خلافة عمر بن عبد العزيز بن مروان [٩٩ - ١٠١ هـ] (١)
الخليفة الصالح، أبو حفص، خامس الخلفاء الراشدين.
قال سفيان الثوري: (الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز) أخرجه أبو داوود في «سننه» (٢).
ولد عمر بحلوان قرية بمصر، وأبوه أمير عليها سنة إحدى - وقيل: ثلاث - وستين، وأمه: أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.
وكان بوجه عمر شجة؛ ضربته دابة في جبهته وهو غلام، فجعل أبوه يمسح الدم عنه ويقول: (إن كنت أشج بني أمية .. إنك لسعيد) أخرجه ابن عساكر (٣).
وكان عمر بن الخطاب يقول: (من ولدي رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلا) أخرجه الترمذي في «تاريخه»، فصدق ظن أبيه فيه (٤).
وأخرج ابن سعد: أن عمر بن الخطاب قال: (ليت شعري!! من ذو الشين من ولدي؛ الذي يملؤها عدلا كما ملئت جورا؟) (٥).
وأخرج عن ابن عمر قال: (كنا نتحدث أن الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجل من
стр. 352
آل عمر، يعمل بمثل عمل عمر) فكان بلال بن عبد الله بن عمر بوجهه شامة، وكانوا يرون أنه هو، حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز (١).
روى عمر بن عبد العزيز عن أبيه، وأنس، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وابن قارظ، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وعامر بن سعد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن، والربيع بن سبرة، وطائفة.
روى عنه: الزهري، ومحمد بن المنكدر، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومسلمة بن عبد الملك، ورجاء بن حيوة، وخلائق كثيرون.
[نشأة عمر بن عبد العزيز وصلاحه]
جمع القرآن وهو صغير، وبعثه أبوه إلى المدينة يتأدب بها، فكان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم، فلما توفي أبوه .. طلبه عبد الملك إلى دمشق، وزوجه ابنته فاطمة.
وكان قبل الخلافة على قدم الصلاح أيضا، إلا أنه كان يبالغ في التنعم، فكان الذين يعيبونه من حساده لا يعيبونه إلا بالإفراط في التنعم، والاختيال في المشية (٢).
فلما ولي الوليد الخلافة .. أمر عمر على المدينة، فوليها من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين، وعزل فقدم الشام.
ثم إن الوليد عزم على أن يخلع أخاه سليمان من العهد، وأن يعهد إلى ولده، فأطاعه كثير من الأشراف طوعا وكرها، فامتنع عمر بن عبد العزيز، وقال: (لسليمان في أعناقنا بيعة) وصمم، فطين عليه الوليد، ثم شفع فيه بعد ثلاث، فأدركوه وقد مالت عنقه (٣)، فعرفها له سليمان، فعهد إليه بالخلافة.
стр. 353
قال زيد بن أسلم: عن أنس ﵁: (ما صليت وراء إمام بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى) يعني: عمر بن عبد العزيز، وهو أمير على المدينة.
قال زيد بن أسلم: (فكان يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود)، له طرق عن أنس أخرجه البيهقي في «سننه» وغيره (١).
وسئل محمد بن علي بن الحسين عن عمر بن عبد العزيز فقال: (هو نجيب بني أمية، وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده) (٢).
وقال ميمون بن مهران: (كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة) (٣).
وأخرج أبو نعيم بسند صحيح عن رياح بن عبيدة قال: (خرج عمر بن عبد العزيز إلى الصلاة وشيخ متوكئ على يده، فقلت في نفسي: إن هذا الشيخ جاف!! فلما صلى ودخل .. لحقته، فقلت: أصلح الله الأمير؛ من الشيخ الذي كان يتكئ على يدك؟
قال: يا رياح؛ رأيته؟ قلت: نعم، قال: ما أحسبك إلا رجلا صالحا؛ ذاك أخي الخضر، أتاني فأعلمني أني سألي أمر هذه الأمة، وأني سأعدل فيها) (٤).
وأخرج أيضا عن أبي هاشم: أن رجلا جاء إلى عمر بن عبد العزيز فقال: (رأيت النبي ﷺ في النوم وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، فإذا رجلان يختصمان وأنت بين يديه جالس، فقال لك: «يا عمر؛ إذا عملت .. فاعمل بعمل هذين» لأبي بكر وعمر، فاستحلف له عمر: بالله لرأيت هذا؟ فحلف له، فبكى) (٥).
стр. 354
[مبايعة سيدنا عمر بن عبد العزيز وخلافته]
بويع بالخلافة بعهد من سليمان، في صفر، سنة تسع وتسعين كما تقدم (١)، فمكث فيها سنتين وخمسة أشهر نحو خلافة الصديق ﵁، ملأ فيها الأرض عدلا، ورد المظالم، وسن السنن الحسنة.
ولما قرئ كتاب العهد باسمه .. عقر وقال: (والله؛ إن هذا الأمر ما سألته الله قط)، وقدم إليه صاحب المراكب مركب الخليفة فأبى، وقال: (ائتوني ببغلتي).
قال الحكم بن عمر: (شهدت عمر بن عبد العزيز حين جاءه أصحاب المراكب يسألونه العلوفة ورزق خدمتها، قال: ابعث بها إلى أمصار الشام يبيعونها فيمن يزيد، واجعل أثمانها في مال الله، تكفيني بغلتي هذه الشهباء) (٢).
وقال عمر بن ذر: (لما رجع عمر من جنازة سليمان .. قال له مولاه: ما لي أراك مغتما؟ قال: لمثل ما أنا فيه فليغتم؛ ليس أحد من الأمة .. إلا وأنا أريد أن أوصل إليه حقه غير كاتب إلي فيه، ولا طالبه مني) (٣).
وعن عمرو بن مهاجر وغيره: (أن عمر لما استخلف .. قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس؛ إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد ﵌، ألا وإني لست بقاض ولكني منفذ، ولست بمبتدع ولكني متبع، ولست بخير من أحدكم ولكني أثقلكم حملا؛ إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) (٤).
وعن الزهري قال: (كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله يكتب إليه
стр. 355
بسيرة عمر بن الخطاب في الصدقات، فكتب إليه بالذي سأل، وكتب إليه: إنك إن عملت بمثل عمل عمر في زمانه ورجاله في مثل زمانك ورجالك .. كنت عند الله خيرا من عمر) (١).
وعن حماد: (أن عمر لما استخلف .. بكى، فقال: يا أبا فلان؛ أتخشى علي؟ قال: كيف حبك للدرهم؟ قال: لا أحبه، قال: لا تخف؛ فإن الله سيعينك) (٢)
[سياسته في الخلافة والعودة إلى سيرة الراشدين]
وعن مغيرة قال: (جمع عمر حين استخلف بني مروان فقال: إن رسول الله ﷺ كانت له فدك؛ ينفق منها، ويعول منها على صغير بني هاشم، ويزوج منها أيمهم، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، فكانت كذلك حياة أبي بكر، ثم عمر، ثم أقطعها مروان، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز، فرأيت أمرا منعه رسول الله ﷺ فاطمة ليس لي بحق، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت على عهد رسول الله ﷺ ) (٣)
وعن الليث قال: (لما ولي عمر .. بدأ بلحمته وأهل بيته؛ فأخذ ما بأيديهم، وسمى أموالهم مظالم) (٤)
وقال أسماء بن عبيد: (دخل عنبسة بن سعيد بن العاصي على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن من كان قبلك من الخلفاء كانوا يعطوننا عطايا منعتناها، ولي عيال وضيعة، أفتأذن لي أن أخرج إلى ضيعتي لما يصلح عيالي؟ فقال عمر: أحبكم من كفانا مؤنته، ثم قال له: أكثر ذكر الموت؛ فإن
стр. 356
كنت في ضيق من العيش .. وسعه عليك، وإن كنت في سعة من العيش .. ضيقه عليك) (١).
