← История

История · id 11995

تاريخ الخلفاء - ط المنهاج

الجلال السيوطي

Полный текст (783 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أيها الناس؛ إن لكم عندي إن وليت أموركم .. ألا أضع لبنة على لبنة، ولا حجرا على حجر، ولا أنقل مالا من بلد حتى أسد ثغره، وأقسم بين مصالحه ما تقوون به؛ فإن فضل فضل .. رددته إلى البلد الذي يليه حتى تستقيم المعيشة، وتكونوا فيه سواء، فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم .. فأنا لكم، وإن ملت .. فلا بيعة لي عليكم، وإن رأيتم أحدا أقوى مني عليها فأردتم بيعته .. فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته، وأستغفر الله لي ولكم) (١). وقال عثمان بن أبي العاتكة: (أول من خرج بالسلاح في العيد: يزيد بن الوليد، خرج يومئذ بين صفين من الخيل عليهم السلاح من باب الحصن إلى المصلى) (٢). وعن أبي عثمان الليثي: (قال يزيد الناقص: يا بني أمية؛ إياكم والغناء؛ فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل المسكر، فإن كنتم لا بد فاعلين .. فجنبوه النساء؛ فإن الغناء داعية الزنا) (٣). وقال ابن عبد الحكم: (سمعت الشافعي ﵁ يقول: لما ولي يزيد بن الوليد .. دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه، وقرب أصحاب غيلان). ولم يمتع يزيد بالخلافة، بل مات من عامه في سابع ذي الحجة، فكانت خلافته ستة أشهر ناقصة، وكان عمره خمسا وثلاثين سنة، وقيل: ستا وأربعين سنة، ويقال: إنه مات بالطاعون.

стр. 387

خلافة إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك [١٢٦ هـ] (١) أبو إسحاق، بويع بالخلافة بعد موت أخيه يزيد الناقص، فقيل: إنه عهد إليه، وقيل: لا. قال برد بن سنان: (حضرت يزيد بن الوليد وقد احتضر، فأتاه قطن فقال: أنا رسول من وراء بابك، يسألونك بحق الله لما وليت أمرهم أخاك إبراهيم، فغضب وقال: أنا أولي إبراهيم؟! ثم قال: يا أبا العلاء؛ إلى من ترى أعهد؟ قلت: أمر نهيتك عن الدخول فيه، فلا أشير عليك في آخره، قال: وأغمي عليه حتى حسبته قد مات، فقعد قطن فافتعل كتابا بالعهد على لسان يزيد ودعا ناسا، فاستشهدهم عليه، ولا والله ما عهد يزيد شيئا) (٢) ومكث إبراهيم في الخلافة سبعين ليلة، ثم خلع، خرج عليه مروان بن محمد وبويع، فهرب إبراهيم، ثم جاء وخلع نفسه من الأمر، وسلمه إلى مروان، وبايع طائعا. وعاش إبراهيم بعد ذلك إلى سنة اثنتين وثلاثين، فقتل فيمن قتل من بني أمية في وقعة السفاح. وفي «تاريخ ابن عساكر»: (سمع إبراهيم: من الزهري، وحكى عن: عمه هشام، حكى عنه: ابنه يعقوب) (٣). وأمه: أم ولد، وهو أخو: مروان الحمار لأمه.

стр. 388

وكان خلعه يوم الاثنين، لأربع عشرة خلت من صفر، سنة سبع وعشرين ومئة. وقال المدائني: (لم يتم لإبراهيم أمر؛ كان قوم يسلمون عليه بالخلافة، وقوم يسلمون عليه بالإمرة، وأبى قوم أن يبايعوا له). وقال بعض شعرائهم (١): [من الطويل] نبايع إبراهيم في كل جمعة … ألا إن أمرا أنت واليه ضائع وقال غيره: (كان نقش خاتمه: إبراهيم يثق بالله) (٢).

стр. 389

خلافه مروان الحمار [١٢٧ - ١٣٢ هـ] (١) آخر خلفاء بني أمية، أبو عبد الملك بن محمد بن مروان بن الحكم. ويلقب بالجعدي نسبة إلى مؤدبه الجعد بن درهم، وبالحمار؛ لأنه كان لا يجف له لبد في محاربة الخارجين عليه. كان يصل السرى بالسير، ويصبر على مكاره الحرب (٢). ويقال في المثل: فلان أصبر من حمار في الحروب؛ فلذلك لقب به، وقيل: لأن العرب تسمي كل مئة سنة حمارا، فلما قارب ملك بني أمية مئة سنة. لقبوا مروان بالحمار لذلك. ولد مروان بالجزيرة، وأبوه متوليها، سنة اثنتين وسبعين، وأمه: أم ولد. وولي قبل الخلافة ولايات جليلة، وافتتح قونية سنة خمس ومئة. وكان مشهورا بالفروسية والإقدام والرجلة (٣) والدهاء والعسف، فلما قتل الوليد، وبلغه ذلك وهو على أرمينية. دعا إلى بيعة من رضيه المسلمون فبايعوه، فلما بلغه موت يزيد. أنفق الخزائن، وسار فحارب إبراهيم فهزمه، وبويع مروان؛ وذلك في نصف صفر سنة سبع وعشرين، واستوثق له الأمر، فأول ما فعل: أمر بنبش يزيد الناقص، فأخرجه من قبره وصلبه؛ لكونه قتل الوليد (٤).

стр. 390

ثم إنه لم يتهن بالخلافة؛ لكثرة من خرج عليه من كل جانب إلى سنة اثنتين وثلاثين، فخرج عليه بنو العباس؛ وعليهم عبد الله بن علي عم السفاح، فسار لحربهم، فالتقى الجمعان بقرب الموصل، فانكسر مروان، فرجع إلى الشام، فتبعه عبد الله، ففر مروان إلى مصر، فتبعه صالح أخو عبد الله، فالتقيا بقرية بوصير، فقتل مروان بها في ذي الحجة من السنة. [من مات في عهده] مات في أيامه من الأعلام: الشدي الكبير، ومالك بن دينار الزاهد، وعاصم بن أبي النجود المقرئ، ويزيد بن أبي حبيب، وشيبة بن نصاح المقرئ، ومحمد بن المنكدر، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع مقرئ المدينة، وأيوب السختياني، وأبو الزناد، وهمام بن منبه، وواصل بن عطاء المعتزلي. [من عجائب الدهر لسان مروان في فم هر] وأخرج الصولي عن محمد بن صالح قال: (لما قتل مروان الحمار .. قطع رأسه ووجه به إلى عبد الله بن علي، فنظر إليه وعزل، فجاءت هرة فاقتلعت لسانه وجعلت تمضغه، فقال عبد الله بن علي: لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في فم هر .. لكفانا ذلك!!).

