← История

История · id 11995

تاريخ الخلفاء - ط المنهاج

الجلال السيوطي

Полный текст (783 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فقلنا: فماذا يحل له من مال الله تعالى؟ قال: (إنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتين: حلة للشتاء وحلة للصيف، وما أحج به وأعتمر، وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين) (١). وقال خزيمة بن ثابت: (كان عمر إذا استعمل عاملا .. كتب له واشترط عليه: ألا يركب برذونا، ولا يأكل نقيا، ولا يلبس رقيقا، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل .. فقد حلت عليه العقوبة) (٢) [زهده في المطعم والملبس] وقال عكرمة بن خالد وغيره: إن حفصة وعبد الله وغيرهما كلموا عمر فقالوا: (لو أكلت طعاما طيبا .. كان أقوى لك على الحق؟ قال: أكلكم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم، قال: قد علمت نصحكم؛ ولكني تركت صاحبي على جادة، فإن تركت جادتهما .. لم أدركهما في المنزل، قال: وأصاب الناس سنة، فما أكل عامئذ سمنا ولا سمينا) (٣) وقال ابن أبي مليكة: كلم عتبة بن فرقد عمر في طعامه، فقال: (ويحك!! آكل طيباتي في حياتي الدنيا وأستمتع بها؟!) (٤) وقال الحسن: دخل عمر على ابنه عاصم وهو يأكل لحما، فقال: (ما هذا؟ قال: قرمنا إليه، قال: أو كلما قرمت إلى شيء .. أكلته؟! كفى بالمرء سرفا أن يأكل كل ما اشتهى) (٥) وقال أسلم: قال عمر: (لقد خطر على قلبي شهوة السمك الطري، قال: فرحل يرفأ راحلته، وسار أربعا مقبلا ومدبرا، واشترى مكتلا، فجاء به، وعمد إلى الراحلة فغسلها، فأتى عمر فقال: انطلق حتى أنظر إلى الراحلة، فنظر

стр. 212

وقال: نسيت أن تغسل هذا العرق الذي تحت أذنها، عذبت بهيمة في شهوة عمر، لا والله؛ لا يذوق عمر مكتلك) (١). وقال قتادة: (كان عمر يلبس - وهو خليفة - جبة من صوف مرقوعة بعضها بأدم، ويطوف في الأسواق على عاتقه الدرة يؤدب الناس بها، ويمر بالنكث والنوى فيلقطه ويلقيه في منازل الناس ينتفعون به) (٢) وقال أنس: (رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميصه) (٣) وقال أبو عثمان النهدي: (رأيت على عمر إزارا مرقوعا بأدم) (٤) وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: (حججت مع عمر، فما ضرب فسطاطا ولا خباء، كان يلقي الكساء والنطع على الشجرة ويستظل تحته) (٥) [تهذيبه لنفسه] وقال عبد الله بن عيسى: (كان في وجه عمر بن الخطاب خطان أسودان من البكاء) (٦) وقال الحسن: (كان عمر يمر بالآية من ورده فيسقط حتى يعاد منها أياما) (٧). وقال أنس: (دخلت حائطا، فسمعت عمر يقول وبيني وبينه جدار: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين؟! بخ، والله لتتقين الله بني الخطاب أو ليعذبنك) (٨)

стр. 213

وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر أخذ تبنة من الأرض فقال: (يا ليتني هذه التبنة؛ ليتني لم أك شيئا، ليت أمي لم تلدني!!) (١) وقال عبيد الله بن عمر بن حفص: حمل عمر بن الخطاب قربة على عنقه، فقيل له في ذلك، فقال: (إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها) (٢) وقال محمد بن سيرين: قدم صهر لعمر بن الخطاب عليه، فطلب أن يعطيه من بيت المال، فانتهره عمر وقال: (أردت أن ألقى الله ملكا خائنا؟) ثم أعطاه من صلب ماله عشرة آلاف درهم (٣) وقال النخعي: (كان عمر يتجر وهو خليفة) (٤) وقال أنس: تقرقر بطن عمر من أكل الزيت عام الرمادة، وكان قد حرم على نفسه السمن، فنقر بطنه بإصبعه وقال: (إنه ليس عندنا غيره حتى يحيا الناس) (٥) وقال سفيان بن عيينة: قال عمر بن الخطاب: (أحب الناس إلي: من رفع إلي عيوبي) (٦) وقال أسلم: (رأيت عمر بن الخطاب يأخذ بأذن الفرس، ويأخذ بيده الأخرى أذنه ثم ينزو على متن الفرس) (٧) وقال ابن عمر: (ما رأيت عمر غضب قط: فذكر الله عنده، أو خوف، أو قرأ عنده إنسان آية من القرآن .. إلا وقف عما كان يريد) (٨). وقال بلال لأسلم: (كيف تجدون عمر؟ فقال: خير الناس، إلا أنه إذا

стр. 214

غضب .. فهو أمر عظيم، فقال بلال: لو كنت عنده إذا غضب .. قرأت عليه القرآن حتى يذهب غضبه) (١). وقال الأحوص بن حكيم عن أبيه: أتي عمر بلحم فيه سمن، فأبى أن يأكلهما، وقال: (كل واحد منهما أدم) (٢)، أخرج هذه الآثار كلها ابن سعد. وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال عمر: (هان شيء أصلح به قوما أن أبدلهم أميرا مكان أمير) (٣). فصل في صفته ﵁ أخرج ابن سعد والحاكم عن زر قال: (خرجت مع أهل المدينة في يوم عيد، فرأيت عمر يمشي حافيا، شيخا أصلع آدم، أعسر يسر، طوالا مشرفا على الناس كأنه على دابة). قال الواقدي: (لا يعرف عندنا: أن عمر كان آدم إلا أن يكون رآه عام الرمادة؛ فإنه كان تغير لونه حين أكل الزيت) (٤). وأخرج ابن سعد عن ابن عمر: أنه وصف عمر فقال: (رجل أبيض تعلوه حمرة، طوال أصلع أشيب) (٥). وأخرج عن عبيد بن عمير قال: (كان عمر يفوق الناس طولا) (٦). وأخرج عن سلمة بن الأكوع قال: (كان عمر رجلا أيسر) (٧) يعني: يعتمل بيديه جميعا.

стр. 215

وأخرج ابن عساكر عن أبي رجاء العطاردي قال: (كان عمر رجلا طويلا، جسيما، أصلع شديد الصلع، أبيض شديد الحمرة، في عارضيه خفة، سبلته كبيرة، وفي أطرافها صهبة) (١). وفي «تاريخ ابن عساكر» من طرق: (أن أم عمر بن الخطاب حنتمة بنت هشام بن المغيرة أخت أبي جهل بن هشام، فكان أبو جهل خاله) (٢). فصل في خلافته ﵁ ولي الخلافة بعهد من أبي بكر في جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة. قال الزهري: (استخلف عمر يوم توفي أبو بكر؛ وهو يوم الثلاثاء، لثمان بقين من جمادى الآخرة) أخرجه الحاكم (٣). [كثرة الفتوحات في عهده] فقام بالأمر أتم قيام، وكثرت الفتوح في أيامه. ففي سنة أربع عشرة: فتحت دمشق ما بين صلح وعنوة، وحمص وبعلبك صلحا، والبصرة والأبلة كلاهما عنوة. وفيها: جمع عمر الناس على صلاة التراويح، قاله العسكري في «الأوائل» (٤). وفي سنة خمس عشرة: فتحت الأردن كلها عنوة، إلا طبرية؛ فإنها فتحت صلحا.

