلم أن المطر تارة يكون من السحاب والسحاب يلتقمه من البحر فتنسفه الرياح فيحلو وهذا المطر لا ينبت وتارة ينزل من خزانة تحت العرش قطعا كبار لو نزلت بجملتها لأفسدت فتنزل على السحاب وهو كالغربال فينزل منه القطر الخفيف وهو الذي به الإنبات, كذا ذكره بعضهم وظاهر كلام المصنف أنه لا ينزل إلا من السحاب. قوله: " لأن السماء كل ما علاك " فإطلاق السماء على السحاب حقيقة لغوية. قوله: " فأظلك " ظاهر تقييده أنه لا يقال لنحو الطائر سماء؛ لأنه لا يظل. قوله: " وسقف البيت " من عطف الخاص وعبارة الشرح ومنه قيل لسقف البيت سماء وهي أولى مما هنا. قوله: " في "الصحيح " وقيل: هو نفس دابة فلا يجوز التطهير به, والصحيح أنه مطر خفيف. قوله: " وكذا ماء البحر " تكلف الشارح فجعله مبتدأ وخبرا ولا يفهم العدد منه وإنما دعا إلى ذلك تقدير أصلها في قوله سابقا أصلها ماء السماء. قال الجوهري: هو ضد البرق, قيل: سمي به لعمقه واتساعه وكل نهر عظيم بحر اهـ. قال في البناية: ومنه قيل لنهر مصر بحر النيل أهـ قال ابن سيده في المحكم: البحر الماء الكثير ملحا كان أو عذبا وقد غلب على الملح فيكون التنصيص عليه دفعا لمظنة توهم عدم جواز التطهير بت؛ لأنه مر منتن كما توهم ذلك بعض الصحابة, وفي الخبر: "من لم يطهره ماء البحر فلا طهره الله", ومن الناس من كره الوضوء من البحر الملح لحديث ابن عمر أنه ﵊ قال: "لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا", تفرد به أبو داود, وكان ابن عمر لا يرى جواز الوضوء به

стр. 17

الحل ميتته". " و "كذا: " ماء النهر ": كسيحون وجيحون والفرات ونيل مصر وهي من الجنة, " و "كذا " ماء البئر " وكذا: " ما ذاب من الثلج والبرد ": بفتح الباء الموحدة والراء المهملة واحترز به عن الذي يذوب من الملح؛ لأنه لا يطهر يذوب في الشتاء ويجمد في الصيف عكس الماء وقبل انعقاده ملحا طهور, وكذا " ماء العين " الجاري على الأرض من ينبوع, والإضافة في هذه المياه للتعريف لا للتقييد, والفرق بين الإضافتين: صحة إطلاق الماء على الأول دون الثاني إذ لا يصح أن يقال لماء الورد هذا ماء من غير قيد بالورد بخلاف ماء البئر لصحة إطلاقه فيه. " ثم المياه " من حيث هي " على خمسة أقسام " لكل منها وصف يختص به أولها " طاهر مطهر غير مكروه وهو الماء المطلق " الذي لم يخالطه ما يصير به ــ ولا الغسل عن جنابة, وكذا روي عن أبي هريرة وكذا ماء الحمام عنده, وعن أبي العالية أنه كان يتوضأ بالنبيذ, ويكره الوضوء بماء البحر؛ لأنه طبق جهنم, وما كان طبق سخط لا يكون طريقا لطهارة ورحمة, والجمهور على عدم الكراهة. قوله: "هو الطهور ماؤه" الخ قاله ﵊ لمن جاءه, وقال: يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ به؟. قوله: "الحل ميتته" قاصر عندنا على السمك غير الطافي, وغير الجريث والمار ماهي, وهو ثعبان البحر والجريث: سمك أسود يشبه الترس. قوله: " وكذا ماء النهر " قال في القاموس: النهر ويحرك مجرى الماء. قوله: " كسيحون " نهر خجند وجيحون: نهر ترمذ, والفرات نهر الكوفة. قوله: " ونيل مصر ": هو أفضل المياه بعد الكوثر, ويليه بقية الأنهر, وورد أن الفرات ينزل فيه كل يوم بعض من ماء الجنة. قال بعض الحذاق: فائدة كون بعض المياه أفضل من بعض إنما تظهر في كثرة ثواب الأفضل, كما أن الماء المكروه أقل ثوابا من غيره. قوله: " وكذا ماء البئر " بهمز عينها وقد تخفف معروفة. قوله: " وكذا ما ذاب من الثلج والبرد ": أي بحيث يتقاطر. وعن الثاني: بجوز مطلقا, والأول أصح, وإنما جاز التطهير بهما لأن ماءهما ماء حقيقة لكنه جمد من شدة البرد ويذوب بالحر, والبرد: شيء ينزل من السماء يشبه الحصى, ويسمى: حب الغمام, وحب المزن كما في المصباح. قوله: " واحترز بت " أي بما ذاب من الثلج والبرد. قوله: " لأنه لا يطهر ": أي الأحداث فقط. قوله: " يذوب في الشتاء ": جملة قصد بها التعليل لقوله لأنه لا يطهر. قوله: " عكس الماء ": أي فليس حينئذ بماء. قوله: وقبل انعقاده ملحا طهور؛ لأنه على طبيعته الأصلية. قوله: " إذ لا يصح أن يقال لماء الورد " أي لغة وعرفا. قوله: " بخلاف ماء البئر ": أي مثلا. قوله: " ثم المياه ": ثم للترتيب الذكرى. قوله: " من حيث هي " أي باعتبار ذاتها بقطع النظر عن كونها ماء سماء ونحوه. قوله: " على خمسة أقسام " من حيث الأوصاف كما أشار إليه بقوله: " لكل منها وصف " الخ وليس التقسيم للحقيقة. قوله: " طاهر ": أي في نفسه مطهر لغيره حدثا وخبثا. قوله: " غير مكروه ": أي استعماله. قوله: " الذي لم يخالطه الخ ": فهو الباقي على أو صاف خلقته الأصلية. " فائدة ": يجوز الوضوء والغسل بماء زمزم عندنا من

стр. 18

مقيدا " و " الثاني: " طاهر مطهر مكروه " استعماله تنزيها على الأصح, " وهو ما شرب منه " حيوان مثل " الهرة " الأهلية إذ الوحشية سؤرها نجس " ونحوها ", أي الأهلية: الدجاجة المخلاة وسباع الطير والحية والفأرة؛ لأنها لا تتحامى عن النجاسة, وإصغاء النبي ﷺ الإناء للهرة كان حال علمه بزوال ما يقتضي الكراهة منها إذ ذاك " و " الذي يصير مكروها بشربها منه ما " كان قليلا " وسيأتي تقديره " و " الثالث " طاهر " في نفسه " غير مطهر " للحدث بخلاف الخبث " وهو: ما استعمل " في الجسد أو لاقاه بغير قصد " لرفع حدث أو " ــ غير كراهة بل ثوابه أكبر وفصل صاحب "لباب المناسك" آخر الكتاب فقال: يجوز الاغتسال والتوضؤ بماء زمزم إن كان على طهارة للتبرك فلا ينبغي أن يغتسل به جنب ولا محدث ولا في مكان نجس ولا يستنجي به ولا يزال به نجاسة حقيقة وعن بعض العلماء تحريم ذلك, وقيل: إن بعض الناس استنجى به فحصل له باسور اهـ. قوله: " تنزيها " على الأصل هو ما ذهب إليه الكرخي معللا بعدم تحاميها النجاسة وعلل الطحاوي الكراهة بحرمة لحمها, وهذا يقتضي التحريم, ثم الكراهة إنما هي عند وجود المطلق غيره, وإلا فلا كراهة أصلا كما في غاية البيان والتبيين. قوله: " حيوان مثل الهرة ": الأولى إبقاء المصنف على حاله كما فعل في كبيره لأن لفظ " مثل " يغني عن لفظ " ونحوها " الآتي في المتن. قوله: " نجس " أي اتفاقا؛ لما ورد: " السنور سبع ", فإن المراد به البري. قوله: " ونحوها ": مبتدأ خبره قوله: " الدجاجة " فغير إعراب متنه. قوله: " الدجاجة " وكل ماله دم سائل. وأما ما ليس له دم سائل فلا كراهة في استعماله ما مات فيه فضلا عن سؤرها. واعلم أن الكراهة في سؤر الهرة قول الإمام ومحمد, وقال أبو يوسف: لا كراهة فيه لحديث الإصغاء. قوله: " وإصغاء النبي ﷺ الإناء " أي إمالته, قال في القاموس: وأصغى: استمع, وإليه مال سمعه والإناء أماله. قوله: " كان حال علمه " الخ أي بوحي أو كشف, فلو زال التوهم في حقه فلا كراهة في سؤرها؛ لأن الكراهة ما ثبتت إلا من ذلك التوهم فتسقط بسقوطه, قال في الفتح: فعلى هذا لا ينبغي إطلاق كراهة أكل أو شرب فضلها والصلاة إذا لحست عضوا قبل غسله كما أطلقه شمس الأئمة وغيره, بل يقيد بثبوت ذلك التوهم, فأما لو كان زائلا كما قلنا فلا كراهة اهـ. قوله: " إذ ذاك " أي وقت الإصغاء. قوله: " وسيأتي تقديره " ظاهر المذهب أنه ما يعده الناظر قليلا قوله: " وهو ما استعمل في الجسد الخ " ظاهره أنه إذا غسل عضوا من جسده لغير جنابة ونجاسة يكون مستعملا, والأصح أنه لا يكون مستعملا لعدم إسقاط الفرض كما في البحر. قوله: " لرفع حدث " وإن لم ينو بذلك قربة, كوضوء المحدث بلا نية إجماعا على الصحيح, ولم يذكر المصنف ما استعمل لإسقاط فرض بأن غسل بعض أعضاء وضوئه، فإنه يصير مستعملا لسقوط الفرض اتفاقا، وإن لم يزل به حدث عضوه لما عرف أنه لا يتجزأ زوالا وثبوتا, ولا تلازم بين سقوط الفرض, وزوال الحدث لأن مفاد السقوط عدم وجوب الإعادة, ورفع الحدث موقوف على التمام. قوله: " لقربة ": هي فعل ما يثاب