стр. 391

الدولة العباسية

стр. 392

خلافة السفاح أول خلفاء بني العباس [١٣٢ - ١٣٦ هـ] (١) أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن هاشم. ولد سنة ثمان ومئة، وقيل: سنة أربع بالحميمة من ناحية البلقاء، ونشأ بها، وبويع بالكوفة، وأمه: رائطة الحارثية. حدث عن: أخيه إبراهيم بن محمد الإمام، وروى عنه: عمه عيسى بن علي، وكان أصغر من أخيه المنصور. أخرج أحمد في «مسنده» عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن يقال له: السفاح، فيكون إعطاؤه المال حثيا» (٢). وقال عبيد الله العيشي: قال أبي: (سمعت الأشياخ يقولون: والله؛ لقد أفضت الخلافة إلى بني العباس وما في الأرض أحد أكثر قارئا للقرآن، ولا أفضل عابدا، ولا ناسكا منهم) (٣). قال ابن جرير الطبري: (كان بدء أمر بني العباس: أن رسول الله ﷺ أعلم العباس عمه أن الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقعون ذلك) (٤).

стр. 393

وعن رشدين بن كريب: أن أبا هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية خرج إلى الشام، فلقي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فقال: (يا بن عم؛ إن عندي علما أريد أن أنبذه إليك فلا تطلعن عليه أحدا، إن هذا الأمر الذي يرتجيه الناس فيكم، قال: قد علمته، فلا يسمعنه منك أحد) (١). وروى المدائني عن جماعة: أن الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال: (لنا ثلاثة أوقات: موت يزيد بن معاوية، ورأس المئة، وفتق بإفريقية، فعند ذلك تدعو لنا دعاة، ثم تقبل أنصارنا من المشرق، حتى ترد خيولهم المغرب). فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية، ونقضت البربر .. بعث محمد الإمام رجلا إلى خراسان، وأمره أن يدعو إلى الرضا من آل محمد ﷺ ، ولا يسمي أحدا، ثم وجه أبا مسلم الخراساني وغيره، وكتب إلى النقباء فقبلوا كتبه، ثم لم ينشب أن مات محمد، فعهد إلى ابنه إبراهيم، فبلغ خبره مروان فسجنه ثم قتله، فعهد إلى أخيه عبد الله؛ وهو السفاح، فاجتمع إليه شيعتهم، وبويع بالخلافة بالكوفة، في ثالث ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين ومئة. [أول خطبة جمعة للسفاح بالكوفة] وصلى بالناس الجمعة، وقال في الخطبة: (الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه، فكرمه وشرفه وعظمه، واختاره لنا وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه وحصنه، والقوام به والذابين عنه. ثم ذكر قرابتهم في آيات القرآن … إلى أن قال: فلما قبض الله نبيه .. قام بالأمر أصحابه إلى أن وثب بنو حرب ومروان، فجاروا واستأثروا، فأملى الله لهم حينا، حتى آسفوه فانتقم منهم بأيدينا، ورد علينا حقنا؛ ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله.

стр. 394

يا أهل الكوفة؛ أنتم محل محبتنا، ومنزل مودتنا لم تفتروا عن ذلك، ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور، فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا، وقد زدت في أعطياتكم مئة مئة فاستعدوا؛ فأنا السفاح المبيح، والثائر المبير) (١). وكان عيسى بن علي إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة .. يقول: (إن أربعة عشر رجلا خرجوا من دارهم يطلبون ما طلبنا .. لعظيمة هممهم، شديدة قلوبهم!!) (٢). ولما بلغ مروان مبايعة السفاح .. خرج لقتاله، فانكسر كما تقدم ثم قتل (٣)، وقتل في مبايعة السفاح من بني أمية وجندهم ما لا يحصى من الخلائق، وتوطدت له الممالك إلا أقصى المغرب. قال الذهبي: (بدولته تفرقت الجماعة، وخرج عن الطاعة ما بين تاهرت وطبنة إلى بلاد السودان وجميع مملكة الأندلس، وخرج بهذه البلاد من تغلب عليها، واستمر ذلك) (٤). مات السفاح بالجدري، في ذي الحجة، سنة ست وثلاثين ومئة، وكان قد عهد لأخيه أبي جعفر، وكان في سنة أربع وثلاثين قد انتقل إلى الأنبار، وصيرها دار الخلافة. ومن أخبار السفاح قال الصولي: (من كلامه: إذا عظمت القدرة .. قلت الشهوة، وقل تبرع إلا ومعه حق مضاع. وقال: إن من أدنياء الناس ووضعائهم: من عد البخل حزما، والحلم ذلا. وقال: إذا كان الحلم مفسدة .. كان العفو معجزة، والصبر حسن إلا على

стр. 395

ما أوتغ الدين (١)، وأوهن السلطان، والأناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة). قال الصولي: (وكان السفاح أسخى الناس، ما وعد عدة قط فأخرها عن وقتها، ولا قام من مجلسه حتى يقضيها، وقال له عبد الله بن حسن مرة: سمعت بألف ألف درهم وما رأيتها قط، فأمر بها فأحضرت، وأمر بحملها معه إلى منزله). قال: (وكان نقش خاتمه: الله ثقة عبد الله وبه يؤمن) وقل ما يروى له من الشعر. [شدة ذكائه وسرعة جوابه] وقال سعيد بن مسلم الباهلي: (دخل عبد الله بن حسن على السفاح مرة والمجلس غاص ببني هاشم والشيعة ووجوه الناس، ومعه مصحف، فقال: يا أمير المؤمنين؛ أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف. فقال له: إن عليا جدك كان خيرا مني وأعدل، ولي هذا الأمر فأعطى جديك الحسن والحسين - وكانا خيرا منك - شيئا، وكان الواجب أن أعطيك مثله؟ فإن كنت فعلت .. فقد أنصفتك، وإن كنت زدتك .. فما هذا جزائي منك، فانصرف ولم يحر جوابا، وعجب الناس من جواب السفاح) (٢). قال المؤرخون: (في دولة بني العباس افترقت كلمة الإسلام، وسقط اسم العرب من الديوان، وأدخل الأتراك في الديوان، واستولت الديلم، ثم الأتراك، وصارت لهم دولة عظيمة، وانقسمت ممالك الأرض عدة أقسام، وصار بكل قطر قائم يأخذ الناس بالعسف، ويملكهم بالقهر. قالوا: وكان السفاح سريعا إلى سفك الدماء، فاتبعه في ذلك عماله بالمشرق والمغرب، وكان مع ذلك جوادا بالمال) (٣).

стр. 396

[من مات في عهده] مات في أيامه من الأعلام: زيد بن أسلم، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، وربيعة الرأي فقيه أهل المدينة، وعبد الملك بن عمير، ويحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، وعبد الحميد الكاتب المشهور؛ قتل ببوصير مع مروان، ومنصور بن المعتمر، وهمام بن منبه.

