← История

История · id 11995

تاريخ الخلفاء - ط المنهاج

الجلال السيوطي

Полный текст (783 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

خلافة يزيد بن معاوية [٦٠ - ٦٣ هـ] (١) أبو خالد الأموي، ولد سنة خمس أو ست وعشرين، وكان ضخما كثير اللحم، كثير الشعر، وأمه: ميسون بنت بحدل الكلبية. روى عن أبيه، وعنه: ابنه خالد، وعبد الملك بن مروان. جعله أبوه ولي عهده، وأكره الناس على ذلك، كما تقدم (٢). قال الحسن البصري: (أفسد أمر الناس اثنان: عمرو بن العاصي يوم أشار على معاوية برفع المصاحف، فحملت وقال: أين القراء؟ فحكم الخوارج، فلا يزال هذا التحكيم إلى يوم القيامة. والمغيرة بن شعبة؛ فإنه كان عامل معاوية على الكوفة، فكتب إليه معاوية: إذا قرأت كتابي هذا .. فأقبل معزولا، فأبطأ عنه، فلما ورد عليه .. قال: ما أبطأ بك؟ قال: أمر كنت أوطئه وأهيئه، قال: وما هو؟ قال: البيعة ليزيد من بعدك، قال: أوفعلت؟ قال: نعم، قال: ارجع إلى عملك، فلما خرج .. قال له أصحابه: ما وراءك؟ قال: وضعت رجل معاوية في غرز غي لا يزال فيه إلى يوم القيامة، قال الحسن: فمن أجل ذلك بايع هؤلاء لأبنائهم، ولولا ذلك .. لكانت شورى إلى يوم القيامة) (٣). وقال ابن سيرين: (وفد عمرو بن حزم إلى معاوية فقال له: أذكرك الله في أمة محمد ﵌ بمن تستخلف عليها، فقال: نصحت وقلت

стр. 317

برأيك؛ وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، وابني أحق) (١). وقال عطية بن قيس: خطب معاوية فقال: (اللهم؛ إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله .. فبلغه ما أملت وأعنه، وإن كنت إنما حملني حب الوالد لولده، وإنه ليس لما صنعت به أهلا .. فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك)، فلما مات معاوية .. بايعه أهل الشام، ثم بعث إلى أهل المدينة من يأخذ له البيعة، فأبى الحسين وابن الزبير أن يبايعا، وخرجا من ليلتهما إلى مكة. [خروج سيدنا الحسين ﵁ إلى العراق] فأما ابن الزبير .. فلم يبايع ولا دعا إلى نفسه، وأما الحسين .. فكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم زمن معاوية وهو يأبى، فلما بويع يزيد .. أقام على ما هو مهموما يجمع الإقامة مرة، ويريد المسير إليهم أخرى، فأشار عليه ابن الزبير بالخروج، وكان ابن عباس يقول له: (لا تفعل) (٢). وقال له ابن عمر: (لا تخرج؛ فإن رسول الله ﷺ عليه وسلم خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه ولا تنالها - يعني الدنيا - فاعتنقه وبكى وودعه، فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بالخروج، ولعمري؛ لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة) (٣). وكلمه في ذلك أيضا جابر بن عبد الله، وأبو سعيد، وأبو واقد الليثي وغيرهم، فلم يطع أحدا منهم، وصمم على المسير إلى العراق، فقال له ابن عباس: (والله؛ إني لأظنك ستقتل بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان) فلم يقبل منه، فبكى ابن عباس وقال: (أقررت عين ابن الزبير). ولما رأى ابن عباس عبد الله بن الزبير .. قال له: (قد أتى ما أحببت؛ هذا

стр. 318

الحسين يخرج ويتركك والحجاز) ثم تمثل: [من الرجز] يا لك من قنبرة بمعمر … خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري (١) [خذلان أهل العراق واستشهاد سيدنا الحسين ﵁] وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج من مكة متوجها إلى العراق في عشر ذي الحجة ومعه طائفة من آل بيته رجالا ونساء وصبيانا، فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد الله بن زياد بقتاله، فوجه إليه جيشا أربعة آلاف عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، فخذله أهل الكوفة كما هو شأنهم مع أبيه من قبله، فلما أرهقه السلاح .. عرض عليهم الاستسلام والرجوع، أو المضي إلى يزيد فيضع يده في يده، فأبوا إلا قتله، فقتل وجيء برأسه في طست حتى وضع بين يدي ابن زياد، لعن الله قاتله وابن زياد معه ويزيد أيضا. وكان قتله بكربلاء، وفي قتله قصة فيها طول لا يحتمل القلب ذكرها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقتل معه ستة عشر رجلا من آل بيته (٢). ولما قتل الحسين .. مكثت الدنيا سبعة أيام والشمس على الحيطان كالملاحف المعصفرة، والكواكب يضرب بعضها بعضا (٣). وكان قتله يوم عاشوراء، قتل بكربلاء، وتعرف أيضا بالطف، قتله سنان بن أنس النخعي وهو جد شريك القاضي، ويقال: بل قتله رجل من مذحج، وقيل: بل قتله شمر بن ذي الجوشن وكان أبرص، وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير، جز رأسه وأتى به عبيد الله بن زياد وقال: [من الرجز] أوقر ركابي فضة أو ذهبا … إني قتلت الملك المحجبا

стр. 319

قتلت خير الناس أما وأبا … وخيرهم إذ ينسبون نسبا وقال يحيى بن معين: (أهل الكوفة يقولون: إن الذي قتل الحسين عمر بن سعد بن أبي وقاص، قال يحيى: كان إبراهيم بن سعد يروي فيه حديثا أنه لم يقتله عمر بن سعد) (١). قال أبو عمر بن عبد البر: (إنما ينسب قتل الحسين إلى عمر بن سعد؛ لأنه كان الأمير على الخيل التي أخرجها عبيد الله بن زياد إلى قتال الحسين، وأمر عليهم عمر بن سعد، ووعده أن يوليه إن ظفر بالحسين وقتله، وكان في تلك الخيل - والله أعلم - قوم من بني مضر من اليمن، والله أعلم)] (٢). وكسفت الشمس ذلك اليوم، واحمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله، ثم لا زالت الحمرة ترى فيها بعد ذلك ولم تكن ترى فيها قبله. وقيل: إنه لم يقلب حجر ببيت المقدس يومئذ .. إلا وجد تحته دم عبيط، وصار الورس الذي في عسكرهم رمادا، ونحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها النيران، وطبخوها فصارت مثل العلقم، وتكلم رجل في الحسين بكلمة، فرماه الله بكوكبين من السماء، فطمس بصره (٣). [قصر الإمارة والرؤوس] قال الثعالبي: (روت الرواة من غير وجه عن عبد الملك بن عمير الليثي قال: رأيت في هذا القصر - وأشار إلى قصر الإمارة بالكوفة - رأس الحسين بن علي بين يدي عبيد الله بن زياد على ترس، ثم رأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير، ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك، فحدثت بهذا الحديث عبد الملك فتطير منه، وفارق مكانه) (٤).