стр. 216

وفيها: كانت وقعة اليرموك والقادسية. قال ابن جرير: (وفيها: مصر سعد الكوفة) (١). وفيها: فرض عمر الفروض، ودون الدواوين، وأعطى العطاء على السابقة (٢). وفي سنة ست عشرة: فتحت الأهواز والمدائن، وأقام بها سعد الجمعة في إيوان كسرى؛ وهي أول جمعة جمعت بالعراق، وذلك في صفر. وفيها: كانت وقعة جلولاء، وهزم فيها يزدجرد بن كسرى وتقهقر إلى الري. وفيها: فتحت تكريت. وفيها: سار عمر ففتح بيت المقدس، وخطب بالجابية خطبته المشهورة. وفيها: فتحت قنسرين عنوة، وحلب وأنطاكية ومنبج صلحا، وسروج عنوة. وفيها: فتحت قرقيسياء صلحا. وفيها: في ربيع الأول: كتب التاريخ من الهجرة بمشورة علي. وفي سنة سبع عشرة: زاد عمر في المسجد النبوي. [استسقاء سيدنا عمر بالعباس ﵄] وفيها: كان القحط بالحجاز، وسمي عام الرمادة، واستسقى عمر للناس بالعباس.

стр. 217

أخرج ابن سعد عن نيار الأسلمي: (أن عمر لما خرج يستسقي .. خرج وعليه برد رسول الله ﷺ (١). وأخرج عن ابن أبي عون قال: أخذ عمر بيد العباس ثم رفعها وقال: (اللهم؛ إنا نستشفع إليك بعم نبيك أن تذهب عنا المحل، وأن تسقينا الغيث) فلم يبرحوا حتى سقوا، وأطبقت السماء عليهم أياما (٢). وفيها: فتحت الأهواز صلحا. وفي سنة ثمان عشرة: فتحت جنديسابور صلحا، وحلوان عنوة وفيها: كان طاعون عمواس. وفيها: فتحت الرها وسميساط عنوة، وحران ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة، وقيل: صلحا، والموصل ونواحيها عنوة. وفي سنة تسع عشرة: فتحت قيسارية عنوة (٣). وفي سنة عشرين: فتحت مصر عنوة، وقيل: مصر كلها صلح إلا الإسكندرية فعنوة، وقال علي بن رباح: المغرب كله عنوة. وفيها: فتحت تستر (٤). وفيها: هلك قيصر عظيم الروم.

стр. 218

وفيها: أجلى عمر اليهود عن خيبر وعن نجران، وقسم خيبر ووادي القرى. وفي سنة إحدى وعشرين: فتحت الإسكندرية عنوة، ونهاوند عنوة (١)، ولم يكن للأعاجم بعدها جماعة، وبرقة وغيرها. وفي سنة اثنتين وعشرين: فتحت أذربيجان عنوة، وقيل: صلحا، والدينور عنوة، وماه سندان (٢) عنوة، وهمذان عنوة، وأطرابلس المغرب، والري وعسكر وقومس. وفي سنة ثلاث وعشرين: كان فتح كرمان وسجستان ومكران من بلاد الجبل، وأصبهان ونواحيها. وفي آخرها: كانت وفاة سيدنا عمر ﵁ بعد صدوره من الحج شهيدا. قال سعيد بن المسيب: لما نفر عمر من منى .. أناخ بالأبطح، ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء ثم قال: (اللهم؛ كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط) فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل. أخرجه الحاكم (٣). وقال أبو صالح السمان: قال كعب لعمر: أجدك في التوراة تقتل شهيدا؟ قال: (وأنى لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب؟!) (٤).

стр. 219

وقال أسلم: قال عمر: (اللهم؛ ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك) أخرجه البخاري (١). وقال معدان بن أبي طلحة: خطب عمر فقال: (رأيت كأن ديكا نقرني نقرة أو نقرتين، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن قوما يأمروني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته؛ فإن عجل بي أمر .. فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض) أخرجه الحاكم (٢). [قصة غلام المغيرة واستشهاد سيدنا عمر] وقال الزهري: (كان عمر ﵁ لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة، حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلاما عنده صنعا، ويستأذنه أن يدخله المدينة، ويقول: إن عنده أعمالا كثيرة فيها منافع للناس؛ إنه حداد نقاش نجار، فأذن له أن يرسل به إليه، وضرب عليه المغيرة مئة درهم في الشهر. فجاء إلى عمر يشتكي شدة الخراج، فقال: ما خراجك بكثير، فانصرف ساخطا يتذمر، فلبث عمر ليالي، ثم دعاه فقال: ألم أخبر أنك تقول: لو أشاء .. لصنعت رحى تطحن بالريح، فالتفت إلى عمر عابسا وقال: لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها. فلما ولى .. قال عمر لأصحابه: أوعدني العبد آنفا، ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين نصابه في وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس، فلم يزل هناك حتى خرج عمر يوقظ الناس للصلاة، فلما دنا منه .. طعنه ثلاث طعنات) أخرجه ابن سعد (٣).

стр. 220

وقال عمرو بن ميمون الأودي: (إن أبا لؤلؤة عبد المغيرة طعن عمر بخنجر له رأسان، وطعن معه اثني عشر رجلا؛ مات منهم ستة، فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبا، فلما اغتم فيه .. قتل نفسه) (١) وقال أبو رافع: (كان أبو لؤلؤة عبدا للمغيرة يصنع الأرحاء، وكان المغيرة يستغله كل يوم أربعة دراهم، فلقي عمر فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن المغيرة قد أثقل علي، فكلمه. فقال: أحسن إلى مولاك - ومن نية عمر: أن يكلم المغيرة فيه - فغضب وقال: يسع الناس كلهم عدله غيري، وأضمر قتله، واتخذ خنجرا وشحذه وسمه. وكان عمر يقول: أقيموا صفوفكم قبل أن يكبر، فجاء فقام حذاءه في الصف، وضربه في كتفه وفي خاصرته، فسقط عمر، وطعن ثلاثة عشر رجلا معه، فمات منهم ستة، وحمل عمر إلى أهله، وكادت الشمس تطلع، فصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس بأقصر سورتين، وأتي عمر بنبيذ فشربه، فخرج من جرحه، فلم يتبين، فسقوه لبنا فخرج من جرحه، فقالوا: لا بأس عليك، فقال: إن يكن بالقتل بأس .. فقد قتلت. فجعل الناس يثنون عليه ويقولون: كنت وكنت، فقال: أما والله؛ وددت أني خرجت منها كفافا؛ لا علي ولا لي، وأن صحبة رسول الله ﷺ سلمت لي. وأثنى عليه ابن عباس، فقال: لو أن لي طلاع الأرض ذهبا .. لافتديت به من هول المطلع، وقد جعلتها شورى في: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وأمر صهيبا أن يصلي بالناس، وأجل الستة ثلاثا) أخرجه الحاكم (٢). وقال ابن عباس: (كان أبو لؤلؤة مجوسيا).