стр. 397

خلافة المنصور [١٣٧ - ١٥٨ هـ] (١) أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وأمه: سلامة البربرية أم ولد، ولد سنة خمس وتسعين، وأدرك جده ولم يرو عنه، وروى عن: أبيه وعن عطاء بن يسار، وعنه: ولده المهدي. وبويع بالخلافة بعهد من أخيه، وكان فحل بني العباس هيبة وشجاعة، وحزما ورأيا وجبروتا، جماعا للمال، تاركا للهو واللعب، كامل العقل، جيد المشاركة في العلم والأدب، فقيه النفس. قتل خلقا كثيرا حتى استقام ملكه؛ وهو الذي ضرب أبا حنيفة ﵀ على القضاء، ثم سجنه فمات بعد أيام، وقيل: إنه قتله بالسم لكونه أفتى بالخروج عليه. وكان فصيحا بليغا، مفوها خليقا للإمارة، وكان غاية في الحرص والبخل، فلقب أبا الدوانيق؛ لمحاسبته العمال والصناع على الدوانيق والحبات. أخرج الخطيب عن الضحاك عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «منا السفاح، ومنا المنصور، ومنا المهدي»، قال الذهبي: منكر منقطع (٢). وأخرج الخطيب وابن عساكر وغيرهما من طريق سعيد بن جبير، عن ابن

стр. 398

عباس قال: (منا السفاح، ومنا المنصور، ومنا المهدي)، قال الذهبي: إسناده صالح (١). وأخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل، عن محمد بن جابر، عن الأعمش، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري ﵃ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «منا القائم، ومنا المنصور، ومنا السفاح، ومنا المهدي، فأما القائم .. فتأتيه الخلافة ولم يهراق فيها محجمة من دم، وأما المنصور .. فلا ترد له راية، وأما السفاح .. فهو يسفح المال والدم، وأما المهدي .. فيملؤها عدلا كما ملئت ظلما» (٢) وعن المنصور قال: (رأيت كأني في الحرم، وكأن رسول الله ﷺ في الكعبة وبابها مفتوح، فنادى مناد: أين عبد الله؟ فقام أخي أبو العباس حتى صار على الدرجة فأدخل، فما لبث أن خرج ومعه قناة عليها لواء أسود؛ قدر أربعة أذرع، ثم نودي: أين عبد الله؟ فقمت إلى الدرجة فأصعدت؛ وإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وبلال، فعقد لي وأوصاني بأمته وعممني بعمامة، فكان كورها ثلاثة وعشرين، وقال: «خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة») (٣). تولى المنصور الخلافة في أول سنة سبع وثلاثين، فأول ما فعل: أن قتل أبا مسلم الخراساني صاحب دعوتهم، وممهد مملكتهم!! وفي سنة ثمان وثلاثين ومئة: دخل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي إلى الأندلس، واستولى عليها وامتدت أيامه، وبقيت الأندلس في يد أولاده إلى بعد الأربع مئة، وكان عبد الرحمن هذا من أهل العلم والعدل، وأمه: بربرية.

стр. 399

قال أبو المظفر الأبيوردي: فكانوا يقولون: ملك الدنيا ابنا بربريتين: المنصور، وعبد الرحمن بن معاوية وفي سنة أربعين: شرع في بناء مدينة بغداد. وفي سنة إحدى وأربعين: كان ظهور الريوندية القائلين بالتناسخ، فقتلهم المنصور. وفيها: فتحت طبرستان. [بدء تدوين الحديث والفقه والتفسير] قال الذهبي: (في سنة ثلاث وأربعين: شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير؛ فصنف ابن جريج بمكة، ومالك «الموطأ» بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف ابن إسحاق «المغازي»، وصنف أبو حنيفة الفقه والرأي، ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة، ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب، وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة) (١). وفي سنة خمس وأربعين: كان خروج الأخوين محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فظفر بهما المنصور، فقتلهما وجماعة كثيرة من آل البيت، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 400

وكان المنصور أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين وكانوا قبل شيئا واحدا، وأذى المنصور خلقا من العلماء ممن خرج معهما، أو أمر بالخروج؛ قتلا وضربا وغير ذلك، منهم: أبو حنيفة، وعبد الحميد بن جعفر، وابن عجلان. وممن أفتى بجواز الخروج مع محمد على المنصور: مالك بن أنس، وقيل له: إن في أعناقنا بيعة للمنصور؟! فقال: (إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين) (١). وفي سنة ست وأربعين: كانت غزوة قبرس. وفي سنة سبع وأربعين: خلع المنصور عمه عيسى بن موسى من ولاية العهد، وكان السفاح عهد إليه من بعد المنصور، وكان عيسى هو الذي حارب له الأخوين وظفر بهما، فكافأه بأن خلعه مكرها، وعهد إلى ولده المهدي (٢). وفي سنة ثمان وأربعين: توطدت الممالك كلها للمنصور، وعظمت هيبته في النفوس، ودانت له الأمصار، ولم يبق خارجا عنه سوى جزيرة الأندلس فقط؛ فإنها غلب عليها عبد الرحمن بن معاوية الأموي المرواني، لكنه لم يتلقب بأمير المؤمنين بل بالأمير فقط، وكذلك بنوه. وفي سنة تسع وأربعين: فرغ من بناء بغداد. وفي سنة خمسين: خرجت الجيوش الخراسانية عن الطاعة مع الأمير

стр. 401

أسنادسيس، واستولى على أكثر خراسان، وعظم الخطب، واستفحل الشر، واشتد على المنصور الأمر، وبلغ ضريبة الجيش الخراساني ثلاث مئة ألف مقاتل ما بين فارس وراجل، فعمل معهم أجثم المروزي مصافا، فقتل أجثم واستبيح عسكره، فتجهز لحربهم حازم بن خزيمة في جيش عرمرم يسد الفضاء، فالتقى الجمعان، وصبر الفريقان، وكانت موقعة مشهورة، يقال: قتل [منهم] فيها سبعون ألفا، وانهزم أسنادسيس، فالتجأ إلى جبل، وأمر الأمير حازم في العام الآتي بالأسرى فضربت أعناقهم، وكانوا أربعة عشر ألفا، ثم حاصروا أسنادسيس مدة، ثم سلم نفسه، فقيدوه وأطلقوا أجناده، وكان عددهم ثلاثين ألفا. انتهى (١). وفي سنة إحدى وخمسين: بني الرصافة وشيدها. وفي سنة ثلاث وخمسين: ألزم المنصور رعيته بلبس القلانس الطوال، فكانوا يعملونها بالقصب والورق ويلبسونها السواد، فقال أبو دلامة: [من الطويل] وكنا نرجي من إمام زيادة … فزاد الإمام المصطفى في القلانس تراها على هام الرجال كأنها … دنان يهود جللت بالبرانس (٢) وفي سنة ثمان وخمسين: أمر المنصور نائب مكة بحبس سفيان الثوري وعباد بن كثير، فحبسا وتخوف الناس أن يقتلهما المنصور إذا ورد الحج، فلم يوصله الله مكة سالما، بل قدم مريضا، ومات، وكفاهما الله شره، وكانت وفاته بالبطن في ذي الحجة، ودفن بين الحجون وبئر ميمون (٣).