стр. 19

قصد استعماله " لقربة " وهي: " كالوضوء " في مجلس آخر, " على الوضوء بنيته ": أي الوضوء تقربا ليصير عبادة, فإن كان في مجلس واحد كره, ويكون الثاني غير مستعمل. ومن القربة: غسل اليد للطعام أو منه لقوله ﷺ : " الوضوء قبل الطعام بركة " وبعده ينفي اللمم -أي الجنون- وقبله ينفي الفقر", فلو غسلها لوسخ وهو متوضئ ولم يقصد القربة لا يصير مستعملا: كغسل ثوب ودابة مأكولة " ويصير الماء مستعملا بمجرد انفصاله عن الجسد " وإن لم يستقر بمحل على الصحيح وسقوط حكم الاستعمال قبل الانفصال لضرورة التطهير ولا ضرورة بعد انفصاله " ولا يجوز " أي لا يصح الوضوء " بماء شجر وثمر " لكمال امتزاجه ــ عليه ولا ثواب إلا بالنية, فإنه قيل المتوضئ ليس على أعضائه نجاسة لا حقيقة ولا حكما, فكيف يصير الماء مستعملا بنية القربة. قلت: لما عمل في تحصيل النور, كالمرة الأولى أوجب ذلك تغير وصفه, وإلا كان وجوده كعدمه, قوله: تقربا ليصير عبادة. أما إذا توضأ في مجلس آخر ولم ينو القربة كان إسرافا فلا يعتد به الماء مستعملا. قوله: " فإن كان في مجلس واحد " أي ولم يؤد بالأول عبادة شرع التطهير لها وإلا فلا يكره. قوله: " كره " أي: ولو نوى القربة ويكره إسرافا والإسراف حرام ولو على شط نهر, قاله السيد: ومفاده أن الكراهة تحريمية. قوله: " غسل اليد للطعام أو منه " أي بقصد السنة وإلا لا يستعمل, قوله: " لا يصير مستعملا " لعدم إسقاط فرض أو إقامة قربة وكذا توضأ بنية التعليم؛ لأن التعليم وإن كان قربة إلا أنه لم يتعين بالفعل بل يصح بالقول أيضا والأصح أن غسالة الميت إذا لم يكن عليه نجاسة مستعملة كوضوء الحائض بقصد إقامة المستحب فإن الماء يصير به مستعملا. قوله: كغسل ثوب ودابة مأكولة أي طاهرين, وقد قالوا: إن عرق الحمار طاهر والكلب إذا انتفض من الماء فأصاب إنسانا لا ينجسه لأنه طاهر العين, ومقتضى هذا أنه إذا غسلهما تكون غسالتهما طاهرة وهي مطهرة لعدم موجب الاستعمال. قوله: " على الصحيح " هو ما عليه العامة وصحح في الهداية وكثير من الكتب أنه المذهب كما في البحر, ووجهه ما ذكره المصنف بقوله: " وسقوط الخ ", واختاره الطحاوي وبعض مشايخ بلخ أنه لا يستعمل إلا إذا استقر وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا انفصل ولم يستقر فسقط على عضو آخر وجرى عليه من غير أن يأخذه بيده, فعلى الأول: لا يصح غسل ذلك العضو بذلك الماء, وعلى الثاني: يصح. واعلم أن صفة الماء المستعمل حكى بعضهم فيها خلافا على ثلاث روايات. وقال مشايخ العراق: لم يثبت في ذلك اختلاف أصلا بل هو طاهر غير طهور عند أصحابنا جميعا. قال شيخ الإسلام في "شرح الجامع الصغير": وهو المختار عندنا وهو المذكور في عامة كتب محمد عن أصحابنا واختاره المحققون من مشايخ ما وراء النهر, وقال في المجتبى وقد صحت الروايات عن الكل: أنه طاهر غير طهور إلا الحسن وروايته شاذة غير مأخوذ بها كما في مجمع الأنهر, لكن يكره شربه والعجن به تنزيها لاستقذار النفس له, قوله: " أي لا يصح " إنما فسره بذلك لأنه, لو أبقاه

стр. 20

فلم يكن مطلقا " ولو خرج بنفسه من غير عصر " كالقاطر من الكرم " في الأظهر " احترز به عما قيل بأنه لا يجوز بماء يقطر بنفسه لأنه ليس لخروجه بلا عصر تأثير في نفي القيد وصحة نفي الاسم عنه وإنما صح إلحاق المائعات المزيلة بالماء المطلق لتطهير النجاسة الحقيقية: لوجود شرط الإلحاق وهي: تناهي أجزاء النجاسة بخروجها مع الغسلات وهو منعدم في الحكمية لعدم نجاسة محسوسة بأعضاء المحدث, والحدث أمر شرعي له حكم النجاسة لمنع الصلاة معه وعين الشارع لإزالته آلة مخصوصة فلا يمكن إلحاق غيرها بها. " ولا " يجوز الوضوء " بماء زال طبعه " -وهو: الرقة والسيلان والإرواء والإنبات " بالطبخ " بنحو حمص ــ على حقيقته لا يفيد عدم الصحة وإنما يفيد عدم الحل وقد يجامع الصحة والمقصود الأول. قوله: بماء شجر المراد به مطلق النبات كالكرم وورق الهندباء. قوله: " وثمر " بالمثلثة ما يثمره النبات فيشمل جميع الفواكه والأزهار كما في القهستاني. قوله: " لكمال امتزاجه " فيه رد على الزيلعي حيث علل جواز رفع الحدث به بأنه لم يكمل امتزاجه ونظر فيه صاحب البحر. قوله: فلم يكن مطلقا إذ لا يطلق عليه اسم الماء بدون قيد. قوله: " احترز به عما قيل بأنه الخ " قاله صاحب الهداية: ومشى عليه الزيلعي ومعهما صاحب التنوير. قوله: " لأنه ليس لخروجه علة "؛ لقوله: " ولا يجوز الخ " وقد علله سابقا بقوله: " لكمال امتزاجه " وهو في المال يرجع إلى ما هنا. قوله: " وصحة نفي الاسم " أي اسم الماء المطلق حيث لا يقال له ماء بدون قيد وهو لازم لما قبله لأنه إذا كان لا ينتفي قيده لا يصح إطلاق اسم الماء عليه, قوله: " وإنما صح الخ " جواب سؤال حاصله أن الإمام رضي الله تعالى عنه ألحق المائعات بالممطلق في إزالة النجاسة الحقيقية فمقتضاه أن يلحق المقيد بالمطلق في إزالة الحكمية إذ لا فرق, وحاصل الجواب بالمنع وإثبات الفرق. قوله: " لتطهير النجاسة " متعلق بإلحاق والأولى التعبير بنفي. قوله: " لوجود شرط الإلحاق " متعلق بصح وهو علنه. قوله: " وهي تناهي " الأولى تذكير الضمير كما هو في نسخ. قوله: " بخروجها " الباء للسببية وهو متعلق بتناهي, قوله: " وهو منعدم في الحكمية " أي شرط الإلحاق الذي هو التناهي, قوله: " لعدم نجاسة محسوسة " أي حتى يحكم عليها بالتتامي. قوله: " والحدث أمر شرعي " يصلح جوابا ثانيا, قوله: " له حكم النجاسة " أي الحقيقة بل هو أعظم لأنه لا يعفى عن قليله. قوله: " آلة مخصوصة " وهي إما الماء المطلق أو خلفه وهو التراب, قوله: " ولا يجوز الوضوء الخ " الغسل مثل الوضوء في جميع أحكام المياه فلذا لم يصرح به, قوله: " وهو الرقة والسيلان " اقتصر عليهما في الشرح وهو الظاهر؛ لأن الأخيرين لا يكونان في ماء البحر الملح, ثم هذا من المصنف ليس على ما ينبغي فإنه متى طبخ بما لا يقصد به النظافة لا يرفع الحدث وإن بقي رقيقا سائلا لكمال الامتزاج بخلاف ما يقصد به النظافة فإنه لا يمتنع به رفعه إلا إذا خرج عن رقته وسيلانه فالفرق بينهما ثابت وتسوية المصنف بينهما ممنوعة أفادة السيد وغيره. قوله: " بالطبخ " قيد به لأنه لو تغير وصف

стр. 21

وعدس لأنه إذا برد ثخن كما إذا طبخ بما يقصد به النظافة -كالسدر- وصار به ثخينا وإن بقي على الرقة جاز به الوضوء. ولما كان تقييد الماء يحصل بأحد الأمرين: كمال الامتزاج بتشرب النبات أو الطبخ بما ذكرناه بين الثاني وهو: غلبة الممتزج بقوله: " أو بغلبة غيره " أي غير الماء " عليه " أي على الماء ولما كانت الغلبة مختلفة باختلاف المخالط بغير طبخ ذكر ملخص ما جعله المحققون ضابطا في ذلك, فقال: " والغلبة " تحصل " في مخالطة " الماء لشيء من " الجامدات " الطاهرة " بإخراج الماء عن رقته " فلا ينعصر عن الثوب " و " إخراجه عن " سيلانه " فلا يسيل على الأعضاء سيلان الماء " و " أما إذا بقي على رقته وسيلانه: فإنه " لا يضر " أي لا يمنع جواز الوضوء به " تغير أوصافه كلها بجامد:" خالطه بدون طبخ " كزعفران وفاكهة وورق شجر " لما في البخاري ومسلم: أن النبي ﷺ أمر بغسل الذي وقصته ناقته وهو محرم بماء وسدر وأمر قيس بن عاصم حين أسلم أن يغتسل بماء وسدر ــ الماء بنحو الحمص أو الباقلا بدون طبخ بأن ألقى فيه ليبتل ولم تذهب رقة الماء فإنه يجوز التوضؤ به كما لو ألقى فيه زاج, وهو رقيقة كما في الخانية. قوله: " لأنه إذا برد ثخن " قد علمت أنه لا يرفع ولو بقي رقيقا قوله: " وإن بقي على الرقة جاز به الوضوء " وإن غير أوصافه الثلاثة لأنه مقصود للمبالغة في العرض المطلوب وهو النظافة واسم الماء باق وازداد معناه وهو التطهير ولذا جرت السنة في غسل الميت بالماء المغلي بالسدر والحرض. قوله: " كمال الامتزاج الخ " الأولى في التعبير أن يقول: ولما كان تقييد الماء يحصل بأحد الأمرين الأول: كمال الامتزاج بتشرب النبات أو الطبخ بما ذكرناه, والثاني: غلبة الممتزج فلما بين الأول شرع في بيان الثاني وهو غلبة المتمزج فقال الخ. قوله: " كمال الامتزاج " من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف وقوله: " بتشرب النبات " متعلق بكمال وقوله: " أو الطبخ عطف عليه ", وقوله: " بما ذكرناه " مراده به نحو الحمص والعدس مطلقا وما يقصد به التنظيف إذا صار الماء به ثخينا, قوله: " باختلاف المخالط " فإنه تارة يكون جامدا وتارة يكون مائعا موافقا للماء في أوصاف أو مخالفا كما يأتي توضيحه, قوله: " بغير طبخ " الأولى حذفه لأنه الأول المفروغ منه. قوله: " في ذلك " أي في الغلبة, قوله: " الطاهرة " أما النجسة فتنجس القليل منه مطلقا, والكثير إن ظهر أحد أوصافها, قوله: "وأما إذا بقي الخ" عبارة المتن في ذاتها أعذب وأخصر. قوله: " لا يضر تغير أوصافه " محله ما لم يصبح به كماء الزعفران إذا كان يصبغ بت, ومالم يحدث له اسم آخر, قال في القنية: ولو وقع الزعفران في الماء وأمكن الصبغ به منع وإلا لا اهـ. وقال في الدر المختار: فلو جامدا فبثخانته ما لم يزل الاسم كنبيذ تمر اهـ. قوله: " بدون طبخ " الأولى حذفه؛ لأنه الموضوع. قوله: " بماء وسدر " قد يقال غير نحو السدر لا يقاس عليه؛ لأن المقصود به التنظيف فاغتفر فيه تغير الأوصاف, ولا كذلك غيره, ويقال في الحديث الذي بعده كذلك