وقال فرات بن السائب: (قال عمر بن عبد العزيز لامرأته فاطمة بنت عبد الملك وكان عندها جوهر أمر لها به أبوها لم ير مثله: اختاري: إما أن تردي حليك إلى بيت المال، وإما أن تأذني لي في فراقك؛ فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد؟
قالت: لا؛ بل أختارك عليه وعلى أضعافه، فأمر به فحمل حتى وضع في بيت مال المسلمين، فلما مات عمر واستخلف يزيد .. قال لفاطمة: إن شئت رددته إليك؟ قالت: لا والله؛ لا أطيب به نفسا في حياته وأرجع فيه بعد موته) (٢).
وقال عبد العزيز: (كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إن مدينتنا قد خربت؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالا نرمها به .. فعل؟ فكتب إليه عمر: إذا قرأت كتابي هذا .. فحصنها بالعدل، ونق طرقها من الظلم؛ فإنه مرمتها، والسلام) (٣).
وقال إبراهيم السكوني: (قال عمر بن عبد العزيز: ما كذبت منذ علمت أن الكذب شين على أهله) (٤).
[شهادة الناس في سيدنا عمر بن عبد العزيز]
وقال قيس بن حبتر: (مثل عمر في بني أمية .. مثل مؤمن آل فرعون) (٥).
стр. 357
وقال ميمون بن مهران: (إن الله كان يتعاهد الناس بنبي بعد نبي، وإن الله تعاهد الناس بعمر بن عبد العزيز) (١).
وقال وهب بن منبه: (إن كان في هذه الأمة مهدي .. فهو عمر بن عبد العزيز) (٢).
وقال محمد بن فضالة: (مر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز براهب في الجزيرة، فنزل إليه الراهب ولم ينزل لأحد قبله، وقال: أتدري لم نزلت إليك؟ قال: لا، قال: لحق أبيك، إنا نجده من أئمة العدل بموضع رجب من الأشهر الحرم، ففسره أيوب بن سويد: ثلاثة متوالية: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم: أبو بكر وعمر وعثمان، ورجب منفرد منها: عمر بن عبد العزيز) (٣).
وقال حسن القصاب (٤): (رأيت الذئاب ترعى مع الغنم بالبادية في خلافة عمر بن عبد العزيز، فقلت: سبحان الله!! ذئب في غنم لا يضرها، فقال الراعي: إذا صلح الرأس .. فليس على الجسد بأس) (٥).
وقال مالك بن دينار: (لما ولي عمر بن عبد العزيز .. قالت رعاء الشاء: من هذا الصالح الذي قام على الناس خليفة عدل؟! كفت الذئاب عن شائنا) (٦).
وقال موسى بن أعين: (كنا نرعى الشاء بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز، فكانت الشاء والذئب ترعى في مكان واحد، فبينا نحن ذات ليلة .. إذ عرض الذئب للشاة، فقلت: ما نرى الرجل الصالح إلا قد هلك، فحسبوا فوجدوه مات تلك الليلة) (٧).
стр. 358
وقال الوليد بن مسلم: (بلغنا أن رجلا كان بخراسان قال: أتاني آت في المنام فقال: إذا قام أشج بني مروان .. فانطلق فبايعه؛ فإنه إمام عدل، فجعلت أسأل كلما قام خليفة، حتى قام عمر بن عبد العزيز، فأتاني ثلاث مرات في المنام، فارتحلت إليه فبايعته) (١)
وعن حبيب بن هند الأسلمي قال: (قال لي سعيد بن المسيب: إنما الخلفاء ثلاثة: أبو بكر وعمر وعمر، قلت: هذا أبو بكر وعمر قد عرفناهما؛ فمن عمر؟ قال: إن عشت .. أدركته، وإن مت .. كان بعدك)، قلت: ومات ابن المسيب قبل خلافة عمر (٢)
وقال ابن عون: (كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء .. قال: نهى عنه إمام الهدى) يعني: عمر بن عبد العزيز (٣)
وقال الحسن: (إن كان مهدي .. فعمر بن عبد العزيز، وإلا .. فلا مهدي إلا عيسى ابن مريم) (٤)
[ذكر شيء من زهده وفضائله]
وقال مالك بن دينار: (الناس يقولون: مالك زاهد؛ إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، الذي أتته الدنيا فتركها) (٥)
وقال يونس بن أبي شبيب: (شهدت عمر بن عبد العزيز وإن حجزة إزاره لغائبة في عكنه، ثم رأيته بعد ما استخلف، ولو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسها .. لفعلت) (٦)
стр. 359
وقال ولده عبد العزيز: (سألني أبو جعفر المنصور: كم كانت غلة أبيك حين أفضت الخلافة إليه؟ قلت: أربعين ألف دينار، قال: فكم كانت حين توفي؟ قلت: أربع مئة دينار، ولو بقي .. لنقصت) (١)
وقال مسلمة بن عبد الملك: (دخلت على عمر بن عبد العزيز أعوده في مرضه؛ فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لفاطمة بنت عبد الملك: ألا تغسلين قميصه؟ قالت: والله؛ ما له قميص غيره) (٢)
وقال أبو أمية الخصي غلام عمر: (دخلت يوما إلى مولاتي فغدتني عدسا، فقلت: كل يوم عدس؟! فقالت: يا بني؛ هذا طعام مولاك أمير المؤمنين).
قال: (ودخل عمر الحمام يوما فاطلى، فولي عانته بيده) (٣)
قال: (ولما احتضر .. بعثني بدينار إلى أهل الدير فقال: إن بعتموني موضع قبري؛ وإلا .. تحولت عنكم، فأتيتهم فقالوا: لولا أنا نكره أن يتحول عنا .. ما قبلناه) (٤)
وقال عون بن المعمر: (دخل عمر على امرأته، فقال: يا فاطمة؛ عندك درهم أشتري به عنبا؟ قالت: لا، قالت: وأنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم تشتري به عنبا؟! قال: هذا أهون علينا من معالجة الأغلال غدا في جهنم) (٥).
وقالت فاطمة امرأته: (ما أعلم أنه اغتسل لا من جنابة ولا من احتلام منذ استخلفه الله حتى قبضه) (٦)
стр. 360
[بكاء جواريه]
وقال سهل بن صدقة: (لما استخلف عمر .. سمع في منزله بكاء، فسألوا عن ذلك، فقالوا: إن عمر خير جواريه، فقال: قد نزل بي أمر قد شغلني عنكم، فمن أحب أن أعتقه .. أعتقته، ومن أحب أن أمسكه .. أمسكته إن لم يكن مني إليها شيء، فبكين إياسا منه) (١).
وقالت فاطمة امرأته: (كان عمر إذا دخل البيت .. ألقى نفسه في مسجده، فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلبه عيناه، ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلته أجمع) (٢).
وقال الوليد بن أبي السائب: (ما رأيت أحدا قط أخوف من عمر) (٣).