стр. 221

[وصايا سيدنا عمر ﵁] وقال عمرو بن ميمون: (قال عمر: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام، ثم قال لابنه: يا عبد الله؛ انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوها، فقال: إن وفى مال آل عمر .. فأده من أموالهم، وإلا .. فاسأل في بني عدي، فإن لم تف أموالهم .. فاسأل في قريش، اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل: يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه، فذهب إليها، فقالت: كنت أريده - تعني المكان - لنفسي، ولأوثرنه اليوم على نفسي، فأتى عبد الله فقال: قد أذنت، فحمد الله تعالى. وقيل له: أوص يا أمير المؤمنين واستخلف، قال: ما أرى أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض … فسمى الستة وقال: يشهد عبد الله بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء؛ فإن أصابت الإمرة سعدا .. فهو ذاك، وإلا .. فليستعن به أيكم ما أمر؛ فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة. ثم قال: أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله، وأوصيه بالمهاجرين والأنصار، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا في مثل ذلك من الوصية. فلما توفي .. خرجنا به نمشي، فسلم عبد الله بن عمر وقال: عمر يستأذن، فقالت عائشة: أدخلوه، فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه، فلما فرغوا من دفنه ورجعوا .. اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان. قال: فخلا هؤلاء الثلاثة، فقال عبد الرحمن: أنا لا أريدها، فأيكما يبرأ من هذا الأمر ونجعله إليه والله عليه والإسلام .. لينظرن أفضلهم في نفسه، وليحرصن على صلاح الأمة، فسكت الشيخان علي وعثمان. فقال عبد الرحمن: اجعلوه إلي والله علي؛ لا آلوكم عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فخلا بعلي وقال: لك من القدم في الإسلام والقرابة من

стр. 222

رسول الله ﷺ ما قد علمت، الله عليك لئن أمرتك … لتعدلن، ولئن أمرت عليك … لتسمعن ولتطيعن؟ قال: نعم، ثم خلا بالآخر فقال له كذلك، فلما أخذ ميثاقهما … بايع عثمان، وبايعه علي) (١). وفي «مسند أحمد» عن عمر أنه قال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة ابن الجراح حي … استخلفته؛ فإن سألني ربي: لم استخلفته؟ قلت: سمعت رسولك ﷺ يقول: «إن لكل نبي أمينا، وأميني أبو عبيدة ابن الجراح» فإن أدركني أجلي وقد توفي أبو عبيدة … استخلفت معاذ بن جبل؛ فإن سألني ربي: لم استخلفته؟ قلت: سمعت رسولك ﷺ يقول: «إنه يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء نبذة» (٢)، وقد ماتا في خلافته. وفي «المسند» أيضا عن أبي رافع: أنه قيل لعمر عند موته في الاستخلاف فقال: (قد رأيت من أصحابي حرصا سيئا، ولو أدركني أحد رجلين ثم جعلت هذا الأمر إليه … لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة ابن الجراح) (٣). [موته، ومن صلى عليه، ونقش خاتمه] أصيب عمر يوم الأربعاء، لأربع بقين من ذي الحجة، ودفن يوم الأحد مستهل المحرم، وله ثلاث وستون سنة، وقيل: ست وستون سنة، وقيل: إحدى وستون، وقيل: ستون، ورجحه الواقدي، وقيل: تسع وخمسون، وقيل: خمس أو أربع وخمسون، وصلى عليه صهيب في المسجد. وفي (تهذيب المزي): (كان نقش خاتم عمر: كفى بالموت واعظا) (٤).

стр. 223

وأخرج الطبراني عن طارق بن شهاب قال: قالت أم أيمن يوم قتل عمر: (اليوم وهى الإسلام) (١). وأخرج عن عبد الرحمن بن يسار قال: (شهدت موت عمر بن الخطاب، فانكسفت الشمس يومئذ)، رجاله ثقات (٢). فصل في أوليات عمر قال العسكري: (هو أول من سمي أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ من الهجرة، وأول من اتخذ بيت المال، وأول من سن قيام شهر رمضان، وأول من عس بالليل، وأول من عاقب على الهجاء، وأول من ضرب في الخمر ثمانين، وأول من حرم المتعة، وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد، وأول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات، وأول من اتخذ الديوان، وأول من فتح الفتوح ومسح السواد، وأول من حمل الطعام من مصر في بحر أيلة إلى المدينة، وأول من احتبس صدقة في الإسلام، وأول من أعال الفرائض، وأول من أخذ زكاة الخيل (٣)، وأول من قال: «أطال الله بقاءك» قاله لعلي، وأول من قال: «أيدك الله»، قاله لعلي) هذا آخر ما ذكره العسكري (٤). وقال النووي في «تهذيبه»: (هو أول من اتخذ الدرة) (٥)، وكذا ذكره ابن سعد في «الطبقات» قال: ولقد قيل بعده: لدرة عمر أهيب من سيفكم. قال: (وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار، وأول من مصر الأمصار: الكوفة والبصرة والجزيرة والشام ومصر والموصل) (٦).

стр. 224

وأخرج ابن عساكر عن إسماعيل بن زياد قال: مر علي بن أبي طالب على المساجد في رمضان وفيها القناديل فقال: (نور الله على عمر في قبره كما نور علينا مساجدنا) (١). فصل [في أعماله ﵁] قال ابن سعد: (اتخذ عمر دار الدقيق، فجعل فيها الدقيق والسويق، والتمر والزبيب، وما يحتاج إليه؛ يعين به المنقطع، ووضع فيما بين مكة والمدينة بالطريق ما يصلح من ينقطع به، وهدم المسجد النبوي وزاد فيه، ووسعه وفرشه بالحصباء، وهو الذي أخرج اليهود من الحجاز إلى الشام، وأخرج أهل نجران إلى الكوفة، وهو الذي أخر مقام إبراهيم إلى موضعه اليوم وكان ملصقا بالبيت) (٢). فصل في نبذ من أخباره وقضاياه [من سماه أمير المؤمنين ﵁] أخرج البخاري في «الأدب»، والعسكري في «الأوائل»، والطبراني في «الكبير»، والحاكم من طريق ابن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة: لأي شيء كان يكتب: من خليفة رسول الله ﷺ في عهد أبي بكر، ثم كان عمر كتب أولا من خليفة أبي بكر، فمن أول من كتب: من أمير المؤمنين؟ فقال: حدثتني الشفاء - وكانت من المهاجرات -: أن أبا بكر كان يكتب: من خليفة رسول الله، وعمر: من خليفة خليفة رسول الله، حتى كتب عمر إلى

стр. 225

عامل العراق: أن يبعث إليه رجلين جلدين يسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه: لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم، فقدما المدينة ودخلا المسجد فوجدا عمرو بن العاصي، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه، فدخل عليه عمرو فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: ما بدا لك في هذا الاسم؟ لتخرجن مما قلت، فأخبره وقال: أنت الأمير، ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب بذلك من يومئذ (١) وقال النووي في «تهذيبه»: (سماه بهذا الاسم: عدي بن حاتم ولبيد بن ربيعة حين وفدا إليه من العراق، وقيل: سماه به المغيرة بن شعبة، وقيل: إن عمر قال للناس: «أنتم المؤمنون وأنا أميركم» فسمي أمير المؤمنين، وكان قبل ذلك يقال له: خليفة خليفة رسول الله ﷺ ، فعدلوا عن تلك العبارة لطولها) (٢) وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن قرة قال: (كان يكتب: من أبي بكر خليفة رسول الله، فلما كان عمر بن الخطاب .. أرادوا أن يقولوا: خليفة خليفة رسول الله، قال عمر: هذا يطول: قالوا: لا؛ ولكنا أمرناك علينا فأنت أميرنا، قال: نعم، أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فكتب: أمير المؤمنين) (٣) وأخرج البخاري في «تاريخه» عن ابن المسيب قال: (أول من كتب التاريخ: عمر بن الخطاب لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لست عشرة من الهجرة بمشورة علي) (٤) وأخرج السلفي في «الطيوريات» بسند صحيح عن ابن عمر، عن عمر: أنه أراد أن يكتب السنن، فاستخار الله شهرا، فأصبح وقد عزم له، ثم قال: (إني