стр. 22

واغتسل النبي ﷺ بماء فيه أثر العجين وكان النبي ﷺ يغتسل ويغسل رأسه بالخطمي وهو جنب ويجتزئ بذلك. " والغلبة " تحصل " في " مخالطة " المائعات: بظهور وصف واحد " كلون فقط أو طعم " من مائع له وصفان فقط " أي لا ثالث له, ومثل ذلك بقوله: " كاللبن له اللون والطعم " فإن لم يوجد أجاز به الوضوء وإن وجد أحدهما لم يجز كما لو كان المخالط له وصف واحد فظهر وصفه: كبعض البطيخ ليس له إلا وصف واحد, " و " قوله " لا رائحة له " زيادة إيضاح لعلمه من بيان الوصفين. " و " الغلبة توجد " بظهور وصفين من مائع له " أوصاف " ثلاثة " وذلك " كالخل " له لون وطعم وريح فأي وصفين منها ظهرا منعا صحة الوضوء والواحد منها لا يضر لقلته " والغلبة في " مخالطة " المائع الذي لا وصف له " يخالف الماء بلون أو طعم أو ريح: " كالماء المستعمل " فإنه بالاستعمال لم يتغير له طعم ــ قوله: بماء فيه أثر العجين قد يقال إنه لا ينتج الدعوى لعدم الدلالة على تغير جميع الأوصاف, وكذا يقال فيما بعده والحكم مسلم, قوله: " كبعض البطيخ " مثله القرع فإن ماءهما لا يخالف إلا في الطعم كماء الورد فإنه لا يخالف إلا في الريح. قوله: " لا رائحة له ": فيه أنه يشم من بعض رائحة الدسومة. قوله: " تكون الغلبة بالوزن " وهذا الاعتبار يجري فيها لو ألقى الماء المستعمل في المطلق أو انغمس الرجل فيه على ما هو الحق وأما ما في كثير من الكتب من أن الجنب إذا أدخل يده أو رجله في الماء فسد الماء فبني على رواية نجاسة الماء المستعمل وهي رواية شاذة, وأما على المختار للفتوى فلا, قال في البحر: فإذا عرفت هذا فلا تتأخر عن الحكم بصحة الوضوء أي والغسل من الفساقي الصغار الكائنة في المدارس والبيوت, إذا لا فرق بين استعمال الماء خارجا ثم صبه في الماء المطلق وبين ماإذا انغمس فيه فإنه لا يستعمل منه إلا ما تساقط عن الأعضاء أو لاقى الجسد فقط وهو بالنسبة لباقي الماء قليل ويتعين عليه حمل كلام من يقول بعدم الجواز على القول الضعيف لا الصحيح, فالحاصل أنه يجوز الوضوء والغسل من الفساقي الصغار ما لم يغلب على ظنه أن الماء المستعمل أكثر, أو مساو ولم يغلب على ظنه وقوع نجاسة فيه وتمامه فيه قوله: " جاز به الوضوء " ظاهر أنه يجوز بالكل ويجعل المستعمل مسلكا لقلته. قوله: " حلت فيه نجاسة " قيد به لأنه لو تغيرت أوصافه بطول المكث وكان باقيا على طبعه فهو مطهر لأنه باق على خلقته الأصلية ولو صار ثخينا, لا قوله: " وعلم وقوعها يقينا الخ ", ولو شك يجوز ولو وجده منتنا لأنه قد يكون بسبب طاهر خالطه, أو بطول المكث, والأصل الطهارة ولا يلزمه السؤال لقول عمر لما سأل ابن العاص عن حوض أتوا عليه فقال: يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه: يا صاحب الحوض لا تخبرنا, وعلى هذا الضيف إذا قدم إليه طعام ليس له أن يسأل من أين لك هذا؟ قوله: " وهذا في غير قليل الأرواث " أي

стр. 23

ولا لون ولا ريح وهو طاهر في الصحيح " و " مثله ماء " الورد المنقطع الرائحة: تكون " الغلبة " بالوزن " لعدم التميز بالوصف لفقده " فإن اختلط رطلان " مثلا " من الماء المستعمل " أو ماء الورد الذي انقطعت رائحته " برطل من " الماء " المطلق لا يجوز به الوضوء " لغلبة المقيد " وبعكسه " وهو: لو كان الأكثر المطلق " جاز " به الوضوء وإن استويا لم يذكر حكمه في ظاهر الرواية وقال المشايخ: حكمه حكم المغلوب احتياطا " و " القسم " الرابع " من المياه: " ماء نجس وهو: الذي حلت " أي وقعت " فيه نجاسة " وعلم وقوعها يقينا أو بغلبة الظن وهذا في غير قليل الأرواث لأنه معفو عنه كما سنذكره, " وكان " الماء " راكدا " أي ليس جاريا وكان " قليلا والقليل " هو: " ما " مساحة محله " دون عشر في عشر " بذراع العامة -والذراع- يذكر ويؤنث- وإن كان قليلا وأصابته نجاسة " فينجس بها وإن لم يظهر أثرها " أي النجاسة " فيه " وأما إذا كان عشرا في عشر بحوض مربع أو ستة وثلاثين في مدور وعمقه أن يكون بحال لا تنكشف أرضه بالغرف منه على الصحيح, وقيل: يقدر عمقه بذراع أو شبر فلا ينجس إلا بظهور وصف للنجاسة فيه حتى موضع الوقوع, وبه أخذ مشايخ بلخ ــ نجاسة الماء بوقوع النجاسة فيه محله في غير قليل الأرواث إذا وقع في الآبار, قوله: كما سنذكره: أي في فصل البئر. قوله: " بذراع العامة " صحح قاضيخان ذراع المساحة لأن المكان من الممسوحات وقال: في الهداية الفتوى على اعتبار ذراع الكرباس توسعة للأمر على الناس وذراع المساحة سبع قبضات مع كل قبضة أصبع قائمة, وأما ذراع الكرباس ففي الكافي ومنلا مسكين أنه سبع قبضات فقط, ونقل صاحب الدرر أن المفتي به ذراع المساحة وأنه أكبر من ذراعنا اليوم, فالعشر في العشر بذراعنا اليوم ثمان في ثمان بالماسحة. قوله: " والذراع " يذكر ويؤنث اقتصر في المغرب على التأنيث. قوله: " وإن كان قليلا الخ " لا حاجة إلى هذه الزيادة. قوله: " أو ستة وثلاثين في مدور " هذا القدر إذا ربع يكون عشرا في عشر, وفي المثلث كل جانب منه يكون ذرعه خمسة عشر ذراعا وربعا وخمسا, قال الزيلغي وغيره: والعبرة بوقت الوقوع فإن نقص بعده لا ينجس, وعلى العكس: لا يطهر وفي البحر عن السراج الهندي: الأشبه أنه يطهر. قوله: " بالغرف منه " أي بالكفين كما في القهستاني وفي الجوهرة وعليه الفتوى. قوله: " وبه أخذ مشايخ بلخ " ولو كان للنجاسة جرم فلا فرق بين موضع الوقوع وغيره وبين نجاسة ونجاسة, وينبغي تصحيحه كما في " الفتح " وهو المختار كما قاله العلامة قاسم وعليه الفتوى كما في النصاب. قوله: " هو المفتي به " وهو قول عامة المشايخ خانية, وهو قول الأكثر, وبه نأخذ نوازل وعليه الفتوى كما في شرح الطحاوي وحقق في " البحر " أن هذا التقدير لا يرجع إلى أصل يعتمد عليه, وأن ظاهر الرواية عن الإمام, بل عن الثلاثة كما قاله الإمام الرازي: التفويض إلى رأي المستعمل, فإن غلب على ظنه أنه كثير لا تؤثر فيه النجاسة, فهو كثير وإلا

стр. 24

توسعة على الناس والتقدير بعشر في عشر هو المفتى به ولا بأس بالوضوء والشرب من جب يوضع كوزه في نواحي الدار ما لم يعلم تنجسه ومن حوض يخاف أن يكون فيه قذر ولا يتيقن ولا يجب أن يسأل عنه, ومن البئر التي تدلى فيها الدلاء والجرار الدنسة وتحملها الصغار والإماء ويمسها الرستاقيون بأيد دنسة ما لم تتيقن النجاسة أو كان " جاريا " عطف على راكدا " وظهر فيه " أي الجاري " أثرها " فيكون نجسا " والأثر: طعم " النجاسة " أو لون أو ريح " لها لوجود عين النجاسة بأثرها. والنوع " الخامس: ماء مشكوك في طهوريته " لا في طهارته, " وهو: ما شرب منه حمار أو بغل " وكانت أمه أتانا لا رمكة؛ لأن العبرة للأم كما سنذكره في الأسآر إن شاء الله تعالى. ــ فهو قليل كما ظن له خاصة فيتيمم إن لم يجد غيره فيعتبر في كل مكلف ظنه إذ العقول مختلفة وكل مستعمل مأمور بالتحري وليس هذا من الأمور التي يجب فيها على العامي تقليد المجتهد كما في الفتح فإن توافقت آراؤهم فيها ويؤمهم أحدهم وإلا فلا, قوله: " ولا بأس بالوضوء " هذا مما فرع على أن الماء لا ينجس إلا بالعلم بوقوع النجاسة أو غلبة الظن. قوله: " من حب " بالحاء المهملة الخابية والكرامة غطاؤها فيقال لك عندي حب وكرامة بهذا المعنى. قوله: " ومن حوض يخاف أن يكون فيه قذر " ولو كان متغيرا منتنا لأن ذلك قد يكون بطاهر وقد يكون بالمكث. قوله: " وتحملها الصغار والإماء ", خصهم لأنهم لا يعلمون الأحكام فغيرهم ممن يعلم أولى. قوله: " الرستاقيون " أي أهل القرى: وفي القاموس الرستاق: الرزداق كالرسداق اهـ. ولم يذكر غير ذلك. تنبيه: لا عبرة بالعمق وحده على الأوجه لأن الاستعمال يقع من السطح لا من العمق وقيل لو كان بحال لو بسط يبلغ عشرا في عشرة فهو كثير وفي القهستاني إنه الأصح والعمل على خلافه لكن قالوا إن الإنسان يجوز له العمل بالقول الضعيف في خاصة نفسه إذا كان له رأي بل بالحديث الثابت صحته وإن لم يقل به أمامه كما ذكره البيري في شرح الأشباه, قوله: " فيكون نجسا " أي المخالط للنجاسة فقط لا جميعه أفاده السيد قوله: " لأن العبرة للأم " في أحكام منها السؤر وحل الأكل وحرمته, والرق, والحرية, أما في النسب فالعبرة للأب, لكن ولد الشريفة له شرف في الجملة, والله أعلم وأستغفر الله العظيم.