وقال سعيد بن سويد: (صلى عمر بالناس الجمعة وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين؛ إن الله قد أعطاك فلو لبست؟ فنكس مليا، ثم رفع رأسه فقال: إن أفضل القصد عند الجدة، وأفضل العفو عند القدرة) (٤).
وقال ميمون بن مهران: (سمعت عمر يقول: لو أقمت فيكم خمسين عاما .. ما استكملت فيكم العدل؛ إني لأريد الأمر فأخاف ألا تحمله قلوبكم، فأخرج معه طمعا من الدنيا، فإن أنكرت قلوبكم هذا .. سكنت إلى هذا) (٥).
وقال إبراهيم بن ميسرة: (قلت لطاووس: هو المهدي - يعني: عمر بن عبد العزيز - قال: هو مهدي، وليس به؛ إنه لم يستكمل العدل كله) (٦).
стр. 361
وقال عمر بن أسيد: (والله؛ ما مات عمر حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح حتى يرجع بماله كله، قد أغنى عمر الناس) (١).
وقال جويرية: (دخلنا على فاطمة بنة علي بن أبي طالب، فأثنت على عمر بن عبد العزيز وقالت: لو كان بقي لنا .. ما احتجنا بعد إلى أحد) (٢).
وقال عطاء بن أبي رباح: (حدثتني فاطمة امرأة عمر: أنها دخلت عليه وهو في مصلاه تسيل دموعه على لحيته، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ الشيء حدث؟
قال: يا فاطمة؛ إني تقلدت من أمر أمة محمد ﵌؛ أسودها وأحمرها، فتفكرت في: الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة، فخشيت ألا تثبت لي حجة فبكيت) (٣).
[كيف أوليكم ديني؟]
وقال الأوزاعي: (إن عمر بن عبد العزيز كان جالسا في بيته وعنده أشراف بني أمية، فقال: تحبون أن أولي كل رجل منكم جندا؟ فقال رجل منهم: لم تعرض علينا ما لا تفعله؟!
قال: ترون بساطي هذا؟ إني لأعلم أنه يصير إلى بلى وفناء، وإني أكره أن تدنسوه بأرجلكم، فكيف أوليكم ديني، أوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم؟! هيهات لكم هيهات!!
فقالوا له: لم؟ أما لنا قرابة؟ أما لنا حق؟ قال: ما أنتم وأقصى رجل من
стр. 362
المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء، إلا رجل من المسلمين حبسه عني طول شقته) (١)
وقال حميد (٢): (أملى علي الحسن رسالة إلى عمر بن عبد العزيز فأبلغ، ثم شكا الحاجة والعيال، فأمر بعطائه) (٣)
وقال الأوزاعي: (كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلا .. حبسه ثلاثة أيام، ثم عاقبه؛ كراهة أن يعجل في أول غضبه) (٤)
وقال جويرية بن أسماء: (قال عمر بن العزيز: إن نفسي نفس تواقة؛ لم تعط من الدنيا شيئا .. إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، فلما أعطيت ما لا شيء فوقه من الدنيا .. تاقت نفسي إلى ما هو أفضل منه) يعني: الجنة (٥).
وقال عمرو بن مهاجر: (كانت نفقة عمر بن عبد العزيز كل يوم درهمين) (٦).
وقال يوسف بن يعقوب الكاهلي: (كان عمر يلبس الفروة الكبل، وكان سراج بيته على ثلاث قصبات فوقهن طين) (٧)
وقال عطاء الخراساني: (أمر عمر غلامه أن يسخن له ماء، فانطلق فسخن قمقما في مطبخ العامة، فأمره عمر أن يأخذ بدرهم حطبا يضعه في المطبخ) (٨).
وقال عمرو بن مهاجر: (كان عمر يسرج عليه الشمعة ما كان في حوائج المسلمين، فإذا فرغ من حوائجهم .. أطفأها ثم أسرج عليه سراجه) (٩)
стр. 363
وقال الحكم بن عمر: (كان للخليفة ثلاث مئة حرسي، وثلاث مئة شرطي، فقال عمر للحرس: إن لي عنكم بالقدر حاجرا، وبالأجل حارسا، من أقام منكم .. فله عشرة دنانير، ومن شاء .. فليلحق بأهله) (١)
[الهدية للنبي ﷺ هدية ولنا رشوة]
وقال عمرو بن مهاجر: (اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحا، فأهدى إليه رجل من أهل بيته تفاحا، فقال: ما أطيب ريحه وأحسنه!! ارفعه يا غلام - للذي أتى به - وأقرئ فلانا السلام وقل له: إن هديتك وقعت عندنا بحيث تحب، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ ابن عمك ورجل من أهل بيتك، وقد بلغك أن النبي ﷺ كان يأكل الهدية؟! فقال: ويحك!! إن الهدية كانت للنبي ﷺ هدية، وهي لنا اليوم رشوة) (٢)
[مواعظه ونصحه وتواضعه]
وقال إبراهيم بن ميسرة: (ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب أحدا في خلافته، غير رجل واحد تناول من معاوية، فضربه ثلاثة أسواط) (٣)
وقال الأوزاعي: (لما قطع عمر بن عبد العزيز عن أهل بيته ما كان يجري عليهم من أرزاق الخاصة .. كلموه في ذلك، فقال: لن يتسع مالي لكم، وأما هذا المال .. فإنما حقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد) (٤)
وقال أبو عمر: (كتب عمر بن عبد العزيز: برد أحكام من أحكام الحجاج مخالفة لأحكام الناس) (٥)
стр. 364
وقال يحيى الغساني: (لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل .. قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرقة ونقبا، فكتبت إليه أعلمه حال البلد، وأسأله: آخذ الناس بالظنة وأضربهم على التهمة؟ أو آخذهم بالبينة وما جرت عليه السنة؟ فكتب إلي: أن خذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة؛ فإن لم يصلحهم الحق .. فلا أصلحهم الله.
قال يحيى: ففعلت ذلك، فما خرجت من الموصل .. حتى كانت من أصلح البلاد، وأقله سرقة ونقبا) (١).
وقال رجاء بن حيوة: (سمرت ليلة عند عمر، فعشي السراج، وإلى جانبه وصيف، قلت: ألا أنبهه؟ قال: لا، قلت: أفلا أقوم؟ قال: ليس من مروءة الرجل استخدامه ضيفه، فقام إلى بطة الزيت، وأصلح السراج ثم رجع، وقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز) (٢).
وقال نعيم كاتبه: (قال عمر: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة) (٣).
وقال مكحول: (لو حلفت .. لصدقت؛ ما رأيت أزهد ولا أخوف الله من عمر بن عبد العزيز!!) (٤).
وقال سعيد بن أبي عروبة: (كان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت .. اضطربت أوصاله) (٥).
وقال عطاء: (كان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء، فيتذاكرون الموت والقيامة ثم يبكون، حتى كأن بين أيديهم جنازة) (٦).
وقال عبيد الله بن العيزار: (خطبنا عمر بن عبد العزيز بالشام على منبر من
стр. 365
طين، فقال: أيها الناس؛ أصلحوا أسراركم .. تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم .. تكفوا دنياكم، واعلموا: أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حي لمعرق له في الموت، والسلام عليكم) (١)
وقال وهيب بن الورد: (اجتمع بنو مروان إلى باب عمر بن عبد العزيز، فقالوا لابنه عبد الملك: قل لأبيك: إن من كان قبله من الخلفاء كان يعطينا ويعرف لنا موضعنا، وإن أباك قد حرمنا ما في يديه، فدخل على أبيه فأخبره، فقال له: قل لهم: إن أبي يقول لكم: ﴿إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾) (٢)
وقال الأوزاعي: (قال عمر بن عبد العزيز: خذوا من الرأي ما يصدق من كان قبلكم، ولا تأخذوا ما هو خلاف لهم؛ فإنهم خير منكم وأعلم) (٣) وقيل: قدم جرير فطال مقامه بباب عمر بن عبد العزيز ولم يلتفت إليه، فكتب إلى عون بن عبد الله وكان خصيصا بعمر: [من البسيط]
يا أيها القارئ المرخي عمامته … هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … أني لدى الباب كالمصفود في قرن (٤)
وقال جويرية بن أسماء: لما استخلف عمر بن عبد العزيز .. جاءه بلال بن أبي بردة فهنأه وقال: من كانت الخلافة شرفته .. فقد شرفتها، ومن كانت زانته .. فقد زنتها، وأنت كما قال مالك بن أسماء (٥): [من الخفيف]
وتزيدين طيب الطيب طيبا … إن تمسيه أين مثلك أينا
وإذا الدر زان حسن وجوه … كان للدر حسن وجهك زينا
стр. 366
وقال جعونة: (لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز .. جعل عمر يثني عليه، فقال له مسلمة: يا أمير المؤمنين؛ لو بقي .. كنت تعهد إليه؟ قال: لا، قال: ولم وأنت تثني عليه؟ قال: أخاف أن يكون زين في عيني منه ما زين في عين الوالد من ولده) (١).
وقال غسان: عن رجل من الأزد: (قال رجل لعمر بن عبد العزيز: أوصني، قال: أوصيك بتقوى الله وإيثاره .. تخف عنك المؤنة، وتحسن لك من الله المعونة) (٢).
وقال أبو عمرو: (دخلت ابنة أسامة بن زيد على عمر بن عبد العزيز، فقام لها ومشى إليها، ثم أجلسها في مجلسه وجلس بين يديها، وما ترك لها حاجة إلا قضاها) (٣)
وقال الحجاج بن عنبسة: (اجتمع بنو مروان فقالوا: لو دخلنا على أمير المؤمنين فعطفناه علينا، فدخلوا، فتكلم رجل منهم فمزح، فنظر إليه عمر، فوصل له رجل كلامه بالمزاح.
فقال: لهذا اجتمعتم؟! لأخس الحديث ولما يورث الضغائن؟! إذا اجتمعتم .. فأفيضوا في كتاب الله، فإن تعديتم ذلك .. ففي السنة عن رسول الله ﷺ ، فإن تعديتم ذلك .. فعليكم بمعاني الحديث) (٤).
وقال إياس بن معاوية بن قرة: (ما شبهت عمر بن عبد العزيز إلا برجل صناع حسن الصنعة، (ليست له أداة يعمل بها) يعني: لا يجد من يعينه) (٥)
وقال عمر بن حفص: (قال لي عمر بن عبد العزيز: إذا سمعت كلمة من
стр. 367
امرئ مسلم .. فلا تحملها على شيء من الشر ما وجدت لها محملا من الخير) (١).
[قصة صاحب الحرس مع سيدنا عمر بن عبد العزيز]
وقال يحيى الغساني: (كان عمر ينهى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحرورية، ويقول: ضمنهم الحبس حتى يحدثوا توبة، فأتي سليمان بحروري، فقال له سليمان: هيه، فقال الحروري: وماذا أقول يا فاسق بن الفاسق، فقال سليمان: علي بعمر بن عبد العزيز.
فلما جاء .. قال: اسمع مقالة هذا، فأعادها الحروري، فقال سليمان لعمر: ماذا ترى عليه؟ فسكت، قال: عزمت عليك؛ لتخبرني ماذا ترى عليه؟
قال: أرى عليه أن تشتمه كما شتمك، قال: ليس إلا [ذا]؟! فأمر به سليمان فضربت عنقه، وخرج عمر، فأدركه خالد صاحب الحرس، فقال: يا عمر؛ كيف تقول لأمير المؤمنين: ما أرى عليه إلا أن تشتمه كما شتمك؟! والله؛ لقد كنت متوقعا أن يأمرني بضرب عنقك.
قال: ولو أمرك .. فعلت؟ قال: إي والله.
فلما أفضت الخلافة إلى عمر .. جاء خالد فقام مقام صاحب الحرس، فقال عمر: يا خالد؛ ضع هذا السيف عنك، وقال: اللهم؛ إني قد وضعت لك خالدا فلا ترفعه أبدا، ثم نظر في وجوه الحرس، فدعا عمرو بن مهاجر الأنصاري، فقال: يا عمرو؛ والله لتعلمن أن ما بيني وبينك قرابة إلا قرابة الإسلام؛ ولكن سمعتك تكثر تلاوة القرآن، ورأيتك تصلي في موضع تظن ألا يراك أحد، فرأيتك تحسن الصلاة، وأنت رجل من الأنصار، خذ هذا السيف؛ فقد وليتك حرسي) (٢)
وقال شعيب: (حدثت أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على
стр. 368
أبيه، فقال: يا أمير المؤمنين؛ ما أنت قائل لربك غدا إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة فلم تحييها؟ فقال له أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيرا، يا بني؛ إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم .. لم آمن أن يفتقوا علي فتقا يكثر فيه الدماء، والله؛ لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سببي محجمة من دم، أوما ترضى ألا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا .. إلا وهو يميت فيه بدعة، ويحيي فيه سنة؟!) (١)
وقال معمر: (قال عمر بن عبد العزيز: قد أفلح من عصم من المراء والغضب والطمع) (٢)
وقال أرطاة بن المنذر: (قيل لعمر بن عبد العزيز: لو اتخذت حرسا، واحترزت في طعامك وشرابك؟ فقال: اللهم؛ إن كنت تعلم أني أخاف شيئا دون يوم القيامة .. فلا تؤمن خوفي) (٣)
[من خطب سيدنا عمر ونهجه في ذلك]
وقال عدي بن الفضل: (سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب فقال: اتقوا الله أيها الناس، وأجملوا في الطلب؛ فإنه إن كان لأحدكم رزق في رأس جبل، أو حضيض أرض .. يأته) (٤)
وقال أزهر: (رأيت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وعليه قميص مرقوع) (٥)
وقال عبد الله بن العلاء: (سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب في الجمع بخطبة واحدة يرددها، يفتتحها بسبع كلمات: الحمد لله نحمده، ونستعينه
стр. 369
ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله .. فلا مضل له، ومن يضلل .. فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله .. فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله .. فقد غوى
ثم يوصي بتقوى الله، ويتكلم، ثم يختم خطبته الأخيرة بقراءة هؤلاء الآيات: ﴿قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ إلى تمام العشر) (١).
وقال حاجب بن خليفة البرجمي: (شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله ﷺ وصاحباه .. فهو دين نأخذ به، وننتهي إليه، وما سن سواهما .. فإنا نرجئه) (٢).
أسند جميع ما قدمته أبو نعيم في «الحلية».
وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: (دخلنا على عمر بن عبد العزيز يوم العيد والناس يسلمون عليه ويقولون: تقبل الله منا ومنك يا أمير المؤمنين، فيرد عليهم ولا ينكر عليهم) (٣).
قلت: هذا أصل حسن للتهنئة بالعيد والعام والشهر.
[من وصاياه لعماله]
وأخرج عن جعونة قال: (ولى عمر بن عبد العزيز عمرو بن قيس السكوني الصائفة، فقال: اقبل من محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم، ولا تكن في أولهم فتقتل، ولا في آخرهم فتفشل، ولكن كن وسطا حيث يرى مكانك، ويسمع صوتك) (٤).
стр. 370
وأخرج عن السائب بن محمد قال: (كتب الجراح بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز: إن أهل خراسان قوم ساءت رعيتهم، وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك؟
فكتب إليه عمر: أما بعد: فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم، وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط؛ فقد كذبت، بل يصلحهم العدل والحق، فابسط ذلك فيهم، والسلام) (١)
وأخرج عن أمية بن يزيد القرشي قال: (كان عمر بن عبد العزيز إذا أملى علي كتابه .. قال: اللهم؛ إني أعوذ بك من شر لساني) (٢)
وأخرج عن صالح بن جبير قال: (ربما كلمت عمر بن عبد العزيز في الشيء فيغضب، فأذكر أن في الكتاب مكتوبا: اتق غضبة الملك الشاب، فأرفق به حتى يذهب غضبه، فيقول لي بعد ذلك: لا يمنعك يا صالح ما ترى منا أن تراجعنا في الأمر إذا رأيته) (٣)
وأخرج عن عبد الحليم بن محمد المخزومي قال: (قدم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز، فذهب ليقول، فنهاه عمر، فقال: إنما أذكر رسول الله ﷺ ؟ قال: أما رسول الله ﷺ .. فاذكر، فقال: [من الكامل]
إن الذي ابتعث النبي محمدا … جعل الخلافة للأمير العادل
رد المظالم حقها بيقينها … عن جورها وأقام ميل المائل
إني لأرجو منك خيرا عاجلا … والنفس مغرمة بحب العاجل
فقال له عمر: ما أجد لك في كتاب الله حقا!! قال: بلى يا أمير المؤمنين؛ إنني ابن سبيل، فأمر له من خاصة ماله بخمسين دينارا) (٤)
стр. 371
وفي «الطيوريات»: (أن حريز بن عثمان الرحبي دخل مع أبيه على عمر بن عبد العزيز، فسأله عمر عن حال ابنه، ثم قال له: علمه الفقه الأكبر، قال: وما الفقه الأكبر؟ قال: القناعة وكف الأذى).
وأخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن محمد بن كعب القرظي قال: (دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: صف لي العدل، فقلت: بخ!! سألت عن أمر جسيم، كن لصغير الناس أبا، ولكبيرهم ابنا، وللمثل منهم أخا، وللنساء كذلك، وعاقب الناس على قدر ذنوبهم؛ وعلى قدر أجسادهم، ولا تضربن لغضبك سوطا واحدا فتعدى فتكون من العادين) (١).
وأخرج عبد الرزاق في «مصنفه» عن الزهري: (أن عمر بن عبد العزيز كان يتوضأ مما مسته النار؛ حتى كان يتوضأ من السكر) (٢).
وأخرج عن وهيب: (أن عمر بن عبد العزيز قال: من عد كلامه من عمله .. قل كلامه) (٣).
وقال الذهبي: (أظهر غيلان القدر في خلافة عمر بن عبد العزيز، فاستتابه عمر، فقال: لقد كنت ضالا فهديتني، فقال عمر: اللهم؛ إن كان صادقا؛ وإلا .. فاصلبه واقطع يديه ورجليه، فنفذت فيه دعوته، فأخذ في خلافة هشام بن عبد الملك، وقطعت أربعته، وصلب بدمشق في القدر) (٤).
وقال غيره: (كان بنو أمية يسبون علي بن أبي طالب في الخطبة، فلما ولي عمر بن عبد العزيز .. أبطله، وكتب إلى نوابه بإبطاله، وقرأ مكانه: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ الآية، فاستمرت قراءتها في الخطبة إلى الآن) (٥).
стр. 372
وقال القالي في «أماليه»: حدثنا أبو بكر بن الأنباري، حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبيد قال: قال عمر بن عبد العزيز قبل خلافته (١): [من مجزوء الكامل]
انة الفؤاد عن الصبا … وعن انقياد للهوى
فلعمر ربك إن في … شيب المفارق والجلى
لك واعظا لو كنت تتـ … عظ اتعاظ ذوي النهى
حتى متى لا ترعوي … وإلى متى وإلى متى
ما بعد أن سميت كهـ … ـلا واستلبت اسم الفتى
بلي الشباب وأنت إن … عمرت رهن للبلى
وكفى بذلك زاجرا … للمرء عن غي كفى
فائدة [الصلع في الخلفاء]
قال الثعالبي في «لطائف المعارف»: (كان عمر أصلع، وعثمان وعلي ومروان بن الحكم وعمر بن عبد العزيز، ثم انقطع الصلع عن الخلفاء) (٢).
فائدة [امرأة حفها الخلفاء]
قال الزبير بن بكار: (قال الشاعر في فاطمة بنت عبد الملك زوجة عمر بن عبد العزيز: [من الكامل]
بنت الخليفة والخليفة جدها … أخت الخلائف والخليفة زوجها
قال: فلم تكن امرأة تستحق هذا البيت إلى يومنا هذا غيرها) (٣)
قلت: وإلى يومنا هذا
стр. 373
ذكر مرضه ووفاته
قال أيوب: (قيل لعمر بن عبد العزيز: لو أتيت المدينة؛ فإن مت .. دفنت في موضع القبر الرابع مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: والله؛ لأن يعذبني الله بكل عذاب إلا النار .. أحب إلي من أن يعلم الله مني أني أراني لذلك الموضع أهلا) (١).
وقال الوليد بن هشام: (قيل لعمر في مرضه: ألا تتداوى؟ فقال: لقد علمت الساعة التي سقيت فيها، ولو كان شفائي أن أمسح شحمة أذني، أو أوتى بطيب فأرفعه إلى أنفي .. ما فعلت) (٢).
وقال عبيد بن حسان: (لما احتضر عمر بن عبد العزيز .. قال: اخرجوا عني، فقعد مسلمة وفاطمة على الباب، فسمعوه يقول: مرحبا بهذه الوجوه، ليست بوجوه إنس ولا جان، ثم قال: ﴿تلك الدار الآخرة … ﴾ الآية، ثم هدأ الصوت، فدخلوا فوجدوه قد قبض) (٣).
وقال هشام: (لما جاء نعي عمر بن عبد العزيز .. قال الحسن البصري: مات خير الناس) (٤).
وقال خالد الربعي: (إنا نجد في التوراة: أن السماوات والأرض تبكي على عمر بن عبد العزيز أربعين صباحا) (٥).
وقال يوسف بن ماهك: (بينا نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز .. إذ سقط علينا كتاب رق من السماء فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار) (٦).
стр. 374
[وصيته وعهده لمن بعده]
وقال قتادة: (كتب عمر بن عبد العزيز إلى ولي العهد من بعده:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك، سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو.
أما بعد: فإني كتبت وأنا دنف من وجعي، وقد علمت أني مسؤول عما وليت، يحاسبني عليه مليك الدنيا والآخرة، ولست أستطيع أن أخفي عليه من عملي شيئا، فإن يرض عني .. فقد أفلحت ونجوت من الهوان الطويل، وإن سخط علي .. فيا ويح نفسي إلام أصير؟!
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجيرني من النار برحمته، وأن يمن علي برضوانه والجنة، فعليك بتقوى الله، والرعية الرعية؛ فإنك لن تبقى بعدي إلا قليلا والسلام) (١)
أسند هذا كله أبو نعيم في «الحلية».
توفي عمر بن عبد العزيز ﵁ بدير سمعان - بكسر السين - من أعمال حمص، لعشر بقين - وقيل: لخمس بقين - من رجب، سنة إحدى ومئة، وله حينئذ تسع وثلاثون سنة وستة أشهر، وكانت وفاته بالسم، كانت بنو أمية قد تبرموا به؛ لكونه شدد عليهم، وانتزع من أيديهم كثيرا مما غصبوه، وكان قد أهمل التحرز فسقوه السم.
قال مجاهد: (قال لي عمر بن عبد العزيز: ما يقول الناس في؟ قلت: يقولون: مسحور، قال: ما أنا بمسحور، وإني لأعلم الساعة التي سقيت فيها، ثم دعا غلاما له فقال: ويحك!! ما حملك على أن تسقيني السم؟!
قال: ألف دينار أعطيتها، وعلى أن أعتق، قال: هاتها، قال: فجاء بها،
стр. 375
فألقاها في بيت المال وقال: اذهب حيث لا يراك أحد) (١).
[من مات في عهده]
مات في أيامه من الأعلام: أبو أمامة بن سهل بن حنيف، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسالم بن أبي الجعد، وبشر بن سعيد، وأبو عثمان النهدي، وأبو الضحى.
стр. 376
خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم [١٠١ - ١٠٥ هـ] (١)
أبو خالد الأموي الدمشقي، ولد سنة إحدى وسبعين، وولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز بعهد من أخيه سليمان؛ كما تقدم (٢).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (لما ولي يزيد .. قال: سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز، فأتي بأربعين شيخا فشهدوا له: ما على الخلفاء حساب ولا عذاب!!) (٣).
وقال ابن الماجشون: (لما مات عمر بن عبد العزيز .. قال يزيد: والله؛ ما عمر بأحوج إلى الله مني، فأقام أربعين يوما يسير بسيرة عمر، ثم عدل عن ذلك) (٤).
وقال سليم بن بشير: (كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك حين احتضر: سلام عليك، أما بعد: فإني لا أراني إلا لما بي، فالله الله في أمة محمد؛ فإنك تدع الدنيا لمن لا يحمدك، وتفضي إلى من لا يعذرك، والسلام) (٥).
وفي سنة اثنتين: خرج يزيد بن المهلب على الخلافة، فوجه إليه مسلمة بن عبد الملك بن مروان، فهزم يزيد وقتل، وذلك بالعقر موضع بقرب كربلاء.
стр. 377
قال الكلبي: (نشأت وهم يقولون: ضحى بنو أمية يوم كربلاء بالدين، ويوم العقر بالكرم).
مات يزيد في أواخر شعبان، سنة خمس ومئة.
[من مات في عهده]
وممن مات في خلافته من الأعلام: الضحاك بن مزاحم، وعدي بن أرطاة، وأبو المتوكل الناجي، وعطاء بن يسار، ومجاهد، ويحيى بن وثاب مقرئ الكوفة، وخالد بن معدان، والشعبي عالم العراق، وعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وأبو قلابة الجرمي، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وآخرون.
стр. 378
خلافة هشام بن عبد الملك [١٠٥ - ١٢٥ هـ] (١)
أبو الوليد، ولد سنة نيف وسبعين، واستخلف بعهد من أخيه يزيد.
قال مصعب الزبيري: (رأى عبد الملك في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات، فسأل سعيد بن المسيب فقال: يملك من ولده لصلبه أربعة، فكان آخرهم هشام) (٢).
وكان هشام حازما عاقلا، كان لا يدخل بيت ماله مالا حتى يشهد أربعون قسامة: لقد أخذ من حقه، ولقد أعطى لكل ذي حق حقه.
وقال الأصمعي: (أسمع رجل مرة هشاما كلاما، فقال له: يا هذا؛ ليس لك أن تسمع خليفتك).
قال: وغضب مرة على رجل، فقال: (والله؛ لقد هممت أن أضربك سوطا).
وقال سحبل بن محمد: (ما رأيت أحدا من الخلفاء أكره إليه الدماء ولا أشد عليه من هشام) (٣).
وعن هشام أنه قال: (ما بقي شيء من لذات الدنيا .. إلا وقد نلته إلا شيء واحد؛ أخ أرفع مؤنة التحفظ فيما بيني وبينه) (٤).
وقال الشافعي: (لما بنى هشام الرصافة بقنسرين .. أحب أن يخلو يوما
стр. 379
لا يأتيه فيه غم، فما انتصف النهار حتى أتته ريشة بدم من بعض الثغور، فأوصلت إليه فقال: ولا يوما واحدا!!)
وقيل: إن هذا البيت له ولم يحفظ له سواه: [من الطويل]
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى … إلى بعض ما فيه عليك مقال
مات في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومئة.
وفي سنة سبع من أيامه: فتحت قيصرية (١) الروم بالسيف.
وفي سنة ثمان: فتحت خنجرة على يد البطال الشجاع المشهور (٢).
وفي سنة اثنتي عشرة: فتحت خرشنة في ناحية ملطية.
[من مات في عهده]
وممن مات في أيامه من الأعلام: سالم بن عبد الله بن عمر، وطاووس، وسليمان بن يسار، وعكرمة مولى ابن عباس، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وكثير عزة الشاعر، ومحمد بن كعب القرظي، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الصحابي آخرهم موتا، وجرير، والفرزدق، وعطية العوفي، ومعاوية بن قرة، ومكحول، وعطاء بن أبي رباح، وأبو جعفر الباقر، ووهب بن منبه، وسكينة بنت الحسين، والأعرج، وقتادة، ونافع مولى ابن عمر، وابن عامر مقرئ الشام، وابن كثير مقرئ مكة، وثابت البناني، ومالك بن دينار، وابن محيصن المقرئ، وابن شهاب الزهري، وخلائق آخرون.
стр. 380
ومن أخبار هشام [الحكمة في مخاطبة السلطان]
أخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: (أراد هشام بن عبد الملك أن يوليني خراج مصر فأبيت، فغضب حتى اختلج وجهه، وكان في عينيه الحول، فنظر إلي نظرا منكرا وقال: لتلين طائعا أو لتلين كارها، فأمسكت عن الكلام حتى سكن غضبه، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ أتكلم؟ قال: نعم.
قلت: إن الله تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها … ﴾ الآية، فوالله يا أمير المؤمنين؛ ما غضب عليهن إذ أبين، ولا أكرههن إذ كرهن، وما أنا بحقيق أن تغضب علي إن أبيت، ولا تكرهني إذ كرهت، فضحك وأعفاني) (١).
[موعظة خالد بن صفوان لهشام بن عبد الملك]
وأخرج عن خالد بن صفوان قال: (وفدت على هشام بن عبد الملك فقال: هات يا بن صفوان، قلت: إن ملكا من الملوك خرج متنزها إلى الخورنق، وكان ذا علم مع الكثرة والغلبة، فنظر وقال لجلسائه: لمن هذا؟ قالوا: للملك.
قال: فهل رأيتم أحدا أعطي مثل ما أعطيت؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة، فقال: إنك قد سألت عن أمر، فتأذن لي بالجواب؟ قال: نعم.
قال: أرأيت ما أنت فيه، أشيء لم تزل فيه، أم شيء صار إليك ميراثا وهو زائل عنك إلى غيرك كما صار إليك؟ قال: كذا هو.
قال: فتعجب بشيء يسير لا تكون فيه إلا قليلا، وتنقل عنه طويلا، فيكون عليك حسابا؟!
قال: ويحك!! فأين المهرب؟ وأين المطلب؟ وأخذته قشعريرة، قال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة الله تعالى على ما ساءك وسرك، وإما أن تنخلع
стр. 381
من ملكك وتضع تاجك، وتلقي عنك أطمارك وتعبد ربك؟
قال: إني مفكر الليلة وأوافيك السحر، فلما كان السحر .. قرع عليه بابه، فقال: إني اخترت هذا الجبل وفلوات الأرض، وقد لبست علي أمساحي، فإن كنت لي رفيقا .. لا تخالف، فلزما الجبل حتى ماتا.
وفيه يقول عدي بن زيد بن الحمار: [من الخفيف]
أيها الشامت المعير بالدهـ ر … أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيـ ـام … بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلدن أم من … ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أبو سا … سان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الـ … ـروم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجـ … ــلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كلـ … ـسا فللطير في ذراه وكور
لم تهبه ريب المنون فباد الـ … ـملك عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذ أشـ … ـرف يوما وللهدى تذكير
سره ماله وكثرة ما يمـ … ـلك والبحر معرض والسدير
فارعوى قلبه وقال وما غبـ … ـطة حي إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والأمـ … ـة وارتهم هناك القبور
ثم صاروا كأنهم ورق جـ … ــف فألوت به الصبا والدبور
قال: فبكى هشام حتى اخضلت لحيته، وأمر بأبنيته وطي فرشه، ولزم قصره، فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان وقالوا: ماذا أردت إلى أمير المؤمنين؟ أفسدت عليه لذته؟ فقال: إليكم عني؛ فإني عاهدت الله ألا أخلو بملك .. إلا ذكرته الله تعالى) (١).
стр. 382
خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم [١٢٥ - ١٢٦ هـ] (١)
الخليفة الفاسق، أبو العباس، ولد سنة تسعين، فلما احتضر أبوه .. لم يمكنه أن يستخلفه لأنه صبي، فعقد لأخيه هشام، وجعل هذا ولي العهد من بعد هشام، فتسلم الأمر عند موت هشام، في ربيع الآخر، سنة خمس وعشرين ومئة.
وكان فاسقا شريبا للخمر، منتهكا حرمات الله، أراد الحج ليشرب فوق ظهر الكعبة، فمقته الناس لفسقه، وخرجوا عليه، فقتل في جمادى الآخرة، سنة ست و عشرين.
وعنه: أنه لما حوصر .. قال: (ألم أزد في أعطياتكم؟! ألم أرفع عنكم المؤن؟! ألم أعط فقراءكم؟! فقالوا: ما ننقم عليك في أنفسنا؛ لكن ننقم عليك انتهاك ما حرم الله، وشرب الخمر، ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله (٢)
ولما قتل وقطع رأسه وجيء به يزيد الناقص .. نصبه على رمح، فنظر إليه أخوه سليمان بن يزيد فقال: بعدا له، أشهد أنه كان شروبا للخمر، ماجنا فاسقا، ولقد راودني على نفسي) (٣)
وقال المعافى الجريري: (جمعت شيئا من أخبار الوليد، ومن شعره الذي ضمنه ما فجر به من خرقه وسخافته، وما صرح به من الإلحاد في القرآن والكفر بالله).
стр. 383
وقال الذهبي: (لم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة، بل اشتهر بالخمر والتلوط، فخرجوا عليه لذلك) (١).
وذكر الوليد مرة عند المهدي، فقال رجل: (كان زنديقا، فقال المهدي: مه، خلافة الله عنده أجل من أن يجعلها في زنديق) (٢).
وقال مروان بن أبي حفصة: (كان الوليد من أجمل الناس، وأشدهم وأشعرهم).
وقال أبو الزناد: (كان الزهري يقدح أبدا عند هشام في الوليد ويعيبه ويقول: ما يحل لك إلا خلعه فما يستطيع هشام، ولو بقي الزهري إلى أن يملك الوليد .. لفتك به) (٣).
وقال الضحاك بن عثمان: أراد هشام أن يخلع الوليد ويجعل العهد لولده، فقال الوليد (٤): [من الطويل]
كفرت يدا من منعم لو شكرتها … جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن
رأيتك تبني جاهدا في قطيعتي … ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني
أراك على الباقين تجني ضغينة … فيا ويحهم إن مت من شر ما تجني
كأني بهم يوما وأكثر قيلهم … ألا ليت أنا حين يا ليت لا تغني
وقال حماد الراوية: (كنت يوما عند الوليد، فدخل عليه منجمان فقالا: نظرنا فيما أمرتنا فوجدناك تملك سبع سنين، قال حماد: فأردت أن أخدعه، فقلت: كذبا ونحن أعلم بالآثار وضروب العلم، وقد نظرنا في هذا فوجدناك تملك أربعين سنة، فأطرق ثم قال: لا، ما قالا يكسرني، ولا ما قلت يغرني، والله؛ لأجبين هذا المال من حله جباية من يعيش الأبد، ولأصرفنه في حقه صرف من يموت الغد) (٥).
стр. 384
وقد ورد في «مسند أحمد» حديث: «ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له: الوليد، لهو أشد على هذه الأمة من فرعون لقومه» (١).
وقال ابن فضل الله في «المسالك»: (الوليد بن يزيد، الجبار العنيد، لقبا ما عداه، ولقما (٢) سلكه فما هداه، فرعون ذلك العصر الذاهب، والدهر المملوء بالمعائب، يأتي يوم القيامة يقدم قومه فيوردهم النار، ويرديهم العار، وبئس الورد المورود، والمرد (٣) والمردي في ذلك الموقف المشهود، رشق المصحف بالسهام، وفسق ولم يخف الآثام) (٤)
وأخرج الصولي عن سعيد بن سليم قال: (أنشد ابن ميادة الوليد بن يزيد شعره الذي يقول فيه: [من الطويل]
فضلتم قريشا غير آل محمد … وغير بني مروان أهل الفضائل
فقال له الوليد: أراك قد قدمت علينا آل محمد؟! فقال ابن ميادة: ما أراه يجوز غير ذلك!!) (٥)
وابن ميادة هذا هو القائل في الوليد أيضا من قصيدة طويلة (٦): [من الطويل]
هممت بقول صادق أن أقوله … وإني على رغم العداة لقائله
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا … شديدا بأعباء الخلافة كاهله
стр. 385
خلافة يزيد الناقص [١٢٦ هـ] (١)
أبو خالد بن الوليد بن عبد الملك، لقب بالناقص؛ لكونه نقص الجند من أعطياتهم، وثب على الخلافة، وقتل ابن عمه الوليد وتملك.
وأمه: شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد، وأم فيروز: بنت شيرويه بن كسرى، وأم شيرويه: بنت خاقان ملك الترك، وأم أم فيروز: بنت قيصر عظيم الروم؛ فلهذا قال يزيد يفتخر (٢): [من الرجز]
أنا ابن كسرى وأبي مروان … وقيصر جدي وجدي خاقان
قال الثعالبي: (هو أعرق الناس في الملك والخلافة من كلا طرفيه) (٣).
ولما قتل يزيد الوليد .. قام خطيبا، فقال: (أما بعد: إني والله؛ ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي؛ ولكن خرجت غضبا لله ولدينه، وداعيا إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ ، حين درست معالم الهدى، وطفيء نور أهل التقوى، وظهر الجبار المستحل للحرمة، والراكب البدعة، فلما رأيت ذلك .. أشفقت إذ غشيتكم ظلمة لا تقلع عنكم على كثرة من ذنوبكم، وقسوة من قلوبكم، وأشفقت أن يدعو كثيرا من الناس إلى ما هو عليه فيجيبه، فاستخرت الله في أمري، ودعوت من أجابني من أهلي وأهل ولايتي، فأراح الله منه البلاد والعباد ولاية من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 386
أيها الناس؛ إن لكم عندي إن وليت أموركم .. ألا أضع لبنة على لبنة، ولا حجرا على حجر، ولا أنقل مالا من بلد حتى أسد ثغره، وأقسم بين مصالحه ما تقوون به؛ فإن فضل فضل .. رددته إلى البلد الذي يليه حتى تستقيم المعيشة، وتكونوا فيه سواء، فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم .. فأنا لكم، وإن ملت .. فلا بيعة لي عليكم، وإن رأيتم أحدا أقوى مني عليها فأردتم بيعته .. فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته، وأستغفر الله لي ولكم) (١).
وقال عثمان بن أبي العاتكة: (أول من خرج بالسلاح في العيد: يزيد بن الوليد، خرج يومئذ بين صفين من الخيل عليهم السلاح من باب الحصن إلى المصلى) (٢).
وعن أبي عثمان الليثي: (قال يزيد الناقص: يا بني أمية؛ إياكم والغناء؛ فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل المسكر، فإن كنتم لا بد فاعلين .. فجنبوه النساء؛ فإن الغناء داعية الزنا) (٣).
وقال ابن عبد الحكم: (سمعت الشافعي ﵁ يقول: لما ولي يزيد بن الوليد .. دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه، وقرب أصحاب غيلان).
ولم يمتع يزيد بالخلافة، بل مات من عامه في سابع ذي الحجة، فكانت خلافته ستة أشهر ناقصة، وكان عمره خمسا وثلاثين سنة، وقيل: ستا وأربعين سنة، ويقال: إنه مات بالطاعون.
стр. 387
خلافة إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك [١٢٦ هـ] (١)
أبو إسحاق، بويع بالخلافة بعد موت أخيه يزيد الناقص، فقيل: إنه عهد إليه، وقيل: لا.
قال برد بن سنان: (حضرت يزيد بن الوليد وقد احتضر، فأتاه قطن فقال: أنا رسول من وراء بابك، يسألونك بحق الله لما وليت أمرهم أخاك إبراهيم، فغضب وقال: أنا أولي إبراهيم؟! ثم قال: يا أبا العلاء؛ إلى من ترى أعهد؟ قلت: أمر نهيتك عن الدخول فيه، فلا أشير عليك في آخره، قال: وأغمي عليه حتى حسبته قد مات، فقعد قطن فافتعل كتابا بالعهد على لسان يزيد ودعا ناسا، فاستشهدهم عليه، ولا والله ما عهد يزيد شيئا) (٢)
ومكث إبراهيم في الخلافة سبعين ليلة، ثم خلع، خرج عليه مروان بن محمد وبويع، فهرب إبراهيم، ثم جاء وخلع نفسه من الأمر، وسلمه إلى مروان، وبايع طائعا.
وعاش إبراهيم بعد ذلك إلى سنة اثنتين وثلاثين، فقتل فيمن قتل من بني أمية في وقعة السفاح.
وفي «تاريخ ابن عساكر»: (سمع إبراهيم: من الزهري، وحكى عن: عمه هشام، حكى عنه: ابنه يعقوب) (٣).
وأمه: أم ولد، وهو أخو: مروان الحمار لأمه.
стр. 388
وكان خلعه يوم الاثنين، لأربع عشرة خلت من صفر، سنة سبع وعشرين ومئة.
وقال المدائني: (لم يتم لإبراهيم أمر؛ كان قوم يسلمون عليه بالخلافة، وقوم يسلمون عليه بالإمرة، وأبى قوم أن يبايعوا له).
وقال بعض شعرائهم (١): [من الطويل]
نبايع إبراهيم في كل جمعة … ألا إن أمرا أنت واليه ضائع
وقال غيره: (كان نقش خاتمه: إبراهيم يثق بالله) (٢).
стр. 389
خلافه مروان الحمار [١٢٧ - ١٣٢ هـ] (١)
آخر خلفاء بني أمية، أبو عبد الملك بن محمد بن مروان بن الحكم.
ويلقب بالجعدي نسبة إلى مؤدبه الجعد بن درهم، وبالحمار؛ لأنه كان لا يجف له لبد في محاربة الخارجين عليه.
كان يصل السرى بالسير، ويصبر على مكاره الحرب (٢).
ويقال في المثل: فلان أصبر من حمار في الحروب؛ فلذلك لقب به، وقيل: لأن العرب تسمي كل مئة سنة حمارا، فلما قارب ملك بني أمية مئة سنة. لقبوا مروان بالحمار لذلك.
ولد مروان بالجزيرة، وأبوه متوليها، سنة اثنتين وسبعين، وأمه: أم ولد.
وولي قبل الخلافة ولايات جليلة، وافتتح قونية سنة خمس ومئة.
وكان مشهورا بالفروسية والإقدام والرجلة (٣) والدهاء والعسف، فلما قتل الوليد، وبلغه ذلك وهو على أرمينية. دعا إلى بيعة من رضيه المسلمون فبايعوه، فلما بلغه موت يزيد. أنفق الخزائن، وسار فحارب إبراهيم فهزمه، وبويع مروان؛ وذلك في نصف صفر سنة سبع وعشرين، واستوثق له الأمر، فأول ما فعل: أمر بنبش يزيد الناقص، فأخرجه من قبره وصلبه؛ لكونه قتل الوليد (٤).
стр. 390
ثم إنه لم يتهن بالخلافة؛ لكثرة من خرج عليه من كل جانب إلى سنة اثنتين وثلاثين، فخرج عليه بنو العباس؛ وعليهم عبد الله بن علي عم السفاح، فسار لحربهم، فالتقى الجمعان بقرب الموصل، فانكسر مروان، فرجع إلى الشام، فتبعه عبد الله، ففر مروان إلى مصر، فتبعه صالح أخو عبد الله، فالتقيا بقرية بوصير، فقتل مروان بها في ذي الحجة من السنة.
[من مات في عهده]
مات في أيامه من الأعلام: الشدي الكبير، ومالك بن دينار الزاهد، وعاصم بن أبي النجود المقرئ، ويزيد بن أبي حبيب، وشيبة بن نصاح المقرئ، ومحمد بن المنكدر، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع مقرئ المدينة، وأيوب السختياني، وأبو الزناد، وهمام بن منبه، وواصل بن عطاء المعتزلي.
[من عجائب الدهر لسان مروان في فم هر]
وأخرج الصولي عن محمد بن صالح قال: (لما قتل مروان الحمار .. قطع رأسه ووجه به إلى عبد الله بن علي، فنظر إليه وعزل، فجاءت هرة فاقتلعت لسانه وجعلت تمضغه، فقال عبد الله بن علي: لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في فم هر .. لكفانا ذلك!!).