стр. 402

وقال سلم الخاسر (١): [من الكامل] قفل الحجيج وخلفوا ابن محمد … رهنا بمكة في الضريح الملحد شهدوا المناسك كلها وإمامهم … تحت الصفائح محرما لم يشهد ومن أخبار المنصور أخرج ابن عساكر بسنده: (أن أبا جعفر المنصور كان يرحل في طلب العلم قبل الخلافة، فبينا هو يدخل منزلا من المنازل .. قبض عليه صاحب الرصد فقال: زن درهمين قبل أن تدخل، قال: خل عني؛ فإني رجل من بني هاشم، قال: زن درهمين، قال: خل عني؛ فإني من بني عم رسول الله ﷺ ، قال: زن درهمين، قال: خل عني؛ فإني رجل قارئ لكتاب الله تعالى، قال: زن درهمين، قال: خل عني؛ فإني رجل عالم بالفقه والفرائض، قال: زن درهمين، فلما أعياه أمره .. وزن الدرهمين، ولزم جمع المال والتدنق فيه، فلقب بأبي الدوانيق) (٢). [الخلفاء أربعة والملوك أربعة] وأخرج عن الربيع بن يونس الحاجب قال: سمعت المنصور يقول: الخلفاء أربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والملوك أربعة: معاوية، وعبد الملك، وهشام، وأنا (٣). وأخرج عن مالك بن أنس قال: (دخلت على أبي جعفر المنصور، فقال: من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ قلت: أبو بكر وعمر، قال: أصبت، وذلك رأي أمير المؤمنين) (٤).

стр. 403

[خطبة المنصور في عرفة] وأخرج عن إسماعيل الفهري قال: سمعت المنصور في يوم عرفة على منبر عرفة يقول في خطبته: (أيها الناس؛ إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على فيئه، أقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه، وقد جعلني الله عليه قفلا، إذا شاء أن يفتحني لإعطائكم، وإذا شاء أن يقفلني عليه .. أقفلني، فارغبوا إلى الله. أيها الناس؛ وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم به في كتابه؛ إذ يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾: أن يوفقني للصواب، ويسددني للرشاد، ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم، ويفتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم بالعدل؛ فإنه سميع مجيب) (١). وأخرجه الصولي، وزاد في أوله: أن سبب هذه الخطبة: أن الناس بخلوه، وزاد في آخره: فقال بعض الناس: (أحال أمير المؤمنين بالمنع على ربه). وأخرج عن الأصمعي وغيره: أن المنصور صعد المنبر فقال: (الحمد لله أحمده، وأستعينه، وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين؛ اذكر من أنت في ذكره، فقال: مرحبا مرحبا، لقد ذكرت جليلا، وخوفت عظيما، وأعوذ بالله أن أكون ممن إذا قيل له: اتق الله .. أخذته العزة بالإثم، والموعظة منا بدت، ومن عندنا خرجت، وأنت يا قائلها؛ فأحلف بالله ما الله أردت بها، وإنما أردت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر، فأهون بها من قائلها واهتبلها الله ويلك أني غفرتها (٢)، وإياكم معشر الناس وأمثالها، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فعاد إلى خطبته فكأنما يقرؤها من قرطاس (٣).

стр. 404

[نصيحة المنصور لابنه المهدي] وأخرج من طرق: أن المنصور قال لابنه المهدي: (يا أبا عبد الله؛ الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو: أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا: من ظلم من هو دونه) (١). وقال: (لا تبرمن أمرا حتى تفكر فيه؛ فإن فكرة العاقل مرآته تريه قبيحه وحسنه) (٢). وقال: (أي بني؛ استدم النعمة بالشكر، والمقدرة بالعفو، والطاعة بالتألف، والنصر بالتواضع والرحمة للناس) (٣). [من عفا أجره على الله] وأخرج عن مبارك بن فضالة قال: كنا عند المنصور، فدعا برجل ودعا بالسيف، فقال المبارك: (يا أمير المؤمنين؛ سمعت الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة … قام مناد من عند الله ينادي: ليقم الذين أجرهم على الله، فلا يقوم إلا من عفا» فقال المنصور: خلوا سبيله) (٤). وأخرج عن الأصمعي قال: (أتي المنصور برجل يعاقبه، فقال: يا أمير المؤمنين؛ الانتقام عدل، والتجاوز فضل، ونحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين، فعفا عنه) (٥).

стр. 405

[لا يجمع الله علينا حشفا وسوء كيل] وأخرج عن الأصمعي قال: (لقي المنصور أعرابيا بالشام فقال: احمد الله يا أعرابي؛ الذي رفع عنكم الطاعون بولايتنا أهل البيت، قال: إن الله لم يجمع علينا حشفا وسوء كيل؛ ولايتكم والطاعون) (١). [موعظة بعض الزهاد للمنصور] وأخرج عن محمد بن منصور البغدادي قال: (قام بعض الزهاد بين يدي المنصور فقال: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك ببعضها، واذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة، واذكر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعده، فأفحم المنصور وأمر له بمال، فقال: لو احتجت إلى مالك .. ما وعظتك) (٢). [أمير المؤمنين أقدر على الكفارة مني] وأخرج عن عبد السلام بن حرب: (أن المنصور بعث إلى عمرو بن عبيد، فجاءه، فأمر له بمال، فأبى أن يقبله، فقال المنصور: والله؛ لتقبلنه، فقال: والله؛ لا أقبله. فقال له المهدي: قد حلف أمير المؤمنين؟ فقال: أمير المؤمنين أقوى على كفارة اليمين من عمك. فقال له المنصور: سل حاجتك؟ قال: أسألك ألا تدعوني حتى آتيك، ولا تعطيني حتى أسألك. فقال: علمت أني جعلت هذا ولي عهدي؟ فقال: يأتيه الأمر يوم يأتيه وأنت مشغول) (٣).

стр. 406

[القاضي يرد الخليفة إلى الحق] وأخرج عن عبد الله بن صالح قال: (كتب المنصور إلى سوار بن عبد الله قاضي البصرة: انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد، وفلان التاجر: فادفعها إلى القائد. فكتب إليه سوار: إن البينة قد قامت عندي أنها للتاجر؛ فلست أخرجها من يده إلا ببينة. فكتب إليه المنصور: والله الذي لا إله إلا هو؛ لتدفعنها إلى القائد. فكتب إليه سوار: والله الذي لا إله إلا هو؛ لا أخرجتها من يد التاجر إلا بحق، فلما جاءه الكتاب .. قال: ملأتها والله عدلا؛ صار قضاتي تردني إلى الحق) (١). [قد شمتك في نفسي] وأخرج من وجه آخر: (أن المنصور وشي إليه بسوار فاستقدمه، فعطس المنصور فلم يشمته سوار، فقال: ما يمنعك من التشميت؟ قال: لأنك لم تحمد الله. فقال: حمدت في نفسي، قال: قد شمتك في نفسي، قال: ارجع إلى عملك؛ فإنك إذا لم تحابني .. لم تحاب غيري) (٢). [استدعاء القاضي للخليفة والحكم عليه] وأخرج عن نمير المدني قال: (قدم المنصور المدينة ومحمد بن عمران الطلحي على قضائه وأنا كاتبه، فاستعدى الجمالون على المنصور في شيء، فأمرني أن أكتب إليه كتابا بحضوره وإنصافهم، فاستعفيت فلم يعفني، فكتبت