стр. 25

فصل في بيان أحكام السؤر " والماء القليل " الذي بينا قدره بدون عشر في عشر ولم يكن جاريا " إذا شرب منه حيوان يكون على " أحد " أربعة أقسام و " ما أبقاه بعد شربه " يسمى سؤرا " بهمز عينه ويستعار الاسم لبقية ــ فصل في بيان أحكام السؤر قوله: " والماء القليل الخ " قالوا: ولا يسمى سؤرا إلا إذا كان قليلا, فلا يقال لنحو النهر المشروب منه سؤرا. قوله: " بهمز عينه " أما السؤر بدون همزة البناء المحيط بالبلد, والجمع

стр. 26

الطعام والجمع أسآر والفعل: أسأر: أي أبقى شيئا مما شربه, والنعت منه سآر على غير قياس؛ لأن قياسه مسئر، ونظيره أجبره فهو جبار " الأول " من الأقسام: سؤر " طاهر مطهر " بالاتفاق من غير كراهة في استعماله, " وهو: ما شرب منه آدمي " ليس بفمه نجاسة, لما روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أشرب وأنا حائض فأناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع في", ولا فرق بين الكبير والصغير والمسلم والكافر والحائض والجنب, وإذا تنجس فمه فشرب الماء من فوره تنجس, وإن كان بعد ما تردد البزاق في فمه مرات وألقاه أو ابتلعه قبل الشرب فلا يكون سؤره نجسا عند أبي حنيفة وأبي يوسف, لكنه مكروه لقول محمد بعدم طهارة النجاسة بالبزاق عنده. " أو " شرب منه " فرس " فإن سؤر الفرس طاهر بالاتفاق على الصحيح من غير كراهة "أو" شرب منه " ما " بمعنى حيوان " يؤكل لحمه " كالإبل والبقر والغنم ولا كراهة في سؤرها إن لم تكن جلالة تأكل الجلة بالفتح وهي في ــ أسوار كنور, وأنوار مصباح, قوله: " لبقية الطعام " الذي في المستصفى, والقهستاني عن المغرب أنه استعير لمطلق البقية من كل شيء. قوله: " والفعل أسأر " يقال أسأر كأرم وسأر كمنع إذا أبقى وعقب, كما في القاموس, ويقال إذا شربت فأسئر كأكرم. قوله: " أي أبقى شيئا مما شربه " لا حاجة إليه. قوله: " والنعت منه سآر " بوزن خطاب. قوله: " لأن قياسه مسئر " إلا أنه لم يسمع كما صرح به أهل اللغة خلافا للمجد في القاموس, فجوز القياس, قوله: " وإذا تنجس فمه " كأن شرب خمرا أو أكل أو شرب نجسا أو قاء ملء الفم, قوله: " فلا يكون سؤره نجسا " ما لم يكن شاربه طويلا لا يستوعبه اللسان فسؤره نجس ولو بعد زمان كما في شرح التنوير. تنبيه: يكره أن يشرب سؤر غيره إن وجد منه لذة إلا الزوجين, والسيد مع أمته, وكذا يكره حلاقة الأمر إن وجد المحلوق رأسه من اللذة ما يزيد على ما لو كان الحلاق ملتحيا, وبالأولى كراهة تكبيس الأمر في الحمام بالشرط المذكور, قوله: " لكنه مكروه " أي تنزيها مراعاة للخلاف. قوله: " أو شرب منه فرس " لفظه يقع على الذكر والأنثى وربما قالوا للأنثى فرسة, قوله: " فإن سؤر الفرس طاهر بالاتفاق " أما عندهما فظاهر لأنه مأكول عندهما, وأما عند الإمام فلأن لعابه متولد من لحمه وهو طاهر وحرمته للتكريم لكونه آلة الجهاد فصارت حرمته كحرمة لحم الآدمي, ألا ترى أن لبنه حلال بالإجماع كما في التبيين بل صح رجوعه عن القول بحرمته قبل موته بثلاثة أيام وعليه الفتوى وذكر شيخ الإسلام وغيره أن أكل لحمه مكروه وتنزيها في ظاهر الزاوية وهو الصحيح كما في مجمع الأنهر. قوله: " على الصحيح " وقيل نجس حكاه صاحب منية المصلي, وقيل مشكوك كسؤر الحمار. قوله: " من غير كراهة " وروى الحسن عن الإمام أنه مكروه كلحمه, قوله: " كالإبل والبقر " أدخلت الكاف الطيور مأكولة اللحم. قوله: " ولا كراهة في سؤرها " لأنه يتولد من الحلم طاهر فأخذ حكمه. قوله: " إن لم تكن حلالا تأكل الجلة "

стр. 27

الأصل البعرة وقد يكنى بها عن العذرة, فإن كانت جلالة فسؤرها من القسم الثالث مكروه " و " القسم " الثاني ": سؤر " نجس " نجاسة غليظة وقيل خفيفة " لا يجوز استعماله " أي لا يصح التطهير به بحال ولا يشربه إلا مضطر كالميتة " وهو ": أي السؤر النجس " ما شرب منه الكلب " سواء فيه كلب صيد وماشية وغيره لما روى الدارقطني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في الكلب يلغ في الإناء أنه يغسل ثلاثا أو خمسا أو سبعا " أو " شرب منه الخنزير لنجاسة عينه لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ " أو " شرب منه " شيء " بمعنى حيوان " من سباع البهائم " احترز به عن سباع الطير وسيأتي حكمها, والسبع حيوان مختطف منتهب عاد عادة " كالفهد والذئب " والضبع والنمر والسبع والقرد لتولد لعابها من لحمها وهو نجس كلبنها " و " القسم " الثالث ": سؤر " مكروه استعماله " في الطهارة كراهة تنزيه " مع وجود غيره " مما لا كراهة فيه ولا يكره عند عدم الماء لأنه طاهر لا يجوز المصير إلى التيمم مع وجوده " وهو: سؤر الهرة " الأهلية لسقوط حكم النجاسة اتفاقا لعلة الطواف المنصوص عليه بقوله ﷺ : " إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم ــ أي فقط فإن كانت تخلط وأكثر علفها طاهر فلا كراهة في سؤرها كما في الجوهرة. قوله: " وقد يكنى بها عن العذرة " بكسر الذال ولاتسكن غائط بني آدم. والعذر: اسم لفناء الدار وكانوا يلقونها فيه فسميت باسم ظرفها. قوله: " وقيل خفيفة " محل الخلاف في غير الكلب والخنزير, أما هما فمغلظان اتفاقا ثم التغليظ والتخفيف إنما يظهران في غير المائعان. قوله: أي لا يصح التطهير بت, دفع به توهم إرادة عدم الحل وهو يجامع الصحة كما مر. قوله: " ولا يشربه إلا مضطر كالميتة " لكن لا يشرب منه ولا يأكل منها إلا قدر ما يقيم به البينة كما أفاده العلامة نوح. قوله: " إنه يغسل ثلاثة الخ " وما ذلك إلا لنجاسته ويندب عندنا التسبيع وكون إحداهن بالتراب. قوله: " لنجاسة عينه " لم يقل نظيره في الكلب لما أن المعتمد فيه أنه طاهر العين. قوله: " من سباع البهائم " سميت بهائم لانبهام الأمر عليها أو لانبهام أمرها علينا. قوله: " وسيأتي حكمها " أي في القسم الثالث. قوله: مختطف لفظه يفيد السرعة بخلاف المنتهب. قوله: " في الطهارة " تقييده بها يفيد أنه لا يكره في شرب وطبخ وليس كذلك. قوله: " كراهة تنزيه " ماذكره هو الصحيح وذهب أبو يوسف إلى أن سؤر الهرة يجوز شربه والوضوء به من غير كراهة. قوله: " ولا يكره عند عدم الماء " إلا نسب الضمير. قوله: " اتفاقا " والخلاف إنما هو في الكراهة, فإن أبا يوسف لا يقول بها كما مر. قوله: " بعلة الطواف " الإضافة للبيان. قوله: " المنصوص عليه " ذكر باعتبار المضاف إليه. قوله: "إنها من الطوافين" بيان للضرورة المسقطة حكم النجاسة والتأنيث باعتبار لفظ الهرة, وهو اسم جنس يعم الذكر والأنثى, والطوافين جمع الذكور والطوافات جمع الإناث وجمعه جمع ومن يعقل لمجاورته لمن يعقل قال في القاموس:

стр. 28

والطوافات" قال الترمذي حديث حسن صحيح ولكن يكره سؤرها تنزيها على الأصح لأنها لا تتحامى عن النجاسة كماء غمس صغير يده فيه وحمل إصغاء النبي ﷺ لها الإناء على زوال ذلك الوهم بعلمه بحالها في زمان لا يتوهم نجاسة فمها بمنجس تناولته. والهرة البرية سؤرها نجس لفقد علة الطواف فيها ويكره أن تلحس الهرة كف إنسان ثم يصلي قبل غسله أو يأكل بقية ما أكلت منه إن كان غنيا يجد غيره ولا يكره أكله للفقير للضرورة " و " سؤر " الدجاجة " بتثليث الدال وتاؤها للوحدة لا للتأنيث والدجاج مشترك بين الذكر والأنثى والدجاجة الأنثى خاصة ولهذا لو حلف لا يأكل لحم دجاجة لا يحنث بلحم الديك ويكره سؤر " المخلاة ": التي تجول في القاذورات ولم يعلم طهارة منقارها من نجاسته فكره سؤرها للشك فإن لم يكن كذلك فلا كراهة فيه بأن حبست فلا يصل منقارها لقذر " و " ــ الطواف الخادم يخدم يخدمك برفق وعناية اهـ. فالكام على التشبيه, فإنها بحفظها بني آدم من الهواء كأنها خادمة لهم. قوله: " حسن صحيح " على حذف العاطف أي أنه من إحدى الرتبتين. قوله: " ولكن يكره سؤرها تنزيها " عند عدم العلم بحالها, أما إذا علم حالها من نجاسة وغيرها فيثبت حكمه. قوله: " كماء غمس صغير إلخ " فإنه مكروه, والظاهر أنه إذا علم طهارة يده يقينا تنتفي الكراهة. قوله: " ويكره أن تلحس الهرة كف إنسان إلخ " مقيد بحال التوهم. فأما لو كان زائلا فلا كراهة, وكذا يقال في أكل سؤرها وشربه كما بحثه الكمال. قوله: للضرورة أفاد به أنه لم يجد غيره والأكره له كالغنى فإذن لا فرق ذكره بعض الحذاق قوله: " والدجاج مشترك " ويفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة وبيض وبيضة. قوله: " والدجاجة الأنثى خاصة " هذا اصطلاح الفقهاء بدليل ما بعده, وهذا من المصنف خلط اصطلاح بلغة فأوقع في الوهم. قوله: " ويكره سؤر المخلاة " لا حاجة إلى هذه الزيادة. والمخلاة بالخاء المعجمة وتشديد اللام المرسلة. قال شيخ الإسلام في " مبسوطه ": هي التي لا تعلف في البيوت فلا تتحامى النجاسات بواسطة التقاط الحب فمنقارها لا يخلو عن قذر فتثبت الكراهة لا حتمال حتى لو تيقن ذلك عند شربها كان سؤرها نجسا اتفاقا. وأما محل الكراهة عند جهالة الحال برهان, وكذا الكم في إبل وبقر وغنم جلالة فالأولى حذف دجاجة, وعرق الجلالة طاهر على الظاهر خالية, وكره لبن الجلالة ولحمها إذا أنتن وتحبس لتزول الكراهة حتى يذهب نتنه وقدر بثلاثة أيام للدجاجة, وللشاة بأربعة وللإبل والبقر بعشرة در في الاستحسان. قال الحموي: والدجاج لابأس بت؛ لأن لحمه لا يتغير اهـ. قوله: " التي تجول " أي تطوف أو تدور أفاده في القاموس في جملة معان. قوله: " ولم يعلم طهارة منقارها " أما إذا علمت, أو ضدها فالحكم ظاهر. قوله: " بأن حبست الخ " الحبس كما قال شيخ الإسلام أن تحبس في بيت وتعلف هناك فلا تجد عذرات غيرها حتى تفتش فيها الحب وهي لا تفتش في عذرات نفسها عادة, فأمن تفتيش النجاسة اهـ. قله: " للزوم طوافها " أي والطواف الذي هو العلة في هذا الباب لسقوط النجاسة في حقها ألزم قوله:

стр. 29

سؤر " سباع الطير كالصقر والشاهين والحدأة والرخم والغراب " مكروه؛ لأنها تخالط الميتات والنجاسات فأشبهت الدجاجة المخلاة حتى لو تيقن أنه لا نجاسة على منقارها لا يكره سؤرها وكان القياس نجاسته لحرمة لحمها كسباع البهائم, لكن طهارته استحسان لأنها تشرب بمنقارها وهو عظم طاهر وسباع البهائم تشرب بلسانها وهو مبتل بلعابها النجس. " و " سواكن البيوت مما له دم سائل " كالفأرة " والحية والوزغة مكروه للزوم طوافها وحرمة لحمها النجس و " لا " كذلك سؤر " العقرب " والخنفس والصرصر لعدم نجاستها فلا كراهة فيه. " و " القسم " الرابع " سؤر " مشكوك " أي متوقف حكم " طهوريته " ــ " وحرمة لحمها النجس " الواو بمعنى مع قوله: " فلا كراهة فيه ", ولوماتت في الماء. قوله: " سؤر مشكوك ". قال ابن أمير حاج: هذه التسمية لم ترو عن سلفنا أصلا, وإنما وقعت لكثير من المتأخرين فسماه بعضهم مشكوكا وبعضهم مشكلا ومرادهم بذلك التوقف في كونه يزيل الحدث. فقالوا: يجب استعماله مع التيمم عند عدم الماء المطلق احتياطا ليخرج عن العهدة بيقين وليس معناه الجهل بحكم الشرع كما فهمه أبو طاهر الدباس فأنكر هذا التعبير؛ لأن الحكم فيه معلوم وهو ماذكرنا والقول بالتوقف في مثل هذا لتعارض الأدلة دليل العلم وغاية الورع. قال الحلبي: وأما النجاسة الحقيقية فإنه يزيلها عند الإمام وأبي يوسف لقلعه إياها حقيقة فصار كالخل بخلاف الحكم. قوله: " أي متوقف في حكم طهوريته ". قال شيخ الإسلام خواهر زاده: الأصح أن دليل الأشكال هو التردد في الضرورة, والبلوى المسقطتين للنجاسة فإن الحمار يربط في الدور ويشرب من الأواني المستعملة, ويخالط الناس في ركوبه فأشبه الهرة؛ لأنها أشد مخالطة منه لدخولها في المضايق دون الحمار, فلو لم يكن فيه ضرورة أصلا كان كالكلب في الحكم بالنجاسة بلا إشكال، ولو كانت الضرورة فيه كضرورة الهرة كان مثلها في سقوط النجاسة لذلك, وحيث ثبتت الضرورة من وجه دون وجه قيل بالشك في طهورية سؤره للاحتياط وعدم الحرج في ذلك عملا بالدليلين بقدر الإمكان وإعمال الدليلين أولى من إهمالهما عند عدم المرجح. قال في البحر والمعتمد أن كلا من عرق الحمار ولعابه طاهر وإذا أصاب الثوب أو البدن لا ينحسه وإذا وقع في الماء القليل صار مشكوكا وإن الشك في جانب اللعاب والعرق أي في ذاتهما متعلق بالطهارة وفي جانب السؤر متعلق بالطهورية فقط, ولا شك في الطهارة لأن الماء طاهر بيقين وقد خالطه مشكوك في طهارته وهو اللعاب أو العرق فلا ينجس بالشك ولكن أورث شكا في طهوريته للاحتياط حتى لو اختلط هذا السؤر بماء قليل جاز الوضوء به من غير شك ما لم يساوه كما في مخالطة الماء المستعمل اهـ. قوله: " فلم يحكم الخ " أي فاحتجنا معه إلى التيمم لتحقق الرفع بمطهر يقينا قوله: " الذي

стр. 30

فلم يحكم بكونه مطهرا جزما, ولم ينف عنه الطهورية. " وهو: سؤر البغل " الذي أمه أتان " والخمار " وهو يصدق على الذكر والأنثى؛ لأن لعابه طاهر على الصحيح والشك لتعارض الخبرين في إباحة لحمه وحرمته والبغل متولد من الحمار فأخذ حكمه " فإن لم يجد " المحدث " غيره " أي غير سؤر البغل والحمار " توضأ به وتيمم " والأفضل تقديم الوضوء لقول زفر بلزوم تقديمه والأحوط أن ينوي للاختلاف في لزوم النية في الوضوء بسؤر الحمار, " ثم صلى " فتكون صلاته صحيحة بيقين لأن الوضوء به لو صح لم يضره التيمم وكذا عكسه, ومن قال من مشايخنا إن سؤر الفحل نجس لأنه يشم البول فتنجس شفتاه فهو غير سديد؛ لأنه أمر موهوم لا يغلب وجوده ولا يؤثر في إزالة الثابت ويستحب غسل الأعضاء بعد ذلك بالماء لإزالة أثر المشكوك والمكروه. " فصل " في التحري " لو اختلط " اختلاطا ــ أمه أتان " ولا يكره سؤره ما أمه مأكولة كبقرة وأتان وحش وفرس ولا أكله إلا الثالث على قول الإمام قوله: " لأن لعابه طاهر " علة لقوله مشكوك في طهوريته. قوله: " والشك " أي في طهوريته. قوله: " في إباحة لحمه " روي أن أبجر قال: أطعم أهلك من سمين حمرك. قوله: " وحرمته " أخرج البخاري في غزوة خيبر عن أنس أن رسول الله ﷺ جاءه جاء فقال: يا رسول الله أكلت الحمر فسكت ثم أتاه الثانية فقال: أكلت الحمر فسكت ثم أتاه الثالثة فقال: أفنيت الحمر, فأمر مناديا ينادي في الناس أن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية, وفي رواية: "فإنها رجس" فأكفئت القدور وإنها لتفور باللحم. والجمهور على أن التحريم لعينها, وقيل لكونها كانت جلالة, وقيل: لأنها كانت حمولة القوم, وقيل: لأنها أفنيت قبل قسمة المغنم, وأعرض شيخ الإسلام هذا التعارض بما قدمناه عنه, قوله: " فإن لم يجد غيره " ولو الغير مكروها فإنه طهور يقينا. قوله: " توضأ به وتيمم " عطف بالواو المفيدة لمطلق الاجتماع ليفيد التخيير في التقديم. قوله: " بلزوم تقديمه " لأنه لما وجب الوضوء به أشبه الماء المطلق وهو لا يصح التيمم عند وجوده فكذا ما أشبهه فيجب تعديم الوضوء ليكون عادما للماء وقت التيمم. قوله: " والأحوط أن ينوي " لضعف التطهير به عن المطلق فيتوقى بالنية. قوله: " ثم صلى " أتي بثم ليفيد أن الصلاة بعد فعلهما وهو الأفضل فلو صلى بعد كل طهارة الصلاة صح مع الكراهة ولايلزم الكفر لأنه لم يصل بغير طهارة من كل وجه بل من وجه دون وجه فهو كصلاة حنفي بعد اقتصاده فإنه لا يكفر فإن الطهارة باقية بالنظر إلى قول الإمام مالك والشافعي رضي الله تعالى عنهما. قوله: " ولا يؤثر في إزالة الثابت " أي بيقين وهو طهارة الماء, قوله: " فصل في التحري ": هو تفريغ الوسع والجهد لتمييز الطاهر عن غيره, وفي أوائل شرح مسلم للنووي توخى وتأخى, وتحرى بمعنى ثم لما كان الإختلاط نوعين اختلاط ممازجة, واختلاط