стр. 226

ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا، فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله) (١) وأخرج ابن سعد عن شداد قال: كان أول كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال: (اللهم؛ إني شديد فليني، وإني ضعيف فقوني، وإني بخيل فسخني) (٢) وأخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وغيرهما من طرق عن عمر أنه قال: (إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة والي اليتيم من ماله؛ إن أيسرت .. استعففت، وإن افتقرت .. أكلت بالمعروف؛ فإن أيسرت .. قضيت) (٣) وأخرج ابن سعد عن عمران: (أن عمر بن الخطاب كان إذا احتاج .. أتى صاحب بيت المال فاستقرضه، فربما أعسر، فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه، فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه) (٤) وأخرج ابن سعد عن ابن للبراء بن معرور: أن عمر خرج يوما حتى أتى المنبر وكان قد اشتكى شكوى، فنعت له العسل وفي بيت المال عكة فقال: (إن أذنتم لي فيها .. أخذتها، وإلا .. فهي علي حرام) فأذنوا له (٥) وأخرج عن سالم بن عبد الله: (أن عمر كان يدخل يده في دبرة البعير ويقول: إني لخائف أن أسأل عما بك) (٦) وأخرج عن ابن عمر قال: (كان عمر إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء .. تقدم إلى أهله، فقال: لا أعلمن أحدا وقع في شيء مما نهيت عنه .. إلا أضعفت عليه العقوبة) (٧) وروينا من غير وجه: أن عمر بن الخطاب خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة

стр. 227

وكان يفعل ذلك كثيرا؛ إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقا عليها بابها وهي تقول: تطاول هذا الليل تسري كواكبه … وأرقني أن لا ضجيع الاعبه فو الله لولا الله تخشى عواقبه … لزعزع من هذا السرير جوانبه ولكنني أخشى رقيبا موكلا … بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه مخافة ربي والحياء يصدني … وأكرم بعلي أن تنال مراكبه فكتب إلى عماله بالغزو: (ألا يجمر أحد أكثر من أربعة أشهر) (١). [الفرق بين الخليفة والملك] وأخرج ابن سعد عن زاذان، عن سلمان: (أن عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه … .. فأنت ملك غير خليفة، فاستعبر عمر) (٢). وأخرج عن سفيان بن أبي العوجاء (٣) قال: قال عمر بن الخطاب: (والله؛ ما أدري أخليفة أنا أم ملك؛ فإن كنت ملكا .. فهذا أمر عظيم). فقال قائل: يا أمير المؤمنين؛ إن بينهما فرقا، قال: (ما هو؟)، قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا، ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس؛ فيأخذ من هذا ويعطي هذا، فسكت عمر (٤) وأخرج عن ابن مسعود ﵁ قال: (ركب عمر فرسا فانكشف ثوبه عن فخذه، فرأى أهل نجران بفخذه شامة سوداء، فقالوا: هذا الذي نجد في كتابنا أنه يخرجنا من أرضنا) (٥).

стр. 228

وأخرج عن سعد الجاري: أن كعب الأحبار قال لعمر: (إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها، فإذا مت .. لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة) (١). وأخرج عن أبي معشر قال: حدثنا أشياخنا: أن عمر قال: (إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها، وباللين الذي لا وهن فيه) (٢) وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» عن حكيم بن عمير قال: كتب عمر بن الخطاب: (ألا لا يجلدن أمير جيش ولا سرية أحدا الحد حتى يطلع الدرب؛ لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار) (٣). وأخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن الشعبي قال: (كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب: إن رسلي أتتني من قبلك، فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليقة بشيء من الخير (٤)، تخرج مثل آذان الحمير، ثم تشقق مثل اللؤلؤ، ثم تخضر فتكون مثل الزمرد الأخضر، ثم تحمر فتكون كالياقوت الأحمر، ثم تينع فتنضج فتكون كأطيب فالوذج أكل، ثم تيبس فتكون عصمة للمقيم، وزادا للمسافر، فإن تكن رسلي صدقتني .. فلا أدري هذه الشجرة إلا من شجر الجنة فكتب إليه عمر: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم، إن رسلك قد صدقوك، هذه الشجرة عندنا هي الشجرة التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله؛ فإن ﴿مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب … ﴾ الآية) (٥). [سياسته ﵁ مع عماله وأمرائه] وأخرج ابن سعد عن ابن عمر: (أن عمر أمر عماله فكتبوا أموالهم؛ منهم

стр. 229

سعد بن أبي وقاص، فشاطرهم عمر أموالهم؛ فأخذ نصفا، وأعطاهم نصفا) (١). وأخرج عن الشعبي: (أن عمر كان إذا استعمل عاملا .. كتب ماله) (٢). وأخرج عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: (مكث عمر زمانا لا يأكل من المال شيئا حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، فأرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فاستشارهم فقال: قد شغلت نفسي في هذا الأمر، فما يصلح لي منه؟ فقال علي: غداء وعشاء، فأخذ بذلك عمر) (٣). وأخرج عن ابن عمر: (أن عمر أنفق في حجته ستة عشر دينارا، فقال: يا عبد الله؛ أسرفنا في هذا المال) (٤). [امرأة تشكو زوجها] وأخرج عبد الرزاق في «مصنفه» عن قتادة والشعبي قال: (جاءت عمر امرأة فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، فقال عمر: لقد أحسنت الثناء على زوجك، فقال كعب بن سور: لقد شكت، فقال عمر: كيف؟ قال: تزعم أنه ليس لها من زوجها نصيب، قال: فإذ قد فهمت ذلك .. فاقض بينهما، فقال: يا أمير المؤمنين؛ أحل الله له من النساء أربعا؛ فلها من كل أربعة أيام يوم، ومن كل أربع ليال ليلة) (٥). [قصة المرأة التي تأخر عنها زوجها] وأخرج عن ابن جريج قال: (أخبرني من أصدق: أن عمر بينا هو يطوف سمع امرأة تقول: [من الطويل] تطاول هذا الليل واسود جانبه … وأرقني أن لا حبيب ألاعبه

стр. 230

فلولا حذار الله لا شيء مثله … لزعزع من هذا السرير جوانبه فقال عمر: وما لك؟ قالت: أغربت زوجي منذ أشهر، وقد اشتقت إليه، قال: أردت سوءا؟ قالت: معاذ الله، قال: فاملكي عليك نفسك، فإنما هو البريد إليه، فبعث إليه، ثم دخل على حفصة فقال: إني سائلك عن أمر قد أهمني فأفرجيه عني؛ في كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟ فخفضت رأسها واستحيت، قال: فإن الله لا يستحيي من الحق، فأشارت بيدها ثلاثة أشهر؛ وإلا .. فأربعة أشهر، فكتب عمر: ألا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر) (١). [رجل يشكو لسيدنا عمر ﵁ ما يلقى من النساء] وأخرج عن جابر بن عبد الله: أنه جاء إلى عمر يشكو إليه ما يلقى من النساء، فقال عمر: (إنا لنجد ذلك؛ حتى إني لأريد الحاجة فتقول لي: ما تذهب إلا إلى فتيات بني فلان تنظر إليهن، فقال له عبد الله بن مسعود: أما بلغك أن إبراهيم ﵇ شكا إلى الله خلق سارة، فقيل له: إنها خلقت من ضلع، فالبسها على ما كان فيها، ما لم تر عليها خربة في دينها؟!) (٢). وأخرج عن عكرمة بن خالد قال: (دخل ابن لعمر بن الخطاب عليه وقد ترجل ولبس ثيابا حسانا، فضربه عمر بالدرة حتى أبكاه، فقالت له حفصة: لم ضربته؟ قال: رأيته قد أعجبته نفسه، فأحببت أن أصغرها إليه) (٣). وأخرج عن معمر، عن ليث بن أبي سليم: أن عمر بن الخطاب قال: (لا تسموا الحكم ولا أبا الحكم؛ فإن الله هو الحكم، ولا تسموا الطريق السكة) (٤). وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن الضحاك قال: قال أبو بكر:

стр. 231

(والله؛ لوددت أني كنت شجرة إلى جانب الطريق، فمر علي بعير فأخذني، فأدخلني فاه، فلاكني ثم ازدردني، ثم أخرجني بعرا ولم أكن بشرا)، فقال عمر: (يا ليتني كنت كبش أهلي، سمنوني ما بدا لهم، حتى إذا كنت كأسمن ما يكون .. زارهم بعض من يحبون، فذبحوني لهم، فجعلوا بعضي شواء، وبعضي قديدا، ثم أكلوني ولم أكن بشرا) (١) [انزل عن منبر أبي] وأخرج ابن عساكر عن أبي البختري قال: (كان عمر بن الخطاب يخطب على المنبر، فقام إليه الحسين بن علي فقال: انزل عن منبر أبي، فقال عمر: منبر أبيك لا منبر أبي، من أمرك بهذا؟ فقام علي، فقال: ما أمره بهذا أحد، أما لأوجعنك يا غدر، فقال: لا توجع ابن أخي فقد صدق: منبر أبيه)، إسناده صحيح (٢) وأخرج الخطيب في (الرواة عن مالك) من طريقه عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب: (أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يتنازعان في المسألة بينهما حتى يقول الناظر إليهما: لا يجتمعان أبدا، فما يفترقان إلا على أحسنه وأجمله) (٣) وأخرج (٤) ابن سعد عن الحسن قال: أول خطبة خطبها عمر: حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: فقد ابتليت بكم وابتليتم بي، وخلفت فيكم بعد صاحبي، فمن كان بحضرتنا .. باشرناه بأنفسنا، ومن غاب عنا .. وليناه أهل القوة والأمانة، فمن يحسن .. نزده حسنا، ومن يسيء .. نعاقبه، ويغفر الله لنا ولكم) (٥)

стр. 232

[إنشاؤه للديوان ﵁] وأخرج عن جبير بن الحويرث: (أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار المسلمين في تدوين الديوان، فقال له علي: تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال ولا تمسك منه شيئا. وقال عثمان: أرى مالا كثيرا يسع الناس، وإن لم يحصوا حتى تعرف من أخذ ممن لم يأخذ .. خشيت أن ينتشر الأمر. فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أمير المؤمنين؛ قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دونوا ديوانا، وجندوا جنودا، فدون ديوانا وجند جنودا. فأخذ بقوله، فدعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم - وكانوا من نساب قريش - فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فكتبوا فبدؤوا ببني هاشم، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم عمر وقومه على الخلافة، فلما نظر فيه عمر .. قال: ابدؤوا بقرابة النبي ﷺ الأقرب فالأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله) (١). وأخرج عن سعيد بن المسيب قال: (دون عمر الديوان في المحرم سنة عشرين) (٢). وأخرج عن الحسن قال: (كتب عمر إلى حذيفة: أن أعط الناس أعطيتهم وأرزاقهم، فكتب إليه: إنا قد فعلنا وبقي شيء كثير، فكتب إليه عمر: إنه فيئهم الذي أفاء الله عليهم، ليس هو لعمر ولا لآل عمر، اقسمه بينهم) (٣). وأخرج ابن سعد عن جبير بن مطعم قال: (بينما عمر واقف على جبال عرفة .. سمع رجلا يصرخ يقول: يا خليفة يا خليفة، فسمعه رجل آخر وهم يعتافون، فقال: ما لك فك الله لهواتك؟ فأقبلت على الرجل فصحت عليه. قال جبير: فإني الغد واقف مع عمر على العقبة يرميها؛ إذ جاءت حصاة.

стр. 233

عائرة (١) فنقفت رأس عمر فقصدت، فسمعت رجلا من الجبل يقول: أشعرت ورب الكعبة، لا يقف عمر هذا الموقف بعد العام أبدا. قال جبير: فإذا هو الذي صرخ فينا بالأمس، فاشتد ذلك علي) (٢). [نعي الجن لسيدنا عمر ﵁] وأخرج عن عائشة ﵂ قالت: (لما كان آخر حجة حجها عمر بأمهات المؤمنين إذ صدرنا عن عرفة .. مررت بالمحصب، فسمعت رجلا على راحلته يقول: أين كان عمر أمير المؤمنين؟ فسمعت رجلا آخر يقول: ههنا كان أمير المؤمنين، فأناخ راحلته ثم رفع عقيرته فقال: [من الطويل] عليك سلام من إمام وباركت … يد الله في ذاك الأديم الممزق فمن يسع أو يركب جناحي نعامة … ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها … بوائق في أكمامها لم تفتق فلم يحرك ذاك الراكب ولم يدر من هو، فكنا نتحدث أنه من الجن، فقدم عمر من تلك الحجة، فطعن فمات) (٣). وأخرج عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمر أنه قال: (هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء) (٤). وأخرج عن النخعي: أن رجلا قال لعمر: ألا تستخلف عبد الله بن عمر؟ فقال: (قاتلك الله!! والله؛ ما أردت الله بهذا، أستخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته؟!) (٥).

стр. 234

وأخرج عن شداد بن أوس، عن كعب قال: (كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه .. ذكرنا عمر، وإذا ذكرنا عمر .. ذكرناه، وكان إلى جنبه نبي يوحى إليه، فأوحى الله إلى النبي أن يقول له: اعهد عهدك واكتب إلي وصيتك؛ فإنك ميت إلى ثلاثة أيام، فأخبره النبي بذلك، فلما كان اليوم الثالث .. وقع بين الجدر وبين السرير، ثم جأر إلى ربه، فقال: اللهم؛ إن كنت تعلم أني كنت أعدل في الحكم، وإذا اختلفت الأمور .. اتبعت هداك، وكنت وكنت … فزد في عمري حتى يكبر طفلي، وتربو أمتي، فأوحى الله إلى النبي: أنه قد قال كذا وكذا وقد صدق، وقد زدته في عمره خمس عشرة سنة، ففي ذلك ما يكبر طفله وتربو أمته، فلما طعن عمر .. قال كعب: لئن سأل عمر ربه .. ليبقينه الله، فأخبر بذلك عمر فقال: اللهم؛ اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم) (١). وأخرج عن سليمان بن يسار: (أن الجن ناحت على عمر) (٢). وأخرج الحاكم عن مالك بن دينار قال: سمع صوت بجبل تبالة حين قتل عمر ﵁: ليبك على الإسلام من كان باكيا … فقد أوشكوا صرعى وما قدم العهد وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها … وقد ملها من كان يوقن بالوعد (٣) وأخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي راشد البصري قال: قال عمر لابنه: (اقصدوا في كفني؛ فإنه إن كان لي عند الله خير .. أبدلني ما هو خير منه، وإن كنت على غير ذلك .. سلبني فأسرع سلبي، واقصدوا في حفرتي؛ فإنه إن كان لي عند الله خير .. أوسع لي فيها مد بصري، وإن كنت على غير ذلك .. ضيقها علي حتى تختلف أضلاعي، ولا تخرج معي امرأة، ولا تزكوني بما ليس في؛ فإن الله هو أعلم بي، فإذا خرجتم .. فأسرعوا بي المشي؛ فإنه إن كان لي عند الله

стр. 235

خير .. قدمتموني إلى ما هو خير لي، وإن كنت على غير ذلك .. ألقيتم عن رقابكم شرا تحملونه) (١) فصل [في رؤية سيدنا عمر ﵁ في المنام] أخرج ابن عساكر عن ابن عباس: أن العباس قال: (سألت الله حولا بعدما مات عمر أن يرينيه في المنام، فرأيته بعد حول وهو يسلت العرق عن جبينه، فقلت: بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين؛ ما شأنك؟ فقال: هذا أوان فرغت، وإن كاد عرش عمر ليهد لولا أني لقيت رؤوفا رحيما) (٢) وأخرج أيضا عن زيد بن أسلم: (أن عبد الله بن عمرو بن العاصي رأى عمر في المنام فقال له: كيف صنعت؟ قال: متى فارقتكم؟ قال: منذ اثنتي عشرة سنة، قال: إنما انفلت الآن من الحساب) (٣) وأخرج ابن سعد عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: سمعت رجلا من الأنصار يقول: (دعوت الله أن يريني عمر في النوم، فرأيته بعد عشر سنين وهو يمسح العرق عن جبينه، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ ما فعلت؟ قال: الآن فرغت، ولولا رحمة ربي .. لهلكت) (٤) وأخرج الحاكم عن الشعبي قال: ربت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل عمر ﵁، فقالت: [من الخفيف] عين جودي بعبرة ونحيب … لا تملئي على الإمام الصليب فجعتني المنون بالفارس المعـ … ـلم يوم الهياج والتأنيب عصمة الدين والمعين على الدهـ … ـر وغيث الملهوف والمكروب

стр. 236

قل لأهل الضراء والبؤس موتوا … إذ سقتنا المنون كأس شعوب (١) فصل [فيمن مات في عهده ﵁] مات في أيام عمر ﵁ من الأعلام: عتبة بن غزوان، والعلاء بن الحضرمي، وقيس بن السكن، وأبو قحافة والد الصديق، وسعد بن عبادة، وسهيل بن عمرو، وابن أم مكتوم المؤذن، وعياش بن أبي ربيعة، وعبد الرحمن أخو الزبير بن العوام، وقيس بن أبي صعصعة أحد من جمع القرآن، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه أبو سفيان، ومارية أم السيد إبراهيم، وأبو عبيدة ابن الجراح، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل ابن حسنة، والفضل بن العباس، وأبو جندل بن سهيل، وأبو مالك الأشعري، وصفوان بن المعطل، وأبي بن كعب، وبلال المؤذن، وأسيد بن الحضير، والبراء بن مالك أخو أنس، وزينب بنت جحش، وعياض بن غنم، وأبو الهيثم بن التيهان، وخالد بن الوليد، والجارود سيد بني عبد القيس، والنعمان بن مقرن، وقتادة بن النعمان، والأقرع بن حابس، وسودة بنت زمعة، وعويم بن ساعدة، وغيلان الثقفي، وأبو محجن الثقفي، وخلائق آخرون من الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين

стр. 237

خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ [٢٣ - ٣٥ هـ] (١) عثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي الأموي، أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله، وأبو ليلى. ولد في السنة السادسة من الفيل، وأسلم قديما؛ وهو ممن دعاه الصديق إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة الأولى والثانية. وتزوج رقية بنت رسول الله ﷺ قبل النبوة، وماتت عنده في ليالي غزوة بدر، فتأخر عن بدر لتمريضها بإذن رسول الله ﷺ ، فضرب له بسهمه وأجره، فهو معدود في البدريين بذلك. وجاء البشير بنصر المسلمين ببدر يوم دفنوها بالمدينة (٢)، فزوجه رسول الله ﷺ بعدها أختها أم كلثوم، وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة. قال العلماء: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره؛ ولذلك سمي: ذا النورين، فهو من السابقين الأولين، وأول المهاجرين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن، بل قال ابن عباد: (لم يجمع القرآن من الخلفاء: إلا هو والمأمون) (٣)

стр. 238

وقال ابن سعد: (استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة في غزوته إلى ذات الرقاع وإلى غطفان) (١). روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث وستة وأربعون حديثا. روى عنه: زيد بن خالد الجهني، وابن الزبير، والسائب بن يزيد، وأنس بن مالك، وزيد بن ثابت، وسلمة بن الأكوع، وأبو أمامة الباهلي، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن مغفل، وأبو قتادة، وأبو هريرة، وآخرون من الصحابة ﵃، وخلائق من التابعين. أخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن حاطب قال: (ما رأيت أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ كان إذا حدث أتم حديثا ولا أحسن من عثمان بن عفان، إلا أنه كان رجلا يهاب الحديث) (٢). وأخرج عن محمد بن سيرين قال: (كان أعلمهم بالمناسك: عثمان، وبعده ابن عمر) (٣). [سبب تسميته بذي النورين ﵁] وأخرج البيهقي في «سننه» عن عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي قال: (قال لي خالي حسين الجعفي: تدري لم سمي عثمان ذا النورين؟ قلت: لا، قال: لم يجمع بين ابنتي نبي منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان؛ فلذلك سمي ذا النورين) (٤). وأخرج أبو نعيم عن الحسن قال: (إنما سمي عثمان ذا النورين؛ لأنه لا يعلم أحد أغلق بابه على ابنتي نبي غيره) (٥).

стр. 239

وأخرج ابن عساكر عن علي بن أبي طالب: أنه سئل عن عثمان فقال: (ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين؛ كان ختن رسول الله ﷺ على ابنتيه) (١). وأخرج الماليني بسند فيه ضعف عن سهل بن سعد قال: (قيل لعثمان: ذو النورين؛ لأنه ينتقل من منزل إلى منزل في الجنة، فتبرق له برقتين؛ فلذلك قيل له ذلك) (٢). قال ابن سعد: (كان يكنى في الجاهلية: أبا عمرو، فلما كان الإسلام .. ولدت له رقية عبد الله فاكتنى به) (٣). وأمه: أروى بنت كريز [بن ربيعة] (٤) بن حبيب بن عبد شمس، وأمها: أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم (٥)، توءمة أبي رسول الله ﷺ ، فأم عثمان بنت عمة النبي ﷺ (٦). قال ابن إسحاق: (وكان أول الناس إسلاما بعد أبي بكر، وعلي، وزيد بن حارثة) (٧). [بعض صفاته الخلقية ﵁] وأخرج ابن عساكر من طرق: (أن عثمان كان رجلا ربعة؛ ليس بالقصير ولا بالطويل، حسن الوجه، أبيض مشربا صفرة، بوجهه نكتات جدري، كبير اللحية، عظيم الكراديس (٨)، بعيد ما بين المنكبين، خدل الساقين (٩)، طويل

стр. 240

الذراعين، شعره قد كسا ذراعيه، جعد الرأس، أضلع (١)، أحسن الناس ثغرا، جمته أسفل من أذنيه، يخضب بالصفرة، وكان قد شد أسنانه بالذهب) (٢) وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن حزم المازني قال: (رأيت عثمان بن عفان فما رأيت قط ذكرا ولا أنثى أحسن وجها منه) (٣) وأخرج عن موسى بن طلحة قال: (كان عثمان بن عفان أجمل الناس) (٤) وأخرج ابن عساكر عن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى منزل عثمان بصحفة فيها لحم، فدخلت؛ فإذا رقية ﵂ جالسة، فجعلت مرة أنظر إلى وجه رقية، ومرة أنظر إلى وجه عثمان، فلما رجعت .. سألني النبي ﷺ قال لي: «دخلت عليهما»؟ قلت: نعم، قال: «فهل رأيت زوجا أحسن منهما»؟ قلت: لا يا رسول الله (٥) وأخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: (لما أسلم عثمان بن عفان .. أخذه عمه الحكم بن أبي العاصي بن أمية فأوثقه رباطا، وقال: ترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟! والله؛ لا أحلك أبدا حتى تدع ما أنت عليه، فقال عثمان: والله؛ لا أدعه أبدا ولا أفارقه، فلما رأى الحكم صلابته في دينه .. تركه) (٦) وأخرج أبو يعلى عن أنس قال: أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله: عثمان بن عفان، فقال النبي ﷺ : «صحبهما الله، إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط» (٧) وأخرج ابن عدي عن عائشة ﵂ قالت: لما زوج النبي صلى الله

стр. 241

عليه وسلم بنته أم كلثوم لعثمان .. قال لها: «إن بعلك أشبه الناس بجدك إبراهيم وأبيك محمد» (١) وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إنا نشبه عثمان بأبينا إبراهيم» (٢) فصل في الأحاديث الواردة في فضله غير ما تقدم أخرج الشيخان عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ جمع ثيابه حين دخل عثمان وقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟!» (٣) وأخرج البخاري عن أبي عبد الرحمن السلمي: أن عثمان حين حوصر أشرف عليهم فقال: أنشدكم بالله ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ ؛ ألستم تعلمون: أن رسول الله ﷺ قال: «من جهز جيش العسرة .. فله الجنة» فجهزتهم؟! ألستم تعلمون: أن رسول الله ﷺ قال: «من حفر بئر رومة .. فله الجنة» فحفرتها؟! فصدقوه بما قال (٤) [ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم] وأخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت النبي ﷺ وهو يحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله؛ علي مئة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقال

стр. 242

عثمان: يا رسول الله؛ علي مئتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقال عثمان: يا رسول الله؛ علي ثلاث مئة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فنزل رسول الله ﷺ وهو يقول: «ما على عثمان ما عمل بعد هذه (١)». وأخرج الترمذي والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره، فجعل رسول الله ﷺ يقلبها وهو يقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» مرتين (٢). وأخرج الترمذي عن أنس قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان .. كان عثمان بن عفان رسول رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال النبي ﷺ : «إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله» فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم (٣). وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقال: «يقتل فيها هذا مظلوما» لعثمان (٤). وأخرج الترمذي، والحاكم وصححه، وابن ماجه عن مرة بن كعب قال: سمعت رسول الله ﷺ يذكر فتنة فقربها، فمر رجل مقنع في ثوب فقال: «هذا يومئذ على الهدى» فقمت إليه؛ فإذا هو عثمان بن عفان، فأقبلت إليه بوجهي فقلت: هذا؟ قال: «نعم (٥)». وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة ﵂: أن النبي صلى الله عليه

стр. 243

وسلم قال: «يا عثمان؛ إنه لعل الله يقمصك قميصا، فإن أرادوك على خلعه .. فلا تخلعه» (١) وأخرج الترمذي عن عثمان أنه قال يوم الدار: (إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه) (٢) وأخرج الحاكم عن أبي هريرة قال: (اشترى عثمان الجنة من النبي ﷺ مرتين بيع الخلق: حيث حفر بئر رومة، وحيث جهز جيش العسرة) (٣) وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «عثمان من أشبه أصحابي بي خلقا» (٤) وأخرج الطبراني عن عصمة بن مالك قال: لما ماتت بنت رسول الله ﷺ تحت عثمان .. قال رسول الله ﷺ : «زوجوا عثمان؛ لو كان لي ثالثة .. لزوجته، وما زوجته إلا بالوحي من الله» (٥) وأخرج ابن عساكر عن علي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول لعثمان: «لو أن لي أربعين ابنة .. زوجتك واحدة بعد واحدة؛ حتى لا يبقى منهن واحدة» (٦) وأخرج ابن عساكر عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مر بي عثمان وعندي ملك من الملائكة، فقال: شهيد يقتله قومه، إنا نستحي منه» (٧) وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إن

стр. 244

الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحي من الله ورسوله» (١) وأخرج ابن عساكر عن الحسن: أنه ذكر عنده حياء عثمان فقال: (إن كان ليكون جوف البيت والباب عليه مغلق، فيضع ثوبه ليفيض عليه الماء، فيمنعه الحياء أن يرفع صلبه) (٢) فصل في خلافته ﵁ بويع بالخلافة بعد دفن عمر بثلاث ليال، فروي: أن الناس كانوا يجتمعون في تلك الأيام إلى عبد الرحمن بن عوف يشاورونه ويناجونه، فلا يخلو به رجل ذو رأي .. فيعدل بعثمان أحدا، ولما جلس عبد الرحمن للمبايعة .. حمد الله وأثنى عليه، وقال في كلامه: (إني رأيت الناس يأبون إلا عثمان) أخرجه ابن عساكر عن المسور بن مخرمة (٣) وفي رواية: (أما بعد: يا علي؛ فإني قد نظرت في الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا، ثم أخذ بيد عثمان فقال: نبايعك على سنة الله، وسنة رسوله، وسنة الخليفتين بعده) فبايعه عبد الرحمن، وبايعه المهاجرون والأنصار (٤) وأخرج ابن سعد عن أنس قال: (أرسل عمر إلى أبي طلحة الأنصاري قبل أن يموت بساعة فقال: كن في خمسين من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى؛ فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت، فقم على ذلك الباب بأصحابك، فلا تترك أحدا يدخل عليهم، ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمروا أحدهم) (٥)

стр. 245

وفي «مسند أحمد» عن أبي وائل قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: (كيف بايعتم عثمان وتركتم عليا؟ قال: ما ذنبي؟ قد بدأت بعلي فقلت: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر؟ فقال: فيما استطعت، ثم عرضت ذلك على عثمان، فقال: نعم) (١) ويروى: أن عبد الرحمن قال لعثمان خلوة: (إن لم أبايعك .. فمن تشير علي؟ قال: علي، وقال لعلي: إن لم أبايعك .. فمن تشير علي؟ قال: عثمان، ثم دعا الزبير فقال: إن لم أبايعك .. فمن تشير علي؟ قال: علي أو عثمان، ثم دعا سعدا فقال: إن لم أبايعك .. فمن تشير علي؟ فأما أنا وأنت فلا نريدها، فقال: عثمان، ثم استشار عبد الرحمن الأعيان فرأى هوى أكثرهم في عثمان) (٢) وأخرج ابن سعد والحاكم عن ابن مسعود ﵁: أنه قال لما بويع عثمان: (أمرنا خير من بقي ولم نأل) (٣) ففي هذه السنة من خلافته: فتحت الري، وكانت فتحت وانتقضت (٤) وفيها: أصاب الناس رعاف كثير، فقيل لها: سنة الرعاف (٥)، وأصاب عثمان رعاف حتى تخلف عن الحج وأوصى (٦) وفيها: فتح من الروم حصون كثيرة (٧).

стр. 246

وفيها: ولى عثمان الكوفة سعد بن أبي وقاص، وعزل المغيرة (١) وفي سنة خمس وعشرين: عزل عثمان سعدا عن الكوفة، وولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو صحابي أخو عثمان لأمه، فكان هذا مما نقم عليه؛ لأنه أثر أقاربه بالولايات، وقيل: (إن الوليد صلى بهم الصبح أربعا وهو سكران، ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم؟) (٢) وفي سنة ست وعشرين: زاد عثمان في المسجد الحرام ووسعه، واشترى أماكن للزيادة (٣) وفيها: فتحت سابور (٤) وفي سنة سبع وعشرين: غزا معاوية قبرس (٥)، فركب البحر بالجيوش، وكان معهم عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان الأنصارية، فصرعت عن بغلتها فماتت شهيدة، وكان النبي ﷺ أخبرها بهذا الجيش، ودعا لها بأن تكون منهم (٦)، فدفنت بقبرس. وفيها: فتحت أرجان ودار ابجرد (٧)

стр. 247

وفيها: عزل عثمان عمرو بن العاصي عن مصر، وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فغزا إفريقية فافتتحها سهلا وجبلا، فأصاب كل إنسان من الجيش ألف دينار، وقيل: ثلاثة آلاف دينار (١)، ثم فتحت الأندلس في هذا العام (٢). لطيفة [في تهيب سيدنا عمر ﵁ الغزو في البحر] كان معاوية يلح على عمر بن الخطاب في غزوة قبرس وركوب البحر لها، فكتب عمر إلى عمرو بن العاصي: (أن صف لي البحر وراكبه، فكتب إليه: إني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير؛ إن ركد .. حرق القلوب، وإن تحرك .. أراع العقول، تزاد فيه العقول قلة والسيئات كثرة، وهم فيه كدود على عود؛ إن مال .. غرق، وإن نجا .. برق، فلما قرأ عمر الكتاب .. كتب إلى معاوية: والله؛ لا أحمل فيه مسلما أبدا) قال ابن جرير: (فغزا معاوية قبرس في أيام عثمان، فصالحه أهلها على الجزية) (٣) وفي سنة تسع وعشرين: فتحت إصطخر عنوة وفسا وغير ذلك (٤) وفيها: زاد عثمان في مسجد المدينة ووسعه، وبناه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة، وسقفه بالساج، وجعل طوله ستين ومئة ذراع، وعرضه خمسين ومئة ذراع (٥)

стр. 248

وفي سنة ثلاثين: فتحت جور وبلاد كثيرة من أرض خراسان (١)، وفتحت نيسابور صلحا، وقيل: عنوة، وطوس وسرخس كلاهما صلحا، وكذا مرو وبيهق (٢). ولما فتحت هذه البلاد الواسعة .. كثر الخراج على عثمان، وأتاه المال من كل وجه حتى اتخذ له الخزائن وأدر الأرزاق، وكان يأمر للرجل بمئة ألف بدرة، في كل بدرة أربعة آلاف أوقية (٣). وفي سنة إحدى وثلاثين ..... (٤) وفي سنة خمس وثلاثين: كان مقتل عثمان [قصة استشهاد سيدنا عثمان ﵁] قال الزهري: (ولي عثمان اثنتي عشرة سنة؛ يعمل ست سنين لا ينقم الناس عليه شيئا، وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب؛ لأن عمر كان شديدا عليهم، فلما وليهم عثمان .. لان لهم ووصلهم، ثم توانى في أمرهم، واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الأواخر، وكتب لمروان بخمس إفريقية، وأعطى أقرباءه المال، وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها، وقال: «إن أبا بكر وعمر

стр. 249

تركا من ذلك ما هو لهما، وإني أخذته فقسمته في أقربائي» فأنكر الناس عليه ذلك) أخرجه ابن سعد (١) وأخرج ابن عساكر من وجه آخر عن الزهري قال: (قلت لسعيد بن المسيب: هل أنت مخبري كيف كان قتل عثمان؟ ما كان شأن الناس وشأنه؟ ولم خذله أصحاب محمد ﷺ ؟ فقال: قتل عثمان مظلوما، ومن قتله .. كان ظالما، ومن خذله .. كان معذورا قلت: وكيف كان ذلك؟! قال: إن عثمان لما ولي .. كره ولايته نفر من الصحابة؛ لأن عثمان كان يحب قومه، فولي الناس اثنتي عشرة سنة، وكان كثيرا مما يولي بني أمية ممن لم يكن له مع رسول الله ﷺ صحبة، فكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمد ﷺ ، وكان عثمان يستعتب فيهم فلا يعزلهم. فلما كان في الست الأواخر .. استأثر بني عمه؛ فولاهم وما أشرك معهم، وأمرهم بتقوى الله، ولى عبد الله ابن أبي سرح مصر، فمكث عليها سنين، فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه، وقد كان قبل ذلك من عثمان هنات إلى عبد الله بن مسعود، وأبي ذر، وعمار بن ياسر، فكانت بنو هذيل وبنو زهرة في قلوبهم ما فيها لحال ابن مسعود، وكانت بنو غفار وأحلافها ومن غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها، وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان (٢) لحال عمار بن ياسر. وجاء أهل مصر يشكون ابن أبي سرح، فكتب إليه كتابا يتهدده فيه، فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان من أهل مصر ممن كان أتى عثمان فقتله، فخرج من أهل مصر سبع مئة رجل، فنزلوا المسجد، وشكوا إلى الصحابة في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح بهم.

стр. 250

فقام طلحة بن عبيد الله فكلم عثمان بكلام شديد، وأرسلت عائشة ﵂ إليه فقالت: تقدم إليك أصحاب محمد ﷺ ، وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت؟! فهذا قد قتل منهم رجلا فأنصفهم من عاملك. ودخل عليه علي بن أبي طالب فقال: إنما يسألونك رجلا مكان رجل، وقد ادعوا قبله دما، فاعزله عنهم، واقض بينهم، فإن وجب عليه حق .. فأنصفهم منه. فقال لهم: اختاروا رجلا أوليه عليكم مكانه، فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر، فقالوا: استعمل علينا محمد بن أبي بكر، فكتب عهده وولاه، وخرج معهم عدد من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر وابن أبي سرح. فخرج محمد ومن معه، فلما كان على مسيرة ثلاث من المدينة .. إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير خبطا كأنه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمد: ما قصتك؟ وما شأنك؟ كأنك هارب أو طالب، فقال لهم: أنا غلام أمير المؤمنين وجهني إلى عامل مصر. فقال له رجل: هذا عامل مصر، قال: ليس هذا أريد، وأخبر بأمره محمد بن أبي بكر، فبعث في طلبه رجلا، فأخذه فجاء به إليه، فقال: غلام من أنت؟ فأقبل مرة يقول: أنا غلام أمير المؤمنين، ومرة يقول: أنا غلام مروان، حتى عرفه رجل أنه لعثمان. فقال له محمد: إلى من أرسلت؟ قال: إلى عامل مصر، قال: بماذا؟ قال: برسالة، قال: معك كتاب؟ قال: لا، ففتشوه فلم يجدوا معه كتابا، وكانت معه إداوة قد يبست فيها شيء يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج، فشقوا الإدارة؛ فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح. فجمع محمد من كان عنده من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ثم فك الكتاب بمحضر منهم؛ فإذا فيه: إذا أتاك محمد وفلان وفلان .. فاحتل في قتلهم، وأبطل كتابه، وقر على عملك حتى يأتيك رأيي، واحبس من يجيء إلي يتظلم
следующие страницы →