стр. 320

[موت سيدنا الحسين ونوح الجن عليه ﵁] وأخرج الترمذي عن سلمى قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله ﷺ عليه وسلم في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: «شهدت قتل الحسين آنفا» (١). وأخرج البيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ عليه وسلم بنصف النهار أشعث أغبر، وبيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، ما هذا؟ قال: «هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل ألتقطه منذ اليوم» فأحصي ذلك اليوم فوجدوه قتل يومئذ (٢). وأخرج أبو نعيم في «الدلائل» عن أم سلمة قالت: (سمعت الجن تبكي على حسين وتنوح عليه) (٣). وأخرج ثعلب في «أماليه» عن أبي جناب الكلبي قال: أتيت كربلاء فقلت لرجل من أشراف العرب بها: بلغني أنكم تسمعون نوح الجن؟ قال: ما تلقى أحدا إلا أخبرك أنه سمع ذلك، قلت: فأخبرني ما سمعت أنت؟ قال: سمعتهم يقولون: [من مجزوء الكامل] مسح الرسول جبينه … فله بريق في الخدود أبواه من عليا قريـ … ـش وجده خير الجدود (٤) ولما قتل الحسين وبنو أبيه .. بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد، فسر بقتلهم أولا، ثم ندم لما مقته المسلمون على ذلك، وأبغضه الناس، وحق لهم أن يبغضوه (٥). أخرج أبو يعلى في «مسنده» بسند ضعيف عن أبي عبيدة قال: قال

стр. 321

رسول الله ﷺ : «لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له: يزيد» (١) وأخرج الروياني في (مسنده) عن أبي الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية يقال له: يزيد» (٢) وقال نوفل بن أبي الفرات: (كنت عند عمر بن عبد العزيز، فذكر رجل يزيد، فقال: قال أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فقال: تقول: أمير المؤمنين؟! وأمر به فضرب عشرين سوطا) (٣) [خروج أهل المدينة على يزيد ووقعة الحرة] وفي سنة ثلاث وستين: بلغه أن أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه، فأرسل إليهم جيشا كثيفا وأمرهم بقتالهم، ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير، فجاؤوا، وكانت وقعة الحرة على باب طيبة، وما أدراك ما وقعة الحرة؟! ذكرها الحسن مرة فقال: (والله؛ ما كاد ينجو منهم أحد، قتل فيها خلق من الصحابة ﵃ ومن غيرهم، ونهبت المدينة، وافتض فيها ألف عذراء، فإنا لله وإنا إليه راجعون) (٤) قال ﷺ : «من أخاف أهل المدينة .. أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» رواه مسلم (٥)

стр. 322

وكان سبب خلع أهل المدينة له: أن يزيد أسرف في المعاصي. أخرج الواقدي من طرق: أن عبد الله بن حنظلة ابن الغسيل قال: (والله؛ ما خرجنا على يزيد .. حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء: أن رجلا ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخمر ويدع الصلاة؟!) (١). قال الذهبي: (ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل مع شربه الخمر وإتيانه المنكرات .. اشتد عليه الناس، وخرج عليه غير واحد، ولم يبارك الله في عمره) (٢). [محاصرة سيدنا ابن الزبير وموت يزيد] وسار جيش الحرة إلى مكة لقتال ابن الزبير، فمات أمير الجيش بالطريق، فاستخلف عليهم أميرا، وأتوا مكة فحاصروا ابن الزبير، وقاتلوه ورموه بالمنجنيق؛ وذلك في صفر سنة أربع وستين. واحترقت من شرارة من نيرانهم أستار الكعبة وسقفها وقرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل وكانا في السقف، وأهلك الله يزيد في نصف ربيع الأول من هذا العام، فجاء الخبر بوفاته والقتال مستمر، فنادى ابن الزبير: (يا أهل الشام؛ إن طاغيتكم قد هلك)، فانفلوا وذلوا وتخطفهم الناس. ودعا ابن الزبير إلى بيعة نفسه وتسمى بالخلافة، وأما أهل الشام فبايعوا معاوية بن يزيد، ولم تطل مدته كما سيأتي (٣). ومن شعر يزيد: [من المديد] آب هذا الهم فاكتنعا … وأمر النوم فامتنعا (٤) راعيا للنجم أرقبه … فإذا ما كوكب طلعا

стр. 323

حام حتى إنني لأرى … أنه بالغور قد وقعا ولها بالماطرون إذا … أكل النمل الذي جمعا نزهة حتى إذا بلغت … نزلت من جلق بيعا في قباب وسط دسكرة … حولها الزيتون قد ينعا (١) أخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عمرو قال: (أبو بكر الصديق أصبتم اسمه، عمر الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه، ابن عفان ذو النورين قتل مظلوما يؤتى كفلين من الرحمة، معاوية وابنه ملكا الأرض المقدسة، والسفاح وسلام، ومنصور وجابر، والمهدي والأمين، وأمير الغضب .. كلهم من بني كعب بن لؤي، كلهم صالح لا يوجد مثله) (٢)، قال الذهبي: (له طرق عن ابن عمرو، ولم يرفعه أحد) (٣) وأخرج الواقدي عن أبي جعفر الباقر قال: (أول من كسا الكعبة الديباج: يزيد بن معاوية) (٤) [من مات في عهده] مات في أيام يزيد من الأعلام سوى الذين قتلوا مع الحسين وفي وقعة الحرة: أم سلمة أم المؤمنين، وخالد بن عرفطة، وجرهد الأسلمي، وجابر بن عتيك، وبريدة بن الحصيب، ومسلمة بن مخلد، وعلقمة بن قيس النخعي الفقيه، ومسروق، والمسور بن مخرمة، وغيرهم ﵃. وعدة المقتولين بالحرة من قريش والأنصار: ثلاث مئة وستة رجال.

стр. 324

خلافة معاوية بن يزيد بن معاوية [٦٤ هـ] (١) أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو يزيد، ويقال: أبو ليلى، استخلف بعهد من أبيه في ربيع الأول سنة أربع وستين، وكان شابا صالحا. ولما استخلف .. كان مريضا، فاستمر مريضا إلى أن مات، ولم يخرج إلى الناس، ولا فعل شيئا من الأمور، ولا صلى بالناس. وكانت مدة خلافته أربعين يوما، وقيل: شهرين، وقيل: ثلاثة أشهر. ومات وله إحدى وعشرون سنة، وقيل: عشرون. ولما احتضر .. قيل له: ألا تستخلف؟ قال: ما أصبت من حلاوتها، فلم أتحمل مرارتها؟!

стр. 325

خلافة ابن الزبير ﵁ [٦٤ - ٧٣ هـ] (١) عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدي، كنيته أبو بكر، وقيل: أبو خبيب - بضم الخاء المعجمة - وقيل: أبو بكير، صحابي بن صحابي. أبوه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأمه: أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂، وأم أبيه: صفية عمة رسول الله ﷺ . ولد بالمدينة بعد عشرين شهرا من الهجرة، وقيل: في السنة الأولى، وهو أول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة، وفرح المسلمون بولادته فرحا شديدا؛ لأن اليهود كانوا يقولون: سحرناهم فلا يولد لهم ولد، فحنكه رسول الله ﷺ بتمرة لاكها، وسماه عبد الله، وكناه أبا بكر باسم جده الصديق وكنيته. وكان صواما قواما طويل الصلاة، وصولا للرحم، عظيم الشجاعة، قسم الدهر ثلاث ليال: ليلة يصلي قائما حتى الصباح، وليلة راكعا، وليلة ساجدا حتى الصباح. روي له عن النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون حديثا. روى عنه: أخوه عروة، وابن أبي مليكة (٢)، وعباس بن سهل، وثابت.

стр. 326

البناني (١)، وعطاء (٢)، وعبيدة السلماني (٣)، وخلائق آخرون. [البيعة لسيدنا عبد الله بن الزبير ﵄] وكان ممن أبى البيعة ليزيد بن معاوية، وفر إلى مكة ولم يدع إلى نفسه، لكن لم يبايع، فوجد عليه يزيد وجدا شديدا، فلما مات يزيد .. بويع له بالخلافة، وأطاعه أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان، وجدد عمارة الكعبة، فجعل لها بابين على قواعد إبراهيم، وأدخل فيها ستة أذرع من الحجر؛ لما حدثته خالته عائشة ﵂ عن النبي ﷺ عليه وسلم (٤). ولم يبق خارجا عنه إلا الشام ومصر؛ فإنه بويع بهما معاوية بن يزيد فلم تطل مدته، فلما مات .. أطاع أهلهما ابن الزبير وبايعوه، ثم خرج مروان بن الحكم، فغلب على الشام ثم مصر، واستمر إلى أن مات سنة خمس وستين، وقد عهد إلى ابنه عبد الملك. والأصح كما قال الذهبي: أن مروان لا يعد في أمراء المؤمنين، بل هو باغ خارج على ابن الزبير، ولا عهده إلى ابنه بصحيح، وإنما صحت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير. وأما ابن الزبير .. فإنه استمر بمكة خليفة إلى أن تغلب عبد الملك، فجهز لقتاله الحجاج في أربعين ألفا، فحصره بمكة أشهرا ورمى عليه بالمنجنيق، وخذل ابن الزبير أصحابه، وتسللوا إلى الحجاج، فظفر به ثم قتله وصلبه؛ وذلك يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى - وقيل: الآخرة - سنة ثلاث وسبعين.

стр. 327

أخرج ابن عساكر عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: (إني لفوق أبي قبيس حين وضع المنجنيق على ابن الزبير، فنزلت صاعقة كأني أنظر إليها تدور كأنها خمار أحمر قد حرقت أصحاب المنجنيق نحوا من خمسين رجلا) (١). وكان ابن الزبير فارس قريش في زمانه، له المواقف المشهودة (٢). [ذكر شيء من فضائل سيدنا ابن الزبير ﵄] أخرج أبو يعلى في «مسنده» عن ابن الزبير: أن النبي ﷺ احتجم، فلما فرغ .. قال له: «يا عبد الله؛ اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد» فلما ذهب .. شربه، فلما رجع قال: «ما صنعت بالدم»؟ قال: عمدت إلى أخفى موضع علمت فجعلته فيه، قال: «لعلك شربته» قال: نعم، قال: «ويل للناس منك، وويل لك من الناس» فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم (٣) وأخرج عن نوف البكالي قال: (إني لأجد في كتاب الله المنزل: أن ابن الزبير فارس الخلفاء) (٤). وقال عمرو بن دينار: (ما رأيت مصليا أحسن صلاة من ابن الزبير) (٥). وكان يصلي في الحجر والمنجنيق يصيب طرف ثوبه فما يلتفت إليه (٦) وقال مجاهد: (ما كان باب من العبادة يعجز الناس عنه إلا تكلفه ابن الزبير،

стр. 328

ولقد جاء سيل طبق البيت، فجعل يطوف سباحة) (١) وقال عثمان بن طلحة: (كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاثة: لا شجاعة، ولا عبادة، ولا بلاغة) (٢) وكان صيتا، إذا خطب .. تجاوب الجبلان (٣) وأخرج ابن عساكر عن عروة: أن النابغة الجعدي أنشد عبد الله بن الزبير: [من الطويل] حكيت لنا الصديق لما وليتنا … وعثمان والفاروق فارتاح معدم وسويت بين الناس في الحق فاستوى … فعاد صباحا حالك اللون أسحم (٤) وأخرج عن هشام بن عروة وخبيب قالا: (أول من كسا الكعبة الديباج: عبد الله بن الزبير، وكان كسوتها المسوح والأنطاع) (٥) وأخرج عن عمر بن قيس قال: (كان لابن الزبير مئة غلام، يتكلم كل غلام منهم بلغة أخرى، وكان ابن الزبير يكلم كل واحد منهم بلغته، وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه .. قلت: هذا رجل لم يرد الله طرفة عين، وإذا نظرت إليه في أمر آخرته .. قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين) (٦) وأخرج عن هشام بن عروة قال: (كان أول ما أفصح به عمي عبد الله بن الزبير وهو صغير: السيف، فكان لا يضعه من فيه، فكان أبوه إذا سمع ذلك منه يقول: أما والله؛ ليكونن لك منه يوم ويوم وأيام) (٧)

стр. 329

[قصة إن وراكبها] وأخرج عن أبي عبيدة قال: جاء عبد الله بن الزبير الأسدي إلى عبد الله بن الزبير بن العوام فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن بيني وبينك رحما من قبل فلانة. فقال ابن الزبير: نعم؛ هذا كما ذكرت، وإن فكرت في هذا .. أصبت الناس بأسرهم يرجعون إلى أب واحد وإلى أم واحدة. فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن نفقتي نفدت. قال: ما كنت ضمنت لأهلك أنها تكفيك إلى أن ترجع إليهم. قال: يا أمير المؤمنين؛ فإن ناقتي قد نقبت. قال: أنجد بها برد خفها، وارقعها بسبت، واخصفها بهلب، وسر عليها البردين. قال: يا أمير المؤمنين؛ إنما جئتك مستحملا ولم آتك مستوصفا، لعن الله ناقة حملتني إليك. فقال ابن الزبير: إن وراكبها (١)، فخرج الأسدي وأنشأ يقول: [من الوافر] أرى الحاجات عند أبي حبيب … نكدن ولا أمية في البلاد من الأعياص أو من آل حرب … أغر كغرة الفرس الجواد وقلت لصحبتي أدنوا ركابي … أفارق بطن مكة في سواد وما لي حين أقطع ذات عرق … إلى ابن الكاهلية من معاد (٢) وأخرج عبد الرزاق في «مصنفه» عن الزهري قال: (لم يحمل إلى رسول الله ﷺ عليه وسلم رأس إلى المدينة قط ولا يوم بدر، وحمل إلى أبي بكر رأس فكره ذلك، وأول من حملت إليه الرؤوس: عبد الله بن الزبير) (٣).

стр. 330

وفي أيام ابن الزبير كان خروج المختار الكذاب (١) الذي ادعى النبوة، فجهز ابن الزبير لقتاله إلى أن ظفر به في سنة سبع وستين وقتله، لعنه الله. [من مات في عهده ﵁] مات في أيام ابن الزبير من الأعلام: أسيد بن ظهير، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، والنعمان بن بشير، وسليمان بن صرد، وجابر بن سمرة، وزيد بن أرقم، وعدي بن حاتم، وابن عباس، وأبو واقد الليثي، وزيد بن خالد الجهني، وأبو الأسود الدؤلي، وآخرون.

стр. 331

خلافة عبد الملك بن مروان [٧٣ - ٨٦ هـ] (١) ابن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، أبو الوليد، ولد سنة ست وعشرين، بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير، فلم تصح خلافته، وبقي متغلبا على مصر والشام، ثم غلب على العراق وما والاها إلى أن قتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين، فصحت خلافته من يومئذ، واستوثق له الأمر. ففي هذا العام: هدم الحجاج الكعبة وأعادها على ما هي عليه الآن (٢)، ودس على ابن عمر من طعنه بحربة مسمومة فمرض منها ومات. وفي سنة أربع وسبعين: سار الحجاج إلى المدينة وأخذ يتعنت أهلها، ويستخف ببقايا من فيها من صحابة رسول الله ﷺ ، وختمهم في أعناقهم وأيديهم يذلهم بذلك؛ كأنس وجابر بن عبد الله وسهل بن سعد الساعدي، فإنا لله وإنا إليه راجعون (٣). وفي سنة خمس وسبعين: حج بالناس عبد الملك الخليفة، وسير الحجاج أميرا على العراق.

стр. 332

وفي سنة سبع وسبعين: فتحت هرقلة، وهدم عبد العزيز بن مروان جامع مصر وزيد فيه من جهاته الأربع وفي سنة اثنتين وثمانين: فتح حصن سنان من ناحية المصيصة، وكانت غزوة أرمينية، وصنهاجة بالمغرب وفي سنة ثلاث وثمانين: بنيت مدينة واسط، بناها الحجاج. وفي سنة أربع وثمانين: فتحت المصيصة وأوربة من المغرب وفي سنة خمس وثمانين: بنيت مدينة [دبيل] (١)، ومدينة بردعة، بناهما عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي. وفي سنة ست وثمانين: فتح حصن بولق، وحصن الأخرم وفيها: كان طاعون الفتيات، وسمي بذلك: لأنه بدأ في النساء وفيها: مات الخليفة عبد الملك في شوال، وخلف سبعة عشر ولدا [من فضائل وصفات عبد الملك بن مروان] قال أحمد بن عبد الله العجلي: (كان عبد الملك أبخر الفم، وإنه ولد لستة أشهر) (٢)

стр. 333

وقال ابن سعد: (كان عابدا ناسكا بالمدينة قبل الخلافة) (١). وقال يحيى الغساني: (كان عبد الملك بن مروان كثيرا ما يجلس إلى أم الدرداء، فقالت له مرة: بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت الطلاء بعد النسك والعبادة، قال: إي والله؛ والدماء قد شربتها) (٢) وقال نافع: (لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان) (٣) وقال أبو الزناد: (فقهاء المدينة: سعيد بن المسيب، وعبد الملك بن مروان، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب) (٤) وقال ابن عمر: (ولد الناس أبناء، وولد مروان أبا) (٥) وقال عبادة بن نسي: قيل لابن عمر: إنكم معشر أشياخ قريش يوشك أن تنقرضوا، فمن نسأل بعدكم؟ فقال: (إن لمروان ابنا فقيها فاسألوه) (٦). وقال سحيم مولى أبي هريرة: (دخل عبد الملك وهو شاب على أبي هريرة ﵁، فقال أبو هريرة: هذا يملك العرب) (٧). وقال عبدة بن رياح الغساني: قالت أم الدرداء لعبد الملك: (ما زلت أتخيل هذا الأمر فيك منذ رأيتك، قال: وكيف ذاك؟ قالت: ما رأيت أحسن منك محدثا، ولا أعلم منك مستمعا) (٨) وقال الشعبي: (ما جالست أحدا .. إلا وجدت لي عليه الفضل

стр. 334

إلا عبد الملك بن مروان؛ فإني ما ذاكرته حديثا .. إلا زادني فيه، ولا شعرا .. إلا زادني فيه) (١). وقال الذهبي: (سمع عبد الملك من: عثمان، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأم سلمة، وبريرة، وابن عمر، ومعاوية. روى عنه: عروة، وخالد بن معدان، ورجاء بن حيوة، والزهري، ويونس بن ميسرة، وربيعة بن يزيد، وإسماعيل بن عبيد الله، وحريز بن عثمان، وطائفة) (٢). وقال بكر بن عبد الله المزني: (أسلم يهودي اسمه يوسف، وكان قرأ الكتب، فمر بدار مروان فقال: ويل لأمة محمد من أهل هذه الدار!! فقلت له: إلى متى؟ قال: حتى تجيء رايات سود من قبل خراسان. وكان صديقا لعبد الملك بن مروان، فضرب يوما على منكبه وقال: اتق الله في أمة محمد إذا ملكتهم، فقال: دعني ويحك!! ما شأني وشأن ذلك؟ فقال: اتق الله في أمرهم. قال: وجهز يزيد جيشا إلى أهل مكة، فقال عبد الملك: أعوذ بالله، أيبعث إلى حرم الله؟! فضرب يوسف منكبه وقال: جيشك إليهم أعظم) (٣). وقال يحيى الغساني: (لما نزل مسلم بن عقبة المدينة .. دخلت مسجد النبي ﷺ ، فجلست إلى جنب عبد الملك، فقال لي عبد الملك: أمن هذا الجيش أنت؟ قلت: نعم. قال: ثكلتك أمك!! أتدري إلى من تسير؟ إلى أول مولود ولد في الإسلام، وإلى ابن حواري رسول الله ﷺ ، وإلى ابن ذات النطاقين، وإلى من حنكه رسول الله ﷺ ، أما والله؛ إن جئته نهارا .. وجدته

стр. 335

صائما، ولئن جئته ليلا .. لتجدنه قائما، فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله .. لأكبهم الله جميعا في النار. فلما صارت الخلافة إلى عبد الملك .. وجهنا مع الحجاج حتى قتلناه) (١) وقال ابن أبي عائشة: (أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره، فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك) (٢). [ذكر أوليات عبد الملك بن مروان] وقال مالك: (سمعت يحيى بن سعيد يقول: أول من صلى في المسجد ما بين الظهر والعصر: عبد الملك بن مروان وفتيان معه، كانوا إذا صلى الإمام الظهر .. قاموا فصلوا إلى العصر، فقيل لسعيد بن المسيب: لو قمنا فصلينا كما يصلي هؤلاء؟ فقال سعيد: ليست العبادة بكثرة الصلاة والصوم؛ وإنما العبادة التفكر في أمر الله، والورع عن محارم الله) (٣). وقال مصعب بن عبد الله: (أول من سمي في الإسلام عبد الملك: عبد الملك بن مروان) (٤). وقال يحيى بن بكير: (سمعت مالكا يقول: أول من ضرب الدنانير: عبد الملك، وكتب عليها القرآن) (٥). وقال مصعب: (كتب عبد الملك على الدنانير: ﴿قل هو الله أحد﴾، وفي الوجه الآخر: لا إله إلا الله، وطوقه بطوق فضة، وكتب فيه: ضرب بمدينة كذا، وكتب خارج الطوق: محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق) (٦).

стр. 336

وفي «الأوائل» للعسكري بسنده: (كان عبد الملك أول من كتب في صدور الطوامير: ﴿قل هو الله أحد﴾ وذكر النبي ﷺ مع التاريخ، فكتب ملك الروم: إنكم قد أحدثتم في طواميركم شيئا من ذكر نبيكم فاتركوه، وإلا .. أتاكم من دنانيرنا ذكر ما تكرهون؟ فعظم ذلك على عبد الملك، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية فشاوره، فقال: حرم دنانيرهم واضرب للناس سككا فيها ذكر الله وذكر رسوله، ولا تعفهم مما يكرهون في الطوامير، فضرب الدنانير سنة خمس وسبعين. قال العسكري: (أول خليفة بخل: عبد الملك، وكان يسمى رشح الحجارة؛ لبخله، ويكنى أبا الذبان؛ لبخره) (١). قال: (وهو أول من غدر في الإسلام (٢)، وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء (٣)، وأول من نهى عن الأمر بالمعروف) (٤). ثم أخرج بسنده عن ابن الكلبي قال: (كان مروان بن الحكم ولي العهد عمرو بن سعيد بن العاصي بعد ابنه، فقتله عبد الملك، وكان قتله أول غدر في الإسلام)، فقال بعضهم: [من البسيط] يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد … جربتم الغدر من أبناء مروانا أمسوا وقد قتلوا عمرا وما رشدوا … يدعون غدرا بعهد الله كيسانا يقتلون الرجال البزل ضاحية … لكي يولوا أمور الناس ولدانا تلاعبوا بكتاب الله واتخذوا … هواهم في معاصي الله قربانا (٥) وأخرج بإسناد فيه الكديمي - وهو متهم بالكذب - عن ابن جريج، عن أبيه قال: خطبنا عبد الملك بن مروان بالمدينة بعد قتل ابن الزبير عام حج سنة خمس

стр. 337

وسبعين، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: (أما بعد: فلست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا الخليفة المداهن؛ يعني معاوية، ولا الخليفة المأفون - يعني يزيد - ألا وإن من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال، ألا وإني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم، تكلفونا أعمال المهاجرين الأولين ولا تعملون مثل أعمالهم؟! فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا وبينكم. هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته، وموضعه موضعه، قال برأسه هكذا، فقلنا بأسيافنا هكذا، ألا وإنا نحمل لكم كل شيء، إلا وثوبا على منبر، أو نصب راية، ألا وإن الجامعة التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، والله؛ لا يفعل أحد فعله .. إلا جعلتها في عنقه، والله؛ لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا .. إلا ضربت عنقه) ثم نزل (١) ثم قال العسكري: (وعبد الملك أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية، وأول من رفع يديه على المنبر) (٢) قلت: فتمت له عشرة أوائل؛ منها خمسة مذمومة. وقد أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» بسنده عن محمد بن سيرين قال: (أول من أحدث الأذان في الفطر والأضحى: بنو مروان؛ فإما أن يكون عبد الملك، أو أحدا من أولاده) (٣) وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: (أخبرني غير واحد: أن أول من كسا الكعبة الديباج: عبد الملك بن مروان، وإن من أدرك ذلك من الفقهاء قالوا: أصاب، ما نعلم لها من كسوة أوفق منه) (٤)

стр. 338

وقال يوسف بن الماجشون: (كان عبد الملك إذا قعد للحكم .. قيم على رأسه بالسيوف) (١). وقال الأصمعي: (قيل لعبد الملك: يا أمير المؤمنين؛ عجل عليك الشيب؟ فقال: وكيف لا؛ وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة؟!) (٢) وقال محمد بن حرب الزيادي: (قيل لعبد الملك بن مروان: من أفضل الناس؟ قال: من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوة) (٣) [أعفني من أربع وقل ما شئت] وقال ابن عائشة: (كان عبد الملك إذا دخل عليه رجل من أفق من الآفاق .. قال: أعفني من أربع، وقل بعدها ما شئت: لا تكذبني؛ فإن الكذوب لا رأي له، ولا تجبني فيما لا أسألك عنه؛ فإن فيما أسألك عنه شغلا، ولا تطرني؛ فإني أعلم بنفسي منك، ولا تحملني على الرعية؛ فإني إلى الرفق بهم أحوج) (٤) [احتضار عبد الملك ووصيته] وقال المدائني: (لما أيقن عبد الملك بالموت .. قال: والله؛ لوددت أني كنت منذ ولدت إلى يومي هذا حمالا. ثم أوصى بنيه بتقوى الله، ونهاهم عن الفرقة والاختلاف، وقال: كونوا بني أم بررة، وكونوا في الحرب أحرارا، وللمعروف منارا؛ فإن الحرب لم تدن منية قبل وقتها، وإن المعروف يبقى أجره وذكره، واحلولوا في مرارة، ولينوا في

стр. 339

شدة، وكونوا كما قال ابن عبد الأعلى الشيباني: [من الكامل] إن القداح إذا اجتمعن فرامها … بالكسر ذو حنق وبطش أيد عزت فلم تكسر وإن هي بددت … فالكسر والتوهين للمتبدد يا وليد؛ اتق الله فيما أخلفك فيه … إلى أن قال: وانظر الحجاج فأكرمه؛ فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر، وهو سيفك يا وليد، ويدك على من ناوأك، فلا تسمعن فيه قول أحد، وأنت إليه أحوج منه إليك، وادع الناس إذا مت إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا .. فقل بسيفك هكذا) (١). وقال غيره: (لما احتضر عبد الملك .. دخل عليه ابنه الوليد، فتمثل: [من الكامل] كم عائد رجلا وليس يعوده … إلا ليعلم هل يراه يموت فبكى الوليد، فقال: ما هذا؟! أتحن حنين الأمة؟! إذا مت .. فشمر وأتزر، والبس جلد النمر، وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسه .. فاضرب عنقه، ومن سكت .. مات بدائه) (٢). قلت: لو لم يكن من مساوئ عبد الملك إلا الحجاج وتوليته إياه على المسلمين وعلى الصحابة، يهينهم ويذلهم قتلا وضربا، وشتما وحبسا، وقد قتل من الصحابة وأكابر التابعين ما لا يحصى فضلا عن غيرهم، وختم في عنق أنس وغيره من الصحابة ختما، يريد بذلك ذلهم، فلا ﵀ ولا عفا عنه. ومن شعر عبد الملك: [من الطويل] لعمري لقد عمرت في الدهر برهة … ودانت لي الدنيا بوقع البواتر فأضحى الذي قد كان مما يسرني … كلمح مضى في المزمنات الغوابر فيا ليتني لم أعن في الملك ساعة … ولم أله في اللذات عيش نواضر وكنت كذي طمرين عاش ببلغة … من الدهر حتى زار ضنك المقابر (٣)

стр. 340

[شدة تصبر عبد الملك بن مروان] وفي «تاريخ ابن عساكر»: عن إبراهيم بن عدي قال: (رأيت عبد الملك بن مروان وأتته أمور أربعة في ليلة، فما تنكر ولا تغير وجهه: قتل عبيد الله بن زياد بالعراق، وقتل حبيش بن دلجة بالحجاز، وانتقاض ما كان بينه وبين ملك الروم، وخروج عمرو بن سعيد إلى دمشق) (١). وفيه عن الأصمعي قال: (أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل: الشعبي، وعبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، وابن القرية) (٢). [قسمة تركة والنصيب دينار واحد] وأسند السلفي في «الطيوريات»: (أن عبد الملك بن مروان خرج يوما فلقيته امرأة، فقالت: يا أمير المؤمنين؛ قال: ما شأنك؟ قالت: توفي أخي وترك ست مئة دينار، فدفع إلي من ميراثه دينار واحد، فقيل: هذا حقك، فعمي الأمر فيها على عبد الملك، فأرسل إلى الشعبي فسأله، فقال: نعم، هذا توفي وترك ابنتين فلهما الثلثان أربع مئة، وأما فلها السدس مئة، وزوجة فلها الثمن خمسة وسبعون، واثني عشر أخا فلهم أربعة وعشرون، وبقي لهذه دينار). [ميزات في الجواري] وقال ابن أبي شيبة في «المصنف»: حدثنا أبو سفيان الحميري، حدثنا خالد بن محمد القرشي قال: (قال عبد الملك بن مروان: من أراد أن يتخذ جارية للتلذذ .. فليتخذها بربرية، ومن أراد أن يتخذها للولد .. فليتخذها فارسية، ومن أراد أن يتخذها للخدمة .. فليتخذها رومية) (٣).

стр. 341

[الأخطل هو شاعر بني أمية] وقال أبو عبيدة (١): (لما أنشد الأخطل كلمته لعبد الملك التي يقول فيها: [من البسيط] شمس العداوة حتى يستقاد لهم … وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا قال: خذ بيده يا غلام فأخرجه، ثم ألق عليه من الخلع ما يغمره، ثم قال: إن لكل قوم شاعرا، وإن شاعر بني أمية الأخطل) (٢). وقال الأصمعي: دخل الأخطل على عبد الملك فقال: ويحك! صف لي السكر، قال: أوله لذة، وآخره صداع، وبين ذلك ساعة لا أصف لك مبلغها، فقال: ما مبلغها؟ قال: لملكك يا أمير المؤمنين أهون علي من شسع نعلي، وأنشأ يقول (٣): [من الطويل] إذا ما نديمي علني ثم علني … ثلاث زجاجات لهن هدير خرجت أجر الذيل مني كأنني … عليك أمير المؤمنين أمير قال الثعالبي: (كان عبد الملك يقول: ولدت في رمضان، وفطمت في رمضان، وختمت القرآن في رمضان، وبلغت الحلم في رمضان، ووليت في رمضان، وأتتني الخلافة في رمضان، وأخشى أن أموت في رمضان، فلما دخل شوال وأمن .. مات). [ممن مات في عهده] وممن مات في أيام عبد الملك من الأعلام: ابن عمر، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وأبو سعيد بن المعلى، وأبو سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وسلمة بن الأكوع، والعرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن

стр. 342

جعفر بن أبي طالب، والسائب بن يزيد، وأسلم مولى عمر، وأبو إدريس الخولاني، وشريح القاضي، وأبان بن عثمان بن عفان، والأعشى الشاعر، وأيوب بن القرية الذي يضرب به المثل في الفصاحة، وخالد بن يزيد بن معاوية، وزر بن حبيش، وسنان بن سلمة بن المحبق، وسويد بن غفلة، وأبو وائل، وطارق بن شهاب، ومحمد ابن الحنفية، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وعتبة بن الندر، وعمرو بن حريث، وعمرو بن سلمة الجرمي، وآخرون

стр. 343

خلافة الوليد بن عبد الملك [٨٦ - ٩٦ هـ] (١) أبو العباس، قال العيشي (٢): (كان أبواه يترفانه، فشب بلا أدب). قال روح بن زنباع: (دخلت يوما على عبد الملك وهو مهموم فقال: فكرت فيمن أوليه أمر العرب، فلم أجده، فقلت: أين أنت عن الوليد؟ قال: إنه لا يحسن النحو، فسمع ذلك الوليد، فقام من ساعته وجمع أصحاب النحو، وجلس معهم في بيت ستة أشهر، ثم خرج وهو أجهل مما كان، فقال عبد الملك: أما إنه قد أعذر) (٣). وقال أبو الزناد: (كان الوليد لحانا، قال على منبر المسجد النبوي: يا أهل المدينة) (٤). وقال أبو عكرمة الضبي: قرأ الوليد على المنبر: (يا ليتها كانت القاضية) وتحت المنبر عمر بن عبد العزيز وسليمان بن عبد الملك، فقال سليمان: وددتها والله (٥)، وكان الوليد جبارا ظالما. وأخرج أبو نعيم في «الحلية» عن ابن شوذب قال: (قال عمر بن

стр. 344

عبد العزيز: الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وعثمان بن حيان (١) بالحجاز، وقرة بن شريك بمصر، امتلأت الأرض والله جورا) (٢). وأخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن إبراهيم أبي زرعة: أن الوليد قال له: أيحاسب الخليفة؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ أأنت أكرم على الله أم داوود؟ إن الله جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال: ﴿ياداود إنا جعلناك … ﴾ الآية (٣). لكنه أقام الجهاد في أيامه، وفتحت في خلافته فتوحات عظيمة، وكان مع ذلك يختن الأيتام، ويرتب لهم المؤدبين، ويرتب للزمنى من يخدمهم، وللأضراء من يقودهم، وعمر المسجد النبوي ووسعه، ورزق الفقهاء والفقراء والضعفاء، وحرم عليهم سؤال الناس، وفرض لهم ما يكفيهم، وضبط الأمور أتم ضبط. وقال ابن أبي عبلة: (رحم الله الوليد، وأين مثل الوليد؟! افتتح الهند والأندلس، وبنى مسجد دمشق، وكان يعطيني قصاع الفضة أقسمها على قراء مسجد بيت المقدس) (٤). ولي الوليد الخلافة بعهد من أبيه، في شوال، سنة ست وثمانين. ففي سنة سبع وثمانين: شرع في بناء جامع دمشق، وكتب بتوسيع المسجد النبوي وبنائه. وفيها: فتحت بيكند وبخارى وسردانية وممطورة وقميقم وبحيرة الفرسان عنوة.

стр. 345

وفيها: حج بالناس عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة، فوقف يوم النحر غلطا، وتألم لذلك. وفي سنة ثمان وثمانين: فتحت جرثومة وطوانة. وفي سنة تسع وثمانين: فتحت جزيرتا ميورقة ومنورقة. وفي سنة إحدى وتسعين: فتحت نسف وكش وشومان ومدائن وحصون من بحر أذربيجان. وفي سنة اثنتين وتسعين: فتح إقليم الأندلس بأسره، ومدينة أرمائيل وقنزبور (١). وفي سنة ثلاث وتسعين: فتحت الديبل وغيرها، ثم الكيرج وبرهم (٢)، وباجة والبيضاء، وخوارزم وسمرقند والسعد. وفي سنة أربع وتسعين: فتحت كابل وفرغانة، والشاش وسندرة وغيرها. وفي سنة خمس وتسعين: فتحت المؤلتان ومدينة الباب.

стр. 346

وفي سنة ست وتسعين: فتحت طويس (١) وغيرها. وفيها: مات الخليفة الوليد، في نصف جمادى الآخرة، وله إحدى وخمسون سنة قال الذهبي: (عاش الجهاد في أيامه، وفتحت فيها الفتوحات العظيمة كأيام عمر بن الخطاب) (٢). قال عمر بن عبد العزيز: (لما وضعت الوليد في لحده؛ إذا هو يركض في أكفانه) (٣). يعني: ضرب الأرض برجله. ومن كلام الوليد: (لولا أن الله ذكر آل لوط في القرآن .. ما ظننت أن أحدا يفعل هذا) (٤). [من مات في عهده] مات في أيام الوليد من الأعلام: عتبة بن عبد السلمي، والمقدام بن معدي كرب، وعبد الله بن بشر المازني، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو العالية، وجابر بن زيد، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، والسائب بن يزيد، والسائب بن خلاد، وخبيب بن عبد الله بن الزبير، وبلال بن أبي الدرداء، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وسعيد بن جبير شهيدا؛ قتله الحجاج لعنه الله، وإبراهيم النخعي، ومطرف، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، والعجاج الشاعر، وآخرون.

стр. 347

خلافة سليمان بن عبد الملك [٩٦ - ٩٩ هـ] (١) أبو أيوب، كان من خيار ملوك بني أمية، ولي الخلافة بعهد من أبيه بعد أخيه، في جمادى الآخرة، سنة ست وتسعين. روى قليلا عن أبيه وعبد الرحمن بن هنيدة، روى عنه: ابنه عبد الواحد والزهري. وكان فصيحا مفوها، مؤثرا للعدل، محبا للغزو، ومولده سنة ستين. ومن محاسنه: أن عمر بن عبد العزيز كان له كالوزير، فكان يمتثل أوامره في الخير، فعزل عمال الحجاج، وأخرج من كان في سجن العراق، وأحيا الصلاة لأول مواقيتها، وكان بنو أمية أماتوها بالتأخير. قال ابن سيرين: (يرحم الله سليمان؛ افتتح خلافته بإحيائه الصلاة لمواقيتها، واختتمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز) (٢). وكان سليمان ينهى عن الغناء، وكان من الأكلة المذكورين؛ أكل في مجلس سبعين رمانة وخروفا وست دجاجات ومكوك زبيب طائفي (٣). قال يحيى الغساني: (نظر سليمان في المرآة فأعجبه شبابه وجماله، فقال: كان محمد ﵌ نبيا، وكان أبو بكر صديقا، وكان عمر فاروقا، وكان عثمان حييا، وكان معاوية حليما، وكان يزيد صبورا، وكان عبد الملك

стр. 348

سائسا، وكان الوليد جبارا، وأنا الملك الشاب، فما دار عليه الشهر حتى مات) (١). وكانت وفاته يوم الجمعة، عاشر صفر، سنة تسع وتسعين. وفتح في أيامه: جرجان، وحصن الحديد، وسردا وشتى (٢)، وطبرستان ومدينة الصقالبة. [من مات في عهده] ومات في أيامه من الأعلام: قيس بن أبي حازم، ومحمود بن لبيد، والحسن بن الحسن بن علي، وكريب مولى ابن عباس، وعبد الرحمن بن الأسود النخعي، وآخرون. [نصيحة رجاء لسليمان باستخلاف عمر بن عبد العزيز] قال عبد الرحمن بن حسان الكناني: مات سليمان غازيا بدابق، فلما مرض .. قال لرجاء بن حيوة: من لهذا الأمر بعدي، أستخلف ابني؟ قال: ابنك غائب. قال: فابني الآخر؟ قال: صغير، قال: فمن ترى؟ قال: أرى أن تستخلف عمر بن عبد العزيز. قال: أتخوف إخوتي لا يرضون؟ قال: فوله عمر، ومن بعده يزيد بن عبد الملك، وتكتب كتابا وتختم عليه، وتدعوهم إلى بيعته مختوما، قال: لقد رأيت. فدعا بقرطاس فكتب فيه العهد، ودفعه إلى رجاء، وقال: اخرج إلى

стр. 349

الناس، فليبايعوا على ما فيه مختوما، فخرج فقال: إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب، قالوا: ومن فيه؟ قال: هو مختوم؛ لا تخبروا بمن فيه حتى يموت أمير المؤمنين. قالوا: لا نبايع، فرجع إليه فأخبره، فقال: انطلق إلى صاحب الشرطة والحرس، فاجمع الناس ومرهم بالبيعة؛ فمن أبى .. فاضرب عنقه، ففعل فبايعوا. قال رجاء: فبينا أنا راجع .. إذا هشام، فقال لي: يا رجاء؛ قد علمت موقعك منا، وأن أمير المؤمنين قد صنع شيئا ما أدري ما هو، وإني تخوفت أن يكون قد أزالها عني، فإن يكن قد عدلها عني .. فأعلمني ما دام في الأمر نفس حتى أنظر؟ فقلت: سبحان الله!! يستكتمني أمير المؤمنين أمرا أطلعك عليه؟! لا يكون ذا أبدا. ثم لقيت عمر بن عبد العزيز، فقال لي: يا رجاء؛ إنه قد وقع في نفسي أمر كبير من هذا الرجل، أتخوف أن يكون قد جعلها إلي، ولست أقوم بهذا الشأن، فأعلمني ما دام في الأمر نفس؛ لعلي أتخلص منه ما دام حيا. قلت: سبحان الله!! يستكتمني أمير المؤمنين أمرا أطلعك عليه؟! ثم مات سليمان وفتح الكتاب؛ فإذا فيه العهد لعمر بن عبد العزيز، فتغيرت وجوه بني عبد الملك، فلما سمعوا: وبعده يزيد بن عبد الملك .. تراجعوا، فأتوا عمر فسلموا عليه بالخلافة، فعقر به، فلم يستطع النهوض حتى أخذوا بصبعيه (١)، فدنوا به إلى المنبر وأصعدوه، فجلس طويلا لا يتكلم، فقال رجاء: ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعوه؟ فبايعوه، ومد يده إليهم. ثم قام فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس؛ إني لست بقاض ولكني منفذ، ولست بمبتدع ولكني متبع، وإن من حولكم من الأمصار والمدن.

стр. 350

إن هم أطاعوا كما أطعتم .. فأنا واليكم، وإن هم أبوا .. فلست لكم بوال ثم نزل، فأتاه صاحب المراكب، فقال: ما هذا؟ قال: مركب الخليفة، قال: لا حاجة لي فيه، ائتوني بدابتي، فأتوه بدابته وانطلق إلى منزله، ثم دعا بدواة وكتب بيده إلى عمال الأمصار قال رجاء: (كنت أظن أنه سيضعف؛ فلما رأيت صنعه في الكتاب .. علمت أنه سيقوى) (١). [مشادة بين مروان وسليمان وتدخل عمر بن عبد العزيز] يروى: (أن مروان بن عبد الملك وقع بينه وبين سليمان في خلافته كلام، فقال له سليمان: يا بن اللخناء، ففتح مروان فاه ليجيبه، فأمسك عمر بن عبد العزيز بفيه وقال: أنشدك الله؛ إمامك وأخوك وله السن، فسكت وقال: قتلتني والله؛ لقد زدت في جوفي أحر من النار، فما أمسى حتى مات) (٢). وأخرج ابن أبي الدنيا، عن زياد بن عثمان: أنه دخل على سليمان بن عبد الملك لما مات ابنه أيوب، فقال: (يا أمير المؤمنين؛ إن عبد الرحمن بن أبي بكرة كان يقول: من أحب البقاء .. فليوطن نفسه على المصائب) (٣).

стр. 351

خلافة عمر بن عبد العزيز بن مروان [٩٩ - ١٠١ هـ] (١) الخليفة الصالح، أبو حفص، خامس الخلفاء الراشدين. قال سفيان الثوري: (الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز) أخرجه أبو داوود في «سننه» (٢). ولد عمر بحلوان قرية بمصر، وأبوه أمير عليها سنة إحدى - وقيل: ثلاث - وستين، وأمه: أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. وكان بوجه عمر شجة؛ ضربته دابة في جبهته وهو غلام، فجعل أبوه يمسح الدم عنه ويقول: (إن كنت أشج بني أمية .. إنك لسعيد) أخرجه ابن عساكر (٣). وكان عمر بن الخطاب يقول: (من ولدي رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلا) أخرجه الترمذي في «تاريخه»، فصدق ظن أبيه فيه (٤). وأخرج ابن سعد: أن عمر بن الخطاب قال: (ليت شعري!! من ذو الشين من ولدي؛ الذي يملؤها عدلا كما ملئت جورا؟) (٥). وأخرج عن ابن عمر قال: (كنا نتحدث أن الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجل من

стр. 352

آل عمر، يعمل بمثل عمل عمر) فكان بلال بن عبد الله بن عمر بوجهه شامة، وكانوا يرون أنه هو، حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز (١). روى عمر بن عبد العزيز عن أبيه، وأنس، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وابن قارظ، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وعامر بن سعد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن، والربيع بن سبرة، وطائفة. روى عنه: الزهري، ومحمد بن المنكدر، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومسلمة بن عبد الملك، ورجاء بن حيوة، وخلائق كثيرون. [نشأة عمر بن عبد العزيز وصلاحه] جمع القرآن وهو صغير، وبعثه أبوه إلى المدينة يتأدب بها، فكان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم، فلما توفي أبوه .. طلبه عبد الملك إلى دمشق، وزوجه ابنته فاطمة. وكان قبل الخلافة على قدم الصلاح أيضا، إلا أنه كان يبالغ في التنعم، فكان الذين يعيبونه من حساده لا يعيبونه إلا بالإفراط في التنعم، والاختيال في المشية (٢). فلما ولي الوليد الخلافة .. أمر عمر على المدينة، فوليها من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين، وعزل فقدم الشام. ثم إن الوليد عزم على أن يخلع أخاه سليمان من العهد، وأن يعهد إلى ولده، فأطاعه كثير من الأشراف طوعا وكرها، فامتنع عمر بن عبد العزيز، وقال: (لسليمان في أعناقنا بيعة) وصمم، فطين عليه الوليد، ثم شفع فيه بعد ثلاث، فأدركوه وقد مالت عنقه (٣)، فعرفها له سليمان، فعهد إليه بالخلافة.

стр. 353

قال زيد بن أسلم: عن أنس ﵁: (ما صليت وراء إمام بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى) يعني: عمر بن عبد العزيز، وهو أمير على المدينة. قال زيد بن أسلم: (فكان يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود)، له طرق عن أنس أخرجه البيهقي في «سننه» وغيره (١). وسئل محمد بن علي بن الحسين عن عمر بن عبد العزيز فقال: (هو نجيب بني أمية، وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده) (٢). وقال ميمون بن مهران: (كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة) (٣). وأخرج أبو نعيم بسند صحيح عن رياح بن عبيدة قال: (خرج عمر بن عبد العزيز إلى الصلاة وشيخ متوكئ على يده، فقلت في نفسي: إن هذا الشيخ جاف!! فلما صلى ودخل .. لحقته، فقلت: أصلح الله الأمير؛ من الشيخ الذي كان يتكئ على يدك؟ قال: يا رياح؛ رأيته؟ قلت: نعم، قال: ما أحسبك إلا رجلا صالحا؛ ذاك أخي الخضر، أتاني فأعلمني أني سألي أمر هذه الأمة، وأني سأعدل فيها) (٤). وأخرج أيضا عن أبي هاشم: أن رجلا جاء إلى عمر بن عبد العزيز فقال: (رأيت النبي ﷺ في النوم وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، فإذا رجلان يختصمان وأنت بين يديه جالس، فقال لك: «يا عمر؛ إذا عملت .. فاعمل بعمل هذين» لأبي بكر وعمر، فاستحلف له عمر: بالله لرأيت هذا؟ فحلف له، فبكى) (٥).

стр. 354

[مبايعة سيدنا عمر بن عبد العزيز وخلافته] بويع بالخلافة بعهد من سليمان، في صفر، سنة تسع وتسعين كما تقدم (١)، فمكث فيها سنتين وخمسة أشهر نحو خلافة الصديق ﵁، ملأ فيها الأرض عدلا، ورد المظالم، وسن السنن الحسنة. ولما قرئ كتاب العهد باسمه .. عقر وقال: (والله؛ إن هذا الأمر ما سألته الله قط)، وقدم إليه صاحب المراكب مركب الخليفة فأبى، وقال: (ائتوني ببغلتي). قال الحكم بن عمر: (شهدت عمر بن عبد العزيز حين جاءه أصحاب المراكب يسألونه العلوفة ورزق خدمتها، قال: ابعث بها إلى أمصار الشام يبيعونها فيمن يزيد، واجعل أثمانها في مال الله، تكفيني بغلتي هذه الشهباء) (٢). وقال عمر بن ذر: (لما رجع عمر من جنازة سليمان .. قال له مولاه: ما لي أراك مغتما؟ قال: لمثل ما أنا فيه فليغتم؛ ليس أحد من الأمة .. إلا وأنا أريد أن أوصل إليه حقه غير كاتب إلي فيه، ولا طالبه مني) (٣). وعن عمرو بن مهاجر وغيره: (أن عمر لما استخلف .. قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس؛ إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد ﵌، ألا وإني لست بقاض ولكني منفذ، ولست بمبتدع ولكني متبع، ولست بخير من أحدكم ولكني أثقلكم حملا؛ إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) (٤). وعن الزهري قال: (كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله يكتب إليه

стр. 355

بسيرة عمر بن الخطاب في الصدقات، فكتب إليه بالذي سأل، وكتب إليه: إنك إن عملت بمثل عمل عمر في زمانه ورجاله في مثل زمانك ورجالك .. كنت عند الله خيرا من عمر) (١). وعن حماد: (أن عمر لما استخلف .. بكى، فقال: يا أبا فلان؛ أتخشى علي؟ قال: كيف حبك للدرهم؟ قال: لا أحبه، قال: لا تخف؛ فإن الله سيعينك) (٢) [سياسته في الخلافة والعودة إلى سيرة الراشدين] وعن مغيرة قال: (جمع عمر حين استخلف بني مروان فقال: إن رسول الله ﷺ كانت له فدك؛ ينفق منها، ويعول منها على صغير بني هاشم، ويزوج منها أيمهم، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، فكانت كذلك حياة أبي بكر، ثم عمر، ثم أقطعها مروان، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز، فرأيت أمرا منعه رسول الله ﷺ فاطمة ليس لي بحق، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت على عهد رسول الله ﷺ ) (٣) وعن الليث قال: (لما ولي عمر .. بدأ بلحمته وأهل بيته؛ فأخذ ما بأيديهم، وسمى أموالهم مظالم) (٤) وقال أسماء بن عبيد: (دخل عنبسة بن سعيد بن العاصي على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن من كان قبلك من الخلفاء كانوا يعطوننا عطايا منعتناها، ولي عيال وضيعة، أفتأذن لي أن أخرج إلى ضيعتي لما يصلح عيالي؟ فقال عمر: أحبكم من كفانا مؤنته، ثم قال له: أكثر ذكر الموت؛ فإن
следующие страницы →