стр. 31

مجاورة, لا ممازجة " أو أن " جمع إناء " أكثرها طاهر " وأقلها نجس " تحري للتوضؤ " والاغتسال قيد بالأكثر؛ لأنه يتيمم عند تساوي الأواني, والأفضل أن يمزجها أو يريقها فيتيمم لفقد المطهر قطعا وإن وجد ثلاثة رجال ثلاث أوان أحدها نجس وتحرى كل إناء صحت صلاتهم وحدانا " و " كذا يتحرى مع كثرة الطاهر لإرادة " الشرب " لأن المغلوب كالمعدوم ولو اختلط إن آن ولم يتحر وتوضأ بكل وصلى, صحت إن مسح في موضعين من رأسه لا في موضع لأن تقديم الطاهر مزيل للحدث وقد تنجس بالثاني وفاقد المطهر يصلي مع النجاسة وطهر بالغسل. الثاني: إن قدم النجس ومسح محلا آخر من رأسه وإن مسح محلا بالماءين دار الأمر بين الجواز لو قدم الطاهر وعدم الجواز لتنجس البلل بأول ملاقاة لو أخر الطاهر فلا يجوز للشك احتياطا " وإن كان أكثرها " أي المختلطة بالمجاورة " نجسا لا يتحرى إلا للشرب " لنجاسة كلها حكما للغالب فيريقها عند عامة المشايخ ويمزجها لسقي الدواب عند الطحاوي ثم يتيمم. " وفي " وجود " الثياب المختلطة يتحرى " مطلقا أي: " سواء كان أكثرها طاهرا أو نجسا " لأنه لا خلف للثوب في ستر العورة, ــ مجاورة, وكان الأول أبلغ قدمه وأخر الثاني وذكره بفصل على حدة لتغير حكمه بالنسبة للأول, قوله: أو إن مرفوع بالفاعلية وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين, وأصله أو أني يفعل به كجوار. قوله: " والأفضل الخ ": يقال مثله فيما إذا كان الطاهر أقل. قوله: " أن يمزجها " أي عند الطحاوي أو يريقها أي عند عامة العلماء ولحكاية الخلاف. قوله: " وإن وجد ثلاثة رجال " التقييد بالثالثة والرجال اتقاقي قوله: " جازت صلاتهم وحسدانا " ولا يصح اقتداء بعضهم لأن كلا لا يجوز الوضوء بما تحراه الآخر لكونه نجسا في حقه بحسب تحرية فكان الإمام غير متطير في حق المأموم قوله: " ولم يتحر " أي لفقد شرطه وهو كثرة الطاهر فلا مفهوم له قوله: " إن مسح في موضعين من رأسه " كل موضع قدر الربع وإنما كان هذا التفصيل في الرأس لأن باقي أعضاء يغسل فإذا قدم النجس فبالغسل ثانيا بالطاهر تطهر ويرتفع به الحدث وإن قدم الطاهر ارتفع الحدث من أول الأمر فتصح صلاته ولا يضره تنجس الأعضاء بالغسل ثانيا بالنجس لأنه حينئذ فاقد لما يزيل به النجاسة وفاقده يصلي بالنجاسة ولا يعيد قوله: " لأن تقديم الطهار " أي على سبيل الفرض قوله: " وقد تنجس بالثاني " أي وهو فاقد المطهر قوله: " إن قدم النجس " أي فرضا قوله: " لو قدم الطاهر " لأنه تنجس بالثاني بعد رفع الحدث عن جميع الأعضاء وهو فاقد للمطهر ومن فقده صلى بنجاسته ولا إعادة عليه قوله: " لتنجس البلل " علة لقوله وعدم الجواز وقوله بأول ملاقاة متعلق بقوله لتنجس: أي فلم يزل حديث الرأس يتم الوضوء قوله: " فلا يجوز للشك احتياطا " فينتقل إلى التيمم لفقده المطهر قوله: " لا يتحرى إلا للشرب " ولو اختلطت أوانيه بأواني

стр. 32

والماء يخلفه التراب وإن صلى في أحد ثوبين متحريا لنجاسة أحدهما ثم أراد صلاة أخرى فوقع تحريه في غير الذي صلى فيه لم يصح لأن إمضاء الاجتهاد لا ينقض بمثله إلا في القبلة لأنها تحتمل الانتقال إلى جهة أخرى بالتحري لأنه أمر شرعي والنجاسة أمر حسي لا يصيرها طاهرة بالتحري للزوم الإعادة بظهور النجاسة بعد التحري في الثياب والأواني فمتى جعلنا الثوب طاهرا بالاجتهاد للضرورة لا يجوز جعله نجسا باجتهاد مثله فتفسد كل صلاة يصليها بالذي تحرى نجاسته أولا وتصح بالذي تحرى طهارته ولو تعارض عدلان في الحل والحرمة بأن أخبر عدل بأن هذا اللحم ذبحه مجوسي وعدل آخر أنه زكاه مسلم لا يحل لبقائه على الحرمة بتهاتر الخبرين ولو أخبرا عن ماء وتهاترا بقي على أصل الطهارة ــ أصحاب في السفر وهم غيب أو اختلط رغيفه ارغفتهم قال بعضهم: يتحرى وقال بعضهم: ينتظر حتى يجيء أصحابه وهذا في حال الاختيار أما في حال الإضطرار فإنه يتحرى مطلقا وبقولنا قال مالك وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: يتحرى لأنه واجد الماء قوله: " وإن صلى في أحد ثوبين الخ " وكذا لو تحرى إناء ثم تبدل اجتهاده إلى طهارة غيره فالعبرة لاجتهاده الأول ولا يعتبر الثاني قوله: " لأن إمضاء الاجتهاد لا ينقض " أي باجتهاد مثله وإلا لأدى إلى عدم استقرار حكم وفيه حرج عظيم كمافي الأشباه قوله: " لأنها تحتمل الإنتقال إلى جهة أخرى بالتحري " لأن المكلف به عند الإشتباه جهة التحري لتعذر إصابة الجهة حقيقة فبتبدل الاجتهاد تتبدل الجهة لا محالة قوله: " لأنه أمر شرعي " أي التحري الذي تنتقل به القبلة قوله: " للزوم الإعادة الخ " بخلاف القبلة فإنه لو ظهر خطؤه بعد تحريه لا يعيد قوله: " لبقائه " أي اللحم على الحرمة أي التي هي الأصل إذ حل الأكل متوقف على تحقق الذكاة اشرعية وبتعارض الخبرين لم يتحقق الحل فبقيت الذبيحة على الحرمة قوله: " بتهاتر الخبرين " أي تساقطهما لا ستوائهما في الصدق قال في الهداية ولو كان المخبر بنجاسة الماء ذميا لا يقبل قوله: كالصبي والمعتوه ولا يجب التحري ولكن يستحب بخلاف الفاسد لأن خبره يستوي فيه الصدق والكذب فيجب التحري طلبا للترجيح قال في القاموس: الهتر مزق العرض هتره يهتره وبالكسر الكذب والجاهية والأمر العجيب والسقط من الكلام والخطأ فيه والنصف الأول من الليل اهـ. تنبيه: مثل تعارض الخبرين الشك وقالوا: إن الشك على ثلاثة أضرب شك طرأ على أصل حرام وشك طرأ على أصل مباح وشك لايعرف أصله فالأول مثل أن يجد شاء مذبوحة في بلد فيها مسلمون ومجوس فلاتحل حتى يعلم أنها ذكاة مسلم لأن الأصل فيها الحرمة إذ حل الأكل يتوقف على تحقق الذكاة الشرعية فصار حل الأكل مشكوكا فلو كان الغالب فيها المسلمين جاز الأكل عملا بالغالب المفيد للحل والثاني أن يجد ماء متغيرا واحتمل أن يكون تغيره بنجاسة أو طول مكث يجوزالتطهير به عملا بأصل الطهارة والثالث مثل معاملة من أكثر ماله حرام لاتحرم مبايعته حيث لم يتحفق حرمة ماأخذه منه ولكن يكره خوفا من الوقوع في الحرام كذا في فتح القدير قاله أبو السعود في حاشية الإشباه.

стр. 33

فصل في مسائل الآبار والواقع فيها روث أو حيوان أو قطرة من دم ونحوه وحكمها أن " تنزح البئر " أي ماؤها لأنه من إسناد الفعل إلى البئر وإرادة الماء الحال بالبئر " الصغيرة " وهي: ما دون عشر في عشر " بوقوع نجاسة " فيها " وإن قلت " النجاسة التي " من غير الأرواث " وقدر القليل: " كقطرة دم أو " قطرة " خمر " لأن قليل النجاسة ينجس قليل الماء وإن لم يظهر أثره فيه " و " تنزح " بوقوع خنزير ولو خرج حيا و " الحال أنه " لم يصب فمه الماء " لنجاسة عينه " و " تنزح " بموت كلب " قيد بموته فيها لأنه غير نجس العين على الصحيح فإذا لم يمت وخرج حيا ولم يصل فمه الماء لا ينجس " أو " موت " شاة أو " موت " آدمي فيها " لنزح ماء زمزم ــ فصل في مسائل الآبار هي كأصحاب فهو بهمزة بعد باء ساكنة ومن العرب من يقدمها على الباء فتجتمع همزتان فتقلب الثانية ألفا ووزنه أفعال وعلى الأول أفعال من بأر يبأر بأرا من باب قطع إذا حفر البؤرة بالضم الحفرة ومناسبة هذا الفصل لماقبله ظاهرة لأنه من جملة المياه قوله: " والواقع فيها الخ " يصح قرائته بالجر عطفا على مسائل وقوله: ورث بدل منه وبالرفع مبتدأ ورث الخ خبره وعلى الأول فالعطف تفسير لأن مسائل الآبار هي أحكام مائها إذا وقع فيها شيء مما ذكر قوله: " ونحوه " من كل نجس ولو مخففا لأن الغليظ والخفيف في المياه سواء قوله: " لأنه من إسناد الفعل إلى البئر " قصدا للمبالغة في إخراج جميع الماء وقوله: وإرادة الماء الحال بالبئر أشارة به إلى أنه من إطلاق اسم المحل وإرادة الحال فيه قوله: " لأنه غير نجس العين على الصحيح " هو قول الإمام ﵁ وعندهما نجس العين كالخنزير والفتوى على قول الإمام وإن رجح قولهما كما في الدر عن ابن الشحنة قوله: " أو موت شاة " هي اسم جنس يطلق على الضأن والمعز كما في المصباح والمراد أن تكون كبيرة في الجملة حتى لو كان ولد الشاة صغيرا جدا كان

стр. 34

بموت زنجي وأمر ابن عباس وابن الزبير ﵃ به بمحضر من الصحابة من غير نكير " و " تنزح " بانتفاخ حيوان ولو " كان " صغيرا " لانتشار النجاسة " و " تنزح وجوبا " ملئتا دلو " وسط وهو المستعمل كثيرا في تلك البئر ويستحب زيادة مائة ولو نزح الواجب في أيام أو غسل الثوب النجس في أيام طهر وتطهير البئر بانفصال الدلو الأخير عن فمها عندهما وعند محمد بانفصاله عن الماء ولو قطر في البئر للضرورة وقال يشترط الانفصال لبقاء الاتصال بالقاطر بها وقدر محمد رحمه الله تعالى الواجب بمائتي دلو " لو لم يمكن نزحها " وأفتى به لما شاهد آبار بغداد كثيرة المياه لمجاورة دجلة والأشبه أن يقدر ما فيها بشهادة رجلين لهما خبرة بأمر الماء وهو الأصح " وإن مات فيها " أي البئر " دجاجة أو هرة أو نحوهما " في الجثة ولم تنتفخ " لزم نزح أربعين دلوا " بعد إخراج الواقع منها روي التقدير بالأربعين عن ــ حكمه حكم الهرة قوله: " أو موت آدمي فيها " مبني على غالب حال الميت من عدم خلوه عن نجاسة وإلا فقد مر أن غسالة الميت النظيف مستعملة فقط على الأصح فإذا كان نظيفا لا ينزح به شيء ولو قبل الغسل روي ذلك عن أبي القاسم الصفار كما في القهستاني عن المحيط فاستثناها صاحب الدر الشهيد النظيف فقط فيه قصور وما ذكره من التفصيل في المسلم إذا وقع قبل الغسل ينجس وبعده لا مبني على الغالب أيضا ذكره بعض الأفاضل قلت أو ذلك مبني القول بأن نجاسة الميت نجاسة خبث وصحح أيضا وقد فرع أهل المذهب فروعا على كل منهما قوله: " وتنزع بانتفاخ حيوان " أي دموع غير مائي وكذا لو تفسخ أو تمعط شعره أو ريشه قوله: "ولو صغيرا كحلمه وقال بعضهم: ينزع عشرة دلاء وليس بقوي قوله: وهو المستعمل كثيرا في تلك البئر هو ظاهر الرواية ويكفي ملء أكثر الدلو ونزح ما وجد وإن قل قوله: " ولو نزح الواجب الخ " وكذا لو نزح القدر الواجب مرة واحدة قوله: وقالا يشترط الخ أعاده لذكر دليله وثمرة الخلاف تظهر فيمن استقى منها قبل انفصاله عن فمها يكون نجسا عندهما طاهرا عنده قوله: وقدر محمد ﵀ الواجب بمائتي دلو هو الأيسر وجزم به في الكنز والملتقى وفي الخلاصة وعليه الفتوى وهو المختار كما في الإختيار ورجحه في النهر وتبعه الحموي ويستحب زيادة مائة لزيادة النزاهة قوله: لو لم يمكن نزحها لغلبة نبع الماء حتى لو أمكن سد منابع الماء من غير عسر لزم ثم بنزح كما فعل في زمزم كذا في غاية البيان قوله: وأفتى به لما شاهد آبار بغداد كثيرة المياه يعني وكانت مع كثرتها لا تزيد على هذا القدر قال الحلبي: فعلى هذا لا ينبغي أن يفتي بالمائتين مطلقا بل ينظر إلى غالب آبار البلد لكن في النهر أن التقدير بالمائتين مخرج على الغالب فليكن هو المعتبر لانضباطه تطمينا وقطعا للوسوسة كما اعتبروا في ذلك العشرة في العشر قوله: والأشبه: أي بقواعد الفقه لكونها نصاب

стр. 35

أبي سعيد الخدري في الدجاجة وما قاربها يعطى حكمها وتستحب الزيادة إلى خمسين أو ستين لما روي عن عطاء والشعبي "وإن مات فيها فأرة" بالهمز "أو نحوها" كعصفور ولم ينتفخ "لزم نزح عشرين دلوا" بعد إخراجه لقول أنس ﵁ في فأرة ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها: ينزح عشرون دلوا وتستحب الزيادة إلى ثلاثين لاحتمال زيادة الدلو المذكور في الأثر على ما قدر به من الوسط "وكان ذلك" المنزوح "طهارة للبئر والدلو والرشاء" والبكرة "ويد المستقى" روي ذلك عن أبي يوسف والحسن لأن نجاسة هذه الأشياء كانت بنجاسة الماء فتكون طهارتها بطهارته نفيا للحرج كطهارة دن الخمر بتخللها وطهارة عروة الإبريق بطهارة اليد إذا أخذها كلما غسل يده وروي عن أبي يوسف أن الأربع من الفئران كفأرة واحدة والخمس كالدجاجة إلى التسع والعشر كالشاة وقال محمد الثلاث إلى الخمس كالهرة والست كالكلب وهو ظاهر الرواية وما كان بين الفأرة والهرة فحكمه حكم الفأرة وما كان بين الهرة والكلب فحكمه حكم الهرة وإن وقع فأرة وهرة فهما كهرة ويدخل الأقل في الأكثر "ولا تنجس البئر بالبعر" وهو للإبل والغنم وبعر يبعر من حد منع "والروث" للفرس والبغل والحمار من حد نصر "والخثي" بكسر الخاء - واحد الأخثاء للبقر من باب ضرب؟؟ - ولا فرق بين آبار الأمصار والفلوات في. ــ. الشهادة الملزمة ذكره السيد مزيدا قوله: "إلى خمسين" هو المذكور في الجامع الصغير قال في الهداية وهو الأظهر اهـ لأن الجامع الصغير آخر التصنيفين فالمذكور فيه هو المرجوع إليه قوله: "أو ستين" هي رواية الأصل قال في شرح المجمع وهو الأحوط قوله: "بعد إخراجه" راجع إلى الواقع من حيث هو لأن النزح قبله لا يفيد لأنه سبب النجاسة إلا إذا تعذر إخراجه كخشبة أو خرقة نجسة تعذر إخراجها أو تغيبت فينزح القدر الواجب وتطهر الخشبة والخرقة تبعا لطهارة البئر كما في السراج قوله: "لاحتمال زيادة الخ" روى الأكمل الحديث المذكور بلفظ في الفأرة إذا وقعت في البئر ينزح عشرون دلوا أو ثلاثون رواه السمرقندي بالشك وأولا حد الشيئين فكان الأقل وهو العشرون ثابتا بيقين وثبت الشك في الأكثر فكان مستحبا لئلا يترك اللفظ المروي اهـ. فروع في الخانية جلد الآدمي أو لحمه إذا وقع في الماء إن كان مقدار الظفر يفسده وإن كان دونه لا يفسده ولو سقط الظفر نفسه في الماء لا يفسد وفيها بول الهرة والفأرة وخرؤهما نجس في أظهر الروايات يفسد الماء والثوب وبول الخفاش وخرؤه لا يفسد لتعذر الاحتراز عنه انتهى وفي الشرنبلالية عن الفيض الأصح أن البئر لا تنجس ببول الفأرة قوله: "في ظاهر الرواية" الأولى أن يقول في الصحيح فإن ظاهر الرواية كما ذكره.

стр. 36

الصحيح ولا فرق بين الرطب واليابس والصحيح والمنكسر في ظاهر الرواية لشمول الضرورة فلا تنجس "إلا أن" يكون كثيرا وهو ما "يستكثره الناظر " والقليل ما يستقله وعليه الاعتماد "أو أن لا يخلو دلو عن بعرة" ونحوها كما صححه في المبسوط "ولا يفسد" أي لا ينجس "الماء بخرء حمام" الخرء بالفتح واحد الخرء بالضم مثل قرء وقرء وعن الجوهري بالضم كجند وجنود والواو بعد الراء غلط "و" لا ينجس بخرء "عصفور" ونحوها مما يؤكل من الطيور غير الدجاج والإوز والحكم بطهارته استحسان لأن النبي ﷺ شكر الحمامة وقال إنها أوكرت على باب الغار حتى سلمت فجازاها الله تعالى المسجد مأواها فهو دليل على طهارة ما يكون منها ومسح ابن مسعود ﵁ خرء الحمامة بأصبعه والاختيار في كثير من كتب المذهب طهارته عندنا واختلف التصحيح في طهارة خرء ما لا يؤكل من الطيور ونجاسته مخففة "ولا" ينجس الماء ولا المائعات على الأصح "بموت ــ. السرخسي أن الروث والمتفتت في البعر مفسد مطلقا قوله: "ونحوها" الأولى التذكير إلا أن يعود على المذكور كله قوله: "غير الدجاج والاوز" مثلهما البط قوله: "لأن النبي ﷺ الخ" ولأن الصدر الأول ومن بعدهم أجمعوا على اقتناء الحمامات في المساجد حتى في المسجد الحرام مع الأمر بتطهيرها فدل ظاهرا على عدم نجاسته قوله: "ومسح ابن مسعود" وكذلك ابن عمر إلا أنه مسحه بمحصاة قوله: "واختلف التصحيح الخ" قال في الخانية وزرق ما لا يؤكل لحمه من الطيور لا يفسد الماء في ظاهر الرواية عند محمد لتعذر الاحتراز عنه ثم قال بعد ذلك وزرق سباع الطيور يفسد الثوب إذا فحش ويفسد ماء الأواني ولا يفسد ماء البئر اهـ. تنبيه قال في النهاية الاستحالة إلى فساد لا توجب نجاسة فإن سائر الأطعمة تفسد بطول المكث ولا تنجس اهـ لكن يحرم الأكل في هذه الحالة للإيذاء لا للنجاسة كاللحم إذا أنتن يحرم أكله ولا يصير نجسا بخلاف السمن واللبن والدهن والزيت إذا أنتن لا يحرم وكذا الأشربة لا تحرم بالتغير كذا في البحر ويتفرع على حرمة أكل اللحم إذا أنتن للإيذاء لا للنجاسة حرمة أكل الفسيخ المعروف في الديار المصرية لما ذكر ولم أره صريحا وفي تذكرة الحكيم داود عند ذكره السمك قال والمقدد الشهير بالفسيخ رديء يولد السدد والقولنج والحصا والبلغم الجصى وربما أوقع في الحميات الربعية والسل ويهزل اهـ قوله: "على الأصح" الخلاف في غير السمك أما هو فلا يفسد المائع إجماعا.

стр. 37

ما" بمعنى حيوان "لا دم له" سواء البري والبحري "فيه" أي الماء أو المائع وهو "كسمك وضفدع" بكسر الدال أفصح والفتح لغة ضعيفة والأنثى ضفدعة والبري يفسده إن كان له دم سائل "وحيوان الماء" كالسرطان وكلب الماء وخنزيره لا يفسده "وبق" هو كبار البعوض واحده بقة وقد يسمى به الفسفس في بعض الجهات وهو حيوان كالقراد شديد النتن "وذباب" سمي به لأنه كلما ذب آب أي كلما طرد رجع "وزنبور" بالضم "وعقرب" وخنفس وجراد وبرغوث وقمل لقوله ﷺ : "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء" رواه البخاري زاد أبو داود "وأنه يتقى بجناحيه الذي فيه الداء" وقوله ﷺ : "يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم ــ. قوله: "لا دم له" أي سائل فالمعتبر عدم السيلان لا عدم أصل الدم حتى لو مات في الماء حيوان له دم جامد غير سائل لا ينجسه قهستاني قوله: "فيه" قيد اتفاقي حتى لو مات خارجه وألقى فيه يكون الحكم كذلك قوله: "والبري يفسده" هو ما لا سترة له بين أصابعه قوله: "وحيوان الماء" الحد الفاصل بين المائي والبري أن المائي ما لا يعيش في غير الماء والبري ما لا يعيش في غير البر واختلف فيما يعيش فيهما فقال: قاضيخان في شرح الجامع الصغير إنه يفسد وفي المجتبى طير الماء كالبط والأوز إذا مات فيه لا ينجسه والأوجه الأول قوله: "لا يفسده" لكن يحرم شربه لأن النفوس تعافه قوله: "وقد يسمى به الفسفس" هو البق بلغة مصر قوله: "في بعض الجهات" أي الأقاليم وهو الشام قوله: "لأنه كلما ذب آب" ربما يتوهم أن الإسم مركب من الفعلين والذي ذكره بعض المحققين أنه مشتق من الذب وهو الطرد لأنه يطرد قوله: "وزنبور" بضم الزاي والباء أنواع شتى يجمعها حكم واحد قوله: "وعقرب" يقال للذكر والأنثى والذكر عقربان وأنثاه عقربة عيناها في وسط ظهرها ولا تضر ميتا ولا نائما حتى يتحرك روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "من قال حين يصبح أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاث مرات لم تضره عقرب حتى يمسي ومن قالها حين يمسي لم تضر حتى يصبح" قوله: "إذا وقع الذباب الخ" وجه الدلالة منه أنه لو كان موته ينجس ما وقع فيه لم يأمر ﷺ بغمسه لأنه يفضي إلى موته فيه لا محالة لا سيما إذا كان الشراب حارا فيموت من ساعته وفي تنجسه إتلاف والشارع لا يأمر به بل صح النهي عنه قوله: "وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء" قال بعض الفضلاء تأملت ذلك الجناح فوجدته الأيسر. فرع لا ينجس المائع وقوع بيضة طرية من بطن دجاجة ولا وقوع سخلة من بطن أمها ولو كانت رطبة ما لم يعلم أن عليهما قدرا لأن رطوبة المخرج ليست بنجسة وقيل.

стр. 38

فماتت فيه فهو حلال أكله وشربه ووضوءه" "ولا" ينجس الماء "بوقوع آدمي و" لا بوقوع "ما يؤكل لحمه" كالإبل والبقر والغنم "إذا خرج حيا ولم يكن على بدنه نجاسة" متيقنة ولا ينظر إلى ظاهر اشتمال أبوالها على أفخاذها "ولا" الماء "بوقوع بغل وحمار وسباع طير" كصقر وشاهين وحدأة "و" لا يفسد بوقوع "وحش" كسبع وقرد "في الصحيح" لطهارة بدنها وقيل يجب نزح كل الماء إلحاقا لرطوبتها بلعابها "وإن وصل لعاب الواقع إلى الماء أخذ" الماء "حكمه" طهرة ونجاسة وكراهة وقد علمته في الأسآر فينزح بالنجس والمشكوك وجوبا ويستحب في المكروه عدد من الدلاء لو طاهرا وقيل عشرين "ووجود حيوان ميت فيها" أي البئر "ينجسها من يوم وليلة" عند الإمام احتياطا "ومنتفخ" ينجسها "من ثلاثة أيام ولياليها إن لم يعلم وقت وقوعه" لأن الانتفاخ دليل تقادم العهد فيلزم إعادة صلوات تلك المدة إذا توضئوا منها وهم محدثون أو اغتسلوا من جنابة وإن كانوا متوضئين. ــ. تنجسه الرطبة لخروجها من مخرج نجس والأول قياس قول الإمام والثاني قياس قولهما ومشى على الأول قاضيخان وعلى الثاني صاحب الخلاصة قوله: "بوقوع آدمي" ولو جنبا أو حائضا أو نفساء انقطع دمها أو كافرا قوله: "ولا ينظر الخ" لاحتمال طهارتها بورودها ماء كثيرا قبل ذلك فهذا مع الأصل وهو الطهارة تظافرا على عدم النزح كذا في الفتح قوله: "ولا يفسد الماء بوقوع بغل وحمار" ولا يصير مشكوكا لأن بدن هذه الحيوانات طاهر لأنها مخلوقة لنا استعمالا وإنما تصير نجسة بالموت كذا في الدرر وهذا كله عند عدم وصول لعاب ما ذكر إلى الماء وأما إذا وصل إليه فقد ذكر حكمه بعد قوله: "وأن وصل لعاب الواقع الخ" وعرق كل شيء كلعابه فيأخذ الماء حكمه أيضا على المذهب كذا في الدر المنتقي قوله: "والمشكوك" صرح به المحققون من أهل المذهب وعلله الحلبي باشتراك المشكوك والنجس في عدم الطهورية وأن افترقا من حيث الطهارة فإذا لم تنزح ربما تطهر به والصلاة به وحده لا تجزى فينزح كله قوله: "ويستحب في المكروه عدد" أي من غير تقدير في الأصل أي نزح عدد وكذا يقال فيما بعد قوله: "وقيل عشرين" عن محمد كل موضع فيه نزح لا ينزح أقل من العشرين لأنه أقل ما جاء به الشرع من المقادير اهـ وهذا النزح لتسكين القلب لا للتطهير حتى لو توضأ منها من غير نزح جاز قوله: "ووجود حيوان الخ" قيد بالحيوان لأن غيره من النجاسات لا يتأتى فيه التفصيل ولا الخلاف بل ينجسها من وقت الوجدان فقط والمراد الحيوان الدموي غير المائي كما مر قوله: "ومنتفخ" وبالأولى إذا كان متمعطا أو متفسخا قوله: "أن لم يعلم وقت وقوعه" عبارة غيره موته بدل وقوعه وهي الأولى وقيد بعدم العلم لأنه إن علم أو ظن فلا أشكال ويعتبر الحكم من وقته بلا خلاف قوله: "لأن الانتفاخ دليل تقادم العهد" وأدنى حد التقادم في الانتفاخ ونحوه ثلاثة أيام لحصول ذلك في مثلها غالبا ألا ترى أن من دفن بغير صلاة يصلى على قبره إلى ثلاثة لا بعدها وعدم الانتفاخ دليل على.

стр. 39

أو غسلوا الثياب لا عن نجاسة فلا إعادة إجماعا وإن غسلوا الثياب من نجاسة ولم يتوضئوا منها فلا يلزمهم إلا غسلها في الصحيح لأنه من قبيل وجود النجاسة في الثوب ولم يدر وقت إصابتها ولا يعيد صلاته اتفاقا هو الصحيح وقال أبو يوسف ومحمد يحكم بنجاستها من وقت العلم بها ولا يلزمهم إعادة شي من الصلوات ولا غسل ما أصابه ماؤها في الزمن الماضي حتى يتحققوا متى وقعت فإن عجن الآن بمائها قيل يلقى للكلاب أو يعلف به المواشي وقال بعضهم يباع لشافعي وإن وجد بثوبه منيا أعاد من آخر نومة وفي الدم لا يعد شيئا لأنه يصيبه من الخارج. ــ. قرب عهده فقدر بيوم وليلة لأن ما دون ذلك ساعات لا تنضبط وأمر العبادة يحتاط فيه قوله: "فيلزم اعادة صلوات تلك المدة" لأن المانع قد ثبت بيقين وهو الحدث ومثله نجاسة الثياب ووقع الشك في المزيل واليقين لا يزول بالشك قوله: "فلا إعادة إجماعا" لوجود المقتضى للصحة وهو الطهارة من الحدث والخبث ووقع الشك في المانع وهو إصابة ذلك الماء والصلاة لا تبطل بالشك قوله: "ولا يعيد صلاته اتفاقا" لا يتجه على قول الإمام لأن قياسه أن يوجب مع الغسل الإعادة ولا على قولهما لأنهما لا يوجبان غسل الثياب أصلا قوله: "وقال أبو يوسف ومحمد يحكم بنجاستها من وقت العلم" لجواز أنه سقط فيها فمات في الحال أو ألقته الريح أو بعض السفهاء أو الصبيان أو الطيور حكي عن أبي يوسف أنه قال كان قولي كقول الإمام إلى أن كنت جالسا في بستان فرأيت حدأة في منقارها جيفة فطرحتها في البئر فرجعت إلى قول محمد قوله: "فإن عجن الآن بمائها" أي بعد العلم بالنجاسة قوله: "يباع لشافعي" لأن الماء إذا بلغ قلتين لا ينجس عنده بدون ظهور أثر قوله: "لأنه يصيبه من الخارج" بخلاف المني حتى أن الثوب إن كان مما يلبسه هو وغيره يستوي فيه حكم الدم والمني قال البرهان الحلبي الحكم بالاقتصار فيما لو رأى على ثوبه نجاسة إنما يتأتى في الرطبة أما اليابسة فينبغي أن يتحرى وقت إصابتها عنده وكذا عندهما إذ لا يتأتى أن يقال إنها إصابته تلك الساعة بعد يبسها إلا أن يكون الزمان محتملا ليبسها بعد الأصابة وهو تفصيل حسن.

стр. 40

" فصل في الاستنجاء ". هو قلع النجاسة بنحو الماء ومثل القلع التقليل بنحو الحجر "يلزم الرجل الاستبراء". ــ. قوله: "فصل في الاستنجاء" لا يخفي حسن تقديمه على الوضوء وهو من أقوى سننه كما في العناية وهو في اللغة مسح موضع النجو أو غسله يعني مطلقا والنجو ما يخرج من البطن يقال نجا وأنجى إذا أحدث اهـ مغرب وقال الأزهري مشتق من النجو بمعنى القطع يقال نجوت الشجرة وأنجيتها واستنجيتها إذا قطعتها لأنه يقطع عنه الأذى بالماء أو الحجر اهـ وقيل من النجوة وهي الأرض المرتفعة لاستتارهم بها أو لارتفاعهم وتجافيهم عن.
следующие страницы →