← История

История · id 11995

تاريخ الخلفاء - ط المنهاج

الجلال السيوطي

Полный текст (783 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الطير ما في أجوافها من البركة .. لم يفعلوا ذلك بها، خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم؛ فإن للمرء ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب) (١) وأخرج عن علي قال: (كونوا بقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل؛ فإنه لن يقل عمل مع التقوى، وكيف يقل عمل يتقبل؟!) (٢) وأخرج عن يحيى بن جعدة قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: (يا حملة القرآن؛ اعملوا به، فإنما العالم: من علم ثم عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يجلسون حلقا، فيباهي بعضهم بعضا، حتى إن الرجل يغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله) (٣) وأخرج عن علي قال: (التوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير ميراث، ولا وحشة أشد من العجب) (٤) وأخرج عن الحارث قال: (جاء رجل إلى علي ﵁ فقال: أخبرني عن القدر، فقال: طريق مظلم لا تسلكه، قال: أخبرني عن القدر، قال: بحر عميق لا تلجه، قال: أخبرني عن القدر، قال: سر الله قد خفي عليك فلا تفشه، قال: أخبرني عن القدر، قال: يا أيها السائل؛ إن الله خلقك لما شاء أو لما شئت؟ قال: بل لما شاء، قال: فيستعملك فيما شاء) (٥). وأخرج عن علي قال: (إن للنكبات نهايات، لا بد لأحد إذا نكب … من أن ينتهي إليها، فينبغي للعاقل إذا أصابته نكبة … أن ينام لها حتى تنقضي مدتها؛

стр. 282

فإن في دفعها قبل انقضاء مدتها زيادة في مكروهها (١) وأخرج عن علي أنه قيل له: (ما السخاء؟ قال: ما كان منه ابتداء، فأما ما كان عن مسألة .. فحياء وتكرم) (٢) وأخرج عن علي: (أنه أتاه رجل فأثنى عليه فأطراه، وكان قد بلغه عنه قبل ذلك، فقال له علي: إني لست كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك) (٣) وأخرج عن علي قال: (جزاء المعصية: الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعس في اللذة، قيل: وما التعس في اللذة؟ قال: لا ينال شهوة حلالا .. إلا جاءه ما ينغصه إياها) (٤) وأخرج عن علي بن ربيعة: (أن رجلا قال لعلي: ثبتك الله، وكان يبغضه، قال: على صدرك) (٥) [ذكر شيء من شعره ﵁] وأخرج عن الشعبي قال: (كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان علي أشعر الثلاثة) (٦) وأخرج عن نبيط الأشجعي قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: [من الوافر] إذا اشتملت على اليأس القلوب … وضاق لما به الصدر الرحيب وأوطنت المكاره واطمأنت … وأرست في أماكنها الخطوب ولم ير لانكشاف الضر وجه … ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث … يجيء به القريب المستجيب

стр. 283

وكل الحادثات إذا تناهت … فموصول بها الفرج القريب (١) وأخرج عن الشعبي قال: قال علي بن أبي طالب ﵁ لرجل وكره له صحبة رجل: [من الهزج] فلا تصحب أخا … الجهل وإياك وإياه فكم من جاهل أردى … حليما حين آخاه يقاس المرء بالمرء … إذا [ما هو ماشاه] (٢) وللشيء من الشيء … مقاييس وأشباه وللقلب على القلب … دليل حين يلقاه (٣) وأخرج عن المبرد قال: كان مكتوبا على سيف علي بن أبي طالب ﵁: [من البسيط] للناس حرص على الدنيا بتدبير … وصفوها لك ممزوج بتكدير لم يرزقوها بعقل عندما قسمت … لكنهم رزقوها بالمقادير كم من أديب لبيب لا تساعده … ومائق نال دنياه بتقصير لو كان عن قوة أو عن مغالبة … طار البزاة بأرزاق العصافير (٤) وأخرج عن حمزة بن حبيب الزيات قال: كان علي بن أبي طالب يقول: [من المتقارب] فلا تفش سرك إلا إليك … فإن لكل نصيح نصيحا فإني رأيت غواة الرجا … ل لا يدعون أديما صحيحا (٥)

стр. 284

[احفظ عني أربعا وأربعا] وأخرج عن عقبة بن أبي الصهباء قال: (لما ضرب ابن ملجم عليا .. دخل عليه الحسن وهو باك، فقال له علي: يا بني؛ احفظ عني أربعا وأربعا، قال: وما هن يا أبت؟ قال: إن أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الكرم حسن الخلق قال: فالأربع الأخر؟ قال: إياك ومصاحبة الأحمق؛ فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة الكذاب؛ فإنه يقرب عليك البعيد ويبعد عليك القريب، وإياك ومصادقة البخيل؛ فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر؛ فإنه يبيعك بالتافه) (١) وأخرج ابن عساكر عن علي: أنه أتاه يهودي فقال له: (متى كان ربنا؟) فتمعر وجه علي، فقال: (لم يكن فكان، هو كان ولا كينونة، كان بلا كيف، كان ليس له قبل ولا غاية، انقطعت الغايات دونه، فهو غاية كل غاية) فأسلم اليهودي (٢) [قضاء شريح لليهودي على أمير المؤمنين] وأخرج الدراج في جزئه المشهور بسند مجهول عن ميسرة، عن شريح القاضي قال: (لما توجه علي إلى صفين .. افتقد درعا له، فلما انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة .. أصاب الدرع مع يهودي، فقال لليهودي: الدرع درعي لم أبع ولم أهب. فقال اليهودي: درعي وفي يدي، فقال: نصير إلى القاضي، فتقدم علي فجلس إلى جنب شريح وقال: لولا أن خصمي يهودي .. لاستويت معه في

стр. 285

المجلس؛ ولكني سمعت رسول الله ﷺ عليه وسلم يقول: «أصغروهم من حيث أصغرهم الله». فقال شريح: قل يا أمير المؤمنين، فقال: نعم؛ هذه الدرع التي في يد هذا اليهودي درعي، لم أبع ولم أهب، فقال شريح: أيش تقول يا يهودي؟ قال: درعي وفي يدي. فقال شريح: ألك بينة يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قنبر والحسن يشهدان أن الدرع درعي، فقال شريح: شهادة الابن لا تجوز للأب، فقال علي: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟! سمعت رسول الله ﷺ عليه وسلم يقول: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه قضى عليه، أشهد أن هذا هو الحق، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وأن الدرع درعك) (١) فصل [في كلامه ﵁ في تفسير القرآن] وأما كلامه في تفسير القرآن .. فكثير، وهو مستوفى في كتابنا «التفسير المسند» بأسانيده. وقد أخرج ابن سعد عن علي قال: (والله؛ ما نزلت آية .. إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا ناطقا) (٢). وأخرج ابن سعد وغيره عن أبي الطفيل قال: قال علي ﵁: (سلوني عن كتاب الله؛ فإنه ليس من آية .. إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل) (٣).