стр. 407

الكتاب ثم ختمته، وقال: والله؛ لا يمضي به غيرك، فمضيت به إلى الربيع، فدخل عليه ثم خرج، فقال للناس: إن أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد دعيت إلى مجلس الحكم، فلا يقومن معي أحد. ثم جاء هو والربيع، فلم يقم له القاضي، بل حل رداءه واحتبى به، ثم دعا بالخصوم، فادعوا، فقضى لهم على الخليفة، فلما فرغ .. قال له المنصور: جزاك الله عن دينك أحسن الجزاء؛ قد أمرت لك بعشرة آلاف دينار) (١). وأخرج عن محمد بن حفص العجلي قال: (ولد لأبي دلامة ابنه، فغدا على المنصور فأخبره وأنشد: [من البسيط] لو كان يقعد فوق الشمس من كرم … قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم … إلى السماء فأنتم أكرم الناس ثم أخرج أبو دلامة خريطة، فقال المنصور: ما هذه؟ قال: أجعل فيها ما تأمر لي به، فقال: املؤوها له دراهم، فوسعت ألفي درهم) (٢). [التحديث بالإسناد أعلى لذات الدنيا عند المنصور] وأخرج عن محمد بن سلام الجمحي قال: (قيل للمنصور: هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله؟ قال: بقيت خصلة؛ أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث، يقول المستملي: من ذكرت رحمك الله؟ قال: فغدا عليه الندماء وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر، فقال: لستم بهم؛ إنما هم الدنسة ثيابهم، المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم، برد الآفاق، ونقلة الحديث) (٣). وأخرج عن عبد الصمد بن علي: أنه قال للمنصور: (لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو؟! قال: لأن بني مروان لم تبل رممهم، وآل

стр. 408

أبي طالب لم تغمد سيوفهم، ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوقة واليوم خلفاء، فليس تتمهد هيبتنا في صدورهم إلا بنسيان العفو واستعمال العقوبة) (١) وأخرج عن يونس بن حبيب قال: (كتب زياد بن عبد الله الحارثي إلى المنصور: يسأله الزيادة في عطائه وأرزاقه، وأبلغ في كتابه، فوقع المنصور في القصة: إن الغنى والبلاغة إذا اجتمعتا في رجل .. أبطرتاه، وأمير المؤمنين يشفق عليك من ذلك، فاكتف بالبلاغة) (٢). وأخرج عن محمد بن سلام قال: رأت جارية للمنصور قميصه مرقوعا، فقالت: خليفة وقميصه مرقوع؟! فقال: ويحك!! أما سمعت قول ابن هرمة (٣): [من الكامل] قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه … خلق وجيب قميصه مرقوع [الحادي وبخل المنصور] وقال العسكري في «الأوائل»: (كان المنصور في ولد العباس كعبد الملك في بني أمية في بخله، رأى بعضهم عليه قميصا مرقوعا فقال: سبحان من ابتلى أبا جعفر بالفقر في ملكه!! وحدا به سلم الحادي، فطرب حتى كاد يسقط من الراحلة، فأجازه بنصف درهم. فقال: لقد حدوث بهشام فأجازني بعشرة آلاف، فقال: ما كان له أن يعطيك ذلك من بيت المال، يا ربيع؛ وكل به من يقبضها منه، فما زالوا به حتى تركه على أن يحدو به ذهابا وإيابا بغير شيء) (٤).

стр. 409

[قصة ابن هرمة وشدة رغبته في الخمر] وفي كتاب «الأوائل» للعسكري: (كان ابن هرمة شديد الرغبة في الخمر، فدخل على المنصور فأنشده: [من الطويل] له لحظات من حفافي سريره … إذا كرها فيها عقاب ونائل فأم الذي أمنت آمنة الردى … وأم الذي حاولت بالشكل ثاكل فأعجب به المنصور وقال: ما حاجتك؟ قال: تكتب إلى عاملك بالمدينة: ألا يحدني إذا وجدني سكران، فقال: لا أعطل حدا من حدود الله، قال: تحتال لي؟ فكتب إلى عامله: من أتاك بابن هرمة سكران .. فاجلده مئة، واجلد ابن هرمة ثمانين. فكان العون إذا مر به وهو سكران .. يقول: من يشتري مئة بثمانين؟! ويتركه ويمضي) (١) قال: (وأعطاه المنصور في هذه المرة عشرة آلاف درهم وقال له: يا إبراهيم؛ احتفظ بها؛ فليس لك عندنا مثلها، فقال: إني ألقاك على الصراط بها بختمة الجهبذ) (٢). ومن شعر المنصور - وشعره قليل (٣) -: [من الطويل] إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة … فإن فساد الرأي أن تترددا ولا تمهل الأعداء يوما بقدرة … وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا [موعظة ابن أنعم الإفريقي للمنصور] وقال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي: (كنت أطلب العلم مع أبي جعفر المنصور قبل الخلافة، فأدخلني منزله، فقدم إلي طعاما لا لحم فيه،

стр. 410

ثم قال: يا جارية؛ عندك حلواء؟ قالت: لا، قال: ولا التمر؟ قالت: لا، فاستلقى وقرأ: ﴿عسى ربكم أن يهلك عدوكم … ﴾ الآية. فلما ولي الخلافة .. وفدت إليه، فقال: كيف سلطاني من سلطان بني أمية؟ قلت: ما رأيت في سلطانهم من الجور شيئا .. إلا رأيته في سلطانك. فقال: إنا لا نجد الأعوان؟ قلت: قال عمر بن عبد العزيز: إن السلطان بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها؛ فإن كان برا .. أتوه ببرهم، وإن كان فاجرا .. أتوه بفجورهم، فأطرق) (١). ومن كلام المنصور: (الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاث خلال: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك) أسنده الصولي. وقال: (إذا مد عدوك إليك يده .. فاقطعها إن أمكنك، وإلا .. فقبلها) أسنده أيضا. [قصة تظهر ذكاء المنصور] وأخرج الصولي عن يعقوب بن جعفر قال: (مما يؤثر من ذكاء المنصور: أنه دخل المدينة فقال للربيع: اطلب لي رجلا يعرفني دور الناس، فجاءه رجل فجعل يعرفه الدور، إلا أنه لا يبتدئه حتى يسأله المنصور، فلما فارقه .. أمر له بألف درهم، فطالب الرجل الربيع بها، فقال: ما قال لي شيئا وسيركب، فذكره. فركب مرة أخرى، فجعل يعرفه ولا يرى موضعا للكلام، فلما أراد أن يفارقه .. قال الرجل مبتدئا: وهذة يا أمير المؤمنين دار عاتكة التي يقول فيها الأحوص (٢): [من الكامل] يا بيت عاتكة الذي أتغزل … حذر العدى وبه الفؤاد موكل

стр. 411

فأنكر المنصور ابتداءه، فأمر القصيدة على قلبه؛ فإذا فيها: وأراك تفعل ما تقول وبعضهم … مذق اللسان يقول ما لا يفعل فعلم أنه يريد الاقتضاء، فضحك وقال: ويلك يا ربيع! أعطه ألف درهم). وأسند الصولي عن إسحاق الموصلي قال: (لم يكن المنصور يظهر لندمائه بشرب ولا غناء، بل يجلس وبينه وبين الندماء ستارة بينهم وبينها عشرون ذراعا، وبينها وبينه كذلك، وأول من ظهر للندماء من خلفاء بني العباس: المهدي). وأخرج الصولي عن يعقوب بن جعفر قال: قال المنصور لقثم بن العباس بن عبد الله بن العباس - وكان عامله على اليمامة والبحرين -: (ما القثم؟ ومن أي شيء أخذ؟ فقال: لا أدري، فقال: اسمك اسم هاشمي لا تعرفه؟! أنت والله جاهل، قال: فإن رأى أمير المؤمنين أن يفيدنيه؟ قال: القائم: الذي يزل بعد الأكل، ويقثم الأشياء: يأخذها ويثلمها). [لم خلق الله الذباب؟] وروي: (أن المنصور ألح عليه ذباب، فطلب مقاتل بن سليمان فسأله: لم خلق الله الذباب؟ قال: ليذل به الجبارين) (١). [من أوليات المنصور] وقال محمد بن علي الخراساني: (المنصور أول خليفة قرب المنجمين، وعمل بأحكام النجوم). وأول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية بالعربية؛ ككتاب «كليلة ودمنة»، و «إقليدس». وهو أول من استعمل مواليه على الأعمال وقدمهم على العرب، وكثر ذلك بعده حتى زالت رئاسة العرب وقيادتها.

стр. 412

وهو أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد علي، وكان قبل ذلك أمرهم واحدا (١) أحاديث من رواية المنصور قال الصولي: (كان المنصور أعلم الناس بالحديث والأنساب، مشهورا بطلبه). قال ابن عساكر في «تاريخ دمشق»: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، أخبرنا أبو محمد الجوهري، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن الشخير، حدثنا أحمد بن إسحاق أبو بكر الملحمي، حدثنا أبو عقيل أنس بن سلم الأنطرطوسي، حدثني محمد بن إبراهيم السلمي، عن المأمون، عن الرشيد، عن المهدي، عن المنصور، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه) (٢) وقال الصولي: حدثنا محمد بن زكريا اللؤلؤي، حدثنا جهم بن السباق الرياحي، حدثني بشر بن المفضل، سمعت الرشيد يقول: سمعت المهدي يقول: سمعت المنصور يقول: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل أهل بيتي .. مثل سفينة نوح، من ركب فيها .. نجا، ومن تأخر عنها .. هلك» (٣). وقال الصولي: حدثنا محمد بن موسى، حدثنا سليمان بن أبي شيخ، حدثنا أبو سفيان الحميري، سمعت المهدي يقول: حدثني أبي، عن أبيه، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أمرنا أميرا وفرضنا له فرضا: فما أصاب من شيء .. فهو غلول» (٤).

стр. 413

وقال الصولي: حدثنا جبلة بن محمد، حدثنا أبي، عن يحيى بن حمزة الحضرمي، عن أبيه قال: ولأني المهدي القضاء فقال: اصلب في الحكم؛ فإن أبي حدثني، عن أبيه، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله: وعزتي وجلالي؛ لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلوما يقدر أن ينصره فلم يفعل» (١). وقال الصولي: حدثنا محمد بن العباس بن الفرج، حدثني أبي، عن الأصمعي، حدثني جعفر بن سليمان، عن المنصور، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» (٢). وقال الصولي: حدثنا أبو إسحاق محمد بن هارون بن عيسى، حدثنا الحسن بن عبيد الله [بن] الخصيب (٣)، حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثني المأمون، عن الرشيد، عن المهدي، عن المنصور، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: (لا تسافروا في محاق الشهر، ولا إذا كان القمر في العقرب) (٤). [من مات في عهده] وممن مات في أيام المنصور من الأعلام: ابن المقفع، وسهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن، وخالد بن يزيد المصري الفقيه، وداوود بن أبي هند، وأبو حازم سلمة بن دينار الأعرج، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، ويونس بن عبيد، وسليمان الأحول، وموسى بن عقبة صاحب

стр. 414

المغازي، وعمرو بن عبيد المعتزلي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والكلبي، وابن إسحاق، وجعفر بن محمد الصادق، والأعمش، وشبل بن عباد مقرئ مكة، ومحمد بن عجلان المدني الفقيه، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وابن جريج، وأبو حنيفة، وحجاج بن أرطاة، وحماد الراوية، ورؤبة الشاعر، والجريري، وسليمان التيمي، وعاصم الأحول، وابن شبرمة الضبي، ومقاتل بن حيان، ومقاتل بن سليمان، وهشام بن عروة، وأبو عمرو بن العلاء، وأشعب الطمع، وحمزة بن حبيب الزيات، والأوزاعي، وخلائق آخرون.

стр. 415

خلافة المهدي [١٥٨ - ١٦٩ هـ] (١) أبو عبد الله محمد بن المنصور، ولد بإيذج سنة سبع وعشرين ومئة، وقيل: سنة ست وعشرين، وأمه: أم موسى بنت منصور الحميرية. وكان جوادا ممدحا، مليح الشكل، محببا إلى الرعية، حسن الاعتقاد، تتبع الزنادقة وأفنى منهم خلقا كثيرا، وهو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة والملحدين. روى الحديث عن أبيه، وعن مبارك بن فضالة، حدث عنه: يحيى بن حمزة، وجعفر بن سليمان الضبعي، ومحمد بن عبد الله الرقاشي، وأبو سفيان سعيد بن يحيى الحميري، قال الذهبي: (وما علمت قيل فيه جرحا ولا تعديلا) (٢). وأخرج ابن عدي من حديث عثمان مرفوعا: «المهدي من ولد العباس عمي» تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم، وكان يضع الحديث (٣)، وأورد الذهبي هنا حديث ابن مسعود مرفوعا: «المهدي يواطيء اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي» أخرجه أبو داوود والترمذي وصححه (٤). ولما شب المهدي .. أمره أبوه على طبرستان وما والاها، وتأدب وجالس العلماء وتميز.

стр. 416

[أول خطبة للمهدي بعد توليه الخلافة] ثم إن أباه عهد إليه، فلما مات .. بويع بالخلافة، ووصل الخبر إليه ببغداد، فخطب الناس فقال: (إن أمير المؤمنين عبد دعي فأجاب، وأمر فأطاع، واغرورقت عيناه، فقال: قد بكى رسول الله ﷺ عند فراق الأحبة؛ ولقد فارقت عظيما، وقلدت جسيما، فعند الله أحتسب أمير المؤمنين، وبه أستعين على خلافة المسلمين. أيها الناس؛ أسروا مثل ما تعلنون من طاعتنا .. نهبكم العافية، وتحمدوا العاقبة، واخفضوا جناح الطاعة لمن نشر معدلته فيكم، وطوى الإصر عنكم، وأهال عليكم السلامة من حيث رآه الله مقدما ذلك، والله؛ لأفنين عمري بين عقوبتكم والإحسان إليكم) (١). قال نفطويه: (لما حصلت الخزائن في يد المهدي .. أخذ في رد المظالم، فأخرج أكثر الذخائر ففرقها، وبر أهله ومواليه) (٢). وقال غيره: أول من هنأ المهدي بالخلافة وعزاه بأبيه: أبو دلامة فقال (٣): [من الكامل] عيناي واحدة ترى مسرورة … بأميرها جذلي وأخرى تذرف تبكي وتضحك تارة ويسوءها … ما أنكرت ويسرها ما تعرف فيسوءها موت الخليفة محرما … ويسرها أن قام هذا الأرأف ما إن رأيت كما رأيت ولا أرى … شعرا أسرحه وآخر أنتف هلك الخليفة يا لدين محمد … وأتاكم من بعده من يخلف

стр. 417

أهدى لهذا الله فضل خلافة … ولذاك جنات النعيم تزخرف وفي سنة تسع وخمسين: بايع المهدي بولاية العهد لموسى الهادي، ثم من بعده لهارون الرشيد ولديه وفي سنة ستين: فتحت باربد من الهند عنوة (١). وفيها: حج المهدي فأنهى إليه حجبة الكعبة: أنهم يخافون هدمها؛ لكثرة ما عليها من الأستار، فأمر بها فجردت واقتصر على كسوة المهدي، وحمل إلى المهدي الثلج إلى مكة، قال الذهبي: (ولم يتهيأ ذلك لملك قط) (٢). وفي سنة إحدى وستين: أمر المهدي بعمارة طريق مكة، وبنى بها قصورا وعمل البرك، وأمر بترك المقاصير التي في جوامع الإسلام، وقصر المنابر، وصيرها على مقدار منبر رسول الله ﷺ (٣). وفي سنة ثلاث وستين وما بعدها: كثرت الفتوح بالروم. وفي سنة ست وستين: تحول المهدي إلى قصر السلام، وأمر فأقيم له البريد من المدينة النبوية ومن اليمن ومكة إلى الحضرة بغالا وإبلا، قال الذهبي: (وهو أول ما عمل البريد من الحجاز إلى العراق) (٤).

стр. 418

وفيها وفيما بعدها: جد المهدي في تتبع الزنادقة وإبادتهم، والبحث عنهم في الآفاق، وقتل على التهمة. وفي سنة سبع وستين: أمر بالزيادة الكبرى في المسجد الحرام، وأدخل في ذلك دورا كثيرة. وفي سنة تسع وستين: مات المهدي؛ ساق خلف صيد، فاقتحم الصيد خربة، وتبعه الفرس، فدق ظهره في بابها فمات لوقته؛ وذلك لثمان بقين من المحرم، وقيل: إنه مات مسموما، وقال سلم الخاسر يرثيه: [من الوافر] وباكية على المهدي عبرى … كأن بها وما جنت جنونا وقد خمشت محاسنها وأبدت … غدائرها وأظهرت القرونا لئن بلي الخليفة بعد عز … لقد أبقى مساعي ما بلينا سلام الله عدة كل يوم … على المهدي حين ثوى رهينا تركنا الدين والدنيا جميعا … بحيث ثوى أمير المؤمنينا ومن أخبار المهدي قال الصولي: لما عقد المهدي العهد لولده موسى .. قال مروان بن أبي حفصة (١): [من الكامل] عقدت لموسى بالرصافة بيعة … شد الإله بها عرى الإسلام موسى الذي عرفت قريش فضله … ولها فضيلتها على الأقوام بمحمد بعد النبي محمد … حيي الحلال ومات كل حرام مهدي أمته الذي أمست به … للذل آمنة وللإعدام موسى ولي عصا الخلافة بعده … جفت بذاك مواقع الأقلام

стр. 419

وقال آخر (١): [من الكامل] يا بن الخليفة إن أمة أحمد … تاقت إليك بطاعة أهواؤها ولتملأن الأرض عدلا كالذي … كانت تحدث أمة علماؤها حتى تمنى لو ترى أمواتها … من عدل حكمك ما ترى أحياؤها فعلى أبيك اليوم بهجة ملكها … وغدا عليك إزارها ورداؤها [مكافأة من قالت: يا عصبة رسول الله ﷺ ] وأسند الصولي: (أن امرأة اعترضت المهدي فقالت: يا عصبة رسول الله ﷺ ؛ انظر في حاجتي، فقال المهدي: ما سمعتها من أحد قط؛ اقضوا حاجتها، وأعطوها عشرة آلاف درهم!!) (٢). [الشيخ لا يترك أخلاقه] وقال قريش الختلي: (رفع صالح بن عبد القدوس البصري إلى المهدي في الزندقة، فأراد قتله، فقال: أتوب إلى الله تعالى، وأنشده لنفسه: [من السريع] ما يبلغ الأعداء من جاهل … ما يبلغ الجاهل من نفسه والشيخ لا يترك أخلاقه … حتى يوارى في ثرى رمسه فصرفه، فلما قرب من الخروج .. رده فقال: ألم تقل: والشيخ لا يترك أخلاقه؟ قال: بلى، قال: فكذلك أنت لا تدع أخلاقك حتى تموت، ثم أمر بقتله) (٣)

стр. 420

[أشهد أن قفاك قفا كذاب] وقال زهير: (قدم على المهدي بعشرة محدثين؛ منهم: فرج بن فضالة، وغياث بن إبراهيم، وكان المهدي يحب الحمام، فلما دخل غياث .. قيل له: حدث أمير المؤمنين، فحدثه: عن فلان، عن أبي هريرة مرة مرفوعا: «لا سبق إلا في حافر أو نصل»، وزاد فيه: «أو جناح» فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم، فلما قام .. قال: أشهد أن قفاك قفا كذاب؛ وإنما استجلبت ذلك، ثم أمر بالحمام فذبحت) (١). [لا بد من ثلاث] وروي: (أن شريكا دخل على المهدي فقال له: لا بد من ثلاث: إما أن تلي القضاء، أو تؤدب ولدي وتحدثهم، أو تأكل عندي أكلة، ففكر ساعة، ثم قال: الأكلة أخف علي، فأمر المهدي بعمل ألوان من المخ المعقود بالسكر وغير ذلك، فأكل، فقال الطباخ: لا يفلح بعدها!! قال: فحدثهم بعد ذلك، وعلمهم العلم، وولي القضاء) (٢). [هكذا يطلب العلم] وأخرج البغوي في «الجعديات» عن حمدان الأصبهاني قال: (كنت عند شريك، فأتاه ابن المهدي، فاستند وسأل عن حديث، فلم يلتفت شريك، ثم أعاد فعاد، فقال: كأنك تستخف بأولاد الخلفاء؟! قال: لا؛ ولكن العلم أزين عند أهله من أن يضيعوه، فجثا على ركبتيه ثم سأله، فقال شريك: هكذا يطلب العلم).

стр. 421

ومن شعر المهدي - أنشده الصولي -: [من مجزوء الرمل] ما يكف الناس عنا … ما يمل الناس منا إنما همتهم أن … ينبشوا ما قد دفنا لو سكنا باطن الأر … ض لكانوا حيث كنا وهم إن كاشفونا … في الهوى يوما مجنا [المهدي والجارية] وأسند الصولي عن محمد بن عمارة قال: كان للمهدي جارية شغف بها وهي كذلك، إلا أنها تتحاماه كثيرا، فدس إليها من عرف ما في نفسها، فقالت: أخاف أن يملني ويدعني فأموت، فقال المهدي في ذلك: [من مجزوء الرمل] ظفرت بالقلب مني … غادة مثل الهلال كلما صح لها ود … ي جاءت باعتلال لا لحب الهجر مني … والتنائي عن وصالي بل لإبقاء على … حبي لها خوف الملال وله في نديمه عمر بن بزيع: [من مجزوء الرمل] رب تمم لي نعيمي … بأبي حفص نديمي إنما لذة عيشي … في غناء وكروم وجوار عطرات … وسماع ونعيم قلت: شعر المهدي أرق وألطف من شعر أبيه وأولاده بكثير. [استحياء الجارية] وأسند الصولي عن ابن أبي كريمة قال: دخل المهدي إلى حجرة جارية على غفلة، فوجدها وقد نزعت ثيابها وأرادت لبس غيرها، فلما رأته .. غطت

стр. 422

بيدها، فقصرت كفها عنه، فضحك وقال: [من مجزوء الرمل] أبصرت عيني لحيني … منظرا يجلب شيني ثم خرج فرأى بشارا فأخبره وقال: أجز، فقال بشار (١): سترته إذ رأتني … بين طي العكنتين فبدا لي منه فضل … لم يسع في الراحتين وأسند عن إسحاق الموصلي قال: (كان المهدي في أول أمره يحتجب عن الندماء؛ تشبها بالمنصور نحوا من سنة، ثم ظهر لهم، فأشير عليه أن يحتجب، فقال: إنما اللذة مع مشاهدتها). [من استعان بخائن كان شريكه] وأسند عن مهدي بن سابق قال: (صاح رجل بالمهدي وهو في موكبه: [من الكامل] قل للخليفة حاتم لك خائن … فخف الإله وأعفنا من حاتم إن العفيف إذا استعان بخائن … كان العفيف شريكه في المأثم فقال المهدي: يعزل كل عامل لنا يدعى حاتما). [سماحة أخلاق المهدي] وأسند عن أبي عبيدة قال: (كان المهدي يصلي بنا الصلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها، فأقيمت الصلاة يوما، فقال أعرابي: لست على طهر؛ وقد رغبت في الصلاة خلفك، فأمر هؤلاء بانتظاري. فقال: انتظروه، ودخل المحراب فوقف إلى أن قيل: قد جاء الرجل، فكبر، فعجب الناس من سماحة أخلاقه).

стр. 423

[إذعان المهدي عند ذكر النبي ﷺ ] وأسند عن إبراهيم بن نافع: (أن قوما من أهل البصرة تنازعوا إليه في نهر من أنهار البصرة، فقال: إن الأرض الله في أيدينا للمسلمين، فما لم يقع له ابتياع منها .. يعود ثمنه على كافتهم وفي مصلحتهم، فلا سبيل لأحد عليه. فقال القوم: هذا النهر لنا بحكم رسول الله ﷺ ؛ لأنه قال: «من أحيا أرضا ميتة .. فهي له» (١) وهذه موات. فوثب المهدي عند ذكر النبي ﷺ حتى ألصق خده بالتراب، وقال: سمعت لما قال وأطعت، ثم عاد وقال: بقي أن تكون هذه الأرض مواتا حتى لا أعرض فيها، وكيف تكون مواتا والماء محيط بها من جوانبها؟! فإن أقاموا البينة على هذا .. سلمت). وأسند عن الأصمعي قال: (سمعت المهدي على منبر البصرة يقول: إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته فقال: ﴿إن الله وملئكته يصلون على النبي﴾ … الآية، آثره بها من بين الرسل؛ إذ خصكم بها من بين الأمم). قلت: وهو أول من قال ذلك في الخطبة، وقد استنها الخطباء إلى اليوم. ولما مات .. قال أبو العتاهية وقد علقت المسوح على قباب حرمه (٢): [من مجزوء الرمل] رحن في الموشى وأصبحـ … ـن عليهن المسوح كل نطاح من الدهـ … ـــــر له يوم نطوح لست بالباقي ولو عمـ … ـرت ما عمر نوح نح على نفسك يا مسـ … ـكين إن كنت تنوح ذكر أحاديث من رواية المهدي قال الصولي: حدثني أحمد بن محمد بن صالح التمار، حدثنا يحيى بن

стр. 424

محمد القرشي، حدثنا أحمد بن هشام، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن مسلم المدائني وهو ثقة صدوق، قال: سمعت المهدي يخطب فقال: حدثنا شعبة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة من العصر إلى مغيربان الشمس، حفظها من حفظها، ونسيها من نسيها، فقال: «ألا إن الدنيا حلوة خضرة … » » الحديث بطوله (١) وقال الصولي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم القزاز، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثني أبو يعقوب بن حفص الخطابي، سمعت المهدي يقول: حدثني أبي عن أبيه، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه: أن وفدا من العجم قدموا على رسول الله ﷺ وقد أحفوا لحاهم وأعفوا شواربهم، فقال النبي ﷺ : «خالفوهم؛ أعفوا لحاكم، وأحفوا شواربكم». وإحفاء الشارب: أخذ ما سقط على الشفة منه، ووضع المهدي يده على أعلى شفته وقال منصور بن مزاحم ومحمد بن يحيى بن حمزة: عن يحيى بن حمزة قال: صلى بنا المهدي المغرب فجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فقلت: يا أمير المؤمنين؛ ما هذا؟ قال: حدثني أبي عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ جهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾) فقلت للمهدي: نأثره عنك؟ قال: نعم. قال الذهبي: (هذا إسناد متصل، لكن ما علمت أحدا احتج بالمهدي ولا بأبيه في الأحكام، تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم، وقال ابن عدي: كان يضع الحديث) (٢). قلت: لم ينفرد به، بل وجدت له متابعا.

стр. 425

[من مات في عهده] مات في أيام المهدي من الأعلام: شعبة، وابن أبي ذئب، وسفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم الزاهد، وداوود الطائي الزاهد، وبشار بن برد أول شعراء المحدثين، وحماد بن سلمة، وإبراهيم بن طهمان، والخليل بن أحمد صاحب العروض.
следующие страницы →