стр. 286

وأخرج ابن أبي داوود عن محمد بن سيرين قال: (لما توفي رسول الله ﷺ عليه وسلم .. أبطأ علي عن بيعة أبي بكر، فلقيه أبو بكر فقال: أكرهت إمارتي؟ فقال: لا؛ ولكن آليت لا أرتدي بردائي إلا إلى الصلاة حتى أجمع القرآن، فزعموا أنه كتبه على تنزيله، قال محمد: لو أصيب ذلك الكتاب .. كان فيه العلم) (١) فصل في نبذ من كلماته الوجيزة المختصرة البديعة قال علي ﵁: (الحزم سوء الظن) أخرجه أبو الشيخ ابن حيان (٢) وقال: (القريب: من قربته المودة وإن بعد نسبه، والبعيد: من بعدته العداوة وإن قرب نسبه، ولا شيء أقرب من يد إلى جسد؛ وإن اليد إذا فسدت .. قطعت، وإذا قطعت .. حسمت) أخرجه أبو نعيم (٣) [خمس خذوهن عني] وقال: (خمس خذوهن عني: لا يخافن أحد منكم إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه، ولا يستحيي من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحيي من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم، إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد؛ إذا ذهب الصبر .. ذهب الإيمان، وإذا ذهب الرأس .. ذهب الجسد) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٤) وقال: (الفقيه كل الفقيه: من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص

стр. 287

لهم في معاصي الله، ولم يؤمنهم عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره؛ إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فهم فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها) أخرجه ابن الضريس في «فضائل القرآن» (١) وقال: (وأبردها على الكبد إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول: الله أعلم) أخرجه ابن عساكر (٢) وقال: (من أراد أن ينصف الناس من نفسه .. فليحب لهم ما يحب لنفسه) أخرجه ابن عساكر (٣) [سبع من الشيطان] وقال: (سبع من الشيطان: شدة الغضب، وشدة العطاس، وشدة التثاؤب، والقيء، والرعاف، والنجوى، والنوم عند الذكر) (٤). وقال: (كلوا الرمان بشحمه؛ فإنه دباغ المعدة) أخرجه عبد الله (٥) بن أحمد في «زوائد المسند» (٦) وقال: (قراءتك على العالم وقراءة العالم عليك سواء) أخرجه الحاكم في «التاريخ» (٧) وقال: (يأتي على الناس زمان المؤمن فيه أذل من الأمة) أخرجه سعيد بن منصور (٨)

стр. 288

[رثاء أبي الأسود لسيدنا علي ﵁ -] ولأبي الأسود الدؤلي يرثي عليا ﵁: [من الوافر] ألا يا عين ويحك أسعدينا … ألا تبكي أمير المؤمنينا أتبكي أم كلثوم عليه … بعبرتها وقد رأت اليقينا ألا قل للخوارج حيث كانوا … فلا قرت عيون الحاسدينا أفي شهر الصيام فجعتمونا … بخير الناس طرا أجمعينا قتلتم خير من ركب المطايا … وذللها ومن ركب السفينا ومن لبس النعال ومن حذاها … ومن قرأ المثاني والمبينا وكل مناقب الخيرات فيه … وحب رسول رب العالمينا لقد علمت قريش حيث كانت … بأنك خيرهم حسبا ودينا إذا استقبلت وجه أبي حسين … رأيت البدر فوق الناظرينا وكنا قبل مقتله بخير … نرى مولى رسول الله فينا يقيم الحق لا يرتاب فيه … ويعدل في العدى والأقربينا وليس بكاتم علما لديه … ولم يخلق من المتجبرينا كأن الناس إذ فقدوا عليا … نعام حار في بلد سنينا فلا تشمت معاوية بن صخر … فإن بقية الخلفاء فينا (١) فصل [فيمن مات في عهده ﵁] مات في أيام علي ﵁ من الأعلام موتا وقتلا: حذيفة بن اليمان، والزبير بن العوام، وطلحة (٢)، وزيد بن صوحان، وسلمان الفارسي،

стр. 289

وهند بن أبي هالة، وأويس القرني، وخباب بن الأرت، وعمار بن ياسر، وسهل بن حنيف، وصهيب الرومي، ومحمد بن أبي بكر الصديق، وتميم الداري، وخوات بن جبير، وشرحبيل ابن السمط، وأبو مسعود البدري، وصفوان بن عسال، وعمرو بن عبسة، وهشام بن حكيم، وأبو رافع مولى النبي ﷺ عليه وسلم، وآخرون

стр. 290

خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ [ستة أشهر] (١) أبو محمد، سبط رسول الله ﷺ عليه وسلم وريحانته، وآخر الخلفاء بنصه (٢) أخرج ابن سعد عن عمران بن سليمان قال: (الحسن والحسين: اسمان من أسماء أهل الجنة، ما سمت العرب بهما في الجاهلية) (٣) ولد الحسن ﵁ في نصف رمضان، سنة ثلاث من الهجرة، وروى عن النبي ﷺ عليه وسلم أحاديث. روى عنه: عائشة ﵂، وخلائق من التابعين؛ منهم: ابنه الحسن، وأبو الحوراء ربيعة بن شيبان (٤)، والشعبي (٥)، وأبو وائل (٦). [شبهه بالنبي ﷺ عليه وسلم وذكر بعض فضائله ﵁] وكان شبيها بالنبي ﷺ عليه وسلم، سماه النبي ﷺ عليه وسلم

стр. 291

الحسن، وعق عنه يوم سابعه، وحلق شعره وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة، وهو خامس أهل الكساء (١). قال العسكري: (لم يكن هذا الاسم يعرف في الجاهلية) (٢). وقال المفضل: (إن الله حجب اسم الحسن والحسين حتى سمى بهما النبي ﷺ ابنيه) (٣). وأخرج البخاري عن أنس قال: (لم يكن أحد أشبه بالنبي ﷺ من الحسن بن علي) (٤). وأخرج الشيخان عن البراء قال: رأيت رسول الله ﷺ والحسن على عاتقه وهو يقول: «اللهم؛ إني أحبه فأحبه» (٥). وأخرج البخاري عن أبي بكرة قال: سمعت النبي ﷺ على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة يقول: «إن ابني هذا سيد؛ ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» (٦). وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : «هما ريحانتاي من الدنيا» (٧) يعني: الحسن والحسين. وأخرج الترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله

стр. 292

ﷺ : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» (١) وأخرج الترمذي عن أسامة بن زيد قال: رأيت النبي ﷺ عليه وسلم وحسن وحسين على وركيه فقال: «هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم؛ إني أحبهما فأحبهما، وأحب من يحبهما» (٢) وأخرج عن أنس قال: سئل رسول الله ﷺ عليه وسلم: أي أهل بيتك أحب إليك؟ قال: «الحسن والحسين» (٣) وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: أقبل النبي ﷺ عليه وسلم وقد حمل الحسن على رقبته، فلقيه رجل فقال: نعم المركب ركبت يا غلام!! فقال رسول الله ﷺ عليه وسلم: «ونعم الراكب هو» (٤) وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن الزبير قال: (أشبه أهل النبي ﷺ عليه وسلم به وأحبهم إليه: الحسن بن علي، رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته أو قال: ظهره - فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته وهو راكع، فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر) (٥) وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: (كان رسول الله ﷺ عليه وسلم يدلع لسانه للحسن بن علي، فإذا رأى الصبي حمرة اللسان .. يهش إليه) (٦). وأخرج الحاكم عن زهير بن الأقمر قال: قام الحسن بن علي يخطب، فقام رجل من أزد شنوءة فقال: أشهد لقد رأيت رسول الله ﷺ عليه وسلم واضعه في حبوته وهو يقول: «من أحبني .. فليحبه، وليبلغ الشاهد الغائب» ولولا

стр. 293

كرامة رسول الله ﷺ .. ما حدثت به أحدا (١). كان الحسن ﵁ له مناقب كثيرة: سيدا حليما، ذا سكينة ووقار وحشمة، جوادا ممدحا، يكره الفتن والسيف، تزوج كثيرا، وكان يجيز الرجل الواحد بمئة ألف (٢) وأخرج الحاكم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: (لقد حج الحسن خمسا وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد معه) (٣) وأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال: (ما تكلم عندي أحد كان أحب إلي إذا تكلم .. ألا يسكت من الحسن بن علي، وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة؛ فإنه كان بين الحسين وعمرو بن عثمان بن عفان خصومة في أرض، فعرض الحسين أمرا لم يرضه عمرو، فقال الحسن: فليس له عندنا إلا ما رغم أنفه، قال: فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه قط) (٤) [حلمه ﵁ على مروان وهو أمير] وأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال: (كان مروان أميرا علينا، فكان يسب عليا كل جمعة على المنبر، وحسن يسمع فلا يرد شيئا، ثم أرسل إليه رجلا يقول له: بعلي وبعلي وبعلي وبك وبك وبك، وما وجدت مثلك إلا مثل البغلة يقال لها: من أبوك؟ فتقول: أمي الفرس، فقال له الحسن: ارجع إليه فقل له: إني والله؛ لا أمحو عنك شيئا مما قلت بأن أسبك، ولكن موعدي وموعدك الله؛ فإن كنت صادقا .. جزاك الله بصدقك، وإن كنت كاذبا .. فالله أشد نقمة) (٥)

стр. 294

وأخرج ابن سعد عن رزيق بن سوار قال: (كان بين الحسن وبين مروان كلام، فأقبل عليه مروان، فجعل يغلظ له، وحسن ساكت، فامتخط مروان بمنه، فقال له الحسن: ويحك؛ أما علمت أن اليمين للوجه والشمال للفرج؟! أف لك!! فسكت مروان) (١). وأخرج ابن سعد عن أشعث بن سوار، عن رجل قال: (جلس رجل إلى الحسن فقال: إنك جلست إلينا على حين قيام منا، أفتأذن؟) (٢). وأخرج ابن سعد عن علي بن زيد بن جدعان قال: (خرج الحسن من ماله الله مرتين، وقاسم الله ماله ثلاث مرات، حتى إن كان ليعطي نعلا ويمسك نعلا، ويعطي خفا ويمسك خفا) (٣). [كثرة زواجه وطلاقه لتكثير نسله ﵁] وأخرج ابن سعد عن علي بن الحسين قال: (كان الحسن مطلاقا للنساء، وكان لا يفارق امرأة .. إلا وهي تحبه، وأحسن تسعين امرأة) (٤). وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: (كان الحسن يتزوج ويطلق، حتى خشيت أن يورثنا عداوة في القبائل) (٥). وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قال علي: (يا أهل الكوفة؛ لا تزوجوا الحسن؛ فإنه رجل مطلاق)، فقال رجل من همدان: والله لنزوجنه؛ فما رضي .. أمسك، وما كره .. طلق (٦). وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن حسن قال: (كان الحسن رجلا كثير نكاح

стр. 295

النساء، وكن قلما يحظين عنده، وكان قل امرأة تزوجها إلا أحبته وصبت به) (١) وأخرج ابن عساكر عن جويرية بن أسماء قال: (لما مات الحسن .. بكى مروان في جنازته، فقال له حسين: أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه؟! فقال: إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا، وأشار بيده إلى الجبل) (٢) وأخرج ابن عساكر عن المبرد قال: (قيل للحسن بن علي: إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر!! أما أنا أقول: من اتكل على حسن اختيار الله له .. لم يتمن أنه في غير الحالة التي اختار الله له، وهذا حد الوقوف على الرضا بما تصرف به القضا) (٣) [نزوله عن الخلافة ﵁ وتحقيق المعجزة] ولي الحسن ﵁ الخلافة بعد قتل أبيه بمبايعة أهل الكوفة، فأقام فيها ستة أشهر وأياما، ثم سار إليه معاوية والأمر إلى الله، فأرسل إليه الحسن: يبذل له تسليم الأمر إليه على أن تكون له الخلافة من بعده، وعلى ألا يطلب أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان أيام أبيه، وعلى أن يقضي عنه ديونه. فأجابه معاوية إلى ما طلب، فاصطلحا على ذلك، فظهرت المعجزة النبوية في قوله ﷺ : «يصلح الله به بين فئتين من المسلمين» ونزل له عن الخلافة. وقد استدل البلقيني بنزوله عن الخلافة التي هي أعظم المناصب: على جواز النزول عن الوظائف.

стр. 296

وكان نزوله عنها في سنة إحدى وأربعين، في شهر ربيع الأول، وقيل: الآخر، وقيل: في جمادى الأولى، فكان أصحابه يقولون له: يا عار المؤمنين، فيقول: (العار خير من النار). وقال له رجل: (السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال: لست بمذل المؤمنين؛ ولكني كرهت أن أقتلكم على الملك) (١). ثم ارتحل الحسن عن الكوفة إلى المدينة فأقام بها. وأخرج الحاكم عن جبير بن نفير قال: (قلت للحسن: إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة؟ فقال: قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت، ويسالمون من سالمت، تركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء أمة محمد ﵌، ثم أبتزها بأتياس أهل الحجاز) (٢). [وفاة الحسن ﵁] توفي الحسن ﵁ بالمدينة مسموما، سمته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس، دس إليها يزيد بن معاوية أن تسمه ويتزوجها، ففعلت، فلما مات الحسن .. بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها، فقال: إنا لم نرضك للحسن فنرضاك لأنفسنا؟! وكانت وفاته سنة تسع وأربعين، وقيل: في خامس ربيع الأول سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وجهد به أخوه أن يخبره من سقاه فلم يخبره، وقال: (الله أشد نقمة إن كان الذي أظن، وإلا .. فلا يقتل بي - والله - بريء) وأخرج ابن سعد عن عمران بن عبد الله بن طلحة قال: رأى الحسن كأن بين عينيه مكتوبا ﴿قل هو الله أحد﴾ فاستبشر به أهل بيته، فقصوها على سعيد بن

стр. 297

المسيب، فقال: (إن صدقت رؤياه .. فقل ما بقي من أجله، فما بقي إلا أياما حتى مات) (١). [كرامة لمن رجا الخالق ولم يرج المخلوق] وأخرج البيهقي وابن عساكر من طريق أبي المنذر هشام بن محمد عن أبيه قال: أضاق الحسن بن علي، وكان عطاؤه في كل سنة مئة ألف، فحبسها عنه معاوية في إحدى السنين، فأضاق إضاقة شديدة، قال: فدعوت بدواة لأكتب إلى معاوية لأذكره نفسي، ثم أمسكت، فرأيت رسول الله ﷺ عليه وسلم في المنام فقال: «كيف أنت يا حسن؟» فقلت: بخير يا أبت، وشكوت إليه تأخر المال عني، فقال: «أدعوت بدواة لتكتب إلى مخلوق مثلك تذكره ذلك؟!» فقلت: نعم يا رسول الله، فكيف أصنع؟ فقال: «قل: اللهم؛ اقذف في قلبي رجاءك، واقطع رجائي عمن سواك حتى لا أرجو أحدا غيرك، اللهم؛ وما ضعفت عنه قوتي، وقصر عنه عملي، ولم تنته إليه رغبتي، ولم تبلغه مسألتي، ولم يجر على لساني مما أعطيت أحدا من الأولين والآخرين من اليقين .. فخصني به يا رب العالمين». قال: فوالله؛ ما ألححت به أسبوعا حتى بعث إلي معاوية بألف ألف وخمس مئة ألف، فقلت: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، ولا يخيب من دعاه فرأيت النبي ﷺ عليه وسلم في المنام، فقال: «يا حسن؛ كيف أنت؟» فقلت: بخير يا رسول الله، وحدثته حديثي، فقال: «يا بني؛ هكذا من رجا الخالق ولم يرج المخلوق» (٢). [نصحه لأخيه الحسين وتثبيت الحسين له ﵄] وفي «الطيوريات» عن سليم بن عيسى قارئ أهل الكوفة قال: (لما

стр. 298

حضرت الحسن الوفاة .. جزع، فقال له الحسين: يا أخي؛ ما هذا الجزع؟! إنك ترد على رسول الله ﷺ عليه وسلم وعلى علي؛ وهما أبواك، وعلى خديجة وفاطمة؛ وهما أماك، وعلى القاسم والطاهر؛ وهما خالاك، وعلى حمزة وجعفر؛ وهما عماك. فقال له الحسن: أي أخي؛ إني أدخل في أمر من أمر الله لم أدخل في مثله، وأرى خلقا من خلق الله لم أر مثله قط) (١). قال ابن عبد البر: وروينا من وجوه: (أنه لما احتضر .. قال لأخيه: يا أخي؛ إن أباك استشرف لهذا الأمر فصرفه الله عنه، ووليها أبو بكر، ثم استشرف لها، فصرفت عنه إلى عمر، ثم لم يشك وقت الشورى أنها لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان، فلما قتل عثمان .. بويع، ثم نوزع حتى جرد السيف فما صفت له، وإني والله؛ ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة، فلا أعرفن ما استخفك سفهاء الكوفة فأخرجوك، وقد كنت طلبت إلى عائشة ﵂ أن أدفن مع رسول الله ﷺ عليه وسلم فقالت: نعم، فإذا مت .. فاطلب ذلك إليها، وما أظن القوم إلا سيمنعونك، فإن فعلوا .. فلا تراجعهم، فلما مات .. أتى الحسين عائشة ﵂، فقالت: نعم وكرامة، فمنعهم مروان، فلبس الحسين ومن معه السلاح حتى رده أبو هريرة، ثم دفن في البقيع إلى جنب أمه ﵄ (٢).

стр. 299

الدولة الأموية

стр. 300

خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵄ [٤١ - ٦٠ هـ] (١) معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي الأموي، أبو عبد الرحمن. أسلم هو وأبوه يوم فتح مكة، وشهد حنينا، وكان من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه، وكان أحد الكتاب لرسول الله ﷺ . روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث وثلاثة وستون حديثا. روى عنه من الصحابة: ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو الدرداء (٢)، وجرير البجلي، والنعمان بن بشير وغيرهم. ومن التابعين: ابن المسيب، وحميد بن عبد الرحمن وغيرهما. [وصفه وما ورد في فضله ﵁] وكان من الموصوفين بالدهاء والحلم، وقد ورد في فضله أحاديث قلما تثبت. أخرج الترمذي وحسنه عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الصحابي ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: «اللهم؛ اجعله هاديا مهديا» (٣)

стр. 301

وأخرج أحمد في «مسنده» عن العرباض بن سارية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهم؛ علم معاوية الكتاب والحساب، وقه العذاب» (١). وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنف»، والطبراني في «الكبير» عن عبد الملك بن عمير قال: قال معاوية: ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله ﷺ عليه وسلم: «يا معاوية؛ إذا ملكت .. فأحسن» (٢). وكان معاوية رجلا طويلا أبيض، جميلا مهيبا. وكان عمر ينظر إليه فيقول: (هذا كسرى العرب) (٣). وعن علي قال: (لا تكرهوا إمرة معاوية؛ فإنكم لو فقدتموه … لرأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها) (٤). وقال المقبري: (تعجبون من دهاء هرقل وكسرى وتدعون معاوية؟!) (٥). وكان يضرب بحلمه المثل، وقد أفرد ابن أبي الدنيا وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفا في حلم معاوية. قال ابن عون: (كان الرجل يقول لمعاوية: والله؛ لتستقيمن بنا يا معاوية، أو لنقومنك، فيقول: بماذا؟ فيقولون: بالخشب، فيقول: إذن نستقيم) (٦). وقال قبيصة بن جابر: (صحبت معاوية، فما رأيت رجلا أثقل حلما، ولا أبطأ جهلا، ولا أبعد أناة منه) (٧). ولما بعث أبو بكر الجيوش إلى الشام … سار معاوية مع أخيه يزيد بن

стр. 302

أبي سفيان، فلما مات يزيد .. استخلفه على دمشق، فأقره عمر، ثم أقره عثمان وجمع له الشام كله، فأقام أميرا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة. قال كعب الأحبار: (لن يملك أحد هذه الأمة ما ملك معاوية) (١). قال الذهبي: (توفي كعب قبل أن يستخلف معاوية، قال: وصدق كعب فيما نقله؛ فإن معاوية بقي خليفة عشرين سنة لا ينازعه أحد الأمر في الأرض، بخلاف غيره ممن بعده؛ فإنه كان لهم مخالف، وخرج عن أمرهم بعض الممالك) (٢). خرج معاوية على علي - كما تقدم - وتسمى بالخلافة (٣)، ثم خرج على الحسن، فنزل له الحسن عن الخلافة، فاستقر فيها من ربيع الآخر أو جمادى الأولى، سنة إحدى وأربعين، فسمي هذا العام: عام الجماعة؛ لاجتماع الأمة فيه على خليفة واحد. وفيه: ولى معاوية مروان بن الحكم المدينة (٤). وفي سنة ثلاث وأربعين: فتحت الرخج وغيرها من بلاد سجستان، وودان من برقة، وكورا (٥) من بلاد السودان. وفيها: استلحق معاوية زياد ابن أبيه (٦)، وهي أول قضية غير فيها حكم النبي ﷺ عليه وسلم في الإسلام، ذكره الثعالبي وغيره.

стр. 303

وفي سنة خمس وأربعين: فتحت القيقان. وفي سنة خمسين: فتحت قهستان عنوة (١). وفيها: دعا معاوية أهل الشام إلى البيعة بولاية العهد من بعده لابنه يزيد فبايعوه (٢)، وهو أول من عهد بالخلافة لابنه، وأول من عهد بها في صحته. ثم إنه كتب إلى مروان بالمدينة أن يأخذ البيعة له، فخطب مروان فقال: (إن أمير المؤمنين رأى أن يستخلف عليكم ولده يزيد سنة أبي بكر وعمر). فقام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فقال: (بل سنة كسرى وقيصر، إن أبا بكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما ولا في أحد من أهل بيتهما). [أخذ البيعة ليزيد] ثم حج معاوية سنة إحدى وخمسين، وأخذ البيعة لابنه، فبعث إلى ابن عمر فتشهد وقال: (أما بعد: يا بن عمر؛ إنك كنت تحدثني أنك لا تحب تبيت ليلة سوداء ليس عليك فيها أمير، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، أو تسعى في فساد ذات بينهم). فحمد ابن عمر الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: فإنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء، ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك؛ ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار، وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين ولم أكن لأفعل، إنما أنا رجل من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر .. فإنما أنا رجل منهم)، فقال: (يرحمك الله) فخرج ابن عمر. ثم أرسل إلى ابن أبي بكر، فتشهد ثم أخذ في الكلام، فقطع عليه كلامه.

стр. 304

وقال: (إنك والله؛ لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لا نفعل، والله؛ لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين، أو لنفرقنها عليك جذعة) ثم وثب ومضى. فقال معاوية: (اللهم؛ اكفنيه بما شئت، ثم قال: على رسلك أيها الرجل، لا تشرفن على أهل الشام؛ فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعت، ثم كن بعد على ما بدا لك من أمرك). ثم أرسل إلى ابن الزبير، فقال: (يا بن الزبير؛ إنما أنت ثعلب رواغ، كلما خرج من جحر .. دخل آخر، وإنك عمدت إلى هذين الرجلين، فنفخت في مناخرهما، وحملتهما على غير رأيهما). فقال ابن الزبير: (إن كنت قد مللت الإمارة .. فاعتزلها، وهلم ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعت ابنك معك .. لأيكما نسمع ونطيع؟ لا نجمع البيعة لكما أبدا) ثم راح. وصعد معاوية المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار، زعموا أن ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير لن يبايعوا يزيد، وقد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له). فقال أهل الشام: والله؛ لا نرضى حتى يبايعوا له على رؤوس الأشهاد، وإلا .. ضربنا أعناقهم. فقال: (سبحان الله!! ما أسرع الناس إلى قريش بالشر!! لا أسمع هذه المقالة من أحد منكم بعد اليوم) ثم نزل. فقال الناس: بايع ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير، وهم يقولون: لا والله [ما بايعنا]، فيقول الناس: بلى، وارتحل معاوية، فلحق بالشام (١). وعن ابن المنكدر قال: (قال ابن عمر حين بويع يزيد: إن كان خيرا .. رضينا، وإن كان بلاء .. صبرنا) (٢).

стр. 305

[قصة أم معاوية وزواجها بأبي سفيان ﵃] وأخرج الخرائطي في «الهواتف» عن حميد بن وهب قال: (كانت هند بنت عتبة بن ربيعة عند الفاكه بن المغيرة، وكان من فتيان قريش، وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير إذن، فخلا البيت ذات يوم، فقام الفاكه وهند فيه، ثم خرج الفاكه لبعض حاجاته، وأقبل رجل ممن كان يغشى البيت فولجه، فلما رأى المرأة .. ولى هاربا، فأبصره الفاكه، فانتهى إليها فضربها برجله، وقال: من هذا الذي كان عندك؟ قالت: ما رأيت أحدا ولا انتبهت حتى أنبهتني، فقال لها: الحقي بأهلك، وتكلم فيها الناس. فخلا بها أبوها فقال لها: يا بنية؛ إن الناس قد أكثروا فيك فأنبئيني بذاك؛ فإن يكن الرجل صادقا .. دسيت إليه من يقتله فتنقطع عنا القالة، وإن يكن كاذبا .. حاكمته إلى بعض كهان اليمن. قال: فحلفت له بما كانوا يحلفون به في الجاهلية أنه كاذب عليها. فقال عتبة للفاكه: إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم، فحاكمني إلى بعض كهان اليمن، فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم، وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف، ومعهم هند ونسوة معها تأنس بهن، فلما شارفوا البلاد .. تنكرت حال هند وتغير وجهها. فقال لها أبوها: يا بنية؛ إني قد أرى ما بك من تغير الحال؛ وما ذاك إلا لمكروه عندك؟! قالت: لا والله يا أبتاه؛ وما ذاك لمكروه، ولكني أعرف أنكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب، فلا آمنه أن يسمني بسيما تكون علي سبة في العرب. فقال لها: إني سوف أختبره لك قبل أن ينظر في أمرك، فصفر لفرسه حتى أدلى، ثم أدخل في إحليله حبة من الحنطة وأوكأ عليها بسير، وصبحوا الكاهن، فنحر لهم وأكرمهم. فلما تغدوا .. قال له عتبة: إنا قد جئناك في أمر، وقد خبأت لك خبئا أختبرك

стр. 306

به، فانظر ما هو؟ قال: برة في كمرة، قال: أريد أبين من هذا، قال: حبة من بر في إحليل مهر. فقال عتبة: صدقت، انظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يدنو من إحداهن ويضرب كتفها ويقول: انهضي حتى دنا من هند فضرب كتفها وقال: انهضي غير وسخاء ولا زانية، ولتلدن ملكا يقال له: معاوية. فنظر إليها الفاكه فأخذ بيدها، فنثرت يدها من يده وقالت: إليك، فالله؛ لأحرصن أن يكون ذلك من غيرك، فتزوجها أبو سفيان، فجاءت بمعاوية) (١) [وفاة سيدنا معاوية ووصيته ﵁] مات معاوية في رجب سنة ستين، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير، وقيل: إنه عاش سبعا وسبعين سنة. وكان عنده شيء من شعر رسول الله ﷺ وقلامة أظفاره، فأوصى أن تجعل في فمه وعينيه، وقال: (افعلوا ذلك، وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين) (٢) فصل في نبذ من أخباره أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» عن سعيد بن جمهان قال: (قلت لسفينة: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم؟ قال: كذب بنو الزرقاء، بل هم ملوك من أشد الملوك، وأول الملوك معاوية) (٣). وأخرج البيهقي وابن عساكر عن إبراهيم بن سويد الأرمني قال: (قلت لأحمد ابن حنبل: من الخلفاء؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، قلت:

стр. 307

فمعاوية؟ قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان علي من علي (١). وأخرج السلفي في «الطيوريات» عن عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: (سألت أبي عن علي ومعاوية، فقال: اعلم أن عليا كان كثير الأعداء، ففتش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا، فجاؤوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيادا منهم له). [محاورة جارية بن قدامة لسيدنا معاوية ﵁] وأخرج ابن عساكر عن عبد الملك بن عمير قال: (قدم جارية بن قدامة السعدي على معاوية، فقال: من أنت؟ قال: جارية بن قدامة، قال: وما عسيت أن تكون؟ هل أنت إلا نحلة؟ قال: لا تفعل؛ فقد شبهتني بها حامية اللسعة، حلوة البساق، والله؛ ما معاوية إلا كلبة تعاوي الكلاب، وما أمية إلا تصغير أمة) (٢). وأخرج عن الفضل بن سويد قال: (وفد جارية بن قدامة على معاوية، فقال له معاوية: أنت الساعي مع علي بن أبي طالب، والموقد النار في شعلك، تجوس قرى عربية تسفك دماءهم؟ قال جارية: يا معاوية؛ دع عنك عليا، فما أبغضنا عليا منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه (٣). قال: ويحك يا جارية!! ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية. قال: أنت يا معاوية كنت أهون على أهلك؛ إذ سموك معاوية، قال: لا أم لك.

стр. 308

قال: أم ما ولدتني، إن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفين في أيدينا!! قال: إنك لتهددني؟! قال: إنك لم تملكنا قسرة، ولم تفتحنا عنوة، ولكن أعطيتنا عهودا ومواثيق، فإن وفيت لنا .. وفينا لك، وإن ترغب إلى غير ذلك .. فقد تركنا وراءنا رجالا مدادا، وأدرعا شدادا، وأسنة حدادا؛ فإن بسطت إلينا فترا من غدر .. دلفنا إليك بباع من ختر. قال معاوية: لا أكثر الله في الناس أمثالك) (١). وأخرج عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الصحابي: أنه دخل على معاوية، فقال له معاوية: ألست من قتلة عثمان؟ قال: لا، ولكني ممن حضره فلم ينصره، قال: وما منعك من نصره؟ قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار، فقال معاوية: أما لقد كان حقه واجبا عليهم أن ينصروه، قال: فما منعك يا أمير المؤمنين من نصره ومعك أهل الشام؟ فقال معاوية: أما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل ثم قال: أنت وعثمان كما قال الشاعر: [من البسيط] لا ألفينك بعد الموت تندبني … وفي حياتي ما زودتني زادي (٢) [أولياته ﵁] وقال الشعبي: (أول من خطب الناس قاعدا: معاوية؛ وذلك حين كثر شحمه وعظم بطنه) أخرجه ابن أبي شيبة (٣). وقال الزهري: (أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد: معاوية) أخرجه عبد الرزاق في " مصنفه (٤).

стр. 309

وقال سعيد بن المسيب: (أول من أحدث الأذان في العيد: معاوية) أخرجه ابن أبي شيبة (١). وقال: (أول من نقص التكبير: معاوية) أخرجه (٢) وفي «الأوائل» للعسكري قال: (معاوية أول من وضع البريد في الإسلام (٣)، وأول من اتخذ الخصيان الخاص خدمته (٤)، وأول من عبثت به رعيته (٥)، وأول من قيل له: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله (٦)، وأول من اتخذ ديوان الخاتم، وولاه عبيد الله بن أوس الغساني، وسلم إليه الخاتم، وعلى فصه: لكل عمل ثواب، واستمر ذلك في الخلفاء العباسيين إلى آخر وقت، وسبب اتخاذه له: أنه أمر لرجل بمئة ألف، ففك الكتاب وجعله مئتي ألف، فلما رفع الحساب إلى معاوية .. أنكر ذلك، واتخذ ديوان الخاتم من يومئذ (٧)، وهو أول من اتخذ المقصورة بالجامع (٨)، وأول من أذن في تجريد الكعبة، وكانت كسوتها قبل ذلك تطرح عليها شيئا فوق شيء). وأخرج الزبير بن بكار في (الموفقيات) عن ابن أخي الزهري قال: (قلت للزهري: من أول من استحلف في البيعة؟ قال: معاوية استحلفهم بالله، فلما كان عبد الملك بن مروان .. استحلفهم بالطلاق والعتاق). وأخرج العسكري في كتاب «الأوائل» عن سليمان بن عبد الله بن معمر قال: (قدم معاوية مكة أو المدينة، فأتى المسجد، فقعد في حلقة فيها: ابن عمر، وابن عباس، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأقبلوا عليه وأعرض ابن

стр. 310

عباس، فقال: وأنا أحق بهذا الأمر من هذا المعرض وابن عمه. فقال ابن عباس: ولم؟ التقدم في الإسلام، أم سابقة مع رسول الله، أم قرابة منه؟ قال: لا؛ ولكن ابن عم المقتول، قال: فهذا أحق به - يريد ابن أبي بكر- قال: إن أباه مات موتا؟ قال: فهذا أحق به - يريد ابن عمر- قال: إن أباه قتله كافر، قال: فذاك أدحض لحجتك أن كان المسلمون عتبوا على ابن عمك فقتلوه) (١). [معاتبته للأنصار وردهم عليه ﵃] وقال عبد الله بن محمد بن عقيل: قدم معاوية المدينة فلقيه أبو قتادة الأنصاري، فقال معاوية: تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار؟ قال: لم يكن لنا دواب، قال: فأين النواضح؟ قال: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر. ثم قال أبو قتادة: إن رسول الله ﷺ عليه وسلم قال لنا: «إنكم سترون بعدي أثرة» قال معاوية: فما أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر، قال: فاصبروا، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فقال: [من الوافر] ألا أبلغ معاوية بن حرب … أمير المؤمنين نثا كلامي (٢) فإنا صابرون ومنظروكم … إلى يوم التغابن والخصام (٣) [سياسة سيدنا معاوية ﵁] وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن جبلة بن سحيم قال: دخلت على معاوية بن أبي سفيان وهو في خلافته وفي عنقه حبل وصبي يقوده، فقلت:

стр. 311

يا أمير المؤمنين؛ أتفعل هذا؟ قال: يا لكع!! اسكت؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ عليه وسلم يقول: «من كان له صبي .. فليتصاب له»، قال ابن عساكر: غريب جدا (١) وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» عن الشعبي قال: دخل شاب من قريش على معاوية فأغلظ له، فقال له: (يا بن أخي؛ أنهاك عن السلطان، إن السلطان يغضب غضب الصبي، ويأخذ أخذ الأسد) (٢) وأخرج عن الشعبي قال: (قال زياد: استعملت رجلا فكثر خراجه، فخشي أن أعاقبه ففر إلى معاوية، فكتبت إليه: إن هذا أدب سوء لمن قبلي. فكتب إلي: أنه ليس ينبغي لي ولا لك أن نسوس الناس سياسة واحدة: أن نلين جميعا فيمرح الناس في المعصية، ولا أن نشد جميعا فنحمل الناس على المهالك؛ ولكن تكون للشدة والفظاظة، وأكون أنا للين والرأفة) (٣) وأخرج عن الشعبي قال: سمعت معاوية يقول: (ما تفرقت أمة قط إلا ظهر أهل الباطل على أهل الحق، إلا هذه الأمة) (٤) [ثلاثة أبيات بثلاث مئة ألف] وفي «الطيوريات» عن سليمان المخزومي قال: (أذن معاوية للناس إذنا عاما، فلما احتفل المجلس .. قال: أنشدوني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت قائم بمعناه، فسكتوا، ثم طلع عبد الله بن الزبير فقال: هذا مقول العرب وعلامتها، أبا خبيب. قال: مهيم؟ قال: أنشدني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت قائم بمعناه، قال: بثلاث مئة ألف.

стр. 312

قال: وتساوي؟ قال: أنت بالخيار وأنت واف كاف، قال: هات، فأنشده للأفوه الأودي: [من الوافر] بلوت الناس قرنا بعد قرن … فلم أر غير ختال وقال قال: صدق هيه، قال: ولم أر في الخطوب أشد وقعا … وأصعب من معاداة الرجال قال: صدق هيه، قال: وذقت مرارة الأشياء طرا … فما طعم أمر من السؤال قال: صدق، ثم أمر له بثلاث مئة ألف) (١). [خطبة مروان بالمدينة لاستخلاف يزيد] وأخرج البخاري، والنسائي، وابن أبي حاتم في «تفسيره» واللفظ له من طرق: أن مروان خطب بالمدينة وهو على الحجاز من قبل معاوية فقال: (إن الله قد أرى أمير المؤمنين في ولده يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه .. فقد استخلف أبو بكر وعمر - وفي لفظ: سنة أبي بكر وعمر - فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقيصر، إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا أحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده. فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه: أف لكما؟! فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعن أباك رسول الله ﷺ عليه وسلم؟! فقالت عائشة ﵂: كذب مروان، ما فيه نزلت؛ ولكن نزلت في فلان بن فلان، ولكن رسول الله ﷺ عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه؛ فمروان يفيض من لعنة الله) (٢).

стр. 313

وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» عن عروة قال: قال معاوية: (لا حلم إلا التجارب) (١) [دهاة العرب أربعة وكذا قضاتها] وأخرج ابن عساكر عن الشعبي قال: (دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو بن العاصي، والمغيرة بن شعبة، وزياد، فأما معاوية .. فللحلم والأناة، وأما عمرو .. فللمعضلات، وأما المغيرة. فللمبادهة، وأما زياد .. فللكبير والصغير) (٢) وأخرج أيضا عنه قال: (كان القضاة أربعة والدهاة أربعة، فأما القضاة: فعمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأما الدهاة: فمعاوية، وعمرو بن العاصي، والمغيرة، وزياد) (٣) [صحبة الرجال] وأخرج عن قبيصة بن جابر قال: (صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلا أقرأ لكتاب الله، ولا أفقه في دين الله منه، وصحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت رجلا أعطى لجزيل مال عن غير مسألة منه، وصحبت معاوية فما رأيت رجلا أثقل حلما، ولا أبطأ جهلا، ولا أبعد أناة منه، وصحبت عمرو بن العاصي فما رأيت رجلا أنصع طرفا، ولا أحلم جليسا منه، وصحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر .. لخرج من أبوابها كلها) (٤) [من الأجوبة المسكتة] وأخرج ابن عساكر عن حميد بن هلال: أن عقيل بن أبي طالب سأل عليا

стр. 314

فقال: (إني محتاج وإني فقير فأعطني، قال: اصبر حتى يخرج عطائي مع المسلمين فأعطيك معهم، فألح عليه، فقال لرجل: خذ بيده فانطلق به إلى حوانيت أهل السوق فقل: دق هذه الأقفال، وخذ ما في هذه الحوانيت قال: تريد أن تتخذني سارقا؟! قال: وأنت تريد أن تتخذني سارقا أن آخذ أموال المسلمين فأعطيكها دونهم؟! قال: لآتين معاوية، قال: أنت وذاك، فأتى معاوية فسأله فأعطاه مئة ألف، ثم قال: اصعد المنبر؛ فاذكر ما أولاك علي وما أوليتك، فصعد فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس؛ إني أخبركم أني أردت عليا على دينه فاختار دينه، وأني أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه) (١) وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن عقيلا دخل على معاوية، فقال معاوية: (هذا عقيل وعمه أبو لهب، فقال عقيل: هذا معاوية وعمته حمالة الحطب) (٢) وأخرج ابن عساكر عن الأوزاعي قال: (دخل خريم بن فاتك على معاوية ومئزره مشمر، وكان حسن الساقين، فقال معاوية: لو كانت هاتان الساقان لامرأة، فقال خريم: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين) (٣) [من مات في عهده ﵁] مات في أيام معاوية من الأعلام: صفوان بن أمية، وحفصة، وأم حبيبة، وصفية، وميمونة، وسودة، وجويرية، وعائشة أمهات المؤمنين ﵃، ولبيد الشاعر، وعثمان بن طلحة الحجبي، وعمرو بن العاصي، وعبد الله بن سلام الحبر، ومحمد بن مسلمة، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت، وأبو بكرة، وكعب بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وجرير البجلي،

стр. 315

وأبو أيوب الأنصاري، وعمران بن حصين، وسعيد بن زيد، وأبو قتادة الأنصاري، وفضالة بن عبيد، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وجبير بن مطعم، وأسامة بن زيد، وثوبان، وعمرو بن حزم، وحسان بن ثابت، وحكيم بن حزام، وسعد بن أبي وقاص، وأبو اليسر، وقثم بن العباس، وأخوه عبيد الله، وعقبة بن عامر، وأبو هريرة (١) في سنة تسع وخمسين - وكان يدعو: (اللهم؛ إني أعوذ بك من رأس الستين، وإمارة الصبيان) (٢) فاستجيب له - وخلائق آخرون ﵃.

стр. 316

خلافة يزيد بن معاوية [٦٠ - ٦٣ هـ] (١) أبو خالد الأموي، ولد سنة خمس أو ست وعشرين، وكان ضخما كثير اللحم، كثير الشعر، وأمه: ميسون بنت بحدل الكلبية. روى عن أبيه، وعنه: ابنه خالد، وعبد الملك بن مروان. جعله أبوه ولي عهده، وأكره الناس على ذلك، كما تقدم (٢). قال الحسن البصري: (أفسد أمر الناس اثنان: عمرو بن العاصي يوم أشار على معاوية برفع المصاحف، فحملت وقال: أين القراء؟ فحكم الخوارج، فلا يزال هذا التحكيم إلى يوم القيامة. والمغيرة بن شعبة؛ فإنه كان عامل معاوية على الكوفة، فكتب إليه معاوية: إذا قرأت كتابي هذا .. فأقبل معزولا، فأبطأ عنه، فلما ورد عليه .. قال: ما أبطأ بك؟ قال: أمر كنت أوطئه وأهيئه، قال: وما هو؟ قال: البيعة ليزيد من بعدك، قال: أوفعلت؟ قال: نعم، قال: ارجع إلى عملك، فلما خرج .. قال له أصحابه: ما وراءك؟ قال: وضعت رجل معاوية في غرز غي لا يزال فيه إلى يوم القيامة، قال الحسن: فمن أجل ذلك بايع هؤلاء لأبنائهم، ولولا ذلك .. لكانت شورى إلى يوم القيامة) (٣). وقال ابن سيرين: (وفد عمرو بن حزم إلى معاوية فقال له: أذكرك الله في أمة محمد ﵌ بمن تستخلف عليها، فقال: نصحت وقلت

стр. 317

برأيك؛ وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، وابني أحق) (١). وقال عطية بن قيس: خطب معاوية فقال: (اللهم؛ إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله .. فبلغه ما أملت وأعنه، وإن كنت إنما حملني حب الوالد لولده، وإنه ليس لما صنعت به أهلا .. فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك)، فلما مات معاوية .. بايعه أهل الشام، ثم بعث إلى أهل المدينة من يأخذ له البيعة، فأبى الحسين وابن الزبير أن يبايعا، وخرجا من ليلتهما إلى مكة. [خروج سيدنا الحسين ﵁ إلى العراق] فأما ابن الزبير .. فلم يبايع ولا دعا إلى نفسه، وأما الحسين .. فكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم زمن معاوية وهو يأبى، فلما بويع يزيد .. أقام على ما هو مهموما يجمع الإقامة مرة، ويريد المسير إليهم أخرى، فأشار عليه ابن الزبير بالخروج، وكان ابن عباس يقول له: (لا تفعل) (٢). وقال له ابن عمر: (لا تخرج؛ فإن رسول الله ﷺ عليه وسلم خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه ولا تنالها - يعني الدنيا - فاعتنقه وبكى وودعه، فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بالخروج، ولعمري؛ لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة) (٣). وكلمه في ذلك أيضا جابر بن عبد الله، وأبو سعيد، وأبو واقد الليثي وغيرهم، فلم يطع أحدا منهم، وصمم على المسير إلى العراق، فقال له ابن عباس: (والله؛ إني لأظنك ستقتل بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان) فلم يقبل منه، فبكى ابن عباس وقال: (أقررت عين ابن الزبير). ولما رأى ابن عباس عبد الله بن الزبير .. قال له: (قد أتى ما أحببت؛ هذا

стр. 318

الحسين يخرج ويتركك والحجاز) ثم تمثل: [من الرجز] يا لك من قنبرة بمعمر … خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري (١) [خذلان أهل العراق واستشهاد سيدنا الحسين ﵁] وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج من مكة متوجها إلى العراق في عشر ذي الحجة ومعه طائفة من آل بيته رجالا ونساء وصبيانا، فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد الله بن زياد بقتاله، فوجه إليه جيشا أربعة آلاف عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، فخذله أهل الكوفة كما هو شأنهم مع أبيه من قبله، فلما أرهقه السلاح .. عرض عليهم الاستسلام والرجوع، أو المضي إلى يزيد فيضع يده في يده، فأبوا إلا قتله، فقتل وجيء برأسه في طست حتى وضع بين يدي ابن زياد، لعن الله قاتله وابن زياد معه ويزيد أيضا. وكان قتله بكربلاء، وفي قتله قصة فيها طول لا يحتمل القلب ذكرها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقتل معه ستة عشر رجلا من آل بيته (٢). ولما قتل الحسين .. مكثت الدنيا سبعة أيام والشمس على الحيطان كالملاحف المعصفرة، والكواكب يضرب بعضها بعضا (٣). وكان قتله يوم عاشوراء، قتل بكربلاء، وتعرف أيضا بالطف، قتله سنان بن أنس النخعي وهو جد شريك القاضي، ويقال: بل قتله رجل من مذحج، وقيل: بل قتله شمر بن ذي الجوشن وكان أبرص، وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير، جز رأسه وأتى به عبيد الله بن زياد وقال: [من الرجز] أوقر ركابي فضة أو ذهبا … إني قتلت الملك المحجبا

стр. 319

قتلت خير الناس أما وأبا … وخيرهم إذ ينسبون نسبا وقال يحيى بن معين: (أهل الكوفة يقولون: إن الذي قتل الحسين عمر بن سعد بن أبي وقاص، قال يحيى: كان إبراهيم بن سعد يروي فيه حديثا أنه لم يقتله عمر بن سعد) (١). قال أبو عمر بن عبد البر: (إنما ينسب قتل الحسين إلى عمر بن سعد؛ لأنه كان الأمير على الخيل التي أخرجها عبيد الله بن زياد إلى قتال الحسين، وأمر عليهم عمر بن سعد، ووعده أن يوليه إن ظفر بالحسين وقتله، وكان في تلك الخيل - والله أعلم - قوم من بني مضر من اليمن، والله أعلم)] (٢). وكسفت الشمس ذلك اليوم، واحمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله، ثم لا زالت الحمرة ترى فيها بعد ذلك ولم تكن ترى فيها قبله. وقيل: إنه لم يقلب حجر ببيت المقدس يومئذ .. إلا وجد تحته دم عبيط، وصار الورس الذي في عسكرهم رمادا، ونحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها النيران، وطبخوها فصارت مثل العلقم، وتكلم رجل في الحسين بكلمة، فرماه الله بكوكبين من السماء، فطمس بصره (٣). [قصر الإمارة والرؤوس] قال الثعالبي: (روت الرواة من غير وجه عن عبد الملك بن عمير الليثي قال: رأيت في هذا القصر - وأشار إلى قصر الإمارة بالكوفة - رأس الحسين بن علي بين يدي عبيد الله بن زياد على ترس، ثم رأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير، ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك، فحدثت بهذا الحديث عبد الملك فتطير منه، وفارق مكانه) (٤).

стр. 320

[موت سيدنا الحسين ونوح الجن عليه ﵁] وأخرج الترمذي عن سلمى قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله ﷺ عليه وسلم في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: «شهدت قتل الحسين آنفا» (١). وأخرج البيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ عليه وسلم بنصف النهار أشعث أغبر، وبيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، ما هذا؟ قال: «هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل ألتقطه منذ اليوم» فأحصي ذلك اليوم فوجدوه قتل يومئذ (٢). وأخرج أبو نعيم في «الدلائل» عن أم سلمة قالت: (سمعت الجن تبكي على حسين وتنوح عليه) (٣). وأخرج ثعلب في «أماليه» عن أبي جناب الكلبي قال: أتيت كربلاء فقلت لرجل من أشراف العرب بها: بلغني أنكم تسمعون نوح الجن؟ قال: ما تلقى أحدا إلا أخبرك أنه سمع ذلك، قلت: فأخبرني ما سمعت أنت؟ قال: سمعتهم يقولون: [من مجزوء الكامل] مسح الرسول جبينه … فله بريق في الخدود أبواه من عليا قريـ … ـش وجده خير الجدود (٤) ولما قتل الحسين وبنو أبيه .. بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد، فسر بقتلهم أولا، ثم ندم لما مقته المسلمون على ذلك، وأبغضه الناس، وحق لهم أن يبغضوه (٥). أخرج أبو يعلى في «مسنده» بسند ضعيف عن أبي عبيدة قال: قال
следующие